ومن دقيق ذلك وخفيّه، أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم: ٤]، لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم ينسبوا الشرف إلا إليها، ولم يروا للمزيّة موجبا سواها. هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم. وليس الأمر على ذلك، ولا هذا الشرف العظيم، ولا هذه المزيّة الجليلة، وهذه الرّوعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرّد الاستعارة، ولكن لأن سلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء، وهو لما هو من سببه، فيرفع به ما يسند إليه، ويؤتى بالذي الفعل له في المعنى منصوبا بعده، مبيّنا أن ذلك الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأوّل، إنّما كانا من أجل هذا الثاني، ولما بينه وبينه من الاتصال والملابسة، كقولهم: «طاب زيد نفسا»، و «قرّ عمرو عينا»، و «تصبّب عرقا»، و «كرم أصلا»، و «حسن وجها»، وأشباه ذلك مما تجد الفعل فيه منقولا عن الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه.
وذلك أنّا نعلم أنّ «اشتعل» للشيب في المعنى، وإن كان هو للرأس في اللّفظ، كما أن «طاب» للنفس، و «قرّ» للعين، و «تصبّب» للعرق، وإن أسند إلى ما أسند إليه. يبيّن أنّ الشرف كان لأن سلك فيه هذا المسلك، وتوخّي به هذا لمذهب أن تدع هذا الطريق فيه، وتأخذ اللّفظ فتسنده إلى الشيب صريحا فتقول: «اشتعل شيب الرأس»، أو «الشيب في الرأس»، ثم تنظر هل تجد ذلك الحسن وتلك الفخامة؟ وهل ترى الرّوعة التي كنت تراها؟
فإن قلت: فما السبب في أن كان «اشتعل» إذا استعير للشيب على هذا الوجه، كان له الفضل؟ ولم بان بالمزية من الوجه الآخر هذه البينونة؟
فإنّ السبب أنه يفيد، مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو أصل المعنى، الشمول، وأنه قد شاع فيه، وأخذه من نواحيه، وأنه قد استغرقه وعمّ جملته، حتى لم يبق من السواد شيء، أو لم يبق منه إلا ما لا يعتدّ به. وهذا ما لا يكون إذا قيل:
«اشتعل شيب الرأس، أو الشيب في الرأس»، بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه على الجملة. ووزان هذا أنك تقول: «اشتعل البيت نارا» فيكون المعنى: أن النار قد وقعت فيه وقوع الشّمول، وأنها قد استولت عليه وأخذت في طرفيه ووسطه. وتقول: «اشتعلت النار في البيت»، فلا يفيد ذلك، بل لا يقتضي أكثر من وقوعها فيه، وإصابتها جانبا منه. فأما الشمول، وأن تكون قد استولت على البيت وابتزّته، فلا يعقل من اللفظ البتة.
ونظير هذا في التنزيل قوله : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [القمر: ١٢]،
стр. 72
«التفجير» للعيون في المعنى، وأوقع على الأرض في اللفظ، كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس. وقد حصل بذلك من معنى الشّمول هاهنا، مثل الذي حصل هناك. وذلك أنه قد أفاد أنّ الأرض قد كانت صارت عيونا كلّها، وأن الماء قد كان يفور من كل مكان منها. ولو أجري اللفظ على ظاهره فقيل: «وفجّرنا عيون الأرض، أو العيون في الأرض»، لم يفد ذلك ولم يدلّ عليه، ولكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرّقة في الأرض، وتبجّس من أماكن منها.
واعلم أنّ في الآية الأولى شيئا آخر من جنس «النظم»، وهو تعريف «الرأس» بالألف واللام، وإفادة معنى الإضافة من غير إضافة، وهو أحد ما أوجب المزيّة. ولو قيل: «واشتعل رأسي»، فصرّح بالإضافة، لذهب بعض الحسن، فاعرفه.
وأنا أكتب لك شيئا مما سبيل «الاستعارة» فيه هذا السبيل، ليستحكم هذا الباب في نفسك، ولتأنس به.
فمن عجيب ذلك قول بعض الأعراب: [من الرجز]
اللّيل داج كنفا جلبابه ... والبين محجور على غرابه
ليس كلّ ما ترى من الملاحة لأن جعل للّيل جلبابا، وحجر على الغراب، ولكن في أن وضع الكلام الذي ترى، فجعل «الليل» مبتدأ، وجعل «داج» خبرا له وفعلا لما بعده وهو «الكنفان»، وأضاف «الجلباب» إلى ضمير «الليل»، ولأن جعل كذلك «البين» مبتدأ، وأجرى محجورا خبرا عنه، وأن أخرج اللفظ على «مفعول». يبيّن ذلك أنك لو قلت: «وغراب البيت محجور عليه، أو: قد حجر لي غراب البيت»، لم تجد له هذه الملاحة. وكذلك لو قلت: «قد دجا كنفا جلباب الليل»، لم يكن شيئا.
ومن النادر فيه قول المتنبي: [من الخفيف]
غصب الدّهر والملوك عليها ... فبناها في وجنة الدّهر خالا «١»
стр. 73
قد ترى في أوّل الأمر أنّ حسنه أجمع في أن جعل للدهر «وجنة»، وجعل البنيّة «خالا» في الوجنة، وليس الأمر على ذلك، فإن موضع الأعجوبة في أن أخرج الكلام مخرجه الذي ترى، وأن أتى «بالخال» منصوبا على الحال من قوله «فبناها». أفلا ترى أنك لو قلت: «وهي خال في وجنة الدهر»، لوجدت الصورة غير ما ترى؟ وشبيه بذلك أنّ ابن المعتز قال: [من المجتث]
يا مسكة العطّار ... وخال وجه النهار «١»
وكانت الملاحة في الإضافة بعد الإضافة، لا في استعارة لفظة «الخال»؛ إذ معلوم أنه لو قال: «يا خالا في وجه النهار» أو «يا من هو خال في وجه النهار»، لم يكن شيئا.
ومن شأن هذا الضّرب أن يدخله الاستكراه، قال الصاحب «٢»: «إياك والإضافات المداخلة، فإن ذلك لا يحسن»، وذكر أنه يستعمل في الهجاء كقول القائل: [من الخفيف]
يا عليّ بن حمزة بن عماره ... أنت والله ثلجة في خياره «٣»
ولا شبهة في ثقل ذلك في الأكثر، ولكنه إذا سلم من الاستكراه لطف وملح.
ومما حسن فيه قول ابن المعتز أيضا: [من الطويل]
وظلّت تدير الرّاح أيدي جآذر ... عتاق دنانير الوجوه ملاح «٤»
ومما جاء منه حسنا جميلا قول الخالديّ في صفة غلام له: [من المنسرح]
стр. 74
ويعرف الشّعر مثل معرفتي ... وهو على أن يزيد مجتهد
وصيرفيّ القريض، وزّان دينا ... ر المعاني الدّقاق، منتقد «١»
ومنه قول أبي تمام: [من الكامل]
خذها ابنة الفكر المهذّب في الدّجى ... واللّيل أسود رقعة الجلباب «٢»
ومما أكثر الحسن فيه بسبب النظم، قول المتنبي: [من الطويل]
وقيّدت نفسي في ذراك محبّة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيّدا «٣»
الاستعارة في أصلها مبتذلة معروفة، فإنك ترى العامّي يقول للرجل يكثر إحسانه إليه وبرّه له، حتى يألفه ويختار المقام عنده: «قد قيّدني بكثرة إحسانه إليّ، وجميل فعله معي، حتى صارت نفسي لا تطاوعني على الخروج من عنده»، وإنما كان ما ترى من الحسن، بالمسلك الذي سلك في النّظم والتأليف.
فصل «القول في التقديم والتأخير»
هو باب كثير الفوائد، جمّ المحاسن، واسع التصرّف، بعيد الغاية، لا يزال يفترّ لك عن بديعة، ويفضي بك إلى لطيفة، ولا تزال ترى شعرا يروقك مسمعه، ويلطف
стр. 75
لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك، أن قدّم فيه شيء، وحوّل اللّفظ عن مكان إلى مكان.
واعلم أن تقديم الشيء على وجهين:
تقديم يقال إنه على نيّة التأخير، وذلك في كل شيء أقررته مع التقديم على حكمه الذي كان عليه، وفي جنسه الذي كان فيه، كخبر المبتدأ إذا قدمته على المبتدأ، والمفعول إذا قدّمته على الفاعل كقولك: «منطلق زيد» و «ضرب عمرا زيد»، معلوم أنّ «منطلق» و «عمرا» لم يخرجا بالتقديم عمّا كانا عليه، من كون هذا خبر مبتدأ ومرفوعا بذلك، وكون ذلك مفعولا ومنصوبا من أجله «١»، كما يكون إذا أخّرت.
وتقديم لا على نية التأخير، ولكن على أن تنقل الشيء عن حكم إلى حكم، وتجعل له بابا غير بابه، وإعرابا غير إعرابه، وذلك أن تجيء إلى اسمين يحتمل كلّ واحد منهما أن يكون مبتدأ ويكون الآخر خبرا له، فتقدّم تارة هذا على ذاك، وأخرى ذاك على هذا. ومثاله ما تصنعه بزيد والمنطلق، حيث تقول مرة: «زيد المنطلق»، وأخرى، «المنطلق زيد»، فأنت في هذا لم تقدم «المنطلق» على أن يكون متروكا على حكمه الذي كان عليه مع التأخير، فيكون خبر مبتدأ كما كان، بل على أن تنقله عن كونه خبرا إلى كونه مبتدأ، وكذلك لم تؤخر «زيدا» على أن يكون مبتدأ كما كان، بل على أن تخرجه عن كونه مبتدأ إلى كونه خبرا.
وأظهر من هذا قولنا: «ضربت زيدا» و «زيد ضربته»، لم تقدم «زيدا» على أن يكون مفعولا منصوبا بالفعل كما كان، ولكن على أن ترفعه بالابتداء، وتشغل الفعل بضميره، وتجعله في موضع الخبر له؛ وإذ قد عرفت هذا التقسيم، فإني أتبعه بجملة من الشّرح.
واعلم أنّا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئا يجري مجرى الأصل، غير العناية والاهتمام. قال صاحب الكتاب «٢»، وهو يذكر الفاعل والمفعول: «كأنهم يقدّمون الذي بيانه أهمّ لهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعا يهمّانهم ويعنيانهم»، ولم يذكر في ذلك مثالا.
وقال النحويون: إن معنى ذلك أن قد يكون من أغراض الناس في فعل ما أن يقع
стр. 76
بإنسان بعينه، ولا يبالون من أوقعه، كمثل ما يعلم من حالهم في حال الخارجيّ يخرج فيعيث ويفسد، ويكثر به الأذى، أنّهم يريدون قتله، ولا يبالون من كان القتل منه، ولا يعنيهم منه شيء. فإذا قتل، وأراد مريد الإخبار بذلك، فإنه يقدّم ذكر الخارجيّ فيقول: «قتل الخارجيّ زيد»، ولا يقول: «قتل زيد الخارجيّ»، لأنه يعلم أن ليس للناس في أن يعلموا أن القاتل له «زيد» جدوى وفائدة، فيعنيهم ذكره ويهمّهم ويتّصل بمسرّتهم، ويعلم من حالهم أن الذي هم متوقّعون له ومتطلّعون إليه متى يكون، وقوع القتل بالخارجي المفسد، وأنّهم قد كفوا شرّه وتخلّصوا منه.
ثم قالوا: فإن كان رجل ليس له بأس ولا يقدّر فيه أنّه يقتل، فقتل رجلا، وأراد المخبر أن يخبر بذلك، فإنه يقدم ذكر القاتل فيقول: «قتل زيد رجلا»، ذاك لأن الذي يعنيه ويعني الناس من شأن هذا القتل، طرافته وموضع النّدرة فيه، وبعده كان من الظنّ. ومعلوم أنه لم يكن نادرا وبعيدا من حيث كان واقعا بالذي وقع به، ولكن من حيث كان واقعا من الذي وقع منه.
فهذا جيد بالغ، إلا أنّ الشأن في أنه ينبغي أن يعرف في كل شيء قدّم في موضع من الكلام مثل هذا المعنى، ويفسّر وجه العناية فيه هذا التفسير.
وقد وقع في ظنون النّاس أنّه يكفي أن يقال: «إنه قدم للعناية، ولأن ذكره أهم»، من غير أن يذكر، من أين كانت تلك العناية؟ وبم كان أهمّ؟، ولتخيّلهم ذلك، قد صغر أمر «التقديم والتأخير» في نفوسهم، وهوّنوا الخطب فيه، حتى إنك لترى أكثرهم يرى تتبّعه والنظر فيه ضربا من التكلّف. ولم تر ظنّا أزرى على صاحبه من هذا وشبهه.
وكذلك صنعوا في سائر الأبواب، فجعلوا لا ينظرون في «الحذف والتكرار»، و «الإظهار والإضمار»، «الفصل والوصل»، ولا في نوع من أنواع الفروق والوجوه إلا نظرك فيما غيره أهمّ لك، بل فيما إن لم تعلمه لم يضرك.
لا جرم أنّ ذلك قد ذهب بهم عن معرفة البلاغة، ومنعهم أن يعرفوا مقاديرها، وصدّ بأوجههم عن الجهة التي هي فيها، والشّقّ الذي يحويها. والمداخل التي تدخل منها الآفة على الناس في شأن العلم، ويبلغ الشيطان مراده منهم في الصّد عن طلبه وإحراز فضيلته- كثيرة، وهذه من أعجبها، إن وجدت متعجّبا.
وليت شعري، إن كانت هذه أمورا هيّنة، وكان المدى فيها قريبا، والجدا «١»
стр. 77
يسيرا، من أين كان نظم أشرف من نظم؟ وبم عظم التفاوت، واشتد التباين، وترقّى الأمر إلى الإعجاز، وإلى أن يقهر أعناق الجبابرة؟ أو هاهنا أمور أخر نحيل في المزيّة عليها، ونجعل الإعجاز كان بها، فتكون تلك الحوالة لنا عذرا في ترك النظر في هذه التي معنا، والإعراض عنها، وقلة المبالاة بها؟ أو ليس هذا التهاون، إن نظر العاقل، خيانة منه لعقله ودينه، ودخولا فيما يزرى بذي الخطر، ويغضّ من قدر ذوي القدر؟
وهل يكون أضعف رأيا، وأبعد من حسن التدبّر، منك إذ همّك أن تعرف الوجوه في:
«أأنذرتهم»، والإمالة في «رأى القمر» وتعرف «الصّراط» و «الزّراط»، وأشباه ذلك مما لا يعدو علمك فيه اللفظ وجرس الصوت، ولا يمنعك إن لم تعلمه بلاغة، ولا يدفعك عن بيان، ولا يدخل عليك شكّا، ولا يغلق دونك باب معرفة، ولا يفضي بك إلى تحريف وتبديل، وإلى الخطأ في تأويل، وإلى ما يعظم فيه المعاب عليك، ويطيل لسان القادح فيك، ولا يعنيك «١» ولا يهمّك أن تعرف ما إذا جهلته عرّضت نفسك لكل ذلك، وحصلت فيما هنالك، وكان أكثر كلامك في التفسير، وحيث تخوض في التأويل، كلام من لا يبني الشيء على أصله، ولا يأخذه من مأخذه، ومن ربّما وقع في الفاحش من الخطأ الذي يبقى عاره، وتشنع آثاره. ونسأل الله العصمة من الزّلل، والتوفيق لما هو أقرب إلى رضاه من القول والعمل.
واعلم أنّ من الخطأ أن يقسّم الأمر في تقديم الشيء وتأخيره قسمين: فيجعل مفيدا في بعض الكلام، وغير مفيد في بعض، وأن يعلّل تارة بالعناية، وأخرى بأنه توسعة على الشاعر والكاتب، حتى تطّرد لهذا قوافيه ولذاك سجعه. ذاك لأنّ من البعيد أن يكون في جملة النظم ما يدل تارة ولا يدل أخرى. فمتى ثبت في تقديم المفعول مثلا على الفعل في كثير من الكلام، أنه قد اختصّ بفائدة لا تكون تلك الفائدة مع التأخير، فقد وجب أن تكون تلك قضية في كل شيء وكلّ حال. ومن سبيل من يجعل التقديم وترك التقديم سواء، أن يدّعي أنه كذلك في عموم الأحوال، فأمّا أن يجعله شريجين، فيزعم أنه للفائدة في بعضها، وللتصرف في اللفظ من غير معنى في بعض، فمما ينبغي أن يرغب عن القول به.
وهذه مسائل لا يستطيع أحد أن يمتنع من التّفرقة بين تقديم ما قدّم فيها وترك تقديمه.
ومن أبين شيء في ذلك «الاستفهام بالهمزة»، فإن موضع الكلام على أنك إذا
стр. 78
قلت: «أفعلت؟»، فبدأت بالفعل، كان الشكّ في الفعل نفسه، وكان غرضك من استفهامك أن تعلم وجوده.
وإذا قلت: «أأنت فعلت؟»، فبدأت بالاسم، كان الشكّ في الفاعل من هو، وكان التردّد فيه. ومثال ذلك أنك تقول: «أبنيت الدار التي كنت على أن تبنيها؟»، «أقلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله؟»، و «أفرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه؟»، تبدأ في هذه ونحوه بالفعل، لأن السؤال عن الفعل نفسه والشكّ فيه، لأنك في جميع ذلك متردّد في وجود الفعل وانتفائه، مجوّز أن يكون قد كان، وأن يكون لم يكن.
وتقول: «أأنت بنيت هذه الدار؟»، «أأنت قلت هذا الشعر؟»، «أأنت كتبت هذا الكتاب؟»، فتبدأ في ذلك كله بالاسم، ذاك لأنّك لم تشكّ في الفعل أنه كان.
كيف؟ وقد أشرت إلى الدار مبنية، والشعر مقولا، والكتاب مكتوبا، وإنما شككت في الفاعل من هو؟.
فهذا من الفرق لا يدفعه دافع، ولا يشكّ فيه شاك، ولا يخفى فساد أحدهما في موضع الآخر.
فلو قلت: «أأنت بنيت الدار التي كنت على أن تبنيها؟»، «أأنت قلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله؟»، «أأنت فرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه؟»، خرجت من كلام الناس. وكذلك لو قلت: «أبنيت هذه الدار؟»، «أقلت هذا الشعر؟»، «أكتبت هذا الكتاب؟»، قلت ما ليس بقول. ذاك لفساد أن تقول في الشيء المشاهد الذي هو نصب عينيك أموجود أم لا؟
وممّا يعلم به ضرورة أنه لا تكون البداية بالفعل كالبداية بالاسم أنّك تقول:
«أقلت شعرا قطّ؟»، «أرأيت اليوم إنسانا؟»، فيكون كلاما مستقيما. ولو قلت:
«أأنت قلت شعرا قط؟»، «أأنت رأيت إنسانا»، أحلت، وذاك أنه لا معنى للسؤال عن الفاعل من هو في مثل هذا، لأن ذلك إنما يتصوّر إذا كانت الإشارة إلى فعل مخصوص نحو أن تقول: «من قال هذا الشعر؟»، و «من بنى هذه الدار؟» و «من أتاك اليوم؟»، و «من أذن لك في الذي فعلت؟»، وما أشبه ذلك ممّا يمكن أن ينصّ فيه على معيّن. فأمّا قيل شعر على الجملة، ورؤية إنسان على الإطلاق، فمحال ذلك فيه، لأنه ليس مما يختص بهذا دون ذاك حتى يسأل عن عين فاعله.
ولو كان تقديم الاسم لا يوجب ما ذكرنا، من أن يكون السؤال عن الفاعل من
стр. 79
هو؟ وكان يصح أن يكون سؤالا عن الفعل أكان أم لم يكن؟ لكان ينبغي أن يستقيم ذلك.
واعلم أن هذا الذي ذكرت لك في «الهمزة وهي للاستفهام» قائم فيها إذا هي كانت للتقرير. فإذا قلت: «أأنت فعلت ذاك؟»، كان غرضك أن تقرره بأنه الفاعل.
يبيّن ذلك قوله تعالى، حكاية عن قول نمرود: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ [سورة الأنبياء: ٦٢]، لا شبهة في أنهم لم يقولوا ذلك له ﵇ وهم يريدون أن يقرّ لهم بأنّ كسر الأصنام قد كان، ولكن أن يقرّ بأنه منه كان، وكيف؟
وقد أشاروا له إلى الفعل في قولهم: «أأنت فعلت هذا؟»، وقال هو ﵇ في الجواب: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء: ٦٣]، ولو كان التقرير بالفعل لكان الجواب: «فعلت، أو: لم أفعل».
فإن قلت: أو ليس إذ قال «أفعلت؟»، فهو يريد أيضا أن يقرّره بأنّ الفعل كان منه، لا بأنّه كان على الجملة، فأيّ فرق بين الحالين؟.
فإنه إذا قال «١»: «أفعلت؟» فهو يقرّره بالفعل من غير أن يردّده بينه وبين غيره، وكان كلامه كلام من يوهم أنه لا يدري أن ذلك الفعل كان على الحقيقة وإذا قال:
«أأنت فعلت؟»، كان قد ردّد الفعل بينه وبين غيره، ولم يكن منه في نفس الفعل تردّد، ولم يكن كلامه كلام من يوهم أنه لا يدري أكان الفعل أم لم يكن، بدلالة أنك تقول ذلك والفعل ظاهر موجود مشار إليه، كما رأيت في الآية.
واعلم أن «الهمزة» فيما ذكرنا تقرير بفعل قد كان، وإنكار له لم كان، وتوبيخ لفاعله عليه.
ولها مذهب آخر، وهو أن يكون الإنكار أن يكون الفعل قد كان من أصله.
ومثاله قوله تعالى: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً [الإسراء: ٤٠]، وقوله : أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [الصافات: ١٥٣ - ١٥٤]، فهذا ردّ على المشركين وتكذيب لهم في قولهم ما يؤدّي إلى هذا الجهل العظيم. وإذا قدّم الاسم في هذا صار الإنكار في الفاعل. ومثاله قولك للرجل قد انتحل شعرا: «أأنت قلت هذا الشعر؟ كذبت، لست ممّن يحسن مثله»، أنكرت أن يكون القائل ولم تنكر الشعر.
стр. 80
وقد يكون أن يراد إنكار الفعل من أصله، ثم يخرج اللفظ مخرجه إذا كان الإنكار في الفاعل. مثال ذلك قوله تعالى: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ [يونس: ٥٩]، «الإذن» راجع إلى قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا [يونس: ٥٩]، ومعلوم أن المعنى على إنكار أن يكون قد كان من الله تعالى إذن فيما قالوه، من غير أن يكون هذا الإذن قد كان من غير الله، فأضافوه إلى الله، إلّا أنّ اللفظ أخرج مخرجه إذا كان الأمر كذلك، لأن يجعلوا في صورة في غلط فأضاف إلى الله تعالى إذنا كان من غير الله، فإذا حقّق عليه ارتدع.
ومثال ذلك قولك للرجل يدّعي أن قولا كان ممّن تعلم أنه لا يقوله: «أهو قال ذاك بالحقيقة أم أنت تغلط؟»، تضع الكلام وضعه إذا كنت علمت أن ذلك القول قد كان من قائل،
لينصرف الإنكار إلى الفاعل، فيكون أشدّ لنفي ذلك وإبطاله.
ونظير هذا قوله تعالى: قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ، أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ [الأنعام: ١٤٣]، أخرج اللفظ مخرجه إذا كان قد ثبت تحريم في أحد أشياء، ثم أريد معرفة عين المحرّم، مع أن المراد إنكار التحريم من أصله، ونفي أن يكون قد حرّم شيء مما ذكروا أنه محرّم. وذلك أنّ الكلام وضع على أن يجعل التحريم كأنّه قد كان، ثم يقال لهم: «أخبرونا عن هذا التحريم الذي زعمتم، فيم هو؟ أفي هذا أم ذاك أم في الثالث؟»، ليتبيّن بطلان قولهم، ويظهر مكان الفرية منهم على الله تعالى.
ومثل ذلك قولك للرجل يدّعي أمرا وأنت تنكره: «متى كان هذا؟ أفي ليل أم نهار؟»، تضع الكلام وضع من سلّم أن ذلك قد كان، ثم تطالبه ببيان وقته، لكي يتبيّن كذبه إذا لم يقدر أن يذكر له وقتا ويفتضح. ومثله قولك: «من أمرك بهذا منّا؟
وأيّنا أذن لك فيه؟»، وأنت لا تعني أن أمرا قد كان بذلك من واحد منكم، إلا أنّك تضع الكلام هذا الوضع لكي تضيّق عليه، وليظهر كذبه حين لا يستطيع أن يقول:
«فلان»، وأن يحيل على واحد.
وإذ قد بيّنّا الفرق بين تقديم الفعل وتقديم الاسم، والفعل ماض، فينبغي أن ننظر فيه والفعل مضارع.
والقول في ذلك أنك إذا قلت: «أتفعل؟» و «أأنت تفعل؟» لم يخل من أن تريد الحال أو الاستقبال. فإن أردت الحال كان المعنى شبيها بما مضى في الماضي، فإذا قلت: «أتفعل؟» كان المعنى على أنك أردت أن تقرّره بفعل هو يفعله، وكنت
стр. 81
كمن يوهم أنّه لا يعلم بالحقيقة أن الفعل كائن، وإذا قلت: «أأنت تفعل؟»، كان المعنى على أنك تريد أن تقرّره بأنه الفاعل، وكان أمر الفعل في وجوده ظاهرا، وبحيث لا يحتاج إلى الإقرار بأنه كائن، وإن أردت ب «تفعل» المستقبل، كان المعنى إذا بدأت بالفعل على أنك تعمد بالإنكار إلى الفعل نفسه، وتزعم أنه لا يكون، أو أنه لا ينبغي أن يكون، فمثال الأول: [من الطويل]
أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال «١»؟
فهذا تكذيب منه لإنسان تهدّده بالقتل، وإنكار أن يقدر على ذلك ويستطيعه.
ومثله أن يطمع طامع في أمر لا يكون مثله، فتجهّله في طمعه فتقول: «أيرضى عنك فلان وأنت مقيم على ما يكره؟ أتجد عنده ما تحبّ وقد فعلت وصنعت؟»، وعلى ذلك قوله تعالى: أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ [هود: ٢٨].
ومثال الثاني، قولك لرجل يركب الخطر: «أتخرج في هذا الوقت؟ أتذهب في غير الطريق؟ أتغرّر بنفسك؟»، وقولك للرجل يضيع الحقّ: «أتنسى قديم إحسان فلان؟ أتترك صحبته وتتغير عن حالك معه لأن تغيّر الزمان؟» كما قال: [من الطويل]
أأترك أن قلّت دراهم خالد ... زيارته؟ إنّي إذا للئيم «٢»
وجملة الأمر أنّك تنحو بالإنكار نحو الفعل، فإن بدأت بالاسم فقلت: «أأنت تفعل؟» أو قلت: «أهو يفعل؟»، كنت وجهت الإنكار إلى نفس المذكور، وأبيت أن تكون بموضع أن يجيء منه الفعل وممّن يجيء منه، وأن يكون بتلك المثابة.
تفسير ذلك: أنك إذا قلت: «أأنت تمنعني؟»، «أأنت تأخذ على يدي؟»
стр. 82
صرت كأنك قلت: إن غيرك الذي يستطيع منعي والأخذ على يدي، ولست بذاك، ولقد وضعت نفسك في غير موضعك، هذا، إذا جعلته لا يكون منه الفعل للعجز، ولأنّه ليس في وسعه.
وقد يكون أن تجعله لا يجيء منه، لأنه لا يختاره ولا يرتضيه، وأنّ نفسه نفس تأبى مثله وتكرهه. ومثاله أن تقول: «أهو يسأل فلانا؟ هو أرفع همة من ذلك»، «أهو يمنع الناس حقوقهم؟ هو أكرم من ذاك».
وقد يكون أن تجعله لا يفعله لصغر قدره وقصر همته، وأن نفسه نفس لا تسمو. وذلك قولك: «أهو يسمح بمثل هذا؟ أهو يرتاح للجميل؟ هو أقصر همّة من ذلك، وأقل رغبة في الخير مما تظنّ».
وجملة الأمر أن تقديم الاسم يقتضي أنك عمدت بالإنكار إلى ذات من قيل «إنه يفعل» أو قال هو «إني أفعل»، وأردت ما تريده إذا قلت: «ليس هو بالذي يفعل، وليس مثله يفعل»، ولا يكون هذا المعنى إذا بدأت بالفعل فقلت: «أتفعل؟». ألا ترى أن من المحال أن تزعم أن المعنى في قول الرجل لصاحبه: «أتخرج في هذا الوقت؟ أتغرّر بنفسك؟ أتمضي في غير الطريق؟»، أنه أنكر أن يكون بمثابة من يفعل ذلك، وبموضع من يجيء منه ذاك، لأن العلم محيط بأن الناس لا يريدونه، وأنه لا يليق بالحال التي يستعمل فيها هذا الكلام. وكذلك محال أن يكون المعنى في قوله جل وعلا: أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ [هود: ٢٨]، أنّا لسنا بمثابة من يجيء منه هذا الإلزام، وأن غيرنا من يفعله، جلّ الله تعالى.
وقد يتوهّم المتوهّم في الشيء من ذلك أنّه يحتمل، فإذا نظر لم يحتمل، فمن ذلك قوله:
أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي وقد يظنّ الظانّ أنه يجوز أن يكون في معنى أنّه ليس بالذي يجيء منه أن يقتل مثلي، ويتعلّق بأنه قال قبل: [من الطويل]
يغطّ غطيط البكر شدّ خناقه ... ليقتلني والمرء ليس بقتّال
ولكنه إذا نظر علم أنّه لا يجوز، وذاك لأنه قال: «والمشرفيّ مضاجعي» فذكر ما يكون منعا من الفعل، ومحال أن يقول: «هو ممن لا يجيء منه الفعل»، ثم يقول:
«إنّي أمنعه»، لأن المنع يتصوّر فيمن يجيء منه الفعل، ومع من يصحّ منه، لا من هو منه محال، ومن هو نفسه عنه عاجز، فاعرفه.
стр. 83
واعلم أنا وإن كنا نفسّر «الاستفهام» في مثل هذا بالإنكار، فإن الذي هو محض المعنى: أنه ليتنبه السامع حتى يرجع إلى نفسه فيخجل ويرتدع ويعيا بالجواب، إمّا لأنه قد ادعى القدرة على فعل لا يقدر عليه، فإذا ثبت على دعواه قيل له: «فافعل»، فيفضحه ذلك، وإمّا لأنه همّ بأن يفعل ما لا يستصوب فعله، فإذا روجع فيه تنبّه وعرف الخطأ، وإمّا لأنه جوّز وجود أمر لا يوجد مثله، فإذا ثبت على تجويزه قبّح على نفسه، وقيل له: «فأرناه في موضع وفي حال، وأقيم شاهدا على أنه كان في وقت».
ولو كان يكون للإنكار، وكان المعنى فيه من بدء الأمر، لكان ينبغي أن لا يجيء فيما لا يقول عاقل إنه يكون، حتى ينكر عليه، كقولهم: «أتصعد إلى السماء؟»، «أتستطيع أن تنقل الجبال؟»، «أإلى ردّ ما مضى سبيل؟».
وإذ قد عرفت ذلك، فإنه لا يقرّر بالمحال، وبما لا يقول أحد إنه يكون، إلا على سبيل التمثيل، وعلى أن يقال له: «إنك في دعواك ما ادّعيت بمنزلة من يدّعي هذا المحال، وإنك في طمعك في الذي طمعت فيه بمنزلة من يطمع في الممتنع».
وإذ قد عرفت هذا، فممّا هو من هذا الضرب قوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ [الزخرف: ٤٠]، ليس إسماع الصّم مما يدّعيه أحد فيكون ذلك للإنكار، وإنّما المعنى فيه التمثيل والتشبيه، وأن ينزّل الذي يظنّ بهم أنهم يسمعون، أو أنه يستطيع إسماعهم، منزلة من يرى أنه يسمع الصم ويهدى العمي ثم المعنى في تقديم الاسم وأن لم يقل: «أتسمع الصمّ»، هو أن يقال للنبي ﷺ :
«أأنت خصوصا قد أوتيت أن تسمع الصمّ؟»، وأن يجعل في ظنّه أنه يستطيع إسماعهم، بمثابة من يظنّ أنه قد أوتي قدرة على إسماع الصّمّ.
ومن لطيف ذلك قول ابن أبي عيينة: [من الكامل]
فدع الوعيد فما وعيدك ضائري، ... أطنين أجنحة الذّباب يضير «١»؟
جعله كأنه قد ظنّ أنّ طنين أجنحة الذباب بمثابة ما يضير، حتى ظنّ أن وعيده يضير.
стр. 84
واعلم أن حال المفعول فيما ذكرنا كحال الفاعل، أعني أنّ تقديم اسم المفعول يقتضي أن يكون الإنكار في طريق الإحالة والمنع من أن يكون، بمثابة أن يوقع به مثل ذلك الفعل، فإذا قلت: «أزيدا تضرب؟»، كنت قد أنكرت أن يكون «زيد» بمثابة أن يضرب، أو بموضع أن يجترأ عليه ويستجاز ذلك فيه، ومن أجل ذلك قدّم «غير» في قوله تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا [الأنعام: ١٤]، وقوله : قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ [الأنعام: ٤٠]، وكان له من الحسن والمزيّة والفخامة، ما تعلم أنه لا يكون لو أخّر فقيل: «قل أأتّخذ غير الله وليّا» و «أتدعون غير الله؟» وذلك لأنّه قد حصل بالتقديم معنى قولك: «أيكون غير الله بمثابة أن يتّخذ وليّا؟ وأ يرضى عاقل من نفسه أن يفعل ذلك؟ وأ يكون جهل أجهل وعمى أعمى من ذلك؟»، ولا يكون شيء من ذلك إذا قيل: «أأتخذ غير الله وليا»، وذلك لأنه حينئذ يتناول الفعل أن يكون فقط، ولا يزيد على ذلك، فاعرفه.
وكذلك الحكم في قوله تعالى: فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ [القمر:
٢٤]، وذلك لأنهم بنوا كفرهم على أنّ من كان مثلهم بشرا، لم يكن بمثابة أن يتّبع ويطاع، وينتهى إلى ما يأمر، ويصدّق أنه مبعوث من الله تعالى، وأنهم مأمورون بطاعته، كما جاء في الأخرى: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا [إبراهيم: ١٠]، وكقوله : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ
مَلائِكَةً
[المؤمنون: ٢٤].
فهذا هو القول في الضرب الأول، وهو أن يكون «يفعل» بعد الهمزة لفعل لم يكن.
وأما الضرب الثاني، وهو أن يكون «يفعل» لفعل موجود، فإن تقديم الاسم يقتضي شبيها بما اقتضاه في «الماضي»، من الأخذ بأن يقرّ أنه الفاعل، أو الإنكار أن يكون الفاعل.
فمثال الأول قولك للرجل يبغي ويظلم: «أأنت تجيء إلى الضعيف فتغصب ماله؟»، «أأنت تزعم أن الأمر كيت وكيت؟» وعلى ذلك قوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: ٩٩].
ومثال الثاني: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزخرف: ٣٢].
стр. 85
فصل وإذ قد عرفت هذه المسائل في «الاستفهام»، فهذه مسائل في «النفي» .
إذا قلت: «ما فعلت»، كنت نفيت عنك فعلا لم يثبت أنه مفعول، وإذا قلت:
«ما أنا فعلت»، كنت نفيت عنك فعلا يثبت أنّه مفعول.
تفسير ذلك: أنك إذا قلت: «ما قلت هذا»، كنت نفيت أن تكون قد قلت ذاك، وكنت نوظرت في شيء لم يثبت أنه مقول؟
وإذا قلت: «ما أنا قلت هذا»، كنت نفيت أن تكون القائل له، وكانت المناظرة في شيء ثبت أنه مقول. وكذلك إذا قلت: «ما ضربت زيدا»، كنت نفيت عنك ضربه، ولم يجب أن يكون قد ضرب، بل يجوز أن يكون ضربه غيرك، وأن لا يكون قد ضرب أصلا. وإذا قلت: «ما أنا ضربت زيدا»، لم تقله إلا وزيد مضروب، وكان القصد أن تنفي أن تكون أنت الضارب.
ومن أجل ذلك صلح في الوجه الأوّل أن يكون المنفيّ عامّا كقولك: «ما قلت شعرا قطّ»، و «ما أكلت اليوم شيئا»، و «ما رأيت أحدا من الناس»، ولم يصلح من الوجه الثاني، فكان خلفا أن تقول: «ما أنا قلت شعرا قط»، و «ما أنا أكلت اليوم شيئا»، و «ما أنا رأيت أحدا من الناس»، وذلك أنه يقتضي المحال، وهو أن يكون هاهنا إنسان قد قال كلّ شعر في الدنيا، وأكل كلّ شيء يؤكل، ورأى كل أحد من الناس، فنفيت أن تكونه.
ومما هو مثال بيّن في أن تقديم الاسم يقتضي وجود الفعل قوله: [من المتقارب]
وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلب نارا «١»
المعنى، كما لا يخفى، على أن السّقم ثابت موجود، وليس القصد بالنّفي إليه، ولكن إلى أن يكون هو الجالب له، ويكون قد جرّه إلى نفسه.
стр. 86
ومثله في الوضوح قوله: [من الطويل] وما أنا وحدي قلت ذا الشّعر كلّه «١» «الشعر» مقول على القطع، والنفي لأن يكون هو وحده القائل له.
وهاهنا أمران يرتفع معهما الشك في وجوب هذا الفرق، ويصير العلم به كالضرورة.
أحدهما: أنه يصحّ لك أن تقول: «ما قلت هذا، ولا قاله أحد من الناس»، و «ما ضربت زيدا، ولا ضربه أحد سواي»، ولا يصحّ ذلك في الوجه الآخر. فلو قلت:
«ما أنا قلت هذا، ولا قاله أحد من الناس»، و «ما أنا ضربت زيدا، ولا ضربه أحد سواي»، كان خلفا «٢» من القول، وكان في التناقض بمنزلة أن تقول: «لست الضّارب زيدا أمس»، فتثبت أنه قد ضرب، ثم تقول من بعده: «وما ضربه أحد من الناس»، و «لست القائل ذلك»، فتثبت أنه قد قيل، ثم تجيء فتقول و «ما قاله أحد من الناس».
والثاني: من الأمرين أنك تقول: «ما ضربت إلا زيدا»، فيكون كلاما مستقيما، ولو قلت: «ما أنا ضربت إلا زيدا»، كان لغوا من القول، وذلك لأن نقض النّفي ب «إلّا» يقتضي أن تكون ضربت زيدا، وتقديمك ضميرك وإيلاؤه حرف النفي، يقتضي نفي أن تكون ضربته، فهما يتدافعان «٣». فاعرفه.
ويجيء لك هذا الفرق على وجهه في تقديم المفعول وتأخيره.
فإذا قلت: «ما ضربت زيدا»، فقدمت الفعل، كان المعنى أنك قد نفيت أن يكون قد وقع ضرب منك على زيد، ولم تعرض في أمر غيره لنفي، ولا إثبات، وتركته مبهما محتملا.
стр. 87
وإذا قلت: «ما زيدا ضربت»، فقدمت المفعول، كان المعنى على أنّ ضربا وقع منك على إنسان، وظنّ أن ذلك الإنسان زيد، فنفيت أن يكون إياه.
فلك أن تقول في الوجه الأول: «ما ضربت زيدا ولا أحدا من الناس»، وليس لك ذلك في الوجه الثاني. فلو قلت: «ما زيدا ضربت ولا أحدا من الناس»، كان فاسدا على ما مضى في الفاعل.
ومما ينبغي أن تعلمه، أنه يصحّ لك أن تقول: «ما ضربت زيدا، ولكني أكرمته»، فتعقب الفعل المنفيّ بإثبات فعل هو ضدّه، ولا يصحّ أن تقول: «ما زيدا ضربت، ولكني أكرمته»، وذاك أنّك لو ترد أن تقول: لم يكن الفعل هذا ولكن ذاك، ولكنك أردت أنه لم يكن المفعول هذا، ولكن ذاك. فالواجب إذن أن تقول: «ما زيدا ضربت ولكن عمرا».
وحكم الجارّ مع المجرور في جميع ما ذكرنا حكم المنصوب، فإذا قلت: «ما أمرتك بهذا»، كان المعنى على نفي أن تكون قد أمرته بذلك، ولم يجب أن تكون قد أمرته بشيء آخر، وإذا قلت: «ما بهذا أمرتك»، كنت قد أمرته بشيء غيره.
[فصل: الاستفهام له التقديم والصدارة وتقديم ما يقارنه من اسم وفعل]
- واعلم أنّ الذي بان لك في «الاستفهام» و «النفي» من المعنى في التقديم، قائم مثله في «الخبر المثبت».
فإذا عمدت إلى الذي أردت أن تحدّث عنه بفعل فقدّمت ذكره، ثم بنيت الفعل عليه فقلت: «زيد قد فعل» و «أنا فعلت»، و «أنت فعلت»،: اقتضى ذلك أن يكون القصد إلى الفاعل، إلا أنّ المعنى في هذا القصد ينقسم قسمين:
أحدهما: جليّ لا يشكل: وهو أن يكون الفعل فعلا قد أردت أن تنصّ فيه على واحد فتجعله له، وتزعم أنه فاعله دون واحد آخر، أو دون كل أحد. ومثال ذلك أن تقول: «أنا كتبت في معنى فلان «١»، وأنا شفعت في بابه»، تريد أن تدّعي الانفراد بذلك والاستبداد به، وتزيل الاشتباه فيه، وتردّ على من زعم أن ذلك كان من غيرك، أو أن غيرك قد كتب فيه كما كتبت. ومن البيّن في ذلك قولهم في المثل: «أتعلّمني بضبّ أنا حرشته» «٢».
стр. 88
والقسم الثاني: أن لا يكون القصد إلى الفاعل على هذا المعنى، ولكن على أنك أردت أن تحقّق على السامع أنه قد فعل، وتمنعه من الشك، فأنت لذلك تبدأ بذكره، وتوقعه أوّلا- ومن قبل أن تذكر الفعل «١» - في نفسه، لكي تباعده بذلك عن الشّبهة، وتمنعه من الإنكار، أو من أن يظنّ بك الغلط أو التزيّد. ومثاله قولك:
«هو يعطي الجزيل»، و «هو يحبّ الثناء»، لا تريد أن تزعم أنه ليس هنا من يعطي الجزيل ويحبّ الثناء غيره، ولا أن تعرّض بإنسان وتحطّه عنه، وتجعله لا يعطي كما يعطى، ولا يرغب كما يرغب، ولكنك تريد أن تحقّق على السامع أن إعطاء الجزيل وحبّ الثناء دأبه، وأن تمكّن ذلك في نفسه.
ومثاله في الشعر: [من الطويل]
هم يفرشون اللّبد كلّ طمرّة ... وأجرد سبّاح يبذّ المغالبا «٢»
لم يرد أن يدّعي لهم هذه الصفة دعوى من يفردهم بها، وينصّ عليهم فيها، حتى كأنه يعرّض بقوم آخرين، فينفي أن يكونوا أصحابها. هذا محال. وإنما أراد أن يصفهم بأنّهم فرسان يمتهدون صهوات الخيل، وأنّهم يقتعدون الجياد منها، وأن ذلك دأبهم، من غير أن يعرّض لنفيه عن غيرهم، إلّا أنه بدأ بذكرهم لينبه السامع لهم، ويعلم بديّا «٣» قصده إليهم بما في نفسه من الصفة، ليمنعه بذلك من الشكّ، ومن توهّم أن يكون قد وصفهم بصفة ليست هي لهم، أو أن يكون قد أراد غيرهم فغلط إليه.
وعلى ذلك قول الآخر: [من الطويل]
هم يضربون الكبش يبرق بيضه، ... على وجهه من الدّماء سبائب «٤»
стр. 89
لم يرد أن يدّعي لهم الانفراد، ويجعل هذا الضرب لا يكون إلا منهم، ولكن أراد الذي ذكرت لك، من تنبيه السامع لقصدهم بالحديث من قبل ذكر الحديث، ليحقق الأمر ويؤكّده.
ومن البين فيه قول عروة بن أذينة: [من الهزج]
سليمى أزمعت بينا ... فأين تقولها أينا «١»
وذلك أنه ظاهر معلوم أنه لم يرد أن يجعل هذا الإزماع لها خاصة، ويجعلها من جماعة لم يزمع البين منهم أحد سواها. هذا محال، ولكنه أراد أن يحقق الأمر ويؤكده، فأوقع ذكرها في سمع الذي كلّم ابتداء ومن أوّل الأمر. ليعلم قبل هذا الحديث أنه أرادها بالحديث، فيكون ذلك أبعد له من الشك.
ومثله في الوضوح قوله: [من الطويل]
هما يلبسان المجد أحسن لبسة ... شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما «٢»
لا شبهة في أنه لم يرد أن يقصر هذه الصّفة عليهما، ولكن نبّه لهما قبل الحديث عنهما.
وأبين من الجميع قوله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ [الفرقان: ٣]، وقوله : وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ [المائدة: ٦١].
وهذا الذي قد ذكرت من أن تقديم ذكر المحدّث عنه يفيد التنبيه له، قد ذكره صاحب الكتاب في المفعول إذا قدّم فرفع بالابتداء، وبني الفعل الناصب كان له عليه «٣»، وعدّي إلى ضميره فشغل به. كقولنا في «ضربت عبد الله»: «عبد الله ضربته»، فقال: و «إنما» قلت: «عبد الله»، فنبّهته له، ثم بنيت عليه الفعل، ورفعته بالابتداء.
فإن قلت: فمن أين وجب أن يكون تقديم ذكر المحدّث عنه بالفعل، آكد لإثبات ذلك الفعل له، وأن يكون قوله: «هما يلبسان المجد»، أبلغ في جعلهما يلبسانه من أن يقال: «يلبسان المجد»؟
стр. 90
فإنّ ذلك «١» من أجل أنه لا يؤتى بالاسم معرّى من العوامل إلّا لحديث قد نوي إسناده إليه. وإذا كان كذلك، فإذا قلت: «عبد الله»، فقد أشعرت قلبه بذلك أنك قد أردت الحديث عنه، فإذا جئت بالحديث فقلت مثلا: «قام» أو قلت: «خرج»، أو قلت: «قدم» فقد علم ما جئت به وقد وطّأت له وقدّمت الإعلام فيه، فدخل على القلب دخول المأنوس به، وقبله قبول المهيّئ له المطمئنّ إليه، وذلك لا محالة أشدّ لثبوته، وأنفى للشبهة، وأمنع للشك، وأدخل في التحقيق.
وجملة الأمر أنّه ليس إعلامك الشيء بغتة غفلا، مثل إعلامك له بعد التنبيه عليه والتقدمة له، لأنّ ذلك يجري مجرى تكرير الإعلام في التأكيد والإحكام. ومن هاهنا قالوا: إنّ الشيء إذا أضمر ثم فسّر، كان ذلك أفخم له من أن يذكر من غير تقدمة إضمار.
ويدلّ على صحة ما قالوه أنّا نعلم ضرورة في قوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ [الحج: ٤٦]، فخامة وشرفا وروعة، لا نجد منها شيئا في قولنا: «فإن الأبصار لا تعمى»، وكذلك السبيل أبدا في كل كلام كان فيه ضمير قصّة. فقوله تعالى: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ [المؤمنون: ١١٧]، يفيد من القوة في نفي الفلاح عن الكافرين، ما لو قيل: «إن الكافرين لا يفلحون»، لم يستفد ذلك. ولم يكن ذلك كذلك إلّا لأنك تعلمه إيّاه من بعد تقدمة وتنبيه، أنت به في حكم من بدأ وأعاد ووطّد، ثم بنى ولوّح ثم صرّح. ولا يخفى مكان المزيّة فيما طريقه هذا الطريق.
ويشهد لما قلنا من أنّ تقديم المحدّث عنه يقتضي تأكيد الخبر وتحقيقه له، أنّا إذا تأمّلنا وجدنا هذا الضرب من الكلام يجيء فيما سبق فيه إنكار من منكر، نحو أن يقول الرجل: «ليس لي علم بالذي تقول»، فتقول له: «أنت تعلم أن الأمر على ما أقول، ولكنّك تميل إلى خصمي»، وكقول الناس: «هو يعلم ذاك وإن أنكر، وهو يعلم الكذب فيما قال وإن حلف عليه»، وكقوله تعالى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: ٧٥]، فهذا من أبين شيء. وذاك أن الكاذب، لا سيما في الدين، لا يعترف بأنه كاذب، وإذا لم يعترف بأنه كاذب، كان أبعد من ذلك أن يعترف بالعلم بأنّه كاذب.
أو يجيء «٢» فيما اعترض فيه شكّ، نحو أن يقول الرجل: «كأنك لا تعلم ما صنع فلان ولم يبلغك»، فيقول: «أنا أعلم، ولكنّي أداريه».
стр. 91
أو في تكذيب مدّع كقوله : وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ [المائدة: ٦١]، وذلك أن قولهم: «آمنا»، دعوى منهم أنهم لم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به، فالموضع موضع تكذيب.
أو فيما القياس في مثله أن لا يكون، كقوله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ [الفرقان: ٣]، وذلك أن عبادتهم لها تقتضي أن لا تكون مخلوقة.
وكذلك في كل شيء كان خبرا على خلاف العادة، وعمّا يستغرب من الأمر نحو أن تقول: «ألا تعجب من فلان؟ يدّعي العظيم، وهو يعيا باليسير، ويزعم أنه شجاع، وهو يفزع من أدنى شيء».
ومما يحسن ذلك فيه ويكثر، الوعد والضّمان، كقول الرجل: «أنا أعطيك، أنا أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر»، وذلك أنّ من شأن من تعده وتضمن له، أن يعترضه الشكّ في تمام الوعد وفي الوفاء به، فهو من أحوج شيء إلى التأكيد.
وكذلك يكثر في المدح، كقولك: «أنت تعطي الجزيل، أنت تقري في المحل، أنت تجود حين لا يجود أحد»، وكما قال: [من الكامل]
ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثمّ لا يفري «١»
وكقول الآخر: [من الرمل] نحن في المشتاة ندعو الجفلى «٢» وذلك أنّ من شأن المادح أن يمنع السامعين من الشكّ فيما يمدح به، ويباعدهم من الشبهة، وكذلك المفتخر.
стр. 92
ويزيدك بيانا أنه إذا كان الفعل مما لا يشكّ فيه ولا ينكر بحال، لم يكد يجيء على هذا الوجه، ولكن يؤتى به غير مبنيّ على اسم، فإذا أخبرت بالخروج مثلا عن رجل من عادته أن يخرج في كل غداة قلت: «قد خرج»، ولم تحتج إلى أن تقول: «هو قد خرج»، وذاك لأنه ليس بشيء يشكّ فيه السامع، فتحتاج أن تحقّقه، وإلى أن تقدّم فيه ذكر المحدّث عنه. وكذلك إذا علم السامع من حال رجل أنه على نيّة الركوب والمضيّ إلى موضع، ولم يكن شكّ وتردّد أنه يركب أو لا يركب، كان خبرك فيه أن تقول: «قد ركب»، ولا تقول: «هو قد ركب». فإن جئت بمثل هذا في صلة كلام، ووضعته بعد واو الحال، حسن حينئذ، وذلك قولك: «جئته وهو قد ركب»، وذاك أن الحكم يتغيّر إذا صارت الجملة في مثل هذا الموضع، ويصير الأمر بمعرض الشّك، وذاك أنه إنما يقول هذا من ظنّ أنّه يصادفه في منزله، وأنّه يصل إليه من قبل أن يركب.
فإن قلت «١»: فإنك قد تقول: «جئته وقد ركب» بهذا المعنى، ومع هذا الشكّ.
فإن الشكّ لا يقوى حينئذ قوته في الوجه الأول، أفلا ترى أنك إذا استبطأت إنسانا فقلت: «أتانا والشمس قد طلعت»، كان ذلك أبلغ في استبطائك له من أن تقول: «أتانا وقد طلعت الشمس»؟ وعكس هذا أنك إذا قلت: «أتى والشمس لم تطلع»، وكان أقوى في وصفك له بالعجلة والمجيء قبل الوقت الذي ظنّ أنه يجيء فيه، من أن تقول: «أتى ولم تطلع الشمس بعد».
هذا، وهو كلام لا يكاد يجيء إلّا نابيا، وإنما الكلام البليغ هو أن تبدأ بالاسم وتبني الفعل عليه كقوله: [من الكامل] قد أغتدي والطّير لم تكلّم فإذا كان الفعل فيما بعد هذه الواو التي يراد بها الحال، مضارعا، لم يصلح إلا مبنيّا على اسم كقولك: «رأيته وهو يكتب»، و «دخلت عليه وهو يملي الحديث»، وكقوله: [من الطويل]
تمزّزتها والدّيك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا
ليس يصلح شيء من ذلك إلا على ما تراه، لو قلت: «رأيته ويكتب» و «دخلت عليه ويملي الحديث»، و «تمززتها ويدعو الديك صباحه»، لم يكن شيئا.
وممّا هو بهذه المنزلة في أنك تجد المعنى لا يستقيم إلا على ما جاء عليه من بناء الفعل على الاسم قوله تعالى: إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى
стр. 93
الصَّالِحِينَ [الأعراف: ١٩٦]، وقوله تعالى: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان: ٥]، وقوله تعالى: وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل: ١٧]، فإنه لا يخفى على من له ذوق أنه لو جيء في ذلك بالفعل غير مبنيّ على الاسم فقيل: «إن وليّي الله الذي نزل الكتاب ويتولّى الصالحين»، و «اكتتبها فتملى عليه»، و «حشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فيوزعون»، لوجد اللفظ قد نبا عن المعنى، والمعنى قد زال عن صورته والحال التي ينبغي أن
يكون عليها.
واعلم أنّ هذا الصنيع يقتضي في الفعل المنفيّ ما اقتضاه في المثبت، فإذا قلت: «أنت لا تحسن هذا»، كان أشدّ لنفي إحسان ذلك عنه من أن تقول: «لا تحسن هذا، ويكون الكلام في الأول مع من هو أشدّ إعجابا بنفسه، وأعرض دعوى في أنه يحسن حتى إنّك لو أتيت ب «أنت» فيما بعد «تحسن» فقلت: «لا تحسن أنت»، لم يكن له تلك القوة.
وكذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ [المؤمنون: ٥٩]، يفيد من التأكيد في نفي الاشتراك عنهم، ما لو قيل: «والذين لا يشركون بربهم، أو:
بربهم لا يشركون» لم يفد ذلك. وكذا قوله تعالى: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس: ٧]، وقوله تعالى: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ [القصص: ٦٦]، وإِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [الأنفال: ٥٥].
ومما يرى تقديم الاسم فيه كاللازم: «مثل»، و «غير»، في نحو قوله: [من السريع]
مثلك يثني الحزن عن صوبه ... ويستردّ الدّمع عن غربه «١»
وقول الناس: «مثلك رعى الحقّ والحرمة»، وكقول الذي قال له الحجاج:
стр. 94
«لأحملنك على الأدهم» «١»، يريد القيد، فقال على سبيل المغالطة: «ومثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب» «٢»، وما أشبه ذلك مما لا يقصد فيه ب «مثل» إلى إنسان سوى الذي أضيف إليه، ولكنهم يعنون أن كلّ من كان مثله في الحال والصفة، كان من مقتضى القياس وموجب العرف والعادة أن يفعل ما ذكر، أو أن لا يفعل. ومن أجل أن كان المعنى كذلك قال: [من السريع]
ولم أقل مثلك، أعني به ... سواك، يا فردا بلا مشبه «٣»
وكذلك حكم «غير» إذا سلك به هذا المسلك فقيل: «غيري يفعل ذاك»، على معنى أني لا أفعله، لا أن يومئ ب «غير» إلى إنسان فيخبر عنه بأن يفعل، كما قال: [من البسيط] غيري بأكثر هذا النّاس ينخدع «٤» وذاك أنه معلوم أنه لم يرد أن يعرّض بواحد كان هناك فيستنقصه ويصفه بأنه مضعوف يغرّ ويخدع، بل لم يرد إلا أن يقول: إني لست ممن ينخدع ويغترّ. وكذلك لم يرد أبو تمام بقوله: [من الوافر]
وغيري يأكل المعروف سحتا ... وتشحب عنده بيض الأيادي «٥»
стр. 95
أن يعرّض مثلا بشاعر سواه، فيزعم أنّ الذي قرف به عند الممدوح من أنه هجاه، كان من ذلك الشاعر لا منه. هذا محال، بل ليس إلّا أنّه نفى عن نفسه أن يكون ممن يكفر
النّعمة ويلؤم.
واستعمال «مثل» و «غير» على هذا السبيل شيء مركوز في الطباع، وهو جار في عادة كل قوم. فأنت الآن إذا تصفّحت الكلام وجدت هذين الاسمين يقدّمان أبدا على الفعل إذا نحي بهما هذا النّحو الذي ذكرت لك، وترى هذا المعنى لا يستقيم فيهما إذا لم يقدّما. أفلا ترى أنك لو قلت: «يثني الحزن عن صوبه مثلك»، و «رعى الحق والحرمة مثلك»، و «يحمل على الأدهم والأشهب مثل الأمير»، و «ينخدع غيري بأكثر هذا الناس»، و «يأكل غيري المعروف سحتا»، رأيت كلاما مقلوبا عن جهته، ومغيّرا عن صورته، ورأيت اللّفظ قد نبا عن معناه، ورأيت الطبع يأبى أن يرضاه.
واعلم أنّ معك دستورا لك فيه، إن تأمّلت، غنى عن كل سواه، وهو أنه لا يجوز أن يكون لنظم الكلام وترتيب أجزائه في «الاستفهام» معنى لا يكون له ذلك المعنى في «الخبر». وذاك أن «الاستفهام»، استخبار، والاستخبار هو طلب من المخاطب أن يخبرك. فإذا كان كذلك، كان محالا أن يفترق الحال بين تقديم الاسم وتأخيره في «الاستفهام»، فيكون المعنى إذا قلت: «أزيد قام؟» غيره إذا قلت: «أقام زيد؟»، ثم لا يكون هذا الافتراق في الخبر، ويكون قولك: «زيد قام» و «قام زيد» سواء، ذاك لأنه يؤدي إلى أن تستعلمه أمرا لا سبيل فيه إلى جواب، وأن تستثبته المعنى على وجه ليس عنده عبارة يثبته لك بها على ذلك الوجه.
وجملة الأمر، أن المعنى في إدخالك «حرف الاستفهام» على الجملة من الكلام، هو أنك تطلب أن يقفك في معنى تلك الجملة ومؤدّاها على إثبات أو نفي.
فإذا قلت: «أزيد منطلق؟»، فأنت تطلب أن يقول لك: «نعم، هو منطلق» أو يقول:
«لا، ما هو منطلق». وإذا كان ذلك كذلك، كان محالا أن تكون الجملة إذا دخلتها همزة الاستفهام استخبارا عن المعنى على وجه، لا تكون هي- إذا نزعت منها الهمزة «١» - إخبارا به على ذلك الوجه، فاعرفه.
стр. 96
فصل «هذا كلام في النّكرة إذا قدّمت على الفعل، أو قدّم الفعل عليها»
إذا قلت: «أجاءك رجل؟»، فأنت تريد أن تسأله هل كان مجيء من واحد من الرجال إليه، فإن قدمت الاسم فقلت: «أرجل جاءك؟»، فأنت تسأله عن جنس من جاءه، أرجل هو أم امرأة؟ ويكون هذا منك إذا كنت علمت أنه قد أتاه آت، ولكنك لم تعلم جنس ذلك الآتي، فسبيلك في ذلك سبيلك إذا أردت أن تعرف عين الآتي فقلت: «أزيد جاءك أم عمرو؟».
ولا يجوز تقديم الاسم في المسألة الأولى، لأن تقديم الاسم يكون إذا كان السؤال عن الفاعل، والسؤال عن الفاعل يكون إمّا عن عينه أو عن جنسه، ولا ثالث.
وإذا كان كذلك، كان محالا أن تقدّم الاسم النكرة وأنت لا تريد السؤال عن الجنس، لأنه لا يكون لسؤالك حينئذ متعلّق، من حيث لا يبقى بعد الجنس إلّا العين.
والنّكرة لا تدلّ على عين شيء فيسأل بها عنه.
فإن قلت: «أرجل طويل جاءك أم قصير؟»، كان السؤال عن أن الجائي كان، من جنس طوال الرجال أم قصارهم؟ فإن وصفت النكرة بالجملة فقلت: «أرجل كنت عرفته من قبل أعطاك هذا أم رجل لم تعرفه»، كان السؤال عن المعطي، أكان ممّن عرفه قبل، أم كان إنسانا لم تتقدّم منه معرفة [له].
وإذ قد عرفت الحكم في الابتداء بالنكرة في «الاستفهام»، فابن «الخبر» عليه.
فإذا قلت: «رجل جاءني»: لم يصلح حتى تريد أن تعلمه أن الذي جاءك رجل لا امرأة، ويكون كلامك مع من قد عرف أن قد أتاك آت. فإن لم ترد ذاك، كان الواجب أن تقول: «جاءني رجل»، فتقدّم الفعل.
وكذلك إن قلت: «رجل طويل جاءني»، لم يستقم حتّى يكون السامع قد ظنّ أنه قد أتاك قصير، أو نزّلته منزلة من ظنّ ذلك.
وقولهم: «شرّ أهرّ ذا ناب» «١»، إنما قدّم فيه «شرّ»، لأن المراد أن يعلم أن الذي أهرّ ذا الناب هو من جنس الشّرّ لا جنس الخير، فجرى مجرى أن تقول: «رجل
стр. 97
جاءني»، تريد أن رجل لا امرأة، وقول العلماء إنه إنما يصلح «١»، لأنه بمعنى «ما أهرّ ذا ناب إلّا شرّ».
بيان لذلك: ألا ترى أنك لا تقول: «ما أتاني إلّا رجل»، إلا حيث يتوهّم السامع أنه قد أتتك امرأة، وذاك لأنّ الخبر ينقض النّفي يكون حيث يراد أن يقصر الفعل على شيء، وينفى عمّا عداه. فإذا قلت: «ما جاءني إلّا زيد»، كان المعنى أنك قد قصرت المجيء على زيد، ونفيته عن كل من عداه. وإنّما يتصوّر قصر الفعل على معلوم، ومتى لم يرد بالنكرة الجنس، لم يقف منها السامع على معلوم، حتى تزعم أني أقصر له الفعل عليه، وأخبره أنه كان منه دون غيره.
واعلم أنّا لم نرد بما قلناه، من أنه إنما حسن الابتداء بالنكرة في قولهم: «شرّ أهرّ ذا ناب»، لأنه أريد به الجنس، أنّ معنى «شرّ» و «الشرّ» سواء، وإنما أردنا أن الغرض من الكلام أن نبيّن أنّ الذي أهرّ ذا الناب هو من جنس الشر لا جنس الخير، كما أنا إذا قلنا في قولهم: «أرجل أتاك أم امرأة؟»، أن السؤال عن الجنس، لم نرد بذلك أنه بمنزلة أن يقال: «الرّجل أم المرأة أتاك»، ولكنّا نعني أن المعنى على أنك سألت عن الآتي أهو من جنس الرجال أم جنس النساء؟ فالنكرة إذن على أصلها من كونها لواحد من الجنس، إلا أنّ القصد منك لم يقع إلى كونه واحدا، وإنما وقع إلى كونه من جنس الرجال.
وعكس هذا أنك إذا قلت: «أرجل أتاك أم رجلان؟»، كان القصد منك إلى كونه واحدا، دون كونه رجلا، فاعرف ذلك أصلا، وهو أنّه قد يكون في اللفظ دليل على أمرين، ثم يقع القصد إلى أحدهما دون الآخر، فيصير ذلك الآخر- بأن لم يدخل في القصد- كأنه لم يدخل في دلالة اللفظ.
وإذا اعتبرت ما قدّمته من قول صاحب الكتاب: «إنّما قلت: «عبد الله» فنبهته له، ثم بنيت عليه الفعل» «٢»، وجدته يطابق هذا. وذاك أنّ التنبيه لا يكون إلّا على معلوم، كما أن قصر الفعل لا يكون إلا على معلوم، فإذا بدأت بالنكرة فقلت:
«رجل»، وأنت لا تقصد بها الجنس، وأن تعلم السامع أنّ الذي أردت بالحديث رجل لا امرأة، كان محالا أن تقول: «إني قدّمته لأنبّه المخاطب له»، لأنه يخرج بك إلى أن تقول: إنّي أردت أن أنبه السّامع لشيء لا يعلمه في جملة ولا تفصيل. وذلك ما لا يشكّ في استحالته، فاعرفه.
стр. 98
القول في الحذف
هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسّحر، فإنك ترى به ترك الذّكر، أفصح من الذكر، والصّمت عن الإفادة، أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتمّ ما تكون بيانا إذا لم تبن.
وهذه جملة قد تنكرها حتى تخبر، وتدفعها حتى تنظر، وأنا أكتب لك بديئا أمثلة مما عرض فيه الحذف، ثم أنبهك على صحّة ما أشرت إليه، وأقيم الحجّة من ذلك عليه. أنشد صاحب الكتاب: [من البسيط]
اعتاد قلبك من ليلى عوائده ... وهاج أهواءك المكنونة الطلل
ربع قواء أذاع المعصرات به ... وكلّ حيران سار ماؤه خضل «١»
قال: أراد، «ذاك ربع قواء أو هو ربع». قال: ومثله قول الآخر: [من البسيط]
هل تعرف اليوم رسم الدّار والطّللا ... كما عرفت بجفن الصّيقل الخللا
دار لمروة إذ أهلي وأهلهم ... بالكانسيّة نرعى اللهو والغزلا «٢»
كأنه قال: تلك دار. قال شيخنا «٣» ﵀: ولم يحمل البيت الأول على أن «الرّبع» بدل من «الطّلل»، لأن الرّبع أكثر من الطّلل، والشيء يبدل مما هو مثله أو أكثر منه، فأما الشيء من أقلّ منه ففاسد لا يتصوّر. وهذه طريقة مستمرّة لهم إذا ذكروا الديار والمنازل.
وكما يضمرون المبتدأ فيرفعون، فقد يضمرون الفعل فينصبون، كبيت الكتاب أيضا: [من البسيط]
стр. 99
ديار ميّة إذ ميّ تساعفنا ... ولا يرى مثلها عجم ولا عرب «١»
أنشده بنصب «ديار»، على إضمار فعل، كأنه قال: اذكر ديار ميّة.
ومن المواضع التي يطّرد فيها حذف المبتدأ، «القطع والاستئناف»، ويبدءون بذكر الرجل، ويقدّمون بعض أمره، ثم يدعون الكلام الأول، ويستأنفون كلاما آخر.
وإذا فعلوا ذلك، أتوا في أكثر الأمر بخبر من غير مبتدأ مثال ذلك قوله: [من مجزوء الكامل]
وعلمت أني يوم ذا ... ك منازل كعبا ونهدا
قوم إذا لبسوا الحدي ... د تنمّروا حلقا وقدّا «٢»
وقوله: [من الوافر]
هم حلّوا من الشّرف المعلّى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا
بناة مكارم وأساة كلم ... دماؤهم من الكلب الشّفاء «٣»
وقوله: [من الطويل]
رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالي أسرّ كما جهر
غلام رماه الله بالخير مقبلا ... له سيمياء لا تشقّ على البصر «٤»
وقوله: [من الطويل]
стр. 100
إذا ذكر ابنا العنبريّة لم تضق ... ذراعي، وألقى باسته من أفاخر
هلالان، حمّالان في كلّ شتوة ... من الثقل ما لا تستطيع الأباعر «١»
«حمّالان»، خبر ثان، وليس بصفة، كما يكون لو قلت مثلا: «رجلان حمّالان».
وممّا اعتيد فيه أن يجيء خبرا قد بني على مبتدأ محذوف، قولهم بعد أن يذكروا الرجل: «فتى من صفته كذا»، و «أغرّ من صفته كيت وكيت».
كقوله: [من الطويل]
ألا لا فتى بعد ابن ناشرة الفتى ... ولا عرف إلا قد تولّى وأدبرا
فتى حنظليّ ما تزال ركابه ... تجرد بمعروف وتنكر منكرا «٢»
وقوله: [من الطويل]
سأشكر عمرا إن تراخت منيّتي ... أيادي لم تمنن، وإن هي جلّت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه، ... ولا مظهر الشّكوى إذا النّعل زلّت «٣»
ومن ذلك قول جميل: [من البسيط]
وهل بثينة، يا للناس، قاضيتي ... ديني؟ وفاعلة خيرا فأجزيها؟
ترنو بعيني مهاة أقصدت بهما ... قلبي عشيّة ترميني وأرميها
هيفاء مقبلة، عجزاء مدبرة، ... ريّا العظام، بلا عيب يرى فيها
من الأوانس مكسال، مبتّلة ... خود، غذاها بلين العيش غاذيها «٤»
стр. 101
وقوله أيضا: [من الكامل]
إنّي عشيّة رحت وهي حزينة ... تشكو إليّ صبابة لصبور
وتقول: بت عندي، فديتك، ليلة ... أشكو إليك، فإنّ ذاك يسير
غرّاء مبسام، كأنّ حديثها ... درّ تحدّر نظمه منثور
محطوطة المتنين، مضمرة الحشا، ... ريّا الرّوادف، خلقها ممكور «١»
وقول الأقيشر «٢» في ابن عمّ له موسر، سأله فمنعه وقال: كم أعطيك ما لي وأنت تنفقه فيما لا يغنيك؟ والله لا أعطيتك. فتركه حتى اجتمع القوم في ناديهم وهو فيهم، فشكاه إلى القوم وذمّه، فوثب إليه ابن عمه فلطمه، فأنشأ يقول: [من الطويل]
سريع إلى ابن العمّ يلطم وجهه، ... وليس إلى داعي النّدى بسريع
حريص على الدّنيا، مضيع لدينه، ... وليس لما في بيته بمضيع «٣»
فتأمّل الآن هذه الأبيات كلّها، واستقرها واحدا واحدا، وانظر إلى موقعها في نفسك، وإلى ما تجده من اللّطف والظّرف إذا أنت مررت بموضع الحذف منها، ثم فليت النّفس عمّا تجد، وألطفت النظر فيما تحسّ به. ثم تكلّف أن تردّ ما حذف الشاعر، وأن تخرجه إلى لفظك، وتوقعه في سمعك، فإنك تعلم أن الذي قلت كما قلت، وأن ربّ حذف هو قلادة الجيد، وقاعدة التّجويد، وإن أردت ما هو أصدق في ذلك شهادة، وأدلّ دلالة، فانظر إلى قول عبد الله بن الزّبير يذكر غريما له قد ألحّ عليه: [من الطويل]
عرضت على زيد ليأخذ بعض ما ... يحاوله قبل اعتراض الشّواغل
فدبّ دبيب البغل يألم ظهره ... وقال: تعلّم، إنّني غير فاعل
تثاءب حتّى قلت: داسع نفسه ... وأخرج أنيابا له كالمعاول «٤»
стр. 102
الأصل: حتى قلت: «هو داسع نفسه»، أي حسبته من شدة التثاؤب، ومما به من الجهد، يقذف نفسه من جوفه، ويخرجها من صدره، كما يدسع البعير جرّته «١».
ثم إنّك ترى نصبة الكلام وهيئته تروم منك أن تنسى هذا المبتدأ، وتباعده عن وهمك، وتجتهد أن لا يدور في خلدك، ولا يعرض لخاطرك، وتراك كأنك تتوقّاه توقّي الشيء تكره مكانه، والثقيل تخشى هجومه.
ومن لطيف الحذف قول بكر بن النّطّاح: [من السريع]
العين تبدي الحبّ والبغضا ... وتظهر الإبرام والنّقضا
درّة، ما أنصفتني في الهوى، ... ولا رحمت الجسد المنضى
غضبى، ولا والله يا أهلها، ... لا أطعم البارد أو ترضى «٢»
يقوله في جارية كان يحبّها، وسعي به إلى أهلها فمنعوها منه. والمقصود قوله «غضبى»، وذلك أن التقدير «هي غضبى» أو «غضبى هي» لا محالة، ألا ترى أنّك ترى النّفس كيف تتفادى من إظهار هذا المحذوف، وكيف تأنس إلى إضماره؟ وترى الملاحة كيف تذهب إن أنت رمت التكلم به؟
ومن جيد الأمثلة في هذا الباب قول الآخر، يخاطب امرأته وقد لامته على الجود: [من الكامل]
قالت سميّة: قد غويت، بأن رأت ... حقّا تناوب ما لنا ووفود
غيّ لعمرك لا أزال أعوده ... ما دام مال عندنا «موجود»
المعنى: «ذاك غيّ لا أزال أعود إليه، فدعي عنك لومي».
وإذ عرفت هذه الجملة من حال الحذف في المبتدأ، فاعلم أن ذلك سبيله في كل شيء، فما من اسم أو فعل تجده قد حذف، ثمّ أصيب به موضعه، وحذف في الحال ينبغي أن يحذف فيها، إلّا وأنت تجد حذفه هناك أحسن من ذكره، وترى إضماره في النفس أولى وآنس من النّطق به.
стр. 103
وإذ قد بدأنا في الحذف بذكر المبتدأ، وهو حذف اسم، إذ لا يكون المبتدأ إلّا اسما، فإني أتبع ذلك ذكر المفعول به إذا حذف خصوصا، فإنّ الحاجة إليه أمسّ، وهو بما نحن بصدده أخصّ، واللطائف كأنها فيه أكثر، وممّا يظهر بسببه من الحسن والرونق أعجب وأظهر.
وهاهنا أصل يجب ضبطه، وهو أن حال الفعل مع المفعول الذي يتعدّى إليه، حاله مع الفاعل. فكما أنك إذا قلت: «ضرب زيد»، فأسندت الفعل إلى الفاعل، كان غرضك من ذلك أن تثبت الضرب فعلا له، لا أن تفيد وجوب الضرب في نفسه وعلى الإطلاق. كذلك، إذا عدّيت الفعل إلى المفعول فقلت: «ضرب زيد عمرا»، كان غرضك أن تفيد التباس الضّرب الواقع من الأول بالثاني ووقوعه عليه، فقد اجتمع الفاعل والمفعول في أنّ عمل الفعل فيهما إنما كان من أجل أن يعلم التباس المعنى الذي اشتقّ منه بهما، فعمل الرفع في الفاعل، ليعلم التباس الضرب به من جهة وقوعه منه، والنّصب في المفعول، ليعلم التباسه به من جهة وقوعه عليه. ولم يكن ذلك ليعلم وقوع الضرب في نفسه، بل إذا أريد الإخبار بوقوع الضّرب ووجوده في الجملة من غير أن ينسب إلى فاعل أو مفعول، أو يتعرّض لبيان ذلك، فالعبارة فيه أن يقال:
«كان ضرب» أو «وقع ضرب» أو «وجد ضرب» وما شاكل ذلك من ألفاظ تفيد الوجود المجرّد في الشيء.
وإذ قد عرفت هذه الجملة، فاعلم أنّ أغراض الناس تختلف في ذكر الأفعال المتعدّية، فهم يذكرونها تارة ومرادهم أن يقتصروا على إثبات المعاني التي اشتقّت منها للفاعلين، من غير أن يتعرّضوا لذكر المفعولين. فإذا كان الأمر كذلك، كان الفعل المتعدّي كغير المتعدّي مثلا، في أنك لا ترى له مفعولا لا لفظا ولا تقديرا.
ومثال ذلك قول الناس: «فلان يحلّ ويعقد، ويأمر وينهى، ويضرّ وينفع»، وكقولهم: «هو يعطي ويجزل، ويقري ويضيف»، المعنى في جميع ذلك على إثبات المعنى في نفسه للشيء على الإطلاق وعلى الجملة، من غير أن يتعرّض لحديث المفعول، حتى كأنك قلت: «صار إليه الحل والعقد، وصار بحيث يكون منه حل وعقد، وأمر ونهي، وضرّ ونفع»، وعلى هذا القياس.
وعلى ذلك قوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩]، المعنى: هل يستوي من له علم ومن لا علم له؟ من غير أن يقصد النصّ على معلوم. وكذلك قوله تعالى هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [غافر: ٦٨]، وقوله
стр. 104
تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى. وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا [القمر: ٤٣ - ٤٤]، وقوله وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى [القمر: ٤٨]، المعنى هو الذي منه الإحياء والإماتة والإغناء والإقناء. وهكذا كلّ موضع كان القصد فيه أن تثبت المعنى في نفسه فعلا للشيء، وأن تخبر بأنّ من شأنه أن يكون منه، أو لا يكون إلّا منه، أو لا يكون منه، فإن الفعل لا يعدّى هناك، لأن تعديته تنقض الغرض وتغيّر المعنى. ألا ترى أنك إذا قلت: «هو يعطي الدنانير»، كان المعنى على أنك قصدت أن تعلم السّامع أن الدنانير تدخل في عطائه، أو أنه يعطيها خصوصا دون غيرها، وكان غرضك على الجملة بيان جنس ما تناوله الإعطاء، لا الإعطاء في نفسه، ولم يكن كلامك مع من نفى أن يكون كان منه إعطاء بوجه من الوجوه بل مع من أثبت له إعطاء، إلا أنه لم يثبت إعطاء الدّنانير. فاعرف ذلك، فإنّه أصل كبير عظيم النفع.
فهذا قسم من خلوّ الفعل عن المفعول، وهو أن لا يكون له مفعول يمكن النّصّ عليه.
وقسم ثان: وهو أن يكون له مفعول مقصود قصده معلوم، إلّا أنه يحذف من اللفظ لدليل الحال عليه. وينقسم إلى جليّ لا صنعة فيه، وخفيّ تدخله الصنعة.
فمثال الجليّ قولهم: «أصغيت إليه»، وهم يريدون «أذني»، و «أغضيت عليه»، والمعنى «جفني».
وأما الخفيّ الذى تدخله الصّنعة فيتفنّن ويتنوّع.
فنوع منه، أن تذكر الفعل وفي نفسك له مفعول مخصوص قد علم مكانه، إما لجري ذكر، أو دليل حال، إلا أنك تنسيه نفسك وتخفيه، وتوهم أنك لم تذكر ذلك الفعل إلا لأن تثبت نفس معناه، من غير إن تعدّيه إلى شيء أو تعرّض فيه لمفعول.
ومثاله قول البحتري: [من الخفيف]
شجو حسّاده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واع «١»
المعني، لا محالة: أن يرى مبصر محاسنه، ويسمع واع أخباره وأوصافه، ولكنّك تعلم على ذلك أنه كأنّه يسرق علم ذلك من نفسه، ويدفع صورته عن وهمه،
стр. 105
ليحصل له معنى شريف وغرض خاصّ. وذاك أنه يمدح خليفة، وهو المعتزّ، ويعرّض بخليفة وهو المستعين، فأراد أن يقول: إن محاسن المعتز وفضائله، المحاسن والفضائل يكفي فيها أن يقع عليها بصر ويعيها سمع حتّى يعلم أنه المستحق للخلافة، والفرد الوحيد الذي ليس لأحد أن ينازعه مرتبتها، فأنت ترى حسّاده وليس شيء
أشجى لهم وأغيظ، من علمهم بأن هاهنا مبصرا يرى وسامعا يعي، حتى ليتمنّون أن لا يكون في الدنيا من له عين يبصر بها، وأذن يعي معها، كي يخفى مكان استحقاقه لشرف الإمامة، فيجدوا بذلك سبيلا إلى منازعته إيّاها.
وهذا نوع آخر منه، وهو أن يكون معك مفعول معلوم مقصود قصده، قد علم أنه ليس للفعل الذي ذكرت مفعول سواه، بدليل الحال أو ما سبق من الكلام، إلا أنك تطرحه وتتناساه وتدعه يلزم ضمير النفس، لغرض غير الذي مضى. وذلك الغرض أن تتوفّر العناية على إثبات الفعل للفاعل، وتخلص له، وتنصرف بجملتها وكما هي إليه.
ومثاله قول عمرو بن معد يكرب: [من الطويل]
فلو أنّ قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكنّ الرّماح أجرّت «١»
«أجرّت» فعل متعدّ، ومعلوم أنه لو عدّاه لما عدّاه إلّا إلى ضمير المتكلم نحو:
«ولكن الرّماح أجرّتني»، وأنه لا يتصوّر أن يكون هاهنا شيء آخر يتعدّى إليه، لاستحالة أن يقول: «فلو أن قومي أنطقتني رماحهم»، ثم يقول: «ولكن الرماح أجرّت غيري»، إلا أنك تجد المعنى يلزمك أن لا تنطق بهذا المفعول ولا تخرجه إلى لفظك. والسبب في ذلك أن تعديتك له توهم ما هو خلاف الغرض، وذلك أن الغرض هو أن يثبت أنه كان من الرماح إجرار وحبس للألسن عن النطق، وأن يصحّح وجود ذلك. ولو قال: «أجرّتني»، وجاز أن يتوهم أنه لم يعن بأن يثبت للرماح إجرارا، بل الذي عناه أن يبيّن أنها أجرته. فقد يذكر الفعل كثيرا والغرض منه ذكر المفعول، مثاله أنك تقول: «أضربت زيدا؟» وأنت لا تنكر أن يكون كان من المخاطب ضرب، وإنّما تنكر أن يكون وقع الضرب منه على زيد، وأن يستجيز ذلك أو يستطيعه. فلما كان في تعدية «أجرّت» ما يوهم ذلك، وقف فلم يعدّ البتة، ولم ينطق بالمفعول، لتخلص العناية لإثبات الإجرار للرّماح وتصحيح أنه كان منها، وتسلم بكليتها لذلك.
стр. 106
ومثله قول جرير: [من الطويل]
أمنّيت المنى وخلبت حتّى ... تركت ضمير قلبي مستهاما «١»
الغرض أن يثبت أنه كان منها تمنية وخلابة، وأن يقول لها: أهكذا تصنعين؟
وهذه حيلتك في فتنة الناس؟
ومن بارع ذلك ونادره، ما تجده في هذه الأبيات. روى المرزبانيّ في «كتاب الشعر» بإسناد، قال: لما تشاغل أبو بكر الصديق ﵁ بأهل الرّدة، استبطأته الأنصار فكلّموه، فقال: إمّا كلّفتموني أخلاق رسول الله ﷺ ، فو الله ما ذاك عندي ولا عند أحد من الناس، ولكنّي والله ما أوتى من مودّة لكم ولا حسن رأي فيكم، وكيف لا نحبّكم؟ فو الله ما وجدت مثلا لنا ولكم إلّا ما قال طفيل الغنويّ لبني جعفر ابن كلاب: [من الطويل]
جزى الله عنّا جعفرا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلّت
أبوا أن يملّونا، ولو أنّ أمّنا ... تلاقي الّذي لاقوه منّا لملّت
هم خلطونا بالنّفوس وألجئوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلّت «٢»
فيها حذف مفعول مقصود قصده في أربعة مواضع قوله: «لملّت»، و «ألجئوا» و «أدفأت» و «أظلّت»، لأن الأصل: «لملّتنا» و «ألجئونا إلى حجرات أدفأتنا وأظلّتنا»، إلّا أنّ الحال على ما ذكرت لك، من أنه في حدّ المتناسى، حتى كأن لا قصد إلى مفعول، وكأن الفعل قد أبهم أمره فلم يقصد به قصد شيء يقع عليه، كما يكون إذا قلت: «قد ملّ فلان»، تريد أن تقول: قد دخله الملال، من غير أن تخصّ شيئا، بل لا تزيد على أن تجعل الملال من صفته، وكما تقول: «هذا بيت يدفئ ويظلّ»، تريد أنه بهذه الصفة.
واعلم أن لك في قوله: «أجرّت»، و «لملّت»، فائدة أخرى زائدة على ما ذكرت من توفير العناية على إثبات الفعل، وهي أن تقول: كان من سوء بلاء القوم ومن تكذيبهم عن القتال «٣» ما يجرّ مثله، وما القضية فيه أنه لا يتّفق على قوم إلّا خرس شاعرهم فلم يستطع نطقا، وتعديتك الفعل تمنع من هذا المعنى، لأنك إذا قلت:
стр. 107
«ولكن الرماح أجرتني»، لم يمكن أن يتأوّل على معنى أنه كان منها ما شأن مثله أن يجرّ، قضية مستمرة في كل شاعر قوم، بل قد يجوز أن يوجد مثله في قوم آخرين فلا يجرّ شاعرهم. ونظيره أنك تقول: «قد كان منك ما يؤلم»، تريد ما الشّرط في مثله أن يؤلم كل أحد وكلّ إنسان. ولو قلت: «ما يؤلمني» لم يفد ذلك، لأنه قد يجوز أن يؤلمك الشيء لا يؤلم غيرك.
وهكذا قوله: «ولو أنّ أمّنا تلاقي الذي لاقوه منا لملّت»، يتضمن أنّ من حكم مثله في كل أمّ أن تملّ وتسأم، وأن المشقة في ذلك إلى حدّ يعلم أن الأمّ تملّ له الابن وتتبرّم به،
مع ما في طباع الأمّهات من الصبر على المكاره في مصالح الأولاد.
وذلك أنه وإن قال: «أمّنا»، فإن المعنى على أن ذلك حكم كلّ أمّ مع أولادها. ولو قلت: «لملّتنا»، لم يحتمل ذلك، لأنه يجري مجرى أن تقول: «لو لقيت أمّنا ذلك لدخلها ما يملّها منا»، وإذا قلت «ما يملها منا» فقيّدت، لم يصلح لأن يراد به معنى العموم وأنّه بحيث يملّ كلّ أمّ من كل ابن.
وكذلك قوله: «إلى حجرات أدفأت وأظلّت»، لأن فيه معنى قولك: «حجرات من شأن مثلها أن تدفئ وتظلّ»، أي: هي بالصفة التي إذا كان البيت عليها أدفأ وأظلّ. ولا يجيء هذا المعنى مع إظهار المفعول؛ إذ لا تقول: «حجرات من شأن مثلها أن تدفئنا وتظلنا»، هذا لغو من الكلام.
فاعرف هذه النّكتة، فإنك تجدها في كثير من هذا الفنّ مضمومة إلى المعنى الآخر، الذي هو توفير العناية على إثبات الفعل، والدلالة على أنّ القصد من ذكر الفعل أن تثبته لفاعله، لا أن تعلم التباسه بمفعوله.
وإن أردت أن تزداد تبيّنا لهذا الأصل، أعني وجوب أن تسقط المفعول لتتوفّر العناية على إثبات الفعل لفاعله ولا يدخلها شوب، فانظر إلى قوله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ. فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ [القصص: ٢٣ - ٢٤]، ففيها حذف مفعول في أربعة مواضع، إذ المعنى:
«وجد عليه أمة من الناس يسقون» أغنامهم أو مواشيهم، و «امرأتين تذودان» غنمهما و «قالتا لا نسقي» غنمنا، «فسقى لهما» غنمهما.
ثمّ إنه لا يخفى على ذي بصر أنه ليس في ذلك كلّه إلا أن يترك ذكره ويؤتى
стр. 108
بالفعل مطلقا، وما ذاك إلّا أن الغرض في أن يعلم أنه كان من الناس في تلك الحال سقي، ومن المرأتين ذود، وأنهما قالتا: لا يكون منّا سقي حتى يصدر الرعاء، وأنه كان من موسى ﵇ من بعد ذلك سقي. فأمّا ما كان المسقيّ؟ أغنما أم إبلا أم غير ذلك، فخارج عن الغرض، وموهم خلافه. وذاك أنه لو قيل: «وجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما»، جاز أن يكون لم ينكر الذّود من حيث هو ذود، بل من حيث هو ذود غنم، حتى لو كان مكان الغنم إبل لم ينكر الذّود، كما أنك إذا قلت:
«مالك تمنع أخاك؟»، كنت منكرا المنع، لا من حيث هو منع، بل من حيث هو منع أخ، فاعرفه تعلم أنك لم تجد لحذف المفعول في هذا النحو من الرّوعة والحسن ما وجدت، إلّا لأن في حذفه وترك ذكره فائدة جليلة، وأن الغرض لا يصحّ إلّا على تركه.
وممّا هو كأنه نوع آخر غير ما مضى، قول البحتري: [من الطويل]
إذا بعدت أبلت، وإن قربت شفت، ... فهجرانها يبلي، ولقيانها يشفي «١»
قد علم أن المعنى: إذا بعدت عني أبلتني، وإن قربت مني شفتني إلا أنك تجد الشعر يأبى ذكر ذلك، ويوجب اطّراحه. وذاك لأنه أرد أن يجعل البلى كأنه واجب في بعادها أن يوجبه ويجلبه، كأنه كالطبيعة فيه، وكذلك حال الشّفاء مع القرب، حتى كأنّه قال: أتدري ما بعادها؟ هو الداء المضني، وما قربها؟ هو الشفاء والبرء من كل داء. ولا سبيل لك إلى هذه اللطيفة وهذه النكتة، إلا بحذف المفعول البتّة، فاعرفه.
وليس لنتائج هذا الحذف، أعني حذف المفعول، نهاية، فإنه طريق إلى ضروب من الصنعة، وإلى لطائف لا تحصى.
وهذا نوع منه آخر: اعلم أن هاهنا بابا من الإضمار والحذف يسمى «الإضمار على شريطة التفسير»، وذلك مثل قولهم: «أكرمني وأكرمت عبد الله»، أردت:
«أكرمني عبد الله وأكرمت عبد الله»، ثم تركت ذكره في الأول استغناء بذكره في الثاني. فهذا طريق معروف ومذهب ظاهر، وشيء لا يعبأ به، ويظنّ أنه ليس فيه أكثر مما تريك الأمثلة المذكورة منه. وفيه- إذا أنت طلبت الشيء من معدنه- من دقيق الصّنعة ومن جليل الفائدة، ما لا تجده إلا في كلام الفحول.
стр. 109
فمن لطيف ذلك ونادره قول البحتري: [من الكامل]
لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما، ولم تهدم مآثر خالد «١»
الأصل لا محالة: لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها، ثم حذف ذلك من الأوّل استغناء بدلالته في الثاني عليه، ثمّ هو على ما تراه وتعلمه من الحسن والغرابة، وهو على ما ذكرت لك من أن الواجب في حكم البلاغة أن لا ينطق بالمحذوف ولا يظهر إلى اللفظ. فليس يخفى أنك لو رجعت فيه إلى ما هو أصله فقلت: «لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها»، صرت إلى كلام غثّ، وإلى شيء يمجّه السمع، وتعافه النفس. وذلك أن في البيان، إذا ورد بعد الإبهام وبعد التحريك له، أبدا لطفا ونبلا لا يكون إذا لم يتقدّم ما يحرّك.
وأنت إذا قلت: «لو شئت»، علم السّامع أنك قد علّقت هذه المشيئة في المعنى بشيء، فهو يضع في نفسه أنّ هاهنا شيئا تقتضي مشيئته له أن يكون أو أن لا يكون. فإذا قلت: «لم
تفسد سماحة حاتم»، عرف ذلك الشيء، ومجيء «المشيئة» بعد «لو» وبعد حروف الجزاء هكذا موقوفة غير معدّاة إلى شيء، كثير شائع، كقوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى [الأنعام: ٣٥]، ووَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [النحل: ٩]، والتقدير في ذلك كله على ما ذكرت. فالأصل: لو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم، ولو شاء أن يهديكم أجمعين لهداكم، إلا أن البلاغة في أن يجاء به كذلك محذوفا.
وقد يتفق في بعضه أن يكون إظهار المفعول هو الأحسن، وذلك نحو قول الشاعر: [من الطويل]
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه، ولكن ساحة البصر أوسع «٢»
فقياس هذا لو كان على حدّ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى [الأنعام:
٣٥] أن يقول: «لو شئت بكيت دما»، ولكنه كأنه ترك تلك الطريقة وعدل إلى
стр. 110
هذه، لأنها أحسن في هذا الكلام خصوصا. وسبب حسنه أنه كأنه بدع عجيب أن يشاء الإنسان أن يبكي دما. فلما كان كذلك، كان الأولى أن يصرّح بذكره ليقرّره في نفس السامع ويؤنسه به.
وإذا استقريت وجدت الأمر كذلك أبدا متى كان مفعول «المشيئة» أمرا عظيما، أو بديعا غريبا، كان الأحسن أن يذكر ولا يذكر ولا يضمر. يقول الرجل بخبر عن عزّة: «لو شئت أن أردّ على الأمير رددت» و «لو شئت أن ألقى الخليفة كلّ يوم لقيت». فإذا لم يكن مما يكبره السامع، فالحذف كقولك: «لو شئت خرجت»، و «لو شئت قمت»، و «لو شئت أنصفت»، و «لو شئت لقلت»، وفي التنزيل: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال: ٣١]، وكذا تقول: «لو شئت كنت كزيد»، قال:
[من البسيط]
لو شئت كنت ككرز في عبادته ... أو كابن طارق حول البيت والحرم «١»
وكذلك الحكم في غيره من حروف المجازاة أن تقول: «إن شئت قلت» و «إن أردت دفعت»، قال الله تعالى فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ [الشورى: ٢٤]، وقال عزّ اسمه: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام: ٣٩]، ونظائر ذلك من الآي، ترى الحذف فيها المستمرّ.
ومما يعلم أن ليس فيه لغير الحذف وجه قول طرفه: [من الطويل]
وإن شئت لم ترقل، وإن شئت أرقلت ... مخافة ملويّ من القّدّ محصد «٢»
وقول حميد: [من الطويل]