وصادفت لذلك أريحيّة، فانظر لتعرف كما عرفت، وراجع نفسك، واسبر وذق، لتجد مثل الذي وجدت»، فإن عرف فذاك، وإلا فبينكما التّناكر، تنسبه إلى سوء التأمّل، وينسبك إلى فساد في التخيّل.
وإنه على الجملة بحث ينتقي لك من علم الإعراب خالصه ولبّه، ويأخذ لك منه أناسي العيون وحبّات القلوب، وما لا يدفع الفضل فيه دافع، ولا ينكر رجحانه في موازين العقول منكر.
وليس يتأتّى لي أن أعلمك من أوّل الأمر في ذلك آخره، وأن أسمّي لك الفصول التي في نيتي أن أحرّرها بمشيئة الله ، حتى تكون على علم بها قبل موردها عليك. فاعمل على أنّ هاهنا فصولا يجيء بعضها في إثر بعض وهذا أوّلها.
فصل في تحقيق القول على «البلاغة» و «الفصاحة»، و «البيان» و «البراعة» ،
وكلّ ما شاكل ذلك، ممّا يعبّر به عن فضل بعض القائلين على بعض، من حيث نطقوا وتكلّموا، وأخبروا السامعين عن الأغراض والمقاصد، وراموا أن يعلموهم ما في نفوسهم؛ ويكشفوا لهم عن ضمائر قلوبهم.
ومن المعلوم أن لا معنى لهذه العبارات وسائر ما يجري مجراها، مما يفرد فيه اللّفظ بالنعت والصّفة، وينسب فيه الفضل والمزيّة إليه دون المعنى، غير وصف الكلام بحسن الدّلالة وتمامها فيما له كانت دلالة، ثم تبرّجها في صورة هي أبهى وأزين وآنق وأعجب وأحقّ بأن تستولي على هوى النفس، وتنال الحظّ الأوفر من ميل القلوب، وأولى بأن تطلق لسان الحامد، وتطيل رغم الحاسد ولا جهة لاستعمال هذه الخصال غير أن تأتي المعنى من الجهة التي هي أصحّ لتأديته، وتختار له اللفظ الذي هو أخصّ به، وأكشف عنه وأتمّ له، وأحرى بأن يكسبه نبلا، ويظهر فيه مزيّة.
وإذا كان هذا كذلك، فينبغي أن ينظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف،- وقبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكون الكلم إخبارا وأمرا ونهيا واستخبارا وتعجبا، وتؤدّي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلا بضمّ كلمة إلى كلمة، وبناء لفظة على لفظة- هل «١» يتصور أن يكون بين اللفظتين تفاضل في
стр. 37
الدّلالة حتى تكون هذه أدلّ على معناها الذي وضعت له من صاحبتها على ما هي موسومة به، حتى يقال إن «رجلا» أدلّ على معناه من «فرس» على ما سمّي به وحتى يتصوّر في الاسمين يوضعان لشيء واحد، أن يكون هذا أحسن نبأ وأبين كشفا عن صورته من الآخر، فيكون «الليث» مثلا أدلّ على السبع المعلوم من «الأسد» وحتى أنّا لو أردنا الموازنة بين لغتين كالعربية والفارسية، ساغ لنا أن نجعل لفظة «رجل» أدلّ على الآدميّ الذّكر من نظيره في الفارسية؟.
وهل يقع في وهم وإن جهد، أن تتفاضل الكلمتان المفردتان، من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم، بأكثر من أن تكون هذه مألوفة مستعملة، وتلك غريبة وحشية، أو أن تكون حروف هذه أخفّ وامتزاجها أحسن، ومما يكدّ اللسان أبعد؟.
وهل تجد أحدا يقول: هذه اللفظة فصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم، وحسن ملائمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها؟.
وهل قالوا: لفظة متمكنة، ومقبولة، وفي خلافه: قلقة، ونابية، ومستكرهة، إلا وغرضهم أن يعبّروا بالتمكّن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناهما، وبالقلق والنّبوّ عن سوء التلاؤم، وأن الأولى لم تلق بالثانية في معناها، وأنّ السابقة لم تصلح أن تكون لفقا «١» للتالية في مؤدّاها؟.
وهل تشكّ إذا فكرت في قوله تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [هود: ٤٤]، فتجلّى لك منها الإعجاز، وبهرك الذي ترى وتسمع، أنك لم تجد «٢» ما وجدت من المزيّة الظاهرة، والفضيلة القاهرة، إلا لأمر يرجع إلى ارتباط هذه الكلم بعضها ببعض، وأن لم يعرض لها الحسن والشّرف إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية، والثالثة بالرابعة، وهكذا، إلى أن تستقر بها إلى آخرها، وأنّ الفضل تناتج ما بينها، وحصل من
مجموعها؟.
إن شككت، فتأمّل: هل ترى لفظة منها بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت، لأدّت من الفصاحة ما تؤدّيه وهي في مكانها من الآية؟ قل: «ابلعي»،
стр. 38
واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وما بعدها، وكذلك فاعتبر سائر ما يليها.
وكيف بالشك في ذلك، ومعلوم أنّ مبدأ العظمة في أن نوديت الأرض، ثم أمرت، ثم في أن كان النداء «بيا» دون «أيّ»، نحو «يا أيتها الأرض»، ثم إضافة «الماء» إلى «الكاف»، دون أن يقال: «ابلعي الماء»، ثم أن أتبع نداء الأرض وأمرها بما هو من شأنها، نداء السماء وأمرها كذلك بما يخصها، ثم أن قيل:، «وغيض الماء»، فجاء الفعل على صيغة «فعل» الدالة على أنّه لم يغض إلّا بأمر آمر وقدرة قادر، ثم تأكيد ذلك وتقريره بقوله تعالى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ، ثم ذكر ما هو فائدة هذه الأمور، وهو: اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ، ثم إضمار «السفينة» قبل الذّكر، كما هو شرط الفخامة والدّلالة على عظم الشأن، ثم مقابلة «قيل» في الخاتمة «بقيل» في الفاتحة؟ أفترى لشيء من هذه الخصائص- التي تملؤك بالإعجاز روعة، وتحضرك عند تصوّرها هيبة تحيط بالنفس من أقطارها- تعلّقا «١» باللفظ من حيث هو صوت مسموع وحروف تتوالى في النطق؟ أم كلّ ذلك لما بين معاني الألفاظ من الاتّساق العجيب؟.
فقد اتضح إذن اتضاحا لا يدع للشك مجالا، أنّ الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجرّدة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الفضيلة وخلافها، في ملائمة معنى اللّفظة لمعنى التي تليها، وما أشبه ذلك، مما لا تعلّق له بصريح اللفظ.
ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر، كلفظ «الأخدع» في بيت الحماسة:
[من الطويل]
تلفّتّ نحو الحيّ حتّى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا «٢»
وبيت البحتري: [من الطويل]
стр. 39
وإنّي وإن بلّغتني شرف الغنى ... واعتقت من رقّ المطامع أخدعي «١»
فإن لها في هذين المكانين ما لا يخفى من الحسن، ثم إنك تتأملها في بيت أبي تمام: [من المنسرح]
يا دهر قوّم من أخدعيك، فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك «٢»
فتجد لها من الثّقل على النفس، ومن التنغيص والتكدير، أضعاف ما وجدت هناك من الرّوح والخفّة، ومن الإيناس والبهجة.
ومن أعجب ذلك لفظة «الشّيء»، فإنك تراها مقبولة حسنة في موضع، وضعيفة مستكرهة في موضع. وإن أردت أن تعرف ذلك، فانظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة المخزوميّ: [من الطويل]
ومن مالئ عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى «٣»
وقول أبي حيّة: [من الطويل]
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاها شيء لا يملّ التّقاضيا «٤»
فإنك تعرف حسنها ومكانها من القبول، ثم انظر إليها في بيت المتنبي: [من الطويل]
لو الفلك الدّوّار أبغضت سعيه ... لعوّقه شيئ عن الدّوران «٥»
فإنك تراها تقلّ وتضؤل، بحسب نبلها وحسنها فيما تقدّم وهذا باب واسع، فإنك تجد متى شئت الرّجلين قد استعملا كلما بأعيانها، ثم ترى هذا قد فرع السّماك «٦»، وترى ذاك قد لصق بالحضيض، فلو كانت الكلمة إذا حسنت حسنت من حيث هي لفظ، وإذا استحقت المزيّة والشرف استحقّت ذلك في ذاتها وعلى انفرادها، دون أن يكون السبب في ذلك حال لها مع أخواتها المجاورة لها في النظم، لما اختلف بها الحال، ولكانت إمّا أن تحسن أبدا، أو لا تحسن أبدا.
стр. 40
ولم تر قولا يضطرب على قائله حتى لا يدري كيف يعبّر، وكيف يورد ويصدر، كهذا القول. بل إن أردت الحقّ، فإنه من جنس الشيء يجري به الرجل لسانه ويطلقه، فإذا فتّش نفسه، وجدها تعلم بطلانه، وتنطوي على خلافه، ذاك لأنه مما لا يقوم بالحقيقة في اعتقاد، ولا يكون له صورة في فؤاد.
فصل ومما يجب إحكامه بعقب هذا الفصل، الفرق بين قولنا: «حروف منظومة»، و «كلم منظومة» .
وذلك أن نظم الحروف هو تواليها في النطق، وليس نظمها بمقتضى عن معنى «١»، ولا الناظم لها بمقتف في ذلك رسما من العقل اقتضى أن يتحرّى في نظمه لها ما تحرّاه. فلو أنّ واضع اللغة كان قد قال: «ربض» مكان «ضرب»، لما كان في ذلك ما يؤدّي إلى فساد.
وأمّا «نظم الكلم» فليس الأمر فيه كذلك، لأنك تقتفي في نظمها آثار المعاني، وترتّبها على حسب ترتّب المعاني في النفس. فهو إذن نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس هو «النّظم» الذي معناه ضمّ الشيء إلى الشيء كيف جاء واتّفق. ولذلك كان عندهم نظيرا للنّسج والتأليف والصّياغة والبناء والوشي والتّحبير وما أشبه ذلك، ممّا يوجب اعتبار الأجزاء بعضها مع بعض، حتى يكون لوضع كلّ حيث وضع، علّة تقتضي كونه هناك، وحتى لو وضع في مكان غيره لم يصلح.
والفائدة في معرفة هذا الفرق: أنك إذا عرفته عرفت أن ليس الغرض بنظم الكلم، أن توالت ألفاظها في النطق، بل أن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها، على الوجه الذي اقتضاه العقل. وكيف يتصوّر أن يقصد به إلى توالي الألفاظ في النطق، بعد أن ثبت أنه نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وأنّه نظير الصياغة والتّحبير «٢» والتّفويف «٣» والنقش، وكل ما يقصد به التصوير، وبعد أن كنّا لا نشك
стр. 41
في أن لا حال للفظة مع صاحبتها تعتبر إذا أنت عزلت دلالتهما جانبا؟ وأيّ مساغ للشكّ في أنّ الألفاظ لا تستحقّ من حيث هي ألفاظ، أن تنظم على وجه دون وجه؟.
ولو فرضنا أن تنخلع من هذه الألفاظ، التي هي لغات، دلالتها لما كان منها أحقّ بالتقديم من شيء، ولا تصوّر أن يجب فيها ترتيب ونظم.
ولو حفّظت صبيّا شطر «كتاب العين» أو «الجمهرة»، من غير أن تفسّر له شيئا منه، وأخذته بأن يضبط صور الألفاظ وهيآتها، ويؤدّيها كما يؤدي أصناف أصوات الطيور، لرأيته ولا يخطر له ببال أنّ من شأنه أن يؤخّر لفظا ويقدّم آخر، بل كان حاله حال من يرمي الحصى ويعدّ الجوز، اللهم إلّا أن تسومه أنت أن يأتي بها على حروف المعجم ليحفظ نسق الكتاب.
ودليل آخر، وهو أنه لو كان القصد بالنظم إلى اللفظ نفسه، دون أن يكون الغرض ترتيب المعاني في النفس، ثم النطق بالألفاظ على حذوها، لكان ينبغي أن لا يختلف حال اثنين في العلم بحسن النظم أو غير الحسن فيه، لأنهما يحسّان بتوالي الألفاظ في النطق إحساسا واحدا، ولا يعرف أحدهما في ذلك شيئا يجهله الآخر.
وأوضح من هذا كلّه، وهو أن هذا «النظم» الذي يتواصفه البلغاء، وتتفاضل مراتب البلاغة من أجله، صنعة يستعان عليها بالفكرة لا محالة. وإذا كانت ممّا يستعان عليها بالفكرة، ويستخرج بالرّويّة، فينبغي أن ينظر في الفكر، بماذا تلبّس؟
أبالمعاني أم بالألفاظ؟ فأيّ شيء وجدته الذي تلبّس به فكرك من بين المعاني والألفاظ، فهو الذي تحدث فيه صنعتك، وتقع فيه صياغتك ونظمك وتصويرك.
فمحال أن تتفكر في شيء وأنت لا تصنع فيه شيئا، وإنما تصنع في غيره. لو جاز ذلك، لجاز أن يفكّر البنّاء في الغزل، ليجعل فكره فيه وصلة إلى أن يصنع من الآجرّ، وهو من الإحالة المفرطة.
فإن قيل: «النظم» موجود في الألفاظ على كل حال، ولا سبيل إلى أن يعقل الترتيب الذي تزعمه في المعاني، ما لم تنظم الألفاظ ولم ترتّبها على الوجه الخاصّ.
قيل: إن هذا هو الذي يعيد هذه الشّبهة جذعة «١» أبدا، والذي يحلّها: أن تنظر أتتصوّر أن تكون معتبرا مفكّرا في حال اللفظ مع اللفظ حتّى تضعه بجنبه أو قبله، وأن تقول: «هذه اللفظة إنّما صلحت هاهنا لكونها على صفة كذا» أم لا يعقل
стр. 42
إلّا أن تقول: «صلحت هاهنا، لأن معناها كذا، ولدلالتها على كذا، ولأنّ معنى الكلام والغرض فيه يوجب كذا، ولأنّ معنى ما قبلها يقتضي معناها؟».
فإن تصوّرت الأوّل، فقل ما شئت، واعلم أنّ كل ما ذكرناه باطل وإن لم تتصور إلّا الثاني، فلا تخدعنّ نفسك بالأضاليل، ودع النظر إلى ظواهر الأمور، واعلم أن ما ترى أنه لا بدّ منه من ترتّب الألفاظ وتواليها على النظم الخاص، ليس هو الذي طلبته بالفكر، ولكنه شيء يقع بسبب الأوّل ضرورة، من حيث إنّ الألفاظ؛ إذ كانت أوعية للمعاني، فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها، فإذا وجب لمعنى أن يكون أوّلا في النفس، وجب للّفظ الدالّ عليه أن يكون مثله أوّلا في النطق.
فأمّا أن تتصور في الألفاظ أن تكون المقصودة قبل المعاني بالنظم والترتيب، وأن يكون الفكر في النظم الذي يتواصفه البلغاء فكرا في نظم الألفاظ، أو أن تحتاج بعد ترتيب المعاني إلى فكر تستأنفه لأن تجيء بالألفاظ على نسقها، فباطل من الظنّ، ووهم يتخيّل إلى من لا يوفي النظر حقّه. وكيف تكون مفكرا في نظم الألفاظ، وأنت لا تعقل لها أوصافا وأحوالا إذا عرفتها عرفت أن حقّها أن تنظم على وجه كذا؟.
ومما يلبّس على الناظر في هذا الموضع ويغلّطه، أنه يستبعد أن يقال:
«هذا كلام قد نظمت معانيه»، فالعرف كأنّه لم يجز بذلك، إلّا أنهم وإن كانوا لم يستعملوا «النظم» في المعاني، قد استعملوا فيها ما هو بمعناه ونظير له، وذلك قولهم: «إنه يرتب المعاني في نفسه، وينزّلها، ويبني بعضها على بعض»، كما يقولون: «يرتّب الفروع على الأصول، ويتبع المعنى المعنى، ويلحق النظير بالنظير».
وإذا كنت تعلم أنهم قد استعاروا النسج والوشي والنّقش والصّياغة لنفس ما استعاروا له «النظم»، وكان لا يشكّ في أن ذلك كلّه تشبيه وتمثيل يرجع إلى أمور وأوصاف تتعلّق بالمعاني دون الألفاظ، فمن حقّك أن تعلم أن سبيل «النظم» ذلك السبيل.
واعلم أنّ من سبيلك أن تعتمد هذا الفصل حدّا، وتجعل النّكت «١» التي
стр. 43
ذكرتها فيه على ذكر «١» منك أبدا، فإنها عمد «٢» وأصول في هذا الباب، إذا أنت مكّنتها في نفسك، وجدت الشّبه تنزاح عنك، والشكوك تنتفي عن قلبك، ولا سيّما ما ذكرت من أنه لا يتصوّر أن تعرف للّفظ موضعا من غير أن تعرف معناه، ولا أن تتوخّى في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ترتيبا ونظما، وأنك تتوخّى الترتيب في المعاني وتعمل الفكر هناك، فإذا تمّ لك ذلك أتبعتها الألفاظ وقفوت بها آثارها، وأنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك، لم تحتج إلى أن تستأنف فكرا في ترتيب الألفاظ، بل تجدها تترتّب لك بحكم أنّها خدم للمعاني، وتابعة لها، ولا حقة بها، وأن العلم بمواقع المعاني في النفس، علم بمواقع الألفاظ الدالّة عليها في النطق.
فصل منه في أن النظم متوقف على التركيب النحوي
واعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك علمت علما لا يعترضه الشك، أن لا نظم في الكلم ولا ترتيب، حتى يعلّق بعضها ببعض، ويبنى بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب من تلك، هذا ما لا يجهله عاقل ولا يخفى على أحد من الناس.
وإذا كان كذلك، فبنا أن ننظر إلى التّعليق فيها والبناء، وجعل الواحدة منها بسبب من صاحبتها، ما معناه وما محصوله؟ وإذا نظرنا في ذلك، علمنا أن لا محصول لها غير أن تعمد إلى اسم فتجعله فاعلا لفعل أو مفعولا، أو تعمد إلى اسمين فتجعل أحدهما خبرا عن الآخر، أو تتبع الاسم اسما على أن يكون الثاني صفة للأول، أو تأكيدا له، أو بدلا منه، أو تجيء باسم بعد تمام كلامك على أن يكون صفة أو حالا أو تمييزا، أو تتوخّى في كلام هو لإثبات معنى، أن يصير نفيا أو استفهاما أو تمنّيا، فتدخل عليه الحروف الموضوعة لذلك «٣» أو تريد في فعلين أن تجعل أحدهما شرطا في الآخر، فتجيء بهما بعد الحرف الموضوع لهذا المعنى، أو بعد اسم من الأسماء التي ضمّنت معنى ذلك الحرف «٤»، وعلى هذا القياس.
وإذا كان لا يكون في الكلم نظم ولا ترتيب إلّا بأن يصنع بها هذا الصنيع ونحوه، وكان ذلك كلّه مما لا يرجع منه إلى اللفظ شيء، وممّا لا يتصوّر أن يكون
стр. 44
فيه ومن صفته، بان بذلك أنّ الأمر على ما قلناه، من أن اللّفظ تبع للمعنى في النظم، وأنّ الكلم تترتّب في النطق بسبب ترتّب معانيها في النفس، وأنها لو خلت من معانيها حتى تتجرّد أصواتا وأصداء حروف، لما وقع في ضمير ولا هجس في خاطر، أن يجب فيها ترتيب ونظم، وأن يجعل لها أمكنة ومنازل، وأن يجب النطق بهذه قبل النطق بتلك. والله الموفّق للصواب.
فصل: منه في شبهة الذين حصروا الفصاحة في صفة اللفظ
وهذه شبهة أخرى ضعيفة، عسى أن يتعلّق بها متعلّق ممن يقدم على القول من غير رويّة: وهي أن يدّعي أن لا معنى للفصاحة سوى التلاؤم اللفظيّ، وتعديل مزاج الحروف
حتى لا يتلاقى في النطق حروف تثقل على اللسان، كالذي أنشده الجاحظ من قول الشاعر: [من السريع]
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر «١»
وقول ابن يسير «٢»: [من الخفيف]
لا أذيل الآمال بعدك إنّي ... بعدها بالآمال جدّ بخيل
كم لها موقفا بباب صديق ... رجعت من نداه بالتعطيل
لم يضرها والحمد لله، شيء ... وانثنت نحو عزف نفس ذهول «٣»
قال الجاحظ: «فتفقّد النصف الأخير من هذا البيت، فإنّك ستجد بعض ألفاظه يتبّرأ من بعض» ويزعم أن الكلام في ذلك على طبقات، فمنه المتناهي في الثّقل المفرط فيه، كالذي مضى، ومنه ما هو أخفّ منه كقول أبي تمام: [من الطويل]
كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... جميعا، ومهما لمته لمته «وحدي» «٤»
стр. 45
أي لا أمدحه بشيء إلّا صدّقني الناس فيه.
ومنه ما يكون فيه بعض الكلفة على اللسان، إلّا أنّه لا يبلغ أن يعاب به صاحبه ويشهّر أمره في ذلك ويحفظ عليه.
ويزعم أن الكلام إذا سلم من ذلك وصفا من شوبه «١»، كان الفصيح المشاد «٢» به والمشار إليه، وأنّ الصّفاء أيضا يكون على مراتب يعلو بعضها بعضا، وأنّ له غاية إذا انتهى إليها كان الإعجاز.
والذي يبطل هذه الشبهة، إن ذهب إليها ذاهب، أنّا إن قصرنا صفة «الفصاحة» على كون اللفظ كذلك، وجعلناه المراد بها، لزمنا أن نخرج «الفصاحة» من حيّز «البلاغة»، ومن أن تكون نظيرة لها، وإذا فعلنا ذلك، لم نخل من أحد أمرين: إمّا أن نجعله العمدة في المفاضلة بين العبارتين ولا نعرّج على غيره، وإمّا أن نجعله أحد ما نفاضل به، ووجها من الوجوه التي تقتضي تقديم كلام على كلام.
فإن أخذنا بالأوّل، لزمنا أن نقصر الفضيلة عليه حتى لا يكون الإعجاز إلا به وفيه، وفي ذلك ما لا يخفى من الشّناعة، لأنه يؤدّي إلى أن لا يكون للمعاني التي ذكروها في حدود البلاغة- من وضوح الدّلالة، وصواب الإشارة، وتصحيح الأقسام، وحسن الترتيب والنظام، والإبداع في طريقة التشبيه والتمثيل، والإجمال ثم التفصيل، ووضع الفصل والوصل موضعهما، وتوفية الحذف والتأكيد والتقديم والتأخير شروطهما- مدخل فيما له كان القرآن معجزا، حتّى يدّعى أنه لم يكن معجزا من حيث هو بليغ، ولا من حيث هو قول فصل، وكلام شريف النظم بديع التأليف، وذلك أنه لا تعلّق لشيء من هذه المعاني بتلاؤم الحروف.
وإن أخذنا بالثاني، وهو أن يكون تلاؤم الحروف وجها من وجوه الفضيلة، وداخلا في عداد ما يفاضل به بين كلام وكلام على الجملة، لم يكن لهذا الخلاف ضرر علينا، لأنه ليس بأكثر من أن نعمد إلى «الفصاحة» فنخرجها من حيّز «البلاغة والبيان»، وأن تكون نظيرة لهما، وفي عداد ما هو شبههما من البراعة والجزالة وأشباه ذلك، مما ينبئ عن شرف النظم، وعن المزايا التي شرحت لك أمرها، وأعلمتك جنسها، أو نجعلها اسما مشتركا يقع تارة لما تقع له تلك، وأخرى لما يرجع إلى سلامة اللفظ ممّا يثقل على اللسان. وليس واحد من الأمرين بقادح فيما نحن بصدده.
стр. 46
وإن تعسّف متعسّف في تلاؤم الحروف، فبلغ به أن يكون الأصل في الإعجاز، وأخرج سائر ما ذكروه في أقسام البلاغة من أن يكون له مدخل أو تأثير فيما له كان القرآن معجزا، كان الوجه أن يقال له: إنّه يلزمك، على قياس قولك، أن تجوّز أن يكون هاهنا نظم للألفاظ وترتيب، لا على نسق المعاني، ولا على وجه يقصد به الفائدة، ثم يكون مع ذلك معجزا. وكفى به فسادا.
فإن قال قائل: إني لا أجعل تلاؤم الحروف معجزا حتى يكون اللفظ مع ذلك دالّا، وذاك أنه إنّما تصعب مراعاة التعادل بين الحروف، إذا احتيج مع ذلك إلى مراعاة المعاني، كما أنه إنّما تصعب مراعاة السجع والوزن، ويصعب كذلك التجنيس والترصيع، إذا روعي معه المعنى.
قيل له: فأنت الآن، إن عقلت ما تقول، قد خرجت من مسألتك، وتركت أن يستحقّ اللّفظ المزيّة من حيث هو لفظ، وجئت تطلب لصعوبة النظم فيما بين المعاني طريقا، وتضع له علّة غير ما يعرفه الناس، وتدّعي أنّ ترتيب المعاني سهل، وأن تفاضل الناس في ذلك إلى حدّ، وأن الفضيلة تزداد وتقوى إذا توخّي في حروف الألفاظ التعادل والتلاؤم. وهذا منك وهم.
وذلك أنا لا نعلم لتعادل الحروف معنى سوى أن تسلم من نحو ما تجده في بيت أبي تمام:
كريم متى أمدحه والورى «١» وبيت ابن يسير:
وانثنت نحو عزف نفس ذهول «٢» وليس اللفظ السليم من ذلك بمعوز، ولا بعزيز الوجود، ولا بالشيء لا يستطيعه إلا الشاعر المفلق والخطيب البليغ، فيستقيم قياسه على السجع والتجنيس ونحو ذلك، مما إذا رامه المتكلم صعب عليه تصحيح المعاني وتأدية الأغراض.
فقولنا: «أطال الله بقاءك، وأدام عزّك، وأتمّ نعمته عليك، وزاد في إحسانه عندك»، لفظ سليم مما يكدّ اللسان، وليس في حروفه استكراه، وهكذا حال كلام الناس في كتبهم ومحاوراتهم، لا تكاد تجد فيه هذا الاستكراه، لأنه إنما هو شيء يعرض للشاعر إذا تكلف وتعمّل، فأمّا المرسل نفسه على سجيّتها، فلا يعرض له ذلك.
هذا، والمتعلّل بمثل ما ذكرت- من أنه إنما يكون تلاؤم الحروف معجزا بعد
стр. 47
أن يكون اللفظ دالّا، لأن مراعاة التعادل إنما تصعب إذا احتيج مع ذلك إلى مراعاة المعاني، إذا تأملت- يذهب «١» إلى شيء ظريف، وهو أن يصعب مرام اللفظ بسبب المعنى، وذلك محال، لأن الذي يعرفه العقلاء عكس ذلك، وهو أنه يصعب مرام المعنى بسبب اللفظ، فصعوبة ما صعب من السّجع، هي صعوبة عرضت في المعاني من أجل الألفاظ، وذاك أنه صعب عليك أن توفق بين معاني تلك الألفاظ المسجّعة وبين معاني الفصول التي جعلت أردافا لها، فلم تستطع ذلك إلا بعد أن عدلت عن أسلوب إلى أسلوب، أو دخلت في ضرب من المجاز، أو أخذت في نوع من الاتّساع، وبعد أن تلطّفت على الجملة ضربا من التلطّف.
وكيف يتصوّر أن يصعب مرام اللفظ بسبب المعنى، وأنت إن أردت الحقّ لا تطلب اللفظ بحال، وإنما تطلب المعنى، وإذا ظفرت بالمعنى، فاللفظ معك وإزاء ناظرك؟ وإنما كان يتصوّر أن يصعب مرام اللفظ من أجل المعنى، أن لو كنت إذا طلبت المعنى فحصّلته، احتجت إلى أن تطلب اللفظ على حدة. وذلك محال.
هذا، وإذا توهّم متوهّم أنّا نحتاج إلى أن نطلب اللفظ، وأن من شأن الطلب أن يكون هناك، فإن الذي يتوهم أنه يحتاج إلى طلبه، هو ترتيب الألفاظ في النّطق لا محالة. وإذا كان كذلك، فينبغي لنا أن نرجع إلى نفوسنا فننظر، هل يتصوّر أن نرتّب معاني أسماء وأفعال وحروف في النفس، ثم يخفى علينا مواقعها في النطق، حتى نحتاج في ذلك إلى فكر وروية؟ وذلك ما لا يشكّ فيه عاقل إذا هو رجع إلى نفسه.
وإذا بطل أن يكون ترتيب اللفظ مطلوبا بحال، ولم يكن المطلوب أبدا إلّا ترتيب المعاني، وكان معوّل هذا المخالف على ذلك، فقد اضمحلّ كلامه، وبان أنه ليس لمن حام في حديث المزية والإعجاز حول «اللفظ»، ورام أن يجعله السبب في هذه الفضيلة، إلا التّسكّع في الحيرة، والخروج عن فاسد من القول إلى مثله. والله الموفق للصواب.
فإن قيل: إذا كان اللفظ بمعزل عن المزيّة التي تنازعنا فيها، وكانت مقصورة على المعنى، فكيف كانت «الفصاحة» من صفات اللّفظ البتة؟ كيف امتنع أن يوصف بها المعنى فيقال: «معنى فصيح، وكلام فصيح المعنى»؟.
قيل: إنّما اختصّت الفصاحة باللّفظ وكانت من صفته، من حيث كانت عبارة عن كون اللّفظ على وصف إذا كان عليه، دلّ على المزيّة التي نحن في حديثها، وإذا
стр. 48
كانت لكون اللّفظ دالّا، استحال أن يوصف بها المعنى، كما يستحيل أن يوصف المعنى بأنه «دالّ» مثلا، فاعرفه.
فإن قيل: فماذا دعا القدماء إلى أن قسّموا الفضيلة بين المعنى واللفظ فقالوا:
«معنى لطيف، ولفظ شريف»، وفخّموا شأن اللّفظ وعظّموه حتى تبعهم في ذلك من بعدهم، وحتى قال أهل النّظر: «إنّ المعاني لا تتزايد، وإنما تتزايد الألفاظ»، فأطلقوا كما ترى كلاما يوهم كل من يسمعه أن المزية في حاق «١» اللفظ؟.
قيل له: لما كانت المعاني إنما تتبيّن بالألفاظ، وكان لا سبيل للمرتّب لها والجامع شملها، إلى أن يعلمك ما صنع في ترتيبها بفكره، إلّا بترتيب الألفاظ في نطقه، تجوّزوا فكنوا عن ترتيب المعاني بترتيب الألفاظ، ثم بالألفاظ بحذف «الترتيب»، ثم أتبعوا ذلك من الوصف والنّعت ما أبان الغرض وكشف عن المراد، كقولهم: «لفظ متمكّن»، يريدون أنه بموافقة معناه لمعنى ما يليه كالشيء الحاصل في مكان صالح يطمئن فيه.
«ولفظ قلق ناب»، يريدون أنه من أجل أن معناه غير موافق لما يليه، كالحاصل في مكان لا يصلح له، فهو لا يستطيع الطّمأنينة فيه إلى سائر ما يجيء في صفة اللفظ، مما يعلم أنه مستعار له من معناه، وأنهم نحلوه إيّاه، بسبب مضمونه ومؤدّاه.
هذا، ومن تعلّق بهذا وشبهه واعترضه الشك فيه، بعد الذي مضى من الحجج، فهو رجل قد أنس بالتقليد، فهو يدعو الشبهة إلى نفسه من هاهنا وثمّ. ومن كان هذا سبيله،
فليس له دواء سوى السكوت عنه، وتركه وما يختاره لنفسه من سوء النظر وقلّة التدبّر.
قد فرغنا الآن من الكلام على جنس المزيّة، وأنها من حيز المعاني دون الألفاظ، وأنها ليست لك حيث تسمع بأذنك، بل حيث تنظر بقلبك، وتستعين بفكرك، وتعمل رويّتك، وتراجع عقلك، وتستنجد في الجملة فهمك، وبلغ القول في ذلك أقصاه، وانتهى إلى مداه، وينبغي أن نأخذ الآن في تفصيل أمر المزيّة، وبيان الجهات التي منها تعرض. وإنه لمرام صعب ومطلب عسير، ولولا أنه على ذلك، لما
стр. 49
وجدت الناس بين منكر له من أصله، ومتحيّل (١) له على غير وجهه، ومعتقد أنه باب لا تقوى عليه العبارة، ولا يملك فيه إلّا الإشارة، وأنّ طريق التعليم إليه مسدود، وباب التفهيم دونه مغلق، وأنّ معانيك فيه معان تأبى أن تبرز من الضمير، وأن تدين للتبيين والتصوير، وأن ترى سافرة لا نقاب عليها، وبادية (٢) لا حجاب دونها، وأن ليس للواصف لها إلا أن يلوّح ويشير، أو يضرب مثلا ينبئ عن حسن قد عرفه على الجملة، وفضيلة قد أحسّها، من غير أن يتبع ذلك بيانا، ويقيم عليه برهانا، ويذكر له علّة، ويورد فيه حجّة. وأنا أنزّل لك القول في ذلك وأدرّجه شيئا فشيئا، وأستعين الله تعالى عليه، وأسأله التوفيق.
فصل في اللفظ يطلق والمراد به غير ظاهره .
اعلم أن لهذا الضرب اتّساعا وتفنّنا لا إلى غاية، إلّا أنه على اتساعه يدور في الأمر الأعمّ على شيئين: «الكناية» و «المجاز».
والمراد بالكناية هاهنا أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني، فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود، فيومئ به إليه، ويجعله دليلا عليه، مثال ذلك قولهم: «هو طويل النجاد»، يريدون طويل القامة، «وكثير رماد القدر»، يعنون كثير القرى، وفي المرأة: «نؤوم الضّحى»، والمراد أنها مترفة مخدومة، لها من يكفيها أمرها، فقد أرادوا في هذا كله، كما ترى، معنى، ثم لم يذكروه بلفظه الخاص به، ولكنهم توصّلوا إليه بذكر معنى آخر من شأنه أن يردفه في الوجود، وأن يكون إذا كان. أفلا ترى أن القامة إذ طالت طال النّجاد؟
وإذا كثر القرى كثر رماد القدر؟ وإذا كانت المرأة مترفة لها من يكفيها أمرها، ردف ذلك أن تنام إلى الضحى؟
وأما «المجاز»، فقد عوّل الناس في حدّه على حديث النّقل، وأنّ كل لفظ نقل عن موضوعه فهو «مجاز»، الكلام في ذلك يطول، وقد ذكرت ما هو الصحيح من ذلك في موضع آخر، وأنا أقتصر هاهنا على ذكر ما هو أشهر منه وأظهر. والاسم والشهرة فيه لشيئين: «الاستعارة» و «التمثيل». وإنّما يكون «التمثيل» مجازا إذا جاء على حدّ «الاستعارة».
فالاستعارة: أن تريد تشبيه الشيء بالشيء، فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره،
стр. 50
وتجيء إلى اسم المشبّه به فتعيره المشبّه وتجريه عليه. تريد أن تقول: رأيت رجلا هو كالأسد في شجاعته وقوة بطشه سواء»، فتدع ذلك وتقول: «رأيت أسدا».
وضرب آخر من «الاستعارة»، وهو ما كان نحو قوله: [من الكامل] إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها «١» هذا الضرب، وإن كان الناس يضمّونه إلى الأوّل حيث يذكرون الاستعارة، فليسا سواء. وذاك أنّك في الأوّل تجعل الشيء الشيء ليس به، وفي الثاني للشيء الشيء ليس له.
تفسير هذا: أنك إذا قلت: «رأيت أسدا»، فقد ادّعيت في إنسان أنه أسد، وجعلته إياه، ولا يكون الإنسان أسدا. وإذا قلت: «إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها»، فقد ادعيت أنّ للشّمال يدا، ومعلوم أنه لا يكون للريح.
وهاهنا أصل ضبطه وهو أنّ جعل المشبّه المشبّه به على ضربين:
أحدهما: أن تنزله منزلة الشيء تذكره بأمر قد ثبت له، فأنت لا تحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتزجيته، وذلك حيث تسقط ذكر المشبه من البين، ولا تذكره بوجه من الوجوه، كقولك «رأيت أسدا».
والثاني: أن تجعل ذلك كالأمر الذي يحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتزجيته، وذلك حيث تجري اسم المشبّه به خبرا على المشبّه، فتقول: «زيد أسد، وزيد هو الأسد»، أو تجيء به على وجه يرجع إلى هذا كقولك: «إن لقيته لقيت به أسدا، وإن لقيته ليلقينّك منه الأسد»، فأنت في هذا كله تعمل في إثبات كونه «أسدا» أو «الأسد»، وتضع كلامك له. وأمّا في الأوّل فتخرجه مخرج ما لا يحتاج فيه إلى إثبات وتقرير. والقياس يقتضي أن يقال في هذا الضرب أعني: ما أنت تعمل في إثباته وتزجيته: أنه تشبيه على حدّ المبالغة، ويقتصر على هذا القدر، ولا يسمى «استعارة».
وأمّا «التمثيل» الذي يكون مجازا لمجيئك به على حدّ الاستعارة، فمثاله قولك للرجل يتردّد في الشيء بين فعله وتركه: «أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى» «٢».
فالأصل في هذا: أراك في تردّدك كمن يقدّم رجلا ويؤخّر أخرى، ثم اختصر الكلام،
стр. 51
وجعل كأنه يقدم الرجل ويؤخّرها على الحقيقة، كما كان الأصل في قولك: «رأيت أسدا»، رأيت رجلا كالأسد، ثم جعل كأنّه الأسد على الحقيقة.
وكذلك تقول للرجل يعمل في غير معمل: «أراك تنفخ في غير فحم، وتخطّ على الماء»، فتجعله في ظاهر الأمر كأنّه ينفخ ويخط، والمعنى على أنك في فعلك كمن يفعل ذلك. وتقول للرجل يعمل الحيلة حتى يميل صاحبه إلى الشيء قد كان يأباه ويمتنع منه: «ما زال يفتل في الذّروة والغاب حتى بلغ منه ما أراد»، فتجعله بظاهر اللفظ كأنه كان منه فتل في ذروة وغارب، والمعنى على أنه لم يزل يرفق بصاحبه رفقا يشبه حاله فيه حال الرجل يجيء إلى البعير الصّعب فيحكّه ويفتل الشّعر في ذروته وغاربه، حتى يسكن ويستأنس، وهو في المعنى نظير قولهم: «فلان يقرّد فلانا»، يعنى به أنه يتلطّف له فعل الرجل ينزع القراد من البعير ليلذّه ذلك، فيسكن ويثبت في مكان حتى يتمكن من أخذه. وهكذا كلّ كلام رأيتهم قد نحو فيه نحو التمثيل، ثم لم يفصحوا بذلك، وأخرجوا اللفظ مخرجه إذا لم يريدوا تمثيلا.
[فصل: في ترجيح الكناية والاستعارة والتمثيل على الحقيقة]
قد أجمع الجميع على أن «الكناية» أبلغ من الإفصاح، والتعريض أوقع من التصريح، وأنّ للاستعارة مزية وفضلا، وأنّ المجاز أبدا أبلغ من الحقيقة، إلّا أن ذلك، وإن كان معلوما على الجملة، فإنه لا تطمئن نفس العاقل في كل ما يطلب العلم به حتى يبلغ فيه غايته، وحتى يغلغل الفكر إلى زواياه، وحتى لا يبقى عليه موضع شبهة ومكان مسألة. فنحن وإن كنا نعلم أنك إذا قلت: «هو طويل النجاد، وهو جمّ الرماد»، كان أبهى لمعناك، وأنبل من أن تدع الكناية وتصرح بالذي تريد. وكذا إذا قلت: «رأيت أسدا»، كان لكلامك مزيّة لا تكون إذا قلت: رأيت رجلا هو والأسد سواء، في معنى الشجاعة وفي قوة القلب وشدة البطش وأشباه ذلك. وإذا قلت:
«بلغني أنك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى»، كان أوقع من صريحه «١» الذي هو قولك:
بلغني أنك تتردد في أمرك، وأنك في ذلك كمن يقول: أخرج ولا أخرج، فتقدّم رجلا وتؤخّر أخرى. ونقطع على ذلك حتى لا يخالجنا شك فيه، فإنما تسكن أنفسنا تمام السكون، إذا عرفنا السبب في ذلك والعلّة، ولم كان كذلك، وهيأنا له عبارة تفهم عنّا من نريد إفهامه. وهذا هو قول في ذلك:
стр. 52
اعلم أنّ سبيلك أوّلا أن تعلم أن ليست المزيّة- التي تثبتها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره، والمبالغة التي تدّعي لها- في أنفس المعاني التي يقصد المتكلم إليها بخبره، ولكنها في طريق إثباته لها وتقريره إياها.
تفسير هذا: أن ليس المعنى إذا قلنا: «إن الكناية أبلغ من التصريح»، أنّك لمّا كنيت عن المعنى زدت في ذاته، بل المعنى أنك زدت في إثباته، فجعلته أبلغ وآكد وأشدّ. فليست المزيّة في قولهم: «جمّ الرماد»، أنه دلّ على قرى أكثر، بل أنّك أثبتّ له القرى الكثير من وجه هو أبلغ، وأوجبته إيجابا هو أشدّ، وادّعيته دعوى أنت بها أنطق، وبصحّتها أوثق.
وكذلك ليست المزية التي تراها لقولك: «رأيت أسدا»، على قولك: رأيت رجلا لا يتميّز عن الأسد في شجاعته وجرأته أنك قد أفدت بالأوّل زيادة في مساواته الأسد، بل أن أفدت «١» تأكيدا وتشديدا وقوة في إثباتك له هذه المساواة، وفي تقريرك لها. فليس تأثير الاستعارة إذن في ذات المعنى وحقيقته، بل في إيجابه والحكم به.
وهكذا قياس «التّمثيل»، ترى المزيّة أبدا في ذلك تقع في طريق إثبات المعنى دون المعنى نفسه. فإذا سمعتهم يقولون: إنّ من شأن هذه الأجناس أن تكسب المعاني نبلا وفضلا، توجب لها شرفا، وأن تفخّمها في نفوس السامعين، وترفع أقدارها عند المخاطبين، فإنهم لا يريدون الشجاعة والقرى وأشباه ذلك من معاني الكلم المفردة، وإنما يعنون إثبات معاني هذه الكلم لمن تثبت له ويخبر بها عنه.
هذا ما ينبغي للعاقل أن يجعله على ذكر منه أبدا، وأن يعلم أن ليس لنا- إذا نحن تكلمنا في البلاغة والفصاحة- مع معاني الكلم «٢» المفردة شغل، ولا هي منا بسبيل، وإنّما نعمد إلى الأحكام التي تحدث بالتأليف والتركيب. وإذ قد عرفت مكان هذه المزيّة والمبالغة التي لا تزال تسمع بها، وأنها في الإثبات دون المثبت، فإنّ لها في كل واحد من هذه الأجناس سببا وعلة.
أما «الكناية»، فإنّ السبب في أن كان للإثبات بها مزيّة لا تكون للتصريح، أنّ كل عاقل يعلم إذا رجع إلى نفسه، أنّ إثبات الصفة بإثبات دليلها، وإيجابها بما هو شاهد في وجودها، آكد وأبلغ في الدّعوى من أن تجيء إليها فتثبتها هكذا ساذجا
стр. 53
غفلا. وذلك أنك لا تدّعي شاهد الصفة ودليلها إلّا والأمر ظاهر معروف، وبحيث لا يشكّ فيه، ولا يظنّ بالمخبر التجوّز والغلط.
وأمّا «الاستعارة»، فسبب ما ترى لها من المزيّة والفخامة، أنك إذا قلت:
«رأيت أسدا»، كنت قد تلطّفت لما أردت إثباته له من فرط الشجاعة، حتى جعلتها كالشيء الذي يجب له الثّبوت والحصول، وكالأمر الذي نصب له دليل يقطع بوجوده. وذلك أنه إذا كان أسدا، فواجب أن تكون له تلك الشجاعة العظيمة، وكالمستحيل أو الممتنع أن يعرى عنها. وإذا صرّحت بالتشبيه فقلت: «رأيت رجلا كالأسد»، وكنت قد أثبتها إثبات الشيء يترجّح بين أن يكون وبين أن لا يكون، ولم يكن من حديث الوجوب في شيء.
وحكم «التمثيل»، حكم «الاستعارة» سواء، فإنك إذا قلت: «أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى»، فأوجبت له الصورة التي يقطع معها بالتحيّر والتردد، كان أبلغ لا محالة من أن تجري على الظاهر. فتقول: قد جعلت تتردّد في أمرك، فأنت كمن يقول: أخرج ولا أخرج، فيقدّم رجلا ويؤخّر أخرى.
[فصل: في تفاوت الكناية والاستعارة والتمثيل]
اعلم أنّ من شأن هذه الأجناس أن تجري فيها الفضيلة، وأن تتفاوت التفاوت الشديد. أفلا ترى أنك تجد في الاستعارة العاميّ المبتذل، كقولنا: «رأيت أسدا، ووردت بحرا، ولقيت بدرا». والخاصّيّ النادر الذي لا تجده إلّا في كلام الفحول، ولا يقوى عليه إلّا أفراد الرجال، كقوله: [من الطويل] وسالت بأعناق المطيّ الأباطح «١» أراد أنها سارت سيرا حثيثا في غاية السرعة، وكانت سرعة في لين وسلاسة، حتى كأنها كانت سيولا وقعت في تلك الأباطح فجرت بها.
ومثل هذه الاستعارة في الحسن واللّطف وعلوّ الطبقة في هذه اللفظة بعينها قول الآخر: [من البسيط]
стр. 54
سالت عليه شعاب الحيّ حين دعا ... أنصاره، بوجوه كالدّنانير «١»
أراد أنّه مطاع في الحيّ، وأنهم يسرعون إلى نصرته، وأنه لا يدعوهم لحرب أو نازل خطب، إلا أتوه وكثروا عليه، وازدحموا حواليه، حتى تجدهم كالسيول تجيء من هاهنا وهاهنا، وتنصبّ من هذا المسيل وذلك، حتى يغصّ به الوادي ويطفح منها.
ومن بديع الاستعارة ونادرها، إلا أنّ جهة الغرابة فيه غير جهتها في هذا، قول يزيد بن مسلمة بن عبد الملك يصف فرسا له، وأنّه مؤدّب، وأنه إذا نزل عنه وألقى عنانه في قربوس سرجه، وقف مكانه إلى أن يعود إليه: [من الكامل]
عوّدته فيما أزور حبائبي ... إهماله، وكذاك كلّ مخاطر
وإذا اختبى قربوسه بعنانه ... علك الشّكيم إلى انصراف الزّائر «٢»
فالغرابة هاهنا في الشبه نفسه، وفي أن استدرك أنّ هيئة العنان في موقعه من قربوس السرج، كالهيئة في موضع الثّوب من ركبة المحتبي.
وليست الغرابة في قوله: [من الطويل] وسالت بأعناق المطيّ الأباطح «٣» على هذه الجملة «٤»، وذلك أنه لم يغرب لأن جعل المطيّ في سرعة سيرها وسهولته كالماء يجري في الأبطح، فإنّ هذا شبه معروف ظاهر، ولكن الدّقة واللطف في خصوصيّة أفادها، بأن جعل «سال» فعلا للأباطح، ثم عدّاه بالباء، بأن أدخل الأعناق في البين،: فقال «بأعناق المطيّ»، ولم يقل: «بالمطيّ»، ولو قال: «سالت المطيّ في الأباطح»، لم يكن شيئا.
وكذلك الغرابة في البيت الآخر، ليس في مطلق معنى «سال»، ولكن في تعديته
стр. 55
بعلى والباء، وبأن جعله فعلا لقوله «شعاب الحيّ»، ولولا هذه الأمور كلّها لم يكن هذا الحسن. وهذا موضع يدقّ الكلام فيه.
وهذه أشياء من هذا الفنّ: [من البسيط]
اليوم يومان مذ غيّبت عن بصري، ... نفسي فداؤك، ما ذنبي فأعتذر
أمسي وأصبح لا ألقاك، وا حزنا، ... لقد تأنّق في مكروهي القدر
سوار بن المضرّب، وهو لطيف جدّا: [من الوافر]
بعرض تنوفة للرّيح فيها ... نسيم لا يروع التّرب وان «١»
بعض الأعراب: [من الكامل]
ولربّ خصم جاهدين ذوي شذا ... تفذي صدورهم بهتر هاتر «٢»
لدّ ظأرتهم على ما ساءهم ... وخسأت باطلهم بحقّ ظاهر «٣»
المقصود لفظ: «خسأت».
ابن المعتز: [من الرجز]
حتّى إذا ما عرف الصّيد الضّار ... وأذن الصّبح لنا في الإبصار «٤»
المعنى: حتى إذا تهيأ لنا أن نبصر شيئا لمّا كان تعذّر الإبصار منعا من الليل، جعل إمكانه عند ظهور الصبح إذنا من الصّبح.
وله: [من المجزوء الموافر]
بخيل قد بليت به ... يكدّ الوعد بالحجج «٥»
стр. 56
وله: [من الطويل]
يناجيني الإخلاف من تحت مطله ... فتختصم الآمال واليأس في صدري «١»
وممّا هو في غاية الحسن، وهو من الفنّ الأول، قول الشاعر أنشده الجاحظ:
[من الطويل]
لقد كنت في قوم عليك أشحّة ... بنفسك، إلّا أنّ ما طاح طائح
يودّون لو خاطوا عليك جلودهم، ... ولا تدفع الموت النّفوس الشّحائح «٢»
قال: وإليه ذهب بشار في قوله: [من الرجز]
وصاحب كالدّمّل الممدّ ... حملته في رقعة من جلدي «٣»
ومن سرّ هذا الباب، أنك ترى اللفظة المستعارة قد استعيرت في عدة مواضع، ثم ترى لها في بعض ذلك ملاحة لا تجدها في الباقي. مثال ذلك أنك تنظر إلى لفظة «الجسر» في قول أبي تمام: [من البسيط]
لا يطمع المرء أن يجتاب لجّته ... بالقول ما لم يكن جسرا له العمل «٤»
وقوله: [من البسيط]
بصرت بالرّاحة العظمى فلم ترها ... تنال إلّا على جسر من التّعب «٥»
فترى لها في الثاني حسنا لا تراه في الأول، ثم تنظر إليها في قول ربيعة الرّقيّ:
[من البسيط]
стр. 57
قولي نعم، ونعم إن قلت واجبة ... قالت: عسى وعسى جسر إلى نعم
فترى لها لطفا وخلابة «١» وحسنا ليس الفضل فيه بقليل.
ومما هو أصل في شرف الاستعارة، أن ترى الشاعر قد جمع بين عدّة استعارات، قصدا إلى أن يلحق الشكل بالشكل، وأن يتمّ المعنى والشّبه فيما يريد، مثاله قوله امرئ القيس: [من الطويل]
فقلت له لمّا تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل «٢»
لما جعل للّيل صلبا قد تمطّى به، ثنّى ذلك فجعل له أعجازا قد أردف بها الصّلب، وثلّث فجعل له كلكلا قد ناء به، فاستوفى له جملة أركان الشّخص، وراعى ما يراه الناظر من سواده، إذا نظر قدّامه، وإذا نظر إلى خلفه، وإذا رفع البصر ومدّه في عرض الجوّ.
واعلم أن هاهنا أسرارا ودقائق، لا يمكن بيانها إلّا بعد أن تقدّم جملة من القول في «النظم» وفي تفسيره والمراد منه، وأيّ شيء هو؟ وما محصوله ومحصول الفضيلة فيه؟ فينبغي لنا أن نأخذ في ذكره، وبيان أمره، وبيان المزيّة التي تدّعى له من أين تأتيه؟ وكيف تعرض فيه؟ وما أسباب ذلك وعلله؟ وما الموجب له؟
وقد علمت إطباق العلماء على تعظيم شأن «النظم» وتفخيم قدره، والتنويه بذكره، وإجماعهم أن لا فضل مع عدمه، ولا قدر لكلام إذا هو لم يستقم له، ولو بلغ في غرابة معناه ما بلغ، وبتّهم «٣» الحكم بأنه الذي لا تمام دونه، ولا قوام إلّا به، وأنه القطب الذي عليه المدار، والعمود الذي به الاستقلال. وما كان بهذا المحلّ من الشّرف، وفي هذه المنزلة من الفضل، وموضوعا هذا الموضع من المزيّة، وبالغا هذا المبلغ من الفضيلة، كان حري بأن توقظ له الهمم، وتوكّل به النفوس، وتحرّك له الأفكار، وتستخدم فيه الخواطر، وكان «٤» العاقل جديرا أن لا يرضى من نفسه بأن
стр. 58
يجد فيه سبيلا إلى مزيّة علم، وفضل استبانة، وتلخيص حجّة «١»، وتحرير دليل، ثمّ يعرض عن ذلك صفحا، ويطوي دونه كشحا «٢»، وأن يربأ بنفسه «٣»، وتدخل عليه الأنفة من أن يكون في سبيل المقلّد الذي لا يبتّ حكما، ولا يقتل الشيء علما، ولا يجد ما يبرئ من الشبهة، ويشفى غليل الشاكّ، وهو يستطيع أن يرتفع عن هذه المنزلة، ويباين من هو بهذه الصفة، فإنّ ذلك دليل ضعف الرأي وقصر الهمّة ممن يختاره ويعمل عليه.
اعلم أن ليس «النّظم» إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه «علم النحو»، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك، فلا تخلّ بشيء منها.
وذلك أنا لا نعلم شيئا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه، فينظر في «الخبر» إلى الوجوه التي تراها في قولك: «زيد منطلق» و «زيد ينطلق»، و «ينطلق زيد» و «منطلق زيد»، و «زيد المنطلق» و «المنطلق زيد» و «زيد هو المنطلق»، و «زيد هو منطلق».
وفي «الشرط والجزاء» إلى الوجوه التي تراها في قولك: «إن تخرج أخرج» و «إن خرجت خرجت» و «إن تخرج فأنا خارج» و «أنا خارج إن خرجت» و «أنا إن خرجت خارج».
وفي «الحال» إلى الوجوه التي تراها في قولك: «جاءني زيد مسرعا»، وجاءني يسرع»، و «جاءني وهو مسرع أو وهو يسرع» و «جاءني قد أسرع» و «جاءني وقد أسرع».
فيعرف لكلّ من ذلك موضعه، ويجيء به حيث ينبغي له.
وينظر في «الحروف» التي تشترك في معنى، ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية في ذلك المعنى، فيضع كلّا من ذلك في خاص معناه، نحو أن يجيء ب «ما» في نفس الحال، ب
«لا» إذا أراد نفي الاستقبال، وب «إن» فيما يترجح بين أن يكون وأن لا يكون، وب «إذا» فيما علم أنه كائن.
وينظر في «الجمل» التي تسرد، فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل،
стр. 59
ثم يعرف فيما حقّه الوصل موضع «الواو» من موضع «الفاء»، وموضع «الفاء» من موضع «ثم»، وموضع «أو» من موضع «أم»، وموضع «لكن» من موضع «بل».
ويتصرّف في التعريف، والتنكير، والتقديم، والتأخير، في الكلام كله، وفي الحذف، والتكرار، والإضمار، والإظهار، فيصيب بكلّ من ذلك مكانه، ويستعلمه على الصّحة وعلى ما ينبغي له.
هذا هو السبيل، فلست بواجد شيئا يرجع صوابه إن كان صوابا، وخطؤه إن كان خطأ إلى «النظم»، ويدخل تحت هذا الاسم، إلّا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه، ووضع في حقه، أو عومل بخلاف هذه المعاملة، فأزيل عن موضعه، واستعمل في غير ما ينبغي له، فلا ترى كلاما قد وصف بصحّة نظم أو فساده، أو وصف بمزيّة وفضل فيه، إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفساد وتلك المزية وذلك الفضل، إلى معاني النحو وأحكامه، ووجدته يدخل في أصل من أصوله، ويتّصل بباب من أبوابه.
هذه جملة لا تزداد فيها نظرا، إلا ازددت لها تصوّرا، وازدادت عندك صحة، وازددت بها ثقة. وليس من أحد تحرّكه لأن يقول في أمر «النظم» شيئا، إلا وجدته قد اعترف لك بها أو ببعضها، ووافق فيها درى ذلك أو لم يدر. ويكفيك أنّهم قد كشفوا عن وجه ما أردناه حيث ذكروا فساد «النظم»، فليس من أحد يخالف في نحو قول الفرزدق: [من الطويل]
وما مثله في النّاس إلّا مملّكا ... أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه «١»
وقول المتنبي: [من الكامل]
ولذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنّها عمل السّيوف عوامل «٢»
وقوله: [من الكامل]
الطّيب أنت إذا أصابك طيبه، ... والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل «٣»
стр. 60
وقوله: [من الطويل]
وفاؤكما كالرّبع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا، والدّمع أشفاه ساجمه «١»
وقول أبو تمام: [من الكامل]
ثانيه كبد السّماء، ولم يكن ... كاثنين ثان إذ هما في الغار «٢»
وقوله: [من البسيط]
يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعا ... من راحتيك درى ما الصّاب والعسل «٣»
وفي نظائر ذلك «٤» مما وصفوه بفساد النظم، وعابوه من جهة سوء التأليف، أن الفساد والخلل كانا من أن تعاطى الشاعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير الصواب، وصنع في تقديم أو تأخير، أو حذف وإضمار، أو غير ذلك مما ليس له أن يصنعه، وما لا يسوغ ولا يصحّ على أصول هذا العلم. وإذا ثبت أن سبب فساد النظم واختلاله، أن لا يعمل بقوانين هذا الشأن، ثبت أنّ سبب صحّته أن يعمل عليها، ثم إذا ثبت أنّ مستنبط صحّته وفساده من هذا العلم، ثبت أن الحكم كذلك في مزيّته والفضيلة التي تعرض فيه، وإذا ثبت جميع ذلك، ثبت أن ليس هو شيئا غير توخّي معاني هذا العلم وأحكامه فيما بين الكلم، والله الموفق للصواب.
وإذ قد عرفت ذلك، فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن، وتشاهدوا له بالفضل، ثمّ جعلوه كذلك من أجل «النظم» خصوصا، دون غيره مما يستحسن له الشعر أو غير الشعر، من معنى لطيف أو حكمة أو أدب أو استعارة أو تجنيس أو غير ذلك مما لا يدخل في النظم، وتأمّله، فإذا رأيتك قد ارتحت واهتززت واستحسنت، فانظر إلى حركات الأريحيّة ممّ كانت؟ وعند ماذا ظهرت؟ فإنك ترى عيانا أن الذي قلت لك كما قلت. اعمد إلى قول البحتري: [من المتقارب]
стр. 61
بلونا ضرائب من قد نرى ... فما إن رأينا لفتح ضريبا
هو المرء أبدت له الحادثا ... ت عزما وشيكا ورأيا صليبا
تنقّل في خلقي سؤدد ... سماحا مرجّا وبأسا مهيبا
فكالسّيف إن جئته صارخا، ... وكالبحر إن جئته مستثيبا «١»
فإذا رأيتها قد راقتك وكثرت عندك، ووجدت لها اهتزازا في نفسك، فعد فانظر في السبب واستقص في النظر، فإنك تعلم ضرورة أن ليس إلا أنه قدّم وأخّر، وعرّف ونكّر، وحذف وأمر، وأعاد وكرّر، وتوخّى على الجملة وجها من الوجوه التي يقتضيها «علم النحو»، فأصاب في ذلك كله، ثم لطّف موضع صوابه، وأتى مأتى يوجب الفضيلة.
أفلا ترى أن أول شيء يروقك منها قوله: «هو المرء أبدت له الحادثات»، ثم قوله: «تنقّل في خلقي سؤدد» بتنكير «السؤدد» وإضافة «الخلقين» إليه، ثم قوله:
«فكالسيف» وعطفه بالفاء مع حذفه المبتدأ، لأن المعنى لا محالة: فهو كالسيف ثم تكريره «الكاف» في قوله: «وكالبحر»، ثم أن قرن إلى كل واحد من التشبيهين شرطا جوابه فيه، ثم أن أخرج من كل واحد من الشرطين حالا على مثال ما أخرج من الآخر، وذلك قوله «صارخا» هناك «ومستثيبا» هاهنا؟ لا ترى حسنا تنسبه إلى النظم ليس سببه ما عددت، أو ما هو في حكم ما عددت، فاعرف ذلك.
وإن أردت أظهر أمرا في هذا المعنى، فانظره إلى قول إبراهيم بن العباس:
فلو إذ نبا دهر، وأنكر صاحب، ... وسلّط أعداء، وغاب نصير
تكون عن الأهواز داري بنجوة، ... ولكن مقادير جرت وأمور
وإنّي لأرجو بعد هذا محمّدا ... لأفضل ما يرجى أخ ووزير «٢»
فإنك ترى ما ترى من الرّونق والطّلاوة، ومن الحسن والحلاوة، ثم تتفقّد السبب في ذلك، فتجده إنّما كان من أجل تقديمه الظرف الذي هو «إذ نبا» على
стр. 62
عامله الذي هو «تكون»، وأن لم يقل: فلو تكون عن الأهواز داري بنجوة إذ نبا دهر، ثم أن ساق هذا التنكير في جميع ما أتى به من بعد، ثم أن قال: «وأنكر صاحب» ولم يقل: وأنكرت صاحبا، لا ترى في البيتين الأوّلين شيئا غير الذي عددته لك تجعله حسنا في «النظم»، وكله من معاني النحو كما ترى. وهكذا السبيل أبدا في كل حسن ومزية رأيتهما قد نسبا إلى «النظم»، وفضل، وشرف أحيل فيهما عليه.
فصل «في أن هذه المزايا في النظم، بحسب المعاني والأغراض التي تؤمّ» .
وإذ قد عرفت أنّ مدار أمر «النظم» على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه، فاعلم أنّ الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازديادا بعدها، ثمّ اعلم أن ليست المزيّة بواجبة لها في أنفسها، ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض.
تفسير هذا: أنه ليس إذا راقك التنكير في «سؤدد» «١» من قوله «تنقّل في خلقي سؤدد»، وفي «دهر» من قوله: «فلو إذ نبا دهر»، فإنه يجب أن يروقك أبدا وفي كل شيء، ولا إذا استحسنت لفظ ما لم يسمّ فاعله في قوله «وأنكر صاحب»، فإنه ينبغي أن لا تراه في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك هاهنا، بل ليس من فضل ومزيّة إلا بحسب الموضع، وبحسب المعنى الذي تريد والغرض الذي تؤمّ. وإنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقوش، فكما أنك ترى الرجل قد تهدّى في الأصباغ التي عمل منها الصّورة والنقش في ثوبه الذي نسج، إلى ضرب من التخيّر والتدبّر في أنفس الأصباغ وفي مواقعها ومقاديرها وكيفية مزجه لها وترتيبه إياها،
إلى ما لم يتهدّ إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، كذلك حال الشاعر والشاعر في توخّيهما معاني النّحو ووجوهه التي علمت أنها محصول «النّظم».
واعلم أنّ من الكلام ما أنت ترى المزيّة في نظمه والحسن، كالأجزاء من الصّبغ تتلاحق وينضمّ بعضها إلى بعض حتى تكثر في العين، فأنت لذلك لا تكبر شأن
стр. 63
صاحبه، ولا تقضي له بالحذق والأستاذية وسعة الذّرع وشدة المنّة «١»، حتى تستوفي القطعة وتأتي على عدة أبيات. وذلك ما كان من الشعر في طبقة ما أنشدتك من أبيات البحتري، ومنه ما أنت ترى الحسن يهجم عليك منه دفعة، ويأتيك منه ما يملأ العين ضربة، حتى تعرف من البيت الواحد مكان الرجل من الفضل، وموضعه من الحذق، وتشهد له بفضل المنّة وطول الباع، وحتى تعلم، إن لم تعلم القائل، أنّه من قيل شاعر فحل، وأنه خرج من تحت يد صناع، وذلك ما إذا أنشدته وضعت فيه اليد على شيء فقلت: هذا، هذا! وما كان كذلك فهو الشّعر الشاعر، والكلام الفاخر، والنّمط العالي الشريف، والذي لا تجده إلّا في شعر الفحول البزّل «٢»، ثم المطبوعين الذين يلهمون القول إلهاما.
ثم إنّك تحتاج إلى أن تستقري عدّة قصائد، بل أن تفلي «٣» ديوانا من الشعر، حتى تجمع منه عدّة أبيات. وذلك ما كان مثل قول الأوّل، وتمثّل به أبو بكر الصّدّيق رضوان الله عليه حين أتاه كتاب خالد بالفتح في هزيمة الأعاجم: [من الوافر]
تمنّانا ليلقانا بقوم ... تخال بياض لأمهم السّرابا
فقد لاقيتنا فرأيت حربا ... عوانا تمنع الشّيخ الشرابا «٤»
انظر إلى موضع «الفاء» في قوله:
فقد لاقيتنا فرأيت حربا ومثل قول العباس بن الأحنف: [من البسيط]
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا، ... ثمّ القفول، فقد جئنا خراسانا «٥»
стр. 64
انظر إلى موضع «الفاء» و «ثم» قبلها.
ومثل قول ابن الدّمينة: [من الطويل]
أبيني أفي يمنى يديك جعلتني ... فأفرح، أم صيّرتني في شمالك
أبيت كأنّي بين شقّين من عصا ... حذار الرّدى، أو خيفة من زيالك
تعاللت كي أشجى، وما بك علّة، ... تريدين قتلي قد ظفرت بذلك «١»
انظر إلى الفصل والاستئناف في قوله: «تريدين قتلي، قد ظفرت بذلك».
ومثل قول أبي حفص الشّطرنجيّ، وقال على لسان عليّة أخت الرّشيد، وقد كان الرشيد عتب عليها: [من البسيط]
لو كان يمنع حسن الفعل صاحبه ... من أن يكون له ذنب إلى أحد
كانت عليّة أبرى النّاس كلّهم ... من أن تكافا بسوء آخر الأبد
ما أعجب الشّيء ترجوه فتحرمه! قد كنت أحسب أنّي قد ملأت يدي «٢» انظر إلى قوله: «قد كنت أحسب» وإلى مكان هذا الاستئناف.
ومثل قول أبي دؤاد: [من الخفيف]
ولقد أغتدي يدافع ركني ... أحوذي ذو ميعة إضريج «٣»
سلهب شرجب، كأنّ رماحا ... حملته، وفي السّراة دموج «٤»
стр. 65
انظر إلى التنكير في قوله «كأن رماحا».
ومثل قول ابن البواب: [من مجزوء الوافر]
أتيتك عائذا بك من ... ك لمّا ضاقت الحيل
وصيّرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل
فإن سلمت لكم نفسي ... فما لاقيته جلل
وإن قتل الهوى رجلا، ... فإني ذلك الرّجل «١»
انظر إلى الإشارة والتعريف في قوله: «فإني ذلك الرجل».
ومثل قول عبد الصمد: [من السريع]
مكتئب ذو كبد حرّى ... تبكي عليه مقلة عبرى
يرفع يمناه إلى ربّه ... يدعو، وفوق الكبد اليسرى «٢»
انظر إلى لفظة: «يدعو» وإلى موقعها.
ومثل قول جرير: [من الكامل]
لمن الدّيار ببرقة الرّوحان ... إذ لا نبيع زماننا بزمان
صدع الغواني؛ إذ رمين، فؤاده ... صدع الزّجاجة، ما لذاك تدان «٣»
انظر إلى قوله: «ما لذاك تدان»، وتأمّل حال هذا الاستئناف.
ليس من بصير عارف بجوهر الكلام، حسّاس متفهّم لسرّ هذا الشأن، ينشد أو يقرأ هذه الأبيات، إلّا لم يلبث أن يضع يده في كل بيت منها على الموضع الذي أشرت إليه، يعجب ويعجّب ويكبر شأن المزيّة فيه والفضل.
стр. 66
فصل «في النظم يتّحد في الوضع، ويدقّ فيه الصّنع»
واعلم أنّ ممّا هو أصل في أن يدقّ النظر، ويغمض المسلك، في توخّي المعاني التي عرفت: أن تتّحد أجزاء الكلام ويدخل بعضها في بعض، ويشتدّ ارتباط ثان منها بأوّل، وأن تحتاج في الجملة إلى أن تضعها في النفس وضعا واحدا، وأن يكون حالك فيها حال الباني يضع بيمينه هاهنا في حال ما يضع بيساره هناك. نعم.
وفي حال ما يبصر مكان ثالث ورابع يضعهما بعد الأوّلين. وليس لما شأنه أن يجيء على هذا الوصف حدّ يحصره، وقانون يحيط به، فإنه يجيء على وجوه شتّى، وأنحاء مختلفة.
فمن ذلك أن تزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء معا، كقول البحتري: [من الطويل]
إذا ما نهى النّاهي فلجّ بي الهوى، ... أصاخت إلى الواشي فلجّ بها الهجر «١»
وقوله: [من الطويل]
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها، ... تذكّرت القربى ففاضت دموعها «٢»
فهذا نوع.
ونوع منه آخر، قول سليمان بن داود القضاعيّ: [من الوافر]
فبينا المرء في علياء أهوى، ... ومنحطّ أتيح له اعتلاء
وبينا نعمة إذ حال بؤس، ... وبؤس إذ تعقّبه ثراء
ونوع ثالث وهو ما كان كقول كثير: [من الطويل]
وإنّي وتهيامي بعزّة بعد ما ... تخلّيت ممّا بيننا وتخلّت
لكالمرتجى ظلّ الغمامة كلّما ... تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت «٣»
وكقول البحتري: [من الطويل]
стр. 67
لعمرك إنّا والزّمان كما جنت ... على الأضعف الموهون عادية الأقوى «١»
ومنه «التقسيم»، وخصوصا إذا قسّمت ثم جمعت، كقول حسان: [من البسيط]
قوم إذا حاربوا ضرّوا عدوّهم ... أو حاولوا النّفع في أشياعهم نفعوا
سجيّة تلك منهم غير محدثة، ... إنّ الخلائق، فاعلم، شرّها البدع «٢»
ومن ذلك، وهو شيء في غاية الحسن، قول القائل: [من البسيط]
لو أنّ ما أنتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائما أبدا
لكن رأيت اللّيالي غير تاركة ... ما سرّ من حادث أو ساء مطّردا
فقد سكنت إلى أنّي وأنّكم ... سنستجدّ خلاف الحالتين غدا «٣»
قوله: «سنستجد خلاف الحالتين غدا»، جمع فيما قسّم لطيف، وقد ازداد لطفا بحسن ما بناه عليه، ولطف ما توصّل به إليه من قوله: «فقد سكنت إلى أنّي وأنّكم».
وإذ قد عرفت هذا النّمط من الكلام، وهو ما تتّحد أجزاؤه حتى يوضع وضعا واحدا، فاعلم أنه النّمط العالي والباب الأعظم، والذي لا ترى سلطان المزيّة يعظم في شيء كعظمه فيه.
ومما ندر- منه ولطف مأخذه، ودقّ نظر واضعه، وجلّى لك معن شأو قد تحسر دونه العتاق «٤»، وغاية يعيا من قبلها المذاكي «٥» القرّح «٦» - الأبيات المشهورة في تشبيه شيئين بشيئين، كبيت امرئ القيس: [من الكامل]
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالي «٧»
стр. 68
وبيت الفرزدق: [من الكامل]
والشّيب ينهض في الشّباب كأنّه ... ليل يصيح بجانبيه نهار «١»
وبيت بشّار: [من الطويل]
كأنّ مثار النّقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا، ليل تهاوى كواكبه «٢»
ومما أتى في هذا الباب مأتى أعجب مما مضى كله، قول زياد الأعجم: [من الطويل]
وإنّا وما تلقي لنا إن هجوتنا ... لكالبحر، مهما يلق في البحر يغرق «٣»
وإنما كان أعجب، لأن عمله أدقّ، وطريقه أغمض، ووجه المشابكة فيه أغرب.
واعلم أنّ من الكلام ما أنت تعلم إذا تدبرته أن لم يحتج واضعه إلى فكر ورويّة حتى انتظم، بل ترى سبيله في ضمّ بعضه إلى بعض، سبيل من عمد إلى لآل فخرطها في سلك، لا يبغي أكثر من أن يمنعها التفرّق، وكمن نضد أشياء بعضها على بعض، لا يريد في نضده ذلك أن تجيء له منه هيئة أو صورة، بل ليس إلا أن تكون مجموعة في رأي العين. وذلك إذا كان معناك، معنى لا تحتاج أن تصنع فيه شيئا غير أن تعطف لفظا على مثله، كقول الجاحظ:
стр. 69
«جنّبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة نسبا، وبين الصّدق سببا، وحبّب إليك التثبّت، وزيّن في عينك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التّقوى، وأشعر قلبك عزّ الحق، وأودع صدرك برد اليقين، وطرد عنك ذلّ اليأس، وعرّفك ما في الباطل من الذّلة، وما في الجهل من القلّة» «١».
وكقول بعضهم: «لله درّ خطيب قام عندك، يا أمير المؤمنين، ما أفصح لسانه، وأحسن بيانه، وأمضى جنانه، وأبلّ ريقه، وأسهل طريقه».
ومثل قول النابغة في الثناء المسجوع: «أيفاخرك الملك اللّخمي، فو الله لقفاك خير من وجهه، ولشمالك خير من يمينه، ولأخمصك خير من رأسه، ولخطؤك خير من صوابه، ولعيّك خير من كلامه، ولخدمك خير من قومه».
وكقول بعض البلغاء في وصف اللسان: «اللّسان أداة يظهر بها حسن البيان، وظاهر يخبر عن الضمير، وشاهد ينبئك عن غائب، وحاكم يفصل به الخطاب، وواعظ ينهى عن القبيح، ومزيّن يدعو إلى الحسن، وزارع يحرث المودّة، وحاصد يحصد الضّغينة، ومُلهٍ يونق الأسماع».
فما كان من هذا وشبهه لم يجب به فضل إذا وجب، إلّا بمعناه أو بمتون ألفاظه، دون نظمه وتأليفه، وذلك لأنه لا فضيلة حتى ترى في الأمر مصنعا، وحتى تجد إلى التخيّر سبيلا، وحتى تكون قد استدركت صوابا.
فإن قلت: أفليس هو كلاما قد اطّرد على الصواب، وسلم من العيب؟ أفما يكون في كثرة الصواب فضيلة؟
قيل: أمّا والصواب كما ترى فلا. لأنا لسنا في ذكر تقويم اللسان، والتحرّز من اللحن وزيغ الإعراب، فنعتدّ بمثل هذا الصواب. وإنما نحن في أمور تدرك بالفكر اللطيفة، ودقائق يوصل إليها بثاقب الفهم، فليس درك صواب دركا فيما نحن فيه حتّى يشرف موضعه ويصعب الوصول إليه، وكذلك لا يكون ترك خطاء تركا حتى يحتاج في التحفّظ منه إلى لطف نظر، وفضل رويّة، وقوّة ذهن، وشدة تيقّظ. وهذا باب ينبغي أن تراعيه وأن تعنى به، حتى إذا وازنت بين كلام وكلام دريت كيف تصنع، فضممت إلى كلّ شكل شكله، وقابلته بما هو نظير له، وميّزت ما الصنعة منه في لفظه، ممّا هي منه في نظمه.
واعلم أن هذا- أعني الفرق بين أن تكون المزية في اللفظ، وبين أن تكون في النّظم- باب يكثر فيه الغلط، فلا تزال ترى مستحسنا قد أخطأ بالاستحسان موضعه،
стр. 70
فينحل اللّفظ ما ليس له، ولا تزال ترى الشّبهة قد دخلت عليك في الكلام قد حسن من لفظه ونظمه، فظننت أن حسنه ذلك كلّه للّفظ منه دون النظم.
مثال ذلك: أن تنظر إلى قول ابن المعتز: [من الطويل]
وإنّي على إشفاق عيني من العدى ... لتجمح منّي نظرة ثمّ أطرق «١»
فترى أنّ هذه الطّلاوة وهذا الظرف، إنما هو لأن جعل النّظر «يجمح» وليس هو لذلك، بل لأن قال في أول البيت «وإنّي» حتى دخل اللّام في قوله «لتجمح»، ثم قوله: «منّي» ثم لأن قال «نظرة» ولم يقل «النّظر» مثلا، ثم لمكان «ثم» في قوله:
«ثم أطرق»، وللطيفة أخرى نصرت هذه اللطائف، وهي اعتراضه بين اسم «إن» وخبرها بقوله: «على إشفاق عيني من العدى».
وإن أردت أعجب من ذلك فيما ذكرت لك، فانظر إلى قوله، وقد تقدم إنشاده قبل: [من البسيط]
سالت عليه شعاب الحيّ حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدّنانير «٢»
فإنك ترى هذه الاستعارة، على لطفها وغرابتها، إنما تمّ لها الحسن وانتهى إلى حيث انتهى، بما توخّى في وضع الكلام من التقديم والتأخير، وتجدها قد ملحت ولطفت بمعاونة ذلك ومؤازرته لها. وإن شككت فاعمد إلى الجارّين والظرف، فأزل كلّا منها من مكانه الذي وضعه الشاعر فيه، فقل: «سالت شعاب الحيّ بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره»، ثم انظر كيف يكون الحال، وكيف يذهب الحسن والحلاوة؟
وكيف تعدم أريحيّتك التي كانت؟ وكيف تذهب النّشوة التي كنت تجدها؟.
وجملة الأمر أن هاهنا كلاما حسنه للّفظ دون النظم، وآخر حسنه للنظم دون اللفظ، وثالثا قد أتاه الحسن من الجهتين، ووجبت له المزيّة بكلا الأمرين. والإشكال في هذه الثالث، وهو الذي لا تزال ترى الغلط قد عارضك فيه، وتراك قد حفت فيه «٣» على النّظم، فتركته وطمحت ببصرك إلى اللفظ، وقدّرت في حسن كان به وباللّفظ، أنه للّفظ خاصة. وهذا هو الذي أردت حين قلت لك: «إن في الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلّا من بعد العلم بالنظم والوقوف على حقيقته».
стр. 71
ومن دقيق ذلك وخفيّه، أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم: ٤]، لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم ينسبوا الشرف إلا إليها، ولم يروا للمزيّة موجبا سواها. هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم. وليس الأمر على ذلك، ولا هذا الشرف العظيم، ولا هذه المزيّة الجليلة، وهذه الرّوعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرّد الاستعارة، ولكن لأن سلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء، وهو لما هو من سببه، فيرفع به ما يسند إليه، ويؤتى بالذي الفعل له في المعنى منصوبا بعده، مبيّنا أن ذلك الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأوّل، إنّما كانا من أجل هذا الثاني، ولما بينه وبينه من الاتصال والملابسة، كقولهم: «طاب زيد نفسا»، و «قرّ عمرو عينا»، و «تصبّب عرقا»، و «كرم أصلا»، و «حسن وجها»، وأشباه ذلك مما تجد الفعل فيه منقولا عن الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه.
وذلك أنّا نعلم أنّ «اشتعل» للشيب في المعنى، وإن كان هو للرأس في اللّفظ، كما أن «طاب» للنفس، و «قرّ» للعين، و «تصبّب» للعرق، وإن أسند إلى ما أسند إليه. يبيّن أنّ الشرف كان لأن سلك فيه هذا المسلك، وتوخّي به هذا لمذهب أن تدع هذا الطريق فيه، وتأخذ اللّفظ فتسنده إلى الشيب صريحا فتقول: «اشتعل شيب الرأس»، أو «الشيب في الرأس»، ثم تنظر هل تجد ذلك الحسن وتلك الفخامة؟ وهل ترى الرّوعة التي كنت تراها؟
فإن قلت: فما السبب في أن كان «اشتعل» إذا استعير للشيب على هذا الوجه، كان له الفضل؟ ولم بان بالمزية من الوجه الآخر هذه البينونة؟
فإنّ السبب أنه يفيد، مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو أصل المعنى، الشمول، وأنه قد شاع فيه، وأخذه من نواحيه، وأنه قد استغرقه وعمّ جملته، حتى لم يبق من السواد شيء، أو لم يبق منه إلا ما لا يعتدّ به. وهذا ما لا يكون إذا قيل:
«اشتعل شيب الرأس، أو الشيب في الرأس»، بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه على الجملة. ووزان هذا أنك تقول: «اشتعل البيت نارا» فيكون المعنى: أن النار قد وقعت فيه وقوع الشّمول، وأنها قد استولت عليه وأخذت في طرفيه ووسطه. وتقول: «اشتعلت النار في البيت»، فلا يفيد ذلك، بل لا يقتضي أكثر من وقوعها فيه، وإصابتها جانبا منه. فأما الشمول، وأن تكون قد استولت على البيت وابتزّته، فلا يعقل من اللفظ البتة.
ونظير هذا في التنزيل قوله : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [القمر: ١٢]،
стр. 72
«التفجير» للعيون في المعنى، وأوقع على الأرض في اللفظ، كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس. وقد حصل بذلك من معنى الشّمول هاهنا، مثل الذي حصل هناك. وذلك أنه قد أفاد أنّ الأرض قد كانت صارت عيونا كلّها، وأن الماء قد كان يفور من كل مكان منها. ولو أجري اللفظ على ظاهره فقيل: «وفجّرنا عيون الأرض، أو العيون في الأرض»، لم يفد ذلك ولم يدلّ عليه، ولكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرّقة في الأرض، وتبجّس من أماكن منها.
واعلم أنّ في الآية الأولى شيئا آخر من جنس «النظم»، وهو تعريف «الرأس» بالألف واللام، وإفادة معنى الإضافة من غير إضافة، وهو أحد ما أوجب المزيّة. ولو قيل: «واشتعل رأسي»، فصرّح بالإضافة، لذهب بعض الحسن، فاعرفه.
وأنا أكتب لك شيئا مما سبيل «الاستعارة» فيه هذا السبيل، ليستحكم هذا الباب في نفسك، ولتأنس به.
فمن عجيب ذلك قول بعض الأعراب: [من الرجز]
اللّيل داج كنفا جلبابه ... والبين محجور على غرابه
ليس كلّ ما ترى من الملاحة لأن جعل للّيل جلبابا، وحجر على الغراب، ولكن في أن وضع الكلام الذي ترى، فجعل «الليل» مبتدأ، وجعل «داج» خبرا له وفعلا لما بعده وهو «الكنفان»، وأضاف «الجلباب» إلى ضمير «الليل»، ولأن جعل كذلك «البين» مبتدأ، وأجرى محجورا خبرا عنه، وأن أخرج اللفظ على «مفعول». يبيّن ذلك أنك لو قلت: «وغراب البيت محجور عليه، أو: قد حجر لي غراب البيت»، لم تجد له هذه الملاحة. وكذلك لو قلت: «قد دجا كنفا جلباب الليل»، لم يكن شيئا.
ومن النادر فيه قول المتنبي: [من الخفيف]
غصب الدّهر والملوك عليها ... فبناها في وجنة الدّهر خالا «١»
стр. 73
قد ترى في أوّل الأمر أنّ حسنه أجمع في أن جعل للدهر «وجنة»، وجعل البنيّة «خالا» في الوجنة، وليس الأمر على ذلك، فإن موضع الأعجوبة في أن أخرج الكلام مخرجه الذي ترى، وأن أتى «بالخال» منصوبا على الحال من قوله «فبناها». أفلا ترى أنك لو قلت: «وهي خال في وجنة الدهر»، لوجدت الصورة غير ما ترى؟ وشبيه بذلك أنّ ابن المعتز قال: [من المجتث]
يا مسكة العطّار ... وخال وجه النهار «١»
وكانت الملاحة في الإضافة بعد الإضافة، لا في استعارة لفظة «الخال»؛ إذ معلوم أنه لو قال: «يا خالا في وجه النهار» أو «يا من هو خال في وجه النهار»، لم يكن شيئا.
ومن شأن هذا الضّرب أن يدخله الاستكراه، قال الصاحب «٢»: «إياك والإضافات المداخلة، فإن ذلك لا يحسن»، وذكر أنه يستعمل في الهجاء كقول القائل: [من الخفيف]
يا عليّ بن حمزة بن عماره ... أنت والله ثلجة في خياره «٣»
ولا شبهة في ثقل ذلك في الأكثر، ولكنه إذا سلم من الاستكراه لطف وملح.
ومما حسن فيه قول ابن المعتز أيضا: [من الطويل]
وظلّت تدير الرّاح أيدي جآذر ... عتاق دنانير الوجوه ملاح «٤»
ومما جاء منه حسنا جميلا قول الخالديّ في صفة غلام له: [من المنسرح]
стр. 74
ويعرف الشّعر مثل معرفتي ... وهو على أن يزيد مجتهد
وصيرفيّ القريض، وزّان دينا ... ر المعاني الدّقاق، منتقد «١»
ومنه قول أبي تمام: [من الكامل]
خذها ابنة الفكر المهذّب في الدّجى ... واللّيل أسود رقعة الجلباب «٢»
ومما أكثر الحسن فيه بسبب النظم، قول المتنبي: [من الطويل]
وقيّدت نفسي في ذراك محبّة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيّدا «٣»
الاستعارة في أصلها مبتذلة معروفة، فإنك ترى العامّي يقول للرجل يكثر إحسانه إليه وبرّه له، حتى يألفه ويختار المقام عنده: «قد قيّدني بكثرة إحسانه إليّ، وجميل فعله معي، حتى صارت نفسي لا تطاوعني على الخروج من عنده»، وإنما كان ما ترى من الحسن، بالمسلك الذي سلك في النّظم والتأليف.
فصل «القول في التقديم والتأخير»
هو باب كثير الفوائد، جمّ المحاسن، واسع التصرّف، بعيد الغاية، لا يزال يفترّ لك عن بديعة، ويفضي بك إلى لطيفة، ولا تزال ترى شعرا يروقك مسمعه، ويلطف
стр. 75
لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك، أن قدّم فيه شيء، وحوّل اللّفظ عن مكان إلى مكان.
واعلم أن تقديم الشيء على وجهين:
تقديم يقال إنه على نيّة التأخير، وذلك في كل شيء أقررته مع التقديم على حكمه الذي كان عليه، وفي جنسه الذي كان فيه، كخبر المبتدأ إذا قدمته على المبتدأ، والمفعول إذا قدّمته على الفاعل كقولك: «منطلق زيد» و «ضرب عمرا زيد»، معلوم أنّ «منطلق» و «عمرا» لم يخرجا بالتقديم عمّا كانا عليه، من كون هذا خبر مبتدأ ومرفوعا بذلك، وكون ذلك مفعولا ومنصوبا من أجله «١»، كما يكون إذا أخّرت.
وتقديم لا على نية التأخير، ولكن على أن تنقل الشيء عن حكم إلى حكم، وتجعل له بابا غير بابه، وإعرابا غير إعرابه، وذلك أن تجيء إلى اسمين يحتمل كلّ واحد منهما أن يكون مبتدأ ويكون الآخر خبرا له، فتقدّم تارة هذا على ذاك، وأخرى ذاك على هذا. ومثاله ما تصنعه بزيد والمنطلق، حيث تقول مرة: «زيد المنطلق»، وأخرى، «المنطلق زيد»، فأنت في هذا لم تقدم «المنطلق» على أن يكون متروكا على حكمه الذي كان عليه مع التأخير، فيكون خبر مبتدأ كما كان، بل على أن تنقله عن كونه خبرا إلى كونه مبتدأ، وكذلك لم تؤخر «زيدا» على أن يكون مبتدأ كما كان، بل على أن تخرجه عن كونه مبتدأ إلى كونه خبرا.
وأظهر من هذا قولنا: «ضربت زيدا» و «زيد ضربته»، لم تقدم «زيدا» على أن يكون مفعولا منصوبا بالفعل كما كان، ولكن على أن ترفعه بالابتداء، وتشغل الفعل بضميره، وتجعله في موضع الخبر له؛ وإذ قد عرفت هذا التقسيم، فإني أتبعه بجملة من الشّرح.
واعلم أنّا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئا يجري مجرى الأصل، غير العناية والاهتمام. قال صاحب الكتاب «٢»، وهو يذكر الفاعل والمفعول: «كأنهم يقدّمون الذي بيانه أهمّ لهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعا يهمّانهم ويعنيانهم»، ولم يذكر في ذلك مثالا.
وقال النحويون: إن معنى ذلك أن قد يكون من أغراض الناس في فعل ما أن يقع