← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37698

شرح كتاب نقد متون السنة للدميني - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (104 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أقسام المتابعة والفرق بينها وبين الشواهد القاعدة الثانية: إذا اختلفت الروايات فينظرون: إذا تعددت الروايات للراوي وعضدت يحكمون على الراوي الثاني بأنه واهم. الأمر الثاني ينظرون في الشواهد والمتابعات، والمتابعة: هي موافقة الراوي للراوي في نفس الطبقة، لكن هل يشترط الموافقة في المتن؟ هناك خلاف عريض بين المحدثين، والصحيح الراجح أنه يشترط أيضًا الموافقة في المتن، مثال ذلك: قول النبي ﷺ : (لحوم الحمر الأهلية حرام) فيرويه مثلاً: مالك عن نافع عن ابن عمر، فإذا رواه الليث عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر، فـ الليث هنا تابع مالكاً في ابن عمر، فاتفقا في الشيخ الأعلى، فتسمى: متابعة قاصرة، لكن لو روى مالك عن نافع عن ابن عمر فجاء الليث إلى المدينة فروى عن نافع عن ابن عمر، فهذه تسمى: متابعة تامة؛ لأنه وافقه في الشيخ المباشر. أما موافقة المتن للمتن بدون موافقة للسند، فمثل أن تكون الرواية عن ابن عمر فتأتي رواية موافقة لها عن أبي هريرة، فرواية أبي هريرة شاهدة لرواية ابن عمر ﵁ وأرضاه. فهنا قعد المحدثون قاعدة مهمة جداً: وهي إذا اختلفت الروايات نظروا في المتابعات والشواهد، ففي عصر الصحابة مثلاً ننظر هل وافق هذا الراوي غيره؟ مثلاً: لو خالف ابن عباس علي بن أبي طالب فهنا ننظر هل وافق علي بن أبي طالب أحد، فإذا وجدنا أن أكثر من رواه قد وافق علياً فنقول: ضبط علي ووهم ابن عباس. وهذا كحديث نكاح المحرم، فقد وهّم سعيد بن المسيب ابن عباس في هذا الحديث؛ لأنه نظر إلى أبي رافع قد اتفق مع ميمونة، واتفق مع يزيد بن الأصم في الروايات، وانفرد ابن عباس برواية أخرى، فاتفاق هؤلاء الثلاثة يبين لنا أن ابن عباس قد وهم في هذا الحديث.

стр. 37

أمثلة على المتابعة والشواهد هناك أدلة كثيرة لقاعدة المتابعة والشواهد، منها: إتباع الجنازة، ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان) فالذين سمعوا الحديث من أبي هريرة جاءوا إلى ابن عمر فقالوا: يا ابن عمر: أما رأيت ما قال أبو هريرة؟ قال: ما قال؟ فأخبروه بما قال، فقال ابن عمر: أكثر علينا أبو هريرة، يعني: كأنه يقول: إن أبا هريرة يوهم من حديث النبي ﷺ ، لكنه يعلم أن أبا هريرة من الثقة بمكان، وقد أنزل الله عدالته من فوق سبع سماوات، وهو أروى الناس عن رسول الله، فقال ابن عمر: (اسألوا غيري فسأل عائشة وسأل غيرها: هل قال رسول الله ﷺ : من اتبع جنازة حتى تدفن فله قيراطان من الأجر؟ قالت: صدق أبو هريرة فيما قاله، فقد قال رسول الله ﷺ ذلك) فقال ابن عمر لقد فرطنا في قرارات كثيرة. فهذه دلالة على إتقان الصحابي الذي يوافقه آخرون من الصحابة في الرواية، ووهم من لم يوافقه غيره. وكذلك روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (من اقتنى كلباً فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراط إلا كلب حرث أو ماشية) فـ ابن عمر كان يحفظ الحديث هكذا: (من اقتنى كلباً نقص من أجره قيراط إلا كلب صيد أو ماشية) فـ ابن عمر استغرب من ذكر الحرث من أبي هريرة فقال: إن أبا هريرة صاحب زرع، فهذا ليس توهيماً لـ أبي هريرة وإنما موافقة له، أي: أن أبا هريرة خفظ ذلك؛ لأنه صاحب زرع، فـ ابن عمر لم يشك في أبي هريرة؛ لأنه يعلم أن النبي ﷺ قال: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وأبو هريرة لا يمكن أن يكذب على النبي ﷺ . مثال آخر: وهو عدة المتوفى عنها زوجها، فقد اختلف في ذلك ابن عباس وأبو سلمة بن عبد الرحمن فقال ابن عباس: أبعد الأجلين، فقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: إن عدتها أن تضع حملها، فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، فأرسلوا إلى أم سلمة فقالت: (إن سبيعة الأسلمية كانت حاملاً وتوفي عنها زوجها، فوضعت بعد موته بفترة قصيرة، فأباح لها النبي ﷺ الزواج بعد أن وضعت حملها).

стр. 38

تقديم صاحب القصة هناك قاعدة قعدها العلماء في نقد المتون المتعارضة، وهذه القاعدة هي: أن صاحب القصة يقدم على غيره ممن يحكون القصة، فقد جاء عن أبي رافع قال: (كنت السفير بين النبي ﷺ وبين ميمونة، وقد تزوجها حلالاً وبنى بها حلالاً) فكأنه يقول لـ ابن عباس: أنت لم تحضر القصة، بل أنا السفير والوكيل، فأنا أتقن منك وأنت قد وهمت في ذلك؛ لأن ابن عباس قال: (تزوجها وهو محرم). والمثال الثاني: قطع الحمار والمرأة والكلب للصلاة إذا مروا بين يدي المصلي، فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ : أن المرأة والحمار والكلب الأسود إذا مروا أمام المصلي تُقطع بهم الصلاة، فلما سمعت عائشة ذلك قالت: أشبهتمونا بالكلاب والحمير؟ والله لقد كنت معترضة بين النبي ﷺ وبين قبلته وهو يصلي، فإن أراد أن يسجد غمزني في رجلي) فكأنها تقول: أنا صاحبة القصة وأنا التي حدث معها هذا الأمر، فقد كنت أنام معترضة بين النبي وبين القبلة فكيف تقولون: إن المرأة لو مرت تبطل الصلاة؟ لكن هنا لم نرجح قول عائشة مع أنها صاحبة القصة؛ لأن صاحبة القصة جعلت المسألة في غير محل النزاع، فقد استدلت بدلالة هي أخص من هذا الذي نتكلم عنه.

стр. 39

مسألة تعدد المجالس واختلاف الروايات هذه مسألة أخيرة في عرض السنة على السنة: وهي إذا كانت المجالس قد تعددت واختلفت الروايات فالعلماء قالوا في المجالس المتعددة: إذا أثبتنا أن المجالس متعددة فإننا نجمع بين هذه الروايات التي وردت في المجالس، مثال ذلك في المخالفة أو في تعدد القصة: (أن النبي ﷺ خرج إلى ذي الحليفة فصلى وبعد الصلاة أحرم النبي ﷺ وأهل بالحج والعمرة). وفي رواية أخرى: (أن النبي ﷺ استوى على ناقته، فلما استوى على ناقته قال: لبيك اللهم بحج أو بعمرة)، في الرواية الأولى أن النبي ﷺ أهل بالحج بعد السلام، والرواية الثانية فيها أن النبي ﷺ أهل بعدما استوى على ناقته، وهناك رواية ثالثة: (أهل النبي ﷺ بعدما علا شرف البيداء) فعندنا ثلاث روايات، فأي هذه الروايات تكون أصح؟ قال بعض العلماء: الرواية الثالثة هي الأيسر والرواية الأولى هي الأصح، فجاء ابن عباس ورسم لنا طريقاً واضحاً فقال: لا مخالفة بين الروايات الثلاث: فالذين رووا القصة الأولى ثقات أثبات فلا نوهمهم، والذين رووا القصة الثانية ثقات أثبات فلا نوهمهم، والذين رووا القصة الثالثة ثقات أثبات فلا نوهمهم، ثم قال ابن عباس: في هذه الحالة نقول: لا نوهم الرواة الثقات ونجمع بينهم بأن النبي ﷺ فعل هذا وفعل هذا وفعل هذا، وهذا الفعل منه ﷺ من أجل التيسير على الناس، إذ إن هذه الشريعة السمحاء ما جاءت إلا بالتيسير على الناس، فكأن النبي ﷺ يقول: أريد أن أييسر عليكم، لكن من أراد الفضل فإن الفضل كل الفضل والكمال كل الكمال أن تحرم بعدما تسلم في المسجد، لكن إن كنت لم تقلم أظافرك ولم تستعمل السواك كما استعمل النبي ﷺ فلك أن تؤخر الإحرام حتى تستوي على الناقة، وهناك تيسير أكبر أن تحرم وأنت على البيداء، فكان هذا تيسير على الأمة، وكان هذا جمعاً لطيفاً من ابن عباس، وكان تقعيداً وتأصيلاً لكل محدِّث ينظر في متون السنة هل يضعف أو لا يضعف، أو يقبل كل الروايات من الرواة الثقات دون أن يوهمهم؟ والنظر في تعدد القصة من أهم القواعد، فهناك قاعدة عند أهل الحديث وهي: إعمال الأحاديث أولى من إهمال أحدها، فنعمل بكل ما جاء عن النبي ﷺ قدر استطاعتنا، فكل ما ورد عنه ﷺ وهي لا يمكن أن يطرح؛ لأن فيه الفائدة.

стр. 40

عرض الحديث على العقل فهذه هي القاعدة الثانية التي قعدها العلماء في النظر إلى متون السنة. القاعدة الثالثة: وهي النظر العقلي: أي: أن يعرض الحديث على العقل، فهل سنوافق المعتزلة في عرضنا لحديث النبي ﷺ على العقل حتى نقول: هذا الحديث صحيح، أو هذا الحديث ضعيف؟ وهل العقل له الاستطاعة حتى يحكم أن هذا وحي أو ليس بوحي؟!

стр. 41

شرح مقاييس نقد متون السنة - المقياس الثالث: النظر العقلي ومقاييس النقد عند الفقهاء لقد اهتم العلماء المتقدمون رحمهم الله تعالى بأحاديث رسول الله ﷺ ، فوضعوا لذلك قواعد عظيمة؛ ليميزوا كلام رسول الله ﷺ من كلام غيره، وليميزوا أيضاً الحديث الصحيح من الضعيف، وسواء كان ذلك فيما يتعلق بالمتن أو بالسند، ومن هذه القواعد الجليلة: عرض السنة على القرآن.

стр. 42

قاعدة عرض السنة على الكتاب وأمثلتها إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فما زلنا مع حديث النبي ﷺ ونظر الصحابة، في التفتيش العميق لمعرفة صحة هذه الأحاديث أو ضعفها، وقد قلنا مراراً أن للصحابة الكرام قواعد مهمة قعدوها في تنقية أحاديث النبي ﷺ ؛ ليعلموا هل هذا الحديث قاله رسول الله أم لم يقله رسول الله ﷺ . ومن هذه القواعد: قاعدة عرض السنة على الكتاب، ومن أمثلة ذلك:

стр. 43

حديث: (ولد الزنا شر الثلاثة)، وحديث: (لا يدخل الجنة ولد زنا) حديث: (ولد الزنا شر الثلاثة)، وفي رواية: (لا يدخل الجنة ولد زنا). فهذا الحديث مخالف ومصادم لقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]؛ لذلك رده العلماء ولم يحتجوا به.

стр. 44

حديث المطلقة ثلاثاً لها النفقة والسكنى ومثال آخر: في المطلقة ثلاثاً هل لها النفقة والسكنى أم لا، فجاء في صحيح مسلم من حديث فاطمة بنت قيس: (أنه لا نفقة لها ولا سكنى؛ إلا أن تكون حاملاً)، والقرآن أثبت أن لها النفقة والسكنى، ولذلك قال عمر بن الخطاب: لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت؟ فحكم العلماء على هذه الزيادة في مسلم بأنها ضعيفة؛ لأنها شاذة. والقاعدة الثانية: النظر العقلي. ولنا وقفه مع مسألة العقل، إذ العقل لا يكون حاكماً على سنة النبي ﷺ ، فالنظر لا يمكن أن يكون حاكماً على الأثر، وإنما الأثر هو الحاكم على النظر، ولذلك ألف شيخ الإسلام ابن تيمية كتاباً مكوناً من أحد عشر مجلداً أسماه: (درء تعارض العقل مع النقل)، فالعقل السليم السديد لا يمكن أن يعارض النص الصريح، والعقل لا بد أن يوافق النص، لكن الصحابة رضوان الله عليهم دائماً إذا استغربوا شيئاً نظروا بدقة نظر إلى كلام النبي ﷺ فيعرفون هل هذا من كلامه أو ليس من كلامه؟ وهل هذه الأحكام يمكن أن تكون أحكام النبي أو لا تكون أحكام النبي ﷺ ؟ وأيضاً استخداموا العقل في محله الصحيح وهو: الإجابة عن بعض الروايات التي يمكن أن تستنكر.

стр. 45

حديث الوضوء مما مسته النار مثال ذلك: حديث أبي هريرة ﵁ عندما حدث عائشة وابن عباس: (أن النبي ﷺ أمر بالوضوء مما مسته النار)، فابن عباس ﵁ نظر إلى هذا الحديث نظرة تمحيصية عقلية فقال: انظر ما تقول يا أبا هريرة! فقد نظر بعقله إلى الحديث لكن لم يرده، بل وافق عليه في هذا كما سنبين. فهو بعقله نظر إلى هذا الحديث فقال: نتوضأ مما مست النار لماذا؟! قال: يا أبا هريرة! أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم، يعني: الماء الساخن؟ يعني هل في الماء الساخن نجاسة؟ وهل الدهن فيه نجاسة؟ وما الذي يدعوني إلى أن أتوضأ مما مسته النار؟ ولذلك نجد أن أبا هريرة قد أصل لنا أصلاً ليس بعده أصل، وقعد لنا قاعدة لكل امرئ يحترم ويقدر ويعظم حديث النبي ﷺ ، ويعرف كيف الطريق إلى صحة الحديث أو ترك الحديث؟ فقال أبو هريرة: يا ابن أخي! إذا حدثتك عن رسول الله فلا تضرب له الأمثال. وانظروا هنا إلى فصل النزاع، وكيف أنه قيّد وحدّ العقل حتى وإن لم تستطع أن تتدبر وتتفهم ما أمر به النبي ﷺ ، وكأن ابن عباس ضرب لنا مثلاً وهو: أن الأصل في الأحكام التعليل، أي: أن تكون معللة، فما العلة التي من أجلها نتوضأ مما مسته النار؟ ليس هناك علة لا نجاسة ولا انتقاض وضوء ولا شيء آخر، فـ ابن عباس ﵁ كأنه يقول: إن معظم الأحكام معللة ولا علة هنا، فلا يكون النبي ﷺ قد قال هذا الحديث. وأراد أن يوهم أبا هريرة، فقال له أبو هريرة مؤصلاً أصلاً آخر للذين يتعلمون كيف يدارسون حديث النبي ﷺ : يا ابن أخي! إن حدثتك بحديث عن رسول الله فلا تضرب له الأمثال، وإنما قل: سمعت وأطعت، وهذه قوة من أبي هريرة ﵁ وأرضاه، لكن هو شاهد أيضاً إلى أن مدخل العقل أن ينظر إلى هذه المسألة، هل يقبلها العقل أم لا؟ فإن لم يقبلها العقل ولم يستطع أن يتفهمها ويعقلها مع ثبوتها فلا بد أن يقول: سمعت وأطعت.

стр. 46

حديث الغسل من غسل الميت مثال آخر: حديث أبي هريرة ﵁ النبي ﷺ قال: (من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ). ومقصودنا هنا المتون لا الأسانيد، وأما أسانيد هذه الأحاديث فضعيفة. فـ عائشة ﵂ نظرت نظرة متفحصة في متن هذا الحديث فقالت: أنجس أبو هريرة الميت؟! وكذلك ابن عباس ﵁ ما سمع هذا الحديث قال: أمن عيدان أحملها أتوضأ؟ فهنا كان النظر قوياً مع السيدة عائشة وابن عباس ﵄؛ لأن النظر في التعليل يدل على أنه لا حاجة للغسل من تغسيل الميت، ولا لزوم للوضوء من حمله؛ إذ قد بين النبي ﷺ نواقض الوضوء ولم يذكر منها هذا. فهذه دلالة كبيرة جداً على أن الصحابة كانوا أيضاً يمحصون النظر، لكن بتأدب مع حديث النبي ﷺ ، فيوهمون الراوي أو يناقشون الراوي في المتن، فإن استطاع أن يجيب لهم عن الإشكالات أخذوا الحديث سمعاً وطاعة، ولم يكن الصحابة عند ظهور هذه الأمور المشكلة يبادرون كما يبادر الجهلاء والمغرضين إلى رد حديث النبي ﷺ ، أو رد كلام البخاري كما بينا قبل ذلك، فهم لم يكونوا كذلك وإنما أخذوا ينظرون ويقولون: كيف نجيب عن هذه الأدلة؟ لأننا نعلم أن الحديث إذا ثبت عن النبي ﷺ فهو حق، فلا بد أن نجيب عن هذه الأدلة، فأعملوا النظر في الأدلة، ولما رأوا أن هناك اختلافاً وتعارضاً في الظاهر بين الأدلة قالوا: ننظر نظرة ممحصة، وهنا مجال للعقل الصحيح كي يجيب عن هذه الافتراضات وعن هذه الإشكالات، حتى تصفو لنا أحاديث النبي التي هي من مشكاة واحدة.

стр. 47

أحاديث النهي عن استقبال واستدبار القبلة ببول أو غائط مثال آخر: أحاديث النهي عن استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط، فهي تدع العقل يتحير فيها، قال النبي ﷺ : (لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط ولا تستدبروها). والحديث يحمل على العموم سواء كان ذلك في الصحراء أو في البنيان، ويعضد هذا العموم فهم الراوي وعمله، والقاعدة عند المحدثين: أن الراوي أعلم بما روى، والراوي هنا هو أبو أيوب ﵁، حيث قال: فذهبنا إلى الشام فوجدنا المراحيض قد بينت مستقبلة بيت المقدس مستدبرة القبلة، فكنا ننحرف ونستغفر الله. ومعنى ذلك: أن أبا أيوب يرى أن ذلك على العموم، سواء في الكنف أو في الصحاري، والحديث يدل على التحريم. فانظروا إلى عقول الصحابة، وكيف يتعاملون مع الأحاديث، فهم لم يردوها بسوء أدب مع حديث النبي ﷺ ، وكذلك لم تجعلهم العاطفة يصححون حديثاً موضوعاً، فـ ابن عمر ﵁ وأرضاه (رأى النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل بيت المقدس مستدبر الكعبة). فهذا تصريح من ابن عمر بأن النبي ﷺ فعل ذلك، فالنبي ﷺ قد فعل شيئاً ونهى عنه! فيكون قد عارض فعله قوله. وهنا ننظر في هذا، فإما أن نرد هذا أو نرد هذا، أو نجمع بين الأدلة، ولا مجال للعقل هنا أن يرد الحديث، فننظر كيف أن ابن عمر يتعامل مع هذه الأحاديث، وهو قد علم أن النبي ﷺ نهى عنه الاستقبال والاستدبار، فقام في الصحراء وأراد أن يقضي حاجته، فأخذ راحلته فجعلها ساتراً له مقابلة للقبلة، ثم قعد يقضي حاجته، فجاء نافع فأنكر عليه فقال: يا ابن عمر! أما علمت أن رسول الله قد نهى عن الاستقبال والاستدبار للقبلة في قضاء الحاجة. فقال ابن عمر: هذا في الصحراء لا في البنيان. وكأن ابن عمر يقول: أنت ما فهمت عن رسول الله ﷺ ما قاله، فالنهي في الحديث إذا لم يكن بينك وبين القبلة ساتر، وأما إذا كان هناك ساتر بينك وبين القبلة فلا يحرم. فانظروا إلى ابن عمر كيف جمع بين الروايتين، فالمرء ربما إذا نظر إلى الروايتين فسيقول: لا بد أن أرد حديثاً من الحديثين، لكن الصحيح والراجح: أن العقل مجاله هنا أن يجيب عن هذه الإشكالات، وأن يزيل الغمة التي تحدث بين الأدلة التي ظاهرها التعارض. وعند ذلك اختلف الفقهاء اختلافاً شديداً في هذه المسألة، والغرض المقصود هنا أن ابن عمر لم يضرب الحديث بالحديث، لكن قال: هذا الحديث له موضع وذاك الحديث له موضع آخر، وكأنه قال: العموم الذي رواه أبو أيوب مخصوص بالبنيان. لذا: فلو أن رجلاً دخل الحمام في بيته، وهذه الحمامات أو المراحيض قد تكون مستقبلة للقبلة أو مستدبرة لها، فيجوز له قضاء الحاجة ولا إثم عليه؛ لأن هناك ما يحجبه عن القبلة وهو: البنيان، كما فعل النبي ﷺ عندما ارتقى ابن عمر فرآه يقضي حاجته مستقبل بيت المقدس مستدبر الكعبة.

стр. 48

حديث النهي عن الشرب قائماً مثال آخر: حديث النهي عن الشرب قائماً، وكيف يحل هذا الإشكال؟ حيث ورد من حديث أنس أن النبي ﷺ مر على رجل وهو يشرب قائماً فقال له: (تريد أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: فإنه يشرب معك من هو شر منه، الشيطان). ففي الحديث دلالة على الحرمة وأنه لا يجوز الشرب قائماً، لكن قد ثبت عن النبي ﷺ (أنه شرب قائماً من شن معلقة). فهنا الصحابة أدخلوا العقل لقبول الأحاديث لا لردها كما يفعل الجهال اليوم، حيث إنهم يردون حديث النبي ﷺ إذا تعارض -في نظرهم وإلا فليس هناك تعارض- مع عقولهم القاصرة. فجاء عن علي بن أبي طالب ﵁ أرضاه: أنه توضأ ثم شرب قائماً وقال: لأنكلن بأناس يمنعون الشرب قائماً. فهذا فهم من علي بن أبي طالب ثم قال: (شرب النبي ﷺ قائماً)، وقد نهى عن ذلك، إذاً: فأكثر وأشد أحواله أن يكون الشرب قائماً على الكراهة لا على التحريم، والمقصود من هذا كيف يفعل الصحابة في توجيه التعارض وتوجيه الخلاف أو الإشكال الذي يظهر في أحاديث النبي ﷺ . مثال آخر: وردت أدلة للنهي عن التبول قائماً، أولاً: من فعل النبي ﷺ ، فعن عائشة بينت أن النبي ﷺ لم يبل قائماً، بل كان يبول قاعداً.

стр. 49

حديث النهي عن البول قائماً ثانياً: من قوله، فقد جاء حديث بسند ضعيف من حديث عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ نهى عن التبول قائماً. وفي المقابل: ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ بال قائماً. فنحتاج الآن إلى التوجيه، فإما أن نرد هذا أو نرد ذاك، والصواب ألا نرد حديثاً، بل نُعْمِل العقل لقبول هذه الأحاديث؛ لأنها خرجت من مشكاة واحد. فالتوجيه هنا: أن حديث عمر ضعيف لا يحتج به، ويبقى لنا فعل النبي ﷺ أنه بال قاعداً وقائماً، فتعارض الفعلان، فننظر في الهيئة والحالة التي بال عليها النبي ﷺ قائماً، فنجد أنه بال على سباطة قوم رخوة تمتص الماء، والرشاش لا يعود منها على الثوب، فإن كان كذلك جاز له أن يبول قائماً، وإن كانت الأرض صلبة فالرشاش سيعود على الثوب، فتقع النجاسة على الثوب، ولا يصح للإنسان أن يبول قائماً عند ذلك، فلا يجوز أن يصلي الإنسان في ثوب نجس، لذلك يلزمه أن يجلس حتى يأمن من عودة النجاسة عليه.

стр. 50

حديث الوضوء مما مست النار أما الرد على حديث أبي هريرة السابق: (الوضوء مما مسته النار) فهو منسوخ عند الجمهور، وقالوا: هو منسوخ كلية في لحم الجزور وفي غيره، والصحيح والراجح ما رجحته الحنابلة؛ لأن نسخ دار على كل مسخن إلا لحم الجزور فلحم الجزور يجب على من أكل لحم الجزور أن يتوضأ لماذا؟ لذا ورد في السنن أن النبي ﷺ سأله أحدهم فقال: (أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت -فخيرهم- فقال له: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: توضأ). فخيره في الوضوء من لحم الغنم، والتخيير يدل على الجواز، بينما أمره بالوضوء من لحوم الإبل. وأما حديث (من غسل ميتاً فليغتسل) فهو حديث ضعيف، والصحيح الراجح: أنه لا يفعل شيئاً من ذلك، بل من غسل ميتاً فله أن يصلي ولا يتوضأ، ومن حمل ميتاً أيضاً فلا يلزمه الوضوء، لكن إن فعل ذلك على سبيل الاستحباب فله ذلك لكن لا يلزمه. فنرى هنا كيف أن المحدثين أنفقوا الغالي والرخيص من أجل حديث النبي ﷺ ، ومن أجل التفتيش على الحديث الصحيح والحديث الضعيف، ومن أجل الحفاظ على هذه المشكاة، وهذا العلم الغزير من رسول الله؛ لأن الأحكام كلها تتعلق بصحة حديث النبي ﷺ ، فللمحدثين قواعد ينظرون فيها لغربلة أحاديث النبي ﷺ ، سواء في المتون أو الأسانيد، فأما الأسانيد فكتب الجرح والتعديل كثيرة جداً في ذلك، وأساليب التضعيف كثيرة جداً، وهذا إن شاء الله لعلنا ندرسه بعدما نتكلم على كيفية نقد المتون.

стр. 51

قاعدة ليس كل حديث صح سنده يصح متنه وأمثلتها ننشغل الآن بمسألة نقد المتون، فهم كما قلت: أنفقوا كل ما يملكون من أجل نقد الأسانيد والمتون، ووجد من المحدثين من انشغل بنقد المتون عن نقد الأسانيد، إلا القليل منهم ممن جمع بين نقد المتون والأسانيد، وهذا انطلاقاً من قاعدة قعدها العلماء ألا وهي: ليس كل حديث صح سنده يصح متنه.

стр. 52

حديث زواج النبي ﷺ من ميمونة وهو حلال مثال ذلك: حديث أبي رافع ﵁ الله عنه عندما عقد للنبي ﷺ على ميمونة وهو حلال، فخالف في ذلك ابن عباس ﵁ فقال: إن النبي ﷺ عقد على ميمونة وهو محرم، فـ ابن عباس قد خالف أبا رافع وخالف صاحبة القصة ميمونة ﵂ التي قالت: (ما عقد عليّ النبي ﷺ إلا وهو حلال)، فحديث ابن عباس سنده صحيح لكن متنه فيه شذوذ؛ لأن ابن عباس خالف في ذلك كما ذكرنا.

стр. 53

حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة وأظهر مثالين في ذلك: الأول: حديث في الصحيحين قال النبي ﷺ : (يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب) ثم بينهم بقوله (هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون). هو فانفرد مسلم برواية (لا يرقون). فهي شاذة، لأن النبي ﷺ قد رقى، وجبريل ﵇ قد رقى، وأمر النبي ﷺ بالرقية، فكيف نقول: بأن ذلك قدح في التوكل! فهذه الزيادة شاذة.

стр. 54

حديث افتتاح الصلاة بـ (الحمد لله رب العالمين) الثاني: حديث البسملة، وهو من حديث أنس قال: صليت خلف النبي ﷺ ، وخلف أبي بكر وعمر كلهم يفتتح الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، ولا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١]. فدل ذلك على أن هذه الزيادة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] شاذة وأسانيد التي فيها ذكر البسملة موجودة في مسلم، ولكن المتن شاذ؛ لأنه مخالف الروايات الثقات.

стр. 55

بيان العلماء الذين اشتغلوا بنقد المتن والسند معاً وهنا السؤال من الذي انشغل بنقد المتن مع نقد السند؟ و الجواب اشتغل بذلك ابن الجوزي وابن القيم عليهما رحمة الله تعالى، فقد انشغلا جداً بمسألة المتون، وأيضاً بالأسانيد، وكذلك الإمام الشوكاني. فهؤلاء نظروا إلى المتون ومحصوا النظر فيها، هل تصح عن النبي أو لا تصح، وهذه القواعد التي أخذوها عن السلف لم يحيدوا عنها قيد شعرة، فهي قواعد وضعها علماء الإسلام من عهد الصحابة ومن بعدهم، فصاروا على نهجهم.

стр. 56

قاعدة عرض السنة على الكتاب وضوابطها وأمثلتها فالقاعدة الأولى عند الصحابة للتمحيص والنظر في نقد المتون هي: عرض السنة على الكتاب، لكن لهذا العرض على الكتاب ضوابط، حتى لا ندخل في مذهب القرآنيين. ومن هذه الضوابط: أن يكون الحديث قد خالف الكتاب من كل وجه. ونذكر أمثلة على ذلك:

стр. 57

المثال الأول: حديث: (ولد الزنا شر الثلاثة) المثال الأول: حديث: (ولد الزنا شر الثلاثة)، أي: الزاني والزانية وولد الزنا، وحديث: (لا يدخل الجنة ولد زنا). فهذا الحديث مخالف للكتاب من كل وجه فلذلك رُدَّ.

стр. 58

المثال الثاني: حديث: (استأذنت ربي أن أذهب إلى قبر أمي فأحياها الله) حديث عائشة في السنن أن النبي ﷺ قال: (استأذنت ربي أن أذهب إلى قبر أمي فأذن لي، فأحياها الله فدعوتها إلى الإسلام فأسلمت، ثم ردها). وهذا الحديث يردده السفهاء والمبتدعة، وقد صححه الإمام السيوطي عليه رحمة الله تعالى. فـ ابن الجوزي نظر في هذا الحديث وقال: هذا الحديث لا يصحح إلا من رجل عديم العلم قليل الفهم. وهذا كلام جيد جداً لمن يتصدى لهذا الحديث ويصححه؛ لأن ذلك يصادم مصادمة صريحة لكتاب الله جل في علاه، وذلك أن الله جل في علاه كتب على نفسه أن من مات لا يرجع إلى هذه الدنيا، فقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]. وهناك حديث عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى بسند صحيح: (أنه لا أحد إذا مات ورأى الجنة يتمنى أن يرجع إلى هذه الدنيا إلا الشهيد، فيتمنى أن يرجع ليقتل مرة ثانية في سبيل الله سبحانه جل في علاه). إذاً: فهذا تصريح بأن الله جل وعلا كتب على نفسه أن من أماته فلا يرده مرة ثانية، فهذا أولاً. والأمر الثاني: أن من مات فقد عاين الغيب وأصبح الغيب بالنسبة له شهادة، فلا يحتاج إلى تمحيص نظر في تصديقه؛ لأنه قد عاين الغيب. وأيضاً ناهيك على التصريح بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة:٢١٧]، وهي قد ماتت كافرة، ومن مات وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم، ولا يمكن أن ترد. وأما الإمام الشوكاني فقد نظر في المتن -ناهيك عن أن إسناده مهلهل- فوجده يصادم الكتاب من كل وجه، فقال: لا يمكن أن يصح هذا الحديث، فهو كلام باطل؛ لأنه مصادم لكتاب الله جل في علاه من كل وجه. فانظروا كيف أن المحدثين ينظرون إلى حديث النبي فمحصون النظر فيه تضعيفاً وتصحيحاً، فإن خالف الكتاب من كل وجه أصبح هذا الحديث لا قيمة له، ويكونون مردوداً؛ لأن الكتاب نقل إلينا بالتواتر فأصبح كالجبل الأشم الشامخ، فلا أحد يستطيع أن يتكلم فيه، فإن خولف من كل وجه فلا يمكن أن يكون هذا قد قاله النبي ﷺ ؛ لأن السنة من الله كما أن الكتاب من الله، والله جل وعلا يقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، ولذلك فإن السنة لا يمكن أن تصادم القرآن، ولذا قال الشوكاني: هذا الحديث موضوع. وهذه المسألة صعبة جداً، وهي على أهل البدع أصعب ما تكون؛ لأنهم كما قلت يتبنون أن أم النبي وأن أبا النبي في الجنة وليسا في النار، وأن الله قد أحياهما للنبي فأسلما على يديه محتجين بهذا الحديث الباطل. وأقول: إن حكم أم النبي وحكم أبي النبي ﷺ -وإن استغرب المستغربون- أنهما في النار خالدين مخلدين فيها نعوذ بالله من ذلك، فحكمة الله اقتضت ذلك، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]. وحديث أن النبي ﷺ قال: (إن أبي وأباك في النار) صريح جداً في هذه المسألة. وهنا يأتي إشكال من أهل البدع والضلالة في هذا الباب، فإنهم يقولون لنا: ماذا تقولون في أهل الفترة؟ وهل والد النبي ﷺ من أهل الفترة؟ فنقول: أهل السنة والجماعة يرون أن أهل الفترة ممتحنون يوم القيامة، فمن أطاع ربه منهم دخل الجنة، ومن عصى ربه منهم دخل النار. وقبل الجواب عن هذا الإشكال نقول: أهل الفترة هم الذين م يبعث إليهم رسول، فإذا قلنا: لم يبعث لهم رسول فأبوا النبي ﷺ من أهل الفترة، وهنا السؤال هل أهل الفترة مطالبون بديانة معينة كدين عيسى أو دين موسى أو دين إبراهيم، فإذا كان لهم ديانة فليسو من أهل الفترة، وهنا عندنا دليلان متعارضان: الأول: أنهم من أهل الفترة؛ لأنهم لم يبعث لهم رسول، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]. والثاني: ليسوا من أهل الفترة؛ لأنهم على دين إبراهيم ﵇ كما سنبين، إذاً فكيف حل هذا الإشكال؟ و الجواب أولاً: أن قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥] ليس المقصود به الرسول بذاته، وإلا فإن الأمريكان الآن والروس الكفار مثلاً: سيكونون من أهل الفترة؛ لأنهم ما جاءهم رسول!! ولو قلنا: بأن ذات الرسول هي المقصودة في الآية فمعنى ذلك: أنه لا يمكن أن تقام الحجة إلا بالرسول، لكان المقصود بالآية هو: بلاغ الحجة، أي: أن تبلغ الحجة والرسالة، سواء كانت من الرسول، أو من وكيل الرسول، أو من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : (بلغوا عني ولو آية) وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران:١٨]. فالعلماء هم الذين يقومون مقام الرسل في تبليغ الرسالة، فتنقطع الحجة بذلك. وهنا نقول: إن والدي النبي ﷺ ما جاءهما رسول، فإن جاءتهما الحجة فهما ليسا من أهل الفترة، وإن لم تأت إليهما الحجة فهما من أهل الفترة، وهذا الذي أشكل على ابن كثير، ولذلك كان يقول: عصر ما قبل النبوة في مكة اخلتط فيه الأمران فكان فيهم من أهل الفترة حقاً؛ لأنه لم يأتهم الدين الصحيح، وفيهم من أتاه الدين الصحيح. فوالدا النبي ﷺ جزماً قد أتاهما الدين الصحيح والحجة الصحيحة، وهي: التوحيد، ولاسيما وأن كل إنسان كان له أن يتعبد بشريعة نبي من الأنبياء، لكن لا بد أن يكون على أصل الدين، وهو: التوحيد، ولذلك كان ورقة بن نوفل يهودياً، ثم تنصر وأخذ بشريعة النصرانية، لكنه كان على دين التوحيد. وأهل مكة بلغهم دين إبراهيم ﵇، لكنهم لوَّثوا دين إبراهيم، فأدخلوا على التوحيد الشرك. ولذلك فالنبي ﷺ لما وجد التصاوير التي صورت في الكعبة كصورة إبراهيم وهو يستقسم بالأزلام والعياذ بالله فقال: (كذبوا والله، قد علموا أنه لم يستقسم بالأزلام قط)، إذاً فهذه فيه دلالة من النبي على أن أهل مكة قد وصلهم دين إبراهيم النقي ولم يأخذوا به، والدليل الذي يؤكد ذلك أن النبي ﷺ جزم بأن أباه في النار فقال: (إن أبي وأباك في النار). ففيه دلالة على أنهم قد بلغتهم الحجة؛ لأننا نقول: بأن الله لا يعذب أحداً لم تبلغه الحجة، بدليل قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، ولقول الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى﴾ [الملك:٨ - ٩]. فلو احتجوا وقالوا: لم يأتنا نبي لكان لهم الحجة على الله، لحديث النبي ﷺ أنه قال في أهل الفترة: (ثلاثة أو أربعة لهم الحجة على الله ومنهم رجل لم يأته النذير، فيقول: لم يأتني رسولك، فتكون له الحجة على الله يوم القيامة، فيختبره الله فيقول له: أدخل النار، فإن دخلها كانت برداً وسلاماً عليه، ثم بعد ذلك يدخل الجنة). فهنا نرى أن السبب بين في أن دين إبراهيم قد وصلهم، وقد جزم بأن أباه في النار، وجزم أيضاً بأن أمه في النار عندما قال: (استأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، ثم استأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي). وهذا الحديث يعضد القول بأن دين إبراهيم قد بلغ أم النبي ﷺ ، وقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ مَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١١٣]. والشاهد هنا: ((لِلْمُشْرِكِينَ))، فقد منع النبي ﷺ أن يستغفر لها؛ لأنها كانت مشركة، ولا توسم بأنها مشركة إلا إذا أتاها التوحيد فأشركت، فاستحقت النار، فهذه دلالة واضحة على أن أم النبي ﷺ في النار، وهذه حكمة الله البالغة، ونحمد الله على نعمة الإسلام ليل نهار، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، فعم النبي في النار، وأم النبي في النار، وأبو النبي في النار، وجد النبي في النار، ولن يشفع النسب في ذلك؛ لأنه ليس بين الله وبين عباده نسب.

стр. 59

المثال الثالث: حديث أن الخضر لا زال حياً المثل الثالث: الذي محصه المحدثون فعرضوه على الكتاب، فوجدوه قد خالف الكتاب من كل وجه فردوه وقالوا: هذا موضوع: (أن النبي ﷺ أخبرنا بأن الخضر يلقى إلياس كل يوم أو كل عام)، ففي الحديث دلالة على حياة الخضر، وقد تمسك بهذا الصوفية، وأن الخضر ما زال إلى الآن حياً، وقال به بعض أهل السنة والجماعة. فهل فعلاً أن الخضر لا زال حياً أم لا؟ وهل قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، فيها دلالة على أن الخضر قد مات؟ ليس في الآية دلالة على أن الخضر قد مات، لأنه قد يموت بعد ذلك: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] وعلى هذا فلا نرد هذا الحديث بل نقبله. ومثلها قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] والدليل على أن الخضر قد مات قوله تعالى مخاطباً نبيه محمد ﷺ : ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء:٣٤] الآية، فالخضر داخل تحت هذه الآية؛ لأنه قبل النبي ﷺ ، أي: لا بد أن يموت. ومن أظهر الأدلة على أن الخضر قد مات قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران:٨١]، فيجب على الخضر إن كان حياً أن يبايع النبي ﷺ ، وأن يناصره، ولكن لم يحدث ذلك، فدل ذلك على موت الخضر. إذاً: فهذا الحديث من كل وجه يخالف القرآن، فلا بد أن نرده ونقول: إن لم يكن موضوعاً فهو ضعيف لا يؤخذ به؛ لأنه خالف صريح الكتاب.

стр. 60

المثال الرابع: حديث: (من أكل مع مغفور) المثل الرابع: حديث أن النبي ﷺ قال: (من أكل مع مغفور له فقد غفر له). فلو أن رجلاً نظر إلى رجل صالح ولي من أولياء الله قد ظهرت كرامته، وقلنا: قد غفر له، أو إذا شهد النبي ﷺ للرجل بأنه مغفور له، فهل الأكل معه يجرك لأن تأخذ حكمه، فتكون مغفوراً لك؟ وإذا نظرنا إلى التقعيد العلمي الذي قعده لنا المحدثون فإننا نجد أن هذا الحديث قد خالف القرآن من كل وجه، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨] فالمغفور له هذا بما كسب، وأما الثاني فكيف يكون مغفوراً له وهو لم يعمل، ولم يشهد له النبي ﷺ بذلك؟ وأيضاً هذا الحديث مصادم لقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس:٥٤]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]. وهناك آية صريحة تثبت أن أهل الفساد لن ينفعهم أهل الصلاح، وهي قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم:١٠]. فالمرأة تأكل معه، وتشرب معه، وتنام معه، ومع ذلك هي في النار، فهذا صريح من الله جل في علاه يبين أن كل نفس تؤخذ بما كسبت.

стр. 61

المثال الخامس: حديث: (سب أصحابي ذنب لا يغتفر) المثل الخامس: حديث النبي ﷺ : (سب أصحابي ذنب لا يغتفر) قال ابن تيمية: الوضع يلوح عليه. فهو مصادم لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، ويمكن الجمع بين الدليلين، فنقول: من سب الصحابة لدينهم وأعمالهم فهو كافر، لكن لو سب الصحابة للمشاحنات التي وقعت بينهم فهذا فسق، كأن يسب مثلاً: أتباع معاوية وأتباع علي ﵃ أجمعين، فهذا فسق كما ذكرنا، وصاحبه على خطر عظيم، لكن لا يكفر.

стр. 62

المثال السادس: حديث: (الإيمان كالجبال الرواسي لا يزول ولا ينقص) المثال السادس: روي عن النبي ﷺ أنه قال: (الإيمان في القلب كالجبال الرواسي لا يزيد ولا ينقص). فهذا يلوح عليه علامات الضعف، وهو مصادم لقوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح:٤]. وهذه الآية صريحة جداً في أن الإيمان يزداد. وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦]. ولا يمكن الجمع بينه وبين الآيات؛ لأن فيه مخالفة لصريح الكتاب وصريح السنة، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤] ففي هذه الآية دلالة صريحة كما كذرنا على أن الإيمان يزداد. وكذلك الإيمان ينقص، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة:١٢٥] وبذلك أصبح هذا الحديث مخالف للكتاب من كل وجه، فيضعف بذلك ويرد ولا يؤخذ به، لأنه لا يمكن أن تخالف السنة الكتاب، فالسنة قد خرجت من نفس المشكاة التي خرج منها الكتاب؛ فالكتاب والسنة صنوان لا يمكن أن يختلفا، وما كان ظاهره المخالفة فإنه يحل بالتقييد والتخصيص والإطلاق وغير ذلك من علاقة السنة بالكتاب.

стр. 63

شرح مقاييس نقد متون السنة - المقياس الرابع: عرض روايات الحديث الواحد بعضها على بعض من أهم العلوم التي يجب الاهتمام بها نقد متون السنة، وذلك بعرض روايات الحديث الواحد بعضها على بعض؛ ليتبين كلام النبي ﷺ من غيره، وليعرف الإدراج والتصحيف والاضطراب والقلب في المتون؛ لتكون السنة نقية خالية مما يشوبها ويكدر صفوها.

стр. 64

ظهور البدع وسبب ذلك إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن البدعة قد أطلت برأسها على هذه الأمة، ولا أرى أحداً يدافع عن السنة، وهذا بسبب ضعف طلاب العلم، فقد أتتنا ورقة من رجل يدافع عن بدعته، وقد تقدم أن بينا أن البدعة أحب إلى الشيطان من المعصية، وذلك لأن صاحبها ينافح ويدافع عنها، بل ويقاتل عليها، فأصحاب البدع ليسوا بأغرار وليسوا بجهال، فقد أوتوا فهوماً، فتراهم يوظفون الأدلة حتى ينتصروا لبدعتهم، ومع ذلك فأهل السنة والجماعة الذين سيرهم الله على الدرب الصحيح، وعلى الطريق المستقيم والمنهج القويم لا يستطيعون الذب عن سنتهم، ولا الذب عن طريقتهم التي هي طريقة السلف، فيا حسرة على الإخوة الذين ضعفت هممهم، والذين تركوا الطلب، أو ما طلبوا العلم طلباً صحيحاً حتى يدافعوا عن هذا الدين! إن هذا زمن قد عز فيه طلبة العلم وصاروا ندرة، وهناك غربة ثالثة، وهي أن الإخوة الذين يزعمون أنهم يطلبون العلم يطلبونه طلباً ليس صحيحاً، ولا يتقنونه ولا يصبرون على طلبه، وقد بينت كثيراً بأن العلم لن يأتيك وأنت على السرير أبداً، بل البد أن تصبر على الطرق ولا بد أن تلج، فمع الصبر النصر، ومع الصبر الظفر فطلبة العلم كلما سمعوا قواعد أصولية أو قواعد حديثية قالوا: نحن لا نفهم هذا الكلام ولا نريده؛ لأنهم أدمنوا على الجلوس في مجالس الوعظ والتذكير دون مجالس العلم والطلب والمنهجية، مع أن مجالس الطلب والمنهجية هي التي تثمر، بخلاف الذي يجلس يبكي أو يتباكى من كلمات رقراقة يسمعها، فيخرج بعد ذلك فإذا صادف غير ذلك فيمكن أن يطيش به؛ لأنهم سائرون مع كل ريح فلا يستطيعون أن يثبتوا أمام أي شيء، وهذا هو الذي يحدث الآن، فطلبة العقيدة الذين يزعمون أنهم من السلفية بمكان يرون أهل البدعة ينتشرون ويدافعون عن بدعتهم، ولا يستطيع أحد الرد عليهم، فإذا كان صاحب الحق ضعيفاً لا يستطيع أن يرد بقوة أو بعلم فسيضيع الحق، ويضيع أهله. فأنا أريد من الإخوة أن تصبروا على الطلب حتى يستوي طلبة العلم على سوقهم، فيستطيعون الذب عن دين الله جل في علاه، ويكونون شموساً في سماء الإسلام تشرق على المؤمنين، فيستنيروا ويستضيئوا بهم. وقد بين الشافعي أهم مميزات الطالب، أو ما يصل به الطالب إلى الارتقاء في الطلب، فالأمر الأول: أنه لا بد من الذكاء، وهذا الذكاء له مواطن، فالذكاء في اختيار الأستاذ، والذكاء في اختيار المادة، والذكاء في اختيار الطريق، ثم الذكاء لما يأتيك من النصوص. والأمر الثاني: طول الملازمة والصبر، فلا بد من الصبر على الطلب فـ الشافعي أخذته أمه من فلسطين، ودخلت به مكة ليأخذ العلم من شيخه الزنجي، فحفظ القرآن وعمره سبع سنين، ثم ذهب يطلب الحديث عند مالك ومالك نفسه قال له: إنه سيكون لك شأن، ولم يبح له الفتوى، ثم بعدما أخذ من مالك قال: أستأذنك في الخروج إلى العراق، وهو يريد أن يذهب إلى الكوفة لينظر في مدرسة الرأي، فـ مالك قسم ماله شطرين: الشطر له ولأولاده والشطر الثاني للشافعي، وذهب الشافعي فدرس في مدرسة الرأي ورجع وقد جمع بين الحديث والرأي. فلا بد من القوة في طالب العلم، وإن وجدته قوياً في المصطلح قوياً في الأصول، فاعلم أنه طالب علم وبالإمكان أن يكون من علماء الأمة، وأما غير ذلك فاغسل يدك منه، واعلم أنه سيكون ضعيفاً ولو في جانب من الجوانب، والأصل أنه لا بد من إتقان العقيدة. إذن فلا بد من الإتقان، ولا بد من الصبر، ولا بد للسلفية أن ترجع كما كانت أولاً، فقد كانت المنهج الوحيد الذي يعلم الإنسان ألا يحك رأسه إلا بدليل، فهذا أحمد بن حنبل يقول: لا تأخذوا عني ولا عن سفيان ولا عن الشافعي وخذوا من حيث أخذوا، هذا هو العلم. فطالب العلم هو الذي يعرف كيف يميز، أما الذي لا يميز فما زال موجوداً في منطقة الوسط لم يتحرك يميناً ولا يساراً؛ لأنه لا يعرف التمييز، فتراه لا يعرف كيف يطلب العلم، فعليه أن يقف على الخط الصحيح حتى يصل إلى منزلة طالب العلم المحترم الذي يميز بين الأدلة، ويستطاع أن يعتمد عليه، ويرجع إليه في المسائل المعضلات، وقد رأينا في مرحلة من المراحل انعدام الشيوخ؛ بسبب موتهم، فأين الذين يخرجون العلماء بعد موت هؤلاء، فالسعودية -مثلاً- لما كان ابن باز موجوداً فيها وابن عثيمين فيها علم، فلما غابت شموس العلماء أصبح كل متنطع يتكلم في الدين وكل طالب علم غير متقن يتكلم في الدين، بل حتى العوام، ومما هالني أنني تكلمت مع أحد الإخوة في مسألة البيوع وهي: أن بيع التقسيط في الذهب حرام، وهو لا يعرف أن شراء الذهب بالتقسيط ربا، ومع ذلك فهو ملتح وجالس في الأسواق يبيع ويشتري في الربا ويقع في الحرام! ولم يكلف نفسه فيجلس للتعلم، فأنت يا طالب العلم قد اصطفاك الله ولم يجعلك من الرعاع، فقد جاء عن علي ﵁ الله أنه قال: الناس ثلاثة أصناف: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق. فإذا كنت لا هذا ولا ذاك، فلماذا لا تكلف نفسك فتذهب لتستفتي من يفتيك بفتوى ترضي الله ورسوله، فاستفت الذي لا يتكلم إلا بقال الله وقال الرسول. فالجهل قد تعمق فينا وكاد يودي بالأمة، والله الذي لا إله إلا هو إن الأمة لا تموت إلا بنكاية الجهل، ولذلك ترى الدنيا تؤذن بالخراب عند ارتفاع العلم وظهور الجهل، ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم وينتشر الجهل، وإن الله جل وعلا لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً -وفي رواية أخرى قال: لم يبق عالم- اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسألوهم فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا). فالشاهد من هذا أن: الأمة بل الدنيا بأسرها تؤذن بالخراب عند رفع العلم، فياحسرة على العلم، فقد أصبح الناس لا يقدرون العلم، ولا يقدرون أهل العلم، وقد اختلط الحابل بالنابل، فلا يميز طالب العلم من الداعية والواعظ، وقد ذكرت لكم أن مصطفى الرافعي كان رجلاً أديباً وليس له علاقة بالعلم، ولكنه كان من الذين يميزون بين الوعاظ وبين أهل العلم، وكان في كتابه تاريخ العرب يتكلم بدقة في التفريق بين القصاصين وبين أهل العلم، وكان يبين أن المجلس كان يكتظ بطلبة العلم عند أهل العلم. فالقاص هو الذي يأتي بالأحاديث الموضوعة ويختلف الروايات حتى يؤثر في العامة، وهذا القاص لا يرجع إليه في العلم، ولذلك ترى أن الصحابة والتابعين ما كانوا يلتفون إلا حول أهل العلم. فلنرجع إلى ذلك حتى تشرق شمس العزة مرة ثانية على هذه الأمة، وقد تكلمنا قبل عن كيفية أن المحدثين أنفقوا كل غالٍ ونفيس في طلب العلم، وأنهم كانوا يغربلون الروايات لتميز الحديث الصحيح من الحديث الضعيف، ولمعرفة ما تكلم به النبي ﷺ وما لم يتكلم به؛ حفظاً وحراسة لعرين السنة، وحفظاً لكلام النبي ﷺ . فهذه المسألة ليست بالهينة، فقد قال النبي ﷺ : (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).

стр. 65

طرق حراسة حديث رسول الله ﷺ وهناك طرق لحراسة حديث النبي ﷺ ، ومن هذه الطرق: جمع الطرق، كما قال ابن المديني: لا تعرف علل الحديث إلا بجمع الطرق. يعني: أنك تجمع كل طرق الحديث ثم تنظر فيها حتى يتبين لك الصحيح من السقيم. فبجمع الطرق تجني فوائد جمة، منها: معرفة المدرج من غيره، ومعرفة المضطرب من غيره، ومعرفة المقلوب من غيره، ومعرفة المصحف، ومعرفة الشذوذ وزيادة الثقة، ومعرفة التدليس والتصريح بالسماع، ومعرفة الإرسال سواء الإرسال الخفي أو الإرسال الجلي، فمعرفة أنواع الضعف في الحديث لا يستطيعها إلا من جمع شتات الطرق ونظر في كل طريق، فعلم المزيد في متصل الأسانيد، وعلم الزيادات، وعلم الإدراج، وهذا يعرفه المحدثون بطول السفر والرحلة، فقد أنفقوا أموالهم في سبيل علم الحديث، فهذا يحيى بن معين أنفق ألف ألف درهم -أي: مليون درهم- على حديث النبي ﷺ ، بل ليس على الحديث فقط، بل وعلى رجال السند؛ حتى يميز بين المتقن الضابط الثقة، وبين الصدوق الذي يهم، وبين الضعيف المجروح، وبين الكذاب الوضاع، فأنفق كل هذه الأموال من أجل أن يعلم أن هذا الراوي متقن أو ليس بمتقن. والبخاري أنفق ألف ألف دينار أو ألف ألف درهم لمعرفة حديث النبي ولمعرفة الرجال، وكتاب التاريخ الكبير شاهد على ذلك. وهناك قصة لطيفة كانت بين إسحاق بن راهويه وبين أحمد، لنعلم كيف يرجع العلماء إذا وقعوا في الخطأ إلى الحق، فـ إسحاق بن راهويه كان مع أحمد بن حنبل في مكة فذهبا لسماع الحديث من ابن عيينة شيخ الشافعي، فقال أحمد لـ إسحاق: تعال سأريك رجلاً لم تر عينك مثله، قال: من؟ قال: هذا، فنظر إلى الشافعي فوجدوه صغير السن، فقال إسحاق: أأترك ابن عيينة وأذهب إلى هذا الحدث الشاب الصغير؟ فقال أحمد -لأن الله أعطاه تركيزاً في العلم وأعطاه تقى وأعطاه علماً، فإن فاتك الحديث من ابن عيينة بعلو خذه من غيره بنزول، وإن فاتك العلم من هذا الشاب لن تجده عند غيره. فانظروا إلى دقة النظر، وهذا هو الذي أقره إسحاق بعدما قابل الشافعي. إذا فاتك الحديث بعلو السند فستجده بسند نازل فتنزل بطبقة عن المحدث، فإذا كان بين سفيان بن عيينة وبين النبي ثلاثة فسيكون بين تلميذ ابن عيينة وبين النبي أربعة. والعلو ممدوح عند المحدثين، ودليل ذلك قول أحد المحدثين عند موته لما سئل: ما تشتهي؟ قال: بيت خالٍ وإسناد عالٍ، فهو يتمنى أن يعلو السند بينه وبين النبي ﷺ . فـ أحمد بين لـ إسحاق أن فقه المتن مهم جداً، فإذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده، وفهم متنه، وفهم المتن مهم جداً، وهنا فهم المتن محله العام والخاص، والناسخ والمنسوخ، وهذا كان عند الشافعي، فذهب إسحاق فجلس كما قال له أحمد، فحدثت مناظرة بين الشافعي وإسحاق؛ لأن الشافعي يقول: إن مساكن مكة ممكن أن تباع وتشترى، وكان إسحاق بن راهويه فقيهاً ويرى أنها لا تباع ولا تشترى، فتكلم عن الشافعي بكلام لا يليق، فـ الشافعي كان فطناً ففهم أنه يرطن رطن أهل فارس على الشافعي، فقال الشافعي: تناظر؟ قال: أناظر، فقال: قد حدثني ابن عيينة عن فلان عن فلان عن النبي ﷺ أنه قال: (ما ترك لنا عقيل من رباع) يعني: من بيوت، فقال: هذا الحديث هو دليلي، فنظر إسحاق بن راهويه نظرة إلى الشافعي وكأنه يقلل من شأنه، لأن ابن راهويه ما فقه الحديث وما فهمه، فقال: يا هذا! حدثني فلان عن فلان عن فلان عن عائشة أنها كانت لا ترى بيع بيوت مكة. وحدثني فلان عن فلان عن الزبير بن العوام أنه ما كان يرى ذلك، وحدثني فلان وعدد خمسة من الصحابة أنهم كانوا لا يرون ذلك. فضحك الشافعي فقال: من هذا؟ قالوا: هذا إسحاق بن راهويه. قال: أنت فقيه خراسان؟ قال: يزعمون ذلك، فقال: ليتني بك طفلاً صغيراً أعرك أذنك، وهذه تربية قوية من الشافعي لـ إسحاق، ولذلك إسحاق لما خرج قال: ليتني لازمت هذا الرجل، فقال: ليتني بك طفلاً صغيراً أعرك أذنك، أقول لك: قال رسول الله وتقول لي: قالت: عائشة، وتقول لي قال الزبير؟! فهذه دفاع عن السنة، فلما ولى إسحاق وجلس مع أحمد قال: والله! ما فهمت هذا الحديث إلا الآن، ليتني لا زمت هذا الرجل. وقيل: إن إسحاق أخذ كتب الشافعي فأكب عليها حتى يتعلم الفقه على يد الشافعي. فالمقصود: أن هؤلاء العلماء كانوا يفعلون ذلك ويعرفون مقدار أهل العلم ويجلسون أمامهم ويتعلمون منهم العلم. وأما تفسير الحديث: فالنبي ﷺ قيل له إذا نزلت مكة فأين المكان الذي تنزل فيه؟ فقال: (ما ترك لنا عقيل من رباع) لأن عقيلاً كان على الكفر آنذاك، ومات أبو طالب وترك البيوت التي كانوا يملكونها في مكة، فورثها عقيل، فباعها عقيل فأقر النبي ﷺ الورث، وأقر أيضاً البيع، فلما فقه إسحاق ذلك انكب على كتب الشافعي. فالمقصود أن هؤلاء كانوا يعرفون مقدار العلماء فيجلسون معهم، ويعرفون كيف يمحصون النظر في أهل العلم الذين يأخذون منهم العلم. وإسحاق -هو شيخ البخاري - نظر في التاريخ الكبير للبخاري فدخل به على أمير في خراسان فقال له: سأريك سحراً أرأيت هذا؟ فـ البخاري أنفق ماله للمتن ولعلم الرجال، والتاريخ الكبير شاهد على ذلك، وكذلك يحيى بن معين. فكانوا ينفقون أموالهم من أجل معرفة الرجال، ومن أجل المتون.

стр. 66

تعريف المدرج ومبحثنا في المتون في معرفة المدرج من الطرق، ومعرفة المضطرب والمقلوب، فنقول: أولاً: معرفة المدرج، الإدراج لغة: إدخال الشيء في الشيء. وأما اصطلاحاً: فإن الإدراج أو المدرج هو: دخول ما ليس من كلام النبي في كلام النبي دون فاصل أو دون تبيين، يعني: دخول كلام في المتن ليس منه دون فاصل أو دون تبيين بأن هذا الكلام ليس من كلام النبي ﷺ .

стр. 67

أسباب الإدراج إن أسباب الإدراج كثيرة منها: تطوع الراوي بتفسير لغة الحديث، بأن تأتي كلمات من النبي ﷺ لا تفهم، فلدخول العجمة في الناس يريد الراوي أن يبين للناس معنى هذه الكلمة، فيفسر الكلمة في الحديث ولا يفصل بينها وبين قول النبي ﷺ . ومنهما: ذهول الراوي، فينظر الشيخ في شيء -مثلاً- يعجبه فيتكلم به، فالسامع يظن أن هذا من حديث النبي ﷺ . ومنها: أن يتبين الراوي حكماً معيناً فيتكلم بهذا الحكم وهو يروي الحديث دون أن يفصل بين كلامه وبين كلام النبي ﷺ . وهذا يستوجب الضعف؛ لأنه نسب للنبي كلاماً ليس من كلامه. فإن قيل: هل يحكم على كل الحديث بالضعف؟ ف الجواب إنما يحكم بالضعف على جزئية الإدراج، لا سيما أنه قد جاءت روايات أخرى تبين صحة الحديث دون هذه اللفظة. مثال ذلك: حديث عائشة ﵂ وأرضاها في بدء الوحي قالت: (وكان النبي يتحنث الليالي في غار حراء، قالت: ويتحنث يتعبد)، هذه الرواية جاءت من طريق الزهري بهذا النص، ثم في الروايات الأخريات التي جمعها العلماء وجدوا أن الرواية من غير طريق الزهري فيها قول عائشة وكان يتحنث دون أن تقول: والتحنث هو التعبد، فعلمنا أن هذه الزيادة من الزهري زادها تفسيراً لمن يسمع منه الحديث، فإنهم قالوا له: ما التحنث؟ فقال: والتحنث التعبد، فالسامع كتب الحديث عن الزهري على أن كل هذا من كلام النبي ﷺ ، فالعلماء لما جمعوا الطرق وجدوا أن الثقات الأثبات رووا هذا الحديث من غير كلمة التحنث، فعلموا أن تفسير التحنث هذا مدرج من كلام الزهري. وحديث عائشة هذا الذي تتحدث فيه عن النبي ﷺ هو مرفوع حكماً، وليس مرفوعاً تصريحاً؛ لأن التصريح فيما إذا قالت: قال رسول الله ﷺ ، أو فعل رسول الله ﷺ ، أو أقر رسول الله ﷺ ، وأما الحكمي فمثل أن تذكر كلاماً ليس محلاً للاجتهاد، ولا يمكن أن يقال إلا عن طريق الوحي، كقول ابن مسعود: (ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وبين السماء السابعة وبين العرش مسيرة خمسمائة عام، وهذا الكلام من ابن مسعود له حكم المرفوع. وحديث عائشة وإن كان مرسلاً لكن القاعدة عند العلماء: أن مرسل الصحابي صحيح؛ لأن الله أنزل عدالتهم من فوق سبع سماوات، وإن كان بعض المحدثين قد خالف في ذلك وقال: مرسل الصحابي كغيره، ونقول له: لا؛ لأن الأصل أن الصحابي إذا أخذ فإنه يأخذ من صحابي ولا يأخذ من تابعي، فالأصل أنه يأخذ بعلو ولا يأخذ بنزول، وإذا قلت لنا بأن ابن عباس أو غير ابن عباس قد أخذ بنزول، فنقول: إن هذا نادر، والنادر لا حكم له، فالصحيح أن مرسل الصحابي صحيح. وعلى هذا فحديث عائشة ﵂ وأرضاها وإن كان مرسلاً فهو صحيح.

стр. 68

أمثلة على المدرج وبجمع الروايات يتبين لنا الإدراج، فمثلاً: حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه الذي رواه شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة ﵁ الله عنه قال: (أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار) فهذا الكلام كله كأنه من كلام رسول الله ﷺ ، لكن العالم النحرير الذي اجتهد وجمع الطرق ومحص النظر وجد في الرواية التي رواها آدم عن شعبة قال: فقال محمد بن زياد: فقال أبو هريرة: أسبغوا الوضوء؛ فإني سمعت أبا القاسم يقول: (ويل للأعقاب من النار)، فالمدرج في الحديث قوله: (أسبغوا) وهذا من قول أبي هريرة. فإذا روى الراوي وجاءك المحدث أو الخطيب فقال: قد قال رسول الله ﷺ : (أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار) فقل له: لا بد أن تفصل كلام أبي هريرة عن كلام النبي ﷺ . فلا تنسب قول أبي هريرة إلى النبي؛ حتى لا تكون ممن ينطبق عليه حديث النبي ﷺ : (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وإن كان مخطئاً لكنه لا يؤاخذ بإذن الله على ذلك، لكن لا بد أن يحرر المقام. وأيضاً من الأمثلة التي تبين لنا كيف كان العلماء يعرفون الإدراج من خلال جمع الطرق، حديث ابن مسعود في التشهد، فـ ابن مسعود هو أروى الناس في باب التشهد، فقد روى ابن مسعود هذا الحديث وقال بعدما روى الحديث ونسبه إلى رسول الله: (فإذا فرغت فقد قضيت صلاتك، فإن شئت فقم وإن شئت فامكث). أي: كن على ما أنت عليه، فإن شئت فقم، وإن شئت لم تقم. فتعلق الأحناف بهذا الحديث؛ لأنهم قالوا: لو أخرج الريح بعد أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فصلاته صحيحة؛ لأنه قد انتهى من صلاته بنص الرواية، فإنه قال: فقد فرغت من صلاتك أو فقد قضيت صلاتك. فهذا الحديث فتش عنه العلماء الجهابذة حتى يفصلوا بين قول النبي وقول غير النبي ﷺ ، وأتوا بالأسانيد عن علقمة، وهو من أجل أصحاب ابن مسعود؛ فإنه بعدما روى حديث النبي ﷺ (التحيات لله) فقال ابن مسعود: فإذا فرغت فقد قضيت صلاتك، فإن شئت قم وإن شئت لم تقم. ولذلك أجمع الحفاظ على أن هذه الزيادة مدرجة من قول ابن مسعود، ولا تدخل في الحكم ولا تنتهي الصلاة إلا بالتسليم؛ لقول النبي ﷺ : (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم). وأيضاً من الأمثلة التي تثبت لنا الإدراج حديث فضالة عن النبي ﷺ قال: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء لله جل في علاه) فقال: والزعيم الحميل، وهذا الحديث أيضاً بجمع العلماء لطرقه وجدوا أن قول: الزعيم الحميل ليس من قول النبي، بل هو من قول الراوي الذي أدرج في قوله النبي غير قوله. وهنا بعض الأمور التي اتخذها العلماء ليعرفوا الإدراج، منها: استحالة قول النبي هذا القول، فمثلاً: في حديث أبي هريرة أنه تكلم بكلام وتمنى أمنية لا يمكن أن يتمناها رسول الله ﷺ ، فهذا يستحيل أن ينسب للنبي ﷺ ، ونص حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه: (للملوك أجران) ثم قال: (ولولا الجهاد في سبيل الله وبر أمي لتمنيت أن أموت وأنا مملوك). فالإدراج من قوله: (ولولا الجهاد) إذ كيف يتمنى النبي ﷺ أن يكون مملوكاً وهو أكرم الخلق على الله وهو سيد الأولين والآخرين، فيستحيل أن تكون هذه أمنية النبي ﷺ . والأمر الثاني: أنه لما بعث وأوحي إليه كانت أمه قد ماتت، بل لما استأذن الله جل في علاه أن يستغفر لها لم يأذن الله له أن يستغفر لأمه. وأيضاً جاء في حديث آخر عن ابن مسعود في قول النبي ﷺ : (الطيرة شرك، وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل)، ونبدأ بذكر معنى الحديث فنقول: الطيرة التي هي التشاؤم، وهي سوء ظن بالله جل في علاه، وسوء الظن بالله معصية، وهي شرك أصغر، وقد كان بعضهم يتشاءم من الطير، فإذا ذهب الطير يميناً تيمن وقال: هذه بركة فيسافر، وإذا ذهب يساراً تشاءهم وقال: لا تكون البركة في الشمال، فلا يخرج، فهذا شرك أصغر؛ لكونه اتخذ سبباً لم يشرعه الله جل في علاه، والذين يعتقدون أن النفع والضر بيد الله لا يفعلون ذلك، فمن اعتقد بأن النفع والضر بيد الله ثم اتخذ سبباً لم يشرعه الله فقد أشرك شركاً أصغر مثل أن يقول: يوم الأربعاء يوم نحس تنزل فيه البلايا، أو ينظر إلى امرأة عجوز فيقول: أنا لن أذهب إلى العمل اليوم؛ لأن هذه المرأة شؤم علي ستأتيني بالفقر، كما يقولون. فنقول له: من الذي بيده الفقر هل هي المرأة؟ فيقول: لا، بل ذلك بيد الله جل في علاه، لكن المرأة هذه سبب، فإن اعتقد أن المرأة سبب والاعتقاد عنده أن النفع والضر بيد الله فهذا شرك أصغر. وأما إذا كان الاعتقاد في الطير نفسها أو في المرأة نفسها أو في المتشاءم به بأنه هو الذي ينفع ويضر فهذا اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، فيصبح بذلك كافراً كفراً أكبر، وتصير الطيرة هنا شركاً أكبر. فقوله في هذا الحديث: (الطيرة شرك وما منا) أي: وما منا إلا ويقع في التشاؤم، وهذا هو الذي يثبت لك أنها ليست بشرك أكبر. وقوله: (ولكن يذهبه التوكل) هذا فيه خلاف عريض بين المحدثين فيمن قاله، والصحيح الراجح أن هذا من قول ابن مسعود، فقوله: (الطيرة شرك) من قول النبي، لكن قوله: (وما منا إلا) من قول ابن مسعود يعني: أنه يقع في قلبه التشاؤم، وهذا سوء ظن بالله، وهذا قادح في التوكل، وهذا لا يمكن أن يكون عند كامل التوحيد رسول الله ﷺ ، بل هذا من عند الصحابة، لكنهم يدفعونه بالتوكل، ولذلك بين النبي ﷺ أن من وقع في قلبه شيء من الطيرة فليقل: (اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يأتي بالخير غيرك، ولا إله غيرك) فهذا توحيد خالص. فأنت يا ربنا الذي تتحكم في الكون يميناً ويساراً، وأنت الذي تنفع وأنت الذي تضر، وهذه الكلمات كلها تبين أن عليك أن تعتقد وتسير ولا يمنعك التطير، فإن منعك فقد وقعت في الطيرة؛ لأن الطيرة هي التي تحرك صاحبها إقبالاً أو إدباراً، لكن لو وقع في قلبه شيء ولم تؤثر عليه إقبالاً ولا إدباراً فليس هذا من التشاؤم، ولا يقع تحت طائلة الحديث. والمقصود: أن العلماء نظروا في هذا الحديث فقالوا: يستحيل أن يقع هذا في قلب النبي ﷺ ، فيكون هذا الكلام جزماً من كلام ابن مسعود وليس من كلام النبي ﷺ .

стр. 69

معرفة الحديث المضطرب لكي يكون الحديث مضطرباً لا بد من شروط ثلاثة: الشرط الأول: أن تكون رواياته ظاهرها التعارض. الشرط الثاني: التساوي في القوة، بمعنى أن هذه الرواية في الصحيح وهذه في الصحيح، وهذا الراوي ثقة ثبت، والآخر ثقة ثبت، فلا تأتي بصدوق يهم وتعارض به الثقة الثبت. الشرط الثالث: عدم إمكان الجمع. والاضطراب أيضاً يضعف به الحديث، ويجعلنا نتوقف فيه، والاضطراب محل تفصيله في المصطلح لكن بعض العلماء لم يجد مثلاً على الاضطراب، وذلك لأن كثيراً من العلماء -ومنهم الشافعي، وهو أولهم وسيدهم- كان يقول: ائتوني بأي أدلة ظاهرها التعارض أجمع لكم بينها. وهناك كتاب مشهور جداً في الجمع بين الأدلة المختلفة، وهو كتاب (تأويل مختلف الأحاديث) لـ ابن قتيبة وكتابه هذا من أمتع الكتب في ذلك، ومقصوده الجمع بين الروايات. وهناك حديث يمكن أن نجعله مثلاً على المضطرب وهو حديث فاطمة بنت قيس عند الترمذي وابن ماجة وفيه: (أن النبي ﷺ سئل: هل في المال حق سوى الزكاة؟) فجاءت رواية عن فاطمة بنت قيس أن النبي ﷺ قال: (إن في المال لحقاً سوى الزكاة) فأثبتت هذه الرواية أن في المال حقاً سوى الزكاة، قال: (إن في المال لحقاً سوى الزكاة، وقرأ قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:١٧٧]) إلى آخر الآيات. والرواية الثانية جاءت أيضاً عند ابن ماجة عن فاطمة بنت قيس قالت: قال رسول الله ﷺ : (ليس في المال حق سوى الزكاة)، ففي الرواية الأولى إثبات حق آخر غير الزكاة، وفي الرواية الثانية نفي أي حق سوى الزكاة. وهذا يعد من الاضطراب، ولذلك ضعف العلماء هذا الحديث؛ لأن الروايتين في القوة سواء، ولم يستطع أحد الجمع بينهما إلا بتعسر.

стр. 70

أهمية معرفة التصحيف المسألة الثالثة: الكلام عن التصحيف، والتصحيف هو الخطأ في الصحيفة، فترى الراوي يسمع من الشيخ الكلمة فيصحفها ولا يستطيع أنه يقرأها قراءة صحيحة، ولذلك أمثلة كثيرة منها: وهم الراوي في قول النبي ﷺ : (من صام رمضان فأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر) فجاء الراوي فقال: (من صام رمضان فأتبعه شيئاً من شوال فكأنما صام الدهر)، فصحف (ستاً) إلى (شيئاً). وقد كان كثير من القصاصين يصحفون أحاديث النبي ﷺ ، ومن أشهر أمثلة ذلك: حديث النبي ﷺ : (إذا أتيتم المسجد فعليكم بالسكينة والوقار) فبعض المصحفين قرأها: (بالسكينة والفأر). وبعض المعاصرين قرأ قول الله تعالى: ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا﴾ [هود:٤٨] فقال: اهبط بِسُلَّم. والتصحيف أكثر من ذلك، لكن المراد هنا تصحيف المحدثين، وقد اعتنى به المحدثون، وليس المحدثون فقط، بل اعتنى به أيضاً أهل اللغة، وهم أقوى الناس على ضبط هذه المسائل. وهناك أيضاً حديث صحفه عبد الله ابن لهيعة، وهذا الرواي كان يتلقن، أي: أنه بعدما يأتي بالترجمة الصحيحة إذا لقنته غيره فإنه يتلقن، وكان مصرياً وكان الشيخ أحمد شاكر يصحح حديثه، لكن العلماء يضعفون حديث ابن لهيعة، وكان مدلساً، وكان أيضاً ضعيف الحفظ، فـ ابن لهيعة صحف حديث زيد بن ثابت فقال: (احتجم النبي في المسجد) فشرع الحجامة بهذا الحديث في المسجد، وقد يسيل الدم في المسجد فيتسخ بذلك، فهو شرع ذلك بهذا التصحيف، والصحيح في الرواية: (احتجر) فصحف احتجر إلى احتجم التي هي بالميم، والصحيح (احتجر) يعني: اتخذ حجرة من حصير في الاعتكاف، فكأنه احتجر حجرة، والله أعلم. فهذا التصحيف أيضاً من الضعف بمكان، وأهل العلم من أهل اللغة هم الذين تتبعوا هذا وخدموا السنة، فجزاهم الله عن سنة النبي ﷺ خيراً ومنهم أبو عبيد القاسم بن سلام الذي انبرى لذلك وأتى بغريب الحديث، وبين التصحيف من غيره، والخطابي من المحدثين أيضاً انبرى لهذا الأمر، فالتصحيف يعرف بجمع الطرق وبجمع الروايات. والخطأ في الصحيفة معناه: أن يصحف إما في حرف، أو في نقطة، أو في الكلمة كلها، فيصحفها بأن يغيرها، أو يغير من شكلها، أو يغير من حروفها، أو يغير من النقط التي فيها والتي تبين الكلمة من غيرها.

стр. 71

أهمية معرفة القلب ومما ينبغي معرفته أيضاً: المقلوب، والقلب لغة هو تحويل الشيء عن وجهه، فتجعل الأيمن أيسر. وأما القلب اصطلاحاً: فهو التقديم والتأخير في السند أو المتن. والذي يهمنا هو القلب في المتن، والقلب هذا يعرف بجمع الطرق.

стр. 72

أمثلة على الحديث المقلوب ومن أمثلة المقلوب: الحديث الذي في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله قال: (ورجل أنفق نفقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم يمينه ما أنفقت شماله) فالقلب هنا في قوله: (حتى لا تعلم يمينه ما أنفقت شمال) وقد عرفنا ذلك بجمعنا طرق الحديث، فعند الجمع وجدنا رواية أخرى متفق عليها في البخاري ومسلم: (حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه). فهذه رواية تدل على أن الحديث قد انقلب على الراوي فقال ((حتى لا تعلم يمينه ما أنفقت شماله). وأيضاً من الأمثلة على القلب حديث أبي هريرة لما فسر قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] فقال: (أما النار فيخلق الله لها خلقاً وأما الجنة فما ربك بظلام للعبيد) فهذا فيه قلب، فالله لا يخلق خلقاً ليعذبهم؛ فإن الله قال عن نفسه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج:١٠]. فانظر ماذا يترتب على القلب في الحديث، فهو وإن لم يكن كذباً على رسول الله لكنه يؤدي بالمرء أن يعتقد اعتقاداً فاسداً، فهنا يعتقد أن الله يخلق الخلق ليلقيهم في النار، وهذا تعذيب لهم بغير ذنب، فهذا ظلم والله منزه عنه، وإنما الله يخلق خلقاً ليمتعهم، وهذا من فضل رحمته وكرمه؛ فإن الجنة يبقى فيها متسع فيخلق الله خلقاً للجنة يتمتعون فيها، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، لكن لا يخلق خلقاً يعذبهم بالنار، فهذا قلب، ولذلك لما جمع المحدثون الروايات قالوا: هذا الحديث انقلب على الرواة، والصحيح في تفسير قول الله تعالى: ((هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)) أنه قال: (فأما الجنة فيخلق الله لها خلقاً يمتعهم برحمته، وأما النار فما ربك بظلام للعبيد) أي: لا يخلق لها خلقاً يعذبهم بها، بل يضع قدمه المقدسة في النار فتقول: قط قط، أي: حسبي.

стр. 73

شرح مقاييس نقد متون السنة - المقياس الخامس: عرض متن الحديث على الوقائع والمعلومات التاريخية لقد حفظ الله السنة النبوية بأن سخر لها رجالاً ينقونها مما شابها، وذلك عن طريق عرضها على الوقائع والمعلومات والتاريخ، فيعرفون صحة الحديث من ضعفه.

стр. 74

تنقية الأحاديث النبوية عن طريق عرضها على الوقائع والمعلومات والتاريخ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: لقد دأب علماء الحديث على عرض متون الأحاديث على الوقائع التاريخية، كما قال حماد بن زيد: كنا نعرف الكذابين بالتاريخ، يعني: أن التاريخ كان يبين لنا الكذاب من غيره. وكان الخطيب البغدادي يقول: تكَشَّف الرواة بالتواريخ, ولذلك ترى كثيراً من الرواة يهتمون جدا بتاريخ وفاة الراوي حتى يعلم هل هو أخذ عن الشيخ الفلاني أم لم يأخذ؟ وتاريخ الرواة نستفيد منه أموراً كثيرة؛ لأن حال الراوي الذي يروي عن شيخه له أربعة أحوال: أولها: السماع، وهو أن يحدث عن شيخه كما حدث الشافعي عن ابن عيينة، وكما حدث مالك عن الزهري بالسماع. ثانيها: التدليس: وهو أن يروي عن شيخه ما لم يسمع منه. ثالثها: الإرسال الخفي، والفرق بين الإرسال الخفي والتدليس: أن الإرسال الخفي: أن يروي الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه. رابعها: الانقطاع: وهو أن يروي الراوي عن راو آخر وبينهما طبقات من المشايخ.

стр. 75

الأمثلة على ما قام به العلماء من عرض السنة على الوقائع التاريخية لقد اهتم العلماء جداً بمسألة تواريخ الرواة؛ لمعرفة التدليس والإرسال والانقطاع، فكل ذلك لا يعرف إلا بالتاريخ، فقد روى صهيب الواسطي عن عائشة , فقالوا له: أين التقيت بـ عائشة؟ قال: التقيت بها بواسط, فهو صهيب الواسطي , فكان يقول: حدثتني عائشة بواسط, فلولا التاريخ لأخذنا هذا الحديث على محمله، لكن ظهر كذب هذا الراوي صهيب بالتاريخ؛ لأن واسط أسسها الحجاج بن يوسف الثقفي , والحجاج لم يعاصر عائشة، بل توفيت قبله بكثير، فكيف يقول: حدثتني عائشة؟! فظهر كذب الرجل بأن الحجاج هو الذي أسس واسط. وأيضا نفس الراوي كان يقول: حدثني إبراهيم النخعي فقالوا: صف لنا إبراهيم النخعي، فقال: كان كبير الجسد, أو كبير العينين فظهر كذبه في هذا الوصف؛ لأن إبراهيم النخعي كان أعور ولم يكن له غير عين واحدة, فلما قال: كبير العينين, قال له الناس: أنت كذاب, فعلماء الجرح والتعديل كانوا يفتشون عن التواريخ حتى يبينوا الكذاب من غير الكذاب. وأيضاً من طرق علم الجرح والتعديل السؤال عن حاله, وكشف أمره, وتلقينه, والمذاكرة, وأيضا تاريخ الرواة, وأيضاً التلقين كان باباً من أبواب كشف الرواة. وهناك أحاديث في البخاري وفي مسلم عليها علامات الضعف الشديد والوهم ولا أستطيع أن أقول: الوضع، وإن قال ابن حزم هذا الكلام؛ بسبب الوقائع التاريخية. ومن هذا الباب: حديث ابن عباس أنه قال: (كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي ﷺ : يا نبي الله! ثلاثاً ثم ذكر أن عنده أحسن وأجمل نساء العرب أم حبيبة فقال: أزوجك إياها، فقال النبي ﷺ : نعم)، فالتاريخ يبين ضعف هذه الرواية؛ حيث إن إسلام أبي سفيان كان متأخرًا, والنبي ﷺ تزوج أم حبيبة لما هاجرت إلى الحبشة, والنجاشي هو الذي أمهرها حتى تزوجها النبي ﷺ ، وكان ذلك بعدما هاجرت إلى الحبشة، فالتاريخ يبين بالتأكيد أن هذه الرواية وهم شديد من الراوي؛ لأن أبا سفيان لم يسلم إلا متأخراً؛ ولذلك فـ ابن الجوزي وابن القيم وغيرهما يبينون أن علامات الوهم الشديد تظهر على هذه الرواية؛ لأن التاريخ يكذب هذه القصة, ولا نقول: إن هذا الحديث موضوع، وإنما نبين وهم الراوي, وأنه اختلط عليه الأمر؛ لأن أبا سفيان أسلم متأخراً. وأيضاً من الأمثلة التي تبين لنا قوة مقياس المحدثين لنقد المتون وغربلة هذه المتون عن طريق النظر في التاريخ، أن في عصر شيخ الإسلام ابن تيمية ادعى حدث هذا الأمر كما سنبين، أن اليهود أن النبي ﷺ رفع عنهم الجزية، فقالوا: فأنتم أخذتم منا الجزية فلا بد أن تدفعوا لنا كل الذي أخذتموه؛ لأنكم تتبعون رسول الله, ورسول الله ﷺ قد رفع عنا الجزية وأتوا بصحيفة، وهذه الصحيفة أمضى عليها معاوية بن أبي سفيان وأمضى عليها كثير من الصحابة. ونحن لا نستطيع أن نبين عور هذه الصحيفة إلا بالتاريخ, وهذا مقياس قوي عند المحدثين الذين يضعفون الأحاديث ومتون السنة بسبب التاريخ. ومثال ذلك أيضا ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله من صفة حج النبي ﷺ قال جابر: (فصلى النبي ﷺ الظهر في مكة)، يعني: ذهب فطاف طواف الزيارة وطواف الإفاضة، والفرق بين طواف الإفاضة وطواف القدوم: أن الإنسان إذا دخل مكة في وقت الحج طاف طواف القدوم, وأما طواف الإفاضة فيكون عند الانتهاء من مناسك الحج، وطواف الوداع سنة عند الجماهير وواجب عند بعضهم, وطواف الإفاضة ركن من أركان الحج, ولو لم يطف خمس سنوات فإن حجه يكون معلقاً حتى يطوف طواف الزيارة. يقول جابر: (طاف النبي ﷺ طواف الإفاضة وصلى الظهر في مكة). وجاء نص الحديث عن ابن عمر كما في صحيح مسلم قال: (وصلى النبي ﷺ الظهر بمنى) , فهذه المسألة تحتاج إلى نظر شديد, فـ جابر يقول: صلى بمكة, وأما ابن عمر فقال: صلى بمنى، فرواية ابن عمر ليس فيها ضعف ورواية جابر أتقن؛ لأنه هو أروى الناس في صفة الحج عن النبي ﷺ ، والصحيح: أننا نستطيع أن نجمع بينهما: فيكون النبي ﷺ قد صلى الظهر بمكة, ثم رجع إلى منى وصلى الظهر بأصحابه بمنى, يعلمهم هذا الأمر، وإن كان الجمع فيه شيء من التكلف، لكنه أولى من أن نطرح حديثاً قد صح, ولاسيما إن كان في صحيح مسلم. والمثل الآخر في عرض متون السنة على التاريخ: ما انتقد على البخاري ومسلم في حديث في الإسراء ومتنه الغريب، (ليلة أسري بالنبي ﷺ من مسجد الكعبة جاءه ثلاثة نفر من الملائكة قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد, فأخذوا النبي ﷺ ثم قص القصة. فالتاريخ يبين لنا أن الإسراء بالإجماع كان بعد ما أوحي إلى النبي ﷺ , فهذه دلالة قوية جداً على الحاجة إلى النظر في التاريخ, فلما عرضنا هذه الرواية على التاريخ وجدنا أن هناك وهماً شديداً قد وقع، إذ إن النبي ﷺ لم يُسرَ به إلا بعد أن أوحي إليه، بل إن الإسراء جاء بعد شدة الكرب الذي لاقاه النبي ﷺ من أهل مكة، فقد ضيقوا عليه الخناق جداً, فذهب إلى الطائف إلى الطائف يعرض نفسه على عبد ياليل، والحديث في البخاري: (أن عائشة قالت: ما هي أشد الأيام التي مرت بك يا رسول الله؟! فذكر لها أن أشد الأيام عندما عرض نفسه على عبد ياليل في الطائف, فرفضوا النبي ﷺ وردوه, حتى إن الأطفال رجموه بالحجارة ﷺ -بأبي هو وأمي-، وبعث الله إليه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق الجبلين على هؤلاء, فرفض النبي ﷺ -وهو الذي وصفه الله بأنه بالأمة رءوف رحيم ﷺ ، فلما رجع أراد الله أن يفرج همه فأسري به، فجاء البراق وأخذ النبي ﷺ إلى بيت المقدس, فأم الأنبياء أجمعين، ثم عرج بالنبي ﷺ , فمن قال: إنه قبل أن يوحى إليه، فهذا وهم شديد. وأيضاً من الروايات التي يتحكم في نقدها التاريخ ويبين أن هذه الرواية ليست صحيحة, ما رواه الترمذي في سننه أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعبد الله بن رواحة بين يديه ينشد: خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله إلى آخر الأبيات التي قالها عبد الله بن رواحة، وهذا الحديث أيضا فيه ضعف, والتاريخ هو الذي يحكم بضعف هذه الرواية؛ لأن عبد الله بن رواحة مات في مؤتة، وغزوة مؤتة كانت قبل فتح مكة بقدر أربعة أشهر, وليس من الممكن أن يقال: أحيا الله عبد الله بن رواحة فأنشد بين يدي النبي ﷺ ثم مات، لكن قد تكون معجزة من المعجزات، كما أحيا الله ذلك الرجل صاحب البقرة، فمن الممكن أن تقول: راوي الحديث ليس بواهم، فهو ثقة ثبت, فلم لا نقول: إن الله جل وعلا أحيا عبد الله بن رواحة فأنشد بين يدي النبي ﷺ هذا الشعر. وينفي هذا الإحياء قول الله : (كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠]. والصحيح الراجح: أنه يمكن أن نؤول هذا فنقول: إن هذه الأبيات هي لـ ابن رواحة فأنشد بهذه الأبيات أمام النبي ﷺ , فنسبت لـ ابن رواحة تجوزاً، فيكون الصحيح: أن الأبيات يمكن أن تقال بين يدي النبي ﷺ ، لكن من أحد غير ابن رواحة , ونسبت إلى ابن رواحة لأنه هو الذي قالها. ومن هذه الأمثلة أيضا: ما جاء في حادثة الإفك تلك الحادثة المروعة التي اشتد الهم والغم على رسول الله ﷺ بسببها، وقد تولى عبد الله بن أبي بن سلول كبر هذه المسألة, فقام النبي ﷺ خطيباً في الناس فقال: (من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهلي، فقال سعد بن معاذ: أنا أعذرك منه يا رسول الله ﷺ . فهذه الرواية بعض العلماء تكلم فيها، كـ ابن القيم وابن الجوزي، وقالوا: هذه الرواية لا تصح؛ لأن حادثة الإفك كانت في عزوة بني المصطلق، وسعد بن معاذ مات في غزوة بني قريظة، أي: بعدما قال له النبي ﷺ : (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات). وعند الجمهور أن غزوة بني قريظة كانت سنة خمس، وبالاتفاق كانت غزوة بني المصطلق سنة ست, فغزوة بني المصطلق كانت بعد موت معاذ، وهذه الدلالة واضحة جداً على هذا الوهم الشديد الذي وقع فيه الراوي، فـ سعد بن معاذ مات قبل حادثة الإفك فكيف يقول أنا أعذرك منه يا رسول الله، والصحيح الراجح: أن الذي قام وقال هذا الكلام هو أسيد بن حضير. وفي كتاب رفع الجزية: أن اليهود أخرجوا كتابا نسبوه إلى رسول الله ﷺ ، وأن رسول الله أسقط عنه
следующие страницы →