← Баляга

Баляга · id 37697

دلائل الإعجاز ت هنداوي

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (360 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

تبدو بعطفة مطمع حتّى إذا ... شغل الخليّ ثنت بصدفة مؤيس «١» وقول المتنبي: [من الكامل] إذكار مثلك ترك إذكاري له ... إذ لا تريد لما أريد مترجما «٢» مع قول أبي تمام: [من الخفيف] وإذا المجد كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التّقاضي «٣» وقول أبي تمام: [من الكامل] فنعمت من شمس إذا حجبت بدت ... من خدرها فكأنّها لم تحجب «٤» مع قول قيس بن الخطيم: [من المنسرح] قضى لها الله حين صوّرها ال ... خالق أن لا يكنّها سدف «٥» وقول المتنبي: [من الخفيف] راميات بأسهم ريشها الهد ... ب تشقّ القلوب قبل الجلود «٦» مع قول كثير: [من الطويل] رمتني ريشه الكحل لم يجز ... ظواهر جلدي وهو في القلب جارح «٧»

стр. 317

وقول بعض شعراء الجاهلية، ويعزى إلى لبيد: [من الكامل] ودعوت ربّي بالسّلامة جاهدا ... ليصحّني فإذا السّلامة داء «١» مع قول أبي العتاهية: [من الرجز] أسرع في نقص امرئ تمامه ... تدبر في إقبالها أيّامه «٢» وقوله: [من مجزوء الكامل] أقلل زيارتك الحبي ... ب تكون كالثّوب استجدّه إنّ الصديق يملّه ... أن لا يزال يراك عنده «٣» مع قول أبي تمام: [من الطويل] وطول مقام المرء في الحيّ مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدّد «٤» وقول الخريميّ: [من الرمل] زاد معروفك عندي عظما ... أنّه عندك محقور صغير تتناساه كأن لم تأته ... وهو عند النّاس مشهور كبير «٥» مع قول المتنبي: [من المنسرح] تظنّ من فقدك اعتدادهم ... أنّهم أنعموا وما علموا «٦»

стр. 318

وقول البحتري: [من الوافر] ألم تر للنّوائب كيف تسمو ... إلى أهل النّوافل والفضول «١» مع قول المتنبي: [من البسيط] أفاضل النّاس أغراض لذا الزّمن ... يخلو من الهمّ أخلاهم من الفطن «٢» وقول المتنبي: [من الطويل] تذلّل لها واخضع على القرب والنّوى ... فما عاشق من لا يذلّ ويخضع «٣» مع قول بعض المحدثين: [من مجزوء الكامل] كن إذا أحببت عبدا ... للّذي تهوى مطيعا لن تنال الوصل حتّى ... تلزم النّفس الخضوعا «٤» وقول مضرّس بن ربعيّ: [من الطويل]

стр. 319

لعمرك إنّي بالخليل الّذي له ... عليّ دلال واجب لمفجّع وإنّي بالمولى الّذي ليس نافعي ... ولا ضائري فقدانه لممتّع «١» مع قول المتنبي: [من الطويل] أما تغلط الأيّام فيّ بأن أرى ... بغيضا تنائي أو حبيبا تقرّب «٢» وقول المتنبي: [من البسيط] مظلومة القدّ في تشبيهه غصنا ... مظلومة الرّيق في تشبيهه ضربا «٣» مع قوله: [من الطويل] إذا نحن شبّهناك بالبدر طالعا ... بخسناك حظّا أنت أبهى وأجمل ونظلم إن قسناك باللّيث في الوغى ... لأنّك أحمى للحريم وأبسل «٤» [القسم الثاني في البيتين صنعة وتصويرا] ذكر ما أنت ترى فيه في كلّ واحد من البيتين صنعة وتصويرا وأستاذيّة على الجملة فمن ذلك، وهو من النادر، قول لبيد: [من الرمل]

стр. 320

واكذب النّفس إذا حدّثتها ... إنّ صدق النّفس يزري بالأمل «١» مع قول نافع بن لقيط: وإذا صدقت النّفس لم تترك لها ... أملا ويأمل ما اشتهى المكذوب «٢» وقول رجل من الخوارج أتي به الحجّاج في جماعة من أصحاب قطريّ فقتلهم، ومنّ عليه ليد كانت عنده، وعاد إلى قطريّ، فقال له قطريّ: عاود قتال عدوّ الله الحجّاج. فأبى وقال: [من الكامل] أأقاتل الحجّاج عن سلطانه ... بيد تقرّ بأنّها مولاته ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... في الصّف واحتجّت له فعلاته وتحدّث الأقوام أنّ صنائعا ... غرست لديّ فحنظلت نخلاته «٣» مع قول أبي تمام: [من الطويل] أسربل هجر القول من لو هجوته ... إذن لهجاني عنه معروفه عندي «٤» وقول النابغة: [من الطويل] إذا ما غدا بالجيش حلّق فوقه ... عصائب طير تهتدي بعصائب جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله ... إذا ما التقى الصّفّان أوّل غالب «٥»

стр. 321

مع قول أبي نواس: [من الرمل المجزوء] وإذا مجّ القنا علقا ... وتراءى الموت في صوره راح في ثنيي مفاضته ... أسد يدمى شبا ظفره تتأيّى الطّير غدوته ... ثقة بالشّبع من جزره «١» المقصود البيت الأخير. وحكى المرزباني قال: «حدثني عمرو الورّاق قال: رأيت أبا نواس ينشد قصيدته التي أولها: [من الرمل المجزوء] أيّها المنتاب عن عفره «٢» فحسدته، فلما بلغ إلى قوله: تتأيّى الطّير غدوته ... ثقة بالشّبع من جزره «٣» قلت له: ما تركت للنابغة شيئا حيث يقول: «إذا ما غدا بالجيش»، البيتين، فقال: اسكت، فلئن كان سبق فما أسأت الأتباع». وهذا الكلام من أبي نواس دليل بيّن في أن المعنى ينقل من صورة إلى صورة.

стр. 322

ذاك لأنه لو كان لا يكون قد صنع بالمعنى شيئا، لكان قوله: «فما أسأت الاتّباع» محالا، لأنه على كل حال لم يتّبعه في اللفظ. ثم إنّ الأمر ظاهر لمن نظر في أنه قد نقل المعنى عن صورته التي هو عليها في شعر النابغة إلى صورة أخرى. وذلك أنّ هاهنا معنيين: أحدهما: أصل، وهو: علم الطّير بأن الممدوح إذا غزا عدوّا كان الظفر له، وكان هو الغالب. والآخر فرع، وهو: طمع الطير في أن تتّسع عليها المطاعم من لحوم القتلى. وقد عمد النابغة إلى «الأصل»، الذي هو علم الطير بأن الممدوح يكون الغالب، فذكره صريحا، وكشف عن وجهه، واعتمد في «الفرع» الذي هو طمعها في لحوم القتلى، وأنها لذلك تحلّق فوقه على دلالة الفحوى. وعكس أبو نواس القصّة، فذكر «الفرع» الذي هو طمعها في لحوم القتلى صريحا، فقال كما ترى: ثقة بالشّبع من جزره «١» وعوّل في «الأصل»، الذي هو علمها بأن الظفر يكون للممدوح، على الفحوى. ودلالة الفحوى على علمها أنّ الظفر يكون للممدوح، هي في أن قال: «من جزره»، وهي لا تثق بأن شبعها يكون من جزر الممدوح، حتى تعلم أنّ الظفر يكون له. أفيكون شيء أظهر من هذا في النّقل عن صورة إلى صورة؟ أرجع إلى النّسق- ومن ذلك قول أبي العتاهية: [من الخفيف] شيم فتّحت من المدح ما قد ... كان مستغلقا على المدّاح «٢» مع قول أبي تمام: [من الكامل] نظمت له خرز المديح مواهب ... ينفثن في عقد اللّسان المفحم «٣»

стр. 323

وقول أبي وجزة: [من الوافر] أتاك المجد من هنّا وهنّا ... وكنت له بمجتمع السّيول «١» مع قول منصور النّمري: [من البسيط] إنّ المكارم والمعروف أودية ... أحلّك الله منها حيث تجتمع «٢» وقول بشار: [من البسيط] الشّيب كره وكره أن يفارقني ... أعجب بشيء على البغضاء مودود «٣» مع قول البحتري: [من الوافر] تعيب الغانيات عليّ شيبي ... ومن لي أن أمتّع بالمعيب «٤» وقول أبي تمام: [من الوافر] يشتاقه من كماله غده ... ويكثر الوجد نحوه الأمس «٥» مع قول ابن الرومي: [من الطويل] إمام يظلّ الأمس يعمل نحوه ... تلفّت ملهوف ويشتاقه الغد «٦»

стр. 324

لا تنظر إلى أنه قال: «يشتاقه الغد»، فأعاد لفظ أبي تمام، ولكن انظر إلى قوله: يعمل نحوه تلفّت ملهوف وقول أبي تمام: [من الطويل] لئن ذمّت الأعداء سوء صباحها ... فليس يؤدّي شكرها الذّئب والنّسر «١» مع قول المتنبي: [من المتقارب] وأنبتّ منهم ربيع السّباع ... فأثنت بإحسانك الشّامل «٢» وقول أبي تمام: [من البسيط] وربّ نائي المغاني روحه أبدا ... لصيق روحي ودان ليس بالدّاني «٣» مع قول المتنبي: [من الوافر] لنا ولأهله أبدا قلوب ... تلاقى في جسوم ما تلاقى «٤»

стр. 325

وقول أبي تمام: [من الكامل] إذا سيفه أضحى على الهام حاكما ... غدا العفو منه وهو في السّيف حاكم «١» مع قول المتنبي: [من الكامل] له من كريم الطّبع في الحرب منتض ... ومن عادة الإحسان والصّفح غامد «٢» فانظر الآن نظر من نفى الغفلة عن نفسه، فإنك ترى عيانا أنّ للمعنى في كل واحد من البيتين من جميع ذلك، صورة وصفة غير صورته وصفته في البيت الآخر وأن العلماء لم يريدوا حيث قالوا: «إن المعنى في هذا هو المعنى في ذاك»، أنّ الذي يعقل من هذا لا يخالف الذي يعقل من ذاك وأنّ المعنى عائد عليك في البيت الثاني على هيئته وصفته التي كان عليها في البيت الأوّل وأن لا فرق ولا فصل ولا تباين بوجه من الوجوه وأنّ حكم البيتين مثلا حكم الاسمين قد وضعا في اللغة لشيء واحد، كالليث والأسد ولكن قالوا ذلك على حسب ما يقوله العقلاء في الشّيئين يجمعهما جنس واحد، ثم يفترقان بخواصّ ومزايا وصفات، كالخاتم والخاتم، والشّنف والشّنف، والسّوار والسّوار، وسائر أصناف الحلي التي يجمعها جنس واحد، ثم يكون بينهما الاختلاف الشديد في الصنعة والعمل. ومن هذا الذي ينظر إلى بيت الخارجيّ وبيت أبي تمام، فلا يعلم أنّ صورة المعنى في ذلك غير صورته في هذا؟ كيف، والخارجيّ يقول: «واحتجّت له فعلاته» «٣»

стр. 326

ويقول أبو تمام: «إذن لهجاني عنه معروفه عندي» «١» ومتى كان «احتجّ» و «هجا» واحدا في المعنى؟ وكذلك الحكم في جميع ما ذكرناه، فليس يتصوّر في نفس عاقل أن يكون قول البحتري: [من الكامل] وأحبّ آفاق البلاد إلى الفتى ... أرض ينال بها كريم المطلب «٢» وقول المتنبي: وكلّ مكان ينبت العزّ طيّب «٣» - سواء واعلم أن قولنا «الصّورة»، إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا، فلمّا رأينا البينونة بين آحاد الأجناس تكون من جهة الصّورة، فكان تبيّن إنسان من إنسان وفرس من فرس، بخصوصيّة تكون في صورة هذا لا تكون في صورة ذاك، وكذلك كان الأمر في المصنوعات، فكان تبيّن خاتم من خاتم وسوار من سوار بذلك، ثم وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرقا، عبّرنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة بأن قلنا: «للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذلك». وليس العبارة عن ذلك بالصورة شيئا نحن ابتدأناه فينكره منكر، بل هو مستعمل مشهور في كلام العلماء، ويكفيك قول الجاحظ: «وإنما الشعر صياغة وضرب من التّصوير».

стр. 327

واعلم أنه لو كان المعنى في أحد البيتين يكون على هيئته وصفته في البيت الآخر، وكان التّالي من الشاعرين يجيئك به معادا على وجهه لم يحدث فيه شيئا، ولم يغيّر له صفة، لكان قول العلماء في شاعر: «إنّه أخذ المعنى من صاحبه فأحسن وأجاد»، وفي آخر: «إنّه أساء وقصّر»، ولغوا من القول، من حيث كان محالا أن يحسن أو يسيء في شيء لا يصنع به شيئا. وكذلك كان يكون جعلهم البيت نظيرا للبيت ومناسبا له، خطأ منهم، لأنه محال أن يناسب الشيء نفسه، وأن يكون نظيرا لنفسه. وأمر ثالث، وهو أنّهم يقولون في واحد: «إنه أخذ المعنى فظهر أخذه»، وفي آخر: «إنّه أخذه فأخفى أخذه»، ولو كان المعنى يكون معادا على صورته وهيئته، وكان الآخذ له من صاحبه لا يصنع شيئا غير أن يبدّل لفظا مكان لفظ، لكان الإخفاء فيه محالا، لأن اللّفظ لا يخفي المعنى، وإنّما يخفيه إخراجه في صورة غير التي كان عليها. مثال ذلك أن القاضي أبا الحسن «١»، ذكر فيما ذكر فيه «تناسب المعاني»، بيت أبي نواس: [من الرمل المجزوء] خلّيت والحسن تأخذه ... تنتقي منه وتنتخب «٢» وبيت عبد الله بن مصعب: [من الوافر] كأنّك جئت محتكما عليهم ... تخيّر في الأبوّة ما تشاء «٣» وذكر أنّهما معا من بيت بشار: [من الطويل] خلقت ما فيّ غير مخيّر ... هواي، ولو خيّرت كنت المهذّبا «٤» والأمر في تناسب هذه الثلاثة ظاهر. ثم إنه ذكر أن أبا تمام قد تناوله فأخفاه وقال: [من الوافر]

стр. 328

فلو صوّرت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطّباع «١» ومن العجب في ذلك ما تراه إذا أنت تأمّلت قول أبي العتاهية: [من الكامل] جزي البخيل عليّ صالحة ... عنّي بخفّته على ظهري أعلى وأكرم عن يديه يدي ... فعلت، ونزّه قدره قدري ورزقت من جدواه عافية ... أن لا يضيق بشكره صدري وغنيت خلوا من تفضّله ... أحنو عليه بأحسن العذر ما فاتني خير امرئ وضعت ... عنّي يداه مئونة الشّكر «٢» ثم نظرت إلى قول الذي يقول: [من المنسرح] أعتقني سوء ما صنعت من الرّقّ ... فيا بردها على كبدي فصرت عبدا للسّوء منك وما ... أحسن سوء قبلي إلى أحد «٣» ومما هو في غاية النّدرة من هذا الباب، ما صنعه الجاحظ بقول نصيب: [من الطويل] ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب «٤» حين نثره فقال، وكتب به إلى ابن الزّيات: «نحن أعزك الله نسحر بالبيان، ونموه بالقول، والناس ينظرون إلى الحال، ويقضون بالعيان، فأثر في أمرنا أثرا ينطق إذا سكتنا، فإنّ المدّعي بغير بيّنة متعرّض للتكذيب». وهذه جملة من وصفهم الشعر وعمله وإدلالهم به- أبو حيّة النّميرى: [من الكامل] إنّ القصائد قد علمن بأنّني ... صنع اللّسان بهنّ، لا أتنحّل وإذا ابتدأت عروض نسج ريّض ... جعلت تذلّ لما أريد وتسهل حتّى تطاوعني، ولو يرتاضها ... غيري لحاول صعبة لا تقبل «٥»

стр. 329

تميم بن مقبل: [من الطويل] إذا متّ عن ذكر القوافي فلن ترى ... لها قائلا بعدي أطبّ وأشعرا وأكثر بيتا سائرا ضربت له ... حزون جبال الشّعر حتّى تيسّرا أغرّ غريبا يمسح النّاس وجهه ... كما تمسح الأيدي الأغرّ المشهّرا «١» عديّ بن الرّقاع: [من الكامل] وقصدة قد بتّ أجمع بينها ... حتّى أقوّم ميلها وسنادها نظر المثقّف في كعوب قناته ... حتّى يقيم ثقافة منادها «٢» كعب بن زهير: [من الطويل] فمن اللقوافي، شانها من يحوكها، ... إذا ما توى كعب وفوّز جرول «٣» يقوّمها حتّى تلين متونها ... فيقصر عنها كلّ ما يتمثّل «٤» بشّار: [من الطويل] عميت جنينا، والذّكاء من العمى، ... فجئت عجيب الظّنّ للعلم موئلا وغاص ضياء العين للعلم رافدا ... لقلب إذا ما ضيّع النّاس حصّلا وشعر كنور الرّوض لاءمت بينه ... بقول إذا ما أحزن الشّعر أسهلا «٥»

стр. 330

وله: [من المنسرح] زور ملوك عليه أبّهة ... يغرف من شعره ومن خطبه «١» لله ما راح في جوانحه ... من لؤلؤ لا ينام عن طلبه يخرج من فيه للنّدى، كما ... يخرج ضوء السّراج من لهبه «٢» أبو شريح العمير: [من الوافر] فإن أهلك فقد أبقيت بعدي ... قوافي تعجب المتمثّلينا لذيذات المقاطع محكمات ... لو أنّ الشّعر يلبس لارتدينا «٣» الفرزدق: [من الوافر] بلغنا الشّمس حين تكون شرقا ... ومسقط قرنها من حيث غابا بكلّ ثنيّة وبكلّ ثغر ... غرائبهنّ تنتسب انتسابا «٤» ابن ميّادة: [من الطويل]

стр. 331

فجرنا ينابيع الكلام وبحره ... فأصبح فيه ذو الرّواية يسبح وما الشّعر إلّا شعر قيس وخندف ... وشعر سواهم كلفة وتملّح «١» وقال عقال بن هشام القينيّ يردّ عليه: [من الطويل] ألا أبلغ الرّمّاح نقض مقالة ... بها خطل الرّمّاح أو كان يمزح لئن كان في قيس وخندف ألسن ... طوال وشعر سائر ليس يقدح لقد خرق الحيّ اليمانون قبلهم ... بحور الكلام تستقى وهي طفّح وهم علّموا من بعدهم فتعلّموا ... وهم أعربوا هذا الكلام وأوضحوا فللسّابقين الفضل لا يجحدونه ... وليس لمسبوق عليهم تبجّج «٢» أبو تمام: [من الطويل] كشفت قناع الشّعر عن حرّ وجهه ... وطيّرته عن وكره وهو واقع بغرّ يراها من يراها بسمعه ... ويدنو إليها ذو الحجى وهو شاسع يودّ ودادا أنّ أعضاء جسمه ... إذا أنشدت، شوقا إليها، مسامع «٣»

стр. 332

وله: [من الكامل] حذّاء تملأ كلّ أذن حكمة ... وبلاغة، وتدرّ كلّ وريد كالدّرّ والمرجان ألّف نظمه ... بالشّذر في عنق الفتاة الرّود كشقيقة البرد المنمنم وشيه ... في أرض مهرة أو بلاد تزيد يعطي بها البشرى الكريم ويرتدي ... بردائها في المحفل المشهود بشرى الغنيّ أبي البنات تتابعت ... بشرائه بالفارس المولود «١» وله: [من الكامل] جاءتك من نظم اللّسان قلادة ... سمطان، فيها اللؤلؤ المكنون أحذاكها صنع الضّمير يمدّه ... جفر إذا نضب الكلام معين «٢» أخذ لفظ «الصّنع» من قول أبي حيّة: بأنني صنع اللّسان بهنّ، لا أتنحّل «٣» ونقله إلى الضمير. وقد جعل حسّان أيضا اللسان «صنعا»، وذلك في قوله: [من البسيط] أهدى لهم مدحا قلب مؤازره ... فيما أحبّ لسان حائك صنع «٤»

стр. 333

ولأبي تمام: [من الطويل] إليك أرحنا عازب الشّعر بعد ما ... تمهّل في روض المعاني العجائب غرائب لاقت في فنائك أنسها ... من المجد فهي الآن غير غرائب ولو كان يفنى الشّعر أفناه ما قرت ... حياضك منه في السّنين الذّواهب ولكنّه صوب العقول، إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب «١» البحتري [من الطويل] ألست الموالي فيك نظم قصائد ... هي الأنجم اقتادت مع اللّيل أنجما ثناء كأنّ الرّوض منه منوّرا ... ضحى، وكأنّ الوشي منه منمنما «٢» وله: [من البسيط] أحسن أبا حسن بالشّعر، إذ جعلت ... عليك أنجمه بالمدح تنتشر فقد أتتك القوافي غبّ فائدة ... كما تفتّح غبّ الوابل الزّهر «٣» وله: [من الطويل] إليك القوافي نازعات قواصدا ... يسيّر ضاحي وشيها وينمنم ومشرقة في النّظم غرّ يزينها ... بهاء وحسنا أنّها فيك تنظم «٤» وله: [من الطويل] بمنقوشة نقش الدّنانير ينتقى ... لها اللّفظ مختارا كما ينتقى التّبر «٥»

стр. 334

وله: [من الطويل] أيذهب هذا الدّهر لم ير موضعي ... ولم يدر ما مقدار حلّي ولا عقدي ويكسد مثلي وهو تاجر سؤدد ... يبيع ثمينات المكارم والمجد سوائر شعر جامع بدد العلى ... تعلّقن من قبلي وأتعبن من بعدي يقدّر فيها صانع متعمّل ... لإحكامها تقدير داود في السّرد «١» وله: [من الكامل] تالله يسهر في مديحك ليله ... متململا وتنام دون ثوابه يقظان ينتخل الكلام كأنّه ... جيش لديه يريد أن يلقى به فأتى به كالسّيف رقرق صيقل ... ما بين قائم سنخه وذبابه «٢» ومن نادر وصفه للبلاغة قوله: [من الخفيف] في نظام من البلاغة ما شكّ ... امرؤ أنّه نظام فريد وبديع كأنّه الزّهر الضّاحك ... في رونق الرّبيع الجديد مشرق في جوانب السّمع ما يخ ... لقه عوده على المستعيد حجج تخرس الألدّ بألفا ... ظ فرادى كالجوهر المعدود ومعان لو فصّلتها القوافي ... هجّنت شعر جرول ولبيد جزن مستعمل الكلام اختيارا ... ونجنبن ظلمة التّعقيد وركبن اللّفظ القريب فأدرك ... ن به غاية المراد البعيد كالعذارى غدون في الحلل الصّف ... ر إذا رحن في الخطوط السّود «٣»

стр. 335

الغرض من كتب هذه الأبيات، الاستظهار، حتى إن حمل حامل نفسه على الغرر والتّقحّم على غير بصيرة، فزعم أن الإعجاز في مذاقة الحروف، وفي سلامتها مما يثقل على اللّسان علم بالنظر فيها فساد ظنّه وقبح غلطه، من حيث يرى عيانا أن ليس كلامهم كلام من خطر ذلك منه ببال، ولا صفاتهم صفات تصلح له على حال. إذ لا يخفى على عاقل أن لم يكن ضرب «تميم» لحزون جبال الشعر، لأن تسلم ألفاظه من حروف تثقل على اللسان ولا كان تقويم «عديّ» لشعره وتشبيهه نظره فيه بنظر المثقّف في كعوب قناته لذلك وأنّه محال أن يكون له جعل «بشّار» نور العين قد غاض فصار إلى قلبه، وأن يكون اللّؤلؤ الذي كان لا ينام عن طلبه وأن ليس هو صوب العقول «١» الذي إذا انجلت سحائب منه أعقبت بسحائب وأن ليس هو الدّرّ والمرجان مؤلّفا بالشّذر في العقد ولا الذي له كان «البحتري» مقدّرا «تقدير داود في السّرد». كيف؟ وهذه كلّها عبارات عمّا يدرك بالعقل ويستنبط بالفكر، وليس الفكر الطريق إلى تمييز ما يثقل على اللسان مما لا يثقل، إنما الطريق إلى ذلك الحسّ. ولولا أنّ البلوى قد عظمت بهذا الرأي الفاسد، وأنّ الذين قد استهلكوا فيه قد صاروا من فرط شغفهم به يصغون إلى كل شيء يسمعونه، حتى لو أن إنسانا قال: «باقلّى «٢» حارّ»، يريهم أنه يريد نصرة مذهبهم، لأقبلوا بأوجههم عليه وألقوا أسماعهم إليه لكان اطّراحه وترك الاشتغال به أصوب، لأنه قول لا يتصل منه جانب بالصواب البتّة. ذاك لأنه أول شيء يؤدّي إلى أن يكون القرآن معجزا، لا بما به كان قرآنا وكلام الله ، لأنه على كل حال إنّما كان قرآنا وكلام الله بالنّظم الذي هو عليه. ومعلوم أن ليس «النّظم» من مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان في شيء. ثم إنّه اتّفاق من العقلاء أنّ الوصف الذي به تناهى القرآن إلى حدّ عجز عنه المخلوقون، هو الفصاحة والبلاغة. وما رأينا عاقلا جعل القرآن فصيحا أو بليغا، بأن

стр. 336

لا يكون في حروفه ما يثقل على اللسان، لأنه لو كان يصحّ ذلك، لكان يجب أن يكون السّوقيّ الساقط من الكلام، والسفساف الرّديء من الشعر، فصيحا إذا خفّت حروفه. وأعجب من هذا، أنّه يلزم منه أن لو عمد عامد إلى حركات الإعراب فجعل مكان كلّ ضمّة وكسرة فتحة فقال: «الحمد لله»، بفتح الدال واللام والهاء، وجرى على هذا في القرآن كلّه، أن لا يسلبه ذلك الوصف الذي هو معجز به، بل كان ينبغي أن يزيد فيه، لأنّ الفتحة كما لا يخفى أخفّ من كلّ واحدة من الضمة والكسرة. فإن قال: إن ذلك يحيل المعنى. قيل له: إذا كان المعنى والعلّة في كونه معجزا خفّة اللّفظ وسهولته، فينبغي أن يكون مع إحالة المعنى معجزا، لأنه إذا كان معجزا لوصف يخصّ لفظه دون معناه، كان محالا أن يخرج عن كونه معجزا، مع قيام ذلك الوصف فيه. ودع هذا، وهب أنه لا يلزم شيء منه، فإنه يكفي في الدلالة على سقوطه وقلّة تمييز القائل به، أنه يقتضي إسقاط «الكناية» و «الاستعارة» و «التمثيل» و «المجاز» و «الإيجاز» جملة، واطّراح جميعها رأسا، مع أنها الأقطاب التي تدور البلاغة عليها، والأعضاد التي تستند الفصاحة إليها، والطّلبة التي يتنازعها المحسنون، والرّهان الذي تجرّب فيه الجياد، والنّضال الذي تعرف به الأيدي الشّداد، وهي التي نوّه بذكرها البلغاء ورفع من أقدارها العلماء، وصنّفوا فيها الكتب، ووكّلوا بها الهمم، وصرفوا إليها الخواطر، حتّى صار الكلام فيها نوعا من العلم مفردا، وصناعة على حدة، ولم يتعاط أحد من الناس القول في الإعجاز إلا ذكرها وجعلها العمد والأركان فيما يوجب الفضل والمزيّة، وخصوصا «الاستعارة» و «الإيجاز»، فإنّك تراهم يجعلونهما عنوان ما يذكرون، وأوّل ما يوردون. وتراهم يذكرون من «الاستعارة» قوله : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم: ٤]، وقوله: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: ٩٣]، وقوله : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [يس: ٣٧]، وقوله : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: ٩٤]، وقوله: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا [يوسف: ٨٠]، وقوله تعالى: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها «١» [محمد: ٤]، وقوله: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة: ١٦].

стр. 337

ومن «الإيجاز» قوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ «١» [الأنفال: ٥٨]، وقوله تعالى: وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: ١٤]، وقوله: فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ «٢» [الأنفال: ٥٧]، وتراهم على لسان واحد في أن «المجاز» و «الإيجاز» من الأركان في أمر الإعجاز. وإذا كان الأمر كذلك عند كافّة العلماء الذين تكلّموا في المزايا التي للقرآن، فينبغي أن ينظر في أمر الذي يسلم نفسه إلى الغرور، فيزعم أنّ الوصف الذي كان له القرآن معجزا، هو سلامة حروفه مما يثقل على اللسان، أيصحّ له القول بذلك إلّا من بعد أن يدّعي الغلط على العقلاء قاطبة فيما قالوه، والخطأ فيما أجمعوا عليه؟ وإذا نظرنا وجدناه لا يصحّ له ذلك إلّا بأن يقتحم هذه الجهالة، اللهم إلّا أن يخرج إلى الضّحكة فيزعم مثلا أن من شأن «الاستعارة» و «الإيجاز» إذا دخلا الكلام، أن يحدث بهما في حروفه خفة، وتتجدّد فيها سهولة، ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق. واعلم أنّا لا نأبى أن تكون مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان داخلا فيما يوجب الفضيلة، وأن تكون مما يؤكّد أمر الإعجاز، وإنما الذي ننكره ونفيّل رأي من يذهب إليه، أن يجعله معجزا به وحده، ويجعله الأصل والعمدة، فيخرج إلى ما ذكرنا من الشناعات. ثم إنّ العجب كلّ العجب ممن يجعل كلّ الفضيلة في شيء هو إذا انفرد لم يجب به فضل البتّة، ولم يدخل في اعتداد بحال. وذلك أنّه لا يخفى على عاقل أنه لا يكون بسهولة الألفاظ وسلامتها مما يثقل على اللسان اعتداد، حتى يكون قد ألف منها كلام، ثم كان ذلك الكلام صحيحا في نظمه والغرض الذي أريد به، وأنه لو عمد عامد إلى ألفاظ فجمعها من غير أن يراعي فيها معنى، ويؤلّف منها كلاما، لم تر عاقلا يعتدّ السهولة فيها فضيلة، لأن الألفاظ لا تراد لأنفسها، وإنما تراد لتجعل أدلّة على المعاني. فإذا عدمت الذي له تراد، أو اختلّ أمرها فيه، لم يعتدّ بالأوصاف التي تكون في أنفسها عليها، وكانت السهولة وغير السهولة فيها واحدا. ومن هاهنا رأيت العلماء يذمّون من يحمله تطلّب السّجع والتجنيس على أن

стр. 338

يضم لهما المعنى، ويدخل الخلل عليه من أجلهما، وعلى أن يتعسّف في الاستعارة بسببهما، ويركب الوعورة، ويسلك المسالك المجهولة، كالذي صنع أبو تمام في قوله: [من البسيط] سيف الإمام الّذي سمّته هييته ... لمّا تخرّم أهل الأرض مخترما قرّت بقرّان عين الدين وانتشرت ... بالأشترين عيون الشّرك فاصطلما «١» وقوله: [من الكامل] ذهبت بمذهبه السّماحة والتوت ... فيه الظّنون، أمذهب أم مذهب «٢» ويصنعه المتكلفون في الأسجاع. وذلك أنّه لا يتصوّر أن يجب بهما، ومن حيث هما، فضل، ويقع بهما مع الخلوّ من المعنى اعتداد. وإذا نظرت إلى تجنيس أبي تمام: «أمذهب أم مذهب»، فاستضعفته، وإلى تجنيس القائل: [من البسيط] حتّى نجا من خوفه وما نجا «٣» وقول المحدث: [من الخفيف] ناظراه فيما جنى ناظراه، ... أو دعاني أمت بما أو دعاني «٤» فاستحسنته، لم تشكّ بحال أن ذلك لم يكن لأمر يرجع إلى اللّفظ، ولكن لأنك رأيت الفائدة ضعفت في الأوّل، وقويت في الثاني. وذلك؛ أنّك رأيت أبا تمام لم يزدك بمذهب ومذهب، على أن أسمعك حروفا مكررة لا تجد لها فائدة إن وجدت، إلا متكلّفة متمحّلة، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن

стр. 339

الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك أن لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفّاها. ولهذه النّكتة كان التجنيس، وخصوصا المستوفى منه، مثل «نجا» و «نجا»، من حليّ الشّعر. والقول فيما يحسن وفيما لا يحسن من التجنيس والسجع يطول، ولم يكن غرضنا من ذكرهما شرح أمرهما، ولكن توكيد ما انتهى بنا القول إليه من استحالة أن يكون الإعجاز في مجرّد السّهولة وسلامة الألفاظ مما يثقل على اللسان. وجملة الأمر، أنّا ما رأينا في الدّنيا عاقلا اطّرح النّظم والمحاسن التي هو السبب فيها من «الاستعارة» و «الكناية» و «التمثيل»، وضروب «المجاز» و «الإيجاز»، وصدّ بوجهه عن جميعها، وجعل الفضل كلّه والمزيّة أجمعها في سلامة الحروف مما يثقل. كيف؟ وهو يؤدي إلى السخف والخروج من العقل كما بينا. واعلم أنه قد آن لنا نعود إلى ما هو الأمر الأعظم والغرض الأهمّ، والّذي كأنّه هو الطّلبة، وكل ما عداه ذرائع إليه. وهو المرام، وما سواه أسباب للتسلّق عليه، وهو بيان العلل التي لها وجب أن يكون لنظم مزيّة على نظم، وأن يعظم أمر التفاضل فيه ويتناهى إلى الغايات البعيدة. ونحن نسأل الله تعالى العون على ذلك، والتوفيق له والهداية إليه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فصل [في أن النظم هو توخي المعاني] ما أظنّ بك أيها القارئ لكتابنا، إن كنت وفّيته حقّه من النظر، وتدبّرته حقّ التدبّر، إلّا أنّك قد علمت علما أبى أن يكون للشكّ فيه نصيب، وللتوقّف نحوك مذهب، أن ليس «النّظم» شيئا إلّا توخّي معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه فيما بين معاني الكلم وأنك قد تبيّنت أنه إذا رفع معاني النحو وأحكامه مما بين الكلم حتّى لا تراد فيها في جملة ولا تفصيل، خرجت الكلم المنطوق ببعضها في إثر بعض في البيت من الشعر والفصل من النثر، عن أن يكون لكونها في مواضعها التي وضعت فيها موجب ومقتض، وعن أن يتصوّر أن يقال في كلمة منها إنّها مرتبطة بصاحبة لها، ومتعلقة بها، وكائنة بسبب منها وأنّ حسن تصوّرك لذلك، قد ثبت فيه قدمك، وملأ من الثّقة نفسك، وباعدك من أن تحنّ إلى الذي كنت عليه، وأن يجرّك الإلف والاعتياد إليه وأنّك جعلت ما قلناه نقشا في صدرك، وأثبتّه في سويداء قلبك، وصادقت بينه وبين نفسك. فإن كان الأمر كما ظننّاه، رجونا أن يصادف الذي نريد

стр. 340

أن نستأنفه بعون الله تعالى منك نيّة حسنة تقيك الملل، ورغبة صادقة تدفع عنك السّأم، وأريحيّة يخفّ معها عليك تعب الفكر وكدّ النّظر، والله تعالى وليّ توفيقك وتوفيقنا بمنه وفضله. ونبدأ فنقول: فإذا ثبت الآن أن لا شكّ ولا مرية في أن ليس «النظم» شيئا غير توخّي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم، ثبت من ذلك أن طالب دليل الإعجاز من نظم القرآن، إذا هو لم يطلبه في معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه، ولم يعلم أنها معدنه ومعانه «١»، وموضعه ومكانه، وأنّه لا مستنبط له سواها، وأن لا وجه لطلبه فيما عداها، غارّ نفسه بالكاذب من الطمع، ومسلم لها إلى الخدع، وأنه إن أبى أن يكون فيها، كان قد أبى أن يكون القرآن معجزا بنظمه، ولزمه أن يثبت شيئا آخر يكون معجزا به، وأن يلحق بأصحاب «الصّرفة» «٢» فيدفع الإعجاز عن أصله، وهذا تقرير لا يدفعه إلّا معاند يعدّ الرجوع عن باطل قد اعتقده عجزا، والثّبات عليه من بعد لزوم الحجة جلدا، ومن وضع نفسه في هذه المنزلة، كان قد باعدها من الإنسانيّة. ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق. وهذه أصول يحتاج إلى معرفتها قبل الذي عمدنا له. اعلم أنّ معاني الكلام كلّها معان لا تتصوّر إلا فيما بين شيئين، والأصل والأوّل هو «الخبر». وإذا أحكمت العلم بهذا المعنى فيه، عرفته في الجميع. ومن الثّابت في العقول والقائم في النفوس، أنه لا يكون خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه، لأنه ينقسم إلى «إثبات» و «نفي». و «الإثبات»، يقتضي مثبتا ومثبتا له، و «النفي» يقتضي منفيّا ومنفيّا عنه. فلو حاولت أن تتصوّر إثبات معنى أو نفيه من دون أن يكون هناك مثبت له ومنفي عنه، حاولت ما لا يصحّ في عقل، ولا يقع في وهم. ومن أجل ذلك امتنع أن يكون لك قصد إلى فعل من غير أن تريد إسناده إلى شيء مظهر أو مقدّر مضمر، وكان لفظك به، إذا أنت لم ترد ذلك، وصوتا تصوّته سواء. وإن أردت أن تستحكم معرفة ذلك في نفسك، فانظر إليك إذا قيل لك: «ما فعل زيد»؟ فقلت: «خرج»، هل يتصوّر أن يقع في خلدك من «خرج» معنى من دون أن ينوى فيه ضمير «زيد»؟ وهل تكون، إن أنت زعمت أنك لم تنو ذلك، إلّا مخرجا نفسك إلى الهذيان؟

стр. 341

وكذلك فانظر إذا قيل لك: «كيف زيد؟»، فقلت: «صالح»، هل يكون نقولك «صالح» أثر في نفسك من دون أن تريد «هو صالح»؟ أم هل يعقل السّامع منه شيئا إن هو لم يعتقد ذلك؟ فإنه ممّا لا يبقى معه لعاقل شكّ أن «الخبر» معنى لا يتصوّر إلّا بين شيئين، يكون أحدهما مثبتا، والآخر مثبتا له، أو يكون أحدهما منفيّا، والآخر منفيّا عنه وأنه لا يتصوّر مثبت من غير مثبت له، ومنفيّ من دون منفيّ عنه. ولما كان الأمر كذلك، أوجب ذلك أن لا يعقل إلّا من مجموع جملة فعل واسم كقولنا: «خرج زيد»، أو اسم واسم، كقولنا: «زيد منطلق»، فليس في الدنيا خبر يعرف من غير هذا السبيل، وبغير هذا الدليل. وهو شيء يعرفه العقلاء في كل جيل وأمّة، وحكم يجري عليه الأمر في كل لسان ولغة. وإذ قد عرفت أنه لا يتصوّر الخبر إلّا فيما بين شيئين: مخبر به ومخبر عنه، فينبغي أن تعلم أنه يحتاج من بعد هذين إلى ثالث. وذلك أنه كما لا يتصوّر أن يكون هاهنا خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه، وكذلك لا يتصوّر أن يكون خبر حتّى يكون له «مخبر» يصدر عنه ويحصل من جهته، ويكون له نسبة إليه، وتعود التّبعة فيه عليه، فيكون هو الموصوف بالصّدق إن كان صدقا، وبالكذب إن كان كذبا. أفلا ترى أنّ من المعلوم أنه لا يكون إثبات ونفي حتى يكون مثبت وناف يكون مصدرهما من جهته، ويكون هو المزجيّ لهما، والمبرم والناقض فيهما، ويكون بهما موافقا ومخالفا، ومصيبا ومخطئا، ومحسنا ومسيئا. - وجملة الأمر، أن «الخبر» وجميع الكلام، معان ينشئها الإنسان في نفسه، ويصرّفها في فكره، ويناجي بها قلبه، ويراجع فيها عقله، وتوصف بأنها مقاصد وأغراض، وأعظمها شأنا «الخبر»، فهو الذي يتصوّر بالصّور الكثيرة، وتقع فيه الصّناعات العجيبة، وفيه يكون، في الأمر الأعمّ، المزايا التي بها يقع التفاضل في الفصاحة، كما شرحنا فيما تقدّم، ونشرحه فيما نقول من بعد إن شاء الله تعالى. واعلم أنك إذا فتّشت أصحاب «اللّفظ» عمّا في نفوسهم، وجدتهم قد توهّموا في «الخبر» أنه صفة للفظ، وأن المعنى في كونه إثباتا، أنه لفظ يدلّ على وجود لمعنى من الشيء أو فيه وفي كونه نفيا، أنه لفظ يدلّ على عدمه وانتفائه عن الشيء. وهو شيء قد لزمهم، وسرى في عروقهم، وامتزج بطباعهم، حتى صار الظنّ بأكثرهم أنّ القول لا ينجع فيهم. والدليل على بطلان ما اعتقدوه، أنّه محال أن يكون «اللّفظ» قد نصب دليلا

стр. 342

على شيء، ثم لا يحصل منه العلم بذلك الشيء، إذ لا معنى لكون الشيء دليلا إلّا إفادته إيّاك العلم بما هو دليل عليه. وإذا كان هذا كذلك علم منه أن ليس الأمر على ما قالوه، من أن المعنى في وصفنا «اللفظ» بأنه خبر، أنه قد وضع لأن يدلّ على وجود المعنى أو عدمه، لأنه لو كان كذلك، لكان ينبغي أن لا يقع من سامع شكّ في خبر يسمعه، وأن لا تسمع الرّجل يثبت وينفي إلّا علمت وجود ما أثبت وانتفاء ما نفى، وذلك مما لا يشكّ في بطلانه. فإذا لم يكن ذلك مما يشكّ في بطلانه، وجب أن يعلم أنّ مدلول «اللفظ» ليس هو وجود المعنى أو عدمه، ولكن الحكم بوجود المعنى أو عدمه، وأنّ ذلك، أي الحكم بوجود المعنى أو عدمه، حقيقة الخبر، إلّا أنه إذا كان بوجود المعنى من الشيء أو فيه يسمّى «إثباتا»، وإذا كان بعدم المعنى وانتفائه عن الشيء يسمى «نفيا». ومن الدليل على فساد ما زعموه، أنه لو كان معنى «الإثبات»، الدلالة على وجود المعنى وإعلامه السامع أيضا، وكان معنى «النفي» الدلالة على عدمه وإعلامه السامع أيضا، لكان ينبغي إذا قال واحد: «زيد عالم»، وقال آخر: «زيد ليس بعالم»، أن يكون قد دلّ هذا على وجود العلم وهذا على عدمه، وإذا قال الموحّد: «العالم محدث» وقال الملحد: «هو قديم»، أن يكون قد دلّ الموحّد على حدوثه، والملحد على قدمه، وذلك ما لا يقوله عاقل. تقرير لذلك بعبارة أخرى: لا يتصوّر أن تفتقر المعاني المدلول عليها بالجمل المؤلّفة إلى دليل يدلّ عليها زائد على اللفظ. كيف؟ وقد أجمع العقلاء على أن العلم بمقاصد النّاس في محاوراتهم علم ضرورة، ومن ذهب مذهبا يقتضي أن لا يكون «الخبر» معنى في نفس المتكلم، ولكن يكون وصفا للّفظ من أجل دلالته على وجود المعنى من الشيء أو فيه، أو انتفاء وجوده عنه، كان قد نقض منه الأصل الذي قدّمناه، من حيث يكون قد جعل المعنى المدلول عليه باللفظ، لا يعرف إلا بدليل سوى اللفظ. ذاك لأنا لا نعرف وجود المعنى المثبت وانتفاء المنفيّ باللفظ، ولكنا نعلمه بدليل يقوم لنا زائد على اللفظ. وما من عاقل إلّا وهو يعلم ببديهة النّظر أنّ المعلوم بغير اللفظ، لا يكون مدلول اللفظ. طريقة أخرى: الدّلالة على الشيء هي لا محالة إعلامك السامع إيّاه، وليس بدليل ما أنت لا تعلم به مدلولا عليه. وإذا كان كذلك، وكان ممّا يعلم ببدائه

стр. 343

المعقول أن الناس إنما يكلم بعضهم بعضا ليعرف السامع غرض المتكلم ومقصوده، فينبغي أن ينظر إلى مقصود المخبر من خبره، ما هو؟ أهو أن يعلم السامع المخبر به والمخبر عنه، أم أن يعلمه إثبات المعنى المخبر به للمخبر عنه؟ فإن قيل: إن المقصود إعلامه السامع وجود المعنى من المخبر عنه، فإذا قال: «ضرب زيد» كان مقصوده أن يعلم السّامع وجود الضرب من زيد، وليس الإثبات إلّا إعلامه السامع وجود المعنى. قيل له: فالكافر إذا أثبت مع الله تعالى عمّا يقول الظالمون، إلها آخر، يكون قاصدا أن يعلم، نعوذ بالله تعالى، أن مع الله تعالى إلها آخر؟ تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، وكفى بهذا فضيحة. وجملة الأمر، أنه ينبغي أن يقال لهم: أتشكّون في أنّه لا بدّ من أن يكون لخبر المخبر معنى يعلمه السامع علما لا يكون معه شكّ، ويكون ذلك معنى اللفظ وحقيقته؟ فإذا قالوا: لا نشكّ. قيل لهم: فما ذلك المعنى؟ فإن قالوا: هو وجود المعنى المخبر به من المخبر عنه أو فيه، إذا كان الخبر إثباتا، وانتفاؤه عنه إذا كان نفيا لم يمكنهم أن يقولوا ذلك إلا من بعد أن يكابروا فيدّعوا أنهم إذا سمعوا الرجل يقول: «خرج زيد»، علموا علما لا شكّ معه، وجود الخروج من زيد. وكيف يدّعون ذلك، وهو يقتضي أن يكون الخبر على وفق المخبر عنه أبدا، وأن لا يجوز فيه أن يقع على خلاف المخبر عنه، وأن يكون العقلاء قد غلطوا حين جعلوا من خاصّ وصفه أنّه يحتمل الصّدق والكذب، وأن يكون الذي قالوه في أخبار الآحاد وأخبار التواتر من أن العلم يقع بالتّواتر دون الآحاد سهوا منهم، ويقتضي الغنى عن المعجزة، لأنه إنما احتيج إليها ليحصل العلم بكون الخبر على وفق المخبر عنه، فإذا كان لا يكون إلا على وفق المخبر عنه، لم تقع الحاجة إلى دليل يدلّ على كونه كذلك، فاعرفه. واعلم أنّه إنما لزمهم ما قلناه، من أن يكون الخبر على وفق المخبر عنه أبدا، من حيث أنه إذا كان معنى الخبر عندهم، إذا كان إثباتا، أنه لفظ موضوع ليدل على وجود المعنى المخبر به من المخبر عنه أو فيه، وجب أن يكون كذلك أبدا، وأن لا

стр. 344

يصحّ أن يقال: «ضرب زيد»، إلا إذا كان الضرب قد وجد من زيد. وكذلك يجب في النّفي أن لا يصح أن يقال: «ما ضرب زيد»، إلا إذا كان الضرب لم يوجد منه، لأن تجويز أن يقال: «ضرب زيد»، من غير أن يكون قد كان منه ضرب، وأن يقال: «ما ضرب زيد»، وقد كان منه ضرب، يوجب على أصلهم إخلاء اللفظ من معناه الذي وضع ليدلّ عليه. وذلك ما لا يشكّ في فساده. ولا يلزمنا ذلك على أصلنا، لأن معنى «اللفظ» عندنا هو الحكم بوجود المخبر به من المخبر عنه أو فيه، إذا كان الخبر إثباتا، والحكم بعدمه إذا كان نفيا، واللّفظ عندنا لا ينفكّ من ذلك ولا يخلو منه. وذلك لأن قولنا: «ضرب» و «ما ضرب»، يدلّ من قول الكاذب على نفس ما يدلّ عليه من قول الصادق، لأنّا إن لم نقل ذلك، لم يخل من أن يزعم أنّ الكاذب يخلي اللّفظ من المعنى، أو يزعم أنه يجعل للّفظ معنى غير ما وضع له، وكلاهما باطل. ومعلوم أنه لا يزال يدور في كلام العقلاء في وصف الكاذب: «أنه يثبت ما ليس بثابت، وينفي ما ليس بمنتف»، والقول بما قالوه يؤدّي إلى أن يكون العقلاء قد قالوا المحال، من حيث يجب على أصلهم أن يكونوا قد قالوا: إن الكاذب يدلّ على وجود ما ليس بموجود، وعلى عدم ما ليس بمعدوم. وكفى بهذا تهافتا وخطلا، ودخولا في اللّغو من القول. وإذا اعتبرنا أصلنا كان تفسيره: أن الكاذب يحكم بالوجود فيما ليس بموجود، وبالعدم فيما ليس بمعدوم، وهو أسدّ كلام وأحسنه. والدليل على أن اللّفظ من قول الكاذب يدلّ على نفس ما يدلّ عليه من قول الصادق، أنهم جعلوا خاصّ وصف الخبر أنه يحتمل الصّدق والكذب، فلولا أن حقيقته فيهما حقيقة واحدة، لما كان لحدّهم هذا معنى. ولا يجوز أن يقال: إن الكاذب يأتي بالعبارة على خلاف المعبّر عنه، لأن ذلك إنما يقال فيمن أراد شيئا، ثم أتى بلفظ لا يصلح للذي أراد، ولا يمكننا أن نزعم في الكاذب أنه أراد أمرا، ثم أتى بعبارة لا تصلح لما أراد. ومما ينبغي أن يحصّل في هذا الباب، أنهم قد أصّلوا في «المفعول» وكلّ ما زاد على جزئي الجملة، أنه يكون زيادة في الفائدة. وقد يتخيّل إلى من ينظر إلى ظاهر هذا من كلامهم، أنهم أرادوا بذلك أنك تضمّ بما تزيده على جزئي الجملة فائدة أخرى، وينبني عليه أن ينقطع عن الجملة، حتى يتصوّر أن يكون فائدة على

стр. 345

حدة، وهو ما لا يعقل، إذ لا يتصوّر في «زيد» من قولك» «ضربت زيدا»، أن يكون شيئا برأسه، حتى تكون بتعديتك «ضربت» إليه قد ضممت فائدة إلى أخرى. وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يعلم أن الحقيقة في هذا: أن الكلام يخرج بذكر «المفعول» إلى معنى غير الذي كان، وأن وزان الفعل قد عدّي إلى مفعول معه، وقد أطلق فلم يقصد به إلى مفعول دون مفعول، وزان الاسم المخصص بالصّفة مع الاسم المتروك على شياعه، كقولك: «جاءني رجل ظريف»، مع قولك: «جاءني رجل»، في أنك لست في ذلك كمن يضم معنى إلى معنى وفائدة إلى فائدة، ولكن كمن يريد هاهنا شيئا وهناك شيئا آخر. فإذا قلت: «ضربت زيدا»، كان المعنى غيره إذا قلت: «ضربت» ولم تزد «زيدا». وهكذا يكون الأمر أبدا، كلّما زدت شيئا، وجدت المعنى قد صار غير الذي كان. ومن أجل ذلك صلح المجازاة بالفعل الواحد، إذا أتي به مطلقا في الشّرط، ومعدى إلى شيء في الجزاء، كقوله تعالى: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ [الإسراء: ٧]، وقوله : وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [الشعراء: ١٣٠]، مع العلم بأن الشرط ينبغي أن يكون غير الجزاء، من حيث كان الشرط سببا والجزاء مسبّبا، وأنه محال أن يكون الشيء سببا لنفسه. فلولا أنّ المعنى في «أحسنتم» الثانية، غير المعنى في الأولى، وأنها في حكم فعل ثان، لما ساغ ذلك، كما لا يسوغ أن تقول: «إن قمت قمت، وإن خرجت خرجت»، ومثله من الكلام قوله: «المرء بأصغريه، إن قال قال ببيان، وإن صال صال بجنان»، ويجري ذلك في الفعلين قد عدّيا جميعا، إلّا أن الثاني منهما قد تعدّى إلى شيء زائد على ما تعدّى إليه الأوّل، ومثاله قولك: «إن أتاك زيد أتاك لحاجة»، وهو أصل كبير. والأدلّة على ذلك كثيرة، ومن أولاها بأن يحفظ: أنك ترى البيت قد استحسنه الناس وقضوا لقائله بالفضل فيه، وبأن الذي غاص على معناه بفكره، وأنه أبو عذره، ثم لا ترى ذلك الحسن وتلك الغرابة كانا، إلّا لما بناه على الجملة دون نفس الجملة. ومثال ذلك قول الفرزدق: [من الطويل] وما حملت أمّ امرئ في ضلوعها ... أعقّ من الجاني عليها هجائيا «١» فلولا أن معنى الجملة يصير بالبناء عليها شيئا غير الذي كان، ويتغيّر في ذاته، لكان محالا أن يكون البيت بحيث تراه من الحسن والمزيّة، وأن يكون معناه خاصّا

стр. 346

بالفرزدق، وأن يقتضى له بالسّبق إليه، إذ ليس في الجملة التي بنى عليها ما يوجب شيئا من ذلك، فاعرفه. والنّكتة التي يجب أن تراعى في هذا، أنه لا تتبيّن لك صورة المعنى الذي هو معنى الفرزدق، إلا عند آخر حرف من البيت، حتى إن قطعت عنه قوله «هجائيا» بل «الياء» التي هي ضمير الفرزدق، لم يكن الذي تعقله منه ممّا أراده الفرزدق بسبيل، لأن غرضه تهويل أمر هجائه، والتحذير منه، أنّ من عرّض أمّه له، كان قد عرّضها لأعظم ما يكون من الشّرّ. وكذلك حكم نظائره من الشعر، فإذا نظرت إلى قول القطامي: [من البسيط] فهنّ ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلّة الصّادي «١» وجدتك لا تحصل على معنى يصحّ أن يقال إنه غرض الشاعر ومعناه، إلّا عند قوله «ذي الغلّة». ويزيدك استبصارا فيما قلناه، أن تنظر فيما كان من الشعر جملا قد عطف بعضها على بعض بالواو، كقوله: [من الكامل] النّشر مسك، والوجوه دنا ... نير، وأطراف الأكفّ عنم «٢» وذلك أنك ترى الذي تعقله من قوله: «النشر مسك»، لا يصير بانضمام قوله: «والوجوه دنانير»، إليه شيئا غير الذي كان، بل تراه باقيا على حاله. كذلك ترى ما تعقل من قوله: «والوجوه دنانير»، لا يلحقه تغيير بانضمام قوله: و «أطراف الأكفّ عنم»، إليه. وإذ قد عرفت ما قرّرناه من أنّ من شأن الجملة أن يصير معناها بالبناء عليها

стр. 347

شيئا غير الذي كان، وأنه يتغير في ذاته، فاعلم أنّ ما كان من الشعر مثل بيت بشّار: [من الطويل] كأنّ مثار النّقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه «١» وقول امرئ القيس: [من الطويل] كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالي «٢» وقول زياد: [من الطويل] وإنّا وما تلقي لنا إن هجوتنا ... لكالبحر، مهما يلق في البحر يغرق «٣» كان له مزيّة على قول الفرزدق فيما ذكرنا، لأنك تجد في صدر بيت الفرزدق جملة تؤدّي معنى، وإن لم يكن معنى يصحّ أن يقال إنه معنى فلان، ولا تجد في صدر هذه الأبيات ما يصحّ أن يعد جملة تؤدّي معنى، فضلا عن أن تؤدّي معنى يقال إنه معنى فلان. ذاك لأن قوله: «كأن مثار النّقع» إلى: «وأسيافنا»، جزء واحد و «ليل تهاوى كواكبه» بجملته الجزء الذي ما لم تأت به لم تكن قد أتيت بكلام. وهكذا سبيل البيتين الآخرين. فقوله: «كأن قلوب الطّير رطبا ويابسا لدى وكرها»، جزء وقوله: «العناب والحشف البالي» الجزء الثاني وقوله: «وإنّا وما تلقي لنا إن هجوتنا» جزء، وقوله: «لكالبحر، الجزء الثاني، وقوله: «مهما تلق في البحر يغرق»، وإن كان جملة مستأنفة ليس لها في الظاهر تعلّق بقوله: «لكالبحر»، فإنها لمّا كانت مبيّنة لحال هذا التشبيه، صارت كأنها متعلّقة بهذا التشبيه، وجرى مجرى أن تقول: «لكالبحر في أنه لا يلقى فيه شيء إلّا غرق».

стр. 348

فصل وإذا ثبت أن الجملة إذا بني عليها حصل منها ومن الذي بني عليها في الكثير، معنى يجب فيه أن ينسب إلى واحد مخصوص، فإنّ ذلك يقتضي لا محالة أن يكون «الخبر» في نفسه معنى هو غير المخبر به والمخبر عنه. ذاك لعلمنا باستحالة أن يكون للمعنى المخبر به نسبة إلى المخبر، وأن يكون المستنبط والمستخرج والمستعان على تصويره بالفكر. فليس يشكّ عاقل أنه محال أن يكون للحمل في قوله: وما حملت أمّ امرئ في ضلوعها «١» نسبة إلى الفرزدق، وأن يكون الفكر منه كان فيه نفسه، وأن يكون معناه الذي قيل إنّه استنبطه واستخرجه وغاص عليه. وهكذا السبيل أبدا، لا يتصوّر أن يكون للمعنى المخبر به نسبة إلى الشاعر، وأن يبلغ من أمره أن يصير خاصّا به، فاعرفه. ومن الدليل القاطع فيه، ما بيّنّاه في «الكناية»، و «الاستعارة» و «التمثيل» وشرحناه، من أن من شأن هذه الأجناس أن توجب الحسن والمزية، وأنّ المعاني تتصوّر من أجلها بالصّور المختلفة، وأن العلم بإيجابها ذلك ثابت في العقول، ومركوز في غرائز النفوس. وبيّنّا كذلك أنه محال أن تكون المزايا التي تحدث بها، حادثة في المعنى المخبر به، المثبت أو المنفيّ، لعلمنا باستحالة أن تكون المزيّة التي تجدها لقولنا: «هو طويل النجاد» على قولنا «طويل القامة» في الطول، والتي تجدها لقولنا: «هو كثير رماد القدر» على قولنا: «هو كثير القرى والضيافة» في كثرة القرى. وإذا كان ذلك محالا، ثبت أن المزيّة والحسن يكونان في إثبات ما يراد أن وصف به المذكور، والإخبار به عنه. وإذا ثبت ذلك، ثبت أنّ «الإثبات» معنى، لأن حصول المزيّة والحسن فيما ليس بمعنى، محال. هذا ممّا نقل من مسودّته بخطّه بعد وفاته ﵀.

стр. 349

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [فصل] وبه ثقتي وعليه اعتمادي اعلم أنّ هاهنا أصلا أنت ترى الناس فيه في صورة من يعرف من جانب وينكر من آخر، وهو أن الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة، لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها، ولكن لأن يضمّ بعضها إلى بعض، فيعرف فيما بينهما فوائد. وهذا علم شريف، وأصل عظيم. والدليل على ذلك، أنّا إن زعمنا أن الألفاظ، التي هي أوضاع اللغة، إنما وضعت ليعرف بها معانيها في أنفسها، لأدّى ذلك إلى ما لا يشك عاقل في استحالته، وهو أن يكونوا قد وضعوا للأجناس الأسماء التي وضعوها لها لتعرفها بها، حتى كأنهم لو لم يكونوا قالوا: «رجل» و «فرس» و «دار»، لما كان يكون لنا علم بهذه الأجناس ولو لم يكونوا وضعوا أمثلة الأفعال لما كان لنا علم بمعانيها حتى لو لم يكونوا قالوا: «فعل» و «يفعل»، لما كنّا نعرف الخبر في نفسه ومن أصله- ولو لم يكونوا قد قالوا: «افعل»، لما كنّا نعرف الأمر من أصله، ولا نجده في نفوسنا وحتى لو لم يكونوا قد وضعوا الحروف، لكنا نجهل معانيها، فلا نعقل نفيا ولا نهيا ولا استفهاما ولا استثناء. كيف؟ والمواضعة لا تكون ولا تتصوّر إلا على معلوم، فمحال أن يوضع اسم أو غير اسم لغير معلوم، لأن المواضعة كالإشارة، فكلما أنّك إذا قلت: «خذ ذاك»، لم تكن هذه الإشارة لتعرّف السامع المشار إليه في نفسه، ولكن ليعلم أنّه المقصود من بين سائر الأشياء التي تراها وتبصرها. كذلك حكم «اللفظ» مع ما وضع له. ومن هذا الذي يشكّ أنا لم نعرف «الرجل» و «الفرس» و «الضرب» و «القتل» إلّا من أساميها؟ لو كان لذلك مساغ في العقل، لكان ينبغي إذا قيل: «زيد» أن تعرف المسمّى بهذا الاسم من غير أن تكون قد شاهدته أو ذكر لك بصفة. وإذا قلنا في العلم باللغات من مبتدأ الأمر أنه كان إلهاما، فإن الإلهام لا يرجع إلى معاني اللغات، ولكن إلى كون ألفاظ اللّغات سمات لتلك المعاني، وكونها مرادة بها. أفلا ترى إلى قوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة: ٣١]، أفترى أنه قيل لهم: «أنبئوني بأسماء هؤلاء»، وهم لا يعرفون المشار إليهم بهؤلاء؟ وإذ قد عرفت هذه الجملة، فاعلم أن معاني الكلام كلّها معان لا تتصوّر إلا

стр. 350

فيما بين شيئين، والأصل والأوّل هو «الخبر»، وإذا أحكمت العلم بهذا المعنى فيه عرفته في الجميع. ومن الثّابت في العقول والقائم في النفوس، أنه لا يكون خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه، لأنه ينقسم إلى «إثبات» و «نفي»، و «الإثبات» يقتضي مثبتا ومثبتا له، و «النفي» يقتضي منفيّا ومنفيّا عنه. فلو حاولت أن تتصوّر إثبات معنى أو نفيه، من غير أن يكون هناك مثبت له ومنفيّ عنه، حاولت ما لا يصحّ في عقل، ولا يقع في وهم. من أجل ذلك امتنع أن يكون لك قصد إلى فعل من غير أن تريد إسناده إلى شيء، وكنت إذا قلت: «ضرب»، لم تستطع أن تريد منه معنى في نفسك، من غير أن تريد الخبر به عن شيء مظهر أو مقدّر، وكان لفظك به، إذا أنت لم ترد ذلك، وصوتا تصوّته، سواء. وإن أردت أن يستحكم معرفة ذلك في نفسك، فانظر إليك إذا قيل لك: «ما فعل زيد»؟ فقلت: «خرج»، هل يتصوّر أن يقع في خلدك من «خرج» معنى من دون أن تنوي فيه ضمير «زيد»؟ وهل تكون إن أنت زعمت أنك لم تنو ذلك إلّا مخرجا نفسك إلى الهذيان؟ وكذلك فانظر إذا قيل لك: «كيف زيد»؟، فقلت: «صالح»: هل يكون لقولك: «صالح» أثر في نفسك من دون أن تريد «هو صالح»؟ أم هل يعقل السامع شيئا إن هو لم يعتقد ذلك؟ إذا ثبت ذلك، فإنه ما لا يبقى معه لعاقل شكّ، أنّ الخبر معنى لا يتصوّر إلا بين شيئين يكون أحدهما مثبتا، والآخر مثبتا له، أو يكون أحدهما منفيّا، والآخر منفيّا عنه وأنه لا يتصور مثبت من غير مثبت له، ومنفيّ من دون منفيّ عنه. فلما كان الأمر كذلك، أوجب ذلك أن لا يعقل إلا من مجموع جملة فعل واسم، كقولنا: «خرج زيد»، أو اسم واسم، كقولنا: «زيد منطلق». فليس في الدّنيا خبر يعرف من غير هذا السبيل، وبغير هذا الدليل، وهو شيء يعرفه العقلاء في كل جيل وأمّة، وحكم يجري عليه الأمر في كل لسان ولغة. وإذ قد عرفت أنه لا يتصوّر الخبر إلا فيما بين شيئين: مخبر به ومخبر عنه، فينبغي أن تعلم أنه يحتاج من بعد هذين إلى ثالث، وذلك أنه كما لا يتصوّر أن يكون هاهنا خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه، وكذلك لا يتصوّر حتّى يكون له مخبر يصدر عنه ويحصل من جهته، وتعود التّبعة فيه عليه، فيكون هو الموصوف بالصّدق إن كان صدقا، وبالكذب إن كان كذبا. أفلا ترى أن من المعلوم ضرورة أنه لا يكون إثبات ونفي، حتى يكون مثبت وناف يكون مصدرهما من جهته، ويكون

стр. 351

هو المزجيّ لهما، والمبرم والناقض فيهما. ويكون بهما موافقا ومخالفا، ومصيبا ومخطئا، ومسيئا ومحسنا. وجملة الأمر أن الخبر وجميع معاني الكلام معان ينشئها الإنسان في نفسه، ويصرّفها في فكره، ويناجي بها قلبه، ويراجع فيها عقله، وتوصف بأنّها مقاصد وأغراض. وأعظمها شأنا الخبر، فهو الذي يتصوّر بالصّور الكثرة، وتقع فيه الصناعات العجيبة، وفيه تكون المزايا التي بها يقع التفاضل في الفصاحة على ما شرحنا. ثم إنّا نظرنا في المعاني التي يصفها العقلاء بأنها معان مستنبطة.، ولطائف مستخرجة ويجعلون لها اختصاصا بقائل دون قائل، وكمثل قولهم في معاني أبيات من الشعر: «إنه معنى لم يسبق إليه فلان، وأنه الذي فطن له واستخرجه، وأنه الذي غاص عليه بفكره، وأنّه أبو عذره، لم تجد تلك المعاني في الأمر الأعمّ شيئا غير الخبر الذي هو إثبات المعنى للشيء ونفيه عنه. يدلّك على ذلك أنك لا تنظر إلى شيء من المعاني الغريبة التي تختصّ بقائل دون قائل، إلّا وجدت الأصل فيه والأساس الإثبات والنّفي. وإن أردت في ذلك مثالا فانظر إلى بيت الفرزدق: [من الطويل] وما حملت أمّ امرئ في ضلوعها ... أعقّ من الجاني عليها هجائيا «١» فإنك إذا نظرت لم تشكّ في أن الأصل والأساس هو قوله: «وما حملت أم امرئ»، وأن ما جاوز ذلك من الكلمات إلى آخر البيت، مستند إليه ومبنيّ عليه، وأنك إن رفعته لم تجد لشيء منها بيانا، ولا رأيت لذكرها معنى، بل ترى ذكرك لها إن ذكرتها هذيانا. والسّبب الذي من أجله كان كذلك، أن من حكم كلّ ما عدا جزئي الجملة «الفعل والفاعل» و «المبتدأ والخبر»، أن يكون تخصيصا للمعنى المثبت أو المنفي، فقوله: «في ضلوعها»، يفيد أوّلا أنه لم يرد نفي الحمل على الإطلاق، ولكن الحمل في الضّلوع، وقوله: «أعقّ»، يفيد أنّه لم يرد هذا الحمل الذي هو حمل في الضّلوع أيضا على الإطلاق، ولكن حملا في الضلوع محموله أعقّ من الجاني عليها هجاءه. وإذا كان ذلك كلّه تخصيصا للحمل، لم يتصوّر أن يعقل من دون أن يعقل نفي الحمل، لأنه لا يتصوّر تخصيص شيء لم يدخل في نفي ولا إثبات، ولا ما كان في سبيلهما من الأمر به، والنهي عنه، والاستخبار عنه. وإذ قد ثبت أن الخبر وسائر معاني الكلام، معان ينشئها الإنسان في نفسه، ويصرّفها في فكره، ويناجي بها قلبه، ويراجع فيها لبّه، فاعلم أن الفائدة في العلم بها

стр. 352

واقعة من المنشئ لها، وصادرة عن القاصد إليها. وإذا قلنا في الفعل: «إنه موضوع للخبر»، لم يكن المعنى فيه أنه موضوع لأن يعلم به الخبر في نفسه وجنسه، ومن أصله، وما هو؟ ولكن المعنى أنه موضوع، حتى إذا ضممته إلى اسم، عقل به ومن ذلك الاسم، الخبر، بالمعنى الذي اشتقّ ذلك الفعل منه من مسمّى ذلك الاسم، واقعا منك أيّها المتكلّم، فاعرفه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فصل [تحليلي للنظم] اعلم أنّك لن ترى عجبا أعجب من الذي عليه الناس في أمر النظم»، وذلك أنه ما من أحد له أدنى معرفة إلّا وهو يعلم أن هاهنا نظما أحسن من نظم، ثم تراهم إذا أنت أردت أن تبصّرهم ذلك تسدر أعينهم «١»، وتضلّ عنهم أفهامهم. وسبب ذلك أنهم أوّل شيء عدموا العلم به نفسه، من حيث حسبوه شيئا غير توخّي معاني النحو، وجعلوه يكون في الألفاظ دون المعاني. فأنت تلقي الجهد حتى تميلهم عن رأيهم، لأنك تعالج مرضا مزمنا، وداء متمكّنا. ثم إذا أنت قدتهم بالخزائم «٢» إلى الاعتراف بأن لا معنى له غير توخّي معاني النحو، عرض لهم من بعد خاطر يدهشهم، حتى يكادوا يعودون إلى رأس أمرهم. وذلك أنّهم يروننا ندّعي المزيّة والحسن لنظم كلام من غير أن يكون فيه من معاني النحو شيء يتصوّر أن يتفاضل الناس في العلم به، ويروننا لا نستطيع أن نضع اليد من معاني النحو ووجوهه على شيء نزعم أنّ من شأن هذا أن يوجب المزيّة لكلّ كلام يكون فيه، بل يروننا ندّعي المزيّة لكل ما ندّعيها له من معاني النحو ووجوهه وفروقه في موضع دون موضع، وفي كلام دون كلام، وفي الأقلّ دون الأكثر، وفي الواحد من الألف. فإذا رأوا الأمر كذلك، دخلتهم الشّبهة وقالوا: كيف يصير المعروف مجهولا؟ ومن أين يتصوّر أن يكون للشيء في كلام مزيّة عليه في كلام آخر، بعد أن تكون حقيقته فيهما حقيقة واحدة؟ فإذا رأوا التنكير يكون فيما لا يحصى من المواضع ثم لا يقتضي فضلا، ولا يوجب مزيّة، اتّهمونا في دعوانا ما ادّعيناه لتنكير الحياة في قوله تعالى:

стр. 353

وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة: ١٧٩]، من أنّ له حسنا ومزيّة، وأنّ فيه بلاغة عجيبة، وظنّوه وهما منّا وتخيّلا. ولسنا نستطيع في كشف الشّبهة في هذا عنهم، وتصوير الذي هو الحقّ عندهم، ما استطعناه في نفس النظم، لأنّا ملكنا في ذلك أن نضطرّهم إلى أن يعلموا صحّة ما نقول. وليس الأمر في هذا كذلك، فليس الداء فيه بالهيّن، ولا هو بحيث إذا رمت العلاج منه وجدت الإمكان فيه مع كلّ أحد مسعفا، والسّعي منجحا، لأنّ المزايا التي تحتاج أن تعلمهم مكانها وتصوّر لهم شأنها، أمور خفيّة، ومعان روحانيّة، أنت لا تستطيع أن تنبّه السامع لها، وتحدث له علما بها، حتى يكون مهيّئا لإدراكها، تكون فيه طبيعة قابلة لها، ويكون له ذوق وقريحة يجد لهما في نفسه إحساسا بأن من شأن هذه الوجوه والفروق أن تعرض فيها المزيّة على الجملة ومن إذا تصفّح الكلام وتدبّر الشعر، فرّق بين موقع شيء منها وشيء، ومن إذا أنشدته قوله: [من السريع] لي منك ما للنّاس كلّهم ... نظر وتسليم على الطّرق «١» وقول البحتريّ: [من الكامل] وسأستقلّ لك الدّموع صبابة ... ولو أنّ دجلة لي عليك دموع «٢» وقوله: [من الطويل] رأت فلتات الشّيب فابتسمت لها ... وقالت: نجوم لو طلعن بأسعد «٣» وقول أبي نواس: [من البسيط]

стр. 354

ركب تساقوا على الأكوار بينهم ... كأس الكرى، فانتشى المسقيّ والسّاقي كأنّ أعناقهم، والنّوم واضعها ... على المناكب، لم تعمد بأعناق «١» وقوله: [من الكامل] يا صاحبيّ عصيت مصطبحا ... وغدوت للّذّات مطّرحا فتزوّدوا منّي محادثة، ... حذر العصا لم يبق لي مرحا «٢» وقول إسماعيل بن يسار: [من السريع] حتّى إذا الصّبح بدا ضوؤه ... وغابت الجوزاء والمرزم خرجت والوطء خفيّ كما ... ينساب من مكمنه الأرقم «٣» - أنق لها، وأخذته الأريحيّة عندها، وعرف لطف موقع «الحذف» و «التنكير» في قوله: نظر وتسليم على الطّرق وما في قول البحتري: «لي عليك دموع» من شبه السّحر، وأنّ ذلك من أجل تقديم «لي» على «عليك»، ثم تنكير «الدّموع» وعرف كذلك شرف قوله: وقالت: نجوم لو طلعن بأسعد وعلوّ طبقته، ودقّة صنعته. والبلاء، والدّاء العياء، أن هذا الإحساس قليل في الناس، حتى إنّه ليكون أن يقع للرجل الشيء من هذه الفروق والوجوه في شعر يقوله، أو رسالة يكتبها، الموقع

стр. 355

الحسن. ثم لا يعلم أنه قد أحسن. فأمّا الجهل بمكان الإساءة فلا تعدمه، فلست تملك إذا من أمرك شيئا حتى تظفر بمن له طبع إذا قدحته وري، وقلب إذا أريته رأى، فأمّا وصاحبك من لا يرى ما تريه، ولا يهتدي للذي تهديه، فأنت رام في غير مرمى، ومعنّ نفسك في غير جدوى، وكما لا تقيم الشعر في نفس من لا ذوق له، كذلك لا تفهم هذا الشأن من لم يؤت الآلة التي بها يفهم، إلّا أنه إنما يكون البلاء إذا ظنّ العادم لها أنّه أوتيها، وأنه ممّن يكمل للحكم، ويصحّ منه القضاء، فجعل يقول القول لو علم غبّه لا ستحيى منه. فأمّا الذي يحسّ بالنقص من نفسه، ويعلم أنه قد عدم علما قد أوتيه من سواه، فأنت منه في راحة، وهو رجل عاقل قد حماه عقله أن يعدو طوره، وأن يتكلّف ما ليس بأهل له. وإذا كانت العلوم التي لها أصول معروفة، وقوانين مضبوطة قد اشترك الناس في العلم بها، واتّفقوا على أن البناء عليها، إذا أخطأ فيها المخطئ ثم أعجب برأيه، لم تستطع ردّه عن هواه، وصرفه عن الرأي الذي رآه، إلا بعد الجهد، وإلا بعد أن يكون حصيفا عاقلا ثبتا إذا نبّه انتبه، وإذا قيل: إنّ عليك بقيّة من النظر، وقف وأصغى، وخشي أن يكون قد غرّ، احتاط باستماع ما يقال له، وأنف من أن يلجّ من غير بيّنه، ويستطيل بغير حجّة، وكان من هذا وصفه يعزّ ويقلّ فكيف بأن تردّ الناس عن رأيهم في هذا الشأن، وأصلك الذي تردّهم إليه، وتعوّل في محاجّتهم عليه، استشهاد القرائح، وسبر النفوس وفليها، وما يعرض فيها من الأريحيّة عند ما تسمع، وكان ذلك الذي يفتح لك سمعهم، ويكشف الغطاء عن أعينهم، ويصرف إليك أوجههم، وهم لا يضعون أنفسهم موضع من يرى الرأي ويفتي ويقضي، إلّا وعندهم أنهم ممّن صفت قريحته، وصحّ ذوقه، وتمّت أداته. فإذا قلت لهم: «إنكم قد أتيتم من أنفسكم»، ردّوا عليك مثله وقالوا: «لا، بل قرائحنا أصحّ، ونظرنا أصدق، وحسّنا أذكى، وإنّما الآفة فيكم لأنّكم خيّلتم إلى أنفسكم أمورا لا حاصل لها، وأوهمكم الهوى والميل أن توجبوا لأحد النظمين المتساويين فضلا على الآخر، من غير أن يكون ذلك الفضل معقولا» فتبقى في أيديهم حسيرا لا تملك غير التعجّب. فليس الكلام إذن بمغن عنك، ولا القول بنافع، ولا الحجّة مسموعة، حتى تجد من فيه عون لك على نفسه،. ومن إذا أبى عليك أبى ذاك طبعه فردّه إليك، وفتح سمعه لك، ورفع الحجاب بينك وبينه، وأخذ به إلى حيث أنت، وصرف ناظره إلى الجهة الّتي أومأت، فاستبدل بالنّفار أنسا، وأراك من بعد الإباء قبولا. ولم يكن الأمر على هذه الجملة إلّا لأن ليس في أصناف العلوم الخفية، والأمور
следующие страницы →