← Акыда

Акыда · id 37696

شرح كتاب التوحيد لابن خزيمة - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (302 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

حكم سب الرسول ﷺ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [روى سليمان وهو الأعمش قال: سمعت أبا وائل قال: قال عبد الله: قسم رسول الله ﷺ قسماً فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فاحمر وجهه، وغضب حتى وددت أني لم أخبره، قال شعبة: أحسبه قال: يرحمنا الله وموسى -شك شعبة في (يرحمنا وموسى) - قد أوذي بأكثر من هذا فصبر]. في هذا الحديث يشعر الإنسان بالأسى والحزن عندما يرى التجرؤ على رسول الله ﷺ ، وكان في عصر الصحابة من قبل هذا الأعرابي، أما الصحابة فقد كانوا إذا سمعوا هذا الكلام عن النبي ﷺ تقوم لهم الثائرة، ويكون أحدهم كالأسد الثائر لا يهنأ بعيش حتى يقتص لرسول الله ﷺ ، وقد ضرب أروع الأمثلة على ذلك رجل أعمى في امرأته التي هي من العاطفة ومن الود والمحبة منه بمكان، ولكنها كانت تتغنى بسب الرسول ﷺ ، وتقول الشعر في الرسول ﷺ ، في حين أنها كانت ترعى زوجها هذا، وهو رجل أعمى لا يستطيع أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يذهب ليقضي حاجته إلا مع من يساعده على ذلك، وكانت امرأته هي التي تفعل ذلك به، فلما سمعها تتكلم في رسول الله ﷺ قام فبقر بطنها وقتلها، ولما ذهب إلى رسول الله ﷺ وأخبره أهدر النبي ﷺ دمها. فما بالنا نرى ونسمع الآن ما يحترق له القلب، وما يعتصر له القلب ألماً عن رسول الله ﷺ من مسبة وشتم واستهانة واستهزاء به، ولا نجد من يدافع عن رسول الله ﷺ إلا بالألسنة فقط، ففي عصورنا كثر المتجرءون بدعوى حرية الرأي، وحرية النشر، فـ سلمان رشدي سب رسول الله ﷺ ، وسب الصحابة، وأزواج النبي ﷺ . وآخر أخذ جائزة نوبل، وهو الذي سب الرسول ﷺ ، وهذه الأمور كلها تحصل تحت ستار حرية الرأي، فهل من حرية الرأي أن يستهزئ المرء برسول الله ﷺ أو يطعن في عرض رسول الله ﷺ ؟ فإن الصحابة عندما سمعوا مثل هذا الكلام كفروا من قاله، وقد قلنا في القاعدة التي قعدناها: إن القول قد يكون كفراً، أو الفعل كفراً، ولكن القائل والفاعل ليس بكافر حتى تقام عليه الحجة، ولكن في هذه المسألة يختلف الأمر، ولا يحتاج فيها إلى إقامة حجة؛ لأن الاستهزاء أو السب معلوم بمجرد الوصف، فمن سب رسول الله ﷺ فقد كفر، وارتد عن دين الله. ويدل على ذلك هذا الحديث العظيم، عندما قام هذا الخارجي غائر العينين يقول لرسول الله ﷺ وهو يقسم: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله! وكأن النبي ﷺ لا يريد ابتغاء وجه الله جل وعلا، فقال النبي ﷺ مندهشاً (ويحك، أو ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل). فلما قال هذه الكلمة كفر في وقتها، ويدل على ذلك فعل الصحابة، وذلك أنه قام خالد، وفي رواية أخرى قام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق. ونستفيد من هذه الكلمة أمرين: الأمر الأول: أنه وصفة بالنفاق، والنفاق كان اعتقادياً لا عملياً، فهو يخرج من الملة، ويدل على ذلك قولهم بضرب العنق، فإن النفاق العملي هو الذي قال عنه النبي ﷺ (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب)، هل حكم من يكذب في حديثه القتل؟ الجواب لا، فهذا النفاق الذي يستحق صاحبه القتل هو النفاق الاعتقادي، والنبي ﷺ ما أنكر على خالد هذا، ولا قال له: لا تقل له: منافق، لكنه نحاه عن القتل، وأقره على فهمه، وهو يستحق القتل، وسأدلل على هذا بأنه جاء في حديث آخر الإشارة إلى أنه يستحق القتل، لكن عدم قتله كان لأمر آخر وعلة أخرى وهي قوله ﷺ : (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)، ثم إن آخر الرواية تدل على أنه منافق يستحق القتل، وذلك أن النبي ﷺ قال: (يخرج من ضئضئ هذا الرجل أناس يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم)، ثم قال: (لو أدركتهم لقتلتهم قتل عاد وإرم). فهذه دلالة على كفره بهذا وخروجه من هذه الملة، فسب الرسول ﷺ كفر، وليس فيه عذر بالجهل، وليس فيه إقامة حجة، ولا إزالة شبهة؛ لأنه معلوم ضرورة. وقد وقع اتفاق أهل العلم أن حد هذا الكافر المرتد القتل؛ لقول النبي ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه)، واختلف العلماء هل يستتاب أو لا يستتاب؟ والصحيح الراجح أنه يستتاب حتى لا يقتل ردة، والدليل فعل عمر، وإذا كانت الاستتابة يعامل بها الكافر، فمن باب أولى الرجل الذي كان مسلماً فكفر ويرجى له أن يرجع إلى الإسلام سريعاً، فالشريعة تفتح أبوابها على مصراعيها للكافر ليدخل في الإسلام، فالمسلم من باب أولى عليه أن يرد إلى الإسلام فيستتاب فإن كان الحد حقاً لله كاستهزاء بالله أو سب له جل وعلا، فإنه يستتاب ولا يقتل، بل يسقط عنه حكم القتل. أما في حق النبي ﷺ في عصرنا فلا يسقط عنه حد القتل على الراجح من أقوال أهل العلم، نعم يستتاب ليقتل حداً لا ردة، يعني: فلا يعاقب يوم القيامة على سبه للرسول ﷺ بعد ما تاب وقتل حداً، فإذا سب الله إذا تاب لا يقتل، وإذا سب رسول الله ﷺ وتاب فلا بد أن يقتل، والفارق بينهما أن الله جل وعلا بين لنا أن رحمته سبقت غضبه، وأن الله جل وعلا في حقه يسامح ويغفر. والنبي ﷺ كذلك كان في حياته كما عمل مع عبد الله بن أبي السرح لما سب النبي ﷺ ، وكان يكتب للنبي الوحي، ففر إلى مكة وقال: كنت أكتب الوحي للرسول، فيقول لي: اكتب كذا فأكتب غيره، يريد أن يشكك في رسول الله ﷺ ، ثم ارتد، ولما ذهب إلى عثمان، وجاء به عثمان إلى الرسول، ومد يده ثلاث مرات ليبايع النبي ﷺ ، والنبي ﷺ يغض الطرف عنه، ويريد أحداً يقوم يقتله، وفي الثالثة بايعه النبي ﷺ ، فقال لهم: (أما قام أحدكم عندما رآني لا أريد أن أبايعه يقتله، فقالوا: كيف نعرف يا رسول الله؟ لو أشرت إلينا بعينك)، ولكن أدبه النبوي جعله يقول: (ما كان للنبي أن يكون له خائنة الأعين). يعني: أن النبي ﷺ له أن يسقط هذا الحد، وكما أسقط في هذه الحالة، ولم يرد قتل هذا الخارجي الذي قال: هذه قسمة لا يراد بها وجه الله جل وعلا، وذلك لمصلحة أعظم. وأيضاً أسقط القتل عن ابن أبي السرح؛ لأنه حق النبي ﷺ ، فإذا تنازل عنه فله ذلك، لكن أين النبي ﷺ في عصرنا ليتنازل عن حقه؟ فنقول: الأصل في زماننا إقامة الحد عليه وهو القتل، إلا أن يتنازل الرسول، وهذا ليس موجوداً في عصورنا هذه، فلا بد أن يقام عليه الحد، حيث لا ناقل لنا عن الأصل، فيستتاب فإن تاب ورجع فإنه يقتل حداً لا ردة، بل يقتل على الإسلام، وإن لم يتب يقتل ردة، ولا يكون مسلماً.

стр. 72

درء المفاسد مقدم على جلب المصالح استنبط العلماء من هذه الرواية العظيمة قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وذلك أنه عندما قام خالد فقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، فتلك مصلحة؛ ليزجر كل متجرئ عن هذا المنكر العظيم. لكن كان هناك مفسدة أعظم منه، وهي: أن المنافقين والمشركين الذين يتربصون بالمسلمين الدوائر يفرحون بها أيما فرح، فينشرون بين الناس أن محمداً يقتل أصحابه، فيخشى الناس من الدخول إلى الإسلام، وهذه مفسدة أعظم من تلك المصلحة، فراعى النبي ﷺ هذه المفسدة ودرأها، ولم يجلب تلك المصلحة إذ المفسدة أعظم. ومما يدخل تحت هذه القاعدة مسألة سب الأصنام فإنها مصلحة لا مفسدة، فتسفيه أحلام الذين يعبدونها من دون الله جل وعلا مصلحة، لكن هناك مفسدة أعظم إذا سب المؤمن الصنم، وهي أن يقوم كافرهم وجاهلهم وخبيثهم فيسب الله جل وعلا، وهذه مفسدة أعظم بكثير من مصلحة سب هذه الأصنام، ولذلك منعنا الله من سب الأصنام درءاً للمفسدة فقال: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨]، فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة. وكذلك تغيير بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، فهي الآن ليست كما بناها إبراهيم ﵇، فإن النبي ﷺ دخل على عائشة ﵂ وأرضاها عندما هاله أن رأى قريشاً جعلوا باب الكعبة عالٍ حتى لا يدخل إلا الأماجد الأكارم وكبراء الناس عندهم، وأيضاً رأى أن قواعدها ليست على قواعد إبراهيم، فقال: (لولا أن قومك حديثو عهد بالإسلام لهدمت الكعبة، ولبنيتها على قواعد إبراهيم، ولجعلت لها بابين: باب يدخل منه الناس)، يعني: كل الناس الفقير منهم والغن، والوضيع والرفيع، (وباب منه يخرجون). فهذا الحديث أصل في أن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة. فالمصلحة أن تكون الكعبة على قواعد إبراهيم، فذلك هو مكانها الصحيح؛ وأن يكون باب الكعبة متاحاً؛ ليدخل منه الرفيع والوضيع، ولكن هذا الفعل سينتج عنه مفسدة أعظم، وذلك أنه لو هدم الكعبة وهم دخلوا الإسلام قريباً، فسيقولون: إنه لا يقدس الكعبة، وآباؤنا كانوا يقدسون الكعبة، فيفتنون عن دينهم، فلذلك راعى النبي ﷺ المفسدة والمصلحة.

стр. 73

التذلل لله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن أبي الدرداء عن زيد بن ثابت (أن النبي ﷺ علمه، وأمره أن يتعاهد أهله في كل صباح: لبيك اللهم لبيك وسعديك، والخير في يديك، ومنك إليك) الحديث بتمامه. وفي هذا الحديث: (اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، وشوقاً إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة)]. هذا الحديث يبين أن سيد الخلق أجمعين كان يسارع في مرضاة ربه جل وعلا، فهو يقول: لبيك وسعديك، لبيك اللهم لبيك أي: أجيبك إجابة بعد إجابة، وكان الصحابة يتمثلون ذلك فيقولون: لبيك تعبداً ورقاً، لبيك إخلاصاً وورعاً، كما ورد عن بعض الصحابة، وكأن لسان حاله: (وعجلت إليك ربي لترضى) والخير في يديك، ومنك وإليك، وفي هذا دلالة على أن الإنسان إذا كان في خير فإن هذا ليس منه، ولا من ذكائه وفعله، بل كل خير فيه هو من الله جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، وقال جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِيْ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨]، فلا يقول الإنسان: أنا الذي فهمت هذا الفهم، بل يقول: الله فهمني هذا. كان ابن تيمية يمرغ وجهه في التراب ويقول: يا معلم إبراهيم علمني، يا مفهم سليمان فهمني، قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]. قوله: (فالخير منك وإليك)، يعني: من الله جل وعلا، يرد الفضل إلى الله جل وعلا، فمن اعتقد هذا الاعتقاد الصحيح فلن يتذلل ولن يلين قلبه إلا لله جل وعلا، ولن يرى مستحيلاً في هذه الدنيا؛ لأنه يرى كل شيء تحت قدرة الله تعالى، فإن أبا بكر ﵁ وأرضاه أصبح خير هذه الأمة بعد رسول الله بمنة الله جل وعلا وفضله. إن هذا الحديث يدعونا إلى الطمع الكبير في فضل الله، وإن كان الطمع مذموماً في أمور الدنيا، لكنه ممدوح في الدين، فيطمع المرء طمعاً كبيراً في فضل الله جل وعلا، فإن أردت أن تكون شهيداً فاطمع في إعطاء ربك، أو أن تكون عالماً فاطمع في فضل ربك، أو أن ترافق النبي ﷺ في الفردوس الأعلى فاطمع في فضل ربك، واعلم أن الخير كله بيد الله جل وعلا.

стр. 74

المخرج من الفتن الاعتصام بأمر الله قول النبي ﷺ (وشوقاً إلى لقائك في غير الضراء مضرة، ولا فتنة مضلة) يجرنا هذا الحديث إلى الكلام عن مسألة الفتن التي تأتي وتجعل الحليم حيراناً، فما أخوف حال المرء في الفتنة! وللإنسان في ذلك أحوال: الأول: حال المنفرد في العزلة، وذلك بأن يعض على أصل شجرة إلى أن يرى الخير فيذهب إليه، فإن لم ير ذلك فالعزلة، والعزلة أفضل، وأعني: العزلة القلبية لا العزلة الجسدية، وذلك بأن تكون مع الناس بجسدك لا بروحك، روحك في السماء تحلق، وقلبك معلق بالعرش، وجسدك مع البشر تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتصبر على أذاهم، فهذه هي الحالة الأولى ولا بد لكل إنسان أن يتمرس عليها من الآن. الحالة الثانية: أن تتمنى الموت، وذلك إن لم تر الخير، أو لم تر أنك تقدم لدين الله جل وعلا شيئاً، أو أنك لن تقدر على النجاة من هذه الفتن التي تطرأ على هذه الأمة، فحينها تتمنى الموت في غير فتنة، وهذا استثناء من الأصل العام الذي أصله الشرع، وهو النهي عن تمني الموت إلا في هذه، وهي عندما تخشى على نفسك أو على دينك من الفتنة، فلك أن تتمنى الموت، والدليل على ذلك من الكتاب قوله تعالى عن مريم: ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسِيَّاً مَنْسِيَّا﴾ [مريم:٢٣]، وهي إنما قالت ذلك خشية على نفسها من فتنة الدين أو أن يتهموها بالزنى، وقد قالوا لها: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٨]، فالإنسان يمكنه أن يتمنى الموت في حال الفتنة، كما قال النبي ﷺ : (في غير فتنة مضلة). وهذا آخر ما يستنبط من فوائد هذين الحديثين.

стр. 75

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - تكملة باب ذكر إثبات وجه الله تعالى وصفة الصورة لله لله وجه يليق بجلاله كما أثبت ذلك لنفسه في كتابه وأثبته له رسوله ﷺ في سنته، وقد جاء في حديث إثبات الصورة لله، واختلف العلماء في تصحيحه وتوجيهه، والقاعدة عند أهل السنة: أن ما ثبت لله بالدليل يثبت بلا تشبيه ولا تكييف، وبلا تحريف ولا تعطيل.

стр. 76

إثبات صفة الوجه لله ﵎ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: إخوتي الكرام: ما زلنا مع هذا العلم الشريف، علم الأسماء والصفات، وهو من أشرف العلوم؛ لأنه لا أشرف من الله جل في علاه. وقد تكلمنا عن صفة جليلة عظيمة: وهي صفة الوجه لله جل وعلا، وبينا أن هذه الأمة إذا اعتقدت اعتقاداً جازماً أن لله جل وعلا وجهاً كريماً فلا بد أن تسعى وتتشوق لرؤية هذا الوجه الكريم، وتؤهل نفسها وعينها وجسدها وقلبها تأهيلاً جليلاً يرتقي بالمرء لأن يرى وجه ربه الجليل، وقلنا: إنه يجب على هذه الأمة إجلال وجه الله وإكرامه جل وعلا، وبينا السبيل إلى ذلك، ونزيدها وضوحاً في هذا اليوم. فنقول: إن من إجلال وجه الله جل وعلا ألا يسأل بوجه الله جل وعلا شيء خفيف من هذه الدنيا الفانية، فالمرء المعظم لوجه الله الكريم لا يسأل بوجه الله جل وعلا رغيف عيش يعيش به، أو امرأة جميلة يتزوجها، أو أموالاً طائلة يغتني بها في هذه الدنيا الزائفة الزائلة، وقد بين النبي ﷺ عظم هذه المسألة، ونهى أن يسأل بوجه الله جل وعلا غير الجنة فقال: (لا تسألوا بوجه الله إلا الجنة)، لكن من سألك بوجه الله فعليك أن تعطيه، كما قال النبي ﷺ (من سألكم بالله فأعطوه)، ومن سألك أيضاً بوجه الله فعليك أن تعطيه؛ إجلالاً وتعظيماً وإكراماً لوجه الله جل وعلا، وبينا أن لوجه الله سمات وصفات وصف الله جل وعلا بها وجهه: أول هذه الصفات: أن وجه الله ذو جلال وإكرام، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]. ثانياً: أن وجه الله جل وعلا ذو بهاء وعظمة وأنوار، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يرفع القسط ويخفضه، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه) أي: أنوار وبهاء وعظمة وجه الله جل وعلا، (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، وبصر الله ينتهي إلى كل خلقه سبحانه جل في علاه. ثالثاً: أن وجهه سبحانه عليه رداء الكبرياء، كما قال النبي ﷺ : (جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وليس بين القوم وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه جل في علاه). رابعاً: أن هناك حجاباً يحجب البشر عن رؤية وجه الله جل وعلا في هذه الدنيا، قال: (حجابه النور)، وفي رواية (حجابه النار)، وفي بعض الروايات الموقوفة عن ابن عمر: (سبعون حجاباً: حجاب النور وحجاب الظلمة وحجاب النار وحجاب الماء.

стр. 77

الاشتراك في الاسم لا يدل على التساوي في المسمى يجب علينا أن نعتقد اعتقاداً جازماً: أن لله صفة خبرية نؤمن بها ونعتقدها بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل، هذه الصفة الخبرية هي صفة وجه الله جل وعلا، وأن نرد على المعطلة والمشبهة الذين خافوا من أن يقعوا في التشبيه فنفوا هذه الصفة بقاعدة -شرحناها سابقاً ونزيد فيها تفصيلاً اليوم- هي: أن الاشتراك في الاسم لا يستلزم إثبات المسمى، ويجب أن نقول قبل هذه القاعدة: إن من صفات وجه الله جل وعلا: أن وجه الله له البقاء لم يزل متصفاً بالوجه ولا يزال؛ لأن صفات الله الخبرية أزلية أبدية، كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، أما وجوه البشر فإلى زوال وإلى فناء، وقال سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] . أما القاعدة التي تقول: إن الاشتراك في الاسم لا يستلزم الاشتراك أو التساوي في المسمى، فمعناها: أن الله سبحانه قد سمى نفسه بأسماء مماثلة لأسماء البشر، وكذلك الصفات، فلله يد وللبشر أيدي، كما قال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، ولله سمع وبصر وكذلك الإنسان، فإنه يوصف بأنه سميع بصير، والله أيضاً يسمي نفسه بالغني وبعض البشر يطلق عليه اسم الغني، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحج:٦٤]، وقال النبي ﷺ : (فإن هم أطاعوك فأخبرهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم). وأيضاً: يسمى الله تعالى ويوصف بأنه كريم، ويوصف كذلك كثير من البشر بالكرم، كما قال النبي ﷺ عن الله جل وعلا: (إن الله حيي كريم)، فيد الله ويد البشر، وسمع الله وسمع البشر، الاشتراك هنا في الاسم لا يستلزم الاشتراك في المسمى، فيد الله ليست كيد المخلوق، فعندما تمثل يد الإنسان بيد غيره من الحيوانات فإننا نجد أنها تختلف عن يد الحيوانات في سائر الصفات، فللإنسان يد وللفيل يد وللقرد يد وللأسد يد وللجمل يد، فهل يد الإنسان كيد الفيل، أو يد الفيل كيد القرد أو كيد الجمل؟ هناك تفاوت وتباعد مع أن هذه يد وهذه يد وهذه يد، فالاشتراك في الاسم لا يستلزم الاشتراك في المسمى، وأشرف هذه الأيادي هي يد البشر بالنسبة للمخلوقات، فإن كان هذا بالنسبة للإنسان فالله أجل وأعلى وأولى بالكمال ، فيد الله لا تماثل ولا تشابه يد المخلوق، بل يد المخلوق لا يمكن أن ترتقي إلى يد الله جل وعلا، ونحن نعتقد هذه الصفة تحت قاعدة مهمة جداً منبثقة عن آية كريمة وهي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فلله يد لكنها يد تليق بجلاله وكماله ، ولله وجه كما أن للإنسان وجهاً، لكننا لا نستطيع أن نساويه بوجه البشر؛ لأننا تحت هذه القاعدة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فوجه الله يليق بجلاله وعظمته وبهائه ، أما وجه البشر فهو يليق بنقصه وبضعفه، وأجلى ما يكون في ذلك: أن الله سمى نفسه تواباً فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٦]، وتجد من البشر من هو تواب، قال ﷺ : (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، فوصف الإنسان بالتواب، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، والبون شاسع بين أن يكون الله هو التواب وبين أن يكون المخلوق هو التواب، فمعنى التواب في حق الله: أنه يتوب على عباده، ويرزقهم، ويلهم في قلب العاصي التوبة؛ ليتذلل ويئوب إلى ربه جل وعلا فيقبل منه هذه التوبة، فتوبة العبد محفوفة بتوبتين: توبة قبلية: وهي التوفيق والسداد له بأن يتوب، وتوبة بعدية: وهي أن يقبل الله توبته، وهذا معنى التواب في حقه ، أما تسمية العبد بالتواب؛ فلأنه يعصي ويتعدى الحدود ثم يرجع فيئوب ويخضع ويتوب إلى الله جل وعلا، فهناك بون شاسع بين صفات الله جل وعلا وبين صفات البشر، وهذه الحقيقة تتجلى بها القاعدة التي بيناها: أن الاشتراك في الاسم لا يستلزم التساوي في المسمى.

стр. 78

حديث: (إن الله خلق آدم على صورته) نأتي إلى مسألة مهمة جداً ذكرها الإمام ابن خزيمة في باب: ذكر أخبار رويت عن النبي ﷺ في مسألة الصورة، وهي مسألة متعلقة بصفات الله جل وعلا، وهذه المسألة منبعها من سنة رسول الله ﷺ ، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا يقولن أحدكم لأحد: قبح الله وجهك؛ فإن الله خلق آدم على صورته)، وقال: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته). وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقبحوا الوجه، فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن). وهذا الباب باب عظيم جداً؛ فهو يتكلم عن صفة خبرية، فهل لله صورة؟ نحن نعرف أن للإنسان صورة متكونة من السمع والبصر واليد والرجل والساق ونحوه، فهذه صورة الإنسان، فهل لله صورة؟ هذا الباب عظيم جداً، والكلام عليه ينزل تحت الحديث العظيم المتفق عليه: (إن الله خلق آدم على صورته)، واختلاف العلماء محصور في هذه الهاء، فهل هذا الضمير يعود على آدم يعني: على صورة آدم، أم أنه يعود على الله جل وعلا يعني: على صورة الله؟ ولمن ستضاف الصورة هنا؟ أما الرواية الأكثر إيضاحاً من سالفتها فقد اختلف العلماء اختلافاً شديداً في تصحيح إسنادها أو تضعيفه، وهو حديث في سنن النسائي: (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن)، فالصورة هنا أضيفت للرحمن تصريحاً، إذاً: فلله صورة عملاً بهذا الحديث، لكنهم اختلفوا في صحته وضعفه، فصحح هذه الرواية الإمام أحمد وإسحاق وأكثر المحققين، ومن تتبع طرق هذا الحديث وأسانيده وجد أن أسانيده صحيحة، فأقل الأحوال في هذا الحديث أن يقال فيه: صحيح لغيره، وقد ضعفه ابن خزيمة وكثير من المحدثين أيضاً، والغرض المقصود: أن العلماء اختلفوا في هذا الضمير على ثلاثة أقوال: القول الأول: إن الهاء هنا عائدة على المضروب، قال: (لا تضرب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) يعني: خلق آدم على صورة المضروب الذي ضربته على وجهه، فإذاً: ليس لها صلة بالله جل وعلا، وإذاً لا دليل في الحديث إن قلنا: بأن الهاء تعود على المضروب. القول الثاني: إن الهاء تعود على آدم؛ لأنه أقرب مذكور، وهذا صحيح في اللغة؛ لأن الأصل في الضمير أن يعود على أقرب مذكور، فقول النبي ﷺ : (إن الله خلق آدم على صورته) الهاء هنا عائدة على القريب وهو: آدم، يعني: خلق على هذه الصورة التي عرفتموها بما ذكرت لكم، ويعضد هذا الفهم حديث النبي ﷺ : (إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعاً) أي: على صورته التي أصف لكم: فطوله ستون ذراعاً، وهذا من القوة بمكان، لكنه يرد برد قوي جداً: إذ لا فائدة في الحديث إذا جعلنا الضمير يعود على آدم، فيكون معناه: إن الله خلق آدم على صورة آدم، وماذا كانت صورة آدم قبل أن يخلق آدم؟! القول الثالث وهو: التأويل الصحيح: إن الهاء تعود على الله جل وعلا، يعني: خلق آدم على صورة الله جل وعلا، وهذا الذي نحى إليه كثير من العلماء حتى ابن خزيمة، لكنه أولها وقال: الصورة مضافة إلى الله جل وعلا، لكن إضافتها إليه من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، فوقع في الخطأ.

стр. 79

أنواع الإضافة إلى الله جل في علاه بينا في القواعد المهمة في الصفات: أن الذي يضاف إلى الله نوعان: إضافة أعيان قائمة بذاتها، وإضافة معاني. أما إضافة الأعيان: فهي الأعيان القائمة بذاتها: كتسمية الكعبة: ببيت الله، فإن البيت يضاف إلى الله تشريفاً وإجلالاً وتعظيماً كما قال تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس:١٣]، فإضافة الناقة إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى الخالق؛ لبيان التشريف والإجلال والتعظيم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١]، فهل هي إضافة صفة إلى موصوف أم هي إضافة مخلوق لخالق؟ إضافة مخلوق لخالق، لكن إضافتها إلى الله إضافة تعظيم وتشريف. وأما إضافة المعاني: فليست قائمة بذاتها، كأن تقول مثلاً: القرآن كلام الله، فهل الكلام عين قائمة بذاتها؟ لا، بل هو معنى، فإضافة المعنى إلى الله: هي إضافة صفة إلى موصوف، وهنا يقول ابن خزيمة: إن صورة الله في هذا الحديث مخلوقة، وكأنه يقول: إنها صورة آدم ولكنها مضافة إلى الله لغرض الإجلال والتشريف؛ لأنها إضافة مخلوق إلى خالق، وهذا التأويل بعيد جداً، والتأويل الصحيح الراجح الذي عليه المحققون من أهل السنة والجماعة: أن الصورة صفة خبرية من صفات الله جل وعلا، وأن الضمير يعود على الله، يعني: خلق الله آدم على صورة الله، وقال: (خلق الله آدم على صورة الرحمن)، فنؤمن إيماناً جازماً ونعتقد اعتقاداً صحيحاً كما اعتقد الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وابن قتيبة وكثير من أهل السنة والجماعة فنقول: إنها صفة له جل وعلا، وما لنا ألا نؤمن بها؟ فاليد والسمع والبصر صفات من صفات الله جل وعلا، وعلينا أن نؤمن بها بلا شك، كما أننا نقرر القاعدة التي تقول: الصورة في اللغة معلومة، والإيمان بها واجب، والكيف مجهول، والسؤال عن كيفيتها بدعة، فالصورة مضافة إلى الله إضافة صفة إلى موصوف، فيكون الضمير هنا عائداً على الله جل وعلا، وتعضد الرواية الأخرى هذا القول: وهي قوله ﷺ : (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن)، فالصورة صفة من صفات الله جل وعلا الخبرية، ومعنى ذلك: أن لله صورة لا تشبه صورة الإنسان، فلله صورة تليق بجلاله وكماله وعظمته وبهائه، فهو سميع بصير، قدير متكلم بما شاء في أي: وقت شاء، له رجل وساق وقدم، وله يد وأصبع، فهذه هي صورة الله جل في علاه، كما أن لآدم صورته، فهو سميع بصير متكلم بما شاء وقت ما يشاء، وهذا إجمالاً هو الراجح من أقوال أهل العلم. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 80

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - مراجعة على ما سبق من تعظيم الله أن نثبت له ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، وصفات الله جل وعلا منها صفات سلبية ومنها صفات ثبوتية، والصفات الثبوتية تكون خبرية وفعلية وذاتية.

стр. 81

أقسام صفات الله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: إخوتي الكرام! تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، ونسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من الصالحين المتقبلين عنده في هذه الأشهر العظيمة. أقول: يتبع صيام رمضان صيام الست من شوال، قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر كله)، ولم يشترط العلماء فيه التتابع، وإن كان من الحسن والمسارعة في الخيرات أن يصوم المرء ستة أيام متتابعات، فإن استطاع أنه لا يفطر بينهما فهذا حسن، وإن صامها متفرقات كالإثنين والخميس مثلاً فهذا أيضاً حسن، لكن الأفضل أن يتتابع الصيام. قبل أن أبدأ في كتاب التوحيد لا بد من مراجعات حتى ننشط الذهن الذي كلَّ من طول النوم. أقول: تكلمنا عن صفات الله جل وعلا، وهذا العلم الشريف -وهو علم التوحيد الذي هو فرض عين على كل إنسان- ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: علم المعرفة والإثبات أو العلم الخبري، والقسم الثاني: القصد والطلب. وعلم المعرفة والإثبات: هو علم الأسماء والصفات والربوبية، والثاني: هو علم القصد والطلب، ونحن اليوم بصدد شرح هذا الكتاب العظيم، أي: كتاب التوحيد، فهو يتكلم عن القسم الأول، وهو: معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى والربوبية؛ لأن هذا الكتاب مختص بالصفات، وتكلمنا في معارج القبول على توحيد الإلهية، فصفات الله جل وعلا تنقسم إلى قسمين: صفات ثبوتية، وصفات سلبية. أما الصفات الثبوتية: فهي الصفات التي أثبتها الله لنفسه في كتابه ، وأثبتها له رسوله ﷺ في سنته، مثل قوله: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، وقوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، فهذه الآيات فيها إثبات الصفات الخبرية لله جل وعلا. والنبي ﷺ يقول: (إنكم تدعون سميعاً بصيراً). وقول النبي ﷺ : (أعوذ بوجهك)، أي: وأعوذ بوجه الله الكريم، فأضاف الوجه لله جل وعلا، فهذه هي الصفات الثبوتية. والصفات السلبية: هي الصفات التي نفاها الله جل وعلا عن نفسه في الكتاب، ونفاها عنه رسوله ﷺ في السنة، كما قال الله تعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢]، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، كل هذه الصفات نفاها الله عن نفسه ونفاها عنه رسوله، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام)، وقال أيضاً: (لا تدعون أصم ولا غائباً)، كل هذه الصفات نفاها النبي ﷺ عن ربه جل في علاه. والصفات السلبية للعبد أن يتعبد بها لله وعلا بطريقين اثنين: الطريق الأول: ألا ينفيها نفياً محضاً؛ لأن النفي المحض لا كمال فيه، وكل ما ينسب لله جل وعلا لا بد أن يكون فيه كمال، والذي ينفى عن الله جل وعلا لا بد من إثبات كمال ضده، فنقول: النفي المحض ليس بكمال، فأنت إذا نسبت إلى الله شيئاً لا بد أن يكون فيه الكمال، فالطريق الأول في إثبات الصفات المنفية: ألا تنفي نفياً محضاً، لا بد أن تثبت كمال الضد عند النفي، كأن تقول: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢]، فنقول: نفى عن نفسه النسيان لكمال علمه، ولا تقل: الله لا ينسى وتسكت، فهذا سوء أدب مع الله، وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، اللغوب: التعب والإعياء، فهل ممكن أن نقول: ما مس الله من لغوب بعد خلق هذه السموات والأرض ونسكت؟ لا، هذا سوء أدب مع الله، لابد أن نقول: لكمال قدرته ، فلا بد أن تنفى الصفة مع إثبات كمال الضد لها، وهذا هو الأدب في التعبد لله في الصفات السلبية. كذلك لا تنفى نفياً جزئياً وتعدد النفي، فلا تقل: الله ليس بنائم، ولا بساه، ولا بناسٍ، فهذا لا يجوز بالنسبة لله جل وعلا؛ لأن هذا يعتبر من سوء الأدب مع الجليل العظيم، كما قال بعض العلماء: إذا دخلت على أمير أو ملك فقلت له: أنت لست بسارق، ولا بزان، ولا بذيء، فإنه يعاقبك أشد العقوبة؛ لأن هذا فيه سوء أدب مع هذا الملك فما بالك مع الله جل وعلا؟ فإذا نفيت لابد أن تنفي نفياً مطلقاً فلا تعدد النفي.

стр. 82

أنواع الصفات الثبوتية أما بالنسبة للصفات الثبوتية: فهي صفات أثبتها الله لنفسه في كتابه، وأثبتها له رسوله في سنته ﷺ ، وهذه الصفات ثلاثة أنواع: صفات ذاتية، وصفات فعلية، وصفات خبرية. والصفات الذاتية: هي الصفات التي لا تنفك عن الله جل وعلا، فيوصف بها أزلاً وأبداً مثل: الرحمن. لو قلنا: الرحمن وأطلقنا فهو يتضمن صفة الرحمه، والتفصيل في ذلك أن نقول: هناك اسمان إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، وهما: الرحمن الرحيم، فإذا اجتمعا فالرحمن يختص بالمؤمن والكافر، والرحيم يختص بالمؤمنين فقط قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣] لذلك الرحيم هنا اسم يتضمن صفة الرحمة التي هي صفة فعلية، والرحمن صفة ذاتية فعندما نتكلم عنها فلا بد من تفصيل. نقول: السميع يتضمن صفة السمع وهي صفة ذاتية، فالله يسمع كل شيء لا تختلف عليه اللغات، فهي صفة ذاتية مثل صفة الحياة، فهي صفة ذاتية أزلية أبدية، كذلك القيومية والعزة والعلم والقدرة، فهذه صفات ذاتية أزلية أبدية. النوع الثاني: الصفات الفعليه: وهي الصفة التي تتجدد وتتعلق بالأسباب، وضابطها أن تقول: إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، ومثال ذلك النزول إن شاء نزل، وإن شاء لم ينزل، والكلام صفة ذاتيه فعلية، وهي قديمة النوع حادثة الآحاد، والعلو صفة ذاتية، فالله علي بذاته جل في علاه، لكن الاستواء يعتبر صفة فعلية لأن العلو علوان: علو على العرش، وهذه صفة فعلية؛ لأنه إن شاء استوى على عرشه، أما العلو مطلقاً فهو علو الذات، وهذه صفة ذاتية لله جل وعلا. النوع الثالث: الصفات الخبرية: وهي الصفات التي ليس للعقل فيها مدخل، وتأتي لنا عن طريق الخبر، ومسماها عندنا: أبعاض وأجزاء، اليد بعض مني وجزء مني، والعين بعض مني وجزء مني، والساق فهل نقول: اليد بعض من الله؟! حاشا لله! أما لله فنقول: إنها صفات وليست بجوارح، لكن هذا ضابطها عندنا حتى نضبط الصفة: أجزاء وأبعاض، وهذه الصفات الخبرية مثل: العين واليد والساق، وقد تكلمنا عن اليد والعين والأصابع والأنامل، وتكلمنا عن السمع والبصر والرؤية والوجه، وقلنا: القاعدة في إثبات هذه الصفات: أن نثبتها إثباتاً بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف، وبالنسبة للصفات السلبية فننزه الله عنها بلا تعطيل.

стр. 83

إثبات صفة النفس لله تعالى إذا أردنا أن نثبت لله النفس فما هي الأدلة على أن لله نفساً؟ نحن نتعبد الله فلابد أن نتعرف على أسمائه الحسنى، قال ابن القيم: أدق العلوم وأجلها العلم بأسماء الله وصفاته العلى. من الأدلة الواردة في إثبات صفة النفس لله ما أخبر الله عن عيسى حيث يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١١٦]. وقال تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، وقال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران:٢٨]. وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٢] وجاء في صحيحي الإمام البخاري ومسلم: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملء) إلى آخر الحديث. والقاعدة تقول: إن الصفات الخبرية لا مدخل للعقل فيها، ولكن العقل لا يردها وإنما يقبلها. فإذا قيل لنا: ليس لله نفس، وقول الله جل وعلا: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١] هذه إضافة المخلوق إلى الخالق إضافة تشريف كإضافة الناقة إلى الله، وإضافة بيت الله إليه، كقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦]، وقوله: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس:١٣]، فهذه إضافة المخلوق إلى الخالق، فنقول: اسم السميع لله ألا يفهم منه صفة السمع؟ سيقولون: لا نعلم إلا أن السين ضم إليها الميم والياء والعين لا نعلم لها معنىً مفهوماً فأتونا بما عندكم. فنقول: هذه إضافة أعيان قائمة بذاتها كعيسى، فهو قائم بذاته، والناقة، والبيت، ولو قلنا: الكلام كلام الله أضيف إليه فهل أحد فيكم رأى الكلام يمشي معه؟ لا، فهذه ليست عين قائمة لذاتها، فالمعاني إذا أضيفت إلى الله فهي إضافة صفة إلى موصوف، أما الأعيان فتكون إضافة مخلوق إلى خالق، وأضيفت لله تشريفاً وتكريماً. الجواب الثاني: لو قلنا بقولكم للزم بذلك لوازم باطلة منها قوله: (واصطنعتك لنفسي) سيكون معناها: واصطنعتك لغيري، كأنه اصطنعه ليتعبد لغير الله جل وعلا، وهذا كفر أن يقال ذلك، وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١١٦] ستكون: تعلم ما في غيري ولا أعلم ما في غيرك! فهذا كله من اللوازم الباطلة.

стр. 84

إثبات صفة الوجه لله تعالى قال الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، إذا جاء البدعي فقال: الوجه هنا عبر به عن الذات قلنا: كيف؟ قال: قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، فهل يبقى الوجه من الله فقط؟ لا، بل يبقى الذات، قالوا: إذاً: الوجه هنا معناه الذات، لا نثبت وجهاً بل نثبت ذاتاً لله جل وعلا. قلنا: نحن نثبت لله وجهاً يليق بجلاله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٩]. وقال النبي ﷺ : (وأسألك لذة النظر إلى وجهك). وإذا قلنا إن قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] المراد به الذات تنزلاً معكم فنقول: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، الله جل وعلا يبقى بذاته سبحانه فنقول: عبر بالوجه وأراد الذات مع إثبات الوجه له سبحانه، فهذا الذي نفترق عنهم فيه، لكن نتفق معهم: أن الله جل وعلا عبر عن ذاته بالوجه، فأنت إذا قلت: بما كسبت يداك معناه في لغة العرب معروف أي: بما اكتسبت أنت بنفسك، فنحن نثبت صفة الوجه، ومع إثبات صفة الوجه نثبت الذات، ونقول: إذا عبر عن الذات بالوجه فنحن نقر بإثبات الوجه لله.

стр. 85

إثبات صفة الصورة لله تعالى قال النبي ﷺ : (لا تضربوا الوجه ولا تقبحوه فإن الله خلق آدم على صورته)، وفي رواية النسائي: (فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن)، وهل ابن خزيمة في مسألة الصورة يثبت لله صفة الصورة أم لا؟! نقول: هناك تأويلان: أولاً: الهاء في الحديث عائدة على المضروب، وليست عائدة على الله، فأخبره أن هذا المضروب خلق على صورة أبيه آدم ﵇، وهذا التأويل فيه ضعف؛ والحديث في الرواية الأخرى جاء بنص: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً)، إذاً: الهاء عائدة على آدم ﵇، فطوله ستون ذراعاً وسبعة أذرع عرضاً، وجاء بإسناد صحيح عند الطبراني وغيره: (أن الله خلق آدم على صورة الرحمن) فإذا قلنا: إن الله خلق آدم على صورة الرحمن فكيف نفهم هذا المعنى؟ نقول: أولاً: لله صورة، وهي صفة من صفات الله، وهل الصورة تشبه صورة الإنسان؟ حاشا لله! فمعنى: (خلق آدم على صورة الرحمن) أن آدم متكلم كما أن الله متكلم، وأن آدم سميع كما أن الله سميع، وإن آدم بصير كما أن الله بصير. إذاً: خلق الله آدم على صورة الرحمن سميعاً بصيراً متكلماً، فهذا هو معنى الحديث. وابن خزيمة يقول: الصورة إضافتها إضافة مخلوق إلى خالقه. ونحن نخالفه في هذا، ولا يصح أن نقول: إن إضافة الصورة إضافة مخلوق إلى خالقه، بل هي إضافة معنى إلى الذات الموصوف بهذه الصفة. وفي القول الثاني لا يمنع أن نقول: طوله ستون ذراعاً مع إثبات الصورة لله، فلله يد وله أصابع، والدليل على أن لله أصابع حديث: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن)، واليهودي الذي أخبر النبي أن الله يضع السماوات على أصبع إلخ فأقره النبي ﷺ وضحك إقراراً له.

стр. 86

إثبات صفة اليد لله لو قيل: إنه قد ورد في صلح الحديبية لما قال عروة للنبي ﷺ : (ما أرى حولك إلا أوباشاً من الناس أو قال أشواباً من الناس يفرون عنك، فقال أبو بكر: نحن نفر عن رسول الله؟ امصص بظر اللات، فقال: من القائل؟! قالوا: أبو بكر، فقال له: لولا يد لك عندي ما كافأتك بها لأجبتك) اليد هنا بمعنى النعمة، فهذا دليل على أن معنى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] يعني: نعمة الله فوق أيديهم، لا كما تقولون -يا أهل السنة والجماعة- أن المعنى: يد الله فوق أيديهم دون مماسة، هل يد الله تلامس يد البشر؟! لا إذاً معناها النعمة. يرد عليهم أن الله قال في آية أخرى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] فسيصير المعنى أن لله نعمتان، وهذا محال فإن نعائم الله لا تحصى. الجواب الثاني: لو قلنا بأن اليد بمعنى النعمة والنبي ﷺ لم يذكر هذا لصحابته الكرام إذاً قد قصر في البلاغ، وحاشاه ﷺ من ذلك، ولو أولنا اليد هنا بمعنى القدرة لكان في ذلك حجة لإبليس حيث سيقول: وأنا يا رب خلقتني بقدرتك كما خلقت آدم بقدرتك، ولا يكون فيه تشريف وتكريم لآدم ﵇.

стр. 87

إثبات صفة العلم لله صفة العلم لله جل وعلا ثابتة بالأدلة الواردة في ذلك، والذين نفوا علم الله جل وعلا لهم أقوال في ذلك، فالجهمية ينكرون العلم ويقولون: لا عليم ولا علم، والمعتزلة يثبتون الاسم دون الصفة. والقدرية: يثبتون العلم الأزلي لله دون العلم الغيبي المستقبلي، فنفوا عن الله علم ما يكون في المستقبل؛ لأن القدرية يقولون: إن الله لا يعلم بأفعال العباد حتى يفعلوها، فهنا نفوا علم الله بما سيكون مستقبلاً، أما علم ما مضى فيقرون به لله تعالى، وعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: العلم الممكن، والقسم الثاني: علم مستحيل، فمثال العلم الممكن قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧] يعني: هؤلاء المنافقون إذا خرجوا في الصف المسلم نشروا فيه الذعر، وأعملوا فيه الفتنة حتى يرجعوا أدراجهم، فالمنافقون لو قدر الله أن يخرجوا لخرجوا، وهذا ممكن، لكن الله جل وعلا بعلمه للغيب منعهم حتى لا يفشلوا الصف المسلم. أما المستحيل فقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] هذا من المستحيل أن يكون هناك رب غير الله جل وعلا، كذلك من المستحيلات: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨]، كيف تكون هذه من المستحيلات؟ أن الله كتب على نفسه أنه من ذهب إلى الآخرة لا يرد إلى الدنيا. وهناك من أعيد إلى الدنيا بعد موته، وهذه حالة خاصة. وعبد الله بن حرام عندما استشهد كلمه الله جل وعلا كفاحاً، فطلب من الله جل وعلا أن يرده إلى الدنيا ليقاتل في سبيل الله فيقتل، فالنبي ﷺ قال: إن الله جل وعلا قال: (إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون)، فلم يجب دعوته؛ لأن الله كتب أن من خرج من الدنيا لا يرجع إليها مرة أخرى. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 88

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - باب ذكر إثبات العين لله جل وعلا صفة العين من الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه، وأثبتها له رسوله ﷺ في سنته، وأجمع عليها سلف الأمة، فلله عينان تليقان بجلاله وكماله، ولم ينكر هذه الصفة إلا أهل البدع والضلال ممن لم يوفقوا لفهم الكتاب والسنة واتباع سلف الأمة.

стр. 89

إثبات صفة العين لله جل وعلا إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد: إخوتي الكرام! ما زلنا مع هذا العلم الشريف، وشرف العلم بشرف المعلوم، وليس أحد أشرف من الله جل في علاه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر إثبات العين لله جل وعلا على ما ثبته الخالق البارئ لنفسه في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه ﷺ . قال الله لنبيه نوح صلوات الله عليه ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود:٣٧]، وقال جل وعلا: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، وقال في ذكر موسى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، وقال: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨]، فواجب على كل مؤمن أن يثبت لخالقه وبارئه ما أثبته الخالق البارئ لنفسه من العين، وغير مؤمن من ينفي عن الله ﵎ ما قد ثبته الله في محكم تنزيله ببيان النبي ﷺ ، الذي جعله الله مبيناً عنه في قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، فبين النبي أن لله عينين، فكان بيانه موافقاً لبيان محكم التنزيل الذي هو مسطور بين الدفتين ومقروء في المحاريب والكتاتيب. وعن أبي يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال في هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨] قال: (رأيت رسول الله يضع إبهامه على أذنه، وأصبعه التي تليها على عينه)]. هكذا يشير إلى العين والأذن، والصحيح الراجح أن النبي ﷺ ما كان يشير إلى الأذن والعين، بل كان يشير إلى محل السمع والبصر؛ حتى لا يقال: إن لله أذن كما سنبين. قال المصنف رحمه الله تعالى: [(قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك). وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله ليس بأعور إلا أن المسيح الدجال أعور، عينه اليمنى كأنها عنبة طافية)]. فلله جل وعلا صفات أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله ﷺ ، ومن هذه الصفات الصفات الذاتية الخبرية، ومعنى خبرية: أي لا يمكن للإنسان أن يعتقد أن لله هذه الصفة إلا من جهة الخبر والسمع، أي: يسمع بالآيات أو يسمع قول النبي ﷺ ، فهذا معنى الخبرية. وضابط هذه الصفات أنها بالنسبة لنا أو مسماها عندنا أجزاء وأبعاض، فيدي جزء مني، وعيني جزء مني، ورجلي جزء مني، لكن بالنسبة لله لا يقال: أجزاء وأبعاض، بل يقال: إنها بالنسبة لله جل وعلا صفة من صفات الكمال والجلال، ومن هذه الصفات الجليلة صفة العين، وصفة العين ثابتة لله جل وعلا، وهي تليق بجلاله وكماله وعظمته جل في علاه، وقد ثبتت هذه الصفة بالكتاب والسنة والإجماع.

стр. 90

إثبات صفة العين لله تعالى بالكتاب فأما الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود:٣٧]، ووجه الشاهد: بأعيننا، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨]، وجه الشاهد: (بأعيننا)، وقوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، وجه الشاهد (على عيني). ففي هذه الآيات إضافة العين لله جل وعلا، وإن لم تضف إلى الله ما قلنا بأنها صفة له، كما بينا في صفة الساق، فإن جاءت مطلقة فلا نقول إنها صفة، فهل ننفيها عن الله أو نثبتها؟ لا ننفي ولا نثبت حتى تأتي القرينة، وإلا لو نفينا عن الله جل وعلا هذه الصفة فلعله أثبتها لنفسه ونحن لا نعلم، أو أثبتناها فلعله نفاها ونحن لا نعلم، فإن لم تأتينا الدلالة الواضحة على صفة من صفات الله فلا نثبت ولا ننفي، فالعين ما نثبتها إلا إذا أضيفت إلى الله جل وعلا، وقد أضافها الله لنفسه فقال: ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود:٣٧]، وقال: ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨]، وقال: ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، فالعين أضيفت لله جل وعلا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف؛ لأنها معاني وليست أعيان، فهذا وجه الدلالة من هذه الآيات.

стр. 91

إثبات صفة العين لله تعالى بالسنة وأما السنة: فقد ورد في البخاري ومسلم وفي غيرهما بسند صحيح عن النبي ﷺ (أنه لما حذر أمته من الدجال قال: وسأصفه لكم وصفاً لم يأت به أحد لأمته، إنه أعور، -ثم قال:- وإن ربك ليس بأعور)، فكأن النبي ﷺ بعدما رأى رعب الصحابة من الكلام عن الدجال عندما قال لهم: (أنه يأتي على الخربة فيقول: أخرجي كنوزك فتخرج، ويأتي إلى السماء فيقول لها: أمطري فتمطر، ويستدبر الأرض كأنما تستدبره الريح) يعني: يقطعها في أوقات قليلة، فكأن النبي ﷺ يقول لهم: كل هذه الأمور التي هي من مظاهر الربوبية وادعائه الإلهية لا تستغربون منها، فإن فيه علامة تثبت أنه ليس بإله ولا برب، وهذه العلامة: (إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور) أي: له الكمال المطلق، والجلال المطلق، والعظمة المطلقة، والعور عيب، والله منزه ومقدس عن كل عيب، فـ الدجال أعور معيب، (وإن ربكم ليس بأعور)، يعني: له عين لكن هذه العين ليست معيبة. وهذا محل الشاهد: (وإن ربكم ليس بأعور)، ووجه الدلالة: أنه أثبت لله عيناً وأنها غير معيبة. وأيضاً هناك بعض الآثار التي تثبت عدد العيون لله ولكنها ضعيفة، ومنها: (يسجد المرء بين عيني الرحمن)، وهذا حديث ضعيف، فيستأنس به فقط.

стр. 92

إجماع السلف على إثبات صفة العين لله تعالى وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة على أن لله جل وعلا عيناً تليق بجلاله وكماله ، وليست بحدقة، وليست بجزء منه، بل هي صفة من صفات الكمال تليق بجلال الله جل وعلا.

стр. 93

إثبات أن لله تعالى عينين، والجمع بين الروايات في ذلك إذا أثبتنا لله جل وعلا عيناً تليق بجلاله وكماله فهي أكثر من عين وليست عيناً واحدة، وهذه دلالة القرآن، فقال: ((عَلَى عَيْنِي)) بالإفراد، وقال: ((بِأَعْيُنِنَا)) بالجمع، فهل نثبت لله عيناً واحدة أم أكثر من عين؟ الجواب أن الصحيح الراجح في ذلك أن السنة تفرق لنا بين الجمع وبين الإفراد، وتبين لنا عدد الأعين التي يتصف الله جل وعلا بها، فلله عينان ثابتتان كما سنبين. قال رسول الله ﷺ : (إن ربكم ليس بأعور)، وإذا نظرنا للآية الأولى قال: ((وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي))، فجعلها عين واحدة، ثم قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] فجعلها جمعاً، فنقول: إن الإفراد والجمع لا مخالفة بينهما؛ لأن المفرد هنا مضاف، والمفرد المضاف -عند الأصوليين- يفيد العموم، فيشمل أكثر من واحد، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، فذكرت النعمة هنا بالإفراد، مع أن نعم الله تعالى تترى لا تعد ولا تحصى، لكن (نعمة) هنا مفردة مضافة إلى الله جل وعلا، والمفرد إذا أضيف فإنه يشمل ويعم. وهنا قال: ((وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي))، إذاً فلا مخالفة بينها وبين (بأعيننا)؛ لأن المفرد المضاف يشمل الجمع. فإذا قيل: إذاً فهذه الآيات تدل على أعين كثيرة. فنقول: تحتمل أنها أعين كثيرة وتحتمل أن الجمع للتعظيم، وتكون لله عين واحدة أو أكثر من واحدة، والذي يبين لنا ذلك هو حديث النبي ﷺ : (إن ربكم ليس بأعور). ووجه الدلالة من هذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: أن العور في اللغة معناه أن يكون الرجل له عينان إحداهما معيبة والأخرى صحيحة، فيقال: هذا أعور، يعني: له عينان: عين منهما معيبة والأخرى صحيحة، ولذلك قال النبي ﷺ : (إن ربكم ليس بأعور)، إذاً فله عينان، والأولى ليست معيبة والثانية أيضاً ليست معيبة. وأما الدجال فله واحدة معيبة كما في الحديث السابق. الوجه الثاني: أن المقام هنا مقام تمدح، فقال النبي ﷺ : (إن الدجال أعور)، فهو يبين عيبه، وهو في موقف مقارنة ومفارقة بين إلهية هذا المدعي المعيب وبين الإلهية الحقة التي تكون لله جل وعلا، فيقول: (إن الدجال أعور)، فمقام التمدح لله قال: (وإن ربكم ليس بأعور)، فإذا كان المقام مقام تمدح فإن تعدد الصفات يستلزم تعدد الكمالات، وكلما كثرت الصفات كثر الكمال، أما رأيتم بعض العلماء عندما يقول: الصفة إذا ضمت إليها صفة أخرى ازدادت كمالاً على كمال. فإذا قلت: الغفور الرحيم البر الكريم فهذه أسماء كلها، وكل اسم منها يتضمن كمالاً، فضم الصفة إلى الصفة والاسم إلى الاسم يعدد الكمالات، فكون لله أكثر من عين هذا يدل على كثرة الكمالات، والمقام مقام تمدح، فبين لنا أقصى ما يتمدح به أن لله عينين. ويستأنس في ذلك -كما قلت لكم- بالحديث الضعيف الذي جاء عن النبي ﷺ : (إن العبد إذا سجد يسجد بين عيني الرحمن)، فهما ثنتان.

стр. 94

لوازم إثبات العين لله تعالى من الناحية السلوكية إذاً أخي الكريم! إذا اعتقدت اعتقاداً جازماً صحيحاً بأن لربك عيناً وهي من صفات الكمال والجلال والعظمة لله جل وعلا -وهما عينان-، فلازم ذلك أن الله يرى بهذه العين، فكن كريماً يا عبد الله! فإذا علمت أن الله جل وعلا يرى بعينه فلا بد عليك أن تعتقد أن رؤية الله تحيط بكل شيء، فإذا خلوت يوماً فلا تقل: خلوت ولكن قل: ربي يراني، وإذا نظرت ببصرك إلى محرم وما منا من أحد يفوت من هذا، ونستغفر ربنا ونعلن توبتنا وخير الخطائين التوابون، لكن الغرض المقصود أن المرء إذا نظر ببصره إلى محرم فليعلم بأن لله جل وعلا عيناً، وأن الله ينظر إليه بهذه العين، وأن الله يراه ويسبق بصر الله بصره عندما ينظر إلى الحرام، فيستحي العبد ويكون كريماً، فلا ينظر إلى محرم، وإذا نظر تاب وآب واستغفر، وكما قال النبي ﷺ : (دعه؛ فإن الحياء من الإيمان)، بل كل الإيمان حياء، والحياء لا يأت إلا بخير، فإذا اعتقدت هذا الاعتقاد الجازم الصحيح فكن كريماً واستح من ربك؛ فإن الله ينظر إليك إذا أطلقت بصرك إلى ما حرم الله جل وعلا. وأعلم أن لربك غيرة كما أن له عيناً ينظر بها، فإذا رأى الله جل وعلا بعينه عبده يفعل الفاحشة فإن الله جل وعلا له غيرة، ومن غيرة الله أنه وضع حاجزاً وحداً بينك وبين الحرام، وهذا الحاجز اعتقادك الصحيح بأن الله يراك.

стр. 95

أقسام الرؤية لله تعالى وإذا اعتقدنا أن الله يرانا فإن الرؤية رؤيتان: رؤية عامة، ورؤية خاصة. فأما الرؤية العامة: فهي رؤية الإحاطة، فقد أحاط الله بكل شيء بصراً، فلا يخفى على الله شيء دق وخفي، أو جل وعظم، فإن الله جل وعلا أحاط بصره بكل شيء، فيرى النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، ويرى عروقها جل في علاه، فلا تواري عنه سماءٌ سماءً، ولا أرض أرضاً، ولا جبل ما في وعره، ولا بحر ما في قعره؛ فإنه أحاط بكل شيء رؤية. وهذه الرؤية تعم المؤمن وتعم الكافر، بل تعم كل الخلائق، فالجن الذين أخفوا على البشر فإن الله يراهم، والملَك الذي لا تراه فإن الله يراه، ويرى عروق النملة الصغيرة الدقيقة، ويرى كل ما خفي ودق، فهذه الرؤية العامة التي عمت الكافر والمؤمن، وعمت كل الخلائق تستلزم التهديد والوعيد لأهل الكفر والظلمة والفسقة والفجرة، الذين يتجرءون على الله جل وعلا، ويتجرءون على عباد الله، ويتعدون حدود الله، فإن الله ببصره يراهم، فإذا رآهم الله جل وعلا وأمر الملائكة أن تكتب ما يفعلون جازاهم ونكل بهم أشد النكال في الدنيا قبل الآخرة، وإليك نبأ ذلك من كتابه جل وعلا، قال الله محذراً ومنذراً أهل الكفر والفسق والظلم والفجرة الكفرة، قال الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]، ألم يعلم هذا الكافر الفاسق الفاجر الذي يتعدى حدود الله بأن الله يراه، ولازم رؤية الله له أنه سيعذبه وينكل به أشد النكال في الدنيا قبل الآخرة، وألم يعلم الظالم عندما يظلم أن الله يراه وهو يظلم عبداً من عباده، أو ولياً من أوليائه، والله جل وعلا يقول كما في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب). وقال الله جل وعلا أيضاً في سياق مثل هذه الآية: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد:٧]، وإن لم يره أحد من البشر أو من الجن أو من الملائكة فلم يكتبوا فإن رب السموات والأرض يراه، ومجازيه على ما يفعل. فهذه هي رؤية الإحاطة، فأنت إذا اعتقدت اعتقاداً جازماً بأن الله يرى كل شيء، ومحيط بكل شيء بصراً ورؤية لم تحزن على ما يفعل الكافر بالمؤمن؛ لأن الله إن لم ينصر أخاك المؤمن على هذا الكافر في الدنيا فإن الله جل وعلا سينكل بهذا الكافر نكالاً شديداً في الآخرة، فأنت تعتقد أن الله يرى فعل هذا الكافر في هذا المؤمن، والله قادر عليه، لكنه يرجئه لحكمة عنده خفية لا نعلمها، وإن بين لنا هذا الحكمة فنحن نسمع ونطيع. فهذه الرؤية -رؤية الإحاطة أو الرؤية العامة- إذا اعتقدها المرء اعتقاداً جازماً أراح واستراح. وأما الرؤية الخاصة: فهي خاصة بالمؤمنين، وهي رؤية تثبيت توفيق وحراسة وعناية ونصرة وتأييد، وهذه الرؤية خاصة بالمؤمنين فلا يدخل فيها الكافر بحال من الأحوال، وهذه الرؤية هي التي ذكرها الله جل وعلا مسلياً نبيه ﷺ ، فقال: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] أي: اصبر على أهل الكفر في مكة وهم يتجبرون ويتجاسرون ويتجرءون عليك، وهم يكيدون لك كيداً، وهم يمكرون بك مكراً، وكأن الفاء في قوله: (فإنك) تدل وتشعر بالعلّيّة، لِمَ؟ ((فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا))، فهذا تسلية له، فاصبر فإن الله يراك، ويرى كيد الكائدين، ويرى كفر الكافرين، ويرى تجبر الجبابرة الذين يمكرون بك ويكيدون لك، فاصبر على ذلك لَمِ؟ لأن الله يراك ويراهم، والله إذا رآك ورآهم فإنه قادر عليك وقادر عليهم، فالله سيعصمك منهم، ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، فهذه تسلية للنبي ﷺ . وقد ظهر ذلك جلياً، فقد رأى الله جل وعلا أبا جهل ومن معه من صناديد قريش وهم يمكرون بالنبي ﷺ لقتله، فحدث بسبب هذه الرؤيا تسديد وتأييد وتوبيخ، فلما اجتمع الفتية ليقتلوا النبي ﷺ خرج عليهم النبي ﷺ وهم ينظرون إليه، فجعل الله من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً، فهذا لازم من لوازم رؤية التسديد والتوفيق، فالله رآهم يفعلون ذلك فسدد ونصر النبي ﷺ ، ووفقه للخروج من هذا المأزق، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨]. ونوح ﵇ أيضاً قال الله تعالى تسلية له: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود:٣٧]، فالله يراه وهو يصنع الفلك وهم يمرون عليه ويسخرون منه، وهو يسخر منهم، والله يرى هذه المجادلة، وبعدما رأى الله جل وعلا ذلك سلى نبيه أنه سيحفظه وسيسدده وسينقذه، ثم جاء فصل الخطاب الذي يؤكد لنا ذلك، ففجر الله تعالى الأرض عيوناً، وأمطرت السماء ماءها، فاجتمع ماء السماء مع ماء الأرض والعيون فأغرق كل شيء إلا سفينة نوح، فهذه من رعاية الله جل وعلا، وهي من لوازم رؤيته لنوح، قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، فأنقذ الله نوحاً ومن معه في هذه السفينة التي كانت تسير في هذه الأمواج المتلاطمة الشديدة، فسدد الله ووفق ورعى نوحاً ومن معه رعاية منه جل وعلا. وأيضاً تسديده وتوفيقه ونصره لموسى ﵇ وهارون ضد فرعون، فإن موسى خشي أن يذهب إلى فرعون: ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥]، فقال الله تعالى مبيناً لهما رؤية الإحاطة والتسديد والتوفيق والنصرة: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، قال ابن عباس: أرى ما يكيدون وما يدور بينكم وبينه، وأحفظكم من كل سوء يدور بكم، أو كما قال ﵁ وأرضاه. فقال الله جل وعلا لمن يفقه ويعقل عنه هذا الكلام: ((إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى))، وكأن موسى فهم من ذلك وفقه عن الله جل وعلا أنه إذا رآك خاصة وأنت مؤمن تنافح عن دينه فإنه سينصرك وسيوفقك وسيسددك، وهذا الذي حدث فقد أنقذ الله جل وعلا موسى ومن معه من بني إسرائيل من يدي هذا الكافر فرعون عليه من الله ما يستحق. إذاً: فالرؤية الثانية هي رؤية التوفيق والتسديد والنصرة، وهذه خاصة بالمؤمنين.

стр. 96

رؤية التوفيق والتسديد الخاصة بالمؤمنين هل تشمل العاصي ؟ يبقى لنا في هذه المسألة أمر وهو: إذا كانت هذه الرؤية -رؤية التوفيق والتسديد- خاصة بالمؤمنين فهل تشمل العاصي أم لا؟ و الجواب أنها تشمل ولا تشمل، نفي وإثبات، فعند طاعته وعند تقربه إلى الله جل وعلا بالطاعات فهو مؤمن يستبشر بقول الله تعالى: ((إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى))، وعندما يفسق ويفجر ويعصي الله جل وعلا فإنه يخرج من هذه الرعاية والتسديد والتوفيق، نعوذ بالله من الخلان، وكما قال بعض العلماء: إذا سقط العبد من عين الله جل وعلا وَكَلَه لنفسه، فإذا وَكَلَه لنفسه وَكَلَه إلى ظلمة، وإلى بوار، وإلى ضياع. ولذلك كان النبي ﷺ يدعو الله ليل نهار: (يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين). فالصحيح الراجح أن نقول: إنه عند التُّقى، وعند الصلوات الخمس، وعند النوافل، وعند التسبيح، وعند الذكر، فليبشر بخير؛ لقول الله: ((إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى))، فليبشر بتسديد وتوفيق ونصرة وإعانة ورعاية الله له، وأما عند الفسق والفجور فلنا كلمتان: الكلمة الأولى: إن كان صادقاً مخلصاً فإن الله جل وعلا أيضاً يكلؤه برحمته، ويجعله يتوب ويئوب، ويجعله يستحي من ربه مما فعل، وإلا نزل تحت الوعيد: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]، وسيحاسب على ذلك، نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 97

مذاهب أهل البدع تجاه هذه الصفة، والرد عليهم إننا نثبت صفة العين لله بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل، فالعين في اللغة معلومة، وهي لها كيفية لكن نحن نجهل هذه الكيفية، وهو سبحانه يعلم كيفية صفته، فالكيف بالنسبة لنا مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وأما أهل الضلالة والتحريف والتبديل الذين لا يعتقدون الاعتقاد السليم في ربهم، فقالوا: إن معنى قوله تعالى: ((وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)) أي: على رؤيتي، وقد وقع بعض أهل السنة والجماعة في هذا التأويل، فقالوا في قول الله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] أي: برؤيتنا، فقالوا: ليس لله عين، قالوا: ولو أثبتم لله عيناً فقد شبهتموه بخلقه، إذاً فلا بد أن ننفي هذه الصفة. والذين ضلوا في هذا الباب هم المشبهة والمعطلة والمحرفة، فالمعطلة هم الجهمية والمعتزلة، والمشبهة هم الذين غلوا في الإثبات، فشبهوا الخالق بالمخلوق، والمحرفة هم الأشاعرة الذين يقولون: نؤول، وهو تحريف وليس بتأويل. فالجهمية المعطلة قالوا: لا نثبت لله عيناً، وهؤلاء عندهم غلو، وهم أيضاً يقولون: لا سمع ولا سميع، ولا بصر ولا بصير، فنفوا كل الصفات، فهؤلاء يرد عليهم بأنهم خالفوا ظاهر القرآن وظاهر السنة، وخالفوا أبناء الأمة، وأيضاً قدحوا في الرسول ﷺ ، وهذا القدح يرجع إلى من حرف، وإلى من قال بالرؤية دون إثبات العين. فنقول لهم: إن الله أنزل كتابه على رسوله ليبينه للناس: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، ومن ضمن الذكر الذي نزل على رسوله ليبينه للأمة قول الله تعالى: ((وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي))، وقول الله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، وقول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨]، فالواجب على الرسول في هذه الآيات التبليغ ثم التبيين. فإذا قلتم: إننا لا نثبت العين وأن النصيب فيها الرؤية إذاً فرسول الله ﷺ قد قصر في التبيين، فيلزمكم ذلك، وحاشاه ﷺ ، بل إن الرسول ﷺ قد بلغ أتم البلاغ، وبيّن أتم البيان، ولما لم يبين النبي ﷺ بأن العين ليست عيناً ولكنها رؤية، علمنا أنه قد أثبت لربه ما أثبته لنفسه وهي العين. إذاً فالمعطلة خالفوا الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ﵃ وأرضاهم، فالاعتقاد الصحيح أن لله جل وعلا عيناً تليق بجلاله وكماله.

стр. 98

الرد على المعطلة في استشهادهم بقوله تعالى: (تجري بأعيننا) على إنكار صفة الرؤية لله يبقى هنا إشكال واحد وهو: أن الله تعالى يقول: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، فجاء أهل التحريف والتعطيل وقالوا: هل السفينة كانت تجري في عين الله؟ و الجواب أن الباء هنا ليست للظرفية ولكنها للمصاحبة، أي: تجري برؤيتنا، ولازم الرؤية الإحاطة والنصرة والتسديد. فأنت إذا جاءك ضيف ومعه ولد فقال لك: اعتني بولدي هذا حتى أرجع إليك، فإنك تقول له: ولدك في عيني، أي: سأراه، ولازم رؤيتي له أن أرعاه وأسدده وأحفظه من كل سوء إن استطعت ذلك، وكذلك قولك: أنت في قلبي، تعني: حبك في قلبي، وقولك: أنت في عيني، أو ولدك في عيني، أي: تحت رعايتي وبصري، إذاً فلا إشكال في قول الله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، وأن (الباء) ليست للظرفية، وإنما هي للمصاحبة، أي: تصحبك رؤيتي، ولازم ذلك أن تصحبك رعايتي ونصرتي وتوفيقي وتسديدي لك. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 99

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - باب إثبات السمع والرؤية لله جل وعلا صفتا السمع والبصر صفتان ثابتتان لله بالكتاب والسنة والإجماع، وسمع الله سمع عام يعم كل المخلوقات، وسمع خاص يخص المؤمنين المتقين الصالحين، وسمعه سبحانه لا يشبه سمع المخلوق، فإن التوافق في الاسم لا يستلزم منه التساوي في المسمى، فسمع الله سبحانه أزلي أبدي غير محدود، وسمعه وسع كل المخلوقات، ولا يشغله صوت عن صوت، وأما سمع المخلوق فهو ناقص إلى زوال، وهو سمع محدود، ويشغله صوت عن صوت.

стр. 100

إثبات صفتي السمع والرؤية لله جل وعلا إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب إثبات السمع والرؤية لله جل وعلا: قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، وقال في قصة المجادلة: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١]، وقال : ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف:٨٠]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]. وعن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ، حدثته أنها قالت لرسول الله ﷺ : (هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: قد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فأنصرفت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا بها جبريل ﵇، فناداني فقال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال فصلى علي، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني أمراً وبما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت، فقال له رسول الله ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً).

стр. 101

ثبوت صفتي السمع والبصر لله تعالى في الكتاب لقد ثبتت صفتا السمع والبصر لله جل وعلا في الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، فأما الكتاب: قال الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] أي: قد سمع الله جل وعلا قولها، فأثبت لنفسه السمع، وأيضاً قول الله تعالى: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، فهذه الآيات تدل على سماع الله جل وعلا. وأيضاً من الدلالات على إثبات السمع لله جل وعلا أن الله عاب على الكافرين الذين يعبدون الأصنام وهي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر، فقال الله تعالى موبخاً ومقرعاً أهل الكفر: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ [الشعراء:٧٢] يعني: هذه الأصنام هل لها آذان تسمع؟ فالأصنام لا تسمع منكم، ولا تجيبكم، ولا تنفعكم، ولا تضركم، فأنكر عليهم ذلك، ففيها دلالة على أن الله يسمع، فكأنه قال: هل يسمعونكم كما أسمع أنا؟ وأيضاً قول الله تعالى حاكياً لنا ومقراً لإبراهيم الذي أنكر على أبيه آزر أو على عمه على بعض أقوال أهل العلم، أنه قال: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢] أي: لابد أن نعبد الذي يسمع ويبصر وهو الله سبحانه، وهذا يدل على أن مقام النصح مقام المقارنة، إذاً: فصفة السمع وصفة البصر ثبتتا لله جل وعلا في الكتاب.

стр. 102

ثبوت صفتي السمع والبصر لله تعالى في السنة وأما السنة: فقد جاءت أحاديث بينة تثبت لله السمع والبصر، ففي الصحيح عن عائشة ﵂ قالت (سبحان الذي وسع سمعه الأصوات) وسبحان: تنزيه وتقدير لرب البرية جل وعلا، (إن المجادلة لتشتكي إلى رسول الله ﷺ وأنا في ناحية المنزل يخفى علي بعض حديثها، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١]). وأيضاً في السنن: لما سألت عائشة ﵂ وأرضاها النبي ﷺ : (هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟)، ويوم أحد معلوم، وقد كان فيه نكاية شديدة على المسلمين، فقد قتل حمزة أسد الله وأسد رسوله، وقتل ما يقارب السبعين من صحابة رسول الله ﷺ ، وقد قال أبو سفيان للمسلمين يومئذ: يوم بيوم بدر والحرب سجال، ثم قال: اعلُ هبل، فلما قال ذلك قال الرسول ﷺ : أما أحد منكم يرد عليه ويقول: (الله أعلى وأجل)، فقال: يوم بيوم بدر، فقال عمر بن الخطاب: قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فيوم أحد كان فيه مرارة شديدة على المسلمين. فقالت: (هل مر عليك يوم أشد من يوم أحد؟ فبين لها الرسول ﷺ أن أشد الأيام صعوبة مرت عليه هو يوم أن عرض نفسه على ابن عبد ياليل فُرد النبي ﷺ ، فلما رد النبي ﷺ بات مهموماً مغموماً، فجاءه جبريل -تسلية من الله جل وعلا لرسوله ﷺ ومعه ملك الجبال، فسلما عليه ﷺ ، فقال: إن الله جل وعلا قد سمع قول قومك لك). ووجه الشاهد هنا: أن الله جل وعلا يبين صفة السماع، فهو سمع ما حدث وما دار، وهذا تسلية للنبي ﷺ . وأيضاً من الأحاديث التي تثبت صفة السمع ما جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه أنه قال: (كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا، فلما كنا على مشارف المدينة كبرنا تكبيراً عالياً، فقال النبي ﷺ : أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً). فهنا صفات سلبية وصفات ثبوتية، فقوله: (إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً) نفي لصفة الصمم، وقوله: (إنما تدعون سميعاً بصيراً) فيه إثبات السماع والرؤية لله جل وعلا. وأيضاً: أجمع أهل السنة والجماعة على أن هذه الصفات ثابتة لله جل وعلا ثبوتاً يليق بجلاله وكماله وعظمته وبهائه، وإذا أثبتنا ذلك فحري بكل مسلم أن يعلم أن سمع الله جل وعلا أحاط بكل شيء، فلا تختلف عليه اللغات، ولا يشكل عليه صوت من جهر ولا من سر، فهو سبحانه يعلم السر وأخفى، ويسمع كل شيء، ويسمع دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، فأحاط الله جل وعلا بكل شيء سمعاً. فإذا كان المؤمن يعتقد هذا الاعتقاد الجازم بأن الله يسمع سره، ويسمع ما يخفض به من الكلام، ويسمع ما يجهر به، فحري بكل مسلم ألا يسمع الله جل وعلا إلا ما يحبه ويرضاه، وألا يسمع الله إلا ما يقربه منه، ولا يسمع الله إلا الثناء عليه سبحانه، أو الصلاة على النبي ﷺ ، أو مجالس الذكر والعلم، أو قراءة القرآن، فلا يهذي بكلمات تبعده عن رب البرية جل وعلا، وإذا اعتقد أن الله يسمع ما يقول فحري به أن يتدبر ما يقول، ويعي الدرس جيداً كما وعاه قبله الصحابة الكرام عندما قال النبي ﷺ : (وهل يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم) فالرجل إذا وعى الدرس جيداً، وعلم أن ربه يسمع ما يقول، فإنه لا بد أن يكون رقيباً على كلامه، ولا يتكلم إلا بما يحب الله جل وعلا ويرضاه.

стр. 103

تقسيم سماع الله إلى قسمين خاص وعام سماع الله سماع عام وسماع خاص، فأما السماع العام: فهو يعم كل المخلوقات، فقد أحاط الله بكل شيء سمعاً، كما قالت عائشة ﵂ وأرضاها: (سبحان الذي وسع سمعه كل الأصوات) فكل الأصوات من حيوانات برية أو بحرية، ومن مخلوقات في السموات أو في الأرضين، من جن أو إنس أو ملك فإن الله يسمع كل هذه الأصوات، سمعاً عاماً وسمع إحاطة. فهو يسمع الكافرين ويسمع المؤمنين، وهذا السمع يستلزم التهديد الأكيد والوعيد الشديد، فقد هدد الله الكافرين بهذه الصفة العظيمة الجليلة، لكن لا يعي ذلك إلا من نور الله بصيرته، فإن أهل الكفر والإلحاد إذا اعتقدوا هذا الاعتقاد ما افتروا على الله جل وعلا وعلى محارمه، وانظروا كيف سبوا الله جل وعلا وأمهلهم، لكنه هددهم بهذه الصفة العظيمة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] فهذه الآية فيها تهديد شديد ووعيد أكيد لأهل الكفر الذين يسبون الله جل وعلا، ولا يغرنكم صبر الله جل وعلا عليهم أبداً، فإن الله جل وعلا هددهم وتوعدهم بهذه الصفة. قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران:١٨١] فهذا تهديد يبين أن الله جل وعلا يسمع ما يقولون من سب له جل وعلا، وانتقاص من قدره، وأن ذلك لا يضيع، بل هو مكتوب، وقد سمعه الله جل وعلا وسيجازيهم عليه. وأما التهديد لأهل النفاق الذين هم أشد من أهل الكفر، فقد هددهم الله بقوله سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠] وقال: (إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء:١٠٨] فهم يحسبون أن الله جل وعلا لا يسمع ما يبيتون، والله يكتب ما يبيتون ويسمع ما يبيتون، والله جل وعلا إذ يسمع مكر الماكرين ونفاق المنافقين فإنه يجازيهم على ذلك، فهذا هو الاعتقاد الصحيح أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن الله لا يخفى على سمعه شيء. السمع الثاني: سمع خاص، وهو خاص بالمؤمنين المتقين الصالحين، وقد يدخل الكافرون معهم لأمر ما، وهذا السمع يستلزم سماع الدعاء والإجابة، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] أي: يستلزم سماع الله جل وعلا لدعاء المرء أنه يسارع في إجابته، ويسارع فيما ينفعه، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات:٧٥] أي: سمع الله نداءه، فما من مؤمن يدعو الله تعالى بصوت خافت أو يستغيث به إلا وسمعه الله جل وعلا سمع إجابة وسارع له في تفريج الكربات، فهذا السمع الذي هو خاص بالمؤمنين هو سماع إجابه لتفريج الكربات، ورفعة الدرجات، وغفران للزلات. وهذا يونس ﵇ لما كان في الظلمات ونادى كما قال تعالى: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] أي: نادى بصوت إما عالٍ وإما منخفض، ففي الحالتين لا يخفى الصوت على الله جل وعلا، فلما نادى سمعه الله جل وعلا، فاستجاب له وأنقذه من هذه المهالك وهذه الظلمات. وهذا السمع سمع تفريج للكربات، وأيضاً إجابة للدعوات، فقد سمع الله جل وعلا دعاء النبي ﷺ وهو يقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد بعد اليوم، اللهم أنجز وعدك الذي وعدت، اللهم نصرك الذي وعدت) فاستجاب الله له بعدما سمعه وهو يدعو ويستغيث به جل وعلا. ومن السمع الخاص: استجابة فوق هذه الاستجابة، وهي استجابة مدح وثناء، وهذه الاستجابة هي استجابة المناجاة، فهذه والله أعلم يدخل فيها الصالحون المتقون المخلصون، وهذه المناجاة يرفع الله بها العبد فيثني عليه في الملأ الأعلى كما قال النبي ﷺ : (سمع الله لمن حمده)، فالذي يحمد الله يجازيه الله بجنس العمل، فهو يسمع الله خيراً فيثني الله جل وعلا عليه خيراً في الملأ الأعلى، كما قال النبي ﷺ : (قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه)، وهذا الملأ هو ملأ الملائكة، فهذا هو سمع المناجاة الذي يستلزم الثناء والمدح من الله جل وعلا. وقد سأل النبي ﷺ أبا بكر عن قيامه بالليل فقال: (لم تخفض صوتك؟ قال: إني أسمع من أناجي) فإن كان لا يسمع أحداً فإن الذي يناجيه يسمع، وهو الذي يضع الناس في مكاناتهم لسماعه جل وعلا. ومن سمع الله الخاص: سماع التسديد والنصرة والتوفيق، وهذا السماع أيضاً يفهم من قول الله تعالى لموسى: ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥] يعني: ما يدبر لكم فرعون وملؤه وما يقولون، فنحن معكم ننجيكم من عذاب فرعون. وأيضاً قال الله تعالى: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، وقد أشبعنا القول في هذا الباب في باب الرؤية. إذاً: فالسماع الخاص هو سماع تسديد وتوفيق ونصرة، وهو سماع استجابة للدعوات وتفريج للكربات، وسماع يستلزم الثناء والمدح في الملأ الأعلى.

стр. 104

سمع الله لا يشبه سمع المخلوقين إذا قلنا: إن هذه هي صفات سماع الله جل وعلا، وأن المرء حري به أن يعتقد هذا الاعتقاد الصحيح ويسير به إلى الله جل وعلا، فنقول: إن سمع الله لا يشبه أي سمع؛ رداً على المشبهة الذين غالوا في الإثبات وقالوا: لله سمع يشبه سمع المخلوقين، فقلنا: لِمَ؟ قالوا: إن الله سمى هذه صفة السمع، وإن الله جل وعلا خلق المخلوق البشر وله سمع وله بصر، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:١ - ٢]. فالله الخالق سميع والإنسان سميع، إذاً: فسمع الله يشبه سمع المخلوق، فنقول: لا، فسمع الله لا يشبه سمع المخلوق، ونرد عليهم بقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فالله أثبت لنفسه السمع والبصر، وخلق الإنسان سميعاً بصيراً، وهذا هو الاعتقاد الصحيح الذي نتكلم به، فنعتقد أن الله سميع، والسمع معلوم في اللغة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فلا يستلزم التساوي في السمع، والتوافق في الاسم لا يستلزم التساوي في المسمى، فلله سمع وللمخلوق سمع، ولكن سمع الله جل وعلا لا يستلزم أن يكون كسمع المخلوق بالتساوي في الاسم، فالإنسان له سمع والحمار له سمع، وللقرد سمع، فهل سمع الإنسان يشبه سمع الحمار؟! وهل سمع الحمار يشبه سمع القرد؟! وهل سمع القرد يشبه سمع الطفل؟! الجواب لا، فإن قلنا: إنه لا تشابه فمن باب أولى أن نقول: إن سمع الله جل وعلا لا يشبه سمع المخلوق، فسمع الله جل وعلا أزلي أبدي، وليس له فناء، وسمع الإنسان ناقص له فناء وهو إلى زوال، وسمع الله جل وعلا غير محدود، ووسع كل المخلوقات وكل الأشياء، قال الله تعالى في الحديث القدسي: (لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي من شيئاً)، فالله جل وعلا لا تختلف عليه اللغات، فهذا الجني وهذا الإنسي وهذا الحيوان، كل منهم يتكلم بصوت مسموع يعلمه الله جل وعلا، ولا يشغله سبحانه صوت عن صوت. وأما سمع الإنسان فهو محدود، ويصل سمعه إلى مسافة محدودة، بل يشغله صوت عن صوت، ويشوش عليه صوت الصوت الآخر، فسمع الله جل وعلا يليق بجلاله وكماله وعظمته، وسمع الإنسان يليق بنفسه ويليق بضعفه ويليق بزواله، فسمع الله جل وعلا لا يشبه سمع المخلوقين. وهذا فيه رد على المعطلة الذين نفوا صفة السمع عن لله جل وعلا، وهؤلاء هم الذين جرءوا علينا أهل الكفر والإلحاد، فإن أهل الكفر والإلحاد عاب الله عليهم أنهم يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر، ويعبدون صنماً، والجهمية بقولهم هذا يعبدون صنماً، فهم يقولون: لا سميع ولا سمع، لا بصير ولا بصر، وينفون عن الله صفة السمع وصفة البصر، فهم يعبدون صنماً، فجرءوا علينا أهل الكفر والإلحاد. ونحن نرد عليهم بأنهم خالفوا ظاهر الكتاب وظاهر السنة وخالفوا إجماع أهل السنة والجماعة، ولا دليل لهم يخرجهم عن إثبات الصفة لربنا جل وعلا، فقد أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ . إذاً: فلله سمع ليس كسمع البشر، ولله بصر ليس كبصر البشر، وصفاته سبحانه تليق بجلاله وكماله. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 105

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - تكملة باب إثبات اليد لله جل وعلا من الصفات الثابتة لله تعالى في الكتاب والسنة: صفة اليد، وهي صفة لا تشبه صفات المخلوقين، وقد ضل فيها طائفتان من الناس، فمنهم من شبهها بصفة المخلوقين لاشتراكهما في الاسم، ومنهم من عطلها وأولها وأنكرها فراراً من التشبيه.

стр. 106

اليد صفة من صفات الله لا تشبه يد المخلوق إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن كتاب التوحيد لإمام الأئمة ابن خزيمة في إثبات صفات الرب كتاب عظيم جليل. وقد سبق ذكر صفة اليد، وسوف نبين هنا منهج ابن خزيمة في هذه المسألة. صفة اليد صفة جليلة عظيمة، وهي من الصفات الثبوتية الذاتية الخبرية التي ثبتت لله في الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، وذلك كما يليق بجلال الله وكماله، وأما كيفيتها فلها كيفية لكنها غير معلومة لنا، بل هي مجهولة، ويجب أن نفوض هذه الكيفية لله جل وعلا. فمن آيات الصفات قول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات:٤٧ - ٤٨]، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج:١٢ - ١٣]، وقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥]. فقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧]، أيد: جمع يد، وهذه من آيات الصفات التي لا بد أن نعتقدها وأن نتعبد بها لله جل وعلا، ولكي نعرف الآية هل هذه من آيات الصفات أو لا، لا بد أن نعلم أن كل آية تذكر فيها صفة من الصفات، كالعين أو اليد، أو غيرها لا يمكن أن نثبتها لله جل وعلا حتى تضاف، وإلا فكيف نثبتها؟! وأما قول الله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢] فإن الساق هنا لم تضف إلى الله جل وعلا، ولكن الذي جعل هذه الآية من آيات الصفات هو حديث في الصحيحين وفيه (أن الله جل وعلا يوم القيامة يكشف عن ساقه، فيسجدون له) فالضابط في آيات الصفات أنه لابد أن تذكر الصفة مضافة إلى الله جل وعلا من باب إضافة الصفة للموصوف، أما إذا أطلقت فلا نستطيع أن نثبتها لله جل وعلا إلا بقرينة أخرى. فالأيد والأيادي جمع يد، ومنهم من قال: إن معناها بقوة فهي ليست من آيات الصفات.

стр. 107

قول المشبهة في صفة اليد أما أصحاب الغلو في الإثبات فقالوا: نثبت لله يداً كما جاء في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، وقال ﷺ : (وكلتا يديه يمين)، وقد أثبت الله للمخلوق يداً فقال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، فإذا قلنا بذلك فيد الخالق تشبه يد المخلوق، فالله أثبت لنفسه يداً وسماها يداً، وأثبت لعبده يداً وسماها يداً. ونجيب عليهم بالقاعدة التي قعدها أهل العلم، وقد استقوها من أحاديث النبي ﷺ ، ومن كلام علماء السلف الصالح وهي: أن الاشتراك في الأسماء لا يستلزم التساوي في المسمى، فإذا كان لله يد وللإنسان يد فإن يد الله لا تشبه يد الإنسان، وبالقياس الجلي فالله جل وعلا خلق للإنسان يداً، وخلق للبعير يداً وخلق للحمار يداً وخلق للقرد يداً، فهل يد الإنسان تماثل يد القرد أو يد الفيل؟ الجواب أنها لا تشترك معها إلا في الاسم فقط، وأما المسمى فلا تشابه، فإذا استوى الاسم واختلف المسمى بين المخلوقات فمن باب أولى وبالقياس الجلي أن يد الخالق لا يمكن أن تماثل يد المخلوق وإن وجد التساوي في الاسم، فهذا هو الرد على المشبهة الذين غلوا في الإثبات، لذا فالمشبهة تعبد صنماً.

стр. 108

مذهب أهل التعطيل والتأويل في صفة اليد إن الذين حرفوا وعطلوا يعبدون عدما؛ لأنهم قالوا: ليس لله يد، ولو قلنا: إن لله يداً لشبهنا الخالق بالمخلوق؛ لأن اليد جارحة، والجارحة لا تصلح لله ، ولذلك فروا من القول بأن لله يداً، وقالوا: إن المقصود باليد في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] النعمة، وهذا وارد في اللغة، وقد جاء في حديث صلح الحديبية أن أبا بكر قال لـ عروة: أنحن نفر عن رسول الله؟ امصص بظر اللات، فقال: من هذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، أي: لولا أن لك نعمة عندي لم أكافأك بها لأجبتك على هذه المسبة التي سببتني بها، فقوله: لولا يد لك عندي، اليد هنا بمعنى النعمة.

стр. 109

الرد على أهل التعطيل والتأويل في تأويلهم صفة اليد بالنعمة إن الجواب على أهل التأويل الذين أولو اليد بالنعمة يكون بصريح القرآن، قال الله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] فهل معنى ذلك: نعمة الله فوق أيديهم؟! وهل أنتم أعلم أم الله ورسوله، ثم الصحابة الكرام حتى تفسر اليد بما لم يفسروها؟! وهل الله جل وعلا يعجز أن يأتي بنفس اللغة فيقول: نعمة الله فوق أيديهم؟ وكأن الله لم يجد من يساعده على أن يصرح بلفظ النعمة، فالله يقول: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] وأنتم تحرفونها عن موضعها وتقولون: إن معناها النعمة، ولو كانت اليد بمعنى النعمة لبين ذلك النبي ﷺ ؛ لأنه مأمور شرعاً أن يبين كل ما أنزل عليه، فإذا كان النبي ﷺ لم يبين ذلك فالآية على ظاهرها، وقولكم يخالف ظاهر القرآن والسنة وإجماع السلف. ولو افترضنا أن اليد بمعنى النعمة فلن يستقيم كلام الله وكلام رسوله الله ﷺ ؛ لأن الله تعالى يقول لإبليس -منكراً عليه-: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، فإذا وضعت كلمة نعمتي مكان يدي للزم من ذلك لوازم باطلة منها: حصر نعمة الله في نعمتين فقط، وحاشا لله أن يكون كذلك، قال الله تعالى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، فنعمة هنا مفردة مضافة فتعم كل النعم. وقال الله عن إبراهيم: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل:١٢١]، وهذا جمع يدل على أن أنعام الله كثيرة وغزيرة لا تعد ولا تحصى، وفي الحديث أن النبي ﷺ لما بين أن الأراضين جميعاً والسموات بيد الله جل وعلا قال: (وبيده الأخرى الميزان يرفع ويخفض) فهل يمكن أن نؤول اليد بالنعمة ونقول: وبنعمته الأخرى الميزان، وبالنعمة الأولى السماوات والأرض؟! فهذا أيضاً من أبطل الباطل الذي لا تستقيم معه اللغة، ولا يتناسب مع حديث النبي ﷺ . وإذا أولنا اليد بالقدرة ووضعنا القدرة مكان كلمة يد، وقلنا: قدرة الله فوق أيديهم، فلا يمكن أن يستقيم المعنى، ولذلك ليس عندهم دليل ولا قرينة تصرف هذا الظاهر عن ظاهره. وأيضاً في آية أخرى قال الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] فليس المعنى: بقدرتي؛ لأن قدرة الله واحدة باتفاق أهل العلم لغة وعقلاً وشرعاً، وهي قدرة عامة تعم كل شيء، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠]، فلازم هذا القول أن تكون القدرة متعددة، وهذا باطل. وأيضاً: إذا قلنا: إن معنى قول الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] أي: بقدرتي، فإنه لا مزية لإبليس على آدم، وهذه الآية تثبت لنا أن الله فضل آدم على إبليس وأمره بالسجود له، وهذا من اللوازم الباطلة، وهو من كلام أهل الجاهلية، فإنهم يجعلون لإبليس حجة على الله؛ لأن الله فضله على آدم وأمره بالسجود له وقد خلقهما بقدرته. ومن اللوازم الباطلة كذلك أنه لا مزية لآدم على سائر الخلق فقد خلق الله الحيوانات جميعاً بقدرته، وهذه الآية بينت المزية التي امتاز بها آدم على إبليس وعلى سائر الخلق، وهي أن الله باشر خلقه بيديه، فقال ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وهذه من اللوازم الباطلة التي لا يمكن أن يقبلها المسلم، وهذا رد على المؤولة الذين خالفوا ظاهر القرآن والسنة، وخالفوا إجماع أهل السنة، ولو قلنا بكلامهم للزمنا لوازم باطلهم قد تصل بالإنسان إلى الكفر. ونحن نعتقد في قول الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] أن يد الله جل وعلا لا تشبه أيدي المخلوقين.

стр. 110

الأدلة على أن لله يدين لقد أثبت الله لنفسه اليد، فكم لله أيد؟ يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس:٧١]، وقد يفهم من الآية أن لله أيد كثيرة، وهذا خطأ، فليس لله أيد كثيرة، وإنما له يدان فقط، والدليل على ذلك من الكتاب قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، ومن السنة: (كلتا يدي ربي يمين). والجواب عن تلك الآية التي قد يفهم منها أن لله أيد كثيرة هو أن الجمع (الأيدي) هنا يدل إما على الذات كقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠]، فالكسب يشمل فعل الإنسان نفسه، وإما أن يدل على التعظيم، فقد أثبت الله جل وعلا لنفسه يدين اثنتين عظيمتين جليلتين تليق بجلال الله وكماله.
следующие страницы →