← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37698

شرح كتاب نقد متون السنة للدميني - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (104 стр.). Показаны 71–104 · переход к 76.

стр. 71

أهمية معرفة القلب ومما ينبغي معرفته أيضاً: المقلوب، والقلب لغة هو تحويل الشيء عن وجهه، فتجعل الأيمن أيسر. وأما القلب اصطلاحاً: فهو التقديم والتأخير في السند أو المتن. والذي يهمنا هو القلب في المتن، والقلب هذا يعرف بجمع الطرق.

стр. 72

أمثلة على الحديث المقلوب ومن أمثلة المقلوب: الحديث الذي في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله قال: (ورجل أنفق نفقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم يمينه ما أنفقت شماله) فالقلب هنا في قوله: (حتى لا تعلم يمينه ما أنفقت شمال) وقد عرفنا ذلك بجمعنا طرق الحديث، فعند الجمع وجدنا رواية أخرى متفق عليها في البخاري ومسلم: (حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه). فهذه رواية تدل على أن الحديث قد انقلب على الراوي فقال ((حتى لا تعلم يمينه ما أنفقت شماله). وأيضاً من الأمثلة على القلب حديث أبي هريرة لما فسر قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] فقال: (أما النار فيخلق الله لها خلقاً وأما الجنة فما ربك بظلام للعبيد) فهذا فيه قلب، فالله لا يخلق خلقاً ليعذبهم؛ فإن الله قال عن نفسه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج:١٠]. فانظر ماذا يترتب على القلب في الحديث، فهو وإن لم يكن كذباً على رسول الله لكنه يؤدي بالمرء أن يعتقد اعتقاداً فاسداً، فهنا يعتقد أن الله يخلق الخلق ليلقيهم في النار، وهذا تعذيب لهم بغير ذنب، فهذا ظلم والله منزه عنه، وإنما الله يخلق خلقاً ليمتعهم، وهذا من فضل رحمته وكرمه؛ فإن الجنة يبقى فيها متسع فيخلق الله خلقاً للجنة يتمتعون فيها، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، لكن لا يخلق خلقاً يعذبهم بالنار، فهذا قلب، ولذلك لما جمع المحدثون الروايات قالوا: هذا الحديث انقلب على الرواة، والصحيح في تفسير قول الله تعالى: ((هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)) أنه قال: (فأما الجنة فيخلق الله لها خلقاً يمتعهم برحمته، وأما النار فما ربك بظلام للعبيد) أي: لا يخلق لها خلقاً يعذبهم بها، بل يضع قدمه المقدسة في النار فتقول: قط قط، أي: حسبي.

стр. 73

شرح مقاييس نقد متون السنة - المقياس الخامس: عرض متن الحديث على الوقائع والمعلومات التاريخية لقد حفظ الله السنة النبوية بأن سخر لها رجالاً ينقونها مما شابها، وذلك عن طريق عرضها على الوقائع والمعلومات والتاريخ، فيعرفون صحة الحديث من ضعفه.

стр. 74

تنقية الأحاديث النبوية عن طريق عرضها على الوقائع والمعلومات والتاريخ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: لقد دأب علماء الحديث على عرض متون الأحاديث على الوقائع التاريخية، كما قال حماد بن زيد: كنا نعرف الكذابين بالتاريخ، يعني: أن التاريخ كان يبين لنا الكذاب من غيره. وكان الخطيب البغدادي يقول: تكَشَّف الرواة بالتواريخ, ولذلك ترى كثيراً من الرواة يهتمون جدا بتاريخ وفاة الراوي حتى يعلم هل هو أخذ عن الشيخ الفلاني أم لم يأخذ؟ وتاريخ الرواة نستفيد منه أموراً كثيرة؛ لأن حال الراوي الذي يروي عن شيخه له أربعة أحوال: أولها: السماع، وهو أن يحدث عن شيخه كما حدث الشافعي عن ابن عيينة، وكما حدث مالك عن الزهري بالسماع. ثانيها: التدليس: وهو أن يروي عن شيخه ما لم يسمع منه. ثالثها: الإرسال الخفي، والفرق بين الإرسال الخفي والتدليس: أن الإرسال الخفي: أن يروي الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه. رابعها: الانقطاع: وهو أن يروي الراوي عن راو آخر وبينهما طبقات من المشايخ.

стр. 75

الأمثلة على ما قام به العلماء من عرض السنة على الوقائع التاريخية لقد اهتم العلماء جداً بمسألة تواريخ الرواة؛ لمعرفة التدليس والإرسال والانقطاع، فكل ذلك لا يعرف إلا بالتاريخ، فقد روى صهيب الواسطي عن عائشة , فقالوا له: أين التقيت بـ عائشة؟ قال: التقيت بها بواسط, فهو صهيب الواسطي , فكان يقول: حدثتني عائشة بواسط, فلولا التاريخ لأخذنا هذا الحديث على محمله، لكن ظهر كذب هذا الراوي صهيب بالتاريخ؛ لأن واسط أسسها الحجاج بن يوسف الثقفي , والحجاج لم يعاصر عائشة، بل توفيت قبله بكثير، فكيف يقول: حدثتني عائشة؟! فظهر كذب الرجل بأن الحجاج هو الذي أسس واسط. وأيضا نفس الراوي كان يقول: حدثني إبراهيم النخعي فقالوا: صف لنا إبراهيم النخعي، فقال: كان كبير الجسد, أو كبير العينين فظهر كذبه في هذا الوصف؛ لأن إبراهيم النخعي كان أعور ولم يكن له غير عين واحدة, فلما قال: كبير العينين, قال له الناس: أنت كذاب, فعلماء الجرح والتعديل كانوا يفتشون عن التواريخ حتى يبينوا الكذاب من غير الكذاب. وأيضاً من طرق علم الجرح والتعديل السؤال عن حاله, وكشف أمره, وتلقينه, والمذاكرة, وأيضا تاريخ الرواة, وأيضاً التلقين كان باباً من أبواب كشف الرواة. وهناك أحاديث في البخاري وفي مسلم عليها علامات الضعف الشديد والوهم ولا أستطيع أن أقول: الوضع، وإن قال ابن حزم هذا الكلام؛ بسبب الوقائع التاريخية. ومن هذا الباب: حديث ابن عباس أنه قال: (كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي ﷺ : يا نبي الله! ثلاثاً ثم ذكر أن عنده أحسن وأجمل نساء العرب أم حبيبة فقال: أزوجك إياها، فقال النبي ﷺ : نعم)، فالتاريخ يبين ضعف هذه الرواية؛ حيث إن إسلام أبي سفيان كان متأخرًا, والنبي ﷺ تزوج أم حبيبة لما هاجرت إلى الحبشة, والنجاشي هو الذي أمهرها حتى تزوجها النبي ﷺ ، وكان ذلك بعدما هاجرت إلى الحبشة، فالتاريخ يبين بالتأكيد أن هذه الرواية وهم شديد من الراوي؛ لأن أبا سفيان لم يسلم إلا متأخراً؛ ولذلك فـ ابن الجوزي وابن القيم وغيرهما يبينون أن علامات الوهم الشديد تظهر على هذه الرواية؛ لأن التاريخ يكذب هذه القصة, ولا نقول: إن هذا الحديث موضوع، وإنما نبين وهم الراوي, وأنه اختلط عليه الأمر؛ لأن أبا سفيان أسلم متأخراً. وأيضاً من الأمثلة التي تبين لنا قوة مقياس المحدثين لنقد المتون وغربلة هذه المتون عن طريق النظر في التاريخ، أن في عصر شيخ الإسلام ابن تيمية ادعى حدث هذا الأمر كما سنبين، أن اليهود أن النبي ﷺ رفع عنهم الجزية، فقالوا: فأنتم أخذتم منا الجزية فلا بد أن تدفعوا لنا كل الذي أخذتموه؛ لأنكم تتبعون رسول الله, ورسول الله ﷺ قد رفع عنا الجزية وأتوا بصحيفة، وهذه الصحيفة أمضى عليها معاوية بن أبي سفيان وأمضى عليها كثير من الصحابة. ونحن لا نستطيع أن نبين عور هذه الصحيفة إلا بالتاريخ, وهذا مقياس قوي عند المحدثين الذين يضعفون الأحاديث ومتون السنة بسبب التاريخ. ومثال ذلك أيضا ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله من صفة حج النبي ﷺ قال جابر: (فصلى النبي ﷺ الظهر في مكة)، يعني: ذهب فطاف طواف الزيارة وطواف الإفاضة، والفرق بين طواف الإفاضة وطواف القدوم: أن الإنسان إذا دخل مكة في وقت الحج طاف طواف القدوم, وأما طواف الإفاضة فيكون عند الانتهاء من مناسك الحج، وطواف الوداع سنة عند الجماهير وواجب عند بعضهم, وطواف الإفاضة ركن من أركان الحج, ولو لم يطف خمس سنوات فإن حجه يكون معلقاً حتى يطوف طواف الزيارة. يقول جابر: (طاف النبي ﷺ طواف الإفاضة وصلى الظهر في مكة). وجاء نص الحديث عن ابن عمر كما في صحيح مسلم قال: (وصلى النبي ﷺ الظهر بمنى) , فهذه المسألة تحتاج إلى نظر شديد, فـ جابر يقول: صلى بمكة, وأما ابن عمر فقال: صلى بمنى، فرواية ابن عمر ليس فيها ضعف ورواية جابر أتقن؛ لأنه هو أروى الناس في صفة الحج عن النبي ﷺ ، والصحيح: أننا نستطيع أن نجمع بينهما: فيكون النبي ﷺ قد صلى الظهر بمكة, ثم رجع إلى منى وصلى الظهر بأصحابه بمنى, يعلمهم هذا الأمر، وإن كان الجمع فيه شيء من التكلف، لكنه أولى من أن نطرح حديثاً قد صح, ولاسيما إن كان في صحيح مسلم. والمثل الآخر في عرض متون السنة على التاريخ: ما انتقد على البخاري ومسلم في حديث في الإسراء ومتنه الغريب، (ليلة أسري بالنبي ﷺ من مسجد الكعبة جاءه ثلاثة نفر من الملائكة قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد, فأخذوا النبي ﷺ ثم قص القصة. فالتاريخ يبين لنا أن الإسراء بالإجماع كان بعد ما أوحي إلى النبي ﷺ , فهذه دلالة قوية جداً على الحاجة إلى النظر في التاريخ, فلما عرضنا هذه الرواية على التاريخ وجدنا أن هناك وهماً شديداً قد وقع، إذ إن النبي ﷺ لم يُسرَ به إلا بعد أن أوحي إليه، بل إن الإسراء جاء بعد شدة الكرب الذي لاقاه النبي ﷺ من أهل مكة، فقد ضيقوا عليه الخناق جداً, فذهب إلى الطائف إلى الطائف يعرض نفسه على عبد ياليل، والحديث في البخاري: (أن عائشة قالت: ما هي أشد الأيام التي مرت بك يا رسول الله؟! فذكر لها أن أشد الأيام عندما عرض نفسه على عبد ياليل في الطائف, فرفضوا النبي ﷺ وردوه, حتى إن الأطفال رجموه بالحجارة ﷺ -بأبي هو وأمي-، وبعث الله إليه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق الجبلين على هؤلاء, فرفض النبي ﷺ -وهو الذي وصفه الله بأنه بالأمة رءوف رحيم ﷺ ، فلما رجع أراد الله أن يفرج همه فأسري به، فجاء البراق وأخذ النبي ﷺ إلى بيت المقدس, فأم الأنبياء أجمعين، ثم عرج بالنبي ﷺ , فمن قال: إنه قبل أن يوحى إليه، فهذا وهم شديد. وأيضاً من الروايات التي يتحكم في نقدها التاريخ ويبين أن هذه الرواية ليست صحيحة, ما رواه الترمذي في سننه أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعبد الله بن رواحة بين يديه ينشد: خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله إلى آخر الأبيات التي قالها عبد الله بن رواحة، وهذا الحديث أيضا فيه ضعف, والتاريخ هو الذي يحكم بضعف هذه الرواية؛ لأن عبد الله بن رواحة مات في مؤتة، وغزوة مؤتة كانت قبل فتح مكة بقدر أربعة أشهر, وليس من الممكن أن يقال: أحيا الله عبد الله بن رواحة فأنشد بين يدي النبي ﷺ ثم مات، لكن قد تكون معجزة من المعجزات، كما أحيا الله ذلك الرجل صاحب البقرة، فمن الممكن أن تقول: راوي الحديث ليس بواهم، فهو ثقة ثبت, فلم لا نقول: إن الله جل وعلا أحيا عبد الله بن رواحة فأنشد بين يدي النبي ﷺ هذا الشعر. وينفي هذا الإحياء قول الله : (كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠]. والصحيح الراجح: أنه يمكن أن نؤول هذا فنقول: إن هذه الأبيات هي لـ ابن رواحة فأنشد بهذه الأبيات أمام النبي ﷺ , فنسبت لـ ابن رواحة تجوزاً، فيكون الصحيح: أن الأبيات يمكن أن تقال بين يدي النبي ﷺ ، لكن من أحد غير ابن رواحة , ونسبت إلى ابن رواحة لأنه هو الذي قالها. ومن هذه الأمثلة أيضا: ما جاء في حادثة الإفك تلك الحادثة المروعة التي اشتد الهم والغم على رسول الله ﷺ بسببها، وقد تولى عبد الله بن أبي بن سلول كبر هذه المسألة, فقام النبي ﷺ خطيباً في الناس فقال: (من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهلي، فقال سعد بن معاذ: أنا أعذرك منه يا رسول الله ﷺ . فهذه الرواية بعض العلماء تكلم فيها، كـ ابن القيم وابن الجوزي، وقالوا: هذه الرواية لا تصح؛ لأن حادثة الإفك كانت في عزوة بني المصطلق، وسعد بن معاذ مات في غزوة بني قريظة، أي: بعدما قال له النبي ﷺ : (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات). وعند الجمهور أن غزوة بني قريظة كانت سنة خمس، وبالاتفاق كانت غزوة بني المصطلق سنة ست, فغزوة بني المصطلق كانت بعد موت معاذ، وهذه الدلالة واضحة جداً على هذا الوهم الشديد الذي وقع فيه الراوي، فـ سعد بن معاذ مات قبل حادثة الإفك فكيف يقول أنا أعذرك منه يا رسول الله، والصحيح الراجح: أن الذي قام وقال هذا الكلام هو أسيد بن حضير. وفي كتاب رفع الجزية: أن اليهود أخرجوا كتابا نسبوه إلى رسول الله ﷺ ، وأن رسول الله أسقط عنه

стр. 76

شرح مقاييس نقد متون السنة - المقياس السادس: ركاكة لفظ الحديث من المقاييس والمعايير التي وضعها العلماء لمعرفة عدم ثبوت الأحاديث عن رسول الله ﷺ : ركاكة اللفظ، فوجود الركاكة في لفظ الحديث تجعلنا نحكم على الحديث بالضعف؛ لأن النبي ﷺ هو أفصح من نطق بالضاد، وقد أوتي جوامع الكلم.

стр. 77

ركاكة اللفظ مقياس لنقد متون السنة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: مازلنا في طرق نقد متون السنة، وكيف أن هؤلاء الجهابذة باعوا أنفسهم رخيصة حتى ينقحوا أحاديث النبي ﷺ ويغربلوها فيخرجوا لنا الصحيح منها من السقيم، ويبينوا للناس هل ينسب هذا الكلام لرسول الله أو لا ينسب؟ من القواعد التي قعدها المحدثون لتنقية أحاديث النبي ﷺ بالنظر إلى المتون لا بالنظر إلى الأسانيد: ركاكة اللفظ. فمعلوم أن النبي ﷺ قد أوتي جوامع الكلم، وهو أفصح من نطق بالضاد، والله تعالى آتاه أجزل الكلام وأوجز الكلام وأحسن الكلام ﷺ بأبي هو وأمي, فكلمة واحدة وجيزة تجمع فوائد جمة، وهذا الشافعي ﵁ وأرضاه ورحمه الله كان يتدبر في حديث واحد من أحاديث النبي ﷺ ألا وهو: (يا أبا عمير ما فعل النغير) فاستخرج منه أكثر من مائة مسألة. فالذين نهلوا من بحر علم النبي ﷺ وتدربوا على أحاديثه ﷺ لا يمكن أن يفوتهم شيء من كلامه، مما جعلهم يفرقون بين قول النبي ﷺ وبين قول غيره، وكان عند المحدثين القوة التي حباها الله إياهم ليفرقوا بين قول النبي وقول غير النبي؛ حفاظاً على حديث النبي, وأيضاً عملاً بقول النبي ﷺ : (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، وأيضاً حديث النبي ﷺ : (من روى عني حديثاً يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين).

стр. 78

نقد الأحاديث الداعية إلى النظر إلى الوجه الحسن من هذه الأحاديث التي فيها ركاكة في اللفظ وسماجة في القول, والتي يبعد كثيراً عن أن تكون من قول النبي ﷺ ما اختلقه أصحاب الشياطين ونسبوه إلى النبي ﷺ بهتاناً وزوراً: (عليكم بالوجوه الملاح؛ فإن الله يستحيي أن يعذب وجهاً مليحاً بالنار). فهذا الكلام تلوح عليه ركاكة اللفظ، مما تجعلك تقول: هذا لا يمكن أن ينسب إلى النبي ﷺ ، وهل رسول ﷺ الذي بين أن كل البشر لآدم وآدم من تراب، ولا فرق بين أعجمي على عربي إلا بالتقوى، هل النبي ﷺ يرى بأن الله جل في علاه يربط الثواب والعقاب والجنة والنار بحسن الوجه؟! ومن الذي خلق هذا الوجه؟ إنه الله جل في علاه, هذا سيفتح مجالاً كبيراً للجبرية، فعندهم أن مسألة الثواب والعقاب ليس بأيديهم ولا بعملهم, فلما تقول: إن الله جل وعلا يدخل الجنة من كان حسن الوجه، ويدخل النار من كان ذميم الوجه، ويدور الثواب والعقاب على مثل هذا الكلام السامج الذي لا يمكن أن ينسب لرسول الله ﷺ , فإن هذا يفتح الباب لمذهب الجبر، والذي يجعلنا نرده هو أن هذه الألفاظ لا يمكن أن تخرج عن رسول الله, ولا يمكن أن تكون تحت مسمى هذه الشريعة الغراء. وأيضاً: روي عن النبي ﷺ أنه قال: (النظر إلى الوجه الجميل عبادة) وعلى هذا يصير الفساق والفجار هم أعبد الناس في الأرض لو صححنا هذا الحديث، فالفساق والفجار بموجب هذا الحديث لا يتركون صورة لامرأة عارية إلا ويحدقون فيها البصر, ولا ينامون إلا وصور العاريات السفيهات على الحائط ينظرون إليها صباح مساء، فهل رسول الله ﷺ يفتح هذا المجال لهذا الفاسق الفاجر أن ينظر في وجوه اللاتي يفعلن الفاحشة أو الساقطات ويقول: (النظر إلى الوجه الجميل عبادة؟ فهذا لا يمكن أن يكون من قول النبي ﷺ . وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاثة تزيد في البصر: النظر إلى الخضرة، والماء الجاري، والوجه الحسن) , فهذه الأحاديث لا يمكن أن تصحح ولا يمكن أن تنسب للنبي ﷺ ، لاسيما وهو قد أوتي جوامع الكلم، ومثل هذه الألفاظ تفتح الباب على مصراعيه والعياذ بالله للفجار والفساق، ولا يمكن أن يتصور بأن حكمة الله تربط الثواب والعقاب بحسن الوجه أو ذمامة الوجه نعوذ بالله من ذلك, يقول النبي ﷺ كما في الصحيحين: (إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).

стр. 79

نقد حديث: (أربع لا تشبع من أربع) أيضاً: ترى بعض أصحاب المهن كالخضري والحلواني وغير هؤلاء كل منهم ينشر أحاديثه حتى يروج لبضاعته، فهذا رجل مزارع يقول: (أربع لا تشبع من أربع: أنثى من ذكر، وأرض من مطر، وعين من نظر، وأذن من خبر). يعني المشاءون بين الناس بالنميمة على هذا هم أفضل الناس على ذلك؛ لأنه قال: (وأذن من خبر)، وهذا يشبه كلام مسيلمة الكذاب، وهذا الكلام لا يمكن أن يكون من كلام النبي ﷺ , وإنما هو من وحي الشياطين. وأيضاً قال أحد المزارعين: (لو كان الأرز رجلاً لكان حليماً، ما أكله جائع إلا شبع)! يعني: الشبع لا يكون إلا في الأرز فقط!

стр. 80

نقد حديث: (لا تسبوا الديك) هذا مثالاً آخر لهؤلاء التجار ينسب للنبي ﷺ يقول: (لا تسبوا الديك؛ فإنه صديقي، ولو يعلم بنو آدم ما في صوته لاشتروا ريشه ولحمه بالذهب). يعني: أن الديك أفضل من البشر؛ لأن الريش واللحم يشترى بالذهب، فهل هذا الكلام يكون من النبي ﷺ ؟! وهل النبي ﷺ يقول: الديك صديقي! نعوذ بالله ونبرأ إلى الله من أن ينسب هذا الكلام إلى النبي ﷺ , فهذا كلام سخيف يترفع الإنسان العاقل عن أن ينطق به، حاشا لله وحاشا لرسوله ﷺ أن يتكلم بمثل هذا الكلام، لاسيما وأن كلام النبي ﷺ وحي من الله جل في علاه, قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].

стр. 81

نقد حديث الهريسة أيضاً: نأتي إلى المجال الآخر: مجال السكر والحلوانية, فيقول حلواني حتى يروج لسلعته، وينسب الكلام للنبي ﷺ ، يقول: (أتاني جبريل بهريسة من الجنة فأكلتها، فأعطيت قوة أربعين رجلاً في الجماع). ومثل هذا الكلام السامج يجعل السفهاء البله حين يسمعون به يأتون بالهريسة في كل يوم في وقت الصبوح والغداء والعشاء؛ من أجل أن يقوى أحدهم في مسألة النكاح، ويقول: أعطيت قوة أربعين رجلاً. وهناك رواية أخرى لمثل هذا الحلواني يقول: (الهريسة تشد الظهر)، فهو يروج لبضاعته، فهذا جبريل ينزل من سبع سماوات من أجل الهريسة! أيها الغبي السفيه! فهل مثل هذا الكلام ينسب للنبي ﷺ ؟ فهذا سفه والعياذ بالله!

стр. 82

نقد حديث: (الباذنجان لما أكل له) أيضاً: أصحاب الخضروات يقولون: (الباذنجان لما أكل له) فهل يعقل أن يكون هذا الكلام قاله النبي ﷺ , والشيء الوحيد الذي جاء فيه البركة بحق هو ماء زمزم، فهذا الرجل صاحب الباذنجان نظر إلى قول النبي ﷺ : (ماء زمزم لما شرب له) فقال: (الباذنجان لما أكل له)، وبعضهم كان يقول: (الباذنجان يأتي بالسم) فيحرم الباذنجان، فقال صاحب الباذنجان: (الباذنجان شفاء من كل داء) يعني: أن أي مريض لو أكل من الباذنجان فإنه يشفى، نعم نقول: إذا أتى الشرع بذلك على الرحب والسعة, لكن لا يمكن أن يقال هذا الكلام من فم رسول الله ﷺ كما قلت، لاسيما وهو أفصح من نطق بالضاد.

стр. 83

نقد حديث (عليكم بالعدس) أيضاً: يقول البقال: (عليكم بالعدس؛ فإنه مبارك، يرقق القلب، ويكثر الدمع، وقد قدس على لسان سبعين نبياً)، بالنظر إلى لفظ هذا الحديث نجد عليه عدة مآخذ: المأخذ الأول: أنه لا توجد أدنى بلاغة في متن هذا الحديث المكذوب. المأخذ الثاني: أن العدس أدنى لا أعلى، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٦١] إذاً: العدس أدنى في كتاب الله, فكيف تأتي أنت أيها الغافل المتغافل وتجعل العدس أعلى ومباركاً وقدسه أكثر من سبعين نبي؟! المأخذ الثالث: أن ركاكة اللفظ تلوح عليه، وتبين بأن هذا ليس من كلام النبي ﷺ . المأخذ الرابع: أنه لا يمكن أن نقول بأن العدس تدمع منه العين، إلا أن تدمع العين من رائحة البصل، لكن ليس من رقة القلب.

стр. 84

نقد حديث: (السواك يزيد في فصاحة الرجل) أيضاً: أن الواضع لهذا الحديث لم يتعلم الفصاحة؛ لأن الله يربط المقدمات والنتائج والأسباب بالمسببات, وهذا الرجل الذي فيه عجمة وأراد الفصاحة يقول لنا في هذا الحديث: (السواك يزيد في فصاحة الرجل) إذاً: لن تجد رجلاً عيياً بحال من الأحوال, وهذا كلام لا يمكن أن ينسب للنبي ﷺ .

стр. 85

نقد حديث: (أكل السمك يذهب الحسد، ويقوي الجسد) أيضاً: من هذه الأحاديث السمجة التي لا يمكن أن تنسب إلى رسول الله ﷺ قول أصحاب السمك فيما ينسبونه إلى النبي ﷺ قال: (أكل السمك يذهب الحسد، ويقوي الجسد) يعني: أكل السمك فيه نوع من القوة ويذهب العين, مع أن العين لا تذهب إلا بالرقية الشرعية، وهذا ممكن أن ندخله في قاعدة: عرض الحديث على القرآن. فإذا عرضنا هذا الحديث على القرآن وجدنا أن الله جل وعلا جعل الدواء النافع للحسد في المعوذتين، ولو عرضنا ذلك على السنة -وكان صحيحاً- لأكل النبي ﷺ السمك وأكثر منه؛ لأن النبي ﷺ سحر, ولما سحر جاءه جبريل يرقيه، فهل رقاه بزيت السمك أم أن جبريل رقاه بالرقية الشرعية؟ لقد رقاه بالرقية الشرعية، فهذا الحديث مخالف للقرآن والحديث مع ركاكة اللفظ.

стр. 86

نقد حديث: (اللهم أنت حي لا تموت) معروف أن هناك أسماء لله يستجيب الدعاء إذا دعي بها كالاسم الأعظم، فهذا الرجل كان يحلو له أن يبين أسماء لله غير التي نعرفها, فيقول: (اللهم أنت حي لا تموت، وندي لا تنفذ، وقريب لا تبعد، ووفي لا تخلف، ومعروف لا تنكر، ووتر لا تستأمر، ومحتجب لا ترى، ودائم لا تفنى، وباقٍ لا تبلى، وواحد لا شبه لك، ومقتدر لا تنازع، قال: من دعا بها عند منامه بعث الله له بكل حرف منها سبعمائة ألف ملك من الروحانيين، وجوههم أحسن من الشمس والقمر) فهذا الحديث مكذوب على النبي ﷺ ، وفيه عدة مآخذ: الأول: ركاكة اللفظ، فهذه ليست من أسماء الله جل في علاه. الثاني: القاعدة في أسماء الله وصفاته أنها توقيفية. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 87

شرح مقاييس نقد متون السنة- المقياس السابع: مخالفة الحديث للأصول الشرعية من المقاييس والمعايير التي وضعها العلماء لمعرفة عدم ثبوت الأحاديث عن رسول الله ﷺ : مخالفة الحديث للأصول الشرعية والقواعد الكلية؛ فإن للدين قواعد عامة وأصول شرعية، أيما حديث صادمها لابد أن ننظر كيف نجمع بينه وبينها؛ فإن لم نستطع أن نجمع بينه وبينها فلا يمكن أن نقبل هذا الحديث.

стр. 88

مخالفة الحديث للأصول الشرعية مقياس لنقد متون السنة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: المقياس السابع من مقاييس نقد متون السنة: أن الدين له قواعد عامة وأصول شرعية، فأيما حديث صادم هذه القواعد العامة أو هذا الأصل الشرعي -حتى ولو صح سنده- فلابد أن ننظر كيف نجمع بينه وبين الأصول الشرعية، فإن لم نستطع أن نجمع بينه وبين الأصول الشرعية فلا يمكن أن نقبل هذا الحديث, لاسيما وأن النبي ﷺ قد وضع قواعد عامة كلية. من أصول الشرع ومقاصد الشرع الكلية: قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].

стр. 89

نقد حديث (من صلى الضحى يوم الجمعة أربع ركعات) من الأحاديث التي تصادم الأصول الشرعية: (من صلى الضحى يوم الجمعة أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة بالحمد عشر مرات، وقل أعوذ برب الفلق عشر مرات, فمن صلى هذه الصلاة دفع الله عنه شر الليل والنهار, والذي بعثني بالحق إن له من الثواب كثواب إبراهيم وموسى ويحيى وعيسى، ولا يقطع له طريق، ولا يسرق له متاع). فهذا الحديث لا يمكن أن يكون من كلام النبي ﷺ ؛ لأن هذا الكلام يصادم أصل كلي وقاعدة كلية من تشريع النبي ﷺ وهي التي تقول: بأن الفاتحة ركن من أركان الصلاة, قال ﷺ : (من لم يقرأ بأم الكتاب فلا صلاة له) , ولم يشرع في حال من الأحوال تكرار الفاتحة أكثر من مرة. وهناك مآخذ على هذا الحديث: المأخذ الأول: أن القواعد الكلية لا تفرق بين المتماثلين ولا تسوي بين المختلفين؛ لأن قدر النبي يختلف عن قدر غيره من البشر، ففي هذا الحديث الباطل التسوية بين الأنبياء وآحاد الناس، وهذا باطل؛ لأن الله جل في علاه بين في أكثر من موضع من كتابه أنه لا يسوي بين المفترقين, قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]، وقال : ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١]، فالله لا يسوي بين هذا وبين ذاك, والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً, والله اصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس، فهذا الاصطفاء يدل على الفرق, وهذا الفرق يبين لنا القاعدة الكلية: أن الله لا يسوي بين المفترقين في القدر, ولا يفرق بين المتماثلين. المأخذ الثاني: أن من الأصول العامة: أن لكل مجتهد نصيباً، ومن طلب العلى سهر الليالي, ومن جد وجد، وقال الشاعر: لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا أي: لابد أن تقمع شهوتك وتصبر على أذى وشدة ولأواء الطلب حتى تصل. فنقول: هذه القاعدة الكلية منبثقة من حديث النبي ﷺ عندما قال: لـ عائشة: (أجرك على قدر نصبك ونفقتك) فجعل النصب -يعني: التعب- كلما ازداد ازدادت حصيلة الحسنات وازداد الأجر, ولذلك كان النبي ﷺ يقوم شكراً لله حتى تتورم قدماه, ولما قال لـ علي بن أبي طالب: (انظر إلى هذين -إلى أبي بكر وعمر - قال: هما سيدا كهول أهل الجنة، فقال: أفلا أبشرهما؟ فقال له النبي ﷺ : لا، حتى لا تتفطر القدم من العبادة) أو كما قال النبي ﷺ إن صح هذا الحديث. والغرض المقصود أن النبي ﷺ خشي أن يبشر علي أبا بكر وعمر حتى لا يجتهدا اجتهاداً شديداً في العبادة. فالله جل وعلا ربط الأجر الوفير بشدة الكلفة والنصب: (أجرك على قدر نفقتك ونصبك) فهنا أربع ركعات من آحاد الناس تجعله يساوي فيها إبراهيم ويحيى وزكريا وموسى، هذا كلام لا يمكن أن يقوله النبي ﷺ بحال من الأحوال.

стр. 90

نقد حديث دعاء السوق كذلك بهذا النظر نضعف حديث دعاء السوق وهو (من قال عند دخوله السوق: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيءٍ قدير, تكتب له ألف ألف حسنة وتمحى عنه ألف ألف سيئة) فهذا الحديث يخالف القواعد الأصلية والمقاصد الكلية والقواعد الكلية للشريعة، فنحن لا نصحح هذا الحديث، وننتقد المتن بهذه القاعدة، ونقول كما قال ابن حجر: أما ذكر الله فمطلوب في الأسواق -يعني: ذكر الله إن صح هذا اللفظ-؛ لأن هذه الأسواق هي أبغض الأماكن إلى الله جل في علاه، ويحدث فيها السب والشتم والغش والخداع والكذب والبهتان والزور، وهذه المواطن يحسن فيها ذكر الله جل في علاه.

стр. 91

نقد حديث (من قال لا إله إلا الله خلق الله من تلك الكلمة طائراً) أيضاً من هذه الأحاديث حديث: (من قال: لا إله إلا الله، خلق الله من تلك الكلمة طائراً له سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة، يستغفرون الله لقائل هذا الكلمة)، فهذا الحديث موضوع على رسول الله؛ لأنه يصادم قاعدة كلية من قواعد الشريعة، يقول ابن القيم عن واضع هذا الحديث: أما هذا الذي وضع هذا الحديث على النبي ﷺ فهو واحد من اثنين: إما أن يكون في غاية الجهل والحمق, وإما أن يكون زنديقاً قصد أن ينتقص من قدر النبي ﷺ بمثل هذا الحديث. فهذا الحديث يخالف القواعد الكلية التي منها: (أجرك على قدر نصبك ونفقتك) , وهذا عندما يقول: لا إله إلا الله يخلف منها طائراً، وهذا الطائر له سبعون ألف لسان، وكل لسان تستغفر له بسبعين ألف لغة, ولم يأت من الخلق من يستغفر له إلا طالب العلم، فهو الذي تستغفر له المخلوقات.

стр. 92

نقد حديث (الصلاة في العمامة تعدل بعشرة ألف حسنة) أيضاً حديث: (الصلاة بعمامة تعدل عشرة آلاف حسنة) وهناك رواية أخرى هي: (الصلاة بعمامة تفضل صلاة المرء بغير عمامة بسبع وعشرين درجة, وفي رواية: بخمس وعشرين درجة). فهذا الحديث موضوع على النبي ﷺ ، وكذلك حديث: (تعمموا فإن الشياطين لا تعمم) , وهذا كلام سامج جداً لا يصح أن ينسب إلى النبي ﷺ ، وهو يخالف كل القواعد الكلية التي تبين أن الإنسان يفوز بالاجتهادات بالطاعات، وإلا ففيم التفاوت بين العباد؟ ولم الدرجات العلى والفردوس الأعلى؟ فهل هذا الرجل الذي يصلي بعمامة ويحرص على العمامة في كل صلاة سيفوق الرجل الذي يصوم النهار، ويقوم الليل، ويتصدق في سبيل الله بالعمل وبالعلم وبالنفقة؟! فهذا لا يمكن أن يكون؛ لأنه ليس من عدل الله جل في علاه أن يساوي بين المختلفين، فإن الله يساوي بين المتماثلين ويفرق بين المختلفين.

стр. 93

نقد حديث (من طول شاربه في دار الدنيا) أيضاً من هذه الأحاديث حديث قال فيه واضعه: (من طوّل شاربه في دار الدنيا طول الله عليه ندامته يوم القيامة، وسلط عليه بكل شعرة على شاربه سبعين شيطاناً، فإن مات على ذلك الحال فلا تستجاب له دعوة، ولا تنزل عليه رحمة). وهنا قاعدة عكس القاعدة الأولى وهي: هل يمكن بذنب قليل دقيق أن يعاقب المرء هذا العقاب الشديد؟ فهذا لا يمكن ولا يعقل في عدل الله جل في علاه. وكذلك قوله: (لا تستجاب له دعوة) أهذا من أجل أنه أطال شاربه؟! فهذا أيضاً يصادم أحاديث النبي ﷺ ، فالنبي ﷺ ربط رد الدعاء بالمأكل الحرام والشرب الحرام واللبس الحرام.

стр. 94

شرح مقاييس نقد متون السنة - المقياس الثامن: اشتمال الحديث على أمر منكر أو مستحيل هناك أحاديث نسبت إلى النبي ﷺ كذباً وزوراً، ويعرف بطلانها من خلال اشتمالها على أمر منكر أو مستحيل، وهذا من ضمن المقاييس التي وضعها العلماء في نقد متون السنة، فالناظر إلى مثل هذه الأحاديث يمكنه أن يحكم عليها بالوضع بمجرد النظر إلى متونها دون النظر إلى إسنادها، وعلم نقد متون السنة من الأهمية بمكان، فينبغي الرجوع إليه في تصحيح الأحاديث وتضعيفها.

стр. 95

ضرورة الاهتمام بنقد متون السنة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: إن علم الحديث والنظر في متون الحديث من أجلّ العلوم، وقد بينت قبل ذلك أن كثيراً من المحدثين كان جل اهتمامهم مسألة تصحيح الحديث وتضعيفه، فهم ينظرون في رجال السند هل صح الإسناد عن طريق هؤلاء أم لا، ويغربلون السند من أوله إلى آخره؛ حتى يصلوا إلى تنقية أحاديث النبي ﷺ ، وقلة قليلة من أهل العلم هم الذين انشغلوا بالمتن نفسه حتى ينتقدوا هذا الحديث، وهؤلاء قعدوا قواعد كثيرة تيسِّر على المحدث أو طالب علم الحديث معرفة وتنقية الأحاديث الصحيحة من الضعيفة. وقد انتهينا من ست قواعد لهؤلاء العلماء الأجلاء الذين محصوا النظر جداً في لفظ متون السنة تصحيحاً وتضعيفاً. أقول: الاهتمام بنقد متون السنة، أو الاهتمام بالمتن من أهم وأجلّ العلوم، لاسيما وأن المستشرقين عندما أرادوا الطعن في علماء الحديث طعنوا فيهم بأن جلّ اهتمامهم كان على الأسانيد وليس على المتون، فأنت إذا قرأت في كتب العلل ترى أن الاهتمام الشديد في كتب العلل هو بالرجال، مثل العلل للترمذي الذي شرحه ابن رجب، والعلل للدارقطني العلل لـ علي بن المديني، حتى في الجرح والتعديل لـ ابن أبي حاتم، فجلّ اهتمام هؤلاء المحدثين الذي نظروا في العلل ينظرون في مسائل الأسانيد لا مسائل المتون. فنحن بفضل الله علينا بينا بعض القواعد التي قعدها المحدثين في نقد متون السنة لا الأسانيد، دون النظر إلى الأسانيد يعني: نضعف هذا الحديث أو نصححه نظراً لمسألة المتن. سنتلكم عن آخر القواعد التي قعدها علماء الحديث في نقد متون الحديث.

стр. 96

ذكر بعض القواعد المتعلقة بنقد متون السنة مع أمثلة لكل قاعدة ذكر القواعد جملة: القاعدة الأولى: عرض السنة على القرآن: وذلك بأن نأتي إلى المتن فإذا وجدناه قد عارض الكتاب من وجه فنجمع ونؤلف بينهما، ولا ننتقد هذا المتن، لكن إن كانت المخالفة من كل وجه ولا يمكن الجمع بينهما فنقول: تقدم الآية على الحديث. ومثال ذلك: أن عائشة ﵂ وهمت عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه عندما روى حديث: (يعذب المرء ببكاء أهله عليه)، فـ عائشة ﵂ أوّلته على اليهودي أو على الكافر، والذي جعل عائشة ﵂ وأرضاها تنتقد هذا المتن قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، فقالت: كيف يعذب هذا ببكاء أهله عليه وهذا ليس من سعيه، وقد بينا الجمع بينهما. القاعدة الثانية: عرض السنة على السنة: مثال ذلك: حديث: (يدخل الجنة سبعون ألفاً من غير حساب ولا عذاب، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)، وفي رواية لـ مسلم قال: (ولا يرقون)، فلما عرضنا السنة على السنة وجدنا أن قوله: (ولا يرقون) لفظة شاذة، كما قال شيخ الإسلام. القاعدة الأخيرة التي أخذناها في الدرس الماضي في نقد المتون: ركاكة اللفظ، وبينا أن هذه الألفاظ لا يمكن أن يقولها النبي ﷺ ، ومن أمثلة ذلك: (لو علمتم ما في الجرجير لزرعتموه تحت السرير). وأيضاً قوله: (الهريسة تشد الظهر). وأيضاً قوله: (العدس قُدِّس على لسان سبعين نبياً). وقوله: (والباذنجان لما أكل له). وهناك أحاديث كثيرة من هذا النوع. ومن هذه الأنواع أيضاً ما يختص بالرب جل في علاه، فإذا سمعته قلت: لا يمكن أن يكون النبي ﷺ قال هذا عن ربه جل في علاه.

стр. 97

ذم التقليد الأعمى هناك أحاديث فيها ما يدل على أن الناس لا بد أن تكون كالنعاج، وهذا تأباه المقاصد الكلية وليس اللفظ فقط؛ لأن الشرع يهتم بكيان وكينونة الإنسان، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، ولذلك كان ابن مسعود يقول: لا يكن أحدكم إمعة؛ إذا أحسن الناس أحسن، وإذا أساء الناس أساء. ولكن وطن نفسك على الحق، إن أحسن الناس فأحسن، وإن أساء الناس فأحسن. يقول ابن الجوزي: والناقد البصير في كل زمن وعصر في ندرة. يقول هذا مع أن عصره كان حافلاً بالعلماء، ويقول: أعز ما نبحث عنه في هذه الأزمنة الناقد البصير كان الشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليه يقول: رأيت الآن أن من يقرأ للمعاصرين أنه يضيع وقته، نقول: هذا الكلام ليس على إطلاقه، ولا يقصد الشيخ ذلك، ويقول: ما رأيت أحداً إلا هو ظل لرأي. يعني: ما هو إلا ناقل وتابع ويقول: قال فلان، ويضع قلمه، فكثير من الناس في هذه الآونات هم على هذه الوتيرة، والناقد البصير منتقد، فتراهم يجهلونه ويقولون: أتى بدين جديد، فهذه دلالة على أن الجهلة كثر، وأجهل من هؤلاء الذين يحسبون أنفسهم على الطلب وهم من التقليد بمكان.

стр. 98

حث الأمة على الأخذ بمعالي الأمور روي عن النبي ﷺ أنه قال: (كن ذنباً في الحق ولا تكن رأساً في الباطل) فهل النبي ﷺ الذي يبين للأمة ما ترتقي به، ويرسم لها طريق النجاح والنجاة، وطريق الارتقاء وعلو الهمة يمكن أن يقول لها هذا الكلام؟ أقول: هذا الحديث ممكن أن ينتقد متنه من جميع القواعد؛ لأنه يعارض أصل القرآن، يقول: الله تعالى حاكياً عن إبراهيم صاحب الهمة العالية، ونحن أمرنا بالاقتداء بالأنبياء بل وأمر بذلك النبي ﷺ : ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، وقال سبحانه: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران:٩٥]، وقال: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]، فقال: ((إماماإ)) ولم يقل: كن ذنباً. وأيضاً قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، ومن التكريم أن يتقدم الإنسان ولا يتأخر، وأن يقود ولا ينقاد، فهذا من باب التكريم. ويعارض أيضاً السنة، يقول النبي ﷺ : (إن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها) أي: يكره أسافل الأمور، ففيه دلالة على أن الدين يحث الإنسان أنه يكون رأساً ولا يكون منقاداً، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت:١٣] ولذلك لا تستطيع أن تقول: علقها في رقبة عالم وأصبح سالماً؛ لأنك ستكون في ذيله في الدرك الأسفل إن ذهب، والعياذ بالله، والإنسان المستفتي، والمقلد قد رضي أن يكون في مؤخرة القوم، وهذا لن يفوز عند ربه جل في علاه. ويأباه أيضاً العقل، فمعلوم أن مقاصد الشريعة كلها تحث الأمة على أن تكون أمة سيادة وريادة، ولذلك فالله جل في علاه مكن لهذه الأمة في مدة وجيزة من عمر الزمن، فهذا فيه دلالة عالية جداً على أن الدين يحث هذه الأمة على أن تكون من الرأس بمكان، ولا تكون من المؤخرة. وكذلك لو عرضنا هذا الحديث على المختص فإنه لا يقبله، فإن عمر ﵁ لما سأل أحد عماله: من وليت على مكة؟ قال ابن أبزى، فقال من العرب أم من الموالي؟ قال من الموالي، فتضايق عمر لذلك، فقال: يا أمير المؤمنين! إنه أعلمهم بكتاب الله، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين)، إذاً فقد ذهب أهل العلم بشرف الدنيا والآخرة. وهذا عطاء بن أبي رباح من الموالي وكان عالماً، فأرسل إليه أمير المؤمنين: أن ائتنا، فقال: لا نأت أحداً، إن أردتنا فأت أنت مجلسنا. فهذا عبد أسود يقول ذلك لأمير المؤمنين!

стр. 99

نقد حديث: (دعوني من السودان) أيضاً حديث: (دعوني من السودان؛ إنما الأسود لبطنه وفرجه)، فهل الدين والخير والصلاح منوط باللون؟! كلا. فقوله: (فإن الأسود لبطنه وفرجه). هذا فيه كناية عن كل الحبشة، فهناك أحاديث كثيرة جاءت بذم الحبشة. فنقول: هذا الحديث لا يمكن أن يقال به، ولو عرضناه على كل القواعد لما صح. قوله: (دعوني من السودان؛ إنما الأسود لبطنه وفرجه) يعني: أن الأسود يعيش سبهللاً، فليس عنده إلا شهوة البطن وشهوة الفرج، فهذا الكلام لا يقبل، ويرد عليه من وجهين: الأول: أن النبي ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم، وهو أفصح من نطق بالضاد لا يمكن أن يتكلم بهذا الكلام. الثاني: إذا عرضناه على القواعد التي قعدها أهل العلم، فلا يمكن أن يقبل، فلو عرضناه على القرآن فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، فأناط الإكرام بالتقوى. إذاً: فالبشرة لا يمكن أن تقدم أو تؤخر في صاحبها شيئاً، وكذلك لو عرضناه على السنة، فالنبي ﷺ يقول: (لا فضل لعربي على عجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى). وكذلك قوله ﷺ : (إن الله ينظر إلى قلوبكم). وهذا بلال كان أسود من الليل المظلم، ومع ذلك قال له النبي ﷺ : (يا بلال ماذا تفعل؟ إني أسمع خشخشة نعليك في الجنة)، فـ بلال تقدم كثيراً على الناس.

стр. 100

نقد حديث: (إن الجن والإنس والشياطين والملائكة لو كانوا صفاً واحداً) من هذه الأحاديث أيضاً حديث: (إن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى يوم القيامة لو كانوا صفاً واحداً ما أحاطوا بالله . فهذا منكر؛ لأنه ليس هناك شيء يحيط بالله جل في علاه، قال تعالى: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ﴾ [طه:١١٠] وليس هناك شيء يدرك الله جل في علاه، قال سبحانه: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فهذا هو محل النكارة، فلا يمكن أن يقول النبي ﷺ ذلك على ربه، وهو أعلم الخلق بربه. ولكل جنس شياطين، وهذا الذي جعل الشيخ ابن عثيمين يؤول حديث النبي ﷺ : (المرأة والكلب والحمار تقطع الصلاة، فسأله أبو موسى: ما بال الأسود من الأصفر والأحمر؟! فقال: الكلب الأسود شيطان)، فالشيخ لم يقبل أن يكون الكلب الأسود شيطاناً على حقيقته، وإنما قال: هو شيطان الكلاب؛ لأن كل جنس له شيطان، والشيطان مأخوذ من الشطن، والشطن: هو البعد، عن رحمة الله جل في علاه.

стр. 101

نقد حديث:) إن الله ينزل ليلة الجمعة إلى دار الدنيا بستمائة ألف ملك) أيضاً حديث: (إن الله تعالى ينزل ليلة الجمعة إلى دار الدنيا بستمائة ألف ملك، فيجلس على كرسي من نور وبين يديه لوح من ياقوتة حمراء فيه أسماء من يثبت الرؤيا والكيفية والصورة من أمة محمد، فيباهي بهم الملائكة). فهذا الحديث فيه إثبات الرؤية والكيفية والصورة لله تعالى، وقد عقب ابن الجوزي على هذا الحديث وقال: لعن الله واضعه، ولا رحم صانعه؛ فإنه كان من أخس المشبهة وأسوأهم اعتقاداً، وما أظنه كان يظهر مثل هذا إلا للطغاة من المشبهة الذين لم يجالسوا عالماً. أقول: وأنا أشهد الله أني أثبت لصفات الله الكيفية، وأشهد الله أني أثبت الرؤيا، وأشهد الله أني أثبت صفة الصورة لله جل في علاه؛ لأن أهل السنة والجماعة يثبتون الرؤيا لله، يوم القيامة، لكن ابن الجوزي كان عنده اعتزال في العقيدة، ولذلك تنطع بعضهم وقال: لا يؤخذ منه شيء، لكن نحن نأخذ خيره، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر. إذاً: فنحن نثبت أننا نرى الله في الآخرة، ونثبت لله الصورة، وإثبات الصورة فيه خلاف بين أهل السنة والجماعة، كحديث النبي ﷺ : (إن الله خلق آدم على صورته)، وهذا الحديث مشكل؛ فقد اختلفوا في الهاء هنا هل تعود إلى آدم أو تعود إلى الله؟ وجاء حديث في سنن النسائي وابن خزيمة يضعفه: (خلق الله آدم على صورة الرحمن)، وأحمد وغيره صححوا هذا الحديث. فعند من صحح هذا الحديث يزول الإشكال الموجود في الحديث الأول: (خلق آدم على صورته) وذلك لأن الصورة هنا قد أضيفت لله. وهذه المسألة على قولين بين أهل السنة والجماعة: القول الأول: قول من ضعف هذا الحديث، فقال: (إن الله خلق آدم على صورته) يعني: على صورة آدم التي قص النبي ﷺ لكم منها، وبين أن آدم خلق وكان طوله ستين ذراعاً. القول الثاني: وهذا القول أنا أتبناه، وقد تبناه كثير من أهل العلم، وهو: أن الصورة صفة ثابتة لله جل في علاه؛ لأن الله جل وعلا قال: (خلق آدم على صورة الرحمن)، أي: له عين، وله وجه، وله يد، وله رجل، وصفات الله هذه تليق بجلاله وكماله وبهائه وعظمته وقدرته، وأما يد آدم فتليق بعجزه ونقصه، فلا مشابهة ولا مماثلة. إذاً: فهذه المسألة فيها اختلاف بين أهل السنة والجماعة، ولذلك إذا قلنا بأن حديث (إن الله ينزل ليلة الجمعة إلى دار الدنيا بستمائة ألف ملك) موضوع أو فيه ركاكة في اللفظ لا لكونه فيه إثبات الرؤيا والكيفية والصورة، لا، ولكن الذي جعلنا ننتقد هذا الحديث هو الجزء الأول منه: (أنه ينزل بستمائة ألف ملك إلى دار الدنيا)، وذلك فيه معارضة صريحة لأحاديث النبي ﷺ . وكذلك قوله: (فيجلس على كرسي من نور) فالجلوس ليس صفة من صفات الله جل في علاه، بل الذي ثبت أنه صفة من صفات الله هو الاستواء، وهناك فرق كبير بين الجلوس وبين الاستواء؛ لأن الذي يجلس يحتاج إلى ما يجلس عليه، والله جل في علاه كل الكون يحتاج إليه، فهو استوى على العرش، والعرش أحوج ما يكون لربه جل في علاه.

стр. 102

نقد حديث: (أن النبي رأى ربه في المنام في أحسن صورة شاباً موقوراً) أيضاً من هذه الأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ ظلماً وعدواناً وزوراً: (أن النبي ﷺ رأى ربه في المنام في أحسن صورة شاباً موقوراً، رجلاه في خضر، عليه نعلان من ذهب، في وجهه فراش من ذهب). وهذا الحديث روي من وجه آخر: أن النبي ﷺ قال: (أتاني ربي في صورة شاب أمرد)، وهذا الحديث قيل بأن شيخ الإسلام ابن تيمية صححه، لكن لو راجعت لشيخ الإسلام ابن تيمية في بعض الأقاويل فقد يتوهم الإنسان بأنه صحح هذا الحديث، لكن الصحيح الراجح أن هذا الحديث باطل لا أصل له، وهو موضوع على رسول الله ﷺ . وكفى في ركاكة لفظه أنه شبه الخالق بالمخلوق، ونقول: إن الله جل وعلا يأتي على صورة، وذلك لحديث الآخرة: (فيأتيهم على غير الصورة التي يعرفونها فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك لست بربنا، فيقول: بينكم وبينه علامة؟ فيقولون: نعم، فيأتيهم الله على الصورة التي يعرفونها). فأولاً جاءهم على الصورة التي لا يعرفونها، ثم جاءهم في المرة الثانية على الصورة التي يعرفونها، فهذه دلالة على بطلان حديث: (أتاني ربي في صورة شاب أمرد).

стр. 103

نقد حديث: (لو حسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به) أيضاً حديث: (لو حسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به). وكثير من هذه الأحاديث احتج بها أهل البدع والضلالة، وهذا الحديث لا يمكن أن يقوله النبي ﷺ ؛ لأنه يفتح الباب على مصراعيه للمشركين الذين يعتقدون في الأصنام، ويعتقدون في الأحجار والأشجار، ويتبركون بالأحجار والأشجار، فهذا الحديث يفتح باب الشرك على مصراعيه، فهو باطل موضوع على الله جل في علاه.

стр. 104

قاعدة: اشتمال الحديث على أمور منكرة ومستحيلة، وأمثلة ذلك المقياس الثامن هو: اشتمال الحديث على أمور منكرة وأمور مستحيلة، وهذا يجعل الإنسان يقول: لا يمكن أن يكون هذا الحديث من الإسلام. ومن هذه الأحاديث تدخل تحت مقياس الأمور المستحيلة التي لا يمكن أن تصدق بأن النبي ﷺ قالها حديث: (قيل: يا رسول الله! مم ربنا؟ قال: لا من الأرض ولا من السماء، خلق خيلاً فأجراها فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق). فمن وضع هذا الحديث عليه من الله ما يستحق، وبتر الله لسانه ويده، وعذبه في نار جهنم بما تجرأ به على الله. والمستحيل في هذا الحديث المفترى هو: كيف يكون الإله خالقاً ومخلوقاً؟! وكيف يكون خالقاً فيخلق بعد ذلك نفسه؟! وهل الله خالق نفسه؟! ولذلك انتقد بعض الأصوليين عندما قالوا: إننا يمكن أن نخصص العموم بالعقل، مثل قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، فقالوا: بالعقل يمكن أن نخصص هذا العموم؛ لأن الله لم يخلق نفسه، قلنا: هذا الكلام فيه سوء أدب مع الله، كيف يكون خالقاً ويخلق نفسه؟! هذا مستحيل، ولا يمكن أن يقبله عقل. والحديث الثاني: (رأيت ربي على جمل أحمر عليه إزار، وهو يقول: قد غفرت قد غفرت) والأمر المستحيل في الحديث أنه يركب على الجمل، وكذلك أنه يلبس إزاراً كما يلبس الإنسان، وهذا تشبيه محض لله جل في علاه، فلا يمكن أن أنظر في سند هذا الحديث، بل لو أتاني شخص بهذا الحديث لصفعته على وجهه، وقلت له: جر أذيال الخيبة أمامك؛ لأن هذا لا يمكن أن يقال في حق الله جل في علاه. والحديث الثالث: (كانت خطيئة داود ﵇ النظر). وهذا أيضاً منتقى من اليهود، قالوا: الخطيئة التي وقع فيها داود هي النظر لزوجة رجل وجندي عنده، فقد أعجب بهذه المرأة، فأراد قتل هذا الرجل فأدخله في الصفوف الأولية في القتال؛ حتى يقاتل، فيقتل فيظفر هو بالمرأة!! فبالله عليكم هل هذا خلق ومروءة رجل صالح من آحاد الناس؟! فكيف يكون خلقاً لنبي من أنبياء الله؟! فلذلك نقول: بأن هذه الأحاديث لا نحتاج فيها إلى النظر في أسانيدها؛ لأنها تنادي على نفسها بالوضع وبالكذب على رسول الله ﷺ . إلى هنا ونكون قد انتهينا من القواعد المهمة في نقد متون السنة، وأرجو من الإخوة أن يراجعوا الأحاديث التي تكلمنا عنها، ويطبقوا القواعد عملياً، وكل حديث منها ينظرون في الآيات هل هي معارضة له من كل الوجوه أم لا؟ وينظرون في الحديث هل يمكن الجمع بينه وبين الحديث أم أن هناك معارضة كلية؟ وينظرون في مسألة العقل الذي ضابطه الأثر هل يصح أن يكون هذا الحديث من أحاديث النبي ﷺ أم لا؟ وأيضاً إلى القواعد الأخيرة التي أخذناها ويطبق الواحد عليها هذا القانون؛ حتى يؤتيه الله الملكة في النظر من أحاديث النبي ﷺ ؛ فيعرف أن هذا الحديث صحيح، وأن هذا حديث ضعيف.