← Баляга

Баляга · id 37697

دلائل الإعجاز ت هنداوي

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (360 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

[تنبيه] بسم الله الرّحمن الرّحيم قد أردنا أن نستأنف تقريرا نزيد به النّاس تبصيرا أنّهم في عمياء من أمرهم حتّى يسلكوا المسلك الذي سلكناه، يفرغوا خواطرهم لتأمّل ما استخرجناه، وأنّهم- ما لم يأخذوا أنفسهم بذلك، ولم يجرّدوا عناياتهم له- في غرور، كمن يعد نفسه الرّيّ من السّراب اللامع، ويخادعها بأكاذيب المطامع. يقال لهم: إنكم تتلون قول الله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء: ٨٨]، وقوله : قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ [هود: ١٣]، وقوله: بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: ٢٣]، فقولوا الآن: أيجوز أن يكون تعالى قد أمر نبيّه ﷺ بأن يتحدّى العرب إلى أن يعارضوا القرآن بمثله، من غير أن يكونوا قد عرفوا الوصف الذي إذا أتوا بكلام على ذلك الوصف، كانوا قد أتوا بمثله؟. ولا بدّ من «لا»، لأنهم إن قالوا: «يجوز»، أبطلوا التحدّي، من حيث أن التّحدّي، كما لا يخفى، مطالبة بأن يأتوا بكلام على وصف، ولا تصحّ المطالبة بالإتيان به على وصف من غير أن يكون ذلك الوصف معلوما للمطالب، ويبطل بذلك دعوى الإعجاز أيضا. وذلك لأنه لا يتصوّر أن يقال: «إنّه كان عجز، حتى يثبت معجوز عنه معلوم. فلا يقوم في عقل عاقل أن يقول لخصم له: «قد أعجزك أن تفعل مثل فعلي»، وهو لا يشير له إلى وصف يعلمه في فعله، ويراه قد وقع عليه. أفلا ترى أنه لو قال رجل لآخر: «إنّي قد أحدثت في خاتم عملته صنعة أنت لا تستطيع مثلها»، لم تتّجه له عليه حجّة، ولم يثبت به أنّه قد أتى بما يعجزه، إلا من بعد أن يريه الخاتم، ويشير له إلى ما زعم أنه أبدعه فيه من الصّنعة، لأنه لا يصحّ وصف الإنسان بأنه قد عجز عن شيء، حتى يريد ذلك الشيء ويقصد إليه، ثم لا يتأتّى له. وليس يتصوّر أن يقصد إلى شيء لا يعلمه، وأن تكون منه إرادة لأمر لم يعلمه في جملة ولا تفصيل. ثم إن هذا الوصف ينبغي أن يكون وصفا قد تجدّد بالقرآن، وأمرا لم يوجد في غيره، ولم يعرف قبل نزوله. وإذا كان كذلك، فقد وجب أن يعلم أنه لا يجوز أن يكون في «الكلم المفردة»، لأن تقدير كونه فيها يؤدّي إلى المحال، وهو أن تكون

стр. 247

الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة، قد حدث في مذاقة حروفها وأصدائها أوصاف لم تكن، لتكون تلك الأوصاف فيها قبل نزول القرآن، وتكون قد اختصّت في أنفسها بهيئات وصفات يسمعها السامعون عليها إذا كانت متلوّة في القرآن، لا يجدون لها تلك الهيئات والصفات خارج القرآن. ولا يجوز أن تكون في «معاني الكلم المفردة»، التي هي لها بوضع اللغة، لأنّه يؤدي إلى أن يكون قد تجدّد في معنى «الحمد» و «الرب»، ومعنى «العالمين» و «الملك» و «اليوم» و «الدين»، وهكذا، وصف لم يكن قبل نزول القرآن. وهذا ما لو كان هاهنا شيء أبعد من المحال وأشنع لكان إيّاه. ولا يجوز أن يكون هذا الوصف في «ترتيب الحركات والسّكنات»، حتى كأنهم تحدّوا إلى أن يأتوا بكلام تكون كلماته على تواليه في زنة كلمات القرآن، وحتّى كأنّ الذي بان به القرآن من الوصف في سبيل بينونة بحور الشعر بعضها من بعض، لأنّه يخرج إلى ما تعاطاه مسيلمة من الحماقة في: «إنا أعطيناك الجماهر، فصلّ لربّك وجاهر»، «والطاحنات طحنا». وكذلك الحكم إن زعم زاعم «أن الوصف الذي تحدّوا إليه هو أن يأتوا بكلام يجعلون له مقاطع، وفواصل، كالذي تراه في القرآن»، لأنّه أيضا ليس بأكثر من التّعويل على مراعاة وزن. وإنما الفواصل في الآي كالقوافي في الشّعر، وقد علمنا اقتدارهم على القوافي كيف هو، فلو لم يكن التحدّي إلّا إلى فصول من الكلام يكون لها أواخر أشباه القوافي، لم يعوزهم ذلك، ولم يتعذّر عليهم. وقد خيّل إلى بعضهم- إن كان الحكاية صحيحة- شيء من هذا، حتى وضع على ما زعموا فصول كلام أواخرها كأواخر الآي، مثل «يعلمون» و «يؤمنون» وأشباه ذلك. ولا يجوز أن يكون الإعجاز بأن لم يلتق في حروفه ما يثقل على اللسان. وجملة الأمر أنه لن يعرض هذا وشبهه من الظنون لمن يعرض له إلا من سوء المعرفة بهذا الشّأن، أو للخذلان، أو لشهوة الإغراب في القول. ومن هذا الذي يرضى من نفسه أن يزعم أنّ البرهان الذي بان لهم، والأمر الذي بهرهم، والهيبة التي ملأت صدورهم، والرّوعة التي دخلت عليهم فأزعجتهم حتى قالوا: إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أسفله لمعذق، وإنّ أعلاه لمثمر» «١»، إنّما كان لشيء راعهم من مواقع

стр. 248

حركاته، ومن ترتيب بينها وبين سكناته؟ أم لفواصل في أواخر آياته؟ من أين تليق هذه الصّفة وهذا التشبيه بذلك؟. أم ترى أنّ ابن مسعود حين قال في صفة القرآن: «لا يتفه ولا يتشانّ» «١»، وقال: «إذا وقعت في آل حم، وقعت في روضات دمثات أتأنّق فيهنّ» «٢»، أي أتتبّع محاسنهن، قال ذلك من أجل أوزان الكلمات، ومن أجل الفواصل في أواخر الآيات؟. أم ترى أنهم لذلك قالوا: «لا تفنى عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرّدّ». أم ترى الجاحظ حين قال في كتاب النبوة: «ولو أنّ رجلا قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة، لتبيّن له في نظامها ومخرجها، من لفظها وطابعها أنه عاجز عن مثلها، لو تحدّي بها أبلغ العرب لأظهر عجزه عنها»، لغا ولغط فليس كلامه «٣» هذا مما ذهبوا إليه في شيء. وينبغي أن تكون موازنتهم بين بعض الآي وبين ما قاله الناس في معناها، كموازنتهم بين: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة: ١٧٩]، وبين: «قتل البعض إحياء للجميع»، خطأ منهم، لأنا لا نعلم لحديث التّحريك والتّسكين وحديث الفاصلة مذهبا في هذه الموازنة، ولا نعلمهم أرادوا غير ما يريده الناس إذا وازنوا بين كلام وكلام في الفصاحة والبلاغة ودقّة النّظم وزيادة الفائدة، ولولا أنّ الشيطان قد استحوذ على كثير من الناس في هذا الشأن، وأنّهم بترك النّظر، وإهمال التدبّر وضعف النّية، وقصر الهمّة، قد طرّقوا له حتى جعل يلقي في نفوسهم كلّ محال وكلّ باطل، وجعلوا هم يعطون الذي يلقيه حظّا من قبولهم، ويبوّءونه مكانا من قلوبهم، لما بلغ من قدر هذه الأقوال الفاسدة أن تدخل في تصنيف، ويعاد ويبدأ في تبيين لوجه الفساد فيها وتعريف. ثمّ إن هذه الشّناعات التي تقدّم ذكرها، تلزم أصحاب «الصّرفة» «٤» أيضا، وذاك

стр. 249

أنه لو لم يكن عجزهم عن معارضة القرآن وعن أن يأتوا بمثله، لأنه معجز في نفسه، لكن لأن أدخل عليهم العجز عنه، وصرفت هممهم وخواطرهم عن تأليف كلام مثله، وكان حالهم على الجملة حال من أعدم العلم بشيء قد كان يعلمه، وحيل بينه وبين أمر قد كان يتّسع له، لكان ينبغي أن لا يتعاظمهم، ولا يكون منهم ما يدلّ على إكبارهم أمره، وتعجّبهم منه، وعلى أنّه قد بهرهم، وعظم كل العظم عندهم، بل كان ينبغي أن يكون الإكبار منهم والتّعجّب للذي دخل من العجز عليهم، ورأوه من تغيّر حالهم، ومن أن حيل بينهم وبين شيء قد كان عليهم سهلا، وأن سدّ دونه باب كان لهم مفتوحا، أرأيت لو أن نبيّا قال لقومه: «إنّ آيتي أن أضع يدي على رأسي هذه الساعة، وتمنعون كلّكم من أن تستطيعوا وضع أيديكم على رءوسكم»، وكان الأمر كما قال، ممّ يكون تعجّب القوم، أمن وضعه يده على رأسه، أم من عجزهم أن يضعوا أيديهم على رءوسهم؟. ونعود إلى النّسق فنقول: فإذا بطل أن يكون الوصف الذي أعجزهم من القرآن في شيء ممّا عدّدناه، لم يبق إلّا أن يكون في «النّظم»، لأنه ليس من بعد ما أبطلنا أن يكون فيه إلا «النظم» و «الاستعارة»، ولا يمكن أن تجعل «الاستعارة» الأصل في الإعجاز وأن يقصر عليها، لأن ذلك يؤدّي إلى أن يكون الإعجاز في آي معدودة في مواضع من السّور الطوال مخصوصة، وإذا امتنع ذلك فيها، ثبت أن «النظم»، مكانه الذي ينبغي أن يكون فيه. وإذا ثبت أنه في «النظم»، و «التأليف»، وكنّا قد علمنا أن ليس «النّظم» شيئا غير توخّي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، وأنّا إن بقينا الدهر نجهد أفكارنا حتى نعلم للكلم المفردة سلكا ينظمها، وجامعا يجمع شملها ويؤلفها، ويجعل بعضها بسبب من بعض، غير توخي معاني النحو وأحكامه فيها، طلبنا ما كلّ محال دونه، فقد بان وظهر أنّ المتعاطي القول في «النظم»، والزاعم أنّه يحاول بيان المزيّة فيه، وهو لا يعرض فيما يعيده ويبديه للقوانين والأصول التي قدّمنا ذكرها، ولا يسلك إليه المسالك التي نهجناها، في عمياء من أمره، وفي غرور من نفسه، وفي خداع من الأماني والأضاليل. ذاك لأنه إذا كان لا يكون «النّظم» شيئا غير توخّي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، كان من أعجب العجب أن يزعم زاعم أنه يطلب المزيّة في «النظم»، ثم لا يطلبها في معاني النحو وأحكامه التي «النّظم» عبارة عن توخّيها فيما بين الكلم. فإن قيل: قولك «إلا النظم»، يقتضي إخراج ما في القرآن من الاستعارة وضروب المجاز من جملة ما هو به معجز، وذلك ما لا مساغ له.

стр. 250

قيل: ليس الأمر كما ظننت، بل ذلك يقتضي دخول الاستعارة ونظائرها فيما هو به معجز. وذلك لأنّ هذه المعاني التي هي «الاستعارة»، و «الكناية» و «التمثيل»، وسائر ضروب «المجاز» من بعدها من مقتضيات «النظم»، وعنه يحدث وبه يكون، لأنه لا يتصوّر أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يتوخّ فيما بينها حكم من أحكام النحو،. فلا يتصوّر أن يكون هاهنا «فعل» أو «اسم» قد دخلته الاستعارة، من دون أن يكون قد ألّف مع غيره، أفلا ترى أنه إن قدّر في «اشتعل» من قوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم: ٤]، أن لا يكون «الرأس»، فاعلا له، ويكون «شيبا» منصوبا عنه على التمييز، لم يتصوّر أن يكون مستعارا؟ وهكذا السبيل في نظائر «الاستعارة»، فاعرف ذلك. واعلم أنّ السبب في أن لم يقع النظر منهم موقعه، أنّهم حين قالوا: «نطلب المزية»، ظنوا أن موضعها «اللفظ» بناء على أن «النظم نظم الألفاظ، وأنه يلحقها دون المعاني، وحين ظنّوا أنّ موضعها ذلك واعتقدوه، وقفوا على «اللفظ»، وجعلوا لا يرمون بأوهامهم إلى شيء سواه. إلّا أنّهم، على ذاك لم يستطيعوا أن ينطقوا في تصحيح هذا الذي ظنّوه بحرف، بل لم يتكلّموا بشيء إلّا كان ذلك نقضا وإبطالا لأن يكون «اللفظ»، من حيث هو لفظ، موضعا للمزية، وإلا رأيتهم قد اعترفوا، من حيث لم يدروا، بأن ليس للمزية التي طلبوها موضع ومكان تكون فيه، إلّا معاني النحو وأحكامه. وذلك أنهم قالوا: «إنّ الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلمات، وإنّما تظهر بالضّم على طريقة مخصوصة»، فقولهم: «بالضّم»، لا يصح أن يراد به النّطق باللفظة بعد اللفظة، من غير اتّصال يكون بين معنييهما، لأنه لو جاز أن يكون لمجرّد ضمّ اللفظ إلى اللفظ تأثير في الفصاحة، لكان ينبغي إذا قيل: «ضحك، خرج» أن يحدث في ضم «خرج» إلى «ضحك» فصاحة! وإذا بطل ذلك، لم يبق إلا أن يكون المعنى في ضمّ الكلمة إلى الكلمة توخّي معنى من معاني النحو فيما بينهما. وقولهم: «على طريقة مخصوصة»، يوجب ذلك أيضا، وذلك أنه لا يكون للطريقة إذا أنت أردت مجرّد اللّفظ معنى. وهذا سبيل كلّ ما قالوه، إذا أنت تأمّلته تراهم في الجميع قد دفعوا إلى جعل المزية في معاني النحو وأحكامه من حيث لم يشعروا، ذلك لأنه أمر ضروريّ لا يمكن الخروج منه.

стр. 251

ومما تجدهم يعتمدونه ويرجعون إليه قولهم: «إنّ المعاني لا تتزايد، وإنّما تتزايد الألفاظ»، وهذا كلام إذا تأمّلته لم تجد له معنى يصحّ عليه، غير أن تجعل «تزايد الألفاظ» عبارة عن المزايا التي تحدث من توخّي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، لأن التّزايد في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ونطق لسان، محال. ثم إنّا نعلم أنّ المزية المطلوبة في هذا الباب، مزيّة فيما طريقه الفكر والنّظر من غير شبهة، ومحال أن يكون اللفظ له صفة تستنبط بالفكر، ويستعان عليها بالرّويّة، اللهم إلا أن تريد تأليف النّغم، وليس ذلك مما نحن فيه بسبيل. ومن هاهنا لم يجز، إذا عدّ الوجوه التي تظهر بها المزيّة، أن يعدّ فيها الإعراب، وذلك أن العلم بالإعراب مشترك بين العرب كلّهم، وليس هو مما يستنبط بالفكر، ويستعان عليه بالرويّة. فليس أحدهم، بأنّ إعراب الفاعل الرفع أو المفعول النصب، والمضاف إليه الجرّ، بأعلم من غيره، ولا ذاك مما يحتاجون فيه إلى حدّة ذهن وقوّة خاطر، إنّما الذي تقع الحاجة فيه إلى ذلك، العلم بما يوجب الفاعلية للشيء إذا كان إيجابها من طريق المجاز، كقوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة: ١٦]، وكقول الفرزدق: [من الطويل] سقتها خروق في المسامع «١» وأشباه ذلك، ممّا يجعل الشيء فيه فاعلا على تأويل يدقّ، ومن طريق تلطّف، وليس يكون هذا علما بالإعراب، ولكن بالوصف الموجب للإعراب. ومن ثمّ لا يجوز لنا أن نعتدّ في شأننا هذا بأن يكون المتكلّم قد استعمل من اللغتين في الشيء ما يقال «إنه أفصحهما»، أو بأن يكون قد تحفّظ مما تخطئ فيه العامّة، ولا بأن يكون قد استعمل الغريب، لأن العلم بجميع ذلك لا يعدو أن يكون علما باللغة، وبأنفس الكلم المفردة، وبما طريقه طريق الحفظ، دون ما يستعان عليه بالنّظر، ويوصل إليه بإعمال الفكر. ولئن كانت العامّة وأشباه العامّة لا يكادون يعرفون الفصاحة غير ذلك، فإن من ضعف النّحيزة «٢» إخطار مثله في الفكر، وإجراءه في الذّكر، وأنت تزعم أنك ناظر في دلائل الإعجاز، أترى أن العرب تحدّوا أن يختاروا الفتح في الميم من «الشّمع»، والهاء من «النّهر» على الإسكان، وأن يتحفظوا من

стр. 252

تخليط العامة في مثل: «هذا يسوى ألفا»، أو إلى أن يأتوا بالغريب الوحشيّ في كلام يعارضون به القرآن؟ كيف وأنت تقرأ السّورة من السّور الطّوال فلا تجد فيها من الغريب شيئا، وتتأمّل ما جمعه العلماء في غريب القرآن، فترى الغريب منه إلا في القليل، إنّما كان غريبا من أجل استعارة هي فيه، كمثل وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: ٩٣]، ومثل: خَلَصُوا نَجِيًّا [يوسف: ٨٠]، ومثل: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: ٩٤]، دون أن تكون اللفظة غريبة في نفسها، إنما ترى ذلك في كلمات معدودة كمثل: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا [ص: ١٦]، وذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ [القمر: ١٣]، وجَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا [مريم: ٢٤]. ثم إنّه لو كان أكثر ألفاظ القرآن غريبا، لكان محالا أن يدخل ذلك في الإعجاز، وأن يصحّ التّحدّي به. ذاك لأنه لا يخلو إذا وقع التحدّي به من أن يتحدّى من له علم بأمثاله من الغريب، أو من لا علم له بذلك. فلو تحدّي به من يعلم أمثاله، لم يتعذّر عليه أن يعارضه بمثله. ألا ترى أنه لا يتعذّر عليك إذا أنت عرفت ما جاء من الغريب في معنى «الطويل» أن تعارض من يقول: «الشّوقب» «١»، بأن تقول أنت «الشّوذب» «٢»، وإذا قال «الأمقّ» «٣» أن تقول «الأشقّ» «٤»؟ وعلى هذا السبيل. ولو تحدّي به من لا علم له بأمثال ما فيه من الغريب، كان ذلك بمنزلة أن يتحدّى العرب إلى أن يتكلّموا بلسان التّرك. هذا، وكيف بأن يدخل الغريب في باب الفضيلة، وقد ثبت عنهم أنهم كانوا يرون الفضيلة في ترك استعماله وتجنّبه؟ أفلا ترى إلى قول عمر ﵁ في زهير: «إنه كان لا يعاظل بين القول، ولا يتتبّع حوشيّ الكلام»؟ فقرن تتبّع «الحوشيّ»، وهو الغريب من غير شبهة إلى «المعاظلة» التي هي التعقيد. وقال الجاحظ في «كتاب البيان والتّبيين»: «ورأيت النّاس يتداولون رسالة يحيى بن يعمر على لسان يزيد بن المهلّب إلى الحجّاج: «إنّا لقينا العدوّ فقتلنا طائفة وأسرنا طائفة، ولحقت طائفة بعراعر الأودية وأهضام الغيطان، وبتنا بعرعرة

стр. 253

الجبل، وبات العدوّ بحضيضه». فقال الحجاج: ما يزيد بأبي عذر هذا الكلام فقيل له: إن يحيى بن يعمر معه! فأمر بأن يحمل إليه، فلما أتاه قال: أين ولدت؟ فقال: بالأهواز. فقال: فأنّى لك هذه الفصاحة؟ قال: أخذتها عن أبي» «١». قال: «ورأيتهم يديرون في كتبهم: أن امرأة خاصمت زوجها إلى يحيى بن يعمر، فانتهرها مرارا، فقال له يحيى: أن سألتك ثمن شكرها وشبرك، أنشأت تطلّها وتضهلها» «٢». ثم قال: «وإن كانوا إنّما قد رووا هذا الكلام لكي يدلّ على فصاحة وبلاغة، فقد باعده الله من صفة البلاغة والفصاحة «٣». واعلم أنك كلّما نظرت وجدت سبب الفساد واحدا، وهو ظنّهم الذي ظنّوه في «اللّفظ»، وجعلهم الأوصاف التي تجري عليه كلّها أوصافا له في نفسه، ومن حيث هو لفظ، وتركهم أن يميزوا بين ما كان وصفا له في نفسه، وبين ما كانوا قد كسبوه إيّاه من أجل أمر عرض في معناه. ولما كان هذا دأبهم، ثم رأوا الناس وأظهر شيء عندهم في معنى «الفصاحة»، تقويم الإعراب، والتحفّظ من اللحن، لم يشكّوا أنّه ينبغي أن يعتدّ به في جملة المزايا التي يفاضل بها بين كلام وكلام في الفصاحة، وذهب عنهم أن ليس هو من «الفصاحة» التي يعنينا أمرها في شيء، وأنّ كلامنا في فصاحة تجب للّفظ لا من أجل شيء يدخل في النطق، ولكن من أجل لطائف تدرك بالفهم، وأنّا نعتبر في شأننا هذا فضيلة تجب لأحد الكلامين على الآخر، من بعد أن يكونا قد برئا من اللّحن، وسلما في ألفاظهما من الخطأ. ومن العجب أنّا إذا نظرنا في الإعراب، وجدنا التفاضل فيه محالا، لأنه لا يتصوّر أن يكون للرفع والنصب في كلام، مزيّة عليهما في كلام آخر، وإنما الذي يتصوّر أن يكون هاهنا: كلامان قد وقع في إعرابهما خلل، ثم كان أحدهما أكثر صوابا من الآخر، وكلامان قد استمرّ أحدهما على الصّواب ولم يستمرّ الآخر، ولا يكون هذا تفاضلا في الإعراب، ولكن تركا له في شيء، واستعمالا له في آخر، فاعرف ذلك.

стр. 254

وجملة الأمر أنك لا ترى ظنّا هو أنأى بصاحبه عن أن يصحّ له كلام، أو يستمرّ له نظام، أو تثبت له قدم، أو ينطق منه إلّا بالمحال فم، من ظنّهم هذا الذي حام بهم حول «اللفظ»، وجعلهم لا يعدونه، ولا يرون للمزية مكانا دونه. واعلم أنه قد يجري في العبارة منّا شيء، هو يعيد الشّبهة جذعة عليهم، وهو أنه يقع في كلامنا أنّ «الفصاحة» تكون في المعنى دون اللفظ، فإذا سمعوا ذلك قالوا: كيف يكون هذا، ونحن نراها لا تصلح صفة إلا للّفظ، ونراها لا تدخل في صفة المعنى البتّة، لأنا نرى الناس قاطبة يقولون: «هذا لفظ فصيح، وهذه ألفاظ فصيحة»، ولا نرى عاقلا يقول: «هذا معنى فصيح، وهذه معان فصاح». ولو كانت «الفصاحة» تكون في المعنى، لكان ينبغي أن يقال ذاك، كما أنّا لما كان الحسن يكون فيه قيل: «هذا معنى حسن، وهذه معان حسنة». وهذا شيء يأخذ من الغرّ مأخذا: والجواب عنه أن يقال: إن غرضنا من قولنا: «إن الفصاحة تكون في المعنى»، أنّ المزيّة الّتي من أجلها استحقّ اللفظ الوصف بأنه «فصيح»، هي في المعنى دون اللفظ، لأنّه لو كانت بها المزيّة التي من أجلها يستحقّ اللّفظ الوصف بأنه فصيح، تكون فيه دون معناه لكان ينبغي إذا قلنا في اللّفظة: «إنها فصيحة»، أن تكون تلك الفصاحة واجبة لها بكل حال. ومعلوم أنّ الأمر بخلاف ذلك، فإنّا نرى اللّفظة تكون في غاية الفصاحة في موضع، ونراها بعينها فيما لا يحصى من المواضع وليس فيها من الفصاحة قليل ولا كثير. وإنما كان كذلك، لأن المزيّة التي من أجلها نصف اللّفظ في شأننا هذا بأنّه فصيح، مزيّة تحدث من بعد أن لا تكون، وتظهر في الكلم من بعد أن يدخلها النظم. وهذا شيء إن أنت طلبته فيما وقد جئت بها أفرادا لم ترم فيها نظما، ولم تحدث لها تأليفا، وطلبت محالا. وإذا كان كذلك، وجب أن يعلم قطعا وضرورة أن تلك المزيّة في المعنى دون اللّفظ. وعبارة أخرى في هذا بعينه، وهي أن يقال: قد علمنا علما لا تعترض معه شبهة: أن «الفصاحة» فيما نحن فيه، عبارة عن مزيّة هي بالمتكلّم دون واضع اللغة. وإذا كان كذلك، فينبغي لنا أن ننظر إلى المتكلم، هل يستطيع أن يزيد من عند نفسه في اللفظ شيئا ليس هو له في اللّغة حتى يجعل ذلك من صنيعه مزيّة يعبّر عنها بالفصاحة؟ وإذا نظرنا وجدناه لا يستطيع أن يصنع باللفظ شيئا أصلا، ولا أن يحدث فيه وصفا. كيف؟ وهو إن فعل ذلك أفسد على نفسه، وأبطل أن يكون متكلّما، لأنه لا يكون متكلّما حتى يستعمل أوضاع لغة على ما وضعت عليه.

стр. 255

وإذا ثبت من حاله أنّه لا يستطيع أن يصنع بالألفاظ شيئا ليس هو لها في اللغة، وكنّا قد اجتمعنا على أن «الفصاحة» فيما نحن فيه، عبارة عن مزيّة هي بالمتكلّم البتة وجب أن نعلم قطعا وضرورة أنهم وإن كانوا قد جعلوا «الفصاحة» في ظاهر الاستعمال من صفة اللفظ، فإنهم لم يجعلوها وصفا له في نفسه، ومن حيث هو صدى صوت ونطق لسان، ولكنّهم جعلوها عبارة عن مزيّة أفادها المتكلم في المعنى، لأنه إذا كان اتفاقا أنها عبارة عن مزيّة أفادها المتكلم، ولم نره أفاد في اللفظ شيئا، لم يبق إلا أن تكون عبارة عن مزيّة أفادها في المعنى. وجملة الأمر أنّا لا نوجب «الفصاحة» للفظة مقطوعة مرفوعة من الكلام الذي هي فيه، ولكنا نوجبها لها موصولة بغيرها، ومعلّقا معناها بمعنى ما يليها. فإذا قلنا في لفظة «اشتعل» من قوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم: ٤]، أنّها في أعلى رتبة من الفصاحة، لم توجب تلك «الفصاحة» لها وحدها، ولكن موصولا بها «الرأس» معرّفا بالألف واللام، ومقرونا إليهما «الشيب» منكّرا منصوبا. هذا، وإنّما يقع ذلك في الوهم لمن يقع له أعني أن يوجب الفصاحة للفظة وحدها فيما كان «استعارة»، فأما ما خلا من الاستعارة من الكلام الفصيح البليغ، فلا يعرض توهّم ذلك فيه لعاقل أصلا. أفلا ترى أنه لا يقع في نفس من يعقل أدنى شيء، إذا هو نظر إلى قوله : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ، هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [المنافقون: ٤]، وإلى إكبار النّاس شأن هذه الآية في الفصاحة، أن يضع يده على كلمة كلمة منها فيقول: «إنّها فصيحة؟» وسبب الفصاحة فيها أمور لا يشكّ عاقل في أنها معنوية: أولها: أن كانت «على» فيها متعلّقة بمحذوف في موضع المفعول الثاني. والثاني: أن كانت الجملة التي هي «هم العدوّ» بعدها عارية من حرف عطف. والثالث: التعريف في «العدوّ» وأن لم يقل: «هم عدوّ». ولو أنّك علّقت «على» بظاهر، وأدخلت على الجملة التي هي «هم العدوّ» حرف عطف، وأسقطت «الألف واللام» من «العدوّ» فقلت: «يحسبون كلّ صيحة واقعة عليهم، وهم عدوّ»، لرأيت الفصاحة قد ذهبت عنها بأسرها. ولو أنك أخطرت ببالك أن يكون «عليهم» متعلّقا بنفس «الصيحة»، ويكون حاله معها كحاله إذا قلت: «صحت عليه»، لأخرجته عن أن يكون كلاما، فضلا عن أن يكون فصيحا. وهذا هو الفيصل لمن عقل.

стр. 256

ومن العجيب في هذا، ما روي عن أمير المؤمنين عليّ رضوان الله عليه أنه قال: «ما سمعت كلمة عربية من العرب إلّا وسمعتها من رسول الله ﷺ ، وسمعته يقول: «مات حتف أنفه» «١»، وما سمعتها من عربيّ قبله، لا شبهة في أن وصف اللفظ «بالعربي» في مثل هذا يكون في معنى الوصف بأنه فصيح. وإذا كان الأمر كذلك، فانظر هل يقع في وهم متوهّم أن يكون ﵁ قد جعلها «عربية» من أجل ألفاظها؟ وإذا نظرت لم تشكّ في ذلك. واعلم أنك تجد هؤلاء الذين يشكّون فيما قلناه، تجري على ألسنتهم ألفاظ وعبارات لا يصحّ لها معنى سوى توخّي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم، ثم تراهم لا يعلمون ذلك. فمن ذلك ما يقوله الناس قاطبة من أن العاقل يرتّب في نفسه ما يريد أن يتكلّم به. وإذا رجعنا إلى أنفسنا لم نجد لذلك معنى سوى أنه يقصد إلى قولك «ضرب» فيجعله خبرا عن «زيد»، ويجعل «الضرب» الذي أخبر بوقوعه منه واقعا على «عمرو» ويجعل «يوم الجمعة» زمانه الذي وقع فيه، ويجعل «التأديب» غرضه الذي فعل «الضرب» من أجله، فيقول: «ضرب زيد عمرا يوم الجمعة تأديبا له». وهذا كما ترى هو توخّي معاني النحو فيما بين معاني هذه الكلم. ولو أنك فرضت أن لا تتوخّى في «ضرب» أن تجعله خبرا عن «زيد» وفي «عمرو» أن تجعله مفعولا به الضرب، وفي «يوم الجمعة» أن تجعله زمانا لهذا الضرب، وفي «التأديب»، أنه تجعله غرض زيد من فعل الضرب ما تصوّر في عقل، ولا وقع في وهم، أن تكون مرتّبا لهذه الكلم. وإذ قد عرفت ذلك، فهو العبرة في الكلام كله، فمن ظنّ ظنّا يؤدّي إلى خلافه، ظنّ ما يخرج به عن المعقول. ومن ذلك إثباتهم التعلّق والاتصال فيما بين الكلم وصواحبها تارة، ونفيهم لهما أخرى ومعلوم علم الضرورة أن لن يتصوّر أن يكون للفظة تعلق بلفظة أخرى من غير أن يعتبر حال

стр. 257

معنى هذه مع معنى تلك، ويراعى هناك أمر يصل إحداهما بالأخرى، كمراعاة كون: «نبك»، جوابا للأمر في قوله: «قفا نبك»، وكيف بالشّكّ في ذلك؟ ولو كانت الألفاظ يتعلّق بعضها ببعض من حيث هي ألفاظ، ومع اطّراح النّاظر في معانيها، ولأدّى ذلك إلى أن يكون الناس حين ضحكوا مما يصنعه المجّان من قراءة أنصاف الكتب، ضحكوا عن جهالة، وأن يكون أبو تمام قد أخطأ حين قال: [من الكامل]. عذلا شبيها بالجنون كأنّما ... قرأت به الورهاء شطر كتاب «١» لأنهم لم يضحكوا إلّا من عدم التعلّق، ولم يجعله أبو تمام جنونا إلا لذلك. فانظر إلى ما يلزم هؤلاء القوم من طرائف الأمور. فصل [في أن الفصاحة والبلاغة للمعاني] وهذا فنّ من الاستدلال لطيف على بطلان أن تكون «الفصاحة» صفة للفظ من حيث هو لفظ. لا تخلو «الفصاحة» من أن تكون صفة في اللفظ محسوسة تدرك بالسّمع، أن تكون صفة فيه معقولة تعرف بالقلب. فمحال أن تكون صفة في اللّفظ محسوسة، لأنها لو كانت كذلك، لكان ينبغي أن يستوي السامعون للفظ الفصيح في العلم بكونه فصيحا. وإذا بطل أن تكون محسوسة، وجب الحكم ضرورة بأنّها صفة معقولة. وإذا وجب الحكم بكونها صفة معقولة، فإنّا لا نعرف للّفظ صفة يكون طريق معرفتها العقل دون الحس، إلّا دلالته على معنى. وإذا كان كذلك، لزم منه العلم بأنّ وصفنا اللّفظ بالفصاحة، وصف له من جهة معناه، لا من جهة نفسه، وهذا ما لا يبقى لعاقل معه عذر في الشك، والله الموفّق للصواب. وبيان آخر، وهو أنّ القارئ إذا قرأ قوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم: ٤]، فإنه لا يجد الفصاحة التي يجدها إلّا من بعد أن ينتهي الكلام إلى آخره. فلو

стр. 258

كانت «الفصاحة» صفة للفظ «اشتعل»، لكان ينبغي أن يحسّها القارئ فيه حال نطقه به. فمحال أن تكون للشيء صفة، ثم لا يصحّ العلم بتلك الصفة إلا من بعد عدمه. ومن ذا رأى صفة يعرى موصوفها عنها في حال وجوده، حتى إذا عدم صارت موجودة فيه؟ وهل سمع السامعون، في قديم الدهر وحديثه، بصفة شرط حصولها لموصوفها أن يعدم الموصوف؟ فإن قالوا: إنّ الفصاحة التي ادّعيناها للفظ «اشتعل» تكون فيه في حال نطقنا به، إلّا أنّا لا نعلم في تلك الحال أنها فيه، فإذا بلغنا آخر الكلام علمنا حينئذ أنها كانت فيه حين نطقنا به. قيل: هذا فنّ آخر من العجب، وهو أن تكون هاهنا صفة موجودة في شيء، ثم لا يكون في الإمكان ولا يسع في الجواز، أن يعلم وجود تلك الصفة في ذلك الشيء إلّا من بعد أن يعدم، ويكون العلم بها وبكونها فيه محجوبا عنا حتى يعدم، فإذا عدم علمنا حينئذ أنها كانت فيه حين كان. ثم إنه لا شبهة في أن هذه الفصاحة التي يدّعونها للّفظ هي مدّعاة لمجموع الكلمة دون آحاد حروفها، إذ ليس يبلغ بهم تهافت الرأي إلى أن يدعو لكلّ واحد من حروف «اشتعل» فصاحة، فيجعلوا «الشين» على حدته فصيحا، وكذلك «التاء»، و «العين» و «اللام». وإذا كانت الفصاحة مدّعاة لمجموع الكلمة، لم يتصوّر حصولها لها إلا من بعد أن تعدم كلّها وينقضي أمر النطق بها. ذاك لأنه لا يتصوّر أن تدخل الحروف بجملتها في النطق دفعة واحدة، حتى تجعل «الفصاحة» موجودة فيها في حال وجودها. وما بعد هذا إلا أن نسأل الله تعالى العصمة والتوفيق، فقد بلغ الأمر في الشّناعة إلى حدّ، إذا تنبّه العاقل لفّ رأسه حياء من العقل، حين يراه قد قال قولا هذا مؤدّاه، وسلك مسلكا إلى هذا مفضاه. وما مثل من يزعم أن «الفصاحة» صفة للّفظ من حيث هو لفظ ونطق لسان، ثم يزعم أنه يدّعيها لمجموع حروفه دون آحادها، إلّا مثل من يزعم أن هاهنا غزلا إذا نسج منه ثوب كان أحمر، وإذا فرّق ونظر إليه خيطا خيطا، لم تكن فهي حمرة أصلا! ومن طريق أمرهم، أنك ترى كافّتهم لا ينكرون أن اللّفظ المستعار إذا كان فصيحا، كانت فصاحته تلك من أجل استعارته، ومن أجل لطف وغرابة كانا فيها، وتراهم مع ذلك لا يشكّون في أن الاستعارة لا تحدث في حروف اللّفظ صفة ولا تغير أجراسها عما تكون عليه إذا لم يكن مستعارا وكان متروكا على حقيقته، وأن التأثير من الاستعارة

стр. 259

إنما يكون في المعنى. كيف؟ وهم يعتقدون أن اللفظ إذا استعير لشيء، نقل عن معناه الذي وضع له بالكلية. وإذا كان الأمر كذلك، فلولا إهمالهم أنفسهم وتركهم النّظر، لقد كان يكون في هذا ما يوقظهم من غفلتهم، ويكشف الغطاء عن أعينهم. فصل [في علاقة الفكر بمعاني النحو] ومما ينبغي أن يعلمه الإنسان ويجعله على ذكر، أنّه لا يتصوّر أن يتعلّق الفكر بمعاني الكلم أفرادا ومجرّدة من معاني النّحو، فلا يقوم في وهم ولا يصحّ في عقل، أن يتفكّر متفكّر في معنى «فعل» من غير أن يريد إعماله في «اسم»، ولا أن يتفكّر في معنى «اسم» من غير أن يريد إعمال «فعل» فيه، وجعله فاعلا له أو مفعولا، أو يريد فيه حكما سوى ذلك من الأحكام، مثل أن يريد جعله مبتدأ، أو خبرا، أو صفة أو حالا، أو ما شاكل ذلك. وإن أردت أن ترى ذلك عيانا فاعمد إلى أيّ كلام شئت، وأزل أجزاءه عن مواضعها، وضعها وضعا يمتنع معه دخول شيء من معاني النحو فيها، فقل في: [من الطويل] قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل «١» «من نبك قفا حبيب ذكرى منزل»، ثم انظر هل يتعلّق منك فكر بمعنى كلمة منها؟ واعلم أني لست أقول إن الفكر لا يتعلق بمعاني الكلم المفردة أصلا، ولكني أقول إنه لا يتعلّق بها مجرّدة من معاني النحو، ومنطوقا بها على وجه لا يتأتّى معه تقدير معاني النحو وتوخّيها فيها، كالذي أريتك، وإلّا فإنك إذا فكّرت في الفعلين أو الاسمين، تريد أن تخبر بأحدهما عن الشيء أيّهما أولى أن تخبر به عنه وأشبه بغرضك، مثل أن تنظر: أيّهما أمدح وأذمّ، أو فكّرت في الشيئين تريد أن تشبّه الشيء بأحدهما أيّهما أشبه به كنت قد فكّرت في معاني أنفس الكلم، إلا أن فكرك ذلك لم يكن إلّا من بعد أن توخّيت فيها معنى من معاني النحو، وهو أن أردت جعل الاسم الذي فكّرت فيه خبرا عن شيء أردت فيه مدحا أو ذمّا أو تشبيها، أو غير ذلك

стр. 260

من الأغراض ولم تجيء إلى فعل أو اسم ففكرت فيه فردا، ومن غير أن كان لك قصد أن تجعله خبرا أو غير خبر. فاعرف ذلك. وإن أردت مثالا فخذ بيت بشّار: [من الطويل] كأنّ مثال النّقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه «١» وانظر هل يتصوّر أن يكون بشار قد أخطر معاني هذه الكلم بباله أفردا عارية من معاني النحو التي تراها فيها وأن يكون قد وقع «كأنّ» في نفسه من غير أن يكون قصد إيقاع التّشبيه منه على شيء وأن يكون فكّر في «مثار النقع»، من غير أن يكون أراد إضافة الأول إلى الثاني وفكّر في «فوق رءوسنا»، من غير أن يكون قد أراد أن يضيف «فوق» إلى «الرءوس» وفي «الأسياف» من دون أن يكون أراد عطفها بالواو على «مثار» وفي «الواو» من دون أن يكون أراد العطف بها وأن يكون كذلك فكّر في «الليل»، من دون أن يكون أراد أن يجعله خبرا «لكأنّ» وفي «تهاوى كواكبه»، من دون أن يكون أراد أن يجعل «تهاوى» فعلا للكواكب، ثم يجعل الجملة صفة لليل، ليتمّ الذي أراد من التشبيه؟ أم لم يخطر هذه الأشياء بباله إلّا مرادا منها هذه الأحكام والمعاني التي تراها فيها؟ وليت شعري، كيف يتصوّر وقوع قصد منك إلى معنى كلمة من دون أن تريد تعليقها بمعنى كلمة أخرى؟ ومعنى «القصد إلى معاني الكلم»، أن تعلم السامع بها شيئا لا يعلمه. ومعلوم أنك، أيّها المتكلم، لست تقصد أن تعلم السامع معاني الكلم المفردة التي تكلّمه بها، فلا تقول: «خرج زيد»، لتعلمه معنى «خرج» في اللغة، ومعنى «زيد». كيف؟ ومحال أن تكلّمه بألفاظ لا يعرف هو معانيها كما تعرف. ولهذا لم يكن الفعل وحده من دون الاسم، ولا الاسم وحده من دون اسم آخر أو فعل، كلاما. وكنت لو قلت «خرج»، ولم تأت باسم، ولا قدّرت فيه ضمير الشيء، أو قلت: «زيد»، ولم تأت بفعل ولا اسم آخر ولم تضمره في نفسك، كان ذلك وصوتا تصوّته سواء، فاعرفه. واعلم أن مثل واضع الكلام مثل من يأخذ قطعا من الذهب أو الفضّة فيذيب

стр. 261

بعضها في بعض حتى تصير قطعة واحدة. وذلك أنّك إذا قلت: «ضرب زيد عمرا يوم الجمعة ضربا شديدا تأديبا له»، فإنّك تحصل من مجموع هذه الكلم كلّها على مفهوم، هو معنى واحد لا عدّة معان، كما يتوهّمه الناس. وذلك لأنك لم تأت بهذه الكلم لتفيده أنفس معانيها، وإنما جئت بها لتفيده وجوه التعلّق التي بين الفعل الذي هو «ضرب»، وبين ما عمل فيه، والأحكام الّتي هي محصول التعلّق. وإذا كان الأمر كذلك، فينبغي لنا أن ننظر في المفعولية من «عمرو»، وكون «يوم الجمعة» زمانا للضرب، وكون «الضرب» ضربا شديدا، وكون «التأديب» علّة للضرب، أيتصوّر فيها أن تفرد عن المعنى الأوّل الذي هو أصل الفائدة، وهو إسناد «ضرب» إلى «زيد»، وإثبات «الضرب» به له، حتى يعقل كون «عمرو» مفعولا به، وكون «يوم الجمعة» مفعولا فيه وكون «ضربا شديدا» مصدرا، وكون «التأديب مفعولا له من غير أن يخطر ببالك كون «زيد» فاعلا للضرب؟ وإذا نظرنا وجدنا ذلك لا يتصوّر، لأن «عمرا» مفعول لضرب وقع من زيد عليه، و «يوم الجمعة» زمان لضرب وقع من زيد، و «ضربا شديدا» بيان لذلك الضرب كيف هو وما صفته، و «التأديب» علة له وبيان أنه كان الغرض منه. وإذا كان ذلك كذلك، بان منه وثبت، أنّ المفهوم من مجموع الكلم معنى واحد لا عدّة معان، وهو إثباتك زيدا فاعلا ضربا لعمرو في وقت كذا، وعلى صفة كذا، ولغرض كذا. ولهذا المعنى قول إنّه كلام واحد. وإذ قد عرفت هذا، فهو العبرة أبدا. فبيت بشّار إذا تأملته وجدته كالحلقة المفرغة التي لا تقبل التقسيم، ورأيته قد صنع في الكلم التي فيه ما يصنع الصّانع حين يأخذ كسرا من الذهب فيذيبها ثم يصبّها في قالب، ويخرجها لك سوارا أو خلخالا. وإن أنت حاولت قطع بعض ألفاظ البيت عن بعض، كنت كمن يكسر الحلقة ويفصم السوار. وذلك أنه لم يرد أن يشبّه «النّقع» بالليل على حدة، و «الأسياف» بالكواكب على حدة، ولكنه أراد أن يشبّه النّقع والأسياف تجول فيه بالليل في حال ما تنكدر «١» الكواكب وتتهاوى فيه. فالمفهوم من الجميع مفهوم واحد، والبيت من أوّله إلى آخره كلام واحد. فانظر الآن ما تقول في اتّحاد هذه الكلمة التي هي أجزاء البيت؟ أتقول: إنّ ألفاظها اتّحدت فصارت لفظة واحدة؟ أم تقول: إنّ معانيها اتّحدت فصارت الألفاظ

стр. 262

من أجل ذلك كأنّها لفظة واحدة؟ فإن كنت لا تشكّ أن الاتّحاد الذي تراه هو في المعاني، إذ كان من فساد العقل، ومن الذّهاب في الخبل، أن يتوهّم متوهّم أن الألفاظ يندمج بعضها في بعض حتى تصير لفظة واحدة. فقد أراك ذلك، إن لم تكابر «١» عقلك، أن «النظم» يكون في معاني الكلم دون ألفاظها، وأن نظمها هو توخّي معاني النحو فيها. وذلك أنه إذا ثبت الاتّحاد، وثبت أنه في المعاني، فينبغي أن تنظر إلى الذي به اتّحدت المعاني في بيت بشّار. وإذا نظرنا لم نجدها اتّحدت إلّا بأن جعل «مثار النقع» اسم «كأن»، وجعل الظّرف الذي هو «فوق رءوسنا» معمولا «لمثار» ومعلّقا به، وأشرك «الأسياف» في «كأن» بعطفه لها على «مثار»، ثم بأن قال: «ليل تهاوى كواكبه»، فأتى بالليل نكرة، وجعل جملة قوله: «تهاوى كواكبه» له صفة، ثم جعل مجموع: «ليل تهاوى كواكبه»، خبرا «لكأنّ». فانظر هل ترى شيئا كان الاتّحاد به غير ما عدّدناه؟ وهل تعرف له موجبا سواه؟ فلولا الإخلاد إلى الهوينا، وترك النّظر وغطاء ألقي على عيون أقوام، لكان ينبغي أن يكون في هذا وحده الكفاية وما فوق الكفاية. ونسأل الله تعالى التوفيق. واعلم أن الذي هو آفة هؤلاء الذين لهجوا بالأباطيل في أمر «اللفظ» أنهم قوم قد أسلموا أنفسهم إلى التّخيّل، وألقوا مقادتهم إلى الأوهام، حتى عدلت بهم عن الصواب كلّ معدل، ودخلت بهم من فحش الغلط في كلّ مدخل، وتعسّفت بهم في كلّ مجهل، وجعلتهم يرتكبون في نصرة رأيهم الفاسد القول بكلّ محال، ويقتحمون في كلّ جهالة، حتى أنك لو قلت لهم: إنه لا يتأتّى للناظم نظمه إلّا بالفكر والرويّة، فإذا جعلتم «النظم» في الألفاظ، لزمكم من ذلك أن تجعلوا فكر الإنسان إذا هو فكّر في نظم الكلام، فكرا في الألفاظ التي يريد أن ينطق بها دون المعاني لم يبالوا أن يرتكبوا ذلك، وأن يتعلّقوا فيه بما في العادة ومجرى الجبلّة من أن الإنسان يخيّل إليه إذا هو فكّر، أنه كأنّه ينطق في نفسه بالألفاظ التي يفكر في معانيها، حتى يرى أنّه يسمعها سماعة لها حين يخرجها من فيه، وحين يجري بها اللسان. وهذا تجاهل، لأنّ سبيل ذلك سبيل إنسان يتخيّل دائما في الشيء قد رآه وشاهده أنه كأنّه يراه وينظر إليه، وأنّ مثاله نصب عينيه. فكما لا يوجب هذا أن

стр. 263

يكون رائيا له، وأن يكون الشيء موجودا في نفسه، كذلك لا يكون تخيّله أنّه كأنّه ينطق بالألفاظ، موجبا أن يكون ناطقا بها، وأن تكون موجودة في نفسه، حتّى يجعل ذلك سببا إلى جعل الفكر فيها. ثمّ إنّا نعمل على أنه ينطق بالألفاظ في نفسه، وأنه يجدها فيها على الحقيقة، فمن أين لنا أنه إذا فكر كان الفكر منه فيها؟ أم ماذا يروم، ليت شعري، بذلك الفكر؟ ومعلوم أن الفكر من الإنسان يكون في أن يخبر عن شيء بشيء، أو يصف شيئا بشيء، أو يضيف شيئا إلى شيء، أو يشرك شيئا في حكم شيء، أو يخرج شيئا من حكم قد سبق منه لشيء، أو يجعل وجود شيء شرطا في وجود شيء، وعلى هذا السبيل؟ وهذا كلّه فكر في أمور معقولة زائدة على اللفظ. وإذا كان هذا كذلك، لم يخل هذا الذي يجعل في الألفاظ فكرا من أحد أمرين: إمّا أن يخرج هذه المعاني من أن يكون لواضع الكلام فيها فكر ويجعل الفكر كلّه في الألفاظ وإمّا أن يجعل له فكرا في اللفظ مفردا عن الفكرة في هذه المعاني. فإن ذهب إلى الأوّل لم يكلّم، وإن ذهب إلى الثاني لزمه أن يجوّز وقوع فكر من الأعجمي الذي لا يعرف معاني ألفاظ العربية أصلا، في الألفاظ. وذلك ممّا لا يخفى مكان الشّنعة «١» والفضيحة فيه. وشبيه بهذا التوهّم منهم، أنّك قد ترى أحدهم يعتبر حال السامع، فإذا رأى المعاني لا تترتّب في نفسه إلّا بترتّب الألفاظ في سمعه، ظنّ عند ذلك أن المعاني تبع للألفاظ، وأن التّرتّب فيها مكتسب من الألفاظ، ومن ترتّبها في نطق المتكلم. وهذا ظن فاسد ممن يظنّه، فإن الاعتبار ينبغي أن يكون بحال الواضع للكلام والمؤلّف له، والواجب أن ينظر إلى حال المعاني معه لا مع السامع، وإذا نظرنا علمنا ضرورة أنه محال أن يكون التّرتّب فيها تبعا لترتّب الألفاظ ومكتسبا عنه، لأن ذلك يقتضي أن تكون الألفاظ سابقة للمعاني، وأن تقع في نفس الإنسان أوّلا، ثم تقع المعاني من بعدها وتالية لها، بالعكس مما يعلمه كلّ عاقل إذا هو لم يؤخذ عن نفسه، ولم يضرب حجاب بينه وبين عقله. وليت شعري، هل كانت الألفاظ إلّا من أجل المعاني؟ وهل هي إلّا خدم لها، ومصرّفة على حكمها؟ أو ليست هي سمات لها، وأوضاعا قد وضعت لتدلّ عليها؟ فكيف يتصوّر أن تسبق المعاني وأن تتقدّمها في تصوّر النفس؟ إن جاز ذلك، جاز أن تكون أسامي الأشياء قد وضعت قبل أن

стр. 264

عرفت الأشياء، وقبل أن كانت. وما أدري ما أقول في شيء يجرّ الذاهبين إليه إلى أشباه هذا من فنون المحال، ورديء الأقوال. هذا سؤال لهم من جنس آخر في «النظم». قالوا: لو كان «النظم» يكون في معاني النحو، لكان البدويّ الذي لم يسمع بالنحو قطّ، ولم يعرف المبتدأ والخبر وشيئا ممّا يذكرونه، لا يتأتّى له نظم كلام. وإنّا لنراه يأتي في كلامه بنظم لا يحسنه المتقدّم في علم النحو. قيل: هذه شبهة من جنس ما عرض للذين عابوا المتكلمين فقالوا: «إنّا نعلم أنّ الصحابة ﵃ والعلماء في الصّدر الأوّل، لم يكونوا يعرفون «الجوهر» و «العرض»، و «صفة النفس» و «صفة المعنى» وسائر العبارات التي وضعتموها، فإن كان لا تتمّ الدّلالة على حدوث العالم والعلم بوحدانيّة الله، إلا بمعرفة هذه الأشياء التي ابتدأتموها، فينبغي لكم أن تدّعوا أنكم قد علمتم في ذلك ما لم يعلموه، وأن منزلتكم في العلم أعلى من منازلهم. وجوابنا هو مثل جواب المتكلمين، وهو أن الاعتبار بمعرفة مدلول العبارات، لا بمعرفة العبارات. فإذا عرف البدويّ الفرق بين أن يقول: «جاءني زيد راكبا»، وبين قوله: «جاءني زيد الرّاكب»، لم يضرّه أن لا يعرف أنه إذا قال: «راكبا»، كانت عبارة النحويين فيه أن يقولوا في «راكب»: «إنه حال»، وإذا قال: «الراكب»، أنه صفة جارية على «زيد» وإذا عرف في قوله: «زيد منطلق» أن «زيدا» مخبر عنه، و «منطلق» خبر، لم يضرّه أن لا يعلم أنّا نسمّي «زيدا» مبتدأ وإذا عرف في قولنا: «ضربته تأديبا له»، أن المعنى في التأديب أنه غرضه من الضرب، وأنه ضربه ليتأدب، لم يضرّه أن لا يعلم أنا نسمي «التأديب» مفعولا له. ولو كان عدمه العلم بهذه العبارات، يمنعه العلم بما وضعناها له وأردناه بها لكان ينبغي أن لا يكون له سبيل إلى بيان أغراضه، وأن لا يفصل فيما يتكلّم به بين نفي وإثبات، وبين «ما» إذا كان استفهاما وبينه إذا كان بمعنى «الذي»، وإذا كان بمعنى المجازاة، لأنه لم يسمع عباراتنا في الفرق بين هذه المعاني. أترى الأعرابيّ حين سمع المؤذّن يقول: «أشهد أنّ محمدا رسول الله» بالنصب، فأنكر وقال: صنع ماذا؟ أنكر عن غير علم أن النصب يخرجه عن أن يكون خبرا ويجعله والأوّل في حكم اسم واحد، وأنه إذا صار والأوّل في حكم اسم واحد، احتيج إلى اسم آخر أو فعل، حتى يكون كلاما، وحتى يكون قد ذكر ما له فائدة؟ إن كان لم يعلم ذلك، فلماذا قال: «صنع ماذا؟»، فطلب ما يجعله خبرا؟

стр. 265

ويكفيك أنه يلزم على ما قالوه أن يكون امرؤ القيس حين قال: [من الطويل] قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل «١» قاله وهو لا يعلم ما نعنيه بقولنا: أن «قفا» أمر، و «نبك» جواب الأمر، و «ذكرى» مضاف إلى «حبيب»، و «منزل» معطوف على الحبيب وأن تكون هذه الألفاظ قد ترتّبت له من غير قصد منه إلى هذه المعاني. وذلك يوجب أن يكون قال: «نبك» بالجزم من غير أن يكون عرف معنى يوجب الجزم، وأتى به مؤخرا عن «قفا»، من غير أن عرف لتأخيره موجبا سوى طلب الوزن. ومن أفضت به الحال إلى أمثال هذه الشناعات، ثم لم يرتدع، ولم يتبيّن أنه على خطأ، فليس إلّا تركه والإعراض عنه. ولولا أنّا نحبّ أن لا ينبس أحد في معنى السّؤال والاعتراض بحرف إلّا أريناه الذي استهواه، لكان ترك التشاغل بإيراد هذا وشبهه أولى. ذاك لأنّا قد علمنا علم ضرورة أنّا لو بقينا الدهر الأطول نصعّد ونصوّب، ونبحث وننقّب، نبتغي كلمة قد اتصلت بصاحبة لها، ولفظة قد انتظمت مع أختها، من غير أن توخّي فيما بينهما معنى من معاني النحو، طلبنا ممتنعا، وثنينا مطايا الفكر ظلّعا. فإن كان هاهنا من يشكّ في ذلك، ويزعم أنه قد علم لاتّصال الكلم بعضها ببعض، وانتظام الألفاظ بعضها مع بعض، معاني غير معاني النحو، فإنا نقول له: هات، فبيّن لنا تلك المعاني، وأرنا مكانها، واهدنا لها، فلعلّك قد أوتيت علما قد حجب عنّا، وفتح لك باب قد أغلق دوننا: [من الوافر] وذاك له إذا العنقاء صارت ... مربّبة وشبّ ابن الخصيّ «٢»

стр. 266

فصل [في مسألة التعبير عن المعنى بلفظين أحدهما فصيح والآخر غير فصيح] قد أردت أن أعيد القول في شيء هو أصل الفساد ومعظم الآفة، والذي صار حجازا بين القوم وبين التأمّل، وأخذ بهم عن طريق النّظر، وحال بينهم وبين أن يصغوا إلى ما يقال لهم، وأن يفتحوا للذي تبيّن أعينهم، وذلك قولهم: «إنّ العقلاء قد اتّفقوا على أنه يصحّ أن يعبّر عن المعنى الواحد بلفظين، ثم يكون أحدهما فصيحا، والآخر غير فصيح. وذلك، قالوا، يقتضي أن يكون للّفظ نصيب في المزيّة، لأنها لو، كانت مقصورة على المعنى، لكان محالا أن يجعل لأحد اللفظين فضل على الآخر، مع أن المعبّر عنه واحد». وهذا شيء تراهم يعجبون به ويكثرون ترداده، مع أنهم يؤكّدونه فيقولون: «لولا أنّ الأمر كذلك، لكان ينبغي أن لا يكون للبيت من الشّعر فضل على تفسير المفسّر له، لأنّه إن كان اللّفظ إنما يشرف من أجل معناه، فإنّ لفظ المفسّر يأتي على المعنى ويؤدّيه لا محالة، إذ لو كان لا يؤدّيه، لكان لا يكون تفسيرا له». ثم يقولون: «وإذا لزم ذلك في تفسير البيت من الشّعر، لزم مثله في الآية من القرآن» وهم إذا انتهوا في الحجاج إلى هذا الموضع، ظنّوا أنّهم قد أتوا بما لا يجوز أن يسمع عليهم معه كلام، وأنه نقض ليس بعده إبرام، وربما أخرجهم الإعجاب به إلى الضحك والتعجّب ممن يرى أنّ إلى الكلام عليه سبيلا، وأنّه يستطيع أن يقيم على بطلان ما قالوه دليلا. والجواب، وبالله التوفيق، أن يقال للمحتج بذلك: قولك إنّه يصحّ أن يعبّر عن المعنى الواحد بلفظين، يحتمل أمرين: أحدهما: أن تريد باللفظين كلمتين معناهما واحد في اللغة، مثل «الليث» و «الأسد»، ومثل «شحط» و «بعد»، وأشباه ذلك مما وضع اللفظان فيه لمعنى. والثاني: أن تريد كلامين. فإن أردت الأوّل خرجت من المسألة، لأن كلامنا نحن في فصاحة تحدث من بعد التأليف، دون الفصاحة التي توصف بها اللفظة مفردة، ومن غير أن يعتبر حالها مع غيرها.

стр. 267

وإن أردت الثاني، ولا بدّ لك من أن تريده، فإن هاهنا أصلا، من عرفه عرف سقوط هذا الاعتراض. وهو أن يعلم أن سبيل المعاني سبيل أشكال الحليّ، كالخاتم والشّنف والسّوار، فكما أن من شأن هذه الأشكال أن يكون الواحد منها غفلا ساذجا، لم يعمل صانعه فيه شيئا أكثر من أن أتى بما يقع عليه اسم الخاتم إن كان خاتما، والشّنف إن كان شنفا، وأن يكون مصنوعا بديعا قد أغرب صانعه فيه. كذلك سبيل المعاني، أن ترى الواحد منها غفلا ساذجا عامّيا موجودا في كلام الناس كلّهم، ثم تراه نفسه وقد عمد إليه البصير بشأن البلاغة وإحداث الصّور في المعاني، فيصنع فيه ما يصنع الصّنع الحاذق، حتى يغرب في الصّنعة، ويدقّ في العمل، ويبدع في الصّياغة. وشواهد ذلك حاضرة لك كيف شئت، وأمثلته نصب عينيك من أين نظرت. تنظر إلى قول النّاس: «الطبع لا يتغيّر»، و «لست تستطيع أن تخرج الإنسان عمّا جبل عليه»، فترى معنى غفلا عامّيا معروفا في كل جيل وأمة، ثم تنظر إليه في قول المتنبي: [من المتقارب] يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطّباع على النّاقل «١» فتجده قد خرج في أحسن صورة، وتراه قد تحوّل جوهرة بعد أن كان خرزة، وصار أعجب شيء بعد أن لم يكن شيئا. وإذ قد عرفت ذلك، فإن العقلاء إلى هذا قصدوا حين قالوا: «إنّه يصحّ أن يعبّر عن المعنى الواحد بلفظين، ثم يكون أحدهما فصيحا والآخر غير فصيح»، كأنهم قالوا: إنه يصح أن تكون هاهنا عبارتان أصل المعنى فيهما واحد، ثم يكون لإحداهما في تحسين ذلك المعنى وتزيينه، وإحداث خصوصيّة فيه تأثير لا يكون للأخرى. واعلم أن المخالف لا يخلو من أن ينكر أن يكون للمعنى في إحدى العبارتين حسن ومزيّة لا يكونان له في الأخرى، وأن تحدث فيه على الجملة صورة لم تكن أو يعرف ذلك، فإن أنكر لم يكلّم، لأنه يؤديه إلى أن لا يجعل للمعنى في قوله: وتأبى الطباع على الناقل

стр. 268

مزية على الذي يعقل من قولهم: «الطبع لا يتغير»، و «لا يستطيع أن يخرج الإنسان عمّا جبل عليه» وأن لا يرى لقول أبي نواس: [من السريع] وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد مزيّة على أن يقال: «غير بديع في قدرة الله تعالى أن يجمع فضائل الخلق كلّهم في رجل واحد». ومن أدّاه قول يقوله إلى مثل هذا، كان الكلام معه محالا، وكنت إذا كلّفته أن يعرف، كمن يكلّف أن يميّز بحور الشعر بعضها من بعض، فيعرف المديد من الطّويل، والبسيط من السّريع من ليس له ذوق يقيم به الشعر من أصله. وإن اعترف بأنّ ذلك يكون، قلنا له: أخبرنا عنك، أتقول في قوله: وتأبى الطّباع على الناقل «١» أنه غاية في الفصاحة؟ فإذا قال: نعم. قيل له: أفكان كذلك عندك من أجل حروفه، أم من أجل حسن ومزيّة حصلا في المعنى فإن قال: من أجل حروفه: دخل في الهذيان وإن قال: من أجل حسن ومزيّة حصلا في المعنى، قيل له: فذاك ما أردناك عليه حين قلنا: إن اللفظ يكون فصيحا من أجل مزية تقع في معناه، لا من أجل جرسه وصداه. واعلم أنه ليس شيء أبين وأوضح وأحرى أن يكشف الشبهة عن متأمّله في صحة ما قلناه، من «التشبيه». فإنّك تقول: «زيد كالأسد» أو «مثل الأسد» أو «شبيه بالأسد»، فتجد ذلك كلّه تشبيها غفلا ساذجا ثم تقول: «كأن زيدا الأسد»، فيكون تشبيها أيضا، إلّا أنّك ترى بينه وبين الأول بونا بعيدا، لأنك ترى له صورة خاصّة، وتجدك قد فخّمت المعنى وزدت فيه، بأن أفدت أنه من الشّجاعة وشدّة البطش، وأنّ قلبه قلب لا يخامره الذّعر ولا يدخله الرّوع، بحيث يتوهّم أنه الأسد بعينه ثم تقول: «لئن لقيته ليلقينّك منه الأسد»، فتجده قد أفاد هذه المبالغة، لكن في صورة أحسن، وصفة أخصّ، وذلك أنك تجعله في «كأن»، يتوهّم أنه الأسد، وتجعله هاهنا يرى منه الأسد على القطع، فيخرج الأمر عن حدّ التوهّم إلى حدّ اليقين ثم نظرت إلى قوله: [من الطويل]

стр. 269

أأن أرعشت كفّا أبيك وأصبحت ... يداك يدي ليث فإنّك غالبه «١» وجدته قد بدا لك في صورة آنق وأحسن ثم نظرت إلى قول أرطاة بن سهيّة: [من البسيط] إن تلقني لا ترى غيري بناظرة ... تنس السّلاح وتعرف جبهة الأسد «٢» وجدته قد فضل الجميع، ورأيته قد أخرج في صورة غير تلك الصّور كلّها. واعلم أن من الباطل والمحال ما يعلم الإنسان بطلانه واستحالته بالرجوع إلى النفس حتى لا يشكّ. ثم إنّه إذا أراد بيان ما يجد في نفسه والدّلالة عليه، رأى المسلك إليه يغمض ويدقّ. وهذه الشبهة أعني قولهم: «إنه لو كان يجوز أن يكون الأمر على خلاف ما قالوه من أنّ الفصاحة وصف للّفظ من حيث هو لفظ، لكان ينبغي أن لا يكون للبيت من الشّعر فضل على تفسير المفسّر»، إلى آخره من ذاك. وقد علقت لذلك بالنّفوس وقويت فيها، حتى إنك لا تلقي إلى أحد من المتعلقين بأمر «اللفظ» كلمة مما نحن فيه، إلا كان هذا أوّل كلامه، وإلّا عجّب وقال: «إنّ التفسير بيان للمفسّر، فلا يجوز أن يبقى من معنى المفسّر شيء لا يؤدّيه التفسير ولا يأتي عليه، لأن في تجويز ذلك القول بالمحال، وهو أن لا يزال يبقى من معنى المفسّر شيء لا يكون إلى العلم به سبيل. وإذا كان الأمر كذلك، ثبت أن الصحيح ما قلناه، من أنه لا يجوز أن يكون للّفظ المفسّر فضل من حيث المعنى على لفظ التفسير. وإذ لم يجز أن يكون الفضل من حيث المعنى، لم يبق إلا أن يكون من حيث اللفظ نفسه». فهذا جملة ما يمكنهم أن يقولوه في نصرة هذه الشبهة، قد استقصيته لك. وإذ قد عرفته فاسمع الجواب، وإلى الله تعالى الرّغبة في التوفيق للصواب.

стр. 270

اعلم أن قولهم: «إنّ التفسير يجب أن يكون كالمفسّر»، دعوى لا تصحّ لهم إلا من بعد أن ينكروا الذي بيّنّاه، من أن من شأن المعاني أن تختلف بها الصّور، ويدفعوه أصلا، وحتّى يدّعوا أنه لا فرق بين «الكناية» و «التصريح»، وأنّ حال المعنى مع «الاستعارة» كحاله مع ترك الاستعارة، وحتى يبطلوا ما أطبق عليه العقلاء من أنّ «المجاز» يكون أبدا أبلغ من الحقيقة، فيزعموا أن قولنا: «طويل النجاد» و «طويل القامة» واحد، وأن حال المعنى في بيت ابن هرمة. [من المنسرح] ولا أبتاع إلّا قريبة الأجل «١» كحاله في قولك: أنا مضياف وأنك إذا قلت: «رأيت أسدا»، لم يكن الأمر أقوى من أن تقول: «رأيت رجلا هو من الشجاعة بحيث لا ينقص عن الأسد»، ولم تكن قد زدت في المعنى بأن ادّعيت له أنه أسد بالحقيقة ولا بالغت فيه وحتى يزعموا أنه لا فضل ولا مزيّة لقولهم: «ألقيت حبله على غاربه»، على قولك في تفسيره: «خلّيته وما يريد، وتركته يفعل ما يشاء» وحتّى لا يجعلوا للمعنى في قوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: ٩٣]، مزيّة على أن يقال: «اشتدّت محبتهم للعجل وغلبت على قلوبهم» - وأن تكون صورة المعنى في قوله : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم: ٤]، صورته في قول من يقول: «وشاب رأسي كلّه» و «ابيض رأسي كلّه» وحتى لا يروا فرقا بين قوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة: ١٦]، وبين: «فما ربحوا في تجارتهم» وحتى يرتكبوا جميع ما أريناك الشناعة فيه، من أن لا يكون فرق بين قول المتنبي: وتأبى الطّباع على النّاقل «٢» وبين قولهم: «إنّك لا تقدر أن تغيّر طباع الإنسان» ويجعلوا حال المعنى في قول أبي نواس: [من السريع] وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد كحاله في قولنا: «إنه ليس ببديع في قدرة الله أن يجمع فضائل الخلق كلهم في واحد» ويرتكبوا ذلك في الكلام كلّه، حتّى يزعموا أنّا إذا قلنا في قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ أن المعنى فيها: «أنه لما كان الإنسان إذا همّ بقتل آخر

стр. 271

لشيء غاظه منه، فذكر أنّه إن قتله قتل ارتدع، صار المهموم بقتله كأنه قد استفاد حياة فيما يستقبل بالقصاص» كنا قد أدّينا المعنى في تفسيرنا هذا على صورته التي هو عليها في الآية، حتى لا نعرف فضلا، وحتى يكون حال الآية والتفسير حال اللّفظتين إحداهما غريبة والأخرى مشهورة، فتفسّر الغريبة بالمشهورة، مثل أن تقول مثلا في «الشّرجب» «١» إنه الطويل، وفي «القطّ» إنه الكتاب، وفي «الدّسر» إنه المسامير. ومن صار الأمر به إلى هذا، كان الكلام معه محالا. واعلم أنه ليس عجب أعجب من حال من يرى كلامين، أجزاء أحدهما مخالفة في معانيها لأجزاء الآخر، ثم يرى أنه يسع في العقل أن يكون معنى أحد الكلامين مثل معنى الآخر سواء، حتى يقعد فيقول: «إنّه لو كان يكون الكلام فصيحا من أجل مزيّة تكون في معناه، لكان ينبغي أن توجد تلك المزيّة في تفسيره». ومثله في العجب أنّه ينظر إلى قوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة: ١٦]، فيرى إعراب الاسم الذي هو «التجارة»، قد تغير فصار مرفوعا بعد أن كان مجرورا، ويرى أنّه قد حذف من اللفظ بعض ما كان فيه، وهو «الواو» في «ربحوا»، و «في» من قولنا: «في تجارتهم»، ثم لا يعلم أن ذلك يقتضي أن يكون المعنى قد تغيّر كما تغيّر اللفظ!! واعلم أنه ليس للحجج والدّلائل في صحة ما نحن عليه حدّ ونهاية، وكلما انتهى منه باب انفتح فيه باب آخر. وقد أردت أن آخذ في نوع آخر من الحجاج، ومن البسط والشّرح، فتأمل ما أكتبه لك. اعلم أن الكلام الفصيح ينقسم قسمين: قسم تعزى المزيّة والحسن فيه إلى اللفظ وقسم يعزى ذلك فيه إلى النّظم. فالقسم الأول: «الكناية» و «الاستعارة» و «التمثيل الكائن على حدّ الاستعارة»، وكلّ ما كان فيه، على الجملة، مجاز واتّساع وعدول باللفظ عن الظاهر، فما من ضرب من هذه الضّروب إلّا وهو إذا وقع على الصّواب وعلى ما ينبغي، أوجب الفضل والمزية. فإذا قلت: «هو كثير رماد القدر»، كان له موقع وحظّ من القبول لا يكون إذا قلت: «هو كثير القرى والضيافة». وكذا إذا قلت: «هو طويل النجاد»، كان له تأثير في النفس لا يكون إذا قلت: «هو طويل القامة».

стр. 272

وكذا إذا قلت: «رأيت أسدا»، كان له مزيّة لا تكون إذا قلت: «رأيت رجلا يشبه الأسد ويساويه في الشجاعة». وكذلك إذا قلت: «أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى»، كان له موقع لا يكون إذا قلت: «أراك تتردد في الذي دعوتك إليه، كمن يقول: أخرج ولا أخرج، فيقدّم رجلا ويؤخّر أخرى». وكذلك إذا قلت: «ألقى حبله على غاربه»، كان له مأخذ من القلب لا يكون إذا قلت: «هو كالبعير الذي يلقى حبله على غاربه حتى يرعى كيف يشاء ويذهب حيث يريد». لا يجهل المزيّة فيه إلا عديم الحسّ ميّت النفس، وإلّا من لا يكلّم، لأنه من مبادئ المعرفة التي من عدمها لم يكن للكلام معه معنى. وإذ قد عرفت هذه الجملة، فينبغي أن تنظر إلى هذه المعاني واحدا واحدا، وتعرف محصولها وحقائقها، وأن تنظر أوّلا إلى «الكناية»، وإذا نظرت إليها وجدت حقيقتها ومحصول أمرها أنّها إثبات لمعنى، أنت تعرف ذلك المعنى من طريق المعقول دون طريق اللفظ. ألا ترى أنك لما نظرت إلى قولهم: «هو كثير رماد القدر»، وعرفت منه أنهم أرادوا أنه كثير القرى والضيافة، لم تعرف ذلك من اللفظ، ولكنّك عرفته بأن رجعت إلى نفسك فقلت: إنّه كلام قد جاء عنهم في المدح، ولا معنى للمدح بكثرة الرّماد، فليس إلا أنّهم أرادوا أن يدلّوا بكثرة الرّماد على أنه تنصب له القدور الكثيرة، ويطبخ فيها للقرى والضّيافة. وذلك لأنه إذا كثر الطبخ في القدور كثر إحراق الحطب تحتها، وإذا كثر إحراق الحطب كثر الرّماد لا محالة. وهكذا السبيل في كلّ ما كان «كناية». فليس من لفظ الشّعر عرفت أن ابن هرمة أراد بقوله: ولا أبتاع إلّا قريبة الأجل «١» التمدّح بأنه مضياف، ولكنّك عرفته بالنّظر اللطيف، وبأن علمت أنه لا معنى للتمدّح بظاهر ما يدلّ عليه اللّفظ من قرب أجل ما يشتريه، فطلبت له تأويلا، فعلمت أنه أراد أنّه يشتري ما يشتريه للأضياف، فإذا اشترى شاة أو بعيرا، كان قد اشترى ما قد دنا أجله، لأنه يذبح وينحر عن قريب.

стр. 273

وإذ قد عرفت هذا في «الكناية»، «فالاستعارة» في هذه القضيّة. وذاك أنّ موضوعها على أنك تثبت بها معنى لا يعرف السّامع ذلك المعنى من اللّفظ، ولكنه يعرفه من معنى اللّفظ. بيان هذا، أنا نعلم أنك لا تقول: «رأيت أسدا، إلّا وغرضك أن تثبت للرجل أنه مساو للأسد في شجاعته وجرأته، وشدّة بطشه وإقدامه، وفي أن الذّعر لا يخامره، والخوف لا يعرض له. ثم تعلم أن السامع إذا عقل هذا المعنى، لم يعقله من لفظ «أسد»، ولكنه يعقله من معناه، وهو أنه يعلم أنه لا معنى لجعله «أسدا»، مع العلم بأنه «رجل»، إلا أنك أردت أنه بلغ من شدّة مشابهته للأسد ومساواته إيّاه، مبلغا يتوهّم معه أنه أسد بالحقيقة. فاعرف هذه الجملة وأحسن تأمّلها. واعلم أنك ترى الناس وكأنهم يرون أنك إذا قلت: «رأيت أسدا»، وأنت تريد التشبيه، كنت نقلت لفظ «أسد» عما وضع له في اللغة، واستعملته في معنى غير معناه، حتّى كأن ليس «الاستعارة» إلّا أن تعمد إلى اسم الشيء فتجعله اسما لشبيه، وحتى كأن لا فصل بين «الاستعارة»، وبين تسمية المطر «سماء»، والنّبت «غيثا»، والمزادة «راوية»، وأشباه ذلك مما يوقع فيه اسم الشيء على ما هو منه بسبب، ويذهبون عمّا هو مركوز في الطّباع من أن المعنى فيه المبالغة، وأن يدّعي في الرجل أنه ليس برجل، ولكنه أسد بالحقيقة، وأنّه إنما يعار اللفظ من بعد أن يعار المعنى، وأنه لا يشرك في اسم «الأسد»، إلّا من بعد أن يدخل في جنس الأسد. لا ترى أحدا يعقل إلّا وهو يعرف ذلك إذا رجع إلى نفسه أدنى رجوع. ومن أجل أن كان الأمر كذلك، رأيت العقلاء كلّهم يثبتون القول بأن من شأن «الاستعارة» أن تكون أبدا أبلغ من الحقيقة، وإلّا فإن كان ليس هاهنا إلّا نقل اسم من شيء إلى شيء، فمن أين يجب، ليت شعري، أن تكون الاستعارة أبلغ من الحقيقة، ويكون لقولنا: «رأيت أسدا»، مزيّة على قولنا: «رأيت شبيها بالأسد»؟ وقد علمنا أنّه محال أن يتغيّر الشيء في نفسه، بأن ينقل إليه اسم قد وضع لغيره، من بعد أن لا يراد من معنى ذلك الاسم فيه شيء بوجه من الوجوه، بل يجعل كأنه لم يوضع لذلك المعنى الأصليّ أصلا. وفي أي عقل يتصوّر أن يتغيّر معنى «شبيها بالأسد»، بأن يوضع لفظ «أسد» عليه، وينقل إليه؟ واعلم أن العقلاء بنوا كلامهم، إذا قاسوا وشبّهوا، على أن الأشياء تستحق الأسامي لخواصّ معان هي فيها دون ما عداها، فإذا أثبتوا خاصّة شيء لشيء، أثبتوا له

стр. 274

اسمه، فإذا جعلوا «الرجل» بحيث لا تنقص شجاعته عن شجاعة الأسد ولا يعدم منها شيئا، قالوا: «هو أسد» وإذا وصفوه بالتّناهي في الخير والخصال الشريفة، أو بالحسن الذي يبهر قالوا: «هو ملك» وإذا وصفوا الشيء بغاية الطّيب قالوا: «هو مسك». وكذلك الحكم أبدا. ثمّ إنهم إذا استقصوا في ذلك نفوا عن المشبّه اسم جنسه فقالوا: «ليس هو بإنسان، وإنما هو أسد»، و «ليس هو آدميّا، وإنما هو ملك»، كما قال الله تعالى: ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: ٣١]. ثمّ إن لم يريدوا أن يخرجوه عن جنسه جملة قالوا: «هو أسد في صورة إنسان» و «هو ملك في صورة آدميّ». وقد خرج هذا للمتنبي في أحسن عبارة، وذلك في قوله: [من الخفيف] نحن ركب ملجنّ في زيّ ناس ... فوق طير لها شخوص الجمال «١» ففي هذه الجملة بيان لمن عقل أن ليست «الاستعارة» نقل اسم عن شيء إلى شيء، ولكنها ادّعاء معنى الاسم لشيء، إذ لو كانت نقل اسم وكان قولنا: «رأيت أسدا»، بمعنى: رأيت شبيها بالأسد، ولم يكن ادّعاء أنّه أسد بالحقيقة لكان محالا أن يقال: «ليس هو بإنسان، ولكنه أسدا» أو «هو أسد في صورة إنسان»، كما أنّه محال أن يقال: «ليس هو بإنسان، ولكنه شبيه بأسد» أو يقال: «هو شبيه بأسد في صورة إنسان». واعلم أنّه قد كثر في كلام الناس استعمال لفظ «النقل» في «الاستعارة»، فمن ذلك قولهم: «إنّ الاستعارة تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على سبيل النقل»: وقال القاضي أبو الحسن «٢»: «الاستعارة ما اكتفي فيه بالاسم المستعار عن الأصلي، ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها».

стр. 275

ومن شأن ما غمض من المعاني ولطف، أن يصعب تصويره على الوجه الذي هو عليه لعامّة الناس، فيقع لذلك في العبارات التي يعبّر بها عنه، ما يوهم الخطأ، وإطلاقهم في «الاستعارة» أنها «نقل للعبارة عمّا وضعت له»، من ذلك، فلا يصحّ الأخذ به. وذلك أنّك إذا كنت لا تطلق اسم «الأسد» على «الرجل»، إلا من بعد أن تدخله في جنس الأسود من الجهة التي بيّنّا، لم تكن نقلت الاسم عما وضع له بالحقيقة، لأنك إنّما تكون ناقلا، إذا أنت أخرجت معناه الأصليّ من أن يكون مقصودك، ونفضت به يدك. فأمّا أن تكون ناقلا له عن معناه، مع إرادة معناه، فمحال متناقض. واعلم أن في «الاستعارة» ما لا يتصوّر تقدير النقل فيه البتّة، وذلك مثل قول لبيد: [من الكامل] وغداة ريح قد كشفت وقرّة ... إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها «١» لا خلاف في أن «اليد» استعارة، ثم إنك لا تستطيع أن تزعم أنّ لفظ «اليد» قد نقل عن شيء إلى شيء. وذلك أنه ليس المعنى على أنه شبّه شيئا باليد، فيمكنك أن تزعم أنه نقل لفظ «اليد» إليه، وإنما المعنى على أنه أراد أن يثبت للشّمال في تصريفها «الغداة» على طبيعتها، شبه الإنسان قد أخذ الشيء بيده يقبله ويصرّفه كيف يريد. فلما أثبت لها مثل فعل الإنسان باليد، استعار لها «اليد». وكما لا يمكنك تقدير «النقل» في لفظ «اليد»، كذلك لا يمكنك أن تجعل الاستعارة فيه من صفة اللفظ. ألا ترى أنه محال أن تقول: إنه استعار لفظ «اليد» للشّمال؟ وكذلك سبيل نظائره، مما تجدهم قد أثبتوا فيه للشيء عضوا من أعضاء الإنسان، من أجل إثباتهم له المعنى الذي يكون في ذلك العضو من الإنسان كبيت الحماسة: [من الطويل] إذا هزّه في عظم قرن تهلّلت ... نواجذ أفواه المنايا الضّواحك «٢» فإنه لما جعل «المنايا» تضحك، جعل لها «الأفواه والنواجذ» التي يكون الضّحك فيها وكبيت المتنبّي: [من الطويل]

стр. 276

خميس بشرق الأرض والغرب زحفه ... وفي أذن الجوزاء منه زمازم «١» لما جعل «الجوزاء» تسمع على عادتهم في جعل النّجوم تعقل، ووصفهم لها بما يوصف به الأناسيّ أثبت لها «الأذن» التي بها يكون السمع من الأناسيّ. فأنت الآن لا تستطيع أن تزعم في بيت الحماسة أنّه استعار لفظ «النواجذ» ولفظ «الأفواه»، لأن ذلك يوجب المحال، وهو أن يكون في المنايا شيء قد شبّهه بالنواجذ، وشيء قد شبّهه بالأفواه، فليس إلّا أن تقول: إنه لمّا ادّعى أنّ المنايا تسرّ وتستبشر إذا هو هزّ السيف، وجعلها لسرورها بذلك تضحك أراد أن يبالغ في الأمر، فجعلها في صورة من يضحك حتى تبدو نواجذه من شدة السرور. وكذلك لا تستطيع أن تزعم أن المتنبي قد استعار لفظ «الأذن»، لأنه يوجب أن يكون في «الجوزاء» شيء قد أراد تشبيهه بالأذن. وذلك من شنيع المحال. فقد تبيّن من غير وجه أنّ «الاستعارة» إنما هي ادّعاء معنى الاسم للشيء، لا نقل الاسم عن الشيء. وإذا ثبت أنها ادّعاء معنى الاسم للشيء، علمت أن الذي قالوه من «أنها تعليق للعبارة على غير ما وضعت له في اللغة، ونقل لها عمّا وضعت له» كلام قد تسامحوا فيه، لأنه إذا كانت «الاستعارة» ادعاء معنى الاسم، لم يكن الاسم مزالا عما وضع له، بل مقرّا عليه. واعلم أنك تراهم لا يمتنعون إذا تكلموا في «الاستعارة» من أن يقولوا: «إنه أراد المبالغة فجعله أسدا»، بل هم يلجئون إلى القول به. وذلك صريح في أن الأصل فيها المعنى، وأنه المستعار في الحقيقة، وأن قولنا: «استعير له اسم الأسد»، إشارة إلى أنه استعير له معناه، وأنه جعل إياه. وذلك أنّا لو لم نقل ذلك، لم يكن «لجعل» هاهنا معنى، لأن «جعل» لا يصلح إلا حيث يراد إثبات صفة للشيء، كقولنا: «جعلته أميرا» و «جعلته لصّا»، تريد أنك أثبت له الإمارة، ونسبته إلى اللصوصية وادّعيتها عليه ورميته بها. وحكم «جعل»، إذا تعدّى إلى مفعولين، حكم «صيّر»، فكما لا تقول:

стр. 277

«صيّرته أميرا»، إلا على معنى أنك أثبتّ له صفة الإمارة، كذلك لا يصحّ أن تقول: «جعلته أسدا»، إلا على معنى أنك أثبتّ له معاني الأسد. وأمّا ما تجده في بعض كلامهم من أن «جعل» يكون بمعنى «سمّى»، فمما تسامحوا فيه أيضا، لأن المعنى معلوم، وهو مثل أن تجد الرجل يقول: «أنا لا أسمّيه إنسانا»، وغرضه أن يقول: إني لا أثبت له المعاني التي بها كان الإنسان إنسانا. فأما أن يكون «جعل» في معنى «سمّى»، هكذا غفلا، فممّا لا يخفى فساده. ألا ترى أنك لا تجد عاقلا يقول: «جعلته زيدا»، بمعنى: سميته زيدا ولا يقال للرجل: «اجعل ابنك زيدا»، بمعنى: سمّه زيدا و «ولد ابن فجعله عبد الله»، أي: سمّاه عبد الله. هذا ما لا يشك فيه ذو عقل إذا نظر. وأكثر ما يكون منهم هذا التسامح، أعني قولهم إنّ «جعل» يكون بمعنى «سمّى» في قوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [الزخرف: ١٩]، فقد ترى في التفسير أن «جعل» يكون بمعنى «سمّى»، وعلى ذاك فلا شبه في أن ليس المعنى على مجرّد التسمية، ولكن على الحقيقة التي وصفتها لك. وذاك أنّهم أثبتوا للملائكة صفة الإناث، واعتقدوا وجودها فيهم، وعن هذا الاعتقاد صدر عنهم ما صدر من الاسم أعني إطلاق اسم «البنات» وليس المعنى أنّهم وضعوا لها لفظ «الإناث» ولفظ «البنات»، من غير اعتقاد معنى وإثبات صفة. هذا محال. أو لا ترى إلى قوله تعالى: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ [الزخرف: ١٩]، فلو كانوا لم يزيدوا على إجراء الاسم على الملائكة، ولم يعتقدوا إثبات صفة لما قال الله تعالى: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ. هذا ولو كانوا لم يقصدوا إثبات صفة، ولم يكن غير أن وضعوا اسما لا يريدون به معنى، لما استحقّوا إلّا اليسير من الذمّ، ولما كان هذا القول منهم كفرا. والتّفسير الصحيح والعبارة المستقيمة، ما قاله أبو إسحاق الزجاج ﵀، فإنه قال: إنّ «الجعل» هاهنا في معنى القول والحكم على الشيء، تقول: «قد جعلت زيدا أعلم الناس»، أي وصفته بذلك وحكمت به. ونرجع إلى الغرض فنقول: فإذا ثبت أن ليست «الاستعارة» نقل الاسم، ولكن ادّعاء معنى الاسم وكنّا إذا عقلنا من قول الرجل: «رأيت أسدا»، أنه أراد به المبالغة في وصفه بالشجاعة، وأن يقول: إنه من قوة القلب، ومن فرط البسالة وشدّة البطش، وفي أن الخوف لا يخامره، والذّعر لا يعرض له، بحيث لا ينقص عن الأسد لم نعقل ذلك من لفظ «أسد»، ولكن من ادّعائه معنى الأسد الذي رآه ثبت بذلك أن «الاستعارة كالكناية، في أنك تعرف المعنى فيها من طريق المعقول دون طريق اللّفظ.

стр. 278

وإذ قد عرفت أنّ طريق العلم بالمعنى في «الاستعارة» و «الكناية» معا، المعقول، فاعلم أن حكم «التّمثيل» في ذلك حكمهما، بل الأمر في «التمثيل» أظهر. وذلك أنه ليس من عاقل يشكّ إذا نظر في كتاب يزيد بن الوليد «١» إلى مروان ابن محمّد، حين بلغه أنه يتلكأ في بيعته: «أمّا بعد، فإنّي أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيّتهما شئت، والسّلام» «٢». يعلم أنّ المعنى أنه يقول له: بلغني أنّك في أمر البيعة بين رأيين مختلفين، ترى تارة أن تبايع،، وأخرى أن تمتنع من البيعة، فإذا أتاك كتابي هذا فاعمل على أي الرأيين شئت وأنّه لم يعرف ذلك من لفظ «التقديم والتأخير»، أو من لفظ «الرّجل»، ولكن بأن علم أنه لا معنى لتقديم الرّجل وتأخيرها في رجل يدعى إلى البيعة، وأنّ المعنى على أنه أراد أن يقول: إنّ مثلك في تردّدك بين أن تبايع، وبين أن تمتنع، مثل رجل قائم ليذهب في أمر، فجعلت نفسه تريه تارة أن الصواب في أن يذهب، وأخرى أنه في أن لا يذهب، فجعل يقدّم رجلا تارة، ويؤخّر أخرى. وهكذا كلّ كلام كان ضرب مثل، لا يخفى على من له أدنى تمييز أن الأغراض التي تكون للناس في ذلك لا تعرف من الألفاظ، ولكن تكون المعاني الحاصلة من مجموع الكلام أدلّة على الأغراض والمقاصد. ولو كان الذي يكون غرض المتكلم يعلم من اللفظ، ما كان لقولهم: «ضرب كذا مثلا لكذا»، معنى، فما اللفظ «يضرب مثلا» ولكن المعنى. فإذا قلنا في قول النبي ﷺ : «إيّاكم وخضراء الدّمن» «٣»، إنه ضرب ﵇ «خضراء الدّمن» مثلا للمرأة الحسناء في منبت السّوء، لم يكن المعنى أنه ﷺ ضرب لفظ «خضراء الدّمن» مثلا لها. هذا ما لا يظنّه من به مسّ، فضلا عن العاقل. فقد زال الشكّ وارتفع في أنّ طريق العلم بما يراد إثباته والخبر به في هذه الأجناس الثلاثة، التي هي «الكناية» و «الاستعارة» و «التمثيل» المعقول دون اللّفظ،

стр. 279

من حيث يكون القصد بالإثبات فيها إلى معنى ليس هو معنى اللّفظ، ولكنه معنى يستدلّ بمعنى اللفظ عليه، ويستنبط منه، كنحو ما ترى من أن القصد في قولهم: «هو كثير رماد القدر»، إلى كثرة القرى، وأنت لا تعرف ذلك من هذا اللفظ الذي تسمعه، ولكنك تعرفه بأن تستدلّ عليه بمعناه، وعلى ما مضى الشرح فيه. وإذ قد عرفت ذلك، فينبغي أن يقال لهؤلاء الذين اعترضوا علينا في قولنا: «إنّ الفصاحة وصف يجب للكلام من أجل مزيّة تكون في معناه، وأنها لا تكون وصفا له من حيث اللّفظ مجرّدا عن المعنى»، واحتجّوا بأن قالوا: «إنه لو كان الكلام إذا وصف بأنه فصيح، كان ذلك من أجل مزيّة تكون في معناه، لوجب أن يكون تفسيره فصيحا مثله» أخبرونا عنكم، أترون أنّ من شأن هذه الأجناس، إذا كانت في الكلام، أن تكون له بها مزيّة توجب له الفصاحة، أم لا ترون ذلك؟ فإن قالوا: لا نرى ذلك لم يكلّموا وإن قالوا: نرى للكلام، إذا كانت فيه، مزيّة توجب له الفصاحة. قيل لهم: فأخبرونا عن تلك المزية، أتكون في اللفظ أم في المعنى؟ فإن قالوا: في اللفظ دخلوا في الجهالة، من حيث يلزم من ذلك أن تكون «الكناية» و «الاستعارة» و «التمثيل» أوصافا للفظ، لأنه لا يتصوّر أن تكون مزيّتها في اللفظ حتى تكون أوصافا له. وذلك محال، من حيث يعلم كلّ عاقل أنه لا يكنى باللفظ عن اللفظ، وأنه إنّما يكنى بالمعنى عن المعنى. وكذلك يعلم أنه لا يستعار اللفظ مجرّدا عن المعنى، ولكن يستعار المعنى، ثم اللفظ يكون تبع المعنى، على ما قدّمنا الشرح فيه. ويعلم كذلك أنّه محال أن يضرب «المثل» باللفظ، وأن يكون قد ضرب لفظ: «أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى» مثلا لتردّده في أمر البيعة. وإن قالوا: هي في المعنى. قيل لهم: فهو ما أردناكم عليه، فدعوا الشكّ عنكم، وانتبهوا من رقدتكم، فإنّه علم ضروريّ قد أدّى التقسيم إليه، وكلّ علم كان كذلك، فإنه يجب القطع على كلّ سؤال يسأل فيه بأنّه خطأ، وأنّ السّائل ملبوس عليه. ثم إن الذي يعرف به وجه دخول الغلط عليهم في قولهم: «إنّه لو كان الكلام يكون فصيحا من أجل مزيّة تكون في معناه، لوجب أن يكون تفسيره فصيحا مثله»، هو أنّك إذا نظرت إلى كلامهم هذا وجدتهم كأنهم قالوا: «إنه لو كان الكلام إذا كان

стр. 280

فيه كناية أو استعارة أو تمثيل، كان لذلك فصيحا، لوجب أن يكون إذا لم توجد فيه هذه المعاني فصيحا أيضا». ذاك لأن تفسير «الكناية» أن نتركها ونصرّح بالمكنّي عنه فنقول: إن المعنى في قولهم: «هو كثير رماد القدر»، أنه كثير القرى وكذلك الحكم في «الاستعارة»، فإنّ تفسيرها أن نتركها، ونصرّح بالتشبيه فنقول في «رأيت أسدا»: إن المعنى: رأيت رجلا يساوي الأسد في الشجاعة وكذلك الأمر في «التمثيل»، لأنّ تفسيره أن نذكر المتمثّل له فنقول في قوله: «أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى»: إن المعنى أنه قال: أراك تتردّد في أمر البيعة فتقول تارة أفعل، وتارة لا أفعل، كمن يريد الذّهاب في وجه، فتريه نفسه تارة أن الصواب في أن يذهب، وأخرى أنه في أن لا يذهب، فهو يقدّم رجلا ويؤخر أخرى. وهذا خروج عن المعقول، لأنه بمنزلة أن تقول لرجل قد نصب لوصف علّة: «إن كان هذا الوصف يجب لهذه العلة، فينبغي أن يجب مع عدمها». ثم إنّ الذي استهواهم، هو أنهم نظروا إلى تفسير ألفاظ اللغة بعضها ببعض، فلما رأوا اللفظ إذا فسّر بلفظ، مثل أن يقال في «الشرجب» إنه الطويل، لم يجز أن يكون في المفسّر من حيث المعنى، مزيّة لا تكون في التفسير ظنوا أن سبيل ما نحن فيه ذلك السبيل. وذلك غلط منهم، لأنه إما كان للمفسّر، فيما نحن فيه، الفضل والمزيّة على التّفسير، من حيث كانت الدّلالة في المفسّر دلالة معنى على معنى، وفي التفسير دلالة لفظ على معنى. وكان من المركوز في الطّباع، والرّاسخ في غرائز العقول، أنه متى أريد الدّلالة على معنى، فترك أن يصرّح به ويذكر باللّفظ الذي هو له في اللغة، وعمد إلى معنى آخر فأشير به إليه، وجعل دليلا عليه كان للكلام بذلك حسن ومزيّة لا يكونان إذا لم يصنع ذلك، وذكر بلفظه صريحا. ولا يكون هذا الذي ذكرت أنّه سبب فضل المفسّر على التفسير، من كون الدّلالة في المفسّر دلالة معنى على معنى، وفي التفسير دلالة لفظ على معنى، حتى يكون للفظ المفسّر معنى معلوم يعرفه السامع، وهو غير معنى لفظ التفسير في نفسه وحقيقته، كما ترى من أنّ الّذي هو معنى اللفظ في قولهم: «هو كثير رماد القدر»، غير الّذي هو معنى اللفظ في قولهم: «هو كثير القرى»، ولو لم يكن كذلك، لم يتصوّر أن يكون هاهنا دلالة معنى على معنى. وإذ قد عرفت هذه الجملة، فقد حصل لنا منها أن المفسّر يكون له دلالتان: دلالة اللّفظ على المعنى، ودلالة المعنى الذي دلّ اللّفظ عليه على معنى لفظ آخر ولا

стр. 281

يكون للتفسير إلّا دلالة واحدة، وهي دلالة اللفظ. وهذا الفرق هو سبب أن كان للمفسّر الفضل والمزيّة على التفسير. ومحال أن يكون هذا قضيّة المفسّر والتّفسير في ألفاظ اللغة، ذاك لأن معنى المفسّر يكون دالّا مجهولا عند السامع، ومحال أن يكون للمجهول دلالة. ثم إن معنى المفسّر يكون هو معنى التفسير بعينه، ومحال إذا كان المعنى واحدا أن يكون للمفسّر فضل على التفسير، لأن الفضل كان في مسألتنا بأن دلّ لفظ المفسّر على معنى، ثم دلّ معناه على معنى آخر. وذلك لا يكون مع كون المعنى واحدا ولا يتصوّر. بيان هذا: أنّه محال أن يقال إن معنى «الشّرجب» الذي هو المفسّر، يكون دليلا على معنى تفسير الذي هو «الطويل» على وزان قولنا إن معنى: «كثير رماد القدر»، يدل على معنى تفسيره الذي هو «كثير القرى»، لأمرين: أحدهما: أنك لا تفسّر «الشرجب» حتى يكون معناه مجهولا عند السامع، ومحال أن يكون للمجهول دلالة. والثاني: أن المعنى في تفسيرنا «الشرجب» بالطويل، أن نعلم السامع أن معناه هو معنى الطويل بعينه. وإذا كان كذلك، كان محالا أن يقال: إن معناه يدل على معنى الطويل، بل الذي يعقل أن يقال: إنّ معناه هو معنى الطويل. فاعرف ذلك. وانظر إلى لعب الغفلة بالقوم، وإلى ما رأوا في منامهم من الأحلام الكاذبة! ولو أنهم تركوا الاستنامة إلى التقليد، والأخذ بالهوينا، وترك النّظر، وأشعروا قلوبهم أن هاهنا كلاما ينبغي أن يصغى إليه لعلموا، ولعاد إعجابهم بأنفسهم في سؤالهم هذا وفي سائر أقوالهم، عجبا منها ومن تطويح الظنون بها. وإذ قد بان سقوط ما اعترض به القوم وفحش غلطهم، فينبغي أن تعلم أن ليست المزايا التي تجدها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره، والمبالغة التي تحسّها في أنفس المعاني التي يقصد المتكلم بخبره إليها، ولكنّها في طريق إثباته لها، وتقريره إيّاها، وأنّك إذا سمعتهم يقولون: «إن من شأن هذه الأجناس أن تكسب المعاني مزيّة وفضلا، وتوجب لها شرفا ونبلا، وأن تفخّمها في نفوس السامعين» فإنهم لا يعنون أنفس المعاني، كالتي يقصد المتكلم بخبره إليها، كالقرى والشجاعة والتردّد في الرأي، وإنما يعنون إثباتها لما تثبت له ويخبر بها عنه. فإذا جعلوا للكناية مزيّة على التصريح، لم يجعلوا تلك المزيّة في المعنى المكني

стр. 282

عنه، ولكن في إثباته للذي يثبت له، وذلك أنا نعلم أن المعاني التي يقصد الخبر بها لا تتغيّر في أنفسها بأن يكنى عنها بمعان سواها، ويترك أن تذكر بالألفاظ التي هي لها في اللغة. ومن هذا الذي يشكّ أن معنى طول القامة وكثرة القرى لا يتغيّران بأن يكنى عنهما بطول النّجاد وكثرة رماد القدر، وتقدير التغيير فيهما يؤدّي إلى أن لا تكون الكناية عنهما، ولكن عن غيرهما؟ وقد ذكرت هذا في صدر الكتاب، وذكرت أن السبب في أن كان يكون للإثبات إذا كان من طريق «الكناية» مزيّة لا تكون إذا كان من طريق التصريح، أنك إذا كنيت عن كثرة القرى بكثرة رماد القدر، كنت قد أثبت كثرة القرى بإثبات شاهدها ودليلها، وما هو علم على وجودها، وذلك لا محالة يكون أبلغ من إثباتها بنفسها، وذلك لأنّه يكون سبيلها حينئذ سبيل الدعوى تكون مع شاهد. وذكرت أن السّبب في أن كانت «الاستعارة» أبلغ من الحقيقة، أنك إذا ادّعيت للرجل أنه أسد بالحقيقة، كان ذلك أبلغ وأشدّ في تسويته أنك إذا ادّعيت للرجل أنه أسد بالحقيقة، كان ذلك أبلغ وأشدّ في تسويته بالأسد في الشّجاعة. ذاك لأنه محال أن يكون من الأسود، ثم لا تكون له شجاعة الأسود. وكذلك الحكم في «التمثيل»، فإذا قلت: «أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى»، كان أبلغ في إثبات التردّد له من أن تقول: «أنت كمن يقدّم رجلا ويؤخر أخرى». واعلم أنّه قد يهجس في نفس الإنسان شيء يظنّ من أجله أنّه ينبغي أن يكون الحكم في المزيّة التي تحدث بالاستعارة، أنها تحدث في المثبت دون الإثبات. وذلك أن تقول: إنّا إذا نظرنا إلى «الاستعارة»، وجدناها إنما كانت أبلغ من أجل أنها تدل على قوّة الشبه، وأنه قد تناهى إلى أن صار المشبّه لا يتميّز عن المشبه به في المعنى الذي من أجله شبّه به. وإذا كان كذلك، كانت المزيّة الحادثة بها حادثة في الشّبه. وإذا كانت حادثة في الشّبه، كانت في المثبت دون الإثبات. والجواب عن ذلك أن يقال: إن الاستعارة، لعمري، تقتضي قوّة الشّبه، وكونه بحيث لا يتميّز المشبه عن المشبّه به، ولكن ليس ذاك سبب المزيّة. وذلك لأنه لو كان ذاك سبب المزيّة، لكان ينبغي إذا جئت به صريحا فقلت: «رأيت رجلا مساويا للأسد في الشجاعة، وبحيث لولا صورته لظننت أنّك رأيت أسدا»، وما شاكل ذلك من ضروب المبالغة، أن تجد لكلامك المزية التي تجدها لقولك: «رأيت أسدا». وليس يخفى على عاقل أنّ ذلك لا يكون.

стр. 283

فإن قال قائل: إن المزيّة من أجل أنّ المساواة تعلم في «رأيت أسدا» من طريق المعنى، وفي «رأيت رجلا مساويا للأسد» من طريق اللفظ. قيل: قد قلنا فيما تقدم، إنه محال أن يتغير حال المعنى في نفسه، بأن يكنى عنه بمعنى آخر وأنه لا يتصوّر أن يتغيّر معنى طول القامة بأن يكنى عنه بطول النّجاد، ومعنى كثرة القرى بأن يكنى عنه بكثير الرّماد. وكما أنّ ذلك لا يتصوّر، فكذلك لا يتصوّر أن يتغير معنى مساواة الرّجل الأسد في الشجاعة، بأن يكنى عن ذلك ويدلّ عليه بأن تجعله «أسدا». فأنت الآن إذا نظرت إلى قوله: [من البسيط] فأسبلت لؤلؤا من نرجس، وسقت ... وردا، وعضّت على العنّاب بالبرد «١» فرأيته قد أفادك أن «الدّمع» كان لا يخرم من شبه اللؤلؤ، و «العين» من شبه النرجس شيئا، فلا تحسبنّ أن سبب الحسن الذي تراه فيه، والأريحية التي تجدها عنده، أنه أفادك ذلك فحسب. وذاك أنك تستطيع أن تجيء به صريحا فتقول: «فأسبلت دمعا كأنه اللّؤلؤ بعينه، من عين كأنها النّرجس حقيقة»، ثم لا ترى من ذلك الحسن شيئا. ولكن اعلم أنّ سبب أن راقك، وأدخل الأريحيّة عليك، أنه أفادك في إثبات شدّة الشبه مزيّة، وأوجدك فيه خاصّة قد غرز في طبع الإنسان أن يرتاح لها، ويجد في نفسه هزّة عندها، وهكذا حكم نظائره كقول أبي نواس: [من السريع] تبكي فتذري الدّرّ عن نرجس، ... وتلطم الورد بعنّاب «٢» وقول المتنبي: [من الوافر] بدت قمرا، ومالت خوط بان، ... وفاحت عنبرا، ورنت غزالا «٣» واعلم أن منشأ «الاستعارة» أنك كلما زدت إرادتك التشبيه إخفاء، ازدادت الاستعارة حسنا، حتى إنك تراها أغرب ما تكون إذا كان الكلام قد ألّف تأليفا إن

стр. 284

أردت أن تفصح فيه بالتشبيه، خرجت إلى شيء تعافه النفس ويلفظه السمع، ومثال ذلك قول ابن المعتز: [من مجزوء الكامل] أثمرت أغصان راحته ... لجناة الحسن عنّابا «١» ألا ترى أنّك لو حملت نفسك على أن تظهر التشبيه وتفصح به، احتجت إلى أن تقول: «أثمرت أصابع يده التي هي كالأغصان لطالبي الحسن، شبيه العنّاب من أطرافها المخضوبة»، وهذا ما لا تخفى غثاثته. من أجل ذلك كان موقع «العناب» في هذا البيت أحسن منه في قوله: وعضّت على العنّاب بالبرد وذاك لأن إظهار التشبيه فيه لا يقبح هذا القبح المفرط، لأنك لو قلت: «وعضّت على أطراف أصابع العنّاب بثغر كالبرد»، كان شيئا يتكلّم بمثله وإن كان مرذولا. وهذا موضع لا يتبيّن سرّه إلّا من كان ملهب الطبع حادّ القريحة. وفي الاستعارة علم كثير، ولطائف معان، ودقائق فروق، وسنقول فيها إن شاء الله في موضع آخر. واعلم أنّا حين أخذنا في الجواب عن قولهم: «إنه لو كان الكلام يكون فصيحا من أجل مزيّة تكون في معناه، لكان ينبغي أن يكون تفسيره فصيحا مثله»، قلنا: «إن الكلام الفصيح ينقسم قسمين، قسم تعزى المزيّة فيه إلى اللفظ، وقسم تعزى فيه إلى النظم»، وقد ذكرنا في القسم الأول من الحجج ما لا يبقى معه لعاقل، إذا هو تأمّلها، شكّ في بطلان ما تعلّقوا به، من أنه يلزمنا في قولنا: «إنّ الكلام يكون فصيحا من أجل مزية تكون في معناه»، أن يكون تفسير الكلام الفصيح فصيحا مثله، وأنه تهوّس منهم، وتقحّم في المحالات. وأمّا القسم الذي تعزى فيه المزية إلى «النّظم» فإنهم إن ظنّوا أن سؤالهم الذي اغترّوا به يتّجه لهم فيه، كان أمرهم أعجب، وكان جهلهم في ذلك أغرب. وذلك أن «النظم»، كما بيّنا، إنّما هو توخّي معاني النحو وأحكامه وفروقه ووجوهه، والعمل

стр. 285

بقوانينه وأصوله، وليست معاني النّحو معاني ألفاظ، فيتصوّر أن يكون لها تفسير. وجملة الأمر، أن «النظم» إنما هو أن «الحمد» من قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مبتدأ، و «لله» خبره، و «ربّ» صفة لاسم الله تعالى ومضاف إلى «العالمين» و «العالمين» مضاف إليه، و «الرحمن الرحيم» صفتان كالرب، و «مالك» من قوله: «مالك يوم الدّين» صفة أيضا، ومضاف إلى يوم. و «يوم» مضاف إلى «الدين»، و «إيّاك» ضمير اسم الله تعالى، وهو ضمير يقع موقع الاسم إذا كان الاسم منصوبا، معنى ذلك أنك لو ذكرت اسم الله مكانه لقلت: «الله نعبد»، ثم إنّ «نعبد» هو المقتضى معنى النصب فيه، وكذلك حكم «إيّاك نستعين». ثم إنّ جملة «إيّاك نستعين» معطوف بالواو على جملة «إيّاك نعبد»، و «الصّراط» مفعول، و «المستقيم» صفة للصّراط، و «صراط الّذين» بدل من «الصراط المستقيم»، «وأنعمت عليهم» صلة الذين، «وغير المغضوب عليهم» صفة «الذين»، و «الضّالين» معطوف على «المغضوب عليهم». فانظر الآن هل يتصوّر في شيء من هذه المعاني أن يكون معنى اللفظ؟ وهل يكون كون «الحمد» مبتدأ معنى لفظ الحمد؟ أم يكون كون «رب» صفة وكونه مضافا إلى «العالمين» معنى لفظ «الرب»؟. فإن قيل: إنّه إن لم تكن هذه المعاني أنفس الألفاظ، فإنها تعلم على كل حال من ترتيب الألفاظ، ومن الإعراب، فبالرفعة في «الدال» من «الحمد» يعلم أنه مبتدأ، وبالجر في «الباء» من «رب» يعلم أنه صفة، وبالياء في «العالمين» يعلم أنه مضاف إليه، وعلى هذا قياس الكلّ. قيل: ترتيب اللفظ لا يكون لفظا، والإعراب وإن كان يكون لفظا، فإنه لا يتصوّر أن يكون هاهنا لفظان كلاهما علامة إعراب، ثم يكون أحدهما تفسيرا للآخر. وزيادة القول في هذا من خطل الرأي، فإنه مما يعلمه العاقل ببديهة النظر، ومن لم يتنبّه له في أول ما يسمع، لم يكن أهلا لأن يكلّم. ونعود إلى رأس الحديث فنقول: قد بطل الآن من كل وجه وكل طريق، أن تكون «الفصاحة» وصفا للفظ من حيث هو لفظ ونطق لسان. وإذا كان هذا صورة الحال وجملة الأمر، ثم لم تر القوم تفكّروا في شيء مما شرحناه بحال، ولا أخطروه لهم ببال، بان وظهر أنهم لم يأتوا الأمر من بابه، ولم يطلبوه من معدنه، ولم يسلكوا إليه طريقه، وأنّهم لم يزيدوا على
следующие страницы →