يكون للتفسير إلّا دلالة واحدة، وهي دلالة اللفظ. وهذا الفرق هو سبب أن كان للمفسّر الفضل والمزيّة على التفسير.
ومحال أن يكون هذا قضيّة المفسّر والتّفسير في ألفاظ اللغة، ذاك لأن معنى المفسّر يكون دالّا مجهولا عند السامع، ومحال أن يكون للمجهول دلالة.
ثم إن معنى المفسّر يكون هو معنى التفسير بعينه، ومحال إذا كان المعنى واحدا أن يكون للمفسّر فضل على التفسير، لأن الفضل كان في مسألتنا بأن دلّ لفظ المفسّر على معنى، ثم دلّ معناه على معنى آخر. وذلك لا يكون مع كون المعنى واحدا ولا يتصوّر.
بيان هذا: أنّه محال أن يقال إن معنى «الشّرجب» الذي هو المفسّر، يكون دليلا على معنى تفسير الذي هو «الطويل» على وزان قولنا إن معنى: «كثير رماد القدر»، يدل على معنى تفسيره الذي هو «كثير القرى»، لأمرين:
أحدهما: أنك لا تفسّر «الشرجب» حتى يكون معناه مجهولا عند السامع، ومحال أن يكون للمجهول دلالة.
والثاني: أن المعنى في تفسيرنا «الشرجب» بالطويل، أن نعلم السامع أن معناه هو معنى الطويل بعينه. وإذا كان كذلك، كان محالا أن يقال: إن معناه يدل على معنى الطويل، بل الذي يعقل أن يقال: إنّ معناه هو معنى الطويل. فاعرف ذلك.
وانظر إلى لعب الغفلة بالقوم، وإلى ما رأوا في منامهم من الأحلام الكاذبة! ولو أنهم تركوا الاستنامة إلى التقليد، والأخذ بالهوينا، وترك النّظر، وأشعروا قلوبهم أن هاهنا كلاما ينبغي أن يصغى إليه لعلموا، ولعاد إعجابهم بأنفسهم في سؤالهم هذا وفي سائر أقوالهم، عجبا منها ومن تطويح الظنون بها.
وإذ قد بان سقوط ما اعترض به القوم وفحش غلطهم، فينبغي أن تعلم أن ليست المزايا التي تجدها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره، والمبالغة التي تحسّها في أنفس المعاني التي يقصد المتكلم بخبره إليها، ولكنّها في طريق إثباته لها، وتقريره إيّاها، وأنّك إذا سمعتهم يقولون: «إن من شأن هذه الأجناس أن تكسب المعاني مزيّة وفضلا، وتوجب لها شرفا ونبلا، وأن تفخّمها في نفوس السامعين» فإنهم لا يعنون أنفس المعاني، كالتي يقصد المتكلم بخبره إليها، كالقرى والشجاعة والتردّد في الرأي، وإنما يعنون إثباتها لما تثبت له ويخبر بها عنه.
فإذا جعلوا للكناية مزيّة على التصريح، لم يجعلوا تلك المزيّة في المعنى المكني
стр. 282
عنه، ولكن في إثباته للذي يثبت له، وذلك أنا نعلم أن المعاني التي يقصد الخبر بها لا تتغيّر في أنفسها بأن يكنى عنها بمعان سواها، ويترك أن تذكر بالألفاظ التي هي
لها في اللغة. ومن هذا الذي يشكّ أن معنى طول القامة وكثرة القرى لا يتغيّران بأن يكنى عنهما بطول النّجاد وكثرة رماد القدر، وتقدير التغيير فيهما يؤدّي إلى أن لا تكون الكناية عنهما، ولكن عن غيرهما؟
وقد ذكرت هذا في صدر الكتاب، وذكرت أن السبب في أن كان يكون للإثبات إذا كان من طريق «الكناية» مزيّة لا تكون إذا كان من طريق التصريح، أنك إذا كنيت عن كثرة القرى بكثرة رماد القدر، كنت قد أثبت كثرة القرى بإثبات شاهدها ودليلها، وما هو علم على وجودها، وذلك لا محالة يكون أبلغ من إثباتها بنفسها، وذلك لأنّه يكون سبيلها حينئذ سبيل الدعوى تكون مع شاهد.
وذكرت أن السّبب في أن كانت «الاستعارة» أبلغ من الحقيقة، أنك إذا ادّعيت للرجل أنه أسد بالحقيقة، كان ذلك أبلغ وأشدّ في تسويته أنك إذا ادّعيت للرجل أنه أسد بالحقيقة، كان ذلك أبلغ وأشدّ في تسويته بالأسد في الشّجاعة. ذاك لأنه محال أن يكون من الأسود، ثم لا تكون له شجاعة الأسود. وكذلك الحكم في «التمثيل»، فإذا قلت: «أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى»، كان أبلغ في إثبات التردّد له من أن تقول: «أنت كمن يقدّم رجلا ويؤخر أخرى».
واعلم أنّه قد يهجس في نفس الإنسان شيء يظنّ من أجله أنّه ينبغي أن يكون الحكم في المزيّة التي تحدث بالاستعارة، أنها تحدث في المثبت دون الإثبات.
وذلك أن تقول: إنّا إذا نظرنا إلى «الاستعارة»، وجدناها إنما كانت أبلغ من أجل أنها تدل على قوّة الشبه، وأنه قد تناهى إلى أن صار المشبّه لا يتميّز عن المشبه به في المعنى الذي من أجله شبّه به. وإذا كان كذلك، كانت المزيّة الحادثة بها حادثة في الشّبه. وإذا كانت حادثة في الشّبه، كانت في المثبت دون الإثبات.
والجواب عن ذلك أن يقال: إن الاستعارة، لعمري، تقتضي قوّة الشّبه، وكونه بحيث لا يتميّز المشبه عن المشبّه به، ولكن ليس ذاك سبب المزيّة. وذلك لأنه لو كان ذاك سبب المزيّة، لكان ينبغي إذا جئت به صريحا فقلت: «رأيت رجلا مساويا للأسد في الشجاعة، وبحيث لولا صورته لظننت أنّك رأيت أسدا»، وما شاكل ذلك من ضروب المبالغة، أن تجد لكلامك المزية التي تجدها لقولك: «رأيت أسدا».
وليس يخفى على عاقل أنّ ذلك لا يكون.
стр. 283
فإن قال قائل: إن المزيّة من أجل أنّ المساواة تعلم في «رأيت أسدا» من طريق المعنى، وفي «رأيت رجلا مساويا للأسد» من طريق اللفظ.
قيل: قد قلنا فيما تقدم، إنه محال أن يتغير حال المعنى في نفسه، بأن يكنى عنه بمعنى آخر وأنه لا يتصوّر أن يتغيّر معنى طول القامة بأن يكنى عنه بطول النّجاد، ومعنى كثرة القرى بأن يكنى عنه بكثير الرّماد. وكما أنّ ذلك لا يتصوّر، فكذلك لا يتصوّر أن يتغير معنى مساواة الرّجل الأسد في الشجاعة، بأن يكنى عن ذلك ويدلّ عليه بأن تجعله «أسدا». فأنت الآن إذا نظرت إلى قوله: [من البسيط]
فأسبلت لؤلؤا من نرجس، وسقت ... وردا، وعضّت على العنّاب بالبرد «١»
فرأيته قد أفادك أن «الدّمع» كان لا يخرم من شبه اللؤلؤ، و «العين» من شبه النرجس شيئا، فلا تحسبنّ أن سبب الحسن الذي تراه فيه، والأريحية التي تجدها عنده، أنه أفادك ذلك فحسب. وذاك أنك تستطيع أن تجيء به صريحا فتقول:
«فأسبلت دمعا كأنه اللّؤلؤ بعينه، من عين كأنها النّرجس حقيقة»، ثم لا ترى من ذلك الحسن شيئا. ولكن اعلم أنّ سبب أن راقك، وأدخل الأريحيّة عليك، أنه أفادك في إثبات شدّة الشبه مزيّة، وأوجدك فيه خاصّة قد غرز في طبع الإنسان أن يرتاح لها، ويجد في نفسه هزّة عندها، وهكذا حكم نظائره كقول أبي نواس: [من السريع]
تبكي فتذري الدّرّ عن نرجس، ... وتلطم الورد بعنّاب «٢»
وقول المتنبي: [من الوافر]
بدت قمرا، ومالت خوط بان، ... وفاحت عنبرا، ورنت غزالا «٣»
واعلم أن منشأ «الاستعارة» أنك كلما زدت إرادتك التشبيه إخفاء، ازدادت الاستعارة حسنا، حتى إنك تراها أغرب ما تكون إذا كان الكلام قد ألّف تأليفا إن
стр. 284
أردت أن تفصح فيه بالتشبيه، خرجت إلى شيء تعافه النفس ويلفظه السمع، ومثال ذلك قول ابن المعتز: [من مجزوء الكامل]
أثمرت أغصان راحته ... لجناة الحسن عنّابا «١»
ألا ترى أنّك لو حملت نفسك على أن تظهر التشبيه وتفصح به، احتجت إلى أن تقول: «أثمرت أصابع يده التي هي كالأغصان لطالبي الحسن، شبيه العنّاب من أطرافها المخضوبة»، وهذا ما لا تخفى غثاثته. من أجل ذلك كان موقع «العناب» في هذا البيت أحسن منه في قوله:
وعضّت على العنّاب بالبرد وذاك لأن إظهار التشبيه فيه لا يقبح هذا القبح المفرط، لأنك لو قلت:
«وعضّت على أطراف أصابع العنّاب بثغر كالبرد»، كان شيئا يتكلّم بمثله وإن كان مرذولا. وهذا موضع لا يتبيّن سرّه إلّا من كان ملهب الطبع حادّ القريحة. وفي الاستعارة علم كثير، ولطائف معان، ودقائق فروق، وسنقول فيها إن شاء الله في موضع آخر.
واعلم أنّا حين أخذنا في الجواب عن قولهم: «إنه لو كان الكلام يكون فصيحا من أجل مزيّة تكون في معناه، لكان ينبغي أن يكون تفسيره فصيحا مثله»، قلنا:
«إن الكلام الفصيح ينقسم قسمين، قسم تعزى المزيّة فيه إلى اللفظ، وقسم تعزى فيه إلى النظم»، وقد ذكرنا في القسم الأول من الحجج ما لا يبقى معه لعاقل، إذا هو تأمّلها، شكّ في بطلان ما تعلّقوا به، من أنه يلزمنا في قولنا: «إنّ الكلام يكون فصيحا من أجل مزية تكون في معناه»، أن يكون تفسير الكلام الفصيح فصيحا مثله، وأنه تهوّس منهم، وتقحّم في المحالات.
وأمّا القسم الذي تعزى فيه المزية إلى «النّظم» فإنهم إن ظنّوا أن سؤالهم الذي اغترّوا به يتّجه لهم فيه، كان أمرهم أعجب، وكان جهلهم في ذلك أغرب. وذلك أن «النظم»، كما بيّنا، إنّما هو توخّي معاني النحو وأحكامه وفروقه ووجوهه، والعمل
стр. 285
بقوانينه وأصوله، وليست معاني النّحو معاني ألفاظ، فيتصوّر أن يكون لها تفسير.
وجملة الأمر، أن «النظم» إنما هو أن «الحمد» من قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مبتدأ، و «لله» خبره، و «ربّ» صفة لاسم الله تعالى ومضاف إلى «العالمين» و «العالمين» مضاف إليه، و «الرحمن الرحيم» صفتان كالرب، و «مالك» من قوله: «مالك يوم الدّين» صفة أيضا، ومضاف إلى يوم. و «يوم» مضاف إلى «الدين»، و «إيّاك» ضمير اسم الله تعالى، وهو ضمير يقع موقع الاسم إذا كان الاسم منصوبا، معنى ذلك أنك لو ذكرت اسم الله مكانه لقلت: «الله نعبد»، ثم إنّ «نعبد» هو المقتضى معنى النصب فيه، وكذلك حكم «إيّاك نستعين». ثم إنّ جملة «إيّاك نستعين» معطوف بالواو على جملة «إيّاك نعبد»، و «الصّراط» مفعول، و «المستقيم» صفة للصّراط، و «صراط الّذين» بدل من «الصراط المستقيم»، «وأنعمت عليهم» صلة الذين، «وغير المغضوب عليهم» صفة «الذين»، و «الضّالين» معطوف على «المغضوب عليهم».
فانظر الآن هل يتصوّر في شيء من هذه المعاني أن يكون معنى اللفظ؟ وهل يكون كون «الحمد» مبتدأ معنى لفظ الحمد؟ أم يكون كون «رب» صفة وكونه مضافا إلى «العالمين» معنى لفظ «الرب»؟.
فإن قيل: إنّه إن لم تكن هذه المعاني أنفس الألفاظ، فإنها تعلم على كل حال من ترتيب الألفاظ، ومن الإعراب، فبالرفعة في «الدال» من «الحمد» يعلم أنه مبتدأ، وبالجر في «الباء» من «رب» يعلم أنه صفة، وبالياء في «العالمين» يعلم أنه مضاف إليه، وعلى هذا قياس الكلّ.
قيل: ترتيب اللفظ لا يكون لفظا، والإعراب وإن كان يكون لفظا، فإنه لا يتصوّر أن يكون هاهنا لفظان كلاهما علامة إعراب، ثم يكون أحدهما تفسيرا للآخر. وزيادة القول في هذا من خطل الرأي، فإنه مما يعلمه العاقل ببديهة النظر، ومن لم يتنبّه له في أول ما يسمع، لم يكن أهلا لأن يكلّم. ونعود إلى رأس الحديث فنقول:
قد بطل الآن من كل وجه وكل طريق، أن تكون «الفصاحة» وصفا للفظ من حيث هو لفظ ونطق لسان. وإذا كان هذا صورة الحال وجملة الأمر، ثم لم تر القوم تفكّروا في شيء مما شرحناه بحال، ولا أخطروه لهم ببال، بان وظهر أنهم لم يأتوا الأمر من بابه، ولم يطلبوه من معدنه، ولم يسلكوا إليه طريقه، وأنّهم لم يزيدوا على
стр. 286
أن أوهموا أنفسهم وهما كاذبا أنهم قد أبانوا الوجه الذي به كان القرآن معجزا، والوصف الذي به بان من كلام المخلوقين، من غير أن يكونوا قد قالوا فيه قولا يشفى من شاكّ غليلا، ويكون على علم دليلا، وإلى معرفة ما قصدوا إليه سبيلا.
واعلم أنه إذا نظر العاقل إلى هذه الأدلّة فرأى ظهورها، استبعد أن يكون قد ظنّ ظانّ في «الفصاحة» أنّها من صفة اللفظ صريحا. ولعمري إنه لكذلك ينبغي، إلّا أنّا إنما ننظر إلى جدّهم وتشدّدهم وبتّهم الحكم «بأن المعاني لا تتزايد وإنما تتزايد الألفاظ»، فلئن كانوا قد قالوا «الألفاظ» وهم لا يريدونها أنفسها، وإنما يريدون لطائف معان تفهم منها، لقد كان ينبغي أن يتبعوا ذلك من قولهم ما ينبئ عن غرضهم، وأن يذكروا أنهم عنوا بالألفاظ ضربا من المعنى، أن غرضهم مفهوم خاصّ.
هذا، وأمر «النظم» في أنه ليس شيئا غير توخّي معاني النحو فيما بين الكلم، وأنك ترتّب المعاني، أوّلا في نفسك، ثم تحذو على ترتيبها الألفاظ في نطقك، وأنّا لو فرضنا
أن تخلو الألفاظ من المعاني، لم يتصوّر أن يجب فيها نظم وترتيب في غاية القوة والظهور، ثمّ ترى الذين لهجوا بأمر «اللفظ» قد أبوا إلّا أن يجعلوا «النّظم» في الألفاظ. ترى الرّجل منهم يرى ويعلم أن الإنسان لا يستطيع أن يجيء بالألفاظ مرتّبة إلّا من بعد أن يفكّر في المعاني ويرتّبها في نفسه على ما أعلمناك، وثم تفتّشه فتراه لا يعرف الأمر بحقيقته، وتراه ينظر إلى حال السامع، فإذا رأى المعاني لا تقع مرتّبة في نفسه إلا من بعد أن تقع الألفاظ مرتبة في سمعه، نسي حال نفسه، واعتبر حال من يسمع منه. وسبب ذلك قصر الهمّة، وضعف العناية، وترك النّظر، والأنس بالتقليد. وما يغني وضوح الدّلالة مع من لا ينظر فيها، وإنّ الصّبح ليملأ الأفق، ثم لا يراه النائم ومن قد أطبق جفنه؟.
واعلم أنك لا ترى في الدّنيا علما قد جرى الأمر فيه بديئا وأخيرا على ما جرى عليه في «علم الفصاحة والبيان».
أما البديء، فهو أنك لا ترى نوعا من أنواع العلوم إلّا وإذا تأملت كلام الأوّلين الذين علّموا الناس، وجدت العبارة فيه أكثر من الإشارة، والتصريح أغلب من التّلويح. والأمر في «علم الفصاحة» بالضد من هذا. فإنك إذا قرأت ما قاله العلماء فيه، وجدت جلّه أو كلّه رمزا ووحيا، وكناية وتعريضا، وإيماء إلى الغرض من وجه لا يفطن له إلّا من غلغل الكفر وأدقّ النّظر، ومن يرجع من طبعه إلى ألمعيّة يقوى معها على الغامض، ويصل بها إلى الخفي، حتى كأنّ بسلا حراما أن تتجلّى معانيهم سافرة
стр. 287
الأوجه لا نقاب لها، وبادية الصّفحة لا حجاب دونها، وحتى كأن الإفصاح بها حرام، وذكرها إلا على سبيل الكناية والتعريض غير سائغ.
وأما الأخير، فهو أنّا لم نر العقلاء قد رضوا من أنفسهم في شيء من العلوم أن يحفظوا كلاما للأوّلين ويتدارسوه، ويكلّم به بعضهم بعضا، من غير أن يعرفوا له معنى، ويقفوا منها على غرض صحيح، ويكون عندهم، إن يسألوا عنه، بيان له وتفسير إلا «علم الفصاحة»، فإنّك ترى طبقات من الناس يتداولون فيما بينهم ألفاظا للقدماء وعبارات، من غير أن يعرفوا لها معنى أصلا، أو يستطيعوا- إن يسألوا عنها- أن يذكروا لها تفسيرا يصحّ.
فمن أقرب ذلك، أنك تراهم يقولون إذا هم تكلموا في مزيّة كلام على كلام:
«إن ذلك يكون بجزالة اللّفظ» وإذا تكلّموا في زيادة نظم على نظم: «إن ذلك يكون لوقوعه على طريقة مخصوصة وعلى وجه دون وجه»، ثم لا تجدهم يفسّرون الجزالة بشيء، ويقولون في المراد «بالطريقة» و «الوجه» ما يحلى منه السامع بطائل.
ويقرءون في كتب البلغاء ضروب كلام قد وصفوا «اللّفظ» فيها بأوصاف يعلم ضرورة إليه من حيث هو لفظ ونطق لسان وصدى حرف، وكقولهم: «لفظ متمكّن غير قلق ولا ناب به موضعه، وإنّه جيّد السبك صحيح الطّابع، وأنه ليس فيه فضل عن معناه» وكقولهم: «إن من حقّ اللفظ أن يكون طبقا للمعنى، لا يزيد عليه ولا ينقص عنه» وكقول بعض من وصف رجلا من البلغاء: «كانت ألفاظه قوالب لمعانيه»، هذا إذا مدحوه وقولهم إذا ذمّوه: «هو لفظ معقّد، وإنه بتعقيده قد استهلك المعنى»، وأشباه لهذا، ثم لا يخطر ببالهم أنه يجب أن يطلب لما قالوه معنى، وتعلم له فائدة، ويجشّم فيه فكر، وأن يعتقد على الجملة أقلّ ما في الباب، أنه كلام لا يصحّ حمله على ظاهره، وأن يكون المراد «باللفظ» فيه نطق اللسان.
فالوصف بالتّمكّن والقلق في «اللفظ» محال، فإنما يتمكن الشّيء ويقلق إذا كان شيئا يثبت في مكان، و «الألفاظ» حروف لا يوجد منها حرف حتى يعدم الذي كان قبله. وقولهم: «متمكّن» أو «قلق» وصف للكلمة بأسرها، لا حرف حرف منها.
ثم إنه لو كان يصحّ في حروف الكلمة أن تكون باقية بمجموعها، لكان ذلك فيها محالا أيضا، من حيث أنّ الشيء إنما يتمكن ويقلق في مكان الذي يوجد فيه، ومكان الحروف إنّما هو الحلق والفم واللسان والشفتان، فلو كان يصحّ عليها أن توصف بأنها تتمكّن وتقلق، لكان يكون ذلك التمكّن وذلك القلق منها في أماكنها من الحلق والفم واللسان والشفتين.
стр. 288
وكذلك قولهم: «لفظ ليس فيه فضل عن معناه»، محال أن يكون المراد به «اللّفظ»، لأنه ليس هاهنا اسم أو فعل أو حرف يزيد على معناه أو أن ينقص عنه.
كيف؟ وليس بالذّرع وضعت الألفاظ على المعاني.
وإن اعتبرنا المعاني المستفادة من الجمل، فكذلك. وذلك أنه ليس هاهنا جملة من مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل، يحصل بها الإثبات أو النّفي، أتمّ أو أنقص مما يحصل بأخرى. وإنّما فضل اللفظ عن المعنى: أن تزيد الدّلالة بمعنى على معنى، فتدخل في أثناء ذلك شيئا لا حاجة بالمعنى المدلول عليه إليه. وكذلك السبيل في «السّبك والطّابع» وأشباههما، لا يحتمل شيء من ذلك أن يكون المراد به «اللّفظ» من حيث هو لفظ.
فإن أردت الصدق، فإنّك لا ترى في الدنيا شأنا أعجب من شأن الناس مع «اللفظ»، ولا فساد رأي مازج النفوس وخامرها واستحكم فيها وصار كإحدى طبائعها، من رأيهم في «اللفظ». فقد بلغ من ملكته لهم وقوّته عليهم، أن تركهم وكأنهم إذا نوظروا فيه أخذوا عن أنفسهم، وغيّبوا عن عقولهم، وحيل بينهم وبين أن يكون لهم فيما يسمعونه نظر، ويرى لهم إيراد في الإصغاء وصدر، فلست ترى إلا نفوسا قد جعلت ترك النّظر دأبها، ووصلت بالهوينا أسبابها، فهي تغترّ بالأضاليل وتتباعد عن التحصيل، وتلقي بأيديها إلى الشّبه، وتسرع إلى القول المموّه.
ولقد بلغ من قلّة نظرهم أن قوما منهم لما رأوا الكتب المصنّفة في اللّغة قد شاع فيها أن توصف الألفاظ المفردة بالفصاحة، ورأوا أبا العباس ثعلبا قد سمّى كتابه «الفصيح» «١»، مع أنه لم يذكر فيه إلّا اللغة والألفاظ المفردة، وكان محالا إذا قيل: إن «الشّمع» بفتح الميم، أفصح من «الشّمع» بإسكانه، وأن يكون ذلك من أجل المعنى، إذ ليس تفيد الفتحة في الميم شيئا في الذي سمّي به سبق إلى قلوبهم أنّ حكم الوصف بالفصاحة أينما كان وفي أيّ شيء كان، أن لا يكون له مرجع إلى المعنى البتّة، وأن يكون وصفا للّفظ في نفسه، ومن حيث هو لفظ ونطق لسان ولم يعلموا أن المعنى في وصف الألفاظ المفردة بالفصاحة، أنها في اللّغة أثبت، وفي استعمال الفصحاء أكثر.
أو أنها أجرى على مقاييس اللغة والقوانين التي وضعوها، وأنّ الذي هو معنى «الفصاحة» في أصل اللغة، هو الإبانة عن المعنى، بدلالة قولهم: «فصيح» و «أعجم»،
стр. 289
وقولهم: «أفصح الأعجمي»، و «فصح اللّحّان» و «أفصح الرّجل بكذا»، إذا صرّح به وأنه لو كان وصفهم الكلمات المفردة بالفصاحة من أجل وصف هو لها من حيث هي ألفاظ ونطق لسان، لوجب إذا وجدت كلمة يقال إنها كلمة فصيحة على صفة في اللّفظ؛ أن لا توجد كلمة على تلك الصّفة، إلا وجب لها أن تكون فصيحة، وحتى يجب إذا كانت «فقهت الحديث» بالكسر أفصح منه بالفتح، أن يكون سبيل كلّ فعل مثله في الزّنة أن يكون الكسر فيه أفصح من الفتح.
ثم إنّ فيما أودعه ثعلب كتابه، ما هو أفصح، من أجل أن لم يكن فيه حرف كان فيما جعله أفصح منه، ومثل أنّ «وقفت» أفصح من «أوقفت»، أفترى أنّه حدث في «الواو» و «القاف» و «الفاء» بأن لم يكن معها الهمزة، فضيلة وجب لها أن تكون أفصح؟ وكفى برأي هذا مؤدّاه تهافتا وخطلا! وجملة الأمر أنه لا بدّ لقولنا «الفصاحة» من معنى يعرف، فإن كان ذلك المعنى وصفا في ألفاظ الكلمات المفردة، فينبغي أن يشار لنا إليه، وتوضع اليد عليه.
ومن أبين ما يدلّ على قلة نظرهم، أنه لا شبهة على من نظر في كتاب تذكر فيه «الفصاحة»، أن «الاستعارة» عنوان ما يجعل به «اللفظ» فصيحا، وأن «المجاز» جملته، و «الإيجاز» من معظم ما يوجب للّفظ الفصاحة. وأنت تراهم يذكرون ذلك ويعتمدونه، ثم يذهب عنهم أن إيجابهم «الفصاحة» للفظ بهذه المعاني، اعتراف بصحّة ما نحن ندعوهم إلى القول به، من أنّه يكون فصيحا لمعناه.
أما «الاستعارة»، فإنهم إن أغفلوا فيها الذي قلناه، من أن المستعار بالحقيقة يكون معنى «اللفظ»، واللّفظ تبع، من حيث أنا لا نقول: «رأيت أسدا»، ونحن نعني رجلا، إلّا على أنّا ندّعي أنّا رأينا أسدا بالحقيقة، من حيث نجعله لا يتميّز عن الأسد في بأسه وبطشه وجرأة قلبه فإنهم على كل حال لا يستطيعون أن يجعلوا «الاستعارة» وصفا للّفظ من حيث هو لفظ، مع أن اعتقادهم أنك إذا قلت: «رأيت أسدا»، كنت نقلت اسم «الأسد» إلى «الرجل»، أو جعلته هكذا غفلا ساذجا في معنى شجاع. أفترى أن لفظ «الأسد» لما نقل عن السبع إلى «الرجل» المشبه به، أحدث هذا النقل في أجراس حروفه ومذاقتها وصفا صار بذلك الوصف فصيحا؟
ثم إن من «الاستعارة» قبيلا «١» لا يصحّ أن يكون المستعار فيه «اللفظ» البتّة،
стр. 290
ولا يصحّ أن تقع الاستعارة فيه إلا على المعنى. وذلك ما كان مثل «اليد» في قول لبيد: [من الكامل]
وغداة ريح قد كشفت وقرّة، ... إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها «١»
ذاك أنه ليس هاهنا شيء يزعم أنّ شبهه باليد، حتى يكون لفظ «اليد» مستعارا له، وكذلك ليس فيه شيء يتوهّم أن يكون قد شبّهه بالزمام، وإنما المعنى على أنه شبه «الشّمال» في تصريفها «الغداة» على طبيعتها، بالإنسان يكون زمام البعير في يده، فهو يصرّفه على إرادته، ولما أراد ذلك جعل للشّمال يدا، وعلى الغداة زماما.
وقد شرحت هذا قبل شرحا شافيا.
وليس هذا الضّرب من الاستعارة بدون الضرب الأول في إيجاب وصف «الفصاحة» للكلام، لا بل هو أقوى منه في اقتضائها. والمحاسن التي تظهر به، والصّور التي تحدث للمعاني بسببه، آنق وأعجب. وإن أردت أن تزداد علما بالذي ذكرت لك من أمره، فانظر إلى قوله: [من الرجز] سقته كفّ اللّيل أكواس الكرى «٢» وذلك أنه ليس يخفى على عاقل أنه لم يرد أن يشبّه شيئا بالكفّ، ولا أراد ذلك في «الأكواس»، ولكن لما كان يقال: «سكر الكرى»، و «سكر النوم»، استعار للكرى «الأكواس»، كما استعار الآخر «الكاس» في قوله: [من البسيط] وقد سقى القوم كأس النّعسة السّهر «٣» ثمّ إنه لمّا كان الكرى يكون في الليل، جعل الليل ساقيا، ولما جعله ساقيا جعل له كفّا، إذ كان السّاقي يناول الكأس بالكفّ.
ومن اللّطيف النادر في ذلك، ما تراه في آخر هذه الأبيات، وهي للحكم بن قنبر: [من الطويل]
ولولا اعتصامي بالمنى كلّما بدا ... لي اليأس منها، لم يقم بالهوى صبري
ولولا انتظاري كلّ يوم جدى غد، ... لراح بنعشي الدّافنون إلى قبري
стр. 291
وقد رابني وهن المنى وانقباضها ... وبسط جديد اليأس كفّيه في صدري
ليس المعنى على أنه استعار لفظ «الكفين» لشيء، ولك على أنّه أراد أن يصف اليأس بأنه قد غلب على نفسه، وتمكّن في صدره. لو ما أراد ذلك وصفه بما يصفون فيه الرجل
بفضل القدرة على الشيء. وبأنّه ممكّن منه، وأن يفعل فيه كلّ ما يريد، كقولهم: «قد بسط يديه في المال ينفقه ويصنع فيه ما يشاء»، و «قد بسط العمل يده في الناحية وفي ظلم الناس»، فليس لك إلّا أن تقول: إنه لما أراد ذلك، جعل لليأس «كفّين»، واستعارهما له، فأمّا أن توقع الاستعارة فيه على «اللفظ»، فما لا تخفى استحالته على عاقل.
والقول في «المجاز» هو القول في «الاستعارة»، لأنه ليس هو بشيء غيرها، وإنما الفرق أنّ «المجاز» أعمّ، من حيث أن كلّ استعارة مجاز، وليس كلّ مجاز استعارة.
وإذا نظرنا من «المجاز» فيما لا يطلق عليه أنه «استعارة»، ازداد خطأ القوم قبحا وشناعة. وذلك أنه يلزم على قياس قولهم أن يكون إنّما كان قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً [يونس: ٦٧]، أفصح من أصله الذي هو قولنا: «والنهار لتبصروا أنتم فيه، أو مبصرا أنتم فيه»، من أجل أنه حدث في حروف «مبصر» بأن جعل الفعل للنّهار على سعة الكلام وصف لم يكن. وكذلك يلزم أن يكون السبب في أن كان قول الشاعر: [من الرجز] فنام ليلي وتجلّى همّي «١» أفصح من قولنا: فنمت في ليلي أن كسب هذا المجاز لفظ «نام» ولفظ «الليل» مذاقة لم تكن لهما. وهذا مما ينبغي للعاقل أن يستحي منه، وأن يأنف من أن يهمل النّظر إهمالا يؤدّيه إلى مثله، ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق.
وإذ قد عرفت ما لزمهم في «الاستعارة» و «المجاز»، فالذي يلزمهم في «الإيجاز» أعجب. وذلك أنه يلزمهم إن كان «اللّفظ» فصيحا لأمر يرجع إليه نفسه دون معناه أن يكون كذلك موجزا لأمر يرجع إلى نفسه. وذلك من المحال الذي يضحك منه، لأنه لا معنى للإيجاز إلّا أن يدلّ بالقليل من اللفظ على الكثير من المعنى، وإذا لم تجعله وصفا للّفظ من أجل معناه، أبطلت معناه، أعني أبطلت معنى الإيجاز.
стр. 292
ثم إن هاهنا معنى شريفا قد كان ينبغي أن نكون قد ذكرناه في أثناء ما مضى من كلامنا، وهو أنّ العاقل إذا نظر علم علم ضرورة أنه لا سبيل له إلى أن يكثّر معاني الألفاظ أو يقلّلها، لأن المعاني المودعة في الألفاظ لا تتغيّر على الجملة عمّا أراده واضع اللّغة، وإذا ثبت ذلك، ظهر منه أنّه لا معنى لقولنا: «كثرة المعنى مع قلّة اللفظ»، غير أن «المتكلم يتوصّل بدلالة المعنى على المعنى إلى فوائد، لو أنه أراد الدّلالة عليها باللّفظ لاحتاج إلى لفظ كثير.
واعلم أنّ القول الفاسد والرأي المدخول، إذا كان صدره عن قوم لهم نباهة وصيت وعلوّ منزلة في أنواع من العلوم غير العلم الذي قالوا ذلك القول فيه، ثم وقع في الألسن فتداولته ونشرته، وفشا وظهر، وكثر الناقلون له والمشيدون بذكره صار ترك النّظر فيه سنّة، والتقليد دينا، ورأيت الذين هم أهل ذلك العلم وخاصّته والممارسون له، والذين هم خلقاء أن يعرفوا وجه الغلط والخطأ فيه لو أنهم نظروا فيه كالأجانب الذين ليسوا من أهله، في قبوله والعمل به والرّكون إليه، ووجدتهم قد أعطوه مقادتهم، وألانوا له جانبهم، وأوهمهم النّظر إلى منتماه ومنتسبه، ثم اشتهاره وانتشاره وإطباق الجمع بعد الجمع عليه أن الضّنّ به أصوب، والمحاماة عليه أولى. ولربّما بل كلّما ظنّوا أنه لم يشع ولم يتّسع، ولم يروه خلف عن سلف، وآخر عن أوّل، إلّا لأن له أصلا صحيحا، وأنه أخذ من معدن صدق، واشتقّ من نبعة كريمة، وأنه لو كان مدخولا لظهر الدّخل «١» الذي فيه على تقادم الزّمان وكرور الأيام. وكم من خطأ ظاهر ورأي فاسد حظي بهذا السّبب عند النّاس، حتى بوّءوه في أخصّ موضع من قلوبهم، ومنحوه المحبة الصادقة من نفوسهم، وعطفوا عليه عطف الأمّ على واحدها. وكم من داء دويّ قد استحكم بهذه العلّة، حتى أعيا علاجه، وحتّى بعل به «٢» الطبيب.
ولولا سلطان هذا الذي وصفت على الناس، وأنّ له أخذة تمنع القلوب عن التدبّر، وتقطع عنها دواعي التفكّر لما كان لهذا الّذي ذهب إليه القوم في أمر «اللفظ» هذا التمكّن وهذه القوة، ولا كان يرسخ في النفوس هذا الرّسوخ، وتنشعب عروقه هذا الشّعب، مع الذي بان من تهافته وسقوطه وفحش الغلط فيه، وأنّك لا ترى في أديمه من أين نظرت، وكيف صرّفت وقلّبت مصحّا، ولا تراه باطلا فيه شوب من الحق، وزيفا فيه شيء من الفضّة، ولكن ترى الغشّ بحتا والغيظ صرفا، ونسأل الله التوفيق.
стр. 293
وكيف لا يكون في إسار الأخذة، ومحولا بينه وبين الفكرة من يسلّم أن الفصاحة لا تكون في أفراد الكلمات، وأنها إنّما تكون فيها إذا ضمّ بعضها إلى بعض، ثم لا يعلم أنّ ذلك يقتضي أن تكون وصفا لها، من أجل معانيها، لا من أجل أنفسها، ومن حيث هي ألفاظ ونطق لسان؟
ذاك لأنه ليس من عاقل يفتح عين قلبه، إلّا وهو يعلم ضرورة أنّ المعنى في «ضمّ بعضها إلى بعض»، تعليق بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض، لا أن ينطق بعضها في أثر بعض، من غير أن يكون فيما بينها تعلّق، ويعلم كذلك ضرورة إذا فكّر، أن التعلّق يكون فيما بين معانيها، لا فيما بينها أنفسها. ألا ترى أنّا لو جهدنا كلّ الجهد أن نتصوّر تعلّقا فيما بين لفظين لا معنى تحتهما، لم نتصوّر؟ ومن أجل ذلك انقسمت الكلم قسمين: «مؤتلف» وهو الاسم مع الاسم، والفعل مع الاسم، و «غير مؤتلف» وهو ما عدا ذلك كالفعل مع الفعل، والحرف مع الحرف. ولو كان التعلّق يكون بين الألفاظ، لكان ينبغي أن لا يختلف حالها في الائتلاف، وأن لا يكون في الدنيا كلمتان إلّا ويصحّ أن يأتلفا، لأنه لا تنافي بينهما من حيث هي ألفاظ.
وإذا كان كلّ واحد منهم قد أعطى يده بأن الفصاحة لا تكون في الكلم أفرادا، وأنّها إنّما تكون إذا ضمّ بعضها إلى بعض، وكان يكون المراد بضمّ بعضها إلى بعض، تعليق معانيها بعضها ببعض، لا كون بعضها في النّطق على إثر بعض كان واجبا، وإذا علم ذلك، أن يعلم أنّ الفصاحة تجب لها من أجل معانيها، لا من أجل أنفسها، لأنه محال أن
يكون سبب ظهور الفصاحة فيها، تعلّق معانيها بعضها ببعض، ثم تكون الفصاحة وصفا يجب لها لأنفسها لا لمعانيها. وإذا كان العلم بهذا ضرورة، ثم رأيتهم لا يعلمونه، فليس إلّا أن اعتزامهم على التّقليد قد حال بينهم وبين الفكرة، وعرض لهم منه شبه الأخذة.
واعلم أنّك إذا نظرت وجدت مثلهم مثل من يرى خيال الشيء فيحسبه الشيء.
وذاك أنهم قد اعتمدوا في كلّ أمرهم على النّسق الذي يرونه في الألفاظ، وجعلوا لا يحفلون بغيره، ولا يعوّلون في الفصاحة والبلاغة على شيء سواه، حتى انتهوا إلى أن زعموا أن من عمد إلى شعر فصيح فقرأه ونطق بألفاظه على النّسق الذي وضعها الشاعر عليه، كان قد أتى بمثل ما أتى به الشاعر في فصاحته وبلاغته إلّا أنهم زعموا أنه يكون في إتيانه به محتذيا لا مبتدئا.
ونحن إذا تأمّلنا وجدنا الذي يكون في الألفاظ من تقديم شيء منها على
стр. 294
شيء، إنما يقع في النفس أنّه «نسق»، إذا اعتبرنا ما توخّي من معاني النحو في معانيها، فأمّا مع ترك اعتبار ذلك، فلا يقع ولا يتصوّر بحال. أفلا ترى أنك لو فرضت في قوله: [من الطويل] قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل «١» أن لا يكون «نبك» جوابا للأمر، ولا يكون معدّى «بمن» إلى «ذكرى»، ولا يكون «ذكرى» مضافة إلى «حبيب»، ولا يكون «منزل» معطوفا بالواو على «حبيب» لخرج ما ترى فيه من التقديم والتأخير عن أن يكون «نسقا»؟ ذاك لأنه إنما يكون تقديم الشيء على الشيء نسقا وترتيبا، إذا كان ذلك التقديم قد كان لموجب أوجب ن يقدّم هذا ويؤخّر ذاك، فأمّا أن يكون مع عدم الموجب نسقا، فمحال، لأنه لو كان يكون تقديم اللفظ على اللفظ من غير أن يكون له موجب «نسقا»، لكان ينبغي أن يكون توالي الألفاظ في النّطق على أي وجه كان «نسقا»، حتى إنّك لو قلت: «نبك قفا حبيب ذكرى من»، لم تكن قد أعدمته النسق والنظم، وإنما أعدمته الوزن فقط. وقد تقدّم هذا فيما مضى، ولكنّا أعدناه هاهنا، لأن الذي أخذنا فيه من إسلام القوم أنفسهم إلى التقليد، اقتضى إعادته.
واعلم أن «الاحتذاء» عند الشعراء وأهل العلم بالشّعر وتقديره وتمييزه، أن يبتدئ الشاعر في معنى له وغرض أسلوبا- و «الأسلوب» الضّرب من النّظم والطريقة فيه فيعمد شاعر آخر إلى ذلك «الأسلوب» فيجيء به في شعره، فيشبّه بمن يقطع من أديمه نعلا على مثال نعل قد قطعها صاحبها، فيقال: «قد احتذى على مثاله»، وذلك مثل أنّ الفرزدق قال: [من الطويل]
أترجو ربيع أن تجيء صغارها ... بخير، وقد أعيا ربيعا كبارها «٢»
واحتذاه البعيث فقال: [من الطويل]
أترجو كليب أن يجيء حديثها ... بخير، وقد أعيا كليبا قديمها «٣»
стр. 295
وقالوا: إنّ الفرزدق لما سمع هذا البيت قال: [من الوافر]
إذا ما قلت قافية شرودا ... تنحّلها ابن حمراء العجان «١»
ومثل ذلك أنّ البعيث قال في هذه القصيدة: [من الطويل]
كليب لئام النّاس قد تعلمونه ... وأنت إذا عدّت كليب لئيمها
وقال البحتريّ: [من الطويل]
بنو هاشم في كل شرق ومغرب ... كرام بني الدّنيا وأنت كريمها
وحكى العسكريّ في «صنعة الشعر» «٢» أن ابن الرّوميّ قال: قال لي البحتري:
قول أبي نواس: [من الطويل]
ولم أدر من هم غير ما شهدت لهم ... بشرقيّ ساباط الدّيار البسابس «٣»
مأخوذ من قول أبي خراش الهذليّ: [من الطويل]
ولم أدر من ألقى عليه رداءه؟ ... سوى أنّه قد سلّ من ماجد محض
قال فقلت: قد اختلف المعنى! فقال: أما ترى حذو الكلام حذوا واحدا؟
وهذا الذي كتبت من جليّ الأخذ في «الحذو»، وممّا هو في حدّ الخفيّ قول البحتريّ: [من الطويل]
ولن ينقل الحسّاد مجدك بعد ما ... تمكّن رضوى واطمأن متالع «٤»
وقول أبي تمام: [من الكامل]
ولقد جهدتم أن تزيلوا عزّه ... فإذا أبان قد رسا ويلملم «٥»
قد احتذى كل واحد منهما على قول الفرزدق: [من الكامل]
стр. 296
فادفع بكفّك، إن أردت بناءنا، ... ثهلان ذا الهضبات، هل يتحلحل؟ «١»
وجملة الأمر أنهم لا يجعلون الشاعر «محتذيا» إلّا بما يجعلونه به آخذا ومسترقا، قال ذو الرمة: [من الوافر]
وشعر قد أرقت له غريب ... أجنّبه المساند والمحالا
فبتّ أقيمه وأقدّ منه ... قوافي لا أريد لها مثالا «٢»
قال يقول: لا أحذوها على شيء سمعته.
فأمّا أن يجعل إنشاد الشّعر وقراءته «احتذاء»، فما لا يعلمونه كيف؟ وإذا عمد عامد إلى بيت شعر فوضع مكان كلّ لفظة لفظا في معناه، كمثل أن يقول في قوله:
[من البسيط]
دع المكارم لا ترحل لبغيتها، ... واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسي
ذر المآثر لا تذهب لمطلبها، ... واجلس فإنك أنت الآكل اللّابس «٣»
لم يجعلوا ذلك «احتذاء» ولم يؤهّلوا صاحبه لأن يسموه «محتذيا»، ولكن يسمّون هذا الصنيع «سلخا» «٤»، ويرذّلونه ويسخّفون المتعاطي له. فمن أين يجوز لنا أن نقول في صبيّ يقرأ قصيدة امرئ القيس: إنه احتذاه في قوله:
стр. 297
فقلت له لمّا تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل «١»
والعجب من أنّهم لم ينظروا فيعلموا أنه لو كان منشد الشّعر «محتذيا»، لكان يكون قائل شعر، كما أن الذي يحذو النّعل بالنعل يكون قاطع نعل.
وهذا تقرير يصلح لأن يحفظ للمناظرة ينبغي أن يقال لمن يزعم أن المنشد إذا أنشد شعر امرئ القيس، كان قد أتى بمثله على سبيل «الاحتذاء»: أخبرنا عنك؟ لماذا زعمت أنّ المنشد قد أتى بمثل ما قاله امرؤ القيس؟ ألأنه نطق بأنفس الألفاظ التي نطق بها، أم لأنه راعى «النّسق» الذي راعاه في النّطق بها؟.
فإن قلت: «إنّ ذلك لأنه نطق بأنفس الألفاظ التي نطق بها»، أحلت، لأنه إنما يصحّ أن يقال في الثاني أنه أتى بمثل ما أتى بمثل ما أتى به الأوّل، إذا كان الأوّل قد سبق إلى
شيء فأحدثه ابتداء، وذلك في الألفاظ محال، إذ ليس يمكن أن يقال: إنه لم ينطق بهذه الألفاظ التي هي في قوله:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل «٢» قبل امرئ القيس أحد.
وإن قلت: إنّ ذلك لأنه قد راعى في نطقه بهذه الألفاظ «النّسق» الذي راعاه امرؤ القيس.
قيل: إن كنت لهذا قضيت في المنشد أنّه قد أتى بمثل شعره، فأخبرنا عنك؟
إذا قلت: «إن التّحدي وقع في القرآن إلى أن يؤتى بمثله على جهة الابتداء»، ما تعني به؟ أتعني أنه يأتي في ألفاظ غير ألفاظ القرآن، بمثل الترتيب والنسق الذي تراه في ألفاظ القرآن؟
فإن قال: ذلك أعني.
قيل له: أعلمت أنّه لا يكون الإتيان بالأشياء بعضها في أثر بعض على التوالي
стр. 298
نسقا وترتيبا، حتى تكون الأشياء مختلفة في أنفسها، ثم يكون للذي يجيء بها مضموما بعضها إلى بعض، غرض فيها ومقصود، لا يتمّ ذلك الغرض وذلك المقصود إلّا بأن يتخيّر لها مواضع، فيجعل هذا أوّلا، وذلك ثانيا؟ فإنّ هذا ما لا شبهة فيه على عاقل. وإذا كان الأمر كذلك، لزمك أن تبيّن الغرض الذي اقتضى أن تكون ألفاظ القرآن منسوقة النّسق الذي تراه.
ولا مخلص له من هذه المطالبة، لأنه إذا أبى أن يكون المقتضي والموجب للذي تراه من النّسق، المعاني وجعله قد وجب لأمر يرجع إلى اللّفظ، لم تجد شيئا يحيل في وجوبه عليه البتّة، اللهمّ إلا أن يجعل الإعجاز في الوزن، يزعم أنّ «النسق» الذي تراه في ألفاظ القرآن إنما كان معجزا، من أجل أن كان قد حدث عنه ضرب من الوزن يعجز الخلق عن أن يأتوا بمثله.
وإذا قال ذلك، لم يمكنه أن يقول: «إن التحدّي، وقع إلى أن يأتوا بمثله في فصاحته وبلاغته»، لأنّ الوزن ليس هو من الفصاحة والبلاغة في شيء، إذ لو كان له مدخل فيهما، لكان يجب في كلّ قصيدتين اتّفقتا في الوزن أن تتّفقا في الفصاحة والبلاغة.
فإن دعا بعض الناس طول الإلف لما سمع من أن الإعجاز في اللفظ، إلى أن يجعله في مجرّد الوزن كان قد دخل في أمر شنيع، وهو أن يكون قد جعل القرآن معجزا، لا من حيث هو كلام، ولا بما به كان لكلام فضل على كلام! فليس بالوزن ما كان الكلام كلاما، ولا به كان كلام خيرا من كلام.
وهكذا السبيل إن زعم زاعم أن الوصف المعجز هو «الجريان والسّهولة»، ثم يعني بذلك سلامته من أن تلتقي فيه حروف تثقل على اللّسان لأنه ليس بذلك كان الكلام كلاما، ولا هو بالذي يتناهى أمره إن عدّ في الفضيلة إلى أن يكون الأصل، وإلى أن يكون المعوّل عليه في المفاضلة بين كلام وكلام، فما به كان الشاعر مفلقا، والخطيب مصقعا، والكاتب بليغا.
ورأينا العقلاء حيث ذكروا عجز العرب عن معارضة القرآن، قالوا: إن النبي ﷺ تحدّاهم وفيهم الشعراء والخطباء والذين يدلّون بفصاحة اللسان، والبراعة والبيان، وقوّة القرائح والأذهان، والذين أوتوا الحكمة وفصل الخطاب ولم نرهم قالوا: إن النبي ﷺ تحدّاهم وهم العارفون بما ينبغي أن يصنع، حتّى يسلم الكلام من أن تلتقي فيه حروف تثقل على اللّسان.
стр. 299
ولما ذكروا معجزات الأنبياء ﵈ وقالوا: إنّ الله تعالى قد جعل معجزة كلّ نبي فيما كان أغلب على الذين بعث فيهم، وفيما كانوا يتباهون به، وكانت عوامّهم تعظّم به خواصّهم قالوا: إنّه لما كان السّحر الغالب على قوم فرعون، ولم يكن قد استحكم في زمان استحكامه في زمانه، جعل تعالى معجزة موسى ﵇ في إبطاله وتوهينه ولمّا كان الغالب على زمان عيسى ﵇ الطبّ، جعل الله تعالى معجزته في إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ولما انتهوا إلى ذكر نبيّنا محمد ﷺ وذكر ما كان الغالب على زمانه، لم يذكروا إلا البلاغة والبيان والتصرّف في ضروب النّظم.
وقد ذكرت في الذي تقدّم غير ما ذكرته هاهنا، مما يدلّ على سقوط هذا القول، وما دعاني إلى إعادة ذكره إلّا أنه ليس لتهالك النّاس في حديث «اللّفظ»، والمحاماة على الاعتقاد الذي اعتقدوه فيه وضنّ أنفسهم به حدّ، فأحببت لذلك أن لا أدع شيئا مما يجوز أن يتعلّق به متعلّق، ويلجأ إليه لاجئ، ويقع منه في نفس سامع شكّ، إلّا استقصيت في الكشف عن بطلانه.
وهاهنا أمر عجيب، وهو أنه معلوم لكل من نظر، أن الألفاظ من حيث هي ألفاظ وكلم ونطق لسان، لا تختصّ بواحد دون آخر، وأنها إنما تختصّ إذا توخّى فيها النظم. وإذا كان كذلك، كان من رفع «النّظم» من البين، وجعل الإعجاز بجملته في سهولة الحروف وجريانها، جاعلا له فيما لا يصحّ إضافته إلى الله تعالى. وكفى بهذا دليلا على عدم التوفيق، وشدّة الضّلال عن الطريق.
فصل [في ختام كتابه دلائل الإعجاز يصف به عمله]
قد بلغنا في مداواة النّاس من دائهم، وعلاج الفساد الذي عرض في آرائهم كلّ مبلغ، وانتهينا إلى كلّ غاية، وأخذنا بهم عن المجاهل التي كانوا يتعسّفون فيها إلى السّنن اللّاحب، ونقلناهم عن الآجن المطروق إلى النّمير الذي يشفي غليل الشّارب، ولم ندع لباطلهم عرقا ينبض إلا كويناه، ولا للخلاف لسانا ينطق إلّا أخرسناه، ولم نترك غطاء كان على بصر ذي عقل إلّا حسرناه، فيا أيها السامع لما قلناه، والناظر فيما كتبناه، والمتصفّح لما دوّنّاه، إن كنت سمعت سماع صادق الرّغبة في أن تكون في أمرك على بصيرة، ونظرت نظر تامّ العناية في أن يورد ويصدر عن معرفة، وتصفّحت
стр. 300
تصفّح من إذا مارس بابا من العلم لم يقنعه إلا أن يكون على ذروة السّنام، ويضرب بالمعلّى من السّهام، فقد هديت لضالّتك، وفتح لك الطريق إلى بغيتك، وهيئ لك الأداة التي بها تبلغ بها، وأوتيت الآلة التي معها تصل. فخذ لنفسك بالتي هي أملأ ليديك، وأعوذ بالحظّ عليك، ووازن بين حالك الآن وقد تنبهت من رقدتك، وأفقت من غفلتك، وصرت تعلم إذا أنت خضت في أمر «اللّفظ» و «النظم» معنى ما تذكر، وتعلم كيف تورد وتصدر، وبينها وأنت من أمرها في عمياء، وخابط خبط عشواء، قصاراك أن تكرّر ألفاظا لا تعرف لشيء منها تفسيرا، وضروب كلام للبلغاء إن سئلت عن أغراضهم فيها لم تستطع لها تبيينا، فإنّك تراك تطيل التعجّب من غفلتك، وتكثر الاعتذار إلى عقلك من الذي كنت عليه طول مدّتك. ونسأل الله تعالى أن يجعل كل ما نأتيه، ونقصده وننتحيه، لوجهه خالصا، وإلى رضاه مؤدّيا، ولثوابه مقتضيا، وللزّلفى عنده موجبا، بمنّه وفضله ورحمته.
стр. 301
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فصل [في كشف شبهة جعل الفصاحة للألفاظ]
اعلم أنه لما كان الغلط الذي دخل على الناس في حديث «اللفظ» كالداء الذي يسري في العروق، ويفسد مزاج البدن، وجب أن يتوخّى دائبا فيهم ما يتوخّاه الطبيب في النّاقة، من تعهّده بما يزيد في منّته، ويبقيه على صحّته، ويؤمنه النّكس في علّته.
وقد علمنا أن أصل الفساد وسبب الآفة، هو ذهابهم عن أن من شأن المعاني أن تختلف عليها الصّور، وتحدث فيها خواصّ ومزايا من بعد أن لا تكون.
وإنّك ترى الشاعر قد عمد إلى معنى مبتذل، فصنع فيه ما يصنع الصّانع الحاذق إذا هو أغرب في صنعة خاتم وعمل شنف وغيرهما من أصناف الحليّ. فإنّ جهلهم بذلك من حالها، هو الذي أغواهم واستهواهم، وورّطهم فيما تورّطوا فيه من الجهالات، وأدّاهم إلى التّعلّق بالمحالات. وذلك أنهم لما جهلوا شأن الصّورة، وضعوا لأنفسهم أساسا، وبنوا على قاعدة فقالوا: إنه ليس إلا المعنى واللفظ، ولا ثالث- وإنه إذا كان كذلك، وجب إذا كان لأحد الكلامين فضيلة لا تكون للآخر، ثم كان الغرض من أحدهما هو الغرض من صاحبه أن يكون مرجع تلك الفضيلة إلى اللفظ خاصّة، وأن لا يكون لها مرجع إلى المعنى، من حيث أنّ ذلك، زعموا، يؤدّي إلى التناقض، وأن يكون معناهما متغايرا وغير متغاير معا.
ولمّا أقرّوا هذا في نفوسهم، حملوا كلام العلماء في كل ما نسبوا فيه الفضيلة إلى «اللّفظ» على ظاهره، وأبوا أن ينظروا في الأوصاف التي أتبعوها نسبتهم الفضيلة إلى «اللّفظ»، مثل قولهم: «لفظ متمكّن غير قلق ولا ناب به موضعه»، إلى سائر ما ذكرناه قبل، فيعلموا أنّهم لم يوجبوا للّفظ ما أوجبوه من الفضيلة، وهم يعنون نطق اللّسان وأجراس الحروف، ولكن جعلوا كالمواضعة فيما بينهم أن يقولوا «اللفظ»، وهم يريدون الصّورة التي تحدث في المعنى، والخاصّة التي حدثت فيه، ويعنون الذي عناه الجاحظ حيث قال.
стр. 302
«وذهب الشّيخ إلى استحسان المعاني، والمعاني مطروحة وسط الطريق، يعرفها العربيّ والعجميّ، والحضريّ والبدويّ، وإنما الشعر صياغة وضرب من التّصوير».
وما يعنونه إذا قالوا: «إنه يأخذ الحديث فيشنّفه ويقرّطه، ويأخذ المعنى خرزة فيردّه جوهرة، وعباءة فيجعله ديباجة، ويأخذه عاطلا فيردّه حاليا». وليس كون هذا مرادهم، بحيث كان ينبغي أن يخفى هذا الخفاء ويشتبه هذا الاشتباه، ولكن إذا تعاطى الشيء غير أهله، وتولّى الأمر غير البصير به، أعضل الداء، واشتدّ البلاء. ولو لم يكن من الدّليل على أنهم لم ينحلوا «اللّفظ» الفضيلة وهم يريدونه نفسه وعلى الحقيقة إلّا واحد، وهو وصفهم له بأنه يزين المعنى، وأنّه حلي له لكان فيه الكفاية.
وذاك أن الألفاظ أدلّة على المعاني، وليس للدّليل إلّا أن يعلمك الشيء على ما يكون عليه، فأمّا أن يصير الشيء بالدليل، على صفة لم يكن عليها، فما لا يقوم في عقل، ولا يتصوّر في وهم.
وممّا إذا تفكّر فيه العاقل أطال التعجّب من أمر النّاس، ومن شدة غفلتهم قول العلماء حيث ذكروا «الأخذ» و «السرقة»: «إنّ من أخذ معنى عاريا، فكساه لفظا من عنده كان أحقّ به» «١»، وهو كلام مشهور متداول يقرأه الصّبيان في أوّل كتاب «عبد الرحمن»، ثم لا ترى أحدا من هؤلاء الذين لهجوا بجعل الفضيلة في «اللّفظ»، يفكّر في ذلك فيقول: من أين يتصوّر أن يكون هاهنا معنى عار من لفظ يدلّ عليه؟ ثم من أين يعقل أن يجيء الواحد منّا لمعنى من المعاني بلفظ من عنده، إن كان المراد باللفظ نطق اللسان؟
ثم هب أنه يصحّ له أن يفعل ذلك، فمن أين يجب إذا وضع لفظا على معنى، أن يصير أحقّ به من صاحبه الذي أخذه منه، إن كان هو لا يصنع بالمعنى شيئا، ولا يحدث فيه صفة، ولا يكسبه فضيلة؟ وإذا كان كذلك، فهل يكون لكلامهم هذا وجه سوى أن يكون «اللفظ» في قولهم «فكساه لفظا من عنده» «٢»، عبارة عن صورة يحدثها الشاعر أو غير الشاعر للمعنى؟
فإن قالوا: بلى يكون، وهو أن يستعير للمعنى لفظا.
قيل: الشأن في أنّهم قالوا: «إذا أخذ معنى عاريا فكساه لفظا من عنده، كان أحق به»، و «الاستعارة» عندكم مقصورة على مجرّد اللّفظ، ولا ترون المستعير يصنع
стр. 303
بالمعنى شيئا، وترون أنه لا يحدث فيه مزية على وجه من الوجوه. وإذا كان كذلك، فمن أين، ليت شعري، يكون أحقّ به؟ فاعرفه.
ثم إن أردت مثالا في ذلك، فإنّ من أحسن شيء فيه، ما صنع أبو تمام في بيت أبي نخيلة، وذلك أن أبا نخيلة قال في مسلمة بن عبد الملك: [من الطويل]
أمسلم، إنّي يا ابن كلّ خليفة، ... ويا جبل الدّنيا، ويا واحد الأرض
شكرتك، إنّ الشّكر حبل من التّقى، ... وما كلّ من أوليته صالحا يقضي
وأنبهت لي ذكري، وما كان خاملا، ... ولكنّ بعض الذّكر أنبه من بعض «١»
فعمد أبو تمام إلى هذا البيت الأخير فقال: [من الطويل]
لقد زدت أوضاحي امتدادا، ولم أكن ... بهيما، ولا أرضي من الأرض مجهلا
ولكن أياد صادفتني جسامها ... أغرّ، فأوفت بي أغرّ محجّلا «٢»
وفي «كتاب الشعر والشعراء» للمرزباني فصل في هذا المعنى حسن. قال:
ومن الأمثال القديمة قولهم: «حرّا أخاف على جاني كمأة لا قرّا» «٣»، يضرب مثلا للذي يخاف من شيء فيسلم منه ويصيبه غيره مما لم يخفه، فأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال: [من الكامل]
وحذرت من أمر فمرّ بجانبي ... لم ينكني، ولقيت ما لم أحذر «٤»
стр. 304
وقال لبيد: [من المنسرح]
أخشى على أربد الحتوف، ولا ... أرهب نوء السّماك والأسد «١»
قال: وأخذه البحتريّ فأحسن وطغى اقتدارا على العبارة، واتّساعا في المعنى، فقال: [من الكامل]
لو أنّني أوفي التّجارب حقّها ... فيما أرت، لرجوت ما أخشاه
وشبيه بهذا الفصل فصل آخر من هذا الكتاب «٢» أيضا، أنشد لإبراهيم بن المهديّ: [من السريع]
يا من لقلب صيغ من صخرة ... في جسد من لؤلؤ رطب
جرحت خدّيه بلحظي، فما ... برحت حتّى اقتصّ من قلبي «٣»
ثم قال: قال عليّ بن هارون: أخذه أحمد بن أبي فنن معنى ولفظا فقال:
أدميت باللّحظات وجنته ... فاقتصّ ناظره من القلب «٤»
قال: ولكنه بنقاء عبارته وحسن مأخذه، قد صار أولى به.
ففي هذا دليل لمن عقل أنهم لا يعنون بحسن العبارة مجرّد اللفظ، ولكن صورة وصفة وخصوصية تحدث في المعنى، وشيئا طريق معرفته على الجملة العقل دون السمع، فإنّه على كل حال لم يقل في البحتري أنه «أحسن فطغى اقتدارا على العبارة»، من أجل حروف.
стр. 305
لو أنني أوفي التّجارب حقّها وكذلك لم يصف ابن أبي فنن بنقاء العبارة، من أجل حروف.
أدميت باللّحظات وجنته واعلم أنك إذا سبرت أحوال هؤلاء الذين زعموا أنه إذا كان المعبّر عنه واحدا، والعبارة اثنتين، ثم كانت إحدى العبارتين أفصح من الأخرى وأحسن، فإنه ينبغي أن يكون السبب في كونها أفصح وأحسن، اللّفظ نفسه وجدتهم قد قالوا ذلك من حيث قاسوا الكلامين على الكلمتين، فلمّا رأوا أنّه إذا قيل في «الكلمتين» إن معناهما واحد، لم يكن بينهما تفاوت، ولم يكن للمعنى في إحداهما حال لا يكون له في الأخرى ظنّوا أن سبيل الكلامين هذا السبيل. ولقد غلطوا فأفحشوا، لأنه لا يتصوّر أن تكون صورة المعنى في أحد الكلامين أو البيتين، مثل صورة في الآخر البتّة، اللهم إلّا أن يعمد عامد إلى بيت فيضع مكان كل لفظة منه لفظة في معناها، ولا يعرض لنظمه وتأليفه، كمثل أن يقول في بيت حطيئة: [من البسيط]
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسي
ذر المفاخر لا تذهب لمطلبها ... واجلس فإنّك أنت الآكل اللّابس «١»
وما كان هذا سبيله كان بمعزل من أن يكون به اعتداد، وأن يدخل في قبيل ما يفاضل فيه بين عبارتين، بل لا يصح أن يجعل ذلك عبارة ثانية، ولا أن يجعل الذي يتعاطاه بمحلّ من يوصف بأنه أخذ معنى. ذلك لأنه لا يكون ذلك صانعا شيئا يستحق أن يدعى من أجله واضع كلام، ومستأنف عبارة وقائل شعر. ذاك لأنّ بيت حطيئة لم يكن كلاما وشعرا من أجل معاني الألفاظ المفردة التي تراها فيه، مجرّدة معرّاة من معاني النظم والتأليف، بل منها متوخّى فيها ما ترى من كون «المكارم» مفعولا «لدع»، وكون قوله «لا ترحل لبغيتها» جملة أكدت الجملة قبلها، وكون «اقعد» معطوفا بالواو على مجموع ما مضى، وكون جملة «أنت الطاعم الكاسي»، معطوفة بالفاء على «اقعد»، فالذي يجيء فلا يغيّر شيئا من هذا الّذي به كان كلاما وشعرا، لا يكون قد أتى بكلام ثان وعبارة ثانية، بل لا يكون قد قال من عند نفسه شيئا البتّة.
وجملة الأمر أنه كما لا تكون الفضّة أو الذهب خاتما أو سوارا أو غيرهما من
стр. 306
أصناف الحلي بأنفسهما، ولكن بما يحدث فيهما من الصّورة، كذلك لا تكون الكلم المفردة التي هي أسماء وأفعال وحروف، وكلاما وشعرا، من غير أن يحدث فيها النظم الذي حقيقته توخّي معاني النحو وأحكامه.
فإذن ليس لمن يتصدّى لما ذكرنا، من أن يعمد إلى بيت فيضع مكان كل لفظة منها لفظة في معناها، إلا أن يستركّ عقله، ويستخفّ، ويعدّ معدّ الذي حكي أنه قال: «إني قلت بيتا هو أشعر من بيت حسّان، قال حسّان: [من الكامل]
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم، ... لا يسألون عن السّواد المقبل «١»
وقلت:
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... أبدا ولا يسلون من ذا المقبل
فقيل: هو بيت حسّان، ولكنّك قد أفسدته.
واعلم أنه إنما أتي القوم من قلّة نظرهم في الكتب التي وضعها العلماء في اختلاف العبارتين على المعنى الواحد، وفي كلامهم في أخذ الشاعر من الشاعر، وفي أن يقول الشاعران على الجملة في معنى واحد، وفي الأشعار التي دوّنوها في هذا المعنى. ولو أنّهم كانوا أخذوا أنفسهم بالنظر في تلك الكتب، وتدبّروا ما فيها حقّ التدبّر، لكان يكون ذلك قد أيقظهم من غفلتهم، وكشف الغطاء عن أعينهم.
وقد أردت أن أكتب جملة من الشّعر الذي أنت ترى الشاعرين فيه قد قالا في معنى واحد، وهو ينقسم قسمين:
قسم أنت ترى أحد الشاعرين فيه قد أتى بالمعنى غفلا ساذجا، وترى الآخر قد أخرجه في صورة تروق وتعجب.
وقسم أنت ترى كل واحد من الشاعرين قد صنع في المعنى وصوّر.
وأبدا بالقسم الأول الّذي يكون المعنى في أحد البيتين غفلا، وفي الآخر مصوّرا
стр. 307
مصنوعا، ويكون ذلك إمّا لأن متأخّرا قصّر عن متقدم، وإمّا لأن هدي متأخّر لشيء لم يهتد إليه المتقدّم.
ومثال ذلك قول المتنبّي: [من السريع]
بئس اللّيالي سهدت من طربي ... شوقا إلى من يبيت يرقدها «١»
مع قول البحتري: [من الكامل]
ليل يصادفني ومرهفة الحشا ... ضدّين أسهره لها وتنامه «٢»
وقول البحتري: [من البسيط]
ولو ملكت زماعا ظلّ يجذبني ... قودا لكان ندى كفّيك من عقلي «٣»
مع قول المتنبي: [من الطويل]
وقيّدت نفسي في ذراك محبّة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيّدا «٤»
وقول المتنبي: [من الكامل]
إذا اعتلّ سيف الدّولة اعتلّت الأرض ... ومن فوقها والبأس والكرم المحض «٥»
стр. 308
مع قول البحتري: [من الكامل]
ظللنا نعود الجود من وعكك الّذي ... وجدت وقلنا اعتلّ عضو من المجد «١»
وقول المتنبي: [من الكامل]
يعطيك مبتدرا فإن أعجلته ... أعطاك معتذرا كمن قد أجرما «٢»
مع قول أبي تمام: [من الكامل]
أخو عزمات فعله فعل محسن ... إلينا ولكن عذره عذر مذنب «٣»
وقول المتنبي: [من الطويل]
كريم متى استوهبت ما أنت راكب ... وقد لقحت حرب فإنّك نازل «٤»
مع قول البحتريّ: [من البسيط]
ماض على عزمه في الجود لو وهب الشّ ... باب يوم لقاء البيض ما ندما «٥»
وقول المتنبي: [من الخفيف]
والّذي يشهد الوغى ساكن القل ... ب كأن القتال فيها ذمام «٦»
стр. 309
مع قول البحتريّ: [من الطويل]
لقد كان ذاك الجأش جأش مسالم ... على أنّ ذاك الزّيّ زيّ محارب «١»
وقول أبي تمام: [من الكامل]
الصّبح مشهور بغير دلائل ... من غيره ابتغيت ولا أعلام «٢»
مع قول المتنبي: [من الوافر]
وليس يصحّ في الأفهام شيء ... إذا احتاج النّهار إلى دليل «٣»
وقول أبي تمام: [من الوافر]
وفي شرف الحديث دليل صدق ... لمختبر على الشّرف القديم «٤»
مع قول المتنبي: [من البسيط]
أفعاله نسب لو لم يقل معها ... جدّي الخصيب عرفنا العرق بالغصن «٥»
стр. 310
وقول البحتري: [من الكامل]
وأحبّ آفاق البلاد إلى الفتى ... أرض ينال بها كريم المطلب «١»
مع قول المتنبي: [من الطويل]
وكلّ امرئ يولي الجميل محبّب ... وكلّ مكان ينبت العزّ طيّب «٢»
وقول المتنبي: [من الطويل]
يقرّ له بالفضل من لا يودّه ... ويقضي له بالسّعد من لا ينجّم «٣»
مع قول البحتري: [من الكامل]
لا أدّعي لأبي العلاء فضيلة ... حتّى يسلّمها إليه عداه «٤»
وقول خالد الكاتب: [من المتقارب]
رقدت ولم ترث للسّاهر ... وليل المحبّ بلا آخر «٥»
مع قول بشار: [من الطويل]
لخدّك من كفّيك في كلّ ليلة ... إلى أن ترى ضوء الصّباح وساد
تبيت تراعي اللّيل ترجو نفاده ... وليس لليل العاشقين نفاد «٦»
стр. 311
وقول أبي تمام: [من الوافر]
ثوى بالمشرقين لها ضجاج ... أطار قلوب أهل المغربين «١»
وقول البحتري: [من الطويل]
تناذر أهل الشّرق منه وقائعا ... أطاع لها العاصون في بلد الغرب «٢»
مع قول مسلم: [من البسيط]
لمّا نزلت على أدنى ديارهم ... ألقى إليك الأقاصي بالمقاليد «٣»
وقول محمد بن بشير: [من البسيط]
افرغ لحاجتنا ما دمت مشغولا ... فلو فرغت لكنت الدّهر مبذولا «٤»
مع قول أبي علي البصير: [من الطويل]
فقل لسعيد أسعد الله جدّه ... لقد رثّ حتّى كاد ينصرم الحبل
فلا تعتذر بالشّغل عنّا فإنّما ... تناط بك الآمال ما اتّصل الشّغل «٥»
وقول البحتري: [من الكامل]
من غادة منعت، وتمنع وصلها ... فلو انّها بذلت لنا لم تبذل «٦»
مع قول ابن الرومي: [من مجزوء الكامل]
ومن البليّة أنّني ... علّقت ممنوعا منوعا «٧»
وقول أبي تمام: [من الطويل]
стр. 312
لئن كان ذنبي أنّ أحسن مطلبي ... أساء ففي سوء القضاء لي العذر «١»
مع قول البحتري: [من البسيط]
إذا محاسني اللّاتي أدلّ بها ... كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر «٢»
وقول أبي تمام: [من البسيط] قد يقدم العير من ذعر على الأسد «٣» مع قول البحتري: [من الطويل]
فجاء مجيء العير قادته حيرة ... إلى أهرت الشّدقين تدمى أظافره «٤»
وقول معن بن أوس: [من الطويل]
إذا انصرفت نفسي عن الشّيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدّهر تقبل «٥»
مع قول العباس بن الأحنف: [من البسيط]
نقل الجبال الرّواسي من أماكنها ... أخفّ من ردّ قلب حين ينصرف «٦»
وقول أميّة بن أبي الصلت: [من الطويل]
عطاؤك زين لامرئ إن أصبته ... بخير وما كلّ العطاء يزين «٧»
стр. 313
مع قول أبي تمام: [من البسيط]
تدعى عطاياه وفرا وهي إن شهرت ... كانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا
ما زلت منتظرا أعجوبة عنتا ... حتّى رأيت سؤالا يجتني شرفا «١»
وقول جرير: [من الطويل]
بعثن الهوى ثمّ ارتمين قلوبنا ... بأسهم أعداء وهنّ صديق «٢»
مع قول أبي نواس: [من الطويل]
إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشّفت ... له عن عدوّ في ثياب صديق «٣»
وقول كثير: [من الطويل]
إذا ما أرادت خلّة أن تزيلنا ... أبينا وقلنا الحاجبيّة أوّل «٤»
مع قول أبي تمام: [من الكامل]
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحبّ إلّا للحبيب الأوّل «٥»
وقول المتنبي: [من الطويل]
وعند من اليوم الوفاء لصاحب ... شبيب وأوفى من ترى أخوان «٦»
стр. 314
مع قول أبي تمام: [من الطويل]
فلا تحسبا هندا لها الغدر وحدها ... سجيّة نفس كلّ غانية هند «١»
وقول البحتري: [من الطويل]
فلم أر في رنق الصّرى لي موردا ... فحاولت ورد النّيل عند احتفاله «٢»
مع قول المتنبي: [من الطويل]
قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقلّ السّواقيا «٣»
وقول المتنبي: [من المنسرح]
كأنّما يولد النّدى معهم ... لا صغر عاذر ولا هرم «٤»
مع قول البحتري: [من الطويل]
عريقون في الإفضال يؤتنف النّدى ... لناشئهم من حيث يؤتنف العمر «٥»
стр. 315
وقول البحتري: [من الطويل]
فلا تغلين بالسّيف كلّ غلائه ... ليمضي فإنّ الكفّ لا السّيف تقطع «١»
مع قول المتنبي: [من الطويل]
إذا الهند سوّت بين سيفي كريهة ... فسيفك في كفّ تزيل التّساويا «٢»
وقول البحتري: [من الكامل]
ساموك من حسد فأفضل منهم ... غير الجواد وجاد غير المفضل
فبذلت فينا ما بذلت سماحة ... وتكرّما وبذلت ما لم تبذل «٣»
مع قول أبي تمام: [من الطويل]
أرى النّاس منهاج النّدى بعد ما عفت ... مهايعه المثلى ومحّت لواحبه
ففي كلّ نجد في البلاد وغائر ... مواهب ليست منه وهي مواهبه «٤»
وقول المتنبي: [من البسيط]
بيضاء تطمع فيما تحت حلّتها ... وعزّ ذلك مطلوبا إذا طلبا «٥»
مع قول البحتري: [من الكامل]
стр. 316
تبدو بعطفة مطمع حتّى إذا ... شغل الخليّ ثنت بصدفة مؤيس «١»
وقول المتنبي: [من الكامل]
إذكار مثلك ترك إذكاري له ... إذ لا تريد لما أريد مترجما «٢»
مع قول أبي تمام: [من الخفيف]
وإذا المجد كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التّقاضي «٣»
وقول أبي تمام: [من الكامل]
فنعمت من شمس إذا حجبت بدت ... من خدرها فكأنّها لم تحجب «٤»
مع قول قيس بن الخطيم: [من المنسرح]
قضى لها الله حين صوّرها ال ... خالق أن لا يكنّها سدف «٥»
وقول المتنبي: [من الخفيف]
راميات بأسهم ريشها الهد ... ب تشقّ القلوب قبل الجلود «٦»
مع قول كثير: [من الطويل]
رمتني ريشه الكحل لم يجز ... ظواهر جلدي وهو في القلب جارح «٧»
стр. 317
وقول بعض شعراء الجاهلية، ويعزى إلى لبيد: [من الكامل]
ودعوت ربّي بالسّلامة جاهدا ... ليصحّني فإذا السّلامة داء «١»
مع قول أبي العتاهية: [من الرجز]
أسرع في نقص امرئ تمامه ... تدبر في إقبالها أيّامه «٢»
وقوله: [من مجزوء الكامل]
أقلل زيارتك الحبي ... ب تكون كالثّوب استجدّه
إنّ الصديق يملّه ... أن لا يزال يراك عنده «٣»
مع قول أبي تمام: [من الطويل]
وطول مقام المرء في الحيّ مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدّد «٤»
وقول الخريميّ: [من الرمل]
زاد معروفك عندي عظما ... أنّه عندك محقور صغير
تتناساه كأن لم تأته ... وهو عند النّاس مشهور كبير «٥»
مع قول المتنبي: [من المنسرح]
تظنّ من فقدك اعتدادهم ... أنّهم أنعموا وما علموا «٦»
стр. 318
وقول البحتري: [من الوافر]
ألم تر للنّوائب كيف تسمو ... إلى أهل النّوافل والفضول «١»
مع قول المتنبي: [من البسيط]
أفاضل النّاس أغراض لذا الزّمن ... يخلو من الهمّ أخلاهم من الفطن «٢»
وقول المتنبي: [من الطويل]
تذلّل لها واخضع على القرب والنّوى ... فما عاشق من لا يذلّ ويخضع «٣»
مع قول بعض المحدثين: [من مجزوء الكامل]
كن إذا أحببت عبدا ... للّذي تهوى مطيعا
لن تنال الوصل حتّى ... تلزم النّفس الخضوعا «٤»
وقول مضرّس بن ربعيّ: [من الطويل]
стр. 319
لعمرك إنّي بالخليل الّذي له ... عليّ دلال واجب لمفجّع
وإنّي بالمولى الّذي ليس نافعي ... ولا ضائري فقدانه لممتّع «١»
مع قول المتنبي: [من الطويل]
أما تغلط الأيّام فيّ بأن أرى ... بغيضا تنائي أو حبيبا تقرّب «٢»
وقول المتنبي: [من البسيط]
مظلومة القدّ في تشبيهه غصنا ... مظلومة الرّيق في تشبيهه ضربا «٣»
مع قوله: [من الطويل]
إذا نحن شبّهناك بالبدر طالعا ... بخسناك حظّا أنت أبهى وأجمل
ونظلم إن قسناك باللّيث في الوغى ... لأنّك أحمى للحريم وأبسل «٤»
[القسم الثاني في البيتين صنعة وتصويرا]
ذكر ما أنت ترى فيه في كلّ واحد من البيتين صنعة وتصويرا وأستاذيّة على الجملة فمن ذلك، وهو من النادر، قول لبيد: [من الرمل]
стр. 320
واكذب النّفس إذا حدّثتها ... إنّ صدق النّفس يزري بالأمل «١»
مع قول نافع بن لقيط:
وإذا صدقت النّفس لم تترك لها ... أملا ويأمل ما اشتهى المكذوب «٢»
وقول رجل من الخوارج أتي به الحجّاج في جماعة من أصحاب قطريّ فقتلهم، ومنّ عليه ليد كانت عنده، وعاد إلى قطريّ، فقال له قطريّ: عاود قتال عدوّ الله الحجّاج. فأبى وقال: [من الكامل]
أأقاتل الحجّاج عن سلطانه ... بيد تقرّ بأنّها مولاته
ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... في الصّف واحتجّت له فعلاته
وتحدّث الأقوام أنّ صنائعا ... غرست لديّ فحنظلت نخلاته «٣»
مع قول أبي تمام: [من الطويل]
أسربل هجر القول من لو هجوته ... إذن لهجاني عنه معروفه عندي «٤»
وقول النابغة: [من الطويل]
إذا ما غدا بالجيش حلّق فوقه ... عصائب طير تهتدي بعصائب
جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله ... إذا ما التقى الصّفّان أوّل غالب «٥»