Полный текст (104 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
شرح مقاييس نقد متون السنة - تدوين السنة
السنة هي المبينة للقرآن، وفيها أحكام لم تذكر في القرآن، وهي المصدر الثاني للتشريع؛ ولذا اهتم العلماء بتدوينها، فأفنوا أعمارهم في حفظها، وتمييز صحيحها من سقيمها، وبيان أحوال رواتها بما ليس له نظير في تاريخ البشرية جمعاء.
стр. 2
علاقة السنة بالقرآن
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: إخوتي الكرام: ما زلنا في شرح كتاب (نقد متون السنة) لشيخنا الفاضل: مسفر بن غرم الله الدميني، وقد تكلمنا عن أهمية السنة، وعلاقة السنة بالقرآن، وكيف أن الله جلا وعلا جند جنوداً لحفظ هذه السنة الغراء، وأن كل الأئمة أنفقوا الغالي والنفيس من أجل حفظ سنة النبي ﷺ ، وبينّا أن السنة والقرآن بينهما علاقة وطيدة، فالسنة مفسرة ومبينة لمجملات القرآن.
فمثلاً: قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فكيف نقيم الصلاة؟ وفي أي وقت نقيم الصلاة؟ مع أن القرآن أشار إشارات إلى الوقت التي تقام فيه الصلاة فقال الله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، فدلوك الشمس وغسق الليل تكون فيه صلاة الظهر إلى العشاء، وقرآن الفجر هو صلاة الفجر، لكن التوقيت كله جاء في السنة.
وكذلك السنة مقيدة لمطلق القرآن، مثلاً: قال الله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] فبينت السنة محل قطع اليد.
وكذلك السنة مخصصة لعموم القرآن، فمثلاً قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥]، فالألف واللام للعموم، فتكون كل البيوع قد أحلها الله وحرم الربا، وجاءت السنة تخصص من هذا العموم بعض البيوع مثل بيوع الغرر، وبيع المرء ما ليس عنده، فهي حرام.
وأيضاً: للسنة أحكام مستقلة، مثل تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، وتحريم الحمر الأهلية، ومثل سنن الوضوء كالاستنشاق والمضمضة، وحرمة الجمع بين المرأة وعمتها, وبين المرأة وخالتها.
стр. 3
حكم تدوين السنة
أختلف العلماء في حكم تدوين السنة هل كانت مباحة وجائزة أم كانت محرمة؟ على قولين: القول الأول: أنها كانت غير جائزة.
واستدلوا على ذلك بأدلة منها حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: (لا تكتبوا عني غير القرآن).
وعن أبي هريرة وزيد وأنس أن النبي ﷺ (نهى عن كتابة السنة؛ خشية أن تختلط بالقرآن).
وجاء عن عمر بن الخطاب أنه عندما تردد في كتابة السنة استخار الله كثيراً ثم قال: لم تطمئن نفسي أن تُكتب السنة.
القول الثاني وهو قول جمهور أهل العلم: أن كتابة السنة كانت مباحة.
واستدلوا على ذلك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه قال: (كنت أكتب حديث النبي ﷺ فلامتني قريش فقالوا لي: تكتب حديث النبي والنبي بشر يغضب كما يغضب البشر، ويعتريه النسيان كما يعتري البشر؟! قال: فذهبت إلى رسول الله فقصصت عليه ما قيل، فقال لي النبي ﷺ : اكتب، فوالله ما يخرج منه إلا الحق) يعني: ما يخرج من فم النبي ﷺ إلا الحق.
وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
وأيضاً في حديث أبي هريرة في الصحيح أنه كان يقول: ليس أحد من أصحاب رسول الله أكثر حديثاً مني غير ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب ولا أكتب.
وأيضاً قال النبي ﷺ : (اكتبوا لأبي شاه)، وهذه فيها دلالة على جواز كتابة ما قاله النبي ﷺ .
والصحيح الراجح أن مسألة الكتابة كانت أول الأمر ممنوعة خشية أن يختلط القرآن بالسنة، ولما حفظ الناس القرآن وعلم النبي ﷺ أنه لا يمكن أن تختلط السنة بالقرآن أباح لهم الكتابة.
стр. 4
بداية تدوين السنة
لقد حدث التدوين في القرون الخيرة الثلاثة، لكن كان متأخراً وليس في الزمن الأول، والذي اهتم بجمع السنة هو عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه الخليفة الراشد الخامس، فقد خشي على سنة النبي ﷺ فحث المحدثين على كتابة وتدوين سنة النبي ﷺ ، وكان أول من كتب أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس، وأسد بن فرات والدارمي وأيوب السختياني والحميدي، فكل هؤلاء كتبوا سنن النبي ﷺ ودونوها، ومنهم سعيد بن منصور وسننه مطبوعة بعضها، وأيضاً ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق ومعمر، فكل هؤلاء دونوا سنة النبي ﷺ ، والسنة الآن بفضل الله موجودة بين أيدينا.
стр. 5
أهمية تدوين سنة النبي ﷺ
لقد كان مهماً تدوين السنة؛ لأن الدخلاء كانوا كثر، وكانوا يدسون في حديث النبي ﷺ ما ليس منه؛ ليهدموا عقائد المسلمين، وقد ظهروا وقت الفتنة، وما سنحت لهم الفرصة إلا بعد مقتل عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه.
стр. 6
حكم رواية الحديث بالمعنى
هنا مسألة وهي: هل يجوز رواية الحديث بالمعنى أم لا؟
و
الجواب
إذا قلنا: إن التدوين كان متأخراً فإن الصدور لا تحفظ الألفاظ وتضبطها كل هذه السنين، فلا بد أن يعتري المحدث بعض الوهم وبعض النسيان، فيتذكر معنى الحديث فيروي معنى الحديث، ورواية الحديث بالمعنى قد اختلف فيها الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فـ ابن عمر ﵁ وأرضاه كان أشد الناس في تحريم رواية الحديث بالمعنى، حتى أنه إذا غير بعض الرواة لفظاً واحداً في الحديث قال: هذا كذب على رسول الله ﷺ .
قال سليمان بن مهران الأعمش: إن هذا العلم كان عند أقوام لأن يخر أحدهم من السماء خير لهم من أن يجعل واواً بدل الدال أو دالاً بدل الواو، بمعنى: أنهم يحفظون النص فينقلونه كما حفظوه.
واستدلوا على ذلك بأدلة منها: قول النبي ﷺ : (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها)، وهذا تنصيص على أن النضارة إنما تكون لمن يحفظ اللفظ ويؤديه كما حفظه من رسول الله ﷺ .
ويستدلون بحديث أوضح من ذلك وهو حديث البراء في دعاء النوم، وهو: (اللهم إني وجهت وجهي إليك، وأسلمت نفسي إليك -وفي آخره- آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت) فلما سمعه البراء بن عازب عرضه على النبي ﷺ وقال: (آمنت بكتابك الذي أنزلت، ورسولك الذي أرسلت)، فقال له النبي ﷺ : (لا، ونبيك الذي أرسلت)، فصحح له ما قاله، مع أن الرسول نبي وزيادة، فهو رواه بالمعنى، ومع ذلك فالنبي ﷺ رد عليه وقال: (لا، وبنبيك الذي أرسلت)، وهذه دلالة قوية جداً عن النبي ﷺ في رفض الرواية بالمعنى، ولا بد أن يأتي باللفظ.
وهذا القول يأخذ به الإمام مسلم؛ ولذلك تراه يدقق جداً في الألفاظ في صحيحه.
القول الثاني -وهو قول جمهرة أهل العلم من الصحابة والتابعين-: جواز رواية الحديث بالمعنى، وهذا الذي رجحه البخاري وقبله شيخه علي بن المديني.
ويحتجون على ذلك بأدلة منها: حديث أبي سعيد قال: كنا نكون العشرة عند رسول الله فنحفظ عنه الحديث، فيروي كل واحد منا الحديث فلا نتفق على لفظه.
فهذا صريح جداً، وظاهره أن الصحابة يحفظون الحديث وكل منهم يؤدي الحديث بالمعنى.
والراجح الصحيح أن رواية الحديث بالمعنى جائزة، وهذا الذي يظهر عملياً؛ لأن الحديث الواحد إذا تتبعت رواياته في الكتب الستة فقط فستجد أن رواية البخاري وتخالف رواية مسلم وتخالف رواية النسائي وتخالف رواية أبي داود تخالف رواية الترمذي، وهذه دلالة على أن الرواة حفظوا المعنى، ووعى كل واحد منهم المعنى بدقة، وكان عندهم فقه ولهم سليقة، فلا يحيلون المعنى، ولا يغيرون الأحكام، فالصحيح الراجح أن رواية المعنى صحيحة لا سيما الآن في عصرنا، فمن حفظ الحديث بالمعنى وقاله بالمعنى فقد أصاب.
والحديث القدسي المعنى فيه من الله واللفظ من رسول الله ﷺ ، فالنبي ﷺ يرويه بالمعنى.
وهنا سنبين بوضوح عملية رواية الحديث بالمعنى: فحديث: (دخل أعرابي المسجد فبال في ناحية المسجد، فقام الصحابة فكادوا يقتلونه، فقال لهم النبي ﷺ : لا تزرموه ولا تقطعوا عليه بوله، ثم قال: أهريقوا عليه سجلاً أو ذنوباً من ماء)، فسنتتبع هذه الرواية في الكتب الستة فقط، وننظر في الروايات كيف أداها الذين سمعوا هذا الحديث: فأما صحيح البخاري فالحديث فيه عن أنس بن مالك ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه).
وفي البخاري نفسه عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : (دعوه، وأهريقوا على بوله ذنوباً من ماء أو سجلاً من ماء).
وفي صحيح مسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (دعوه ولا تزرموه، قال: فلما فرغ -يعني فرغ من بوله- دعا بدلو من ماء فصبه عليه).
وفي مسلم أيضاً عن أنس قال: (فصاح به الناس، فقال رسول الله ﷺ : دعوه، فلما فرغ أمر رسول الله ﷺ بذنوب فصب على بوله).
وأيضاً عن أنس في رواية أخرى في الصحيح قال: قال رسول الله ﷺ (لا تزرموه دعوه).
وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة قال: (فلم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه فنهاهم النبي ﷺ وقال: إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، صبوا عليه سجلاً من ماء).
وهذه الجملة لم تذكر أصلاً في رواية من روايات الصحيح، وهذا يدل على أن الحديث روي بالمعنى.
وفي رواية قال: (صبوا عليه ذنوباً من ماء).
وفي سنن الترمذي عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : (أهريقوا عليه سجلاً من ماء أو دلواً من ماء).
وفي سنن النسائي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (دعوه ولا تزرموه، فلما فرغ دعا بدلوٍ فصبه عليه) وفي النسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (دعوه وأهريقوا على بوله دلواً من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين).
وفيه أيضاً عن أنس: (اتركوه، فتركوه حتى بال ثم أمر بدلو من ماء).
وفي سنن ابن ماجة قال النبي ﷺ : (لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه).
وأيضاً في سنن ابن ماجة عن واثلة بن الأسقع -وهو راو ثالث- قال: قال رسول الله ﷺ : (دعوه، ثم دعا بسجل من ماء فصب عليه).
فهذه الروايات في الكتب الستة فقط، فلا توجد رواية اتفقت مع رواية أخرى بنفس اللفظ، فالصحابة كل واحد منهم سمع رسول الله وعقل عنه، وكانت اللغة عندهم سليقة، وكانوا فقهاء، وتتوفر فيهم الشروط التي أشترطها العلماء في الرواية بالمعنى وهي: أن يكون عالماً باللغة العربية.
وأن يكون فقيهاً؛ حتى لا يغير الأحكام.
وأن يستوعب مضمون الحديث كله، ولا يحيل المعنى ولا الحكم.
فالصحيح الراجح أن رواية السنة بالمعنى جائزة، وفي هذا تيسير على كل أخ يخطب خطبة أو يتكلم كلمة، فنقول له: إذا رويت حديثاً بالمعنى فقد أصبت، ولا نحجر واسعاً؛ إذ إننا لو قلنا: لا تجوز الرواية إلا باللفظ، فإننا سنحرم على أي مدرس أو أي خطيب أو أوي متكلم يتكلم وينسب القول لرسول الله إلا بالنص عن رسول الله ﷺ ، وهذا فيه مشقة، لا سيما ونحن في عصر قل فيه الحفظ والعلم، فنسأل الله جل في علاه أن يجعلنا ممن قال النبي ﷺ فيهم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم).
стр. 7
حفظ الله السنة بالمحدثين قديماً وحديثاً
عندما دونت السنة دخل فيها كثير من الأحاديث الضعيفة، فلم تحفظ السنة حفظاً تاماً، بل إن الله جل وعلا قدر كوناً أن تدخل الأحاديث الضعيفة، وأن يدخل الدخلاء على أحاديث النبي ﷺ ، فوجدت أحاديث ضعيفة موضوعة؛ ليرفع الله أقواماً ويخفض آخرين، وقد تصدى لحفظ السنة الجهابذة الذين باعوا أنفسهم لله جل في علاه، فكل أوقاتهم كانت لله وبالله ومع الله ومع سنة النبي ﷺ ، ونذكر من المعاصرين الشيخ الألباني رحمة الله عليه، ولو تعلموا كيف كان يقضي وقته لدهشتم، ولعلمتم أن الله جند جنداً لحفظ سنة النبي ﷺ ، فـ الألباني رحمة الله عليه كان على الأقل يطالع ثمانِ عشرة ساعة؛ حتى يحفظ سنة النبي ﷺ .
قال بعض المقربين من الشيخ: كان الشيخ عنده مكتبة في غرفة البيت التي يدخل فيها، ولم يكن لها باب؛ خوفاً على وقته، بحيث إنه إذا دخل لا يتأخر في فتح الباب، ويقول: ستضيع على الأقل خمس ثوان أقرأ فيها ترجمة لـ ابن معين أو لغيره! فانظروا إلى الحرص العجيب على الوقت! فأين نحن من هؤلاء الجبال الذين جندهم الله له؟! فالشيخ الألباني يطالع لمدة ثمانية عشرة ساعة من الأربعة والعشرين ساعة، فمتى يأكل؟ ومتى يكون مع امرأته؟ ومتى يطالع غير الحديث؟ وقد كان فيما نحسب عالماً عاملاً.
فهؤلاء جندهم الله وخلقهم لدينه؛ ولذلك نرى هارون الرشيد عندما أمر بقتل أحد الوضاعين الكذابين قال: ماذا ستفعل بألف حديث قد وضعتها في حديث النبي ﷺ ؟! قال له هارون: يعيش لها الجهابذة الذين أفنوا أعمارهم من أجل حديث النبي ﷺ .
стр. 8
متى بدأ الوضع في الحديث
متى ظهر الدخيل؟ ومتى ظهر الوضع في حديث النبي ﷺ ؟ وهذا له علاقة وطيدة بالكلام على نقد متون السنة، فكيف نعرف أن هذا المتن موضوع أم لا؟ لقد ظهر الوضع في حديث النبي ﷺ بعد خلافة عمر عندما اشتدت فتنة الخوارج، وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه قال: أيكم يحفظ حديث الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ (فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والصيام والصدقة، فقال: لست عن هذا أسأل، إنما أسأل عن الفتنة التي تموج كموج البحر، فقال حذيفة: مالك ولها يا أمير المؤمنين؟! إن بينك وبينها باباً مغلقاً، ً فقال له عمر: أيفتح الباب أم يكسر؟ قال: بل يكسر، قال: إذاً لا يغلق أبداً) وكان يقصد بذلك أن عمر سيقتل ثم تتوالى الفتن، وقد توالت الفتن بعده، فـ عثمان ﵁ وأرضاه خرج عليه الخوارج، وأرادوا أن يخلعوا عنه ثوباً قد ألبسه الله إياه، وهو ثوب الخلافة، فقالوا له: نفسك أو الخلافة، قال: والله لن أخلع ثوباً ألبسنيه الله، وقد قال له رسول الله ﷺ : (إن الله مقمصك قميصاً فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه)، فتمسك بالخلافة فقتلوه ﵁ وأرضاه ظلماً وعدواناً وزوراً، ولذلك قال حذيفة: لو كان في قتل عثمان خير لهذه الأمة لحلبوا بعده لبناً، ولو كان في قتل عثمان شر لهذه الأمة لحلبوا بعده دماً عبيطاً، وقد حلبوا بعده دماً عبيطاً، ولم يقف الدم بحال من الأحوال بعد دم عثمان، فبعد ذلك قتل علي وقتل الحسين، وعظمت الفتنة وأطلت برأسها على الأمة الإسلامية، ولما ظهرت الفتنة أصبح كل إنسان يرى الحق مع فلان، فيتحزب له، فإذا تحزب له وضع الحديث من أجله، والحمد لله أننا في هذه العصور لسنا في عصور التدوين؛ لأن الخلافات بين الإخوة كثيرة، والتحزبات كثيرة، فأي واحد سيضع حديثاً سنرده على وجهه، ونقول: أنت حديثك عندنا غير مقبول، لكن ذلك الوقت كان عصر التدوين، فكانوا يضعون أحاديث عن النبي ﷺ .
فمن أسباب الوضع انتشار الفتنة والخلافات السياسية، وظهر هذا الأمر على أوجه عندما اختلف علي بن أبي طالب مع معاوية ﵃ أجمعين، وتحزب الشيعة لـ علي بن أبي طالب، وأخذوا يختلقون ويخترعون الأحاديث الموضوعة، قال الشافعي: الرافضة أشهد الناس بالزور، أو قال: ما رأيت أكذب من الرافضة.
فالشيعة دينهم الكذب، ودينهم التقية وهي الكذب، فكانوا يكذبون كثيراً على النبي ﷺ ، ليرفعوا من مقام علي وهو لا يحتاج إلى ذلك، فمثلاً أتوا بحديث: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) وهو حديث موضوع.
وأيضاً رووا حديثاً موضوعاً عن النبي ﷺ أنه قال: (خلقت من نور، وخلق علي من نور، وكان معي على يمين العرش).
واختلقت الرافضة أحاديث كثيرة جداً على أبي بكر وعمر والخلافة، وأشهر الأحاديث حديث الوصاية، وهو أن النبي ﷺ أوصى بخلافة علي بن أبي طالب؛ ولذلك عائشة أنكرت هذا إنكاراً شديداً، بل رووا بأسانيد هالكة متهالكة أن عمر بن الخطاب جلد فاطمة! وقد اختلفت فاطمة مع أبي بكر وكان الحق مع أبي بكر ﵁ وأرضاه، بل إن علي بن أبي طالب تأخر في البيعة لـ أبي بكر الصديق -وهو يقر بخلافة أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه من أجل فاطمة، ولم يتزوج ثانية من أجل فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر أنأى من أن يؤذوا فاطمة وهم يعلمون حديث النبي ﷺ (فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها)، فكيف يؤذون رسول الله ﷺ بعد مماته في فاطمة ﵂ وأرضاها؟! فالرافضة عليهم من الله ما يستحقون هم أكذب البشر على الإطلاق، فدينهم الكذب.
وأيضاً كذب الخوارج الذين خرجوا على عثمان وخرجوا على علي ﵁ وأرضاه، وإنه لعجب كل العجب أنهم كانوا يكذبون في حديث النبي ﷺ ، لكن كذبهم أقل بكثير من الشيعة، فالكذب من الخوارج عجيب لأنهم يكفرون من يرتكب الكبيرة، والكذب من أكبر الكبائر، والنبي ﷺ يقول: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) فهم يدينون لله بأن فاعل الكبيرة كافر، فكيف يكذبون على رسول الله؟! فقد ثبت عن أحدهم عندما تاب قال: أيها الناس! انظروا عمن تأخذون دينكم، إنا كنا إذا هوينا شيئاً صيرناه حديثاً، أي: إذا وجدوا قولاً يوافق عقولهم فإنهم يقولون: حدثنا فلان عن فلان ويركبون له إسناداً عن النبي ﷺ ؛ ولذلك قال ابن سيرين: كنا لا نسأل عن الإسناد حتى ظهرت الفتنة، فقلنا: سموا لنا رجالكم، فمن رأيناه من أهل السنة أخذنا حديثه، ومن رأيناه من أهل البدعة تركنا حديثه.
وثبت عن ابن المبارك بسند صحيح أنه كان يقول: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، وقال: لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
والإسناد ميزة هذه الأمة عن كل الأمم، فالنصارى لا تجد لهم إسناداً نقياً واحداً إلى عيسى ﵇، وحتى الإنجيل الذي يتعبدون به ليس له إسناد، فأسانيدهم كلها منقطعة لا تصل إلى عيسى ﵇، واليهود كذلك.
فهذه الأمة ميزها الله وشرفها بالإسناد؛ ولذلك تجد بعض المستشرقين تكلم عن مميزات الأمة الإسلامية وقال: أميز ما يميز هذه الأمة علم أسانيد الرجال، فهم يأخذون الحديث ثقة عن ثقة عن النبي ﷺ .
стр. 9
أسباب الوضع في الحديث
من أسباب الوضع: القصاصون وانتشار القصص والوعظ، وانظروا إلى ما نحن فيه وما كانوا فيه، فقد كان القصاصون في العصور القديمة يلتف حولهم العوام فقط، ولا يلتفت حولهم أهل العلم وطلبة العلم لا يلتفون؛ لأنهم لا يجدون عندهم ما يشفي صدورهم ويروح قلوبهم، وأما العوام الذين لم يستضيئوا بنور العلم، والذين يميلون مع كل ريح، فكانوا يجلسون في مجالس القصاصين، وأما مجالس أهل العلم ومجالس التحديث فكانت تكتظ بطلبة العلم، وما كانوا يعبئون ولا يرون للقصاص مقداراً، فكانت مجالس القصاصين هي مجالس العوام، وهي أرذل المجالس، فالقصاصون كان العوام يلتفون حولهم ويعجبون بهم، وتراهم يصرخون على الكلمات الطيبة، فكان القصاصون يؤثرون على العامة فيغربون في القصص، ويختلقون الأحاديث، ومن ذلك ما اشتهر جداً عن الإمام أحمد والإمام يحيى بن معين عندما جلسا في مجلس قاص يقص ويأتي بالطرائف، فقال: خلق الله ملكاً له مائة رأس، وكل رأس يسبح كذا، وقال: حدثني بذلك أحمد بن حنبل ويحيى بن معين! فينظر أحمد بن حنبل إلى يحيى بن معين وقال له: أحدثته بذلك؟ قال: والله ما حدثته، وأنت هل حدثته؟ قال: والله ما حدثته، فقام أحمد بعد ما انتهى المجلس وذهب إليه وقال: يا هذا! هذا الحديث الذي ذكرته آنفاً من حدثك به؟ قال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قال: هل تعرف أحمد بن حنبل ويحيى بن معين؟ قال: ومن في الدنيا لا يعرف أحمد بن حنبل ويحيى بن معين؟! فقال: أنا أحمد بن حنبل، وهذا يحيى بن معين! فتدبر أمره ثم قال: ما رأيت أسفه منكما! ما في الدنيا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين إلا أنتما، يوجد ألف رجل اسمه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين!! ومن القصص أن عامر الشعبي -وهو ثقة ثبت من كبار التابعين- كان في مجلس الوعظ والتذكير يصلي، وقام القاص يقول: إن الله خلق صوراً فسينفخ فيه نفخة الصعق، وخلق صوراً آخر ينفخ فيه نفخة القيامة، فسمعه الشعبي وهو يصلي قال: فخففت صلاتي ثم قمت إليه وقلت: يا هذا اتق الله ربك، كيف تحدث أن الله خلق صورين، من الذي حدثك؟ قال: حدثني فلان عن النبي ﷺ ، قال: هذا حديث مختلق عن رسول الله، فخلع القاص نعله وسبه وقال: تعارضني وقد حدثني بالحديث فلان، وضربه بالنعل في رأسه، قال الشعبي: فما دريت إلا وكل المجلس قد خلعوا نعالهم ويضربونني، فما تركوني حتى قلت: إن لله ثلاثين صوراً سينفخ في كل صور نفخة، فتركوني عند ذلك! وأيضاً كان بعض القصاصين يحدث عن رسول الله ويقول: حدثني الأعمش، وقد كان صيت الأعمش مشهوراً فهو أمير المؤمنين في الحديث، قال: حدثني الأعمش وحدثني الأعمش والأحاديث مختلقة، فـ الأعمش نظر إليه يحدث الناس وهم ينسجمون معه، فقام أمامهم فخلع ثيابه وأخذ ينتف شعر إبطه، فقام القاص وقال: مالي أراك سيئ الأدب في مجلس يحدث فيه بحديث النبي ﷺ وتفعل هذا الذي تفعله؟! قال: اسكت فإني في خير وأنت في شر، أو قال: ما أنا فيه خير مما أنت فيه وتأويل ذلك: أن نتف الإبط من السنة، وما أنت فيه هو كذب على رسول الله.
وبعض القصاصين كانوا أصحاب تجارة يريدون المال، فرجل كان حلوانياً، والحلواني بضاعته لا تروج إلا إذا نسب بعض الأقوال إلى رسول الله، وهذه دلالة على أن الناس يسارعون إلى حديث النبي ﷺ ، فكان دائماً ينظر في الناس ومن لم يشتر منه ويقول: حدثنا فلان عن فلان عن فلان قال رسول الله ﷺ : (الهريسة تشد الظهر)، فكان كل من يسمعه يشتري منه الهريسة، فكانوا يضعون الأحاديث وينسبونها إلى النبي ﷺ من أجل المال.
وهناك أسباب أخرى كأن يغتاظ رجل من رجل آخر فتراه يضع عليه حديث كما فعل هذا الإسكافي، فقد جاءه ابنه ذات مرة يبكي فقال: ما يبكيك؟! قال: ضربني معلمي، قال: والله لأؤدبنه، ثم قال: حدثني فلان عن فلان عن فلان قال: قال رسول الله ﷺ : (شراركم معلمو صبيانكم).
ومن الأسباب: الخلافات السياسية، والمآرب الشخصية، والتعصب المذهبي، والتعصب للنسب، والتعصب للجهة، فمثلاً كانوا يقولون: العرب أفضل الناس، فإذا دخل العجم في الإسلام فإن العرب يريدون إظهار شرفهم، فيضع بعضهم حديثاً في فضائل العرب، حتى أن بعضهم قال: حدثني فلان عن فلان عن فلان عن النبي ﷺ أنه قال: (كلام أهل النار البخارية، وأبغض الكلام إلى الله الفارسية، وكلام أهل الجنة العربية).
ومنهم من يضع ذلك على التعصب، فيرى رجل أن إمامه يقول: رفع اليدين عند الركوع لم ترد بها سنة، والآخر يقول: وردت بها سنة، فيضع حديثاً عن النبي ﷺ من أجل أن ينصر مذهب الأحناف، وفي هذه العصور المتأخرة ظهر مثل هؤلاء، فبعضهم كان يضعف الحديث الصحيح من أجل مذهبه، ويصحح الحديث الضعيف من أجل مذهبه، بل ارتقى فوق ذلك وكان يسب الصحابة من أجل الانتصار لمذهبه، كما فعل الكوثري، والآن بعض الغماريين يفعلون ذلك، فتراهم يتشددون من أجل مذهب الأحناف فيضعفون أحاديث النبي ﷺ ، بل ويردون بعض أحاديث عن أبي هريرة وقالوا: أبو هريرة ليس بفقيه! ومن القصص أنها حصلت مشاحنة بين شافعي وحنفي، فقام الحنفي فقال: حدثني فلان عن فلان عن فلان عن النبي ﷺ أنه قال: يخرج في هذه الأمة رجل هو سراج أمتي يكنى بـ أبي حنيفة، ويخرج على هذه الأمة رجل اسمه محمد بن إدريس هو أضر على هذه الأمة من إبليس.
وآخر يرى أن رفع اليدين في الركوع ليس بسنة، فقال: حدثني فلان عن فلان عن النبي ﷺ أنه قال: (من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له).
ومن أسباب الوضع أيضاً عداوة الإسلام وأهله، كما فعل عبد الله بن سبأ وغيره من الذين دخلوا فيه عنوة وجبراً كالمنافقين، فكانوا يتسترون بالنفاق ويحقدون على أهل الإسلام، فأرادوا أن يدمروا عقائد المسلمين بهذه الأحاديث المختلقة الموضوعة، وبعضهم وضع على النبي ﷺ أحاديث كثيرة، فلما أرادوا قتله بعد ما علموا أنه وضع الحديث قال: كيف تفعلون بأربعة ألاف حديث قد وضعتها على النبي ﷺ أحللت بها الحرام وحرمت بها الحلال؟! فقيل له: الجهابذة ينقون هذه الأحاديث، والحمد لله الذي نصب لنا من يحافظ على سنة النبي ﷺ .
ومن أسباب الوضع: مجاملة السلاطين، فترى كثيراً من الرواة كانوا يمنعون من الدخول على السلاطين، ولا يقبلون هدايا وعطايا السلاطين؛ لأن السلطان قد تحملك مجاملته أن تقول ما لم يقله النبي ﷺ ، خاصة إذا كان الغرض في ذلك العطايا والهبات، وقد اشتهر في وقت الخلافة الأموية والخلافة العباسية أن الشعراء يدخلون فيمدحون الوالي، والمدحة لها ثمن كبير، والمحدثون الذين لا دين لهم والذين كان يجعلون الدين قنطرة لأمر الدنيا لا للآخرة، وباعوا دينهم بعرض رخيص وثمن بخس دراهم معدودة من أمر الدنيا؛ كانوا يدخلون على السلاطين فيأخذون المال بعدما يكذبون على رسول الله ﷺ ، وأشهر قصة في ذلك قصة غياث بن إبراهيم عندما دخل على المهدي العباسي، فوجده يلعب بالحمام، واللعب بالحمام كان الشافعي يرى أنه يخدش المروءة، ومن خدشت مروءته فلا تقبل شهادته، ولا تؤخذ روايته، ولا يؤخذ عنه والعلم، فدخل عليه غياث بن إبراهيم فوجده يلعب بالحمام، فأراد أن يطيب قلبه فقال: حدثني فلان عن فلان عن النبي ﷺ أنه قال: (لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل أو جناح)، ومعنى: (لا سبق) أي: لا عطية ولا مال: (لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر) فزاد (أو جناح) مجاملة لمن يلعب بالحمام، فـ المهدي كتب له بالمكافئة والعطية، فبعدما أخذ العطية وخرج من عنده قال: أشهد الله أن قفاك قفا كذاب، وأن النبي ﷺ لم يقل هذا الحديث، ثم قال: أنا حملته على الكذب على رسول الله، فأمر بالحمام فذبح جميعاً؛ من أجل الحفاظ على سنة النبي ﷺ .
فهذه أسباب الوضع في حديث النبي ﷺ ، وقد تصدى لها الجهابذة، فغربلوا الأحاديث وبينوا لنا الصحيح والحسن والضعيف والموضوع.
وهنا مسألة وهي: هل للمعاصرين أن يجتهدوا في حديث النبي فيصححوا أو يضعفوا ما لم يتكلم عليه المتقدمون؟ مذهب ابن الصلاح ووافقه كثير من المحدثين أن الاجتهاد قد أغلق بابه في العصر الأول بعد البيهقي والدارقطني ونحوهما، فإذا قال الدارقطني: ضعيف فهو ضعيف، وإذا قال الدارقطني: صحيح فهو صحيح، وليس لك أن تبحث، والواقع يخالف ذلك، فـ ابن حجر والذهبي والنووي والسبكي وابن السبكي وابن عبد الهادي الحنبلي هؤلاء كلهم صححوا وضعفوا الأحاديث، وفي عصر ابن الصلاح نفسه ابن القطان والدمياطي وغيرهما كانوا يصححون ويضعفون أحاديث النبي ﷺ بالآلات وبالشروط التي اشترطها العلماء، فالاجتهاد باق إلى آخر يوم تكون فيه الدنيا، فالاجتهاد باق في هذه الأمة، وهو نبراس هذه الأمة، وهو ميزة من مميزات هذه الأمة، وسنطلع على اجتهاد الأئمة ونعرف كيف نظروا في حديث النبي فقالوا: هذا حديث موضوع، وكيف عرفوا ذلك، وما هي الشروط وما هي الأدوات والآلات التي جعل
стр. 10
شرح مقاييس نقد متون السنة - المقياس الأول: عرض السنة على القرآن
لقد كانت للصحابة الكرام مقاييس وضوابط يعرفون بها كون الحديث ثابتاً عن النبي ﷺ أو غير ثابت، ومن تلك الضوابط عرض الحديث على القرآن، فإن أمكن الجمع بينهما بأي صورة من الصور المقبولة أخذوا بها، وإن كان معارضاً للقرآن من كل وجه فإنهم يردونه.
стр. 11
أسباب وضع الحديث
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: مازلنا في نقد متون السنة، وقد ذكرنا كيف أنفق العلماء كل غالٍ ونفيس من أجل تنقية أحاديث النبي ﷺ من الدخيل فيها، وكيف باعوا أنفسهم حقاً وصدقاً لله جل في علاه؛ للتفريق بين الحديث الضعيف والصحيح والموضوع، وتكلمنا عن الأسباب التي جعلت العلماء في عصر الصحابة ثم من بعدهم لا يسألون عن الإسناد ثم إنهم شددوا بعد أن ظهرت الفتن.
وقد كانت هناك أسباب لوضع الحديث، فما هي أسباب وضع الحديث؟ من أسباب وضع الحديث: ما حدث بين معاوية، وبين علي بن أبي طالب ﵁ عنهم وأرضاهم، فقد ظهرت بعدها فتنة وضع الحديث، مثاله: أن النبي ﷺ أوصى لـ علي بن أبي طالب بالخلافة، ومثل: (خلقت أنا وعلي من نور).
ومن أسباب وضع الحديث التعصب المذهبي.
مثاله: (يخرج رجل من أمتي يقال له محمد بن إدريس، وهو أشد على أمتي من إبليس).
فقد وضعه الأحناف على الشافعي كما وضعوا في مدح إمام مذهبهم حديث: (أبو حنيفة سراج أمتي) وغيرها من الأحاديث التي وضعت بسبب التعصب المذهبي.
وقد كان الشيخ الكوثري يرد الأحاديث التي تخالف مذهبه وإن كانت صحيحة.
وروى أحدهم حديثاً قال فيه: (من رفع يديه في ركوعه فقد بطلت صلاته)؛ لأن مذهبه ليس كذلك، كما أن التجار قد وضعوا أحاديث من أجل أن يشتري الناس أشياءهم، منها حديث: (لو علمتم ما في الجرجير لزرعتموه تحت السرير)، وبائع الخضار لعله يحفظ هذا الحديث حقاً.
ومنها: (الهريسة تشد الظهر)، والحلواني هو من يحفظ هذا الحديث جيداً.
وفي بعض المساجد التي يتمذهب أهلها بالمذهب الحنفي يوجد في كل مكان أكثر من غطاء رأس لأن الأحناف يقولون: إن الصلاة بغير غطاء الرأس باطلة، وعندهم حديث موضوع: (تعمموا؛ فإن الشياطين لا تتعم)، والرواية الأخرى عندهم هي: (صلاة بعمامة خير من سبعين صلاة بغير عمامة)، وفي رواية: (الصلاة بعمامة خير من صلاة الرجل بغير عمامة بسبع وعشرين درجة)، أي: مثل صلاة الجماعة مع صلاة الفرد! وقد روى القصاصون أحاديث أخرى كالرجل الذي تكلم عن النفخ في الصور فقال: هما صوران، فأنكر عليه الشعبي، فضرب من أجل ذلك.
والأطرف من ذلك ما روي عن ابن جرير الطبري أنه كان يسمع من القصاصين أنهم يقولون: بأن قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، فقالوا المقام المحمود: أن يجلسه بجانبه، أو عن يمينه في العرش حاشا لله، وهذا الحديث موضوع فقال ابن جرير الطبري: هذا حديث موضوع، وكتب على باب بيته: سبحان الذي لا أنيس له، ولا جليس عند عرشه، فأخذوا الحجارة فرجموه حتى قيل: إنهم سدوا البيت بالحجارة، حتى أنه لم يستطع أن يخرج من بيته.
وهناك أسباب أخرى كثيرة جداً للوضع ليس هذا محل الكلام عليها.
فالعلماء حين نظروا إلى حديث النبي ﷺ تنقية وتنقيحاً، وجرحاً وتعديلاً نظروا إلى الإسناد ونظروا إلى المتن، ولذلك تجد أن قول العالم: هذا حديث صحيح، لا بد أن يكون قد توفر فيها خمسة شروط، لأن الحديث الصحيح هو: ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة.
فهذه الشروط الخمسة تختص بالمتن وبالسند.
وانظروا إلى دقة نظر علمائنا في علم الحديث، فقد يقولون: هذا حديث صحيح، وهذا حديث إسناده صحيح، وهذا حديث رجاله ثقات، فما الفرق بين الثلاثة؟ هذه مسألة ليست بالهينة يتبحر فيها من تعلم علم الحديث، لذلك ترى ابن حجر الهيثمي دائماً يقول: وهذا الحديث رجاله ثقات، فإذا قال علماء الحديث: هذا حديث صحيح، أي: أنها توفرت فيه الخمسة الشروط، وهي: اتصال سنده عن العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة.
وأما إذا قالوا: هذا حديث إسناده صحيح، فقد تكفلوا بثلاثة شروط: اتصال السند مع نقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه فقط، ولم ينظروا إلى الشذوذ ولا العلة.
والإسناد المعنعن يتوقف فيه على تصريح المدلس بالتحديث، فعلماء الحديث كـ شعبة وابن عيينة والثوري يقولون: إن الإسناد المعنعن إسناد متوقف فيه ولا يصح أن نقول: إنه إسناد ضعيف.
فالعلماء حين يقولون: هذا حديث صحيح فإنهم قد نظروا في الإسناد وفي المتن.
ومعنى قولهم: هذا حديث رجاله ثقات: أن الناقد والناظر في هذا الإسناد قد تكفل بعدالة وضبط الرواة فقط، دون أن ينظر إلى اتصال السند، ودون أن يرى التدليس في الحديث المعنعن، فإذا قال: رجاله ثقات لا يلزم منه أن الحديث صحيح، وإذا قال: إسناده صحيح، لا يلزم أن الحديث صحيح؛ ولذلك ترى كثيراً من المحدثين ممن لم يبحث في الشواهد والمتابعات، ولا في الشذوذ وغيره يتورعون ويقولون: هذا حديث إسناده صحيح، ويمكن لأي طالب علم أتقن المصطلح وتدرج في مسألة التطبيق العملي أن يصل إلى مرتبة تصحيح الإسناد وتضعيفه، وأما مسألة تصحيح الحديث برمته، أو تضعيف الحديث كلياً فهذه لا تكون إلا لمن قطع شوطاً طويلاً في علم الحديث.
стр. 12
مقاييس نقد المتون عند الصحابة فمن بعدهم
إن علماؤنا ينظرون إلى المتن فيقولون: هذا من مشكاة النبوة، وهذا ليس من مشكاة النبوة، فما هي الضوابط؟ وما هي الأصول التي ارتكزوا عليها ليعرفوا أن هذا الحديث من مشكاة النبوة أم لا؟ فتجد أحدهم يقول في حديث معين: هذا ليس من حديث فلان، كأن يقول: هذا ليس من حديث أبي صالح فكيف يقول: هذا ليس من حديثه؟ لأنه قد عرف أحاديث أبي صالح، ومكث معه مدة طويلة في الطلب ومجلس التحديث، فعلم كيف يحدث أبو صالح، وما هي السلسلة المنتقاة لـ أبي صالح، وهل إذا حدث عن النبي ﷺ يصل به إلى النبي ﷺ أم لا؟ وكذلك فعلماؤنا الذين نظروا في كلام النبوة بعد ما تبحروا في قراءة أحاديث النبي ﷺ ، واطلعوا عليها، علموا ما يخرج من فيه ﷺ ، وما لا يخرج من فمه الله ﷺ ، لكن بالضوابط والأصول التي ذكرها العلماء؛ حتى نعلم الفارق بين كلام النبي وبين كلام غيره مما هو أشبه بكلام النبوة كأمثال الحسن البصري، فقد قيل: إن كلامه يشبه كلام النبوة.
стр. 13
عرض الحديث على القرآن
وهو أصل الأصول الذي ارتكز عليه علماؤنا من الصحابة لتنقية أحاديث النبي ﷺ ، هو عرض الحديث على القرآن، والقرآن والحديث هما وحي أوحى الله بهما إلى رسوله ﷺ ، فكيف نقول: إن عرض السنة على القرآن يظهر الحديث الصحيح من الضعيف؟ نقول: إذا أصلنا هذا الأصل بأن القرآن والسنة خرجا من مشكاة واحدة فالذي يخرج من مشكاة واحدة لا يكون فيه اختلاف، ولا تضاد، قال الله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢].
وقال النبي ﷺ (ألا وإني قد أوتيت القرآن ومثله معه)، فهم يأخذون حديث النبي ﷺ فيعرضونه على القرآن، فإذا راءوا المعارضة من كل وجه فلا يمكن أن نقول: إن هذا الحديث قد قاله النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ يتكلم بكلام هو وحي من الله، لكن اللفظ من النبي ﷺ ، فكيف يكون مخالفاً لقول الله من كل وجه؟! فهذا محال.
стр. 14
صور لعرض الصحابة الحديث على القرآن
стр. 15
الصورة الأولى
لقد أصل الصحابة هذا الأصل بأمثلة كثيرة منها مثلاً حديث عائشة ﵁ وأرضاها عندما قيل لها بعدما مات عمر والحديث في الصحيح: إن عمر بن الخطاب دخل عليه صهيب بعد ما طعنه أبو لؤلؤة فبكى، فقال عمر: أوتبكي وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)، فلما مات عمر ودفن ذكر ذلك للفقيهة عائشة ﵁ وأرضاها فوهمت عمر ﵁ وأرضاه، وردت عليه الحديث وقالت: يرحم الله عمر! والله إن رسول الله ﷺ لم يقل ذلك وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤].
فانظر كيف محصت حديث النبي ﷺ عن غيره، فقد نظرت في الكلام فوجدت أن الحديث المنقول عن النبي ﷺ بأن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، ليس للميت ذنب في ذلك، من أجل أن يعذب، وإنما هذا فعله أهل الميت، فالفعل فعل أهل الميت وليس فعله، والله جل وعلا يقول في كتابه: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤].
ومعنى الآية: أنه لا يعذب أحد بفعل غيره، ويلزم من كلام عمر أن الميت سيعذب بفعل غيره فـ عائشة ﵂ وأرضاها لم تنظر في الإسناد في عصرها؛ لأن الصحابة كلهم عدول، وقد ذكر الله عدالتهم من فوق سبع سموات، فيبقى النظر إلى المتن، فلما نظرت إلى المتن عرضته على كتاب الله فوجدت المعارضة، فقالت: كيف يقول رسول الله ﷺ ذلك وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]؟! فالمقصود أن عائشة عرضت هذا الحديث على كتاب الله.
فإن خالف الحديث كتاب الله من كل وجه فلا بد أن نقول: إن هذا الحديث لم يقله النبي ﷺ جزماً؛ لأن رسول الله ﷺ لا يخالف كلام الله جل في علاه.
стр. 16
الصورة الثانية
عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: ((ولد الزنا شر الثلاثة))، فسمعت عائشة ﵂ وأرضاها هذا الحديث فاحتجت بنفس الآية ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، المرأة زنت وحملت الجنين، فكيف نقول: إن هذا هو شر الناس؟ لأنه إذا كان كذلك فلا يؤمّنّ القوم، ولا يكون خليفةً، ولا يكون رأساً في الناس، ولا يكون معلماً، وقد وردت الأدلة بأسانيد صحيحة أن النبي ﷺ بين أنه يمكن أن يكون أماماً، ويمكن أن يكون خليفة؛ لأنه لا ذنب له بما جنت أمه، ولا يمكن أن يؤخذ بجريرة الرجل الذي زنى بأمه، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤].
ولذلك ابن عباس نظر في هذا الحديث أيضاً وأصل لنا نفس الأصل فقال: كيف يقولون هذا؟ لو كان كذلك لقتله النبي ﷺ وهو في بطن أمه؛ لأنه لا يستحق الجنة فهو شر الثلاثة، فالأولى له أن يموت وهو في بطن أمه، ويشير ابن عباس بذلك إلى حديث النبي ﷺ أن امرأة جاءت فقالت: يا رسول الله! إني حبلى من الزنا فطهرني، فقال: ارجعي حتى تضعي، فلما وضعت الجنين جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: قد وضعته فطهرني يا رسول الله! فقال: ارجعي فأرضعيه، فلو كان ليس له مكانة بين الناس لما فعل بها النبي ﷺ ذلك، ولقتل المرأة رجماً، وقتل جنينها في بطنها؛ لأنه لا يستحق أن يعيش فهو سيكون في النار لأنه شر الثلاثة.
فانظروا إلى ابن عباس ﵁ وأرضاه فبعد أن أخذ المتن عرضه على الحديث، وهذا هو المقياس الثاني الذي سنتكلم عنه، وعرضه أيضاً على الكتاب، وعلى نفس الآية ((وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)) [الأنعام:١٦٤].
فهذا أصل أصله الصحابة لمعرفة حديث النبي ﷺ ولا عكس، فلا يمكن أن نقول: إن القرآن إذا شهد لمتن من متون الحديث أن ذلك يقويه على الراجح من أقوال أهل العلم، مثل شهادة القرآن لحديث: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان)، والآية التي تقويه هي: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة:١٨]، إلى آخر الآية، ومع ذلك لم يصح لأن العلماء ينظرون بعد العصور المتقدمة إلى المتن والسند، فالحديث لم يصح حتى ولو شهد القرآن.
وكذلك إذا عارض الحديث القرآن من كل وجه فإننا نقول: حتماً وجزماً أن الله لم يوح بهذا الحديث للنبي ﷺ ؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢].
стр. 17
الصورة الثالثة
السنة مبينة للقرآن فلا تخالف القرآن، فـ ابن عباس اشتد على أبي هريرة في هذا الأمر؛ لأنه عرض الحديث على القرآن.
وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: (الشؤم في ثلاثة: في المرأة، وفي الدابة، وفي الدار).
فهذا الحديث حين سمعته عائشة ﵂ وأرضاها وهمت الراوي وقالت: هذا ليس بحديث النبي ﷺ ، إنما قال النبي ﷺ (كان أهل الجاهلية يقولون: الشؤم في ثلاثة كذا وكذا)، فالمهم أنها لم تعترض على هذا الحديث بالحديث الآخر، وإنما وجهته، فقالت: ما قال رسول الله ﷺ ذلك، قد قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، أي: فليس هناك طيرة، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف:١٣١]، وقد قال النبي ﷺ (لا طيرة)، فقد نفى الطيرة أصلاً، فلا يمكن أن هناك تشاؤماً.
فعرضت عائشة ﵂ وأرضاها هذا الحديث على قول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، وقالت: وإن كان في كتاب فلا يمكن أن نقول إن هذه المرأة هي التي تسببت في هذه المصيبة، ولا أن هذا الرجل هو الذي تسبب في هذه المصيبة، كما يفعل بعض الجهال الذين إذا خرجوا من بيوتهم فوجدوا امرأة عجوزاً قالوا: هذه عجوز نحس، ارجع حتى لا تنزل بك مصيبة، أو مثل ما يقول بعضهم: من أن المصائب تنزل في يوم الأربعاء، فيجلس في بيته ولا يخرج، فهؤلاء القوم لم يؤمنوا بالله حق الإيمان.
والغرض هو أن عائشة قد أصلت لنا أصلاً بيناً واضحاً جلياً في عرض سنة النبي ﷺ على الكتاب، فإن خالف الحديث القرآن من كل وجه فلا يمكن أن يكون قد قاله رسول الله ﷺ .
стр. 18
الصورة الرابعة
روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال عندما نزل من المعراج فقالوا له: رأيت ربك؟ فقال: (نور إني أراه).
وهذا تصحيف من الراوي والراجح في الرواية هو (نور أنى أراه) أي: كيف أراه؟ فرووا هذا الحديث عند عائشة فقالت: كما قال مسروق: قلت يا أمتاه هل رأى محمد ربه؟ ثم روى هذا الحديث فقالت: لقد قف شعري مما تقول، من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، فردت الحديث، مع أن هذا رواه ابن عباس وغيره من الصحابة، فكيف ردته؟ لقد عرضته على كتاب الله، فقالت: كيف تقولون: إن محمداً رأى ربه وقد قال الله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣].
والغرض من هذا أننا إذا أردنا أن نعرف أن الأثر من قول رسول الله أو من قول غيره فإننا نعرضه على القرآن.
وكذلك ابن عمر فقد كان يفعل كما فعلت عائشة، فقد كان يقول: إن لحوم السباع حلال، كالأسد، وهو قول للمالكية.
فإن قيل: هل الضبع والذئب والثعلب والقرد مما يؤكل أو لا؟
و
الجواب
لقد حرم النبي ﷺ كل ذي ناب من السباع، وكل ذي ظفر من الطير.
والصحيح أن الثعلب يؤكل، والضبع يؤكل.
واختلف العلماء في الذئب والقرد، فالمالكية يقولون: يؤكل، والفيل يؤكل، والصحيح الراجح في ذلك أنه لا يؤكل.
والغرض أن ابن عمر ﵁ وأرضاه كان يعرض الحديث على القرآن ليميز هل هو من كلام رسول الله أم ليس من كلامه؟ وقد أكثرت من الأمثلة حتى يسهل على طالب العلم ضبط القاعدة.
стр. 19
الصورة الخامسة
جاء رجل إلى ابن عمر فقال: (إن النبي ﷺ حرم لحوم السباع)، فقال من قال هذا الحديث؟ قال: أبو ثعلبة الخشني، فقال: الأعرابي الذي يبول على ساقيه! وهذه الكلمة معروفة بين العلماء، وعندما يرد طالب علم على طالب علم أو عالم على عالم فلا يؤخذ عليه أنه يرد عليه بشدة؛ لأن هذه المسألة فيها إظهار للحق، حتى أن عائشة كانت إذا سئلت عن مسألة غابت عن الصحابة تقول: على الخبير سقطت، وكان علي بن أبي طالب في مهر المفوضة يقول: لا آخذ بقول أعرابي بوال على عقبيه وأترك كتاب الله جل في علاه.
فكان ابن عمر يقول: لا آخذ بقول أعرابي يبول على ساقيه، وأترك كتاب الله، والآية التي جعلته يقول: إن لحوم السباع حلال والتي عرض عليها الحديث هي قول الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام:١٤٥]، فهذه الأربعة فقط هي التي حرمها الله جل وعلا، والاستثناء الموجود في الآية يحصر المحرم في الأربعة التي ذكرت.
فلذلك لما نظر ابن عمر إلى هذه الآية وعرض عليها الحديث قال: لا يمكن أن يخالف رسول الله ﷺ قول الله أبداً؛ لأن الوحي الأول هو: الأصل الأصيل، والوحي الثاني خرج من نفس المشكاة فلا يمكن أن يتعارض قول النبي ﷺ وقول الله جل في علاه.
стр. 20
الصورة السادسة
قالت فاطمة بنت قيس: طلقني زوجي فبتّ طلاقي، والمبتوتة هي: المطلقة ثلاثاً، وهي التي بت طلاقها فلا تحل لزوجها إلا بعد أن تتزوج زوجاً غيره ثم يطلقها، وليس معنى ذلك أن يعقد عليها فقط، بل لابد من العقد والدخول.
قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقه، فأخذ عمر بن الخطاب: قولها وعرضه على كتاب الله فقال: لا نأخذ بكلام امرأة لا ندري أذكرت أم نسيت ونترك كتاب الله، وفي رواية: سنة رسول الله.
وهذه الرواية ليست صحيحة، بل الصحيح أنه قال: لا نترك كتاب ربنا لامرأة وهمت لا ندري أحفظت أم نسيت.
والآية التي انتقد عمر بن الخطاب هذه الرواية من خلالها هي قول الله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٦]، فهذه الآية فيها دليل واضح على السكنى، وهناك آيات أخرى تدل على النفقة، فـ عمر بن الخطاب نظر في الحديث فعرضه على كتاب الله فظهر له أنه لا يمكن أن يكون هذا من قول النبي ﷺ ؛ لأن القرآن والسنة خرجا من مشكاة واحدة فلا يمكن أن يكون بينهما تعارض.
стр. 21
الصورة السابعة
عن علي بن أبي طالب قال في مهر المفوضة: لا آخذ بقول بوال على عقبيه -يعني: الأعرابي- وأترك كتاب الله جل وعلا فإن الله قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦]، والذي يجعل لها المهر كاملاً مخالف لظواهر الكتاب، فالحديث مخالف للآية فلا نأخذ به، فهذا التأصيل أصله علماء الصحابة ﵃ كـ عائشة وعمر بن الخطاب قبلها، وابن عمر، وابن عباس، وعلي بن أبي طالب ﵃ وأرضاهم.
стр. 22
تثبت الصحابة في رواية الحديث
لقد كان الصحابة يتثبتون تثبتاً شديداً في قول النبي ﷺ ، ويخافون ويرتجفون من قوله ﷺ (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).
ولذلك كان علي بن أبي طالب، يقول: والله ما حدثني أحد حديثاً عن النبي ﷺ إلا وقد أقسم بالله أنه سمعه من رسول الله ﷺ غير: أبي بكر ﵁؛ فإنه حدثني وصدقني.
فكان التثبت والتشديد في التثبت من قول النبي ﷺ يجعل كل راوي لحديث النبي ﷺ يقسم بالله أنه سمع ذلك من رسول الله ﷺ .
وكان عمر شديداً في التثبت، فـ أبو موسى الأشعري عندما طرق الباب على عمر بن الخطاب، وكان قد طلبه عمر بن الخطاب فاستأذن مرة فلم يرد عليه، فرجع على عقبيه، فلما استيقظ عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه سأل عنه فقالوا: جاءك ثم رحل، فرجع إليه فقال: ما منعك أن تدخل؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الاستئذان ثلاثاً وإلا فارجع) فأخذه عمر من عنقه وجاء إلى مجلس الأنصار مرعوباً مفزوعاً قد خشي على نفسه من عمر ﵁ وأرضاه، فإنه قال له: والله لا أتركك حتى تأتيني بآخر يشهد معك أن رسول الله ﷺ قال ذلك.
وهذا من شدة التثبت في حديث النبي ﷺ ، فقالوا له: والله لا نبعث معك إلا أصغرنا أبا سعيد الخدري فذهب معه وشهد عند عمر ﵁ وأرضاه.
وهذا يحيى بن معين وهو يموت قيل له: ما تطلب؟ قال: إسناد عالٍ وبيت خالٍ.
فيا أهل الحديث! لقد اشتهرت الإسكندرية بقلة علم الحديث فيها حتى قيل: إن أهلها ليس لهم همة في طلب الحديث، أيها الجمّاع أريدك أن تكون نقاشاً وقماشاً لا أن تكون قماشاً فقط.
فإن قيل: يقول النبي ﷺ : (لا ألفين أحدكم على أريكته شبعان يأتيه الأمر من أمري فيقول: نعرضه على كتاب الله، فإن وجدناه في كتاب الله أخذنا به، وإن لم نجده في كتاب الله لم نأخذ به، ألا وإني قد أوتيت القرآن ومثله معه)، وقد عرض الصحابة الحديث على القرآن، فهل وقعوا فيما حذر منه النبي أم لا؟
و
الجواب
أن هذا الحديث عام، فهذا الشبعان كلما جاءه حديث من أحاديث النبي ﷺ عرضه على القرآن، فإن وجده في القرآن أخذه، وإن لم يجده لم يأخذه، وأما الصحابة فلم يفعلوا ذلك في كل الأحاديث، وإنما فعلوه في الأحاديث التي عارضت كلام الله ، وقد علموا أن كلام النبي ﷺ لا يمكن أن يعارض كلام الله جل في علاه، فحديث النبي ﷺ هذا ينطبق على القرآنيين الذين يقولون: لا حاجة إلى السنة.
وأما الصحابة فإنهم كانوا يأخذون بالسنة إلا الشيء اليسير الذي عارض القرآن، فيكون فعل الصحابة مخصوص من عموم الحديث، فالنبي قال في الحديث: ((يأتيه الأمر من أمري))، وفي هذا دلالة على كل أمر من أمر النبي فإنه يعرضه على القرآن، وأما الصحابة فقد كانوا يأخذون بجميع أحاديث النبي ﷺ إلا إذا عارض الحديث القرآن، وأذكر لكم قصة رواها لنا الشيخ أبو إسحاق، فقد ذكر أنه كان يجلس في مسجد في كفر الشيخ وكان واسعاً جداً، وكان يمتلئ من أوله إلى آخره إذا شرح حديثاً أو تكلم في موعظة، فقال مرة: لا بد أن نؤصل المسائل لطلبة العلم، فندِّرس في مصطلح الحديث، فحضر في أول مجلس نصف المسجد، فقال: الحمد لله على النصف ثم الأسبوع الذي بعده حضر الربع، فقال: الحمد لله على الربع ثم بعد ذلك لم يحضر غير ثلاثة في المسجد.
وأنا أقول: إن قوام الأمة يكون على أهل العلم، وأما الكثرة الكاثرة فقلما تكون جيده، فقد يكون هناك ضعيف مستضعف يدعو الله جل وعلا فينصر الله به الأمة، لكن هل يمكن أن يكون من قوام الأمة، ومن من الأعمدة التي ترتكز عليها الأمة؟ لا والله، وكذلك إذا نزلت المعضلات وحدثت الملمات على الناس فهل يكون الضعيف هو الذي يتصدى لها؟ لا والله، وهل هو الذي أخبر عنه النبي ﷺ : (أن الله جل وعلا يجعل على رأس كل مائة عام رجل يجدد لهذه الأمة دينها)؟ لا والله، وهل يمكن أن يدخل في قول النبي ﷺ (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين)، قد يدخل، والمقصود أنهم يفرون من التأصيلات، وهم لن يفقهون تحرير محل النزاع ولا الترجيح إلا بالتأصيلات، لذا فليعلم الإخوة أن التأصيل الصحيح هو الذي سيبني صرح الأمة العالي، وأنا أعرف أن من الطلاب من يتعطش للعلم لكن الطريق ليس مستنيراً أمامهم، وهنا كلمة تكتب بماء الذهب وهي من قول الشيخ محمد إسماعيل حفظه الله فقد كان يقول: بث الجذور في الأرض هو الذي يثمر، فانظروا إلى القياس البديع، فإن الفروع العالية التي نراها إذا هبت الريح القوية كسرتها وانتهت، لكن الجذور في الأرض تبقى ثابتة.
والإجابة الثانية: نقول: نحن نوافق على قاعدة أن المتن إذا عارض القرآن فهو ضعيف، وذلك بشرط أن تكون هذه المعارضة معارضة كلية، وأما إذا كانت من وجه دون وجه فلا؛ لأنه يمكن الجمع بينهما، واجتهاد الصحابة في تضعيفها لم يكن صواباً، فإن هذه الأحاديث الصحيحة قد أمكن الجمع بينها وبين القرآن، فالجمع بين قول الله: ((وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، وبين قول النبي ﷺ : (إن الميت ليعذب ببكاء أهله)، يكون من وجوه: أولاً: أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه إذا أوصى بذلك، فإنه إذا أوصى كان معذباً بوزره وليس بوزر غيره.
ثانياً: أنه يعذب بشق الجيوب، ولطم الخدود، ويرجع هذا إلى الوجه الأول أيضاً، أي: إذا ارتضى بذلك، أما لو شقوا الجيوب، ولطمعوا الخدود وهو لا يعلم فليس عليه شيء.
ثالثاً: أن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: وهم عمر فإن النبي ﷺ مرت عليه جنازة يهودية فبكى أهلها عليها فقال: (إن الميت ليعذب من بكاء أهله)، فهي واقعة عين لا يقاس عليها المسلمون، بل هي خاصة بالكفار وإن الألف واللام في (الميت) للعموم لكنه لا يراد بها العموم هنا، بل هو من باب العام الذي يراد به الخاص وهو الكافر، وهذا هو أوجه الوجوه، وأما بقية الأجوبة فليست بشيء.
والجمع بين حديث: (الشؤم في ثلاث في المرأة، والدابة، والدار) وقول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ [الحديد:٢٢]، هو أنه لو كان هناك شؤم فسيكون في ثلاث لكن ليس هناك شؤم؛ لأن الله كتب هذا في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، هذه الإجابة الأولى.
الإجابة الثانية: أن هذا القول هو قول أهل الجاهلية وذكره هنا من أجل الإنكار عليهم؛ لأن النبي ﷺ قال (لا طيرة)، وقال: (الطيرة شرك).
والجمع بين حديث: (نهي النبي عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير) وبين قوله سبحانه: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام:١٤٥]، أي: أني في وقت ما تلوت عليكم هذه الآية لم أجد فيما أوحي إلي محرماً عليكم إلا هذه الأمور، ولا يمنع ذلك أن تأتي آيات أخرى تزيد عليها أشياء محرمة، فيكون هذا الحكم الذي ورد في الحديث مما أوحاه الله إليه بعد ذلك فلا يوجد تعارض، ولا يكون هذا نسخاً بل هو إضافة، والإضافة لا تعد نسخاً إلا عند الحنفية.
والجمع بين حديث ابن عباس ((نور إني أراه) وقول الله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] أي: لا تحيط بالله جل في علاه، أن نفي الإدراك لا يلزم منه نفي الرؤيا؛ لأن إثبات الرؤيا وردت به أحاديث أخرى صحيحة تخصصه من النفي كحديث: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته) فلا تعارض بين الحديث والآية؛ ولذلك فالمعتزلة لما أنكروا الرؤيا استندوا إلى قول عائشة ونحن نقول: إن عائشة أخطأت في الاستدلال، وأصابت في النفي؛ لأن النبي ﷺ قال: (لن تروا ربكم حتى تموتوا)، والخطاب للأمة خطاب لرسول الله ﷺ .
ولما سئل: هل رأيت ربك؟ قال: (رأيت نوراً)، وهذا نور الحجاب، فلم ير الله جل في علاه، وقال أيضاً: (نور أنى أراه)، أي: كيف أراه؟ وأما تفسير قول الله تعالى في سورة النجم: ((وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى)) فقد قالت عائشة: رأى محمد جبريل مرتين، له جناح يسد الأفق.
وبهذه الإجابة عن هذه الأحاديث ننتقل إلى أصل آخر أصله الصحابة على نقد متون السنة وهو عرض السنة على السنة، لكن هذا بحر واسع جداً، وهل يصح أن نعرض السنة على السنة حتى نضعف الحديث أم لا؟ فهذا سيدخل فيه الكلام عن الإسناد في مسألة الشذوذ
стр. 23
شرح مقاييس نقد متون السنة - المقياس الثاني: عرض السنة بعضها على بعض
لقد قام العلماء بوضع قواعد ومقاييس ومعايير دقيقة لنقد متون السنة؛ حتى لا يأتي من يرد الأحاديث بعقله، فلا بد من عرض متون السنة على الكتاب ثم على السنة، ولا يتم الترجيح بين الأدلة التي ظاهرها التعارض إلا بذلك، والعقل يقوم بعملية الفهم لذلك، وأما أن نقدم العقل على النقل فذلك هدم للنقل والعقل.
стр. 24
حكم تقديم العقل على النقل، وآثار ذلك
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
روى أحمد في مسنده بسند صحيح عن ابن عباس ﵁ وأرضاه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (بين يدي الساعة سنون خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين، وتنطق الرويبضة، قالوا: يا رسول الله! وما الرويبضة؟ قال: الفاسق أو قال: الفويسق يتكلم في أمر العامة)، وفي رواية أخرى في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (من علامات الساعة أن ينتشر الجهل ويرفع العلم، وإن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً -وفي رواية: حتى إذا لم يبق عالمٌ- اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسألوهم، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).
وهذه هي الأزمنة التي نعيش فيها الآن، فقد تصدر لدين الله جل وعلا من ليس أهلاً لهذا الدين، ومن ليس أهلاً للنظر في علم الشريعة، فرد حديث النبي ﷺ جهاراً دون أدنى حياء؛ لأنه ما عنده هذه الآلة الذي تعلمها الأولون، ولا المقومات التي تجعله ينظر في أحاديث النبي ﷺ ، فيمحص النظر فيها تصحيحاً وتضعيفاً، ولذا ترى أن الأهواء تتحكم كثيراً في عصرنا.
стр. 25
ذكر الأسباب المؤدية إلى رد الأحاديث
هناك أسباب جعلت مثل هؤلاء يردون حديث النبي ﷺ : السبب الأول: تعظيم العقل دون تعظيم قدر النبي ﷺ ، وهذا هو تقديم العقل على النقل.
السبب الثاني: الجهل العميق بقول النبي ﷺ ، والجهل العميق بالآلة التي يعرف بها التصحيح والتضعيف.
السبب الثالث: وضع الأحاديث على رسول الله ﷺ ، إرضاء لولاة الأمور أو لغيرهم.
وهذه الأسباب موجودة في عصورنا.
стр. 26
نماذج من الأحاديث التي ردت ممن يقدمون العقل على النقل
إن رد أحاديث النبي ﷺ موجود في كثير من الفضائيات وكثير من المجلات والصحائف، فهؤلاء يتكلمون عن الإسلام المستنير والبعد عن التشدد، ومن هؤلاء الذين زعموا أنهم من أصحاب الإسلام المستنير الشيخ الغزالي ﵀، وتلميذه الشيخ القرضاوي حفظه الله، وأماتنا جميعاً على الإسلام، وجعلنا ممن يعمل لدين الله جل في علاه، فالشيخ القرضاوي حفظه الله وردنا وإياه إلى ما يحب ويرضى رد أحاديث عن النبي ﷺ وليس له بضاعة في التصحيح والتضعيف، فقد رد حديث النبي ﷺ : (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف) فرد هذا الحديث وقال: هذا الحديث ضعيف، وبضاعته مزجاة في علم الحديث، وهو يعول على الشيخ الألباني كثيراً في التصحيح والتضعيف، فلم لا يأخذ بقول الألباني في هذا؟ وأيضًا الشيخ الغزالي فقد رد أحاديث كثيرة، منها: حديث شق الصدر؛ وقال الغزالي في هذا الحديث وغيره: إنها لا توافق العقل، وهذا هو منهج المعتزلة؛ فإن من أصول المعتزلة الخمسة: تقديم العقل على النقل، وأصول المعتزلة خمسة وهي: التوحيد، والعدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمنزلة بين المنزلتين، والخامس: تقديم العقل على النقل.
فـ الغزالي كان متأثراً بفكر المعتزلة، ولذلك رد حديث: شق الصدر، وقال كيف -وكان طفلاً صغيراً- يشق صدره ويخرج قلبه ثم يغسله في طست ثم يرد القلب ثم يأخذ حظ الشيطان من قلب رسول الله ﷺ ؟! فرد هذا الحديث.
وأيضًا رد حديث النبي ﷺ الذي في الصحيحين وهو: (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) قال: لو رأى البخاري ما تفعله تاتشر لما قال بهذا القول، وكأنه ينسب هذا القول إلى البخاري لا إلى رسول الله ﷺ ، مع أننا لو نظرنا بدقة نظر فيما فعلته تاتشر فقد خربت إنجلترا، وهذا مصداق لقول النبي ﷺ (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) فرده لأنه يرى في الواقع أمامه أن هناك نساء قادرات على العمل والعطاء، والآن ينادون بالمساواة بين الرجل والمرأة ويعاندون ربهم جل في علاه، يقول تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٢] فلم هذه المعاندة؟! وأيضًا منهم من رد الحديث جهلاً وهو لا يعرف شيئاً فتجده يقول: حتى لو جاء في البخاري بأن النبي ﷺ تزوج عائشة وهي بنت تسع سنين فلا أصدق ذلك؛ لأن عائشة لا ترضى ذلك ولا تحتمل، ولا بد أن يكون زواجها عند سن ثماني عشرة سنة، يقول: أنا لي عقل أفكر به فكيف أقبل من البخاري هذا الكلام؟! نقول: وهل البخاري أتى بهذا الكلام من كيسه، أو أتى به من عند أمه؟! لم يأت البخاري به إلا بالسند الصحيح عن النبي ﷺ .
فهذه الظاهرة ظهرت عندنا، وهي حرب على الثوابت والمبادئ والدين بطرق ملتوية، فهم لا يستطيعون أن يعلنوا هدمهم للدين؛ لأن العامة سيثورون عليهم، لكن يقولون: لا، نحن نأخذ بالدين، وفي الحقيقة هم يهدمون الدين ويهدمون السنة، فهم يعظمون العقل ولا يعظمون سنة النبي ﷺ ، وغفل هؤلاء أو تغافلوا عن أن الله جل وعلا أغلق كل باب ولن يُقبل أحد حتى يدخل من باب رسول الله ﷺ ، لذلك فلابد أن تسلِّم وتعمل بقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
ونحن الآن ندرس نقد متون السنة، فهل الاجتهاد قد أغلق؟ نقول: الاجتهاد باق إلى يوم الدين، يقول النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرة لا يضرها من خالفها أو خذلها) وأيضًا قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] يعني: إلى أولي العلم، ففيها دلالة على الاجتهاد، فقوم غلوا وقالوا: لا ننظر إلى هذا، فإذا جاء الحديث خذ به، وقوم آخرون قالوا: لا، لا نقبل حتى ننظر هل يقبله العقل أم لا؟ والوسطية هم أهل السنة والجماعة الذين قالوا: ننقد الأحاديث وننظر هل هي من قول النبي ﷺ أو ليست من قول النبي ﷺ ، وهذا الانتقاد لا بد أن تكون له آلة ومقومات ومقدمات، فالعالم لا بد أن تكون عنده آلة الاجتهاد؛ ليمحص حديث النبي ﷺ ، ويبين الصحيح من الضعيف.
стр. 27
مراحل وآلات نقد متون السنة
وقد بينا أن العلماء اشتغلوا بالإسناد وبالمتن، وأمر الإسناد فيه صعوبة، وقلنا: إن المرحلة الأولى في نقد السنة: أن نتكلم على المتون، وبينا كيف كان الصحابة ينظرون إلى حديث النبي ﷺ حتى يقولوا: هذا صحيح أو هذا ضعيف.
стр. 28
عرض الحديث على كتاب الله
الآلة الأولى التي تستخدم في نقد متون السنة: هي العرض على كتاب الله جل في علاه، فما معنى العرض على كتاب الله جل في علاه؟ يعني: أن كل حديث يأتي لا آخذ به حتى أنظر هل في كتاب الله مايشهد له أم لا؟ وذلك مثل الأحاديث التي ظاهرها التعارض مع الكتاب، فإن كان هذا التعارض من كل وجه ردت، وأما إن أمكن الجمع بين قول الله وقول النبي ﷺ فنقبل؛ لأنها كلها جاءت من مشكاة واحدة.
стр. 29
عرض الحديث على الحديث
المقياس الثاني: عرض السنة على السنة، وذلك بالنظر إلى هذه الأحاديث هل تصح عن الرسول أم لم تصح، فعلماء الحديث قعدوا قواعد كثيرة جداً في الأحاديث التي ظاهرها التعارض، منها: النظر إلى تعدد الروايات التي ظاهرها المخالفة.
стр. 30
مخالفة الثقات لبعضهم مع اتحاد المجلس
وأشهر مثال في ذلك: زيادة الثقة مع اتحاد المجلس، فمثلاً: تسعة من الثقات ذكروا الحديث بلفظ وجاء رجل ثقة فزاد عليهم لفظة، كحديث وائل بن حجر فقد خالف زائدة -وهو ثقة- غيره من الثقات، فقد روى: أن النبي ﷺ كان يشير بأصبعه، وأما بقية الرواة فقالوا: يحركها، فهنا المجلس متحد.
وأما إذا تعددت المجالس كأن يجلس النبي بعد الفجر ويقول: أحدثكم بحديث فيذكر الحديث، فالصحابة يحملون عن النبي ﷺ هذا الحديث، ثم إن الصحابة الذين جلسوا معه في الفجر وحملوا عنه الحديث ذهبوا إلى أشغالهم، فجاء آخر في العصر فسأل النبي ﷺ عن نفس القضية التي تكلم عنها النبي ﷺ في الفجر، فالنبي ﷺ أعاد نفس الحديث الذي تكلم به في الفجر، ثم جاء بعد العشاء آخرون وقالوا: يا رسول الله عنت لنا مسألة نسألك عنها، فصادف أن تكون هذه المسألة هي التي تكلم عنها في الفجر وتكلم عنها في العصر، فقام النبي ﷺ وعقد مجلساً ثالثاً ثم حدثهم بنفس الحديث، فهذا مجلس ثالث لحديث واحد، فالعلماء ينظرون إلى هذه المجالس التي تعددت هل يمكن أن يقول النبي ﷺ الحديث بلفظ واحد في المجالس الثلاثة، أم تختلف الألفاظ بتعدد المجالس؟ وهل نجمع بين هذا الألفاظ أم نقول: إنها شاذة ومخالفة للثقات؟ أقول: عند تعدد القصة فإننا ننظر في الأسانيد والمتون، فإذا اختلفت الروايات وكان الرواة كلهم ثقات، فمخالفة الثقة لمن هو أوثق منه تكون روايته شاذة، وهو قول للشافعي وهو الراجح الصحيح.
وأما مخالفة الضعيف للثقة فهو فتكون منكرة، ولا يمكن أن يكون هناك تعارض؛ لأننا سنقدم الثقة على الضعيف، وأما إذا كان كل الرواة ثقات، فننظر إلى من هو أتقن، فإن كان للحديث قصة فصاحب القصة هو أتقن من غيره، ومثال ذلك: حديث ابن عباس وأبي رافع في مسألة نكاح المحرم كما سنبين.
стр. 31
الرجوع إلى المختص المتقن
كذلك لو خالف الفقيهُ المحدثَ في تصحيح حديث أو تضعيفه فإننا نقدم عالم الحديث؛ لأنه المختص، فهذا أول تأصيل أصله العلماء أن المختص بالأمر هو الذي يقدم.
стр. 32
حكم صيام من أصبح جنباً
مثال ذلك: مسائل الحيض والجماع وغير ذلك مما يتعلق بالرجل والمرأة في البيت، فأتقن الناس لهذه المسائل أزواج النبي ﷺ ، فإذا جاء حديث عن أزواج النبي ﷺ يتعلق بالبيت وجاء آخر عن صحابي واختلفا، فالترجيح هنا سيكون لأزواج النبي ﷺ .
وقد اختلف الصحابة في الصائم إذا أصبح جنباً هل يصوم رمضان أو لا يصوم؟ فـ أبو هريرة روى عن الفضل بن عباس: (أن الجنب لا صوم له) فلما سمع التابعي عبد الرحمن بن الحارث من أبي هريرة هذا الحديث تعجب من هذا الحكم، فذهب إلى عائشة وإلى أم سلمة، فسألهما: (هل النبي ﷺ كان يصبح جنباً فيبقى على صومه؟ فقالتا: اللهم نعم، فرجع إلى أبي هريرة فقال: يا أبا هريرة! إن عائشة وأم سلمة قالتا: إن النبي ﷺ كان يصبح جنباً فيتم صومه، فقال أبو هريرة: حدثني بذلك الفضل بن عباس)، فإذا قالت أم سلمة وعائشة ذلك فالقول قولهما؛ وذلك لأنهما تختصان بهذا العلم.
فهذا هو المثال الأول في أن العلماء جعلوا لنا طريقاً واضحاً جداً في مسألة نقد السنة ألا وهو: الرجوع إلى المختص المتقن في هذا الباب.
стр. 33
حكم الاغتسال من الجماع دون إنزال
المثال الثاني: مسألة الاغتسال من الجماع دون إنزال، يعني: رجل جامع امرأته فأكسل ولم ينزل، فهل يغتسل، أو يغسل ذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة؟ فهذه المسألة اختلف فيها الصحابة، فهذا زيد بن ثابت جاءه رجل يستفتيه فقال: جامعت امرأتي فلم أنزل؟ قال: ما عليك إلا أن تغسل ذكرك مما أصابك منها وتتوضأ، وروى حديث: (إنما الماء من الماء) فسمع بعض الصحابة هذا الكلام فذهب إلى عمر فقال: إن زيد بن ثابت يفتي بكذا وكذا، فقال عمر: ائتني به، فعقد المجلس وجاء بأهل بدر فقال لهم: أرأيتم ماذا يقول زيد، فاختلف الصحابة البدريون في ذلك، فمنهم من قال قوله، ومنهم من قال: بل عليه الغسل، فقام عمر بن الخطاب وأرسل إلى حفصة، فقالت حفصة: لا علم لي بذلك، فبعث إلى عائشة وبعث إلى غيرها فقالت عائشة ﵂ وأرضاها: على الخبير سقطت، إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل.
وحديث (إنما الماء من الماء) رواه زيد وأبو أيوب الأنصاري وعثمان بن عفان ﵃ وأرضاهم، فقال عمر: والذي نفسي بيده لو أفتى أحدكم بغير قول عائشة لأنكلن به نكالاً.
نقول: فلو نظرنا إلى أسانيد حديث عائشة وحديث زيد فكلها أسانيد كالشمس، فينبغي أن نجمع بينهما إن أمكن الجمع، لكن قال بعضهم: إن حديث: (إنما الماء من الماء) منسوخ، والصحيح الراجح في ذلك أنه ليس بمنسوخ لكنه مقيد؛ لأن قوله: (إنما الماء من الماء) عام؛ لأن الماء هنا معرف بالألف واللام، فالألف واللام هنا الاستغراقية وهي تدل على العموم، فحديث: (إنما الماء من الماء) مقيد بمسألة الاحتلام أو بمسألة التفكير، فلو أن رجلاً نام نوماً طويلاً عميقاً ورأى في نومه أنه يجامع امرأة ولكنه لم ينزل، فهذا لا يجب عليك الغسل؛ لأن الماء من الماء.
مثال آخر: لو أن رجلاً كان يتفكر في امرأة ولم ينزل، فهذا أيضاً ليس عليه غسل حتى لو أنزل المذي، وإنما عليه الوضوء.
إذاًً: الراجح والصحيح الجمع بينهما، فإذا جاوز الختان الختان فعليه الغسل إن كان في الجماع، ولذلك روى أبو هريرة حديثاً عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع وجهدها فعليه الغسل) (جهدها) يعني: جاوز الختان الختان.
وكذلك عائشة ﵂ بعد أن روت لهم الحديث أتت لهم بدليل عقلي في هذا فقالت: لقد وجب الحد بالختان ألا يجب الغسل؟ يعني: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب حد الزنا، فإذا وجب الحد وجب الغسل.
стр. 34
حكم نقض المرأة شعرها عند الغسل الواجب
المسألة الثالثة: نقض الشعر عند الغسل الواجب، فقد اختلف الصحابة في ذلك، فـ عبد الله بن عمرو بن العاص كان يأمر نساءه أن تنقض المرأة الضفائر عند الغسل الواجب، فقالت عائشة: (لِمَ لم يأمرهن أن يحلقن رءوسهن؟ ثم قالت: كنت أفعل ذلك مع النبي ﷺ ، ويكفيني أن أفرغ ثلاث إفراغات على رأسي)
стр. 35
الشواهد والمتابعات
стр. 36
أقسام المتابعة والفرق بينها وبين الشواهد
القاعدة الثانية: إذا اختلفت الروايات فينظرون: إذا تعددت الروايات للراوي وعضدت يحكمون على الراوي الثاني بأنه واهم.
الأمر الثاني ينظرون في الشواهد والمتابعات، والمتابعة: هي موافقة الراوي للراوي في نفس الطبقة، لكن هل يشترط الموافقة في المتن؟ هناك خلاف عريض بين المحدثين، والصحيح الراجح أنه يشترط أيضًا الموافقة في المتن، مثال ذلك: قول النبي ﷺ : (لحوم الحمر الأهلية حرام) فيرويه مثلاً: مالك عن نافع عن ابن عمر، فإذا رواه الليث عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر، فـ الليث هنا تابع مالكاً في ابن عمر، فاتفقا في الشيخ الأعلى، فتسمى: متابعة قاصرة، لكن لو روى مالك عن نافع عن ابن عمر فجاء الليث إلى المدينة فروى عن نافع عن ابن عمر، فهذه تسمى: متابعة تامة؛ لأنه وافقه في الشيخ المباشر.
أما موافقة المتن للمتن بدون موافقة للسند، فمثل أن تكون الرواية عن ابن عمر فتأتي رواية موافقة لها عن أبي هريرة، فرواية أبي هريرة شاهدة لرواية ابن عمر ﵁ وأرضاه.
فهنا قعد المحدثون قاعدة مهمة جداً: وهي إذا اختلفت الروايات نظروا في المتابعات والشواهد، ففي عصر الصحابة مثلاً ننظر هل وافق هذا الراوي غيره؟ مثلاً: لو خالف ابن عباس علي بن أبي طالب فهنا ننظر هل وافق علي بن أبي طالب أحد، فإذا وجدنا أن أكثر من رواه قد وافق علياً فنقول: ضبط علي ووهم ابن عباس.
وهذا كحديث نكاح المحرم، فقد وهّم سعيد بن المسيب ابن عباس في هذا الحديث؛ لأنه نظر إلى أبي رافع قد اتفق مع ميمونة، واتفق مع يزيد بن الأصم في الروايات، وانفرد ابن عباس برواية أخرى، فاتفاق هؤلاء الثلاثة يبين لنا أن ابن عباس قد وهم في هذا الحديث.
стр. 37
أمثلة على المتابعة والشواهد
هناك أدلة كثيرة لقاعدة المتابعة والشواهد، منها: إتباع الجنازة، ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان) فالذين سمعوا الحديث من أبي هريرة جاءوا إلى ابن عمر فقالوا: يا ابن عمر: أما رأيت ما قال أبو هريرة؟ قال: ما قال؟ فأخبروه بما قال، فقال ابن عمر: أكثر علينا أبو هريرة، يعني: كأنه يقول: إن أبا هريرة يوهم من حديث النبي ﷺ ، لكنه يعلم أن أبا هريرة من الثقة بمكان، وقد أنزل الله عدالته من فوق سبع سماوات، وهو أروى الناس عن رسول الله، فقال ابن عمر: (اسألوا غيري فسأل عائشة وسأل غيرها: هل قال رسول الله ﷺ : من اتبع جنازة حتى تدفن فله قيراطان من الأجر؟ قالت: صدق أبو هريرة فيما قاله، فقد قال رسول الله ﷺ ذلك) فقال ابن عمر لقد فرطنا في قرارات كثيرة.
فهذه دلالة على إتقان الصحابي الذي يوافقه آخرون من الصحابة في الرواية، ووهم من لم يوافقه غيره.
وكذلك روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (من اقتنى كلباً فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراط إلا كلب حرث أو ماشية) فـ ابن عمر كان يحفظ الحديث هكذا: (من اقتنى كلباً نقص من أجره قيراط إلا كلب صيد أو ماشية) فـ ابن عمر استغرب من ذكر الحرث من أبي هريرة فقال: إن أبا هريرة صاحب زرع، فهذا ليس توهيماً لـ أبي هريرة وإنما موافقة له، أي: أن أبا هريرة خفظ ذلك؛ لأنه صاحب زرع، فـ ابن عمر لم يشك في أبي هريرة؛ لأنه يعلم أن النبي ﷺ قال: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وأبو هريرة لا يمكن أن يكذب على النبي ﷺ .
مثال آخر: وهو عدة المتوفى عنها زوجها، فقد اختلف في ذلك ابن عباس وأبو سلمة بن عبد الرحمن فقال ابن عباس: أبعد الأجلين، فقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: إن عدتها أن تضع حملها، فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، فأرسلوا إلى أم سلمة فقالت: (إن سبيعة الأسلمية كانت حاملاً وتوفي عنها زوجها، فوضعت بعد موته بفترة قصيرة، فأباح لها النبي ﷺ الزواج بعد أن وضعت حملها).
стр. 38
تقديم صاحب القصة
هناك قاعدة قعدها العلماء في نقد المتون المتعارضة، وهذه القاعدة هي: أن صاحب القصة يقدم على غيره ممن يحكون القصة، فقد جاء عن أبي رافع قال: (كنت السفير بين النبي ﷺ وبين ميمونة، وقد تزوجها حلالاً وبنى بها حلالاً) فكأنه يقول لـ ابن عباس: أنت لم تحضر القصة، بل أنا السفير والوكيل، فأنا أتقن منك وأنت قد وهمت في ذلك؛ لأن ابن عباس قال: (تزوجها وهو محرم).
والمثال الثاني: قطع الحمار والمرأة والكلب للصلاة إذا مروا بين يدي المصلي، فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ : أن المرأة والحمار والكلب الأسود إذا مروا أمام المصلي تُقطع بهم الصلاة، فلما سمعت عائشة ذلك قالت: أشبهتمونا بالكلاب والحمير؟ والله لقد كنت معترضة بين النبي ﷺ وبين قبلته وهو يصلي، فإن أراد أن يسجد غمزني في رجلي) فكأنها تقول: أنا صاحبة القصة وأنا التي حدث معها هذا الأمر، فقد كنت أنام معترضة بين النبي وبين القبلة فكيف تقولون: إن المرأة لو مرت تبطل الصلاة؟ لكن هنا لم نرجح قول عائشة مع أنها صاحبة القصة؛ لأن صاحبة القصة جعلت المسألة في غير محل النزاع، فقد استدلت بدلالة هي أخص من هذا الذي نتكلم عنه.
стр. 39
مسألة تعدد المجالس واختلاف الروايات
هذه مسألة أخيرة في عرض السنة على السنة: وهي إذا كانت المجالس قد تعددت واختلفت الروايات فالعلماء قالوا في المجالس المتعددة: إذا أثبتنا أن المجالس متعددة فإننا نجمع بين هذه الروايات التي وردت في المجالس، مثال ذلك في المخالفة أو في تعدد القصة: (أن النبي ﷺ خرج إلى ذي الحليفة فصلى وبعد الصلاة أحرم النبي ﷺ وأهل بالحج والعمرة).
وفي رواية أخرى: (أن النبي ﷺ استوى على ناقته، فلما استوى على ناقته قال: لبيك اللهم بحج أو بعمرة)، في الرواية الأولى أن النبي ﷺ أهل بالحج بعد السلام، والرواية الثانية فيها أن النبي ﷺ أهل بعدما استوى على ناقته، وهناك رواية ثالثة: (أهل النبي ﷺ بعدما علا شرف البيداء) فعندنا ثلاث روايات، فأي هذه الروايات تكون أصح؟ قال بعض العلماء: الرواية الثالثة هي الأيسر والرواية الأولى هي الأصح، فجاء ابن عباس ورسم لنا طريقاً واضحاً فقال: لا مخالفة بين الروايات الثلاث: فالذين رووا القصة الأولى ثقات أثبات فلا نوهمهم، والذين رووا القصة الثانية ثقات أثبات فلا نوهمهم، والذين رووا القصة الثالثة ثقات أثبات فلا نوهمهم، ثم قال ابن عباس: في هذه الحالة نقول: لا نوهم الرواة الثقات ونجمع بينهم بأن النبي ﷺ فعل هذا وفعل هذا وفعل هذا، وهذا الفعل منه ﷺ من أجل التيسير على الناس، إذ إن هذه الشريعة السمحاء ما جاءت إلا بالتيسير على الناس، فكأن النبي ﷺ يقول: أريد أن أييسر عليكم، لكن من أراد الفضل فإن الفضل كل الفضل والكمال كل الكمال أن تحرم بعدما تسلم في المسجد، لكن إن كنت لم تقلم أظافرك ولم تستعمل السواك كما استعمل النبي ﷺ فلك أن تؤخر الإحرام حتى تستوي على الناقة، وهناك تيسير أكبر أن تحرم وأنت على البيداء، فكان هذا تيسير على الأمة، وكان هذا جمعاً لطيفاً من ابن عباس، وكان تقعيداً وتأصيلاً لكل محدِّث ينظر في متون السنة هل يضعف أو لا يضعف، أو يقبل كل الروايات من الرواة الثقات دون أن يوهمهم؟ والنظر في تعدد القصة من أهم القواعد، فهناك قاعدة عند أهل الحديث وهي: إعمال الأحاديث أولى من إهمال أحدها، فنعمل بكل ما جاء عن النبي ﷺ قدر استطاعتنا، فكل ما ورد عنه ﷺ وهي لا يمكن أن يطرح؛ لأن فيه الفائدة.
стр. 40
عرض الحديث على العقل
فهذه هي القاعدة الثانية التي قعدها العلماء في النظر إلى متون السنة.
القاعدة الثالثة: وهي النظر العقلي: أي: أن يعرض الحديث على العقل، فهل سنوافق المعتزلة في عرضنا لحديث النبي ﷺ على العقل حتى نقول: هذا الحديث صحيح، أو هذا الحديث ضعيف؟ وهل العقل له الاستطاعة حتى يحكم أن هذا وحي أو ليس بوحي؟!
следующие страницы →