ومثله قول جرير: [من الطويل]
أمنّيت المنى وخلبت حتّى ... تركت ضمير قلبي مستهاما «١»
الغرض أن يثبت أنه كان منها تمنية وخلابة، وأن يقول لها: أهكذا تصنعين؟
وهذه حيلتك في فتنة الناس؟
ومن بارع ذلك ونادره، ما تجده في هذه الأبيات. روى المرزبانيّ في «كتاب الشعر» بإسناد، قال: لما تشاغل أبو بكر الصديق ﵁ بأهل الرّدة، استبطأته الأنصار فكلّموه، فقال: إمّا كلّفتموني أخلاق رسول الله ﷺ ، فو الله ما ذاك عندي ولا عند أحد من الناس، ولكنّي والله ما أوتى من مودّة لكم ولا حسن رأي فيكم، وكيف لا نحبّكم؟ فو الله ما وجدت مثلا لنا ولكم إلّا ما قال طفيل الغنويّ لبني جعفر ابن كلاب: [من الطويل]
جزى الله عنّا جعفرا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلّت
أبوا أن يملّونا، ولو أنّ أمّنا ... تلاقي الّذي لاقوه منّا لملّت
هم خلطونا بالنّفوس وألجئوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلّت «٢»
فيها حذف مفعول مقصود قصده في أربعة مواضع قوله: «لملّت»، و «ألجئوا» و «أدفأت» و «أظلّت»، لأن الأصل: «لملّتنا» و «ألجئونا إلى حجرات أدفأتنا وأظلّتنا»، إلّا أنّ الحال على ما ذكرت لك، من أنه في حدّ المتناسى، حتى كأن لا قصد إلى مفعول، وكأن الفعل قد أبهم أمره فلم يقصد به قصد شيء يقع عليه، كما يكون إذا قلت: «قد ملّ فلان»، تريد أن تقول: قد دخله الملال، من غير أن تخصّ شيئا، بل لا تزيد على أن تجعل الملال من صفته، وكما تقول: «هذا بيت يدفئ ويظلّ»، تريد أنه بهذه الصفة.
واعلم أن لك في قوله: «أجرّت»، و «لملّت»، فائدة أخرى زائدة على ما ذكرت من توفير العناية على إثبات الفعل، وهي أن تقول: كان من سوء بلاء القوم ومن تكذيبهم عن القتال «٣» ما يجرّ مثله، وما القضية فيه أنه لا يتّفق على قوم إلّا خرس شاعرهم فلم يستطع نطقا، وتعديتك الفعل تمنع من هذا المعنى، لأنك إذا قلت:
стр. 107
«ولكن الرماح أجرتني»، لم يمكن أن يتأوّل على معنى أنه كان منها ما شأن مثله أن يجرّ، قضية مستمرة في كل شاعر قوم، بل قد يجوز أن يوجد مثله في قوم آخرين فلا يجرّ شاعرهم. ونظيره أنك تقول: «قد كان منك ما يؤلم»، تريد ما الشّرط في مثله أن يؤلم كل أحد وكلّ إنسان. ولو قلت: «ما يؤلمني» لم يفد ذلك، لأنه قد يجوز أن يؤلمك الشيء لا يؤلم غيرك.
وهكذا قوله: «ولو أنّ أمّنا تلاقي الذي لاقوه منا لملّت»، يتضمن أنّ من حكم مثله في كل أمّ أن تملّ وتسأم، وأن المشقة في ذلك إلى حدّ يعلم أن الأمّ تملّ له الابن وتتبرّم به،
مع ما في طباع الأمّهات من الصبر على المكاره في مصالح الأولاد.
وذلك أنه وإن قال: «أمّنا»، فإن المعنى على أن ذلك حكم كلّ أمّ مع أولادها. ولو قلت: «لملّتنا»، لم يحتمل ذلك، لأنه يجري مجرى أن تقول: «لو لقيت أمّنا ذلك لدخلها ما يملّها منا»، وإذا قلت «ما يملها منا» فقيّدت، لم يصلح لأن يراد به معنى العموم وأنّه بحيث يملّ كلّ أمّ من كل ابن.
وكذلك قوله: «إلى حجرات أدفأت وأظلّت»، لأن فيه معنى قولك: «حجرات من شأن مثلها أن تدفئ وتظلّ»، أي: هي بالصفة التي إذا كان البيت عليها أدفأ وأظلّ. ولا يجيء هذا المعنى مع إظهار المفعول؛ إذ لا تقول: «حجرات من شأن مثلها أن تدفئنا وتظلنا»، هذا لغو من الكلام.
فاعرف هذه النّكتة، فإنك تجدها في كثير من هذا الفنّ مضمومة إلى المعنى الآخر، الذي هو توفير العناية على إثبات الفعل، والدلالة على أنّ القصد من ذكر الفعل أن تثبته لفاعله، لا أن تعلم التباسه بمفعوله.
وإن أردت أن تزداد تبيّنا لهذا الأصل، أعني وجوب أن تسقط المفعول لتتوفّر العناية على إثبات الفعل لفاعله ولا يدخلها شوب، فانظر إلى قوله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ. فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ [القصص: ٢٣ - ٢٤]، ففيها حذف مفعول في أربعة مواضع، إذ المعنى:
«وجد عليه أمة من الناس يسقون» أغنامهم أو مواشيهم، و «امرأتين تذودان» غنمهما و «قالتا لا نسقي» غنمنا، «فسقى لهما» غنمهما.
ثمّ إنه لا يخفى على ذي بصر أنه ليس في ذلك كلّه إلا أن يترك ذكره ويؤتى
стр. 108
بالفعل مطلقا، وما ذاك إلّا أن الغرض في أن يعلم أنه كان من الناس في تلك الحال سقي، ومن المرأتين ذود، وأنهما قالتا: لا يكون منّا سقي حتى يصدر الرعاء، وأنه كان من موسى ﵇ من بعد ذلك سقي. فأمّا ما كان المسقيّ؟ أغنما أم إبلا أم غير ذلك، فخارج عن الغرض، وموهم خلافه. وذاك أنه لو قيل: «وجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما»، جاز أن يكون لم ينكر الذّود من حيث هو ذود، بل من حيث هو ذود غنم، حتى لو كان مكان الغنم إبل لم ينكر الذّود، كما أنك إذا قلت:
«مالك تمنع أخاك؟»، كنت منكرا المنع، لا من حيث هو منع، بل من حيث هو منع أخ، فاعرفه تعلم أنك لم تجد لحذف المفعول في هذا النحو من الرّوعة والحسن ما وجدت، إلّا لأن في حذفه وترك ذكره فائدة جليلة، وأن الغرض لا يصحّ إلّا على تركه.
وممّا هو كأنه نوع آخر غير ما مضى، قول البحتري: [من الطويل]
إذا بعدت أبلت، وإن قربت شفت، ... فهجرانها يبلي، ولقيانها يشفي «١»
قد علم أن المعنى: إذا بعدت عني أبلتني، وإن قربت مني شفتني إلا أنك تجد الشعر يأبى ذكر ذلك، ويوجب اطّراحه. وذاك لأنه أرد أن يجعل البلى كأنه واجب في بعادها أن يوجبه ويجلبه، كأنه كالطبيعة فيه، وكذلك حال الشّفاء مع القرب، حتى كأنّه قال: أتدري ما بعادها؟ هو الداء المضني، وما قربها؟ هو الشفاء والبرء من كل داء. ولا سبيل لك إلى هذه اللطيفة وهذه النكتة، إلا بحذف المفعول البتّة، فاعرفه.
وليس لنتائج هذا الحذف، أعني حذف المفعول، نهاية، فإنه طريق إلى ضروب من الصنعة، وإلى لطائف لا تحصى.
وهذا نوع منه آخر: اعلم أن هاهنا بابا من الإضمار والحذف يسمى «الإضمار على شريطة التفسير»، وذلك مثل قولهم: «أكرمني وأكرمت عبد الله»، أردت:
«أكرمني عبد الله وأكرمت عبد الله»، ثم تركت ذكره في الأول استغناء بذكره في الثاني. فهذا طريق معروف ومذهب ظاهر، وشيء لا يعبأ به، ويظنّ أنه ليس فيه أكثر مما تريك الأمثلة المذكورة منه. وفيه- إذا أنت طلبت الشيء من معدنه- من دقيق الصّنعة ومن جليل الفائدة، ما لا تجده إلا في كلام الفحول.
стр. 109
فمن لطيف ذلك ونادره قول البحتري: [من الكامل]
لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما، ولم تهدم مآثر خالد «١»
الأصل لا محالة: لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها، ثم حذف ذلك من الأوّل استغناء بدلالته في الثاني عليه، ثمّ هو على ما تراه وتعلمه من الحسن والغرابة، وهو على ما ذكرت لك من أن الواجب في حكم البلاغة أن لا ينطق بالمحذوف ولا يظهر إلى اللفظ. فليس يخفى أنك لو رجعت فيه إلى ما هو أصله فقلت: «لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها»، صرت إلى كلام غثّ، وإلى شيء يمجّه السمع، وتعافه النفس. وذلك أن في البيان، إذا ورد بعد الإبهام وبعد التحريك له، أبدا لطفا ونبلا لا يكون إذا لم يتقدّم ما يحرّك.
وأنت إذا قلت: «لو شئت»، علم السّامع أنك قد علّقت هذه المشيئة في المعنى بشيء، فهو يضع في نفسه أنّ هاهنا شيئا تقتضي مشيئته له أن يكون أو أن لا يكون. فإذا قلت: «لم
تفسد سماحة حاتم»، عرف ذلك الشيء، ومجيء «المشيئة» بعد «لو» وبعد حروف الجزاء هكذا موقوفة غير معدّاة إلى شيء، كثير شائع، كقوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى [الأنعام: ٣٥]، ووَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [النحل: ٩]، والتقدير في ذلك كله على ما ذكرت. فالأصل: لو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم، ولو شاء أن يهديكم أجمعين لهداكم، إلا أن البلاغة في أن يجاء به كذلك محذوفا.
وقد يتفق في بعضه أن يكون إظهار المفعول هو الأحسن، وذلك نحو قول الشاعر: [من الطويل]
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه، ولكن ساحة البصر أوسع «٢»
فقياس هذا لو كان على حدّ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى [الأنعام:
٣٥] أن يقول: «لو شئت بكيت دما»، ولكنه كأنه ترك تلك الطريقة وعدل إلى
стр. 110
هذه، لأنها أحسن في هذا الكلام خصوصا. وسبب حسنه أنه كأنه بدع عجيب أن يشاء الإنسان أن يبكي دما. فلما كان كذلك، كان الأولى أن يصرّح بذكره ليقرّره في نفس السامع ويؤنسه به.
وإذا استقريت وجدت الأمر كذلك أبدا متى كان مفعول «المشيئة» أمرا عظيما، أو بديعا غريبا، كان الأحسن أن يذكر ولا يذكر ولا يضمر. يقول الرجل بخبر عن عزّة: «لو شئت أن أردّ على الأمير رددت» و «لو شئت أن ألقى الخليفة كلّ يوم لقيت». فإذا لم يكن مما يكبره السامع، فالحذف كقولك: «لو شئت خرجت»، و «لو شئت قمت»، و «لو شئت أنصفت»، و «لو شئت لقلت»، وفي التنزيل: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال: ٣١]، وكذا تقول: «لو شئت كنت كزيد»، قال:
[من البسيط]
لو شئت كنت ككرز في عبادته ... أو كابن طارق حول البيت والحرم «١»
وكذلك الحكم في غيره من حروف المجازاة أن تقول: «إن شئت قلت» و «إن أردت دفعت»، قال الله تعالى فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ [الشورى: ٢٤]، وقال عزّ اسمه: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام: ٣٩]، ونظائر ذلك من الآي، ترى الحذف فيها المستمرّ.
ومما يعلم أن ليس فيه لغير الحذف وجه قول طرفه: [من الطويل]
وإن شئت لم ترقل، وإن شئت أرقلت ... مخافة ملويّ من القّدّ محصد «٢»
وقول حميد: [من الطويل]
стр. 111
إذا شئت غنّتني بأجزاع بيشة ... أو الزّرق من تثليث أو بيلملما
مطوّقة ورقاء تسجع كلّما ... دنا الصّيف وانجاب الرّبيع فأنجما «١»
وقول البحتريّ: [من الطويل]
إذا شاء غادى صرمة، أو غدا على ... عقائل سرب، أو تقنّص ربربا «٢»
وقوله: [من الكامل]
لو شئت عدت بلاد نجد عودة، ... فحللت بين عقيقه وزروده «٣»
معلوم أنك لو قلت: «وإن شئت أن لا ترقل لم ترقل»، أو قلت: «إذا شئت أن تغنّيني بأجزاع بيشة غنّتني»، و «إذا شاء أن يغادي صرمة غادى»، و «لو شئت أن تعود بلاد نجد
عودة عدتها» أذهبت الماء والرّونق، وخرجت إلى كلام غثّ، ولفظ رثّ.
- وأمّا قول الجوهريّ: [من الطويل]
فلم يبق منّي الشّوق غير تفكّري، ... فلو شئت أن أبكي بكيت تفكّرا «٤»
فقد نحا به نحو قوله: «ولو شئت أن أبكي دما لبكيته»، فأظهر مفعول «شئت»، ولم يقل: «فلو شئت بكيت تفكرا»، لأجل أن له غرضا لا يتمّ إلّا بذكر المفعول. وذلك أنه لم يرد أن يقول: «ولو شئت أن أبكى تفكّرا بكيت كذلك»، ولكنه أراد أن يقول: قد أفناني النحول، فلم يبق منّي وفيّ غير خواطر تجول، حتى لو شئت بكاء فمريت «٥» شئوني، وعصر عيني ليسيل منها دمع لم أجده، ولخرج بدل الدمع التّفكّر. فالبكاء الذي أراد إيقاع المشيئة عليه مطلق مبهم غير معدّى إلى «التفكر» البتة، و «البكاء» الثاني مقيّد معدّى إلى التفكر. وإذا كان الأمر كذلك،
стр. 112
صار الثاني كأنّه شيء غير الأوّل، وجرى مجرى أن تقول: «لو شئت أن تعطي درهما أعطيت درهمين»، في أن الثاني لا يصلح أن يكون تفسيرا للأوّل.
واعلم أن هذا الذي ذكرنا ليس بصريح: «أكرمت وأكرمني عبد الله»، ولكنه شبيه به في أنه إنّما حذف الذي حذف من مفعول «المشيئة» و «الإرادة»، لأنه الذي يأتي في جواب «لو» وأخواتها يدلّ عليه.
وإذا أردت ما هو صريح في ذلك، ثمّ هو نادر لطيف ينطوي على معنى دقيق وفائدة جليلة، فانظر إلى بيت البحتري: [من الخفيف]
قد طلبنا فلم نجد لك في السّؤ ... دد والمجد والمكارم مثلا «١»
المعنى: قد طلبنا لك مثلا؛ ثم حذف، لأن ذكره في الثاني يدلّ عليه، ثمّ إنّ للمجيء به كذلك من الحسن والمزيّة والرّوعة ما لا يخفى. ولو أنه قال: «قد طلبنا لك في السؤدد والمجد والمكارم مثلا فلم نجده»، لم تر من هذا الحسن الذي تراه شيئا. وسبب ذلك أن الذي هو الأصل في المدح والغرض بالحقيقة، هو نفي الوجود عن «المثل»، فأما «الطّلب»، فكالشيء يذكر ليبنى عليه الغرض ويؤكّد به أمره. وإذا كان هذا كذلك، فلو أنه قال: «قد طلبنا لك في السؤدد والمجد والمكارم مثلا فلم نجده»، لكان يكون قد ترك أن يوقع نفي الوجود على صريح لفظ «المثل»، وأوقعه على ضميره. ولن تبلغ الكناية مبلغ التّصريح أبدا.
ويبيّن هذا، كلام ذكره أبو عثمان الجاحظ في كتاب البيان والتبيين «٢»، وأنا أكتب لك الفصل حتى تستبين الذي هو المراد، قال:
«والسّنة في خطبة النكاح أن يطيل الخاطب ويقصّر المجيب، ألا ترى أن قيس ابن خارجة بن سنان لمّا ضرب بسيفه مؤخرة راحلة الحاملين في شأن حمالة داحس والغبراء وقال: ما لي فيها أيّها العشمتان «٣»؟ قالا: بل ما عندك؟ قال: عندي قرى كلّ نازل، ورضى كلّ ساخط، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتواصل، وأنهى فيها عن التقاطع قالوا: فخطب يوما إلى الليل، فما أعاد كلمة ولا معنى. فقيل لأبي يعقوب «٤»: هلّا اكتفى بالأمر بالتواصل، عن النهي عن التقاطع؟ أو
стр. 113
ليس الأمر بالصّلة هو النّهي عن القطيعة؟ قل: أو ما علمت أن الكناية والتعريض لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والتكشيف» «١».
انتهى الفصل الذي أردت أن أكتبه. فقد بصّرك هذا أن لن يكون إيقاع نفي الوجود على صريح لفظ المثل، كإيقاعه على ضميره.
وإذ قد عرفت هذا، فإنّ هذا المعنى بعينه قد أوجب في بيت ذي الرّمة أن يضع اللفظ على عكس ما وضعه البحتري «٢»، فيعمل الأول من الفعلين، وذلك قوله: [من الوافر]
ولم أمدح لأرضيه بشعري ... لئيما، أن يكون أصاب مالا «٣»
أعمل «لم أمدح»، الذي هو الأول، في صريح لفظ «اللئيم»، و «أرضى»، الذي هو الثاني، في ضميره. وذلك لأن إيقاع نفي المدح على اللّئيم صريحا، والمجيء به مكشوفا ظاهرا، هو الواجب من حيث كان أصل الغرض، وكان الإرضاء تعليلا له. ولو أنه قال: «ولم أمدح لأرضي بشعري لئيما»، لكان يكون قد أبهم الأمر فيما هو الأصل، وأبانه فيما ليس بالأصل، فاعرفه.
ولهذا الذي ذكرنا من أن للتّصريح عملا لا يكون مثل ذلك العمل للكناية، كان لإعادة اللفظ في مثل قوله تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [الإسراء:
١٠٥]، وقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص: ١ - ٢]، من الحسن والبهجة، ومن الفخامة والنّبل، ما لا يخفى موضعه على بصير. وكان لو ترك فيه الإظهار إلى الإضمار فقيل: «وبالحق أنزلناه وبه نزل»: و «قل هو الله أحد هو الصمد» لعدمت الذي أنت واجده الآن.
стр. 114
فصل [في تحليل مثال آخر للحذف]
قد بان الآن واتّضح لما نظر نظر المتثبّت- الحصيف الراغب في اقتداح زناد العقل، والازدياد من الفضل، ومن شأنه التوق إلى أن يعرف الأشياء على حقائقها، ويتغلغل إلى دقائقها، ويربأ بنفسه عن مرتبة المقلّد الذي يجري مع الظاهر، ولا يعدو الذي يقع في أوّل الخاطر- أنّ الذي قلت في شأن «الحذف» وفي تفخيم أمره، والتنويه بذكره، وأنّ مأخذه مأخذ يشبه السحر، ويبهر الفكر، كالذي قلت.
وهذا فنّ آخر من معانيه عجيب، وأنا ذاكره لك. قال البحتري في قصيدته التي أولها: [من الطويل] أعن سفه يوم الأبيرق أم حلم «١» وهو يذكر محاماة الممدوح عليه، صيانته له، ودفعه نوائب الزمان عنه: [من الطويل]
وكم ذدت عنّي من تحامل حادث ... وسورة أيّام حززن إلى العظم «٢»
الأصل لا محالة: حززن اللّحم إلى العظم، إلّا أنّ في مجيئه به محذوفا، وإسقاطه له من النّطق، وتركه في الضمير، مزيّة عجيبة وفائدة جليلة.
وذاك أن من حذق الشاعر أن يوقع المعنى في نفس السامع إيقاعا يمنعه به من أن يتوهّم في بدء الأمر شيئا غير المراد، ثم ينصرف إلى المراد. ومعلوم أنه لو أظهر المفعول فقال: «وسورة أيام حززن اللحم إلى العظم»، لجاز أن يقع في وهم السامع إلى أن يجيء إلى قوله: «إلى العظم»، أن هذا الحزّ كان في بعض اللحم دون كله، وأنه قطع ما يلي الجلد ولم ينته إلى ما يلي العظم. فلما كان كذلك، ترك ذكر «اللحم» وأسقطه من اللفظ، ليبرئ السامع من هذا الوهم، ويجعله بحيث يقع المعنى منه في أنف «٣» الفهم، ويتصوّر في نفسه من أوّل الأمر أن الحزّ مضى في اللحم حتى لم يردّه إلّا العظم.
стр. 115
أفيكون دليل أوضح من هذا وأبين وأجلى في صحة ما ذكرت لك، من أنك قد ترى ترك الذّكر أفصح من الذكر، والامتناع من أن يبرز اللفظ من الضمير، أحسن للتصوير؟
فصل القول على فروق في الخبر
أوّل ما ينبغي أن يعلم منه أنّه ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتمّ الفائدة دونه، وخبر ليس بجزء من الجملة، ولكنه زيادة في خبر آخر سابق له. فالأوّل خبر المبتدأ، كمنطلق في قولك: «زيد منطلق»، والفعل كقولك: «خرج زيد»، فكل واحد من هذين جزء من الجملة، وهو الأصل في الفائدة.
والثاني هو الحال: كقولك: «جاءني زيد راكبا»، وذاك لأن الحال خبر في الحقيقة، ومن حيث أنك تثبت بها المعنى لذي الحال، كما تثبت بخبر المبتدأ للمبتدإ، وبالفعل للفاعل. ألا تراك قد أثبتّ «الركوب» في قولك: «جاءني زيد راكبا» لزيد؟ إلّا أنّ الفرق أنّك جئت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء، وهو أن تجعله بهذه الهيئة في مجيئه، ولم تجرّد إثباتك للركوب ولم تباشره به، بل ابتدأت فأثبتّ المجيء، ثم وصلت به الركوب، فالتبس به الإثبات على سبيل التّبع للمجيء، وبشرط أن يكون في صلته. وأما في الخبر المطلق نحو: «زيد منطلق» و «خرج عمرو»، فإنك مثبت للمعنى إثباتا جرّدته له، وجعلته يباشر من غير واسطة، ومن غير أن تتسبّب بغيره إليه، فاعرفه.
وإذ قد عرفت هذا الفرق، فالذي يليه من فروق الخبر، هو الفرق بين الإثبات إذا كان بالاسم، وبينه إذا كان بالفعل. وهو فرق لطيف تمسّ الحاجة في علم البلاغة إليه.
وبيانه، أن موضوع الاسم على أن يثبت به المعنى للشيء من غير أن يقتضي تجدّده شيئا بعد شيء.
وأما الفعل فموضوعه على أنّه يقتضي تجدّد المعنى المثبت به شيئا بعد شيء.
فإذا قلت: «زيد منطلق»، فقد أثبتّ الانطلاق فعلا له، من غير أن تجعله يتجدّد ويحدث منه شيئا فشيئا، بل يكون المعنى فيه كالمعنى في قولك: «زيد طويل»، و «عمرو قصير»: فكما لا تقصد هاهنا إلى أن تجعل الطول أو القصر يتجدّد
стр. 116
ويحدث، بل توجبهما وتثبتهما فقط، وتقضي بوجودهما على الإطلاق، كذلك لا تتعرض في قولك: «زيد منطلق» لأكثر من إثباته لزيد.
وأما الفعل، فإنه يقصد فيه إلى ذلك. فإذا قلت: «زيد ها هو ذا ينطلق»، فقد زعمت أن الانطلاق يقع منه جزءا فجزءا، وجعلته يزاوله ويزجّيه.
وإن شئت أن تحسّ الفرق بينهما من حيث يلطف، فتأمل هذا البيت: [من البسيط]
لا يألف الدّرهم المضروب خرقتنا، ... لكن يمرّ عليها وهو منطلق «١»
هذا هو الحسن اللائق بالمعنى، ولو قلته بالفعل: «لكن يمر عليها وهو ينطلق»، لم يحسن.
وإذا أردت أن تعتبره حيث لا يخفى أنّ أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه، فانظر إلى قوله تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الكهف: ١٨]، فإن أحدا لا يشك في امتناع الفعل هاهنا، وأن قولنا: «كلبهم يبسط ذراعيه»، لا يؤدّي الغرض. وليس ذلك إلا لأنّ الفعل يقتضي مزاولة وتجدّد الصفة في الوقت، ويقتضي الاسم ثبوت الصّفة وحصولها من غير أن يكون هناك مزاولة وتزجية فعل، ومعنى يحدث شيئا فشيئا. ولا فرق بين «وكلبهم باسط»، وبين أن يقول: «وكلبهم واحد» مثلا، في أنك لا تثبت مزاولة، ولا تجعل الكلب يفعل شيئا، بل تثبته بصفة هو عليها. فالغرض إذن تأدية هيئة الكلب.
ومتى اعتبرت الحال في الصّفات المشبهة وجدت الفرق ظاهرا بينا، ولم يعترضك الشك في أنّ أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه. فإذا قلت: «زيد طويل»، و «عمرو قصير»: لم يصلح مكانه «يطول» و «يقصر»، وإنما تقول: «يطول» و «يقصر»، إذا كان الحديث عن شيء يزيد وينمو كالشجر والنبات والصبيّ ونحو ذلك، مما يتجدّد فيه الطول أو يحدث فيه القصر. فأمّا وأنت تحدّث عن هيئة ثابتة، وعن شيء قد استقرّ طوله، ولم يكن ثمّ تزايد وتجدد، فلا يصلح فيه إلا الاسم.
وإذا ثبت الفرق بين الشيء والشيء في مواضع كثيرة، وظهر الأمر، بأن ترى أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه، وجب أن تقضي بثبوت الفرق حيث ترى
стр. 117
أحدهما قد صلح في مكان الآخر، وتعلم أنّ المعنى مع أحدهما غيره مع الآخر، كما هو العبرة في حمل الخفيّ على الجليّ. وينعكس لك هذا الحكم، أعني أنّك كما وجدت الاسم يقع حيث لا يصلح الفعل مكانه، كذلك تجد الفعل يقع ثمّ لا يصلح الاسم مكانه، ولا يؤدّي ما كان يؤدّيه.
فمن البيّن في ذلك قول الأعشى: [من الطويل]
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرّق
تشبّ لمقرورين يصطليانها ... وبات على النّار النّدى والمحلّق «١»
معلوم أنه لو قيل: «إلى ضوء نار متحرّقة»، لنبا عنه الطبع وأنكرته النفس، ثم لا يكون ذاك النبوّ وذاك الإنكار من أجل القافية وأنها تفسد به، بل من جهة أنه لا يشبه الغرض ولا يليق بالحال.
وكذلك قوله: [من الكامل]
أوكلّما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إليّ عريفهم يتوسّم «٢»
وذلك لأن المعنى في بيت الأعشى على أنّ هناك موقدا يتجدّد منه الإلهاب والإشعال حالا فحالا، وإذا قيل: «متحرقة»، كان المعنى أن هناك نارا قد ثبتت لها وفيها هذه الصفة، وجرى مجرى أن يقال: «إلى ضوء نار عظيمة» في أنه لا يفيد فعلا يفعل وكذلك الحال في قوله: «بعثوا إليّ عريفهم يتوسم»، وذلك لأن المعنى على توسّم وتأمّل ونظر يتجدّد من العريف هناك حالا فحالا وتصفّح منه الوجوه واحدا بعد واحد: ولو قيل: «بعثوا إليّ عريفهم متوسّما»، لم يفد ذلك حقّ الإفادة.
стр. 118
ومن ذلك قوله تعالى: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [فاطر: ٣]، لو قيل: «هل من خالق غير الله رازق لكم»، لكان المعنى غير ما أريد.
ولا ينبغي أن يغرّك أنّا إذا تكلّمنا في مسائل المبتدأ والخبر قدّرنا الفعل في هذا النحو تقدير الاسم، كما نقول، في «زيد يقوم»، إنه في موضع «زيد قائم»، فإن ذلك لا يقتضي أن يستوي المعنى فيهما استواء لا يكون من بعده افتراق، فإنهما لو استويا هذا الاستواء، لم يكن أحدهما فعلا والآخر اسما، بل كان ينبغي أن يكونا جميعا فعلين، أو يكونا اسمين.
ومن فروق الإثبات أنك تقول: «زيد منطلق» و «زيد المنطلق»، «المنطلق زيد»، فيكون لك في كل واحد من هذه الأحوال غرض خاص وفائدة لا تكون في الباقي. وأنا أفسّر لك ذلك.
اعلم أنك إذا قلت: «زيد منطلق»، كان كلامك مع من لم يعلم أن انطلاقا كان، لا من زيد ولا من عمرو، فأنت تفيده ذلك ابتداء.
وإذا قلت: «زيد المنطلق» كان كلامك مع من عرف أن انطلاقا كان، إما من زيد وإما من عمرو، فأنت تعلمه أنه كان من زيد دون غيره.
والنكتة أنك تثبت في الأول الذي هو قولك: «زيد منطلق» فعلا لم يعلم السامع من أصله أنه كان، وتثبت في الثاني الذي هو «زيد المنطلق» فعلا قد علم السامع أنه كان، ولكنه لم يعلمه لزيد، فأفدته ذلك. فقد وافق الأوّل في المعنى الذي له كان الخبر خبرا، وهو إثبات المعنى للشيء. وليس يقدح في ذلك أنّك كنت قد علمت أن انطلاقا كان من أحد الرجلين، لأنّك إذا لم تصل إلى القطع على أنه كان من زيد دون عمرو، وكان حالك في الحاجة إلى من يثبته لزيد، كحالك إذا لم تعلم أنه كان من أصله.
وتمام التحقيق أنّ هذا كلام يكون معك إذا كنت قد بلّغت أنه كان من إنسان انطلاق من موضع كذا في وقت كذا لغرض كذا، فجوّزت أن يكون ذلك كان من زيد. فإذا قيل لك: «زيد المنطلق»، صار الذي كان معلوما على جهة الجواز، معلوما على جهة الوجوب. ثم إنهم إذا أرادوا تأكيد هذا الوجوب أدخلوا الضمير المسمّى «فصلا» بين الجزءين فقالوا: «زيد هو المنطلق».
ومن الفرق بين المسألتين، وهو مما تمسّ الحاجة إلى معرفته، أنك إذا نكّرت
стр. 119
الخبر جاز أن تأتي بمبتدإ ثان، على أن تشركه بحرف العطف في المعنى الذي أخبرت به عن الأول، وإذا عرّفت لم يجز ذلك.
تفسير هذا أنك تقول: «زيد منطلق وعمرو»، تريد «وعمرو منطلق أيضا»، ولا تقول: «زيد المنطلق وعمرو»، ذلك لأن المعنى مع التعريف على أنك أردت أن تثبت انطلاقا مخصوصا قد كان من واحد، فإذا أثبته لزيد لم يصحّ إثباته لعمرو.
ثم إن كان قد كان ذلك الانطلاق من اثنين، فإنه ينبغي أن تجمع بينهما في الخبر فتقول: «زيد وعمرو هما المنطلقان»، لا أن تفرّق فتثبته أوّلا لزيد، ثم تجيء فتثبته لعمرو.
ومن الواضح في تمثيل هذا النحو قولنا: «هو القائل بيت كذا»، كقولك:
جرير هو القائل: [من الطويل] وليس لسيفي في العظام بقيّة «١» فأنت لو حاولت أن تشرك في هذا الخبر غيره، فتقول: «جرير هو القائل هذا البيت وفلان»، حاولت محالا، لأنه قول بعينه، فلا يتصوّر أن يشرك جريرا فيه غيره.
واعلم أنك تجد «الألف واللام» في الخبر على معنى الجنس، ثم ترى له في ذلك وجوها:
أحدها: أن تقصر جنس المعنى على المخبر عنه لقصدك المبالغة، وذلك قولك:
«زيد هو الجواد» و «عمرو هو الشجاع»، تريد أنه الكامل، إلا أنك تخرج الكلام في صورة توهم أن الجود أو الشجاعة لم توجد إلا فيه، وذلك لأنك لم تعتدّ بما كان من غيره، لقصوره عن أن يبلغ الكمال. فهذا كالأول في امتناع العطف عليه للإشراك، فلو قلت: «زيد هو الجواد وعمرو»، كان خلفا من القول.
والوجه الثاني: أن تقصر جنس المعنى الذي تفيده بالخبر على المخبر عنه، لا على معنى المبالغة وترك الاعتداد بوجوده في غير المخبر عنه، بل على دعوى أنه لا يوجد إلا منه. ولا يكون ذلك إلّا إذا قيّدت المعنى بشيء يخصّصه ويجعله في حكم
стр. 120
نوع برأسه، وذلك كنحو أن يقيّد بالحال والوقت، كقولك: «هو الوفيّ حين لا تظن نفس بنفس خيرا» «١». وهكذا إذا كان الخبر بمعنى يتعدّى، ثم اشترطت له مفعولا مخصوصا، كقول الأعشى: [من المتقارب] هو الواهب المائة المصطفاة، إمّا مخاضا وإمّا عشارا «٢» فأنت تجعل الوفاء في الوقت الذي لا يفي فيه أحد، نوعا خاصّا من الوفاء، وكذلك تجعل هبة المائة من الإبل نوعا خاصّا، وكذا الباقي. ثم إنّك تجعل كل هذا خبرا على معنى الاختصاص، وأنه للمذكور دون من عداه.
ألا ترى أن المعنى في بيت الأعشى: أنه لا يهب هذه الهبة إلّا الممدوح؟
وربما ظنّ الظانّ أن «اللام» في «هو الواهب المائة المصطفاة» بمنزلتها في نحو «زيد هو المنطلق»، من حيث كان القصد إلى هبة مخصوصة، كما كان القصد إلى انطلاق مخصوص. وليس الأمر كذلك، لأن القصد هاهنا إلى جنس من الهبة مخصوص، لا إلى هبة مخصوصة بعينها. يدلّك على ذلك أنّ المعنى على أنه يتكرّر منه، وعلى أن يجعله يهب المائة مرة بعد أخرى، وأما المعنى في قولك: «زيد هو المنطلق»، فعلى القصد إلى انطلاق كان مرة واحدة، لا إلى جنس من الانطلاق. فالتكرر هناك غير متصوّر، كيف؟ وأنت تقول: جرير هو القائل:
وليس لسيفي في العظام بقية تريد أن تثبت له قيل هذا البيت وتأليفه. فافصل بين أن تقصد إلى نوع فعل، وبين أن تقصد إلى فعل واحد متعيّن، حاله في المعاني حال زيد في الرجال، في أنه ذات بعينها.
والوجه الثالث: أن لا يقصد قصر المعنى في جنسه على المذكور، لا كما كان في «زيد هو الشجاع»، تريد أن لا تعتدّ بشجاعة غيره ولا كما ترى في قوله: «هو
стр. 121
الواهب المائة المصطفاة»، ولكن على وجه ثالث، وهو الذي عليه قول الخنساء:
[من الوافر]
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا «١»
لم ترد أن ما عدا البكاء عليه فليس بحسن ولا جميل، ولم تقيّد الحسن بشيء فيتصوّر أن يقصر على البكاء، كما قصر الأعشى هبة المائة على الممدوح، ولكنها أرادت أن تقرّه في جنس ما حسنه الحسن الظاهر الذي لا ينكره أحد، ولا يشك فيه شاك.
ومثله قول حسان: [من الطويل]
وإنّ سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العبد «٢»
أراد أن يثبت العبوديّة، ثم يجعله ظاهر الأمر فيها ومعروفا بها، ولو قال:
«ووالدك عبد»، لم يكن قد جعل حاله في العبودية حالة ظاهرة متعارفة وعلى ذلك قول الآخر: [من الطويل]
أسود إذا ما أبدت الحرب نابها ... وفي سائر الدّهر الغيوث المواطر
واعلم أن للخبر المعرّف «بالألف واللام» معنى غير ما ذكرت لك، وله مسلك ثمّ دقيق ولمحة كالخلس، يكون المتأمل عنده كما يقال: «يعرف وينكر»، وذلك قولك: «هو البطل المحامي» و «هو المتّقى المرتجى»، وأنت لا تقصد شيئا مما تقدم، فلست تشير إلى معنى قد علم المخاطب أنه كان، ولم يعلم أنه ممن كان كما مضى في قولك: «زيد هو المنطلق»، ولا تريد أن تقصر معنى عليه على معنى أنه لم يحصل لغيره على الكمال، كما كان في قولك: «ووالدك العبد»، ولكنّك تريد أن تقول لصاحبك: هل سمعت بالبطل المحامي؟ وهل حصّلت معنى هذه الصفة؟
وكيف ينبغي أن يكون الرجل حتى يستحق أن يقال ذلك له وفيه؟ فإن كنت قتلته علما، وتصوّرته حقّ تصوّره، فعليك صاحبك واشدد به يدك، فهو ضالّتك وعنده بغيتك، وطريقه طريق قولك: «هل سمعت بالأسد؟ وهل تعرف ما هو؟ فإن كنت تعرف، فزيد هو هو بعينه».
стр. 122
ويزداد هذا المعنى ظهورا بأن تكون الصّفة التي تريد الإخبار بها عن المبتدأ مجراة على موصوف، كقول ابن الرومي: [من الطويل]
هو الرّجل المشروك في جلّ ماله ... ولكنّه بالمجد والحمد مفرد «١»
تقديره، كأنه يقول للسامع: فكّر في رجل لا يتميّز عفاته وجيرانه ومعارفه عنه في ماله وأخذ ما شاءوا منه، فإذا حصّلت صورته في نفسك، فاعلم أنه ذلك الرجل.
وهذا فنّ عجيب الشأن، وله مكان من الفخامة والنّبل، وهو من سحر البيان الذي تقصر العبارة عن تأدية حقّه. والمعوّل فيه على مراجعة النفس واستقصاء التأمّل، فإذا
علمت أنه لا يريد بقوله: «الرجل المشروك في جلّ ماله» أن يقول: هو الذي بلغك حديثه، وعرفت من حاله وقصّته أنّه يشرك في جلّ ماله، على حدّ قولك:
«هو الرجل الذي بلغك أنه أنفق كذا، والذي وهب المائة المصطفاة من الإبل» ولا أن يقول إنه على معنى: «هو الكامل في هذه الصفة»، حتى كأنّ هاهنا أقواما يشركون في جلّ أموالهم، إلّا أنه في ذلك أكمل وأتم؛ لأن ذلك لا يتصوّر. وذلك أن كون الرجل بحيث يشرك في جلّ ماله، ليس بمعنى يقع فيه تفاضل، كما أن بذل الرجل كل ما يملك كذلك، ولو قيل: «الذي يشرك في ماله»، جاز أن يتفاوت. وإذا كان كذلك، علمت أنه معنى ثالث. وليس إلا ما أشرت إليه من أنه يقول للمخاطب:
«ضع في نفسك معنى قولك: رجل مشروك في جلّ ماله، ثم تأمل فلانا، فإنك تستملي هذه الصورة منه، وتجده يؤديها لك نصّا، ويأتيك بها كملا».
وإن أردت أن تسمع في هذا المعنى ما تسكن النفس إليه سكون الصّادي إلى برد الماء، فاسمع قوله: [من الطويل]
أنا الرّجل المدعوّ عاشق فقره ... إذا لم تكارمني صروف زماني
وإن أردت أعجب من ذلك فقوله: [من الكامل]
أهدى إليّ أبو الحسين يدا ... أرجو الثّواب بها لديه غدا
وكذاك عادات الكريم إذا ... أولى يدا حسبت عليه يدا
إن كان يحسد نفسه أحد، ... فلأزعمنّك ذلك الأحدا «٢»
فهذا كلّه على معنى الوهم والتقدير، وأن يصوّر في خاطره شيئا لم يره ولم يعلمه، ثم يجريه مجرى ما عهد وعلم.
стр. 123
وليس شيء أغلب على هذا الضرب الموهوم من «الذي»، فإنه يجيء كثيرا على أنك تقدّر شيئا في وهمك، ثم تعبر عنه «بالذي»، ومثال ذلك قوله: [من الطويل]
أخوك الّذي إن تدعه لملمّة ... يجبك، وإن تغضب إلى السّيف يغضب «١»
وقول الآخر: [من الطويل]
أخوك الّذي إن ربته قال: إنّما ... أربت، وإن عاتبته لان جانبه «٢»
فهذا ونحوه على أنك قدّرت إنسانا هذه صفته وهذا شأنه، وأحلت السامع على من يعنّ في الوهم، دون أن يكون قد عرف رجلا بهذه الصفة، فأعلمته أن المستحقّ لاسم الأخوّة هو ذلك الذي عرفه، حتى كأنك قلت: «أخوك زيد الذي عرفت أنّك إن تدعه لملمة يجبك».
ولكون هذا الجنس معهودا من طريق الوهم والتخيّل، جرى على ما يوصف بالاستحالة، كقولك للرجل وقد تمنّى: «هذا هو الذي لا يكون»، و «هذا ما لا يدخل في الوجود»، وكقوله: [من الكامل]
ما لا يكون فلا يكون بحيلة ... أبدا وما هو كائن سيكون «٣»
ومن لطيف هذا الباب قوله: [من الطويل]
وإنّي لمشتاق إلى ظلّ صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه «٤»
قد قدّر كما ترى ما لم يعلمه موجودا، ولذلك قال المأمون: «خذ مني الخلافة وأعطني هذا الصاحب». فهذا التعريف الذي تراه في الصاحب لا يعرض فيه شك أنه موهوم.
وأمّا قولنا: «المنطلق زيد»، والفرق بينه وبين أن تقول: «زيد المنطلق»، فالقول في ذلك أنك وإن كنت ترى في الظاهر أنّهما سواء من حيث كان الغرض في
стр. 124
الحالين إثبات انطلاق قد سبق العلم به لزيد فليس الأمر كذلك، بل بين الكاملين فصل ظاهر.
وبيانه: أنك إذا قلت: «زيد المنطلق»، فأنت في حديث انطلاق قد كان، وعرف السامع كونه، إلّا أنه لم يعلم أمن زيد كان أم من عمرو؟ فإذا قلت: «زيد المنطلق»، أزلت عنه الشك وجعلته يقطع بأنه كان من زيد، بعد أن كان يرى ذلك في سبيل الجواز.
وليس كذلك إذا قدّمت «المنطلق» فقلت: «المنطلق زيد»، بل يكون المعنى حينئذ على أنك رأيت إنسانا ينطلق بالبعد منك، فلم تثبته، ولم تعلم أزيد هو أم عمرو، فقال لك صاحبك: «المنطلق زيد»، أي هذا الشخص الذي تراه من بعد هو زيد.
وقد ترى الرجل قائما بين يديك وعليه ثوب ديباج، والرجل ممن عرفته قديما ثم بعد عهدك به فتناسيته، فيقال لك: «اللابس الديباج صاحبك الذي كان يكون عندك في وقت كذا، أما تعرفه؟ لشدّ ما نسيت»، ولا يكن الغرض أن يثبت له لبس الديباج، لاستحالة ذلك، من حيث أن رؤيتك الديباج عليه تغنيك عن إخبار مخبر وإثبات مثبت لبسه له.
فمتى رأيت اسم فاعل أو صفة من الصفات قد بدئ به، فجعل مبتدأ، وجعل الذي هو صاحب الصفة في المعنى خبرا، فاعلم أنّ الغرض هناك، غير الغرض إذا كان اسم الفاعل أو الصفة خبرا، كقولك: «زيد المنطلق».
واعلم أنه ربّما اشتبهت الصورة في بعض المسائل من هذا الباب، حتّى يظنّ أن المعرفتين إذا وقعتا مبتدأ وخبرا، لم يختلف المعنى فيهما بتقديم وتأخير. ومما يوهم ذلك قول النحويين في «باب كان»: «إذا اجتمع معرفتان كنت بالخيار في جعل أيّهما شئت اسما، والآخر خبرا، كقولك: «كان زيد أخاك» و «كان أخوك زيدا»، فيظن من هاهنا أن تكافؤ الاسمين في التّعريف يقتضي أن لا يختلف المعنى بأن تبدأ بهذا وتثنّي بذاك، وحتى كأنّ الترتيب الذي يدّعى بين المبتدأ والخبر وما يوضع لهما من المنزلة في التقدّم والتأخّر، يسقط ويرتفع إذا كان الجزآن معا معرفتين.
ومما يوهم ذلك أنك تقول: «الأمير زيد»، و «جئتك والخليفة عبد الملك».
فيكون المعنى على إثبات الإمارة لزيد، والخلافة لعبد الملك، كما يكون إذا قلت:
«زيد الأمير» و «عبد الملك الخليفة»، وتقوله لمن لا يشاهد، ومن هو غائب عن حضرة الإمارة ومعدن الخلافة.
стр. 125
وهكذا من يتوهّم في نحو قوله: [من الطويل]
أبوك حباب سارق الضّيف برده ... وجدّي يا حجّاج فارس شمرا «١»
أنّه لا فصل بينه وبين أن يقال: «حباب أبوك، وفارس شمّر جدّي». وهو موضع غامض.
والذي يبيّن وجه الصواب، ويدلّ على وجوب الفرق بين المسألتين:
أنّك إذا تأملت الكلام وجدت ما لا يحتمل التسوية، وما تجد الفرق قائما فيه قياما لا سبيل إلى دفعه، هو الأعمّ الأكثر.
وإن أردت أن تعرف ذلك، فانظر إلى ما قدّمت لك من قولك: «اللابس الدّيباج زيد»، وأنت تشير له إلى رجل بين يديه، ثم انظر إلى قول العرب: «ليس الطيب إلّا المسك»، وقول جرير: [من الوافر] ألستم خير من ركب المطايا «٢» ونحو قول المتنبي: [من الوافر] ألست ابن الألى سعدوا وسادوا «٣» وأشباه ذلك ممّا لا يحصى ولا يعدّ المعنى على أن يسلم لك مع قلب طرفي الجملة، وقل: «ليس المسك إلا الطيب»، و «أليس خير من ركب المطايا إياكم؟»، «أليس ابن الألى سعدوا وسادوا إياك»؟ تعلم أن الأمر على ما عرّفتك من وجوب اختلاف المعنى بحسب التقديم والتأخير.
стр. 126
وهاهنا نكتة يجب القطع معها بوجوب هذا الفرق أبدا، وهي أن المبتدأ لم يكن مبتدأ لأنه منطوق به أوّلا، ولا كان الخبر خبرا لأنه مذكور بعد المبتدأ، بل كان المبتدأ مبتدأ لأنه مسند إليه ومثبت له المعنى، والخبر خبرا لأنه مسند ومثبت به المعنى.
تفسير ذلك: أنك إذا قلت: «زيد منطلق» فقد أثبتّ الانطلاق لزيد وأسندته إليه، فزيد مثبت له، ومنطلق مثبت به، وأما تقديم المبتدأ على الخبر لفظا، فحكم واجب من هذه الجهة، أي من جهة أن كان المبتدأ هو الذي يثبت له المعنى ويسند إليه، والخبر هو الذي يثبت به المعنى ويسند. ولو كان المبتدأ مبتدأ لأنه في اللفظ مقدّم مبدوء به، لكان ينبغي أن يخرج عن كونه مبتدأ بأن يقال: «منطلق زيد»، ولوجب أن يكون قولهم: «إن الخبر مقدّم في اللّفظ والنّيّة به التأخير»، محالا. وإذا كان هذا كذلك ثم جئت
بمعرفتين فجعلتهما مبتدأ وخبرا فقد وجب وجوبا أن تكون مثبتا بالثاني معنى للأول. فإذا قلت: «زيد أخوك»، كنت قد أثبتّ معنى لزيد، وإذا قدّمت وأخّرت فقلت: «أخوك زيد»، وجب أن تكون مثبتا بزيد معنى لأخوك، وإلّا كان تسميتك له الآن مبتدأ وإذ ذاك خبرا، تغييرا للاسم عليه من غير معنى، ولأدّى إلى أن لا يكون لقولهم «المبتدأ والخبر» فائدة غير أن يتقدّم اسم في اللفظ على اسم، من غير أن ينفرد كل واحد منهما بحكم لا يكون لصاحبه. وذلك ممّا لا يشكّ في سقوطه.
وممّا يدلّ دلالة واضحة على اختلاف المعنى، إذا جئت بمعرفتين، ثم جعلت هذا مبتدأ وذلك خبرا تارة، وتارة بالعكس، قولهم: «الحبيب أنت»، و «أنت الحبيب»، وذاك أن معنى «الحبيب أنت»، أنه لا فصل بينك وبين من تحبّه إذا صدقت المحبّة، وأنّ مثل المتحابّين مثل نفس يقتسمها شخصان، كما جاء عن بعض الحكماء أنه قال: «الحبيب أنت إلّا أنه غيرك». فهذا كما ترى فرق لطيف ونكتة شريفة، ولو حاولت أن تفيدها بقولك: «أنت الحبيب»، حاولت ما لا يصحّ، لأن الذي يعقل من قولك: «أنت الحبيب» هو ما عناه المتنبي في قوله: [من البسيط]
أنت الحبيب ولكنّي أعوذ به ... من أن أكون محبّا غير محبوب «١»
стр. 127
ولا يخفى بعد ما بين الغرضين. فالمعنى في قولك: «أنت الحبيب» أنك الذي أختصّه بالمحبة من بين الناس، وإذا كان كذلك، عرفت أنّ الفرق واجب أبدا، وأنه لا يجوز أن يكون «أخوك زيد» و «زيد أخوك» بمعنى واحد.
وهاهنا شيء يجب النظر فيه، وهو أنّ قولك: «أنت الحبيب»، كقولنا «أنت الشجاع»، تريد أنّه الذي كملت فيه الشجاعة، أم كقولنا: «زيد المنطلق»، تريد أنه الذي كان منه الانطلاق الّذي سمع المخاطب به؟ وإذا نظرنا وجدناه لا يحتمل أن يكون كقولنا: «أنت الشجاع»، لأنه يقتضي أن يكون المعنى أنه لا محبّة في الدنيا إلا ما هو به حبيب، كما أنّ المعنى في «هو الشجاع» أنه لا شجاعة في الدنيا إلّا ما تجده عنده وما هو شجاع به. وذلك محال.
وأمر آخر وهو أن الحبيب «فعيل» بمعنى «مفعول»، فالمحبة إذن ليست هي له بالحقيقة، وإنما هي صفة لغيره قد لابسته وتعلّقت به تعلق الفعل بالمفعول.
والصّفة إذا وصفت بكمال وصفت به على أن يرجع ذلك الكمال إلى من هي صفة له، دون من تلابسه ملابسة المفعول. وإذا كان كذلك، بعد أن تقول: «أنت المحبوب»، على معنى أنت الكامل في كونك محبوبا، كما أن بعيدا أن يقال: «هو المضروب»، على معنى أنه الكامل في كونه مضروبا.
وإن جاء شيء من ذلك جاء على تعسّف فيه وتأويل لا يتصوّر هاهنا، وذلك أن يقال مثلا: «زيد هو المظلوم»، على معنى أنّه لم يصب أحدا ظلم يبلغ في الشدة والشّناعة الظّلم الذي لحقه، فصار كلّ ظلم سواه عدلا في جنبه، ولا يجيء هذا التأويل في قولنا: «أنت الحبيب»، لأنا نعلم أنهم لا يريدون بهذا الكلام أن يقولوا:
إن أحدا لم يحبّ أحدا محبتي لك، وأنّ ذلك قد أبطل المحبّات كلّها حتى صرت الذي لا يعقل للمحبة معنى إلّا فيه، وإنما الذي يريدون أن المحبة منّي بجملتها مقصورة عليك، وأنه ليس لأحد غيرك حظ في محبّة مني.
وإذا كان كذلك بان أنّه لا يكون بمنزلة «أنت الشجاع»، تريد الذي يتكامل الوصف فيه، إلا أنه ينبغي من بعد أن تعلم أن بين «أنت الحبيب» وبين «زيد المنطلق» فرقا، وهو أنّ لك في المحبة التي أثبتّها طرفا من الجنسية، من حيث كان المعنى أنّ المحبّة منّي بجملتها مقصورة عليك، ولم تعمد إلى محبة واحدة من محبّاتك. ألا ترى أنك قد أعطيت بقولك: «أنت الحبيب» أنك لا تحبّ غيره، وأن لا محبّة لأحد سواه عندك؟ ولا يتصوّر هذا في «زيد المنطلق»، لأنه لا وجه هناك
стр. 128
للجنسية، إذ ليس ثمّ إلا انطلاق واحد قد عرف المخاطب أنه كان، واحتاج أن يعيّن له الذي كان منه وينصّ له عليه. فإن قلت: «زيد المنطلق في حاجتك»، تريد الذي من شأنه أن يسعى في حاجتك، عرض فيه معنى الجنسية حينئذ على حدّها في «أنت الحبيب».
وهاهنا أصل يجب أن تحكمه: وهو أن من شأن أسماء الأجناس كلّها إذا وصفت، أن تتنوّع بالصّفة، فيصير «الرّجل» الذي هو جنس واحد إذا وصفته فقلت:
«رجل ظريف»، و «رجل طويل»، و «رجل قصير»، «رجل شاعر»، و «رجل كاتب»، أنواعا مختلفة يعدّ كل نوع منها شيئا على حدة، وتستأنف في اسم «الرجل» بكل صفة تقرنها إليه جنسية.
وهكذا القول في «المصادر»، تقول: «العلم» و «الجهل» و «الضّرب» و «القتل» و «السّير» و «القيام» و «القعود»، فتجد كل واحد من هذه المعاني جنسا كالرجل والفرس والحمار. فإذا وصفت فقلت: «علم كذا» و «علم كذا» كقولك:
«علم ضروريّ» و «علم مكتسب»، و «علم جليّ» و «علم خفيّ» و «ضرب شديد» و «ضرب خفيف» و «سير سريع» و «سير بطيء» وما شاكل ذلك، انقسم الجنس منها أقساما، وصار أنواعا، وكان مثلها مثل الشيء المجموع المؤلّف تفرّقه فرقا وتشعّبه شعبا. وهذا مذهب معروف عندهم، وأصل متعارف في كل جيل وأمّة.
ثم إن هاهنا أصلا هو كالمتفرّع على هذا الأصل أو كالنّظير له، وهو أنّ من شأن «المصدر» أن يفرّق بالصّلات كما يفرق بالصّفات.
ومعنى هذا الكلام أنك تقول «الضرب»، فتراه جنسا واحدا، فإذا قلت:
«الضّرب بالسيف»، صار بتعديتك له إلى السيف، نوعا مخصوصا. ألا تراك تقول:
«الضّرب بالسيف غير الضّرب بالعصا»، تريد أنهما نوعان مختلفان، وأنّ اجتماعهما في اسم «الضرب» لا يوجب اتفاقهما، لأنّ الصلة قد فصلت بينهما وفرّقتهما. ومن المثال البيّن في ذلك قول المتنبي: [من الكامل]
وتوهّموا اللّعب الوغى، والطّعن في ال ... هيجاء غير الطّعن في الميدان «١»
стр. 129
لولا أنّ اختلاف صلة المصدر تقتضي اختلافه في نفسه، وأن يحدث فيه انقسام وتنوّع، لما كان لهذا الكلام معنى، ولكان في الاستحالة كقولك: و «الطعن غير الطعن». فقد بان إذن أنه إنما كان كلّ واحد من الطعنين جنسا برأسه غير الآخر، بأن كان هذا في الهيجاء، وذاك في الميدان.
وهكذا الحكم في كل شيء تعدّى إليه «المصدر» وتعلّق به. فاختلاف مفعولي المصدر يقتضي اختلافه، وأن يكون المتعدّي إلى هذا المفعول غير المتعدّي إلى ذاك. وعلى ذلك تقول: «ليس إعطاؤك الكثير كإعطائك القليل»، وهكذا إذا عدّيته إلى الحال كقولك: «ليس إعطاؤك معسرا كإعطائك موسرا» و «ليس بذلك وأنت مقلّ، كبذلك وأنت مكثر».
وإذ قد عرفت هذا من حكم «المصدر»، فاعتبر به حكم الاسم المشتقّ منه.
وإذا اعتبرت ذلك علمت أن قولك: «هو الوفيّ حين لا يفي أحد»، و «هو الواهب المائة المصطفاة» «١»، وقوله: [من الخفيف]
وهو الضّارب الكتيبة، والطّع ... نة تغلو، والضّرب أغلى وأغلى «٢»
وأشباه ذلك كلّها أخبار فيها معنى الجنسية، وأنها في نوعها الخاص بمنزلة الجنس المطلق إذا جعلته خبرا فقلت: «أنت الشجاع».
وكما أنت لا تقصد بقولك: «أنت الشّجاع» إلى شجاعة بعينها قد كانت وعرفت من إنسان، وأردت أن تعرف ممن كانت، بل تريد أن تقصر جنس الشجاعة عليه، ولا تجعل لأحد غيره فيه حظّا، كذلك لا تقصد بقولك: «أنت الوفيّ حين لا يفي أحد» إلى وفاء واحد. كيف؟ وأنت تقول: «حين لا يفي أحد».
وهكذا محال أن يقصد في قوله: «هو الواهب المائة المصطفاة»، إلى هبة واحدة، لأنه يقتضي أن يقصد إلى مائة من الإبل قد وهبها مرة، ثم لم يعد لمثلها.
ومعلوم أنه خلاف الغرض، لأنّ المعنى أنه الذي من شأنه أن يهب المائة أبدا، والذي يبلغ عطاؤه هذا المبلغ، كما تقول: «هو الذي يعطي مادحه الألف والألفين»، وكقوله: [من الرجز]
стр. 130
وحاتم الطّائيّ وهّاب المئي «١» وذلك أوضح من أن يخفى.
وأصل آخر: وهو أنّ من حقّنا أن نعلم أنّ مذهب الجنسية في الاسم وهو خبر، غير مذهبها وهو مبتدأ.
تفسير هذا: أنّا وإن قلنا إن «اللام» في قولك: «أنت الشجاع» للجنس، كما هو له في قولهم: «الشّجاع موقّى، والجبان ملقّى» «٢»، فإنّ الفرق بينهما عظيم.
وذلك أن المعنى قولك: «الشجاع موقى»، أنك تثبت الوقاية لكل ذات من صفتها الشّجاعة، فهو في معنى قولك: الشّجعان كلّهم موقّون. ولست أقول إن الشجاع كالشجعان على الإطلاق، وإن كان ذلك ظنّ كثير من الناس، ولكني أريد أنّك تجعل الوقاية تستغرق الجنس وتشمله وتشيع فيه، وأما في قولك: «أنت الشجاع»، فلا معنى فيه للاستغراق، إذ لست تريد أن تقول: «أنت الشجعان كلهم» حتى كأنك تذهب به مذهب قولهم: «أنت الخلق كلهم» و «أنت العالم»، كما قال: [من السريع]
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد «٣»
ولكن لحديث «الجنسية» هاهنا مأخذ آخر غير ذلك، وهو أنّك تعمد بها إلى المصدر المشتق منه الصفة وتوجّهها إليه، لا إلى نفس الصفة. ثم لك في توجيهها إليه مسلك دقيق. وذلك أنه ليس القصد أن تأتي إلى شجاعات كثيرة فتجمعها له وتوجدها فيه، ولا أن تقول: إن الشجاعات التي يتوهّم وجودها في الموصوفين بالشجاعة هي موجودة فيه لا فيهم، هذا كلّه محال، بل المعنى على أنك تقول: كنّا
стр. 131
قد عقلنا الشجاعة وعرفنا حقيقتها، وما هي؟ وكيف ينبغي أن يكون الإنسان في إقدامه وبطشه حتّى يعلم أنّه شجاع على الكمال؟ واستقرينا الناس فلم نجد في واحد منهم حقيقة ما عرفناه، حتى إذا صرنا إلى المخاطب، وجدناه قد استكمل هذه الصفة، واستجمع شرائطها، وأخلص جوهرها، ورسخ فيه سنخها «١». ويبيّن لك أن الأمر كذلك، اتفاق الجميع على تفسيرهم له بمعنى الكامل، ولو كان المعنى على أنه استغرق الشجاعات التي يتوهّم كونها في الموصوفين بالشجاعة، لما قالوا إنه بمعنى الكامل في الشجاعة، لأن الكمال هو أن تكون الصفة على ما ينبغي أن تكون عليه، وأن لا يخالطها ما يقدح فيها، وليس الكمال أن تجتمع آحاد الجنس وينضم بعضها إلى بعض. فالغرض إذن بقولنا: «أنت الشجاع»، هو الغرض بقولهم: «هذه هي الشجاعة على الحقيقة، وما عداها جبن» و «هكذا يكون العلم، وما عداه تخيّل»، و «هذا هو الشعر، وما سواه فليس بشيء». وذلك أظهر من أن يخفى.
وضرب آخر من الاستدلال في إبطال أن يكون «أنت الشجاع» بمعنى أنّك كأنّك جميع الشجعان، على حدّ «أنت الخلق كلهم»، وهو أنك في قولك: «أنت الخلق» و «أنت الناس كلّهم» و «قد جمع العالم منك في واحد»، تدّعي له جميع المعاني الشريفة المتفرّقة في الناس، من غير أن تبطل تلك المعاني وتنفيها عن الناس، بل على أن تدّعي له أمثالها. ألا ترى أنك إذا قلت في الرجل: «إنه معدود بألف رجل»، فلست تعني أنه معدود بألف رجل لا معنى فيهم ولا فضيلة لهم بوجه، بل تريد أنّه يعطيك من معاني الشجاعة أو العلم أو كذا أو كذا مجموعا، ما لا تجد مقداره مفرّقا إلا في ألف رجل، وأمّا في نحو «أنت الشجاع»، فإنّك تدّعي له أنه قد انفرد بحقيقة الشجاعة، وأنه قد أوتي فيها مزيّة وخاصيّة لم يؤتها أحد، حتى صار الذي كان يعدّه الناس شجاعة غير شجاعة، وحتى كأنّ كلّ إقدام إحجام، وكلّ قوة عرفت في الحرب ضعف. وعلى ذلك قالوا: «جاد حتى بخّل كلّ جواد، وحتّى منع أن يستحقّ اسم الجواد أحد»، كما قال: [من الوافر]
وأنّك لا تجود على جواد ... هباتك أن يلقّب بالجواد «٢»
стр. 132
وكما يقال: «جاد حتى كأن لم يعرف لأحد جود، وحتّى كأن قد كذب الواصفون الغيث بالجود»، كما قال: [من البسيط]
أعطيت حتّى تركت الرّيح حاسرة ... وجدت حتّى كأنّ الغيث لم يجد «١»
هذا فصل في «الذي» خصوصا
اعلم أن لك في «الذي» علما كثيرا، وأسرارا جمّة، وخفايا إذا بحثت عنها وتصوّرتها اطلعت على فوائد تؤنس النفس وتثلج الصدر بما يفضي بك إليه من اليقين، ويؤدّيه إليك من حسن التبيين.
والوجه في ذلك أن تتأمّل عبارات لهم فيه لم وضع، ولأيّ غرض اجتلب، وأشياء وصفوه بها. فمن ذلك قولهم: «إنّ الذي» اجتلب ليكون وصلة إلى وصف المعارف بالجمل «٢»، كما اجتلب «ذو» ليتوصّل به إلى الوصف بأسماء الأجناس»، يعنون بذلك أنك تقول: «مررت بزيد الذي أبوه منطلق» و «بالرجل الذي كان عندنا أمس»، فتجدك قد توصّلت ب «الذي» إلى أن أبنت زيدا من غيره، بالجملة التي هي «أبوه منطلق» ولولا «الذي» لم تصل إلى ذلك كما أنك تقول: «مررت برجل ذي مال» فتتوصّل ب «ذي» إلى أن تبين الرجل من غيره بالمال، ولولا «ذو» لم يتأتّ لك ذلك، إذ لا تستطيع أن تقول: «برجل مال» فهذه جملة مفهومة؟ إلا أن تحتها خبايا تحتاج إلى الكشف عنها. فمن ذلك أن تعلم من أين امتنع أن توصف المعرفة بالجملة، ولم لم يكن حالها في ذلك حال النّكرة التي تصفها بها في قولك: «مررت برجل أبوه منطلق»: و «رأيت إنسانا تقاد الجنائب «٣» بين يديه».
وقالوا: إنّ السبب في امتناع ذلك: أنّ الجمل نكرات كلّها، بدلالة أنها
стр. 133
تستفاد، وإنما يستفاد المجهول دون المعلوم. قالوا: فلما كانت كذلك، كانت وفق «١» النّكرة، فجاز وصفها بها، ولم يجز أن توصف بها المعرفة، إذ لم تكن وفقا لها.
والقول البيّن في ذلك أن يقال: إنه إنّما اجتلب حتّى إذا كان قد عرف رجل بقصة وأمر جرى له، فتخصّص بتلك القصّة وبذلك الأمر عند السامع، ثم أريد القصد إليه، ذكر «الّذي».
تفسير هذا أنك لا تصل «الذي» إلّا بجملة من الكلام قد سبق من السّامع علم بها، وأمر قد عرفه له، نحو أن ترى عنده رجلا ينشده شعرا فتقول له من غد: «ما فعل الرجل الذي كان عندك بالأمس ينشدك الشعر؟».
هذا حكم الجملة بعد «الذي»، إذا أنت وصفت به شيئا. فكان معنى قولهم:
«إنه اجتلب ليتوصّل به إلى وصف المعارف بالجمل»، أنه جيء به ليفصل بين أن يراد ذكر الشيء بجملة قد عرفها السامع له، وبين أن لا يكون الأمر كذلك.
فإن قلت: قد يؤتى بعد «الذي» بالجملة غير المعلومة للسامع، وذلك حيث يكون «الذي» خبرا، كقولك: «هذا الذي كان عندك بالأمس» و «هذا الذي قدم رسولا من الحضرة»، أنت في هذا وشبهه تعلم المخاطب أمرا لم يسبق له به علم، وتفيده في المشار إليه شيئا لم يكن عنده، ولو لم يكن كذلك، لم يكن «الذي» خبرا، إذ كان لا يكون الشيء خبرا حتى يفاد به.
فالقول في ذلك: أن الجملة في هذا النّحو، وإن كان المخاطب لا يعلمها لعين من أشرت إليه، فإنه لا بدّ من أن يكون قد علمها على الجملة وحدّث بها. فإنّك على كلّ حال لا تقول: «هذا الذي قدم رسولا»، لمن لم يعلم أن رسولا قدم ولم يبلغه ذلك في جملة ولا تفصيل، وكذا لا تقول: «هذا الذي كان عندك أمس»، لمن قد نسي أنه كان عنده إنسان وذهب عن وهمه، وإنّما تقوله لمن ذاك على ذكر منه، إلّا أنه رأى رجلا يقبل من بعيد، فلا يعلم أنه ذاك، ويظنه إنسانا غيره.
وعلى الجملة، فكلّ عاقل يعلم بون ما بين الخبر بالجملة مع «الذي» وبينها مع غير «الذي»، فليس من أحد به طرق «٢» إلّا وهو لا يشكّ أن ليس المعنى في قولك: «هذا الذي قدم رسولا»، كالمعنى إذا قلت: «هذا قدم رسولا من الحضرة»
стр. 134
ولا «الذي يسكن في محلّة كذا»، كقولك: «هذا يسكن محلة كذا»، وليس ذاك إلا أنّك في قولك: «هذا قدم رسولا من الحضرة» مبتدئ خبرا بأمر لم يبلغ السامع ولم يبلّغه ولم يعلمه أصلا وفي قولك: «هذا الّذي قدم رسولا»، معلم في أمر قد بلغه أنّ هذا صاحبه، فلم يخل إذن من الذي بدأنا به في أمر الجملة مع «الذي»، من أنه ينبغي أن تكون جملة قد سبق من السامع علم بها فاعرفه، فإنه من المسائل التي من جهلها جهل كثيرا من المعاني، ودخل عليه الغلط في كثير من الأمور، والله الموفّق للصواب.
فروق في الحال لها فضل تعلّق بالبلاغة
اعلم أنّ أوّل فرق في الحال أنها تجيء مفردا وجملة، والقصد هاهنا إلى الجملة.
وأوّل ما ينبغي أن يضبط من أمرها أنها تجيء تارة مع «الواو» وأخرى بغير «الواو»، فمثال مجيئها مع الواو قولك: «أتاني وعليه ثوب ديباج»، و «رأيته وعلى كتفه سيف»، و «لقيت الأمير والجند حواليه»، و «جاءني زيد وهو متقلّد سيفه»، ومثال مجيئها بغير «الواو»: «جاءني زيد يسعى غلامه بين يديه» و «أتاني عمرو يقود فرسه»، وفي تمييز ما يقتضي «الواو» ممّا لا يقتضيه صعوبة.
والقول في ذلك أنّ الجملة إذا كانت من مبتدأ وخبر، فالغالب عليها أن تجيء مع «الواو» كقولك: «جاءني زيد وعمرو أمامه» و «أتاني وسيفه على كتفه»: فإن كان المبتدأ من الجملة ضمير ذي الحال، لم يصلح بغير «الواو» البتة، وذلك كقولك: «جاءني زيد وهو راكب» و «رأيت زيدا وهو جالس»، و «دخلت عليه وهو يملي الحديث» و «انتهيت إلى الأمير وهو يعبّئ الجيش»، فلو تركت «الواو» في شيء من ذلك لم يصلح. فلو قلت: «جاءني زيد هو راكب»، و «دخلت عليه هو يملي الحديث»، لم يكن كلاما.
فإن كان الخبر في الجملة من المبتدأ والخبر ظرفا، ثم كان قد قدّم على المبتدأ كقولنا: «عليه سيف» و «في يده سوط»، كثر فيها أن تجيء بغير «واو». فمما جاء منه كذلك قول بشّار: [من الطويل]
إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها ... خرجت مع البازي عليّ سواد «١»
стр. 135
يعني عليّ بقية من الليل، وقول أمية: [من البسيط]
فاشرب هنيئا عليك التّاج مرتفقا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا «١»
وقول الآخر: [من الطويل]
لقد صبرت للذّلّ أعواد منبر ... تقوم عليها في يديك قضيب «٢»
كلّ ذلك في موضع الحال، وليس فيه «واو» كما ترى، ولا هو محتمل لها إذا نظرت. وقد يجيء ترك «الواو» فيما ليس الخبر فيه كذلك، ولكنه لا يكثر، فمن ذلك قولهم: «كلّمته فوه إلى فيّ» و «رجع عوده على بدئه»، في قول من رفع، ومنه بيت «الإصلاح» «٣»: [من الكامل]
نصف النّهار، الماء غامره ... ورفيقه بالغيب لا يدري «٤»
ومن ذلك ما أنشده الشيخ أبو عليّ في «الإغفال» «٥»: [من الطويل]
ولولا جنان اللّيل ما آب عامر ... إلى جعفر، سرباله لم يمزّق «٦»
ومما ظاهره أنه منه قوله: [من البسيط]
стр. 136
إذا أتيت أبا مروان تسأله ... وجدته، حاضراه الجود والكرم
فقوله: «حاضراه الجود»، جملة من المبتدأ والخبر كما ترى، وليس به «واو»، والموضع موضع حال، ألا تراك تقول: «أتيته فوجدته جالسا»، فيكون «جالسا» حالا، ذاك لأن «وجدت» في مثل هذا من الكلام لا تكون المتعدّية إلى مفعولين، ولكن المتعدّية إلى مفعول واحد كقولك: «وجدت الضّالّة» إلا أنه ينبغي أن تعلم أن لتقديمه الخبر الذي هو «حاضراه» تأثيرا في معنى الغنى عن «الواو»، وأنه لو قال:
«وجدته، الجود والكرم حاضراه» لم يحسن حسنه الآن، وكان السبب في حسنه مع التقديم، أنه يقرب في المعنى من قولك: «وجدته حاضره الجود والكرم» أو «حاضرا عنده الجود والكرم».
وإن كانت الجملة من فعل وفاعل، والفعل مضارع مثبت غير منفي، لم يكد يجيء بالواو، بل ترى الكلام على مجيئها عارية من «الواو»، كقولك: «جاءني زيد يسعى غلامه بين يديه»، وكقوله: [من البسيط]
وقد علوت قتود الرّحل يسفعني ... يوم قديديمة الجوزاء مسموم «١»
وقوله: [من الخفيف]
ولقد أغتدي يدافع ركني ... أحوذيّ ذو ميعة إضريج «٢»
وكذلك قولك: «جاءني زيد يسرع»، لا فصل بين أن يكون الفعل لذي الحال، وبين أن يكون لمن هو من سببه، فإن ذلك كلّه يستمر على الغنى عن «الواو»، وعليه التنزيل والكلام، ومثاله في التنزيل قوله : وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر: ٦]، وقوله تعالى: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى [الليل: ١٧ - ١٨]، وكقوله عزّ اسمه: وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأعراف: ١٨٦].
فأما قول ابن همام السّلولي: [من المتقارب]
فلمّا خشيت أظافيره ... نجوت، وأرهنهم مالكا «٣»
стр. 137
في رواية من روى «وأرهنهم»، وما شبهوه به من قولهم: «قمت وأصكّ «١» وجهه» فليست الواو فيها للحال، وليس المعنى «نجوت راهنا مالكا»، و «قمت صاكّا وجهه»، ولكن «أرهن» و «أصكّ» حكاية حال، مثل قوله: [من الكامل]
ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني، ... فمضيت، ثمّت قلت: لا يعنيني «٢»
فكما أن «أمرّ» هاهنا في معنى «مررت»، كذلك يكون «أرهن» و «أصكّ» هناك في معنى «رهنت» و «صككت».
ويبيّن ذلك أنك ترى «الفاء» تجيء مكان «الواو» في مثل هذا، وذلك كنحو ما في الخبر في حديث عبد الله بن عتيك «٣» حين دخل على أبي رافع اليهوديّ حصنه قال: «فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم لا أدري أنّى هو من البيت، فقلت: أبا رافع! فقال: من هذا؟ فأهويت نحو الصّوت، فأضربه بالسّيف وأنا دهش»، فكما أن «أضربه» مضارع قد عطفه بالفاء على ماض، لأنه في المعنى ماض، كذلك يكون «أرهنهم» معطوفا على الماضي قبله، وكما لا يشكّ في أنّ المعنى في الخبر:
«فأهويت فضربت»، كذلك يكون المعنى في البيت: «نجوت ورهنت»، إلا أن الغرض في إخراجه على لفظ الحال، أن يحكى الحال في أحد الخبرين، ويدع الآخر على ظاهره، كما كان ذلك في «ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني، فمضيت»، إلّا أن الماضي في هذا البيت مؤخّر معطوف، وفي بيت ابن همام وما ذكرناه معه، مقدّم معطوف عليه. فاعرفه.
فإن دخل حرف نفي على المضارع تغيّر الحكم، فجاء بالواو وبتركها كثيرا، وذلك مثل قولهم: «كنت ولا أخشى بالذّئب» «٤»، وقول مسكين الدارميّ: [من الرمل]
стр. 138
أكسبته الورق البيض أبا ... ولقد كان ولا يدعى لأب «١»
وقول مالك بن رفيع، وكان جنى جناية فطلبه مصعب بن الزّبير: [من الوافر]
بغاني مصعب وبنو أبيه، ... فأين أحيد عنهم؟ لا أحيد
أقادوا من دمي وتوعّدوني، ... وكنت وما ينهنهني الوعيد «٢»
«كان» في هذا كلّه تامة والجملة الداخل عليها «الواو» في موضع الحال. ألا ترى أن المعنى: «وجدت غير خاش للذئب»، و «لقد وجد غير مدعوّ لأب» و «وجدت غير منهنه بالوعيد وغير مبال به»، ولا معنى لجعلها ناقصة، وجعل «الواو» مزيدة.
وليس مجيء الفعل المضارع حالا، على هذا الوجه، بعزيز في الكلام، ألا تراك تقول: «جعلت أمشي وما أدري أين أضع رجلي» و «جعل يقول ولا يدري»، وقال أبو الأسود: «يصيب وما يدري»، وهو شائع كثير.
فأما مجيء المضارع منفيّا حالا من غير «الواو» فيكثر أيضا ويحسن، فمن ذلك قوله: [من الطويل]
ثووا لا يريدون الرّواح، وغالهم ... من الدّهر أسباب جرين على قدر «٣»
وقال أرطأة بن سهيّة، وهو لطيف جدّا: [من البسيط]
إن تلقني، لا ترى غيري بناظرة ... تنس السّلاح وتعرف جبهة الأسد «٤»
стр. 139
فقوله: «لا ترى» في موضع حال. ومثله في اللّطف والحسن قول أعشى همدان، وصحب عبّاد بن ورقاء إلى أصبهان فلم يحمده فقال: [من الوافر]
أتينا أصبهان فهزّلتنا ... وكنّا قبل ذلك في نعيم
وكان سفاهة منّي وجهلا ... مسيري، لا أسير إلى حميم «١»
قوله: «لا أسير إلى حميم»، حال من ضمير المتكلم الذي هو «الياء» في «مسيري»، وهو فاعل في المعنى، فكأنه قال: وكان سفاهة منّي وجهلا، أن سرت غير سائر إلى حميم، وأن ذهبت غير متوجّه إلى قريب: وقال خالد بن يزيد بن معاوية: [من الكامل]
لو أنّ قوما لارتفاع قبيلة ... دخلوا السّماء دخلتها لا أحجب «٢»
وهو كثير إلّا أنه لا يهتدي إلى وضعه بالموضع المرضيّ إلا من كان صحيح الطّبع.
ومما يجيء بالواو وغير «الواو»، الماضي، وهو لا يقع حالا إلا مع «قد» مظهرة أو مقدّرة. أما مجيئها بالواو فالكثير الشائع، كقولك: «أتاني وقد جهده السير»، وأما بغير «الواو» فكقوله: [من البسيط]
متى أرى الصّبح قد لاحت مخايله ... واللّيل قد مزّقت عنه السّرابيل «٣»
وقول الآخر: [من الوافر]
فآبوا بالرّماح مكسّرات ... وأبنا بالسّيوف قد انحنينا «٤»
وقال آخر، وهو لطيف جدّا: [من الكامل]
يمشون قد كسروا الجفون «٥» إلى الوغى ... متبسّمين وفيهم استبشار
ومما يجيء بالواو في الأكثر الأشيع، ثم يأتي في مواضع بغير «الواو» فيلطف مكانه ويدلّ على البلاغة، الجملة قد دخلها «ليس» تقول: «أتانى وليس عليه ثوب»
стр. 140
و «رأيته وليس معه غيره»، فهذا هو المعروف المستعمل، ثم قد جاء بغير «الواو» فكان من الحسن على ما ترى، وهو قول الأعرابي: [من الرجز]
لنا فتى وحبّذا الأفتاء ... تعرفه الأرسان والدّلاء
إذا جرى في كفّه الرّشاء ... خلّى القليب ليس فيه ماء «١»
ومما ينبغي أن يراعى في هذا الباب: أنك ترى الجملة قد جاءت حالا بغير «واو» ويحسن ذلك، ثم تنظر فترى ذلك إنّما حسن من أجل حرف دخل عليها.
مثاله قول الفرزدق: [من الطويل]
فقلت عسى أن تبصريني كأنّما ... بنيّ حواليّ الأسود الحوارد «٢»
قوله: «كأنما بنيّ» إلى آخره، في موضع الحال من غير شبهة، ولو أنك تركت «كأن» فقلت: «عسى أن تبصريني بنيّ حوالي كالأسود»، رأيته لا يحسن حسنه الآن، ورأيت الكلام يقتضي «الواو» كقولك: «عسى أن تبصريني وبنيّ حوالي كالأسود الحوارد».
وشبيه بهذا أنك ترى الجملة قد جاءت حالا بعقب مفرد، فلطف مكانها، ولو أنك أردت أن تجعلها حالا من غير أن يتقدمها ذلك المفرد لم يحسن، مثال ذلك قول ابن الرومي: [من السريع]
والله يبقيك لنا سالما، ... برداك تبجيل وتعظيم «٣»
فقوله: «برداك تبجيل»، في موضع حال ثانية، ولو أنك أسقطت «سالما»، من البيت فقلت: «والله يبقيك برداك تبجيل»، لم يكن شيئا.
وإذا قد رأيت الجمل الواقعة حالا قد اختلف بها الحال هذا الاختلاف الظاهر، فلا بدّ من أن يكون ذلك إنّما كان من أجل علل توجبه وأسباب تقتضيه، فمحال أن يكون هاهنا جملة لا تصلح إلا مع «الواو»، وأخرى لا تصلح فيها «الواو»، وثالثة تصلح أن تجيء فيها «بالواو» وأن تدعها فلا تجيء بها، ثم لا يكون لذلك سبب وعلّة، وفي الوقوف على العلّة في ذلك إشكال وغموض، ذاك لأنّ الطريق إليه غير
стр. 141
مسلوك، والجهة التي منها تعرف غير معروفة، وأنا أكتب لك أصلا في «الخبر» إذا عرفته انفتح لك وجه العلّة في ذلك.
اعلم أن «الخبر» ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتم الفائدة دونه، وخبر ليس بجزء من الجملة، ولكنّه زيادة في خبر آخر سابق له. فالأوّل خبر المبتدأ، كمنطلق في قولك: «زيد منطلق»، والفعل كقولك: «خرج زيد»، وكل واحد من هذين جزء من الجملة، وهو الأصل في الفائدة. والثاني هو الحال كقولك: «جاءني زيد راكبا»، وذاك لأن الحال خبر في الحقيقة، من حيث أنك تثبت بها المعنى لذي الحال كما تثبت بخبر المبتدأ للمبتدإ، وبالفعل للفاعل. ألا تراك قد أثبتّ الركوب في قولك: «جاءني زيد راكبا» لزيد؟ إلا أنّ الفرق أنّك جئت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء، وهو أن تجعله بهذه الهيئة في مجيئه، ولم تجرّد إثباتك للركوب ولم تباشره به ابتداء، بل بدأت فأثبتّ المجيء، ثم وصلت به الركوب، فالتبس به الإثبات على سبيل التّبع لغيره، وبشرط أن يكون في صلته. وأمّا في الخبر المطلق نحو: «زيد منطلق» و «خرج عمرو»، فإنك أثبت المعنى إثباتا جرّدته له، وجعلته يباشره من غير واسطة، ومن غير أن يتسبّب بغيره إليه.
وإذا قد عرفت هذا، فاعلم أن كل جملة وقعت حالا ثم امتنعت من «الواو»، فذاك لأجل أنك عمدت إلى الفعل الواقع في صدرها فضممته إلى الفعل الأول في إثبات واحد، وكل جملة جاءت حالا، ثم اقتضت «الواو» فذاك لأنك مستأنف بها خبرا، وغير قاصد إلى أن تضمها إلى الفعل الأوّل في الإثبات.
وتفسير هذا: أنك إذا قلت: «جاءني زيد يسرع»، كان بمنزلة قولك: «جاءني زيد مسرعا»، في أنك تثبت مجيئا فيه إسراع، وتصل أحد المعنيين بالآخر، وتجعل الكلام خبرا واحدا، وتريد أن تقول: «جاءني كذلك، وجاءني بهذه الهيئة»، وهكذا قوله: [من البسيط]
وقد علوت قتود الرّحل يسفعني ... يوم قديديمة الجوزاء مسموم
كأنه قال: «وقد علوت قتود الرحل بارزا للشمس ضاحيا»، وكذلك قوله: [من البسيط] متى أرى الصّبح قد لاحت مخايله لأنه في معنى: «متى أرى الصبح باديا لائحا بيّنا متجلّيا»، على هذا القياس أبدا. وإذا قلت: «جاءني وغلامه يسعى بين يديه» و «رأيت زيدا وسيفه على كتفه»،
стр. 142
كان المعنى على أنك بدأت فأثبتّ المجيء والرؤية، ثم استأنفت خبرا، وابتدأت إثباتا ثانيا لسعي الغلام بين يديه، ولكون السيف على كتفه. ولما كان المعنى على استئناف الإثبات، احتيج إلى ما يربط الجملة الثانية بالأولى، فجيء بالواو كما جيء بها في قولك: «زيد منطلق وعمرو ذاهب» و «العلم حسن والجهل قبيح»، وتسميتنا لها «واو حال»، لا يخرجها عن أن تكون مجتلبة لضمّ جملة إلى جملة.
ونظيرها في هذا «الفاء» في جواب الشرط نحو: «إن تأتني فأنت مكرم»، فإنها وإن لم تكن عاطفة، فإن ذلك لا يخرجها من أن تكون بمنزلة العاطفة في أنها جاءت لتربط جملة ليس من شأنها أن ترتبط بنفسها، فاعرف ذلك، ونزّل الجملة في نحو:
«جاءني زيد يسرع» و «قد علوت قتود الرّحل يسفعني يوم»، منزلة الجزاء الذي يستغني عن «الفاء»، لأنّ من شأنه أن يرتبط بالشرط من غير رابط، وهو قولك: «إن تعطني أشكرك»، ونزّل الجملة في «جاءني زيد وهو راكب»، منزلة الجزاء الذي ليس من شأنه أن يرتبط بنفسه، ويحتاج إلى «الفاء»، كالجملة في نحو: «إن تأتني فأنت مكرم»، قياسا سويّا وموازنة صحيحة.
فإن قلت: قد علمنا أن علّة دخول «الواو» على الجملة أن تستأنف الإثبات، ولا تصل المعنى الثاني بالأوّل في إثبات واحد، ولا تنزّل الجملة منزلة المفرد، ولكن بقي أن تعلم لم كان بعض الجمل، بأن يكون تقديرها تقدير المفرد في أن لا يستأنف بها الإثبات، أولى من بعض؟ وما الذي منع في قولك: «جاءني زيد وهو يسرع، أو «وهو مسرع» أن يدخل الإسراع في صلة المجيء ويضمّه في الإثبات، كما كان ذلك حين قلت: «جاءني زيد يسرع»؟.
فالجواب أن السّبب في ذلك أن المعنى في قولك: «جاءني زيد وهو يسرع»، على استئناف إثبات للسّرعة، ولم يكن ذلك في «جاءني زيد يسرع». وذلك أنك إذا أعدت ذكر «زيد» فجئت بضميره المنفصل المرفوع، كان بمنزلة أن تعيد اسمه صريحا فتقول: «جاءني زيد وزيد يسرع» في أنك لا تجد سبيلا إلى أن تدخل «يسرع» في صلة المجيء، وتضمّه إليه في الإثبات. وذلك أنّ إعادتك ذكر «زيد» لا يكون حتى تقصد استئناف الخبر عنه بأنه يسرع، وحتى تبتدئ إثباتا للسرعة، لأنّك إن لم تفعل ذلك، تركت المبتدأ، الذي هو ضمير «زيد» أو اسمه الظاهر، بمضيعة، وجعلته لغوا في البين، وجرى مجرى أن تقول: «جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه»، ثم تزعم أنك لم تستأنف كلاما ولم تبتدئ للسرعة إثباتا، وأن حال «يسرع» هاهنا، حاله إذا قلت: «جاءني زيد يسرع»، فجعلت السرعة له، ولم تذكر «عمرا»، وذلك محال.
стр. 143
فإن قلت: إنما استحال في قولك: «جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه» أن تردّ «يسرع» إلى «زيد» وتنزله منزلة قولك: «جاءني زيد يسرع»، من حيث كان في «يسرع» ضمير لعمرو، وتضمّنه ضمير عمرو يمنع أن يكون لزيد، وأن يقدّر حالا له، وليس كذلك: «جاءني زيد وهو يسرع»، لأنّ السرعة هناك لزيد لا محالة، فكيف ساغ أن تقيس إحدى المسألتين على الأخرى؟.
قيل: ليس المانع أن يكون «يسرع» في قولك: «جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه»؟ حالا من زيد أنّه فعل لعمرو، فإنك لو أخّرت «عمرا» فرفعته «بيسرع»، وأوليت «يسرع» زيدا فقلت: «جاءني زيد يسرع عمرو أمامه» وجدته قد صلح حالا لزيد، مع أنه فعل لعمرو، وإنما المانع ما عرفتك، من أنك تدع «عمرا» بمضيعة، وتجيء به مبتدأ، ثم لا تعطيه خبرا.
ومما يدلّ على فساد ذلك أنّه يؤدّي إلى أن يكون «يسرع» قد اجتمع في موضعه النّصب والرفع، وذلك أنّ جعله حالا من «زيد» يقتضي أن يكون في موضع نصب، وجعله خبرا عن «عمرو» المرفوع بالابتداء يقتضي أن يكون في موضع رفع.
وذلك بيّن التّدافع. ولا يجب هذا التّدافع إذا أخرت «عمرا» فقلت: «جاءني زيد يسرع عمرو أمامه»، لأنك ترفعه حينئذ بيسرع، على أنه فاعل له، وإذا ارتفع به لم يوجب في موضعه إعرابا، فيبقى مفرّغا لأن يقدّر فيه النصب على أنه حال من «زيد» وجرى مجرى أن تقول: «جاءني زيد مسرعا عمرو أمامه».
فإن قلت: فقد ينبغي على هذا الأصل أن لا تجيء جملة من مبتدأ وخبر حالا إلا مع «الواو»، وقد ذكرت قبل أن ذلك قد جاء في مواضع من كلامهم.
فالجواب أنّ القياس والأصل أن لا تجيء جملة من مبتدأ وخبر حالا إلا مع «الواو»، وأمّا الذي جاء من ذلك فسبيله سبيل الشيء يخرج عن أصله وقياسه والظاهر فيه، بضرب من التأويل ونوع من التشبيه، فقولهم: «كلّمته فوه إلى فيّ»، إنّما حسن بغير «واو» من أجل أن المعنى: كلمته مشافها له، وكذلك قولهم: «رجع عوده على بدئه»، إنما جاء الرفع فيه والابتداء من غير «واو»، لأن المعنى: رجع ذاهبا في طريقه الذي جاء فيه، وأما قوله: «وجدته حاضراه الجود والكرم» فلأنّ تقديم الخبر الذي هو «حاضراه»، يجعله كأنه قال: «وجدته حاضرا عنده الجود والكرم».
وليس الحمل على المعنى، وتنزيل الشيء منزلة غيره، بعزيز في كلامهم، وقد قالوا: «زيد اضربه»، فأجازوا أن يكون مثال الأمر في موضع الخبر، لأن المعنى على
стр. 144
النصب نحو: «اضرب زيدا»، ووضعوا الجملة، من المبتدأ والخبر موضع الفعل والفاعل في نحو قوله تعالى: أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ [الأعراف: ١٩٣]، لأن الأصل في المعادلة أن تكون الثانية كالأولى نحو: «أدعوتموهم أم صمتّم».
ويدل على أن ليس مجيء الجملة من المبتدأ والخبر حالا بغير «الواو» أصلا، قلّته «١»، وأنه لا يجيء إلا في الشيء بعد الشيء.
هذا، ويجوز أن يكون ما جاء من ذلك إنما جاء على إرادة «الواو»، كما جاء الماضي على إرادة «قد».
واعلم أنّ الوجه فيما كان مثل قول بشار: [من الطويل] خرجت مع البازي عليّ سواد «٢» أن يؤخذ فيه بمذهب أبي الحسن الأخفش، فيرفع «سواد» بالظرف دون الابتداء، ويجري الظّرف هاهنا مجراه إذا جرت الجملة صفة على النكرة نحو:
«مررت برجل معه صقر صائدا به غدا»، وذلك أن صاحب الكتاب يوافق أبا الحسن في هذا الموضع فيرفع «صقرا» بما في «معه» من معنى الفعل، فلذلك يجوز أن يجرى الحال مجرى الصفة، فيرفع الظاهر بالظرف إذا هو جاء حالا، فيكون ارتفاع «سواد» بما في «عليّ» من معنى الفعل، لا بالابتداء.
ثم ينبغي أن يقدّر هاهنا خصوصا أنّ الظرف في تقدير اسم فاعل لا فعل، أعني أن يكون المعنى: «خرجت كائنا عليّ سواد، وباقيا عليّ سواد»، ولا يقدّر:
«يكون عليّ سواد»، و «يبقى عليّ سواد»، اللهمّ إلّا أن تقدر فيه فعلا ماضيا مع «قد» كقولك: «خرجت مع البازي قد بقي عليّ سواد»، والأوّل أظهر.
وإذا تأمّلت الكلام وجدت الظرف وقد وقع مواقع لا يستقيم فيها إلّا أن يقدّر تقدير اسم فاعل، ولذلك قال أبو بكر بن السّراج في قولنا: «زيد في الدار»، أنك مخيّر بين أن تقدر فيه فعلا فتقول: «استقر في الدار»، وبين أن تقدر اسم فاعل فتقول: «مستقر في الدار»، وإذا عاد الأمر إلى هذا، كان الحال في ترك «الواو» ظاهرة، وكان «سواد» في قوله: «خرجت مع البازي عليّ سواد»، بمنزلة «قضاء الله» في قوله: [من الطويل]
стр. 145
سأغسل عنّي العار بالسّيف جالبا ... عليّ قضاء الله ما كان جالبا «١»
في كونه اسما ظاهرا قد ارتفع باسم فاعل قد اعتمد على ذي حال، فعمل عمل الفعل.
ويدلّك على أن التقدير فيه ما ذكرت، وأنه من أجل ذلك حسن، أنك تقول:
«جاءني زيد والسّيف على كتفه» و «خرج والتاج عليه»، فتجده لا يحسن إلا بالواو، وتعلم أنك لو قلت: «جاءني زيد السيف على كتفه» و «خرج التاج عليه»، كان كلاما نافرا لا يكاد يقع في الاستعمال، وذلك لأنه بمنزلة قولك: «جاءني وهو متقلّد سيفه» و «خرج وهو لابس التاج»، في أن المعنى على أنك استأنفت كلاما وابتدأت إثباتا،
وأنّك لم ترد: «جاءني كذلك» ولكن «جاءني وهو كذلك»، فاعرفه.