← Акыда

Акыда · id 37699

شرح كتاب الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق لابن تيمية - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (80 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الغلو في الصالحين سبب للوقوع في الشرك

стр. 37

أول شرك وقع في الأرض سببه الغلو في الصالحين والصحابة رضوان الله عليهم عبدوا الله بالتوحيد الخالص كما أمرهم النبي ﷺ ، وسنرى كيف سدوا منابع الشرك، وكيف حسموا مادة الشرك ائتماراً بأمر النبي ﷺ . إن أول الشرك في البشرية بأجمعها كان بسبب الغلو في الصالحين، وكما قال ابن عباس ومحمد بن كعب كما في تفسير ابن أبي حاتم وهو عند البخاري وابن جرير الطبري وابن كثير أن ابن عباس قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون على التوحيد الخالص. أي: لم يشرك أحد بالله جل في علاه، ثم جاء قوم نوح وكان هناك بعض الناس يعني: من الفضلاء الكبراء الذين يتعبدون لله في ذلك الزمان فكانوا يعظمونهم، فلما ماتوا زين لهم الشيطان أن يصوروا لهم التصاوير، يعني: التماثيل من أجل أن يذهبوا إلى هذه التماثيل فيتذكروا شدة اجتهادهم في عبادتهم فيعبدون الله كما كان يعبده أولئك فكأنها تشد الهمم. وانظروا إلى فقه الشيطان، فإنه لا يفتح للإنسان باب الشر على مصراعيه، بل يستدرج الإنسان ويفتح له باب الخير ليفتح بعده مائة باب من الشر، ولذلك كان الصحابة يسألون عن الشر حتى يغلقوا أبوابه، قال حذيفة: كان الناس يسألون النبي ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه: عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لم يعرف الشر من الخير يقع فيه فمن لا يميز بين الخير والشر سيقع في الشر حتماً، ولهذا كان فضل العلم وفضل الفقه عظيماً، فإن الشيطان استدرج هؤلاء الأغرار الأغمار الجهلة حتى يجتهدوا في العبادة كما اجتهد أولئك، فلما اندرس العلم ومات الذين كانوا يفعلون ذلك جاء أقوام بعدهم فقالوا: إنهم اتخذوا وسائل بينهم وبين الله شفعاء كما قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] فعبدوهم من دون الله جل في علاه. وهذا أول الشرك وأصله، وهو الغلو في الصالحين وبناء المساجد على قبور الصالحين.

стр. 38

أول شرك اليهود والنصارى سببه الغلو في الصالحين وإذا نظرت إلى اليهود والنصارى وجدت أن أول الشرك فيهم كان بسبب الغلو، فترى أن اليهود والنصارى عندما غلو في الأنبياء وفي الصالحين صوروا لهم الصور، ثم بنوا عليهم القبور، فلما بنوا عليهم القبور بلغوا بهم إلى درجة الربوبية ودرجة الإلهية، ففي الصحيح عن أم حبيبة أنها لما ذكرت للنبي ﷺ الكنيسة التي رأتها في الحبشة وفيها تلك التصاوير قال النبي ﷺ : (أولئك شرار الخلق عند الله) لم يا رسول الله؟ قال: (لأنهم إذا مات فيهم الرجل الصالح صوروا له تلك التصاوير وبنوا على قبره). فكان أول الشرك هو الغلو في الصالحين والبناء على القبور، وقد بين لنا شيخ الإسلام كيف حسم النبي ﷺ المادة وكيف دافع عن التوحيد الخالص حتى لا تقع الأمة في الشرك، فرسول الله ﷺ أولاً حث الأمة على عدم بناء المساجد على القبور، وذم كل من فعل ذلك وهو في مرض الموت، كما في الصحيح عن عائشة أنه كانت هناك خميصة أو قطيفة في يد النبي، فطفق النبي ﷺ يجعلها في رأسه ثم إذا أفاق قال: (ألا لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك). ثم إنه حث الأمة على البعد عن ذلك بقوله: (لتتبعن) يعني: ينكر على الأمة، والأمة اليوم والله إنها قد تاهت وضاعت وفعلت كما فعل السابقون إلا من رحم الله قال: (لتتبعن سنن الذين من قبلكم حذو القذة بالقذة). وفي رواية أخرى قال: (شبراً بشر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه). وفي رواية قال: (ولو نكح فيهم الرجل أمه لوجد في أمته من يفعل ذلك) وقد وقع فقد وجد في هذه الأمة من زنى بأمه والعياذ بالله. فالنبي ﷺ يذم الفعل ويحذر ما صنعوا. وأيضاً: عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: قال رسول الله ﷺ : (قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك).

стр. 39

نهي النبي ﷺ عن الغلو فيه وفي الموطأ عن النبي ﷺ قال: (لا تتخذوا قبري عيداً) يعني: من العود، فلا تعتادوا وتنتابوا قبري ليل نهار، وهذا الذي نبينه للحجاج والمعتمرين لأن بعضهم إذا صلى الفجر قال: أنا سأسلم على النبي، السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا عمر، ثم يأتي في الظهر يسلم وفي المغرب يسلم وفي العصر يسلم، وفي العشاء يسلم، فهو يقع في البدعة ولا يدري، وقد قال النبي ﷺ : (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد). وعلاقة الحديث بموضوعنا أن النبي ﷺ أراد حسم المادة؛ لأنهم لو عاودوا الذهاب والإياب إلى قبر النبي ﷺ سيقعون في الغلو في رسول الله، وقد حدث الغلو في رسول الله ﷺ ، كما قال البوصيري: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم قال ابن رجب: هذا السفيه لم يترك لله شيئاً، أي: من جودك أنت الدنيا والآخرة، ومن علومك علم اللوح والقلم أي: علم اللوح المحفوظ من علمك يا رسول الله، وهذا من الغلو في رسول الله ﷺ . وبعضهم غلوا في النبي ﷺ حتى قالوا: إن النبي خلق من نور. والأشد من هذا قولهم: صعد جبريل ليأخذ القرآن من أجل أن ينزل به إلى محمد فكشف الحجاب فقال محمد: منك وإليك. لقد جعلوا رسول الله الخالق وهو المخلوق. فالعود على قبر النبي ﷺ سيصل بالإنسان إلى الغلو في النبي ﷺ ، والغلو في النبي ﷺ يصل به إلى الشرك بالله جل في علاه، فلذلك قال النبي ﷺ حسماً للمادة: (لا تجعلوا قبري عيداً). وكان يقول: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) والحمد لله قد كان. وقالت عائشة ﵂ وأرضاها: قال رسول الله ﷺ : (اشتد غضب الله على أقوام يتخذون القبور مساجد). وقال النبي ﷺ : (شرار الخلق عند الله من تقوم عليهم الساعة، والذين يتخذون القبور مساجد) كل هذه النواهي كانت حسماً للمادة وسداً للذريعة وخوفاً من وقوع الأمة في الغلو في الصالحين ببناء المساجد على قبورهم.

стр. 40

اقتداء الصحابة برسول الله في حماية جناب التوحيد وصحابة رسول الله ﷺ حسموا المادة وسدوا الذريعة أسوة برسول الله ﷺ ، فهذا علي بن أبي طالب كما في صحيح البخاري يقول لـ أبي الهياج الأسدي: (ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله ﷺ ؟ ألا تجد تمثالاً إلا كسرته، أو قال: ألا تجد صنماً إلا كسرته، ولا تجد قبراً مشرفاً إلا سويته) فلا بد من تسوية القبور. والبدع الموجودة في المقابر التي نراها من تعلية القبور وتجصيصها، وكتابة الكلمات التي لا تصح، كلها بدع تصل بالإنسان إلى الغلو في الصالحين ثم الشرك، وعلي بن أبي طالب ينتصر للتوحيد ويأتسي برسول الله ﷺ ويقول: إذا رأيت قبراً مشرفاً لا بد أن تسويه بالأرض. وعمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه عندما فتح الله بلاد العراق على يده بعث إليه أبا موسى الأشعري بقوله: وجدنا قبر دانيال. وهو نبي من أهل الإسلام لأن الأنبياء كلهم كانوا على الإسلام، والدليل قول النبي ﷺ : (الأنبياء إخوة لعلات) أي: لأب واحد والأمهات شتى يعني: دينهم واحد وشرائعهم مختلفة، ويصدق ذلك قول الله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] هذا هو الدليل الصريح الصحيح في أن الأنبياء كلهم كانوا على دين واحد وهو دين الإسلام. فعندما رأوا قبر دانيال ﵇ في العراق بعثوا إلى عمر ماذا نفعل؟ انظروا إلى حسم المادة وسد الذريعة فقال عمر بن الخطاب: احفروا ثلاثة عشر قبراً ليعمي على الناس، ثم ادفنوه ليلاً في واحد منها؛ لأنه علم أن الناس كانوا يستسقون به، والاستسقاء بالأموات ممنوع. فإن قيل: هل هو شرك مخرج من الملة أم لا؟ الجواب الصحيح الراجح أنهم إذا استسقوا بدانيال بأن يقولوا: أنزل علينا المطر، فقد كفروا، وإذا قالوا: اللهم بجاه دانيال أنزل علينا المطر فقد ابتدعوا في دين الله بدعة مميتة، وهي وسيلة إلى الشرك. لكن في الأول من أي وجه أشركوا عندما قالوا لدانيال: أنزل علينا المطر؟ لاشك أن فعلهم فعل كفري، ولا يتجرأ على مسألة التكفير إلا جاهل جريء عميق الجهل؛ لكن نقول: القول قول كفري والفعل فعل كفري، والقائل والفاعل ليسا بكافرين حتى تقام عليهما الحجة وتزال الشبهة. والذي يقول لدانيال: أنزل علينا المطر، أغثنا يا دانيال قد قال قولاً كفرياً صريحاً من عدة وجوه: الوجه الأول: أنه صرف العبادة لغير الله؛ لأن الدعاء عبادة لله وقد صرفها لغير الله، والقاعدة: أنه إذا ثبت في الشرع أنها عبادة لله فصرفها لغير الله شرك. الوجه الثاني وهو المهم: أنه أشرك في الربوبية؛ لأنه اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، فإذا اعتقد في دانيال أو اعتقد في محمد أو في إبراهيم أو في موسى أنه هو الذي ينزل المطر، فقد اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، وهذا شرك في الربوبية. فـ عمر بن الخطاب حسماً للمادة وحفاظاً على جناب التوحيد عمى على الناس خبره وحفر ثلاثة عشر قبراً، ثم دفنه ليلاً حتى لا يستسقي به الناس وحتى لا يصلوا إلى الشرك بهذا الغلو.

стр. 41

حكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر مسألة: لقد منع النبي ﷺ من بناء المساجد على القبور، فهل إذا صلى فيها المرء تصح صلاته أو لا تصح، وإن كان هذا الجانب جانباً فقهياً أكثر منه عقدياً؛ لكن لزاماً علينا أن نبين هذه المسألة. فهذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين: القول الأول: أن من صلى في مسجد فيه قبر فصلاته باطلة ويجب عليه إعادة الصلاة، وهذا قول الحنابلة. واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني: فهو باطل ولا يمكن أن يكون صحيحاً. وقول النبي ﷺ : (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد) أي: باطل. وقالوا: مطلق النهي يقتضي الفساد، فلما نهى النبي ﷺ عن الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، فهذا النهي يدل على أن هذا العمل ليس على سنة النبي، وكل عمل ليس على سنة النبي فهو باطل مردود، وهذا القول الأول. أما القول الثاني فهو قول جماهير أهل العلم من الشافعية والمالكية والأحناف؛ وهو أن الصلاة صحيحة ويأثم المصلي، والإثم يكون مع العلم، فلو دخل رجل مسجداً فيه قبر فصلى فيه وهو لا يعلم أن هذا المسجد فيه قبر لا يأثم؛ لقول النبي ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). وقوله : ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. فمن دخل مسجداً فيه قبر وهو يعلم أن هذا المسجد فيه قبر فلا يصل فيه، فإن صلى فهو آثم؛ لأنه ارتكب نهياً؛ ولأنه تعدى حدود الله، والنبي ﷺ نهى عن الصلاة في المساجد التي فيها قبور، فقال: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها). وقال النبي ﷺ كما في الصحيح: (صلوا في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً). ووجه الدلالة من هذا الحديث هو: الأصل أن القبور لا يمكن أن يصلى فيها ولا يجوز أن يصلى فيها، فأنت إن لم تصل في بيتك شبهت بيتك بالقبر، ولذلك كان النبي ﷺ يصلي النوافل في البيت. وفي مسند أحمد بسند صحيح: أن السنة في البيت تساوي الفرض في المسجد، يعني: النافلة في البيت تضاعف على النافلة في المسجد بسبع وعشرين درجة، فكم ضيعنا من درجات، وكم فرطنا في صلاة النافلة في المسجد، وهذا تصريح من النبي ﷺ أن الصلاة في البيت كصلاة الفرض في المسجد. فقال الجمهور: يأثم لأنه تعدى حدود الله، وصلاته صحيحة، لأن الجهة منفكة يعني: النهي منفك عن ذات الصلاة، فإن الصلاة لها أركان وشروط، فمن أتى بالأركان وأتى بالشروط تامة فقد صحت صلاته. يعني: من توضأ، واستقبل القبلة، وستر العورة، وقرأ الفاتحة في كل ركعة وركع، ورفع، وسجد، ورفع من السجود، فقد أتى بالأركان وبالشروط تامة فتصح صلاته بذلك. إذاً: فصلاته صحيحة لأنه أتم الأركان والشروط قالوا: ويأثم لأنه تعدى النهي وبعض الحنابلة يرون أن الجهة ليست منفكة. ومعنى قولهم (الجهة منفكة) يتبين من قول النبي ﷺ عندما أخذ الذهب والحرير: (هذان حلال لنساء أمتي حرام على ذكورها). فلو أن رجلاً لبس قميصاً من حرير ثم قام فصلى الظهر وقع في النهي فهل تبطل صلاته أم لا؟ قال أبو يعلى تبطل؛ لأن النهي عندهم يقتضي الفساد مطلقاً. والصحيح الراجح أنها لا تبطل لأن لبس الحرير في غير الصلاة لا يجوز، وفي الصلاة لا يجوز أيضاً، فليس له علاقة بذات الصلاة، الصلاة علاقتها أن يكون فيها أركان وشروط متوفرة من استقبال القبلة وغيرها، فمن أتى بالشروط والأركان وأتمها في الصلاة صحت صلاته، وهذا الراجح الصحيح. وأما الرد على من استدل بقول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني: فهو باطل فنقول: قد عمل عملاً عليه أمرنا وهي الصلاة بالأركان والشروط التامة، فصحت صلاته، ثم اتخذ مكاناً ليس عليه أمرنا، وهو المسجد الذي فيه القبر، فأثم في التعدي وصحت صلاته التي تمت فيها الأركان والشروط، وهذا هو الراجح الصحيح، فتصح الصلاة حتى ولو علم أن فيه قبراً. هذه آخر مسألة، والمسائل القادمة إن شاء الله ستكون في العقيدة.

стр. 42

عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق - ذرائع الشرك لقد دب الشرك في الناس بسبب غلوهم في صالحيهم وعدم أخذهم بما قاله رسول الله وبما فعله الصحابة الكرام، ولقد بلغ بهم تعظيم الصالحين مبلغاً عظيماً حتى إنهم صوروا لهم تماثيل لأجل أن يذكروهم، فلما مات هؤلاء عبدت تلك التماثيل من دون الله ، ولذلك منع رسول الله ﷺ التماثيل والتصاوير خشية أن يقع الناس فيما وقع فيه من كان قبلهم.

стр. 43

صور من سد الصحابة منابع الشرك

стр. 44

قطع شجرة الرضوان وإخفاء قبر دانيال إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: انتهينا إلى أن الله جل في علاه علم نبيه حفاظاً على التوحيد، وحسماً لمادة الشرك، وسداً لذريعة الشرك عدة أمور، كما بينا أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة إلى القبور، ونهى عن بناء المساجد على القبور، ولعن من فعل ذلك وهو في مرض موته بقوله: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك). وبينا أن الصحابة اقتفوا أثر النبي ﷺ ، وتعبدوا لله بالتوحيد الخالص، وابتعدوا كل البعد عن الشرك، وعن وسائل الشرك، كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. الصورة الأولى: أن عمر بن الخطاب أخفى قبر النبي دانيال عندما وجدوه في العراق، وحفر ثلاثة عشر قبراً تعمية عليهم؛ لأنهم كانوا يستسقون بهذا النبي. وحفاظاً على التوحيد أيضاً نظر عمر بن الخطاب في أناس كانوا يقتفون الأماكن التي كان يصلي فيها النبي ﷺ فضربهم عليها، وقال: أتتبعون آثار الأنبياء؟ ولما علم أن الناس يقصدون الشجرة التي حدث عندها البيعة على الموت اجتثها عن بكرة أبيها وقطعها حسماً للمادة.

стр. 45

قصة عروس النيل وهناك قصة لطيفة ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية، وهي أن المصريين كانوا يعتقدون اعتقاد الفراعنة، وهو أن النيل لا يجري حتى يلقوا إليه بأجمل فتاة، وكانوا يسمونها عروس النيل، فدخل عمرو بن العاص وهم يعتادون ذلك ويفعلونه فمنعهم من ذلك، فتوقف النيل عن الجريان، فبعث إلى عمر بن الخطاب فقال: السلام على أمير المؤمنين، الأمر كيت وكيت، فبعث عمر بن الخطاب بورقة مكتوب فيها: من أمير المؤمنين إلى نيل مصر -انظروا إلى التوحيد الخالص وحسم مادة الشرك- إن كنت تجري بنفسك فلا تجر، وإن كنت تجري بأمر الله فعليك أن تجري. لقد صنع عمرو هذا حسماً لمادة الشرك، وسداً لذريعة الاعتقاد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله. فإن كل من اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله فقد أشرك. فهم اعتقدوا في النيل ما لا يعتقد إلا في الله، فالذي يوقف الماء هو الله جل وعلا فهو الذي أمر موسى أن يضرب البحر فكان كالطود العظيم، فهم حين اعتقدوا في النيل ما لا يعتقد إلا في الله وقعوا في الشرك، فحسماً لمادة الشرك وسداً للذريعة بعث إليهم عمر بهذه الكلمات، ليعلموا أن النيل لا يجري بنفسه حتى لا يعتقدوا فيه اعتقاداً باطلاً، فإن الاعتقاد الصحيح أن النيل لا يجريه إلا رب النيل جل في علاه. وأيضاً: عمر بن الخطاب كان دائماً يضرب من لا يعتقد في الله الاعتقاد الصحيح، كالذي اعتقد في القدر فإن عمر أخذه وضربه ضرباً مبرحاً حتى قال له: انتهيت انتهيت أي: رجعت إلى صوابي.

стр. 46

تسوية القبور المشرفة وبيان أن الحجر الأسود لا يضر ولا ينفع وبعث علي بن أبي طالب أبا الهياج الأسدي وقال له: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ قال: (ألا تجد قبراً مشرفاً إلا سويته) أي: تسويه بالأرض حتى لا يعتقد في الولي ما يعتقد في الله جل في علاه. وسد الذريعة من الأبواب الصحيحة التي اتخذها صحابة رسول الله ﷺ ، ولذلك ترى كلاً منهم كان يقتفي أثر النبي ﷺ فيما هو شرع وعبادة، فكان عمر يطوف في البيت ويأخذ الحجر ويقبله ويقول: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك). لأن البقاع لا تعظم إلا بتعظيم الله جل في علاه، فهو لم يقبل الحجر تعظيماً له، بل تعظيماً لله جل في علاه.

стр. 47

النهي عن استلام الركن الشامي من الكعبة لا يوجد أحد من الصحابة طاف حول مقام إبراهيم أو قبل مقام إبراهيم أو تمسح بمقام إبراهيم، بل من يفعل ذلك يضرب ويعلَّم أن هذا من أبواب الشرك. ولذلك لما دخل معاوية وهو أمير المؤمنين ﵁ البيت وابن عباس جالس، فنظر ابن عباس فوجد معاوية يطوف ويمسح الأركان كلها، فقال له ابن عباس: ألا يكفيك أن تمسح بالركنين اليمانيين: الحجر الأسود، والركن اليماني؟ فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجوراً، وهذا في مسند أحمد بسند صحيح، فقال له ابن عباس: إن لكم في رسول الله أسوة حسنة، فاستلم ما استلم النبي ﷺ ، فقال له: صدقت! إن لكم في رسول الله أسوة حسنة. فـ ابن عباس يحرج على معاوية أن يمسح حجراً لم يمسحه النبي ﷺ ؛ وحتى لا يستدعيه ذلك إلى التعظيم، والتعظيم يصل بالإنسان إلى الغلو، والغلو يصل بالإنسان إلى الشرك. وقد اختلف العلماء هل يقبل الركن اليماني أو لا يقبل؟ والصحيح الراجح أنه لا يقبل إلا الحجر الأسود؛ لأن النبي ﷺ ما قبل إلا الحجر الأسود، ونحن ما قبلناه لتعظيمه وإنما قبلناه لتقبيل النبي ﷺ له.

стр. 48

النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة نهي النبي ﷺ أن تشد الرحال إلى أي مكان في الأرض إلا إلى ثلاثة أماكن، قال النبي ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) وهذا من باب تعظيم البقاع وأنه لا تستحق بقعة في الأرض التعظيم، لا قبر ولي، ولا قبر غيره إلا المساجد الثلاثة: المسجد الأقصى، والمسجد النبوي، والمسجد الحرام، ولذلك قال النبي ﷺ كما في الصحيح: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا). ولذلك كان ابن عمر يشد الرحال إلى بيت المقدس، فيدخل فيصلي ولا يشرب شربة من ماء، ثم يخرج قاصداً المدينة عملاً بحديث النبي ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد). وأيضاً: قال النبي ﷺ : (من خرج من بيته لا يخرجه إلا الصلاة في بيت المقدس رجع كيوم ولدته أمه).

стр. 49

التحذير من التصوير فإن النبي ﷺ منع التصوير حسماً للمادة؛ لأن النبي ﷺ بين أن المصور سيعظم، وأن الذي سيعظم سيغالى فيه، وإن غالى فيه القوم فإنهم سيعبدونه من دون الله جل في علاه. قال النبي ﷺ : (لعن الله المصورين) وقد ذكرت أن أصل الشرك في الأمم السابقة هو الغلو في الصالحين، وسبيله إلى ذلك هو التصوير، فقد صنعوا تماثيل للصالحين صوروهم بها كود وسواع ويغوث وغيرهم. فكانت التصاوير سبيلاً للغلو فيهم، ثم بعد ذلك وصلوا إلى أن أشركوا بهم مع الله جل في علاه، وسواء الصور الفوتغرافية أو غير الفوتغيرافية، والخوف منها لأسباب كثيرة منها: شرك الغلو والتعظيم، فأنت عندما تصور رجلاً تعلق هذه الصورة في بيتك فإنك ستصل بالتعليق إلى التعظيم، وإن وصلت إلى التعظيم وصلت إلى الغلو وكانت ذريعة إلى الشرك. وحسماً لهذه المادة منع الله من التصوير على لسان نبيه ﷺ حيث قال النبي ﷺ : (لعن الله المصورين) وهذه اللعنة معناها الطرد من رحمة الله جل في علاه. وأيضاً: قال النبي ﷺ : (يؤتى بالمصور يوم القيامة فيؤمر بالنفخ في الصور بالروح وليس بنافخ)، لأنه يضاهي خلق الله بما فعل، فحسم النبي ﷺ هذه المادة، وحسم الصحابة ذلك بأنهم منعوا التصاوير والتماثيل. ومن حسم المادة وسد الذريعة أن كل صحابي منع أن يعلو قبره في وصيته، كما أوصى علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه. وقد اختلف العلماء في زيارة القبور هل هي مكروهة أم مستحبة أم هي مباحة؟ وهذا الذي سنعرفه لاحقاً إن شاء الله تعالى. ثم الكلام على القسم بالأنبياء على الله، هل يصح أو لا؟ وأنها أيضاً: وسيلة للشرك بالله جل في علاه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 50

عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق - أقسام زيارة القبور وأحكامها زيارة القبور مشروعة للرجال، أما النساء فقد اختلف العلماء في ذلك اختلافاً كبيراً، ولكل فريق دليله، والراجح التحريم، وهناك زيارات بدعية للقبور وزيارات شركية يجب تجنبها.

стр. 51

أقسام زيارة القبور الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن أهل الإيمان يغلقون كل باب يصل بهم إلى الشرك والعياذ بالله، وأما أهل الأوثان فإنهم يفتحون كل باب يصل بهم إلى الشرك والعياذ بالله. ومن أعظم الأبواب الموصلة إلى الشرك في هذه الأمة الغلو في أصحاب القبور، ثم الغلو في القبور، ولذلك كان النبي ﷺ يقول وهو في سكرات الموت: (ألا لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن هذا). وكان النبي ﷺ يقول: (أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة). ومنع زيارة القبور ثم أباحها بعد ذلك عندما وجد أن الله قد أتم التوحيد للناس، فإذا عادت الذرائع فنحن نمنع من الزيارة، فزيارة القبور على ثلاثة أنواع: زيارة شرعية. وزيارة بدعية. وزيارة شركية.

стр. 52

الزيارة الشرعية للقبور أما الزيارة الشرعية فهي التي كان قد منعها النبي ﷺ خوفاً من الاعتقاد في المقبور، كما كان أهل الجاهلية يعتقدون في بعض الأموات، كالذي كان يلت السويق للحجيج، وكما قال ابن عباس ﵁ وأرضاه، واتخذوا صنمه إلهاً يعبدونه من دون الله، فكان النبي ﷺ يحسم هذا الأمر في أول الإسلام، ثم بعد ذلك أباح لهم زيارة القبور وبين العلة فقال: (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها تذكر الآخرة أو تذكر بالموت). فيرق القلب وتدمع العين عند زيارة القبور، ولذلك أفسح النبي ﷺ المجال لمن يزور القبور وهو معتقد الاعتقاد السديد بأن المقبور لا ينفع ولا يضر. ومن العلل أيضاً انتفاع الرجل المؤمن بالله جل في علاه وانتفاع الميت، أما انتفاع الموحد وذلك بأنه سيدخل إلى المقبرة فيؤدي حق الله وحق المقبور، أما تأدية حق الله فإنه عندما يذهب إلى المقبرة يعلم أن الموت بيد الله، وأن الله هو الآخر ، وأن الله هو مكون الكون، ثم يرفع يديه ويدعو الله جل في علاه بالإحسان إلى أخيه، فيفوز بالتوحيد ويفوز بالإحسان إلى أخيه، ويرجع ذلك إليه لقول الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] فينتفع المقبور بدعاء هذا الحي، والحي أيضاً يتذكر ويتدبر بأنه نازل إلى هذا القبر كما نزل صاحبه.

стр. 53

حكم زيارة القبور للنساء، وأقوال العلماء في ذلك هل الزيارة الشرعية عامة للنساء والرجال، أم خاصة بالرجال فقط؟ وهذا معترك قوي جداً بين العلماء، فقد اختلف العلماء في ذلك اختلافاً شديداً: فالقول الأول: هو أن زيارة القبور خاصة للرجال محرمة على النساء، وهذا القول تبناه بعض الشافعية وبعض الحنابلة، وهو ترجيح لشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. وأدلتهم في ذلك كثيرة منها: حديث الترمذي قال النبي ﷺ : (لعن الله زائرات القبور) وهذا الحديث فيه ضعف، فـ أبو صالح مولى أم هانئ راوي هذا الحديث عن ابن عباس رجل ضعيف اتفقوا على ضعفه، فالحديث ضعيف لكن يستدلون به. ووجه الدلالة من التحريم اللعن، فإنه لا يطرد أحد من رحمة الله إلا وقد فعل محرماً بل كبيرة، ومن العلماء من ضبط الكبائر بأنها ما رتب على فعلها لعن. الدليل الثاني: قول النبي ﷺ : (لعن الله زوارات القبور) وهذا الحديث صحيح وليس فيه ضعف، فقد اتفق المخالف والموافق على صحة هذا الحديث. لكن هذا الحديث وجه الدلالة منه ضعيفة؛ لأن النبي ﷺ يقول: (لعن الله زوارات القبور) وهذه صيغة مبالغة وصيغة المبالغة فيها دلالة على التكرار، يعني: أن المرأة لو ذهبت مرة أو مرتين فليس في ذلك شيء، لكن إذا استمرت على زيارة القبور فهي ملعونة لحديث النبي ﷺ : (لعن الله زوارات القبور). لكن بعض الشافعية ضبطه لغة فقال: زوارات القبور بالضم بمعنى زائرات، وبهذا يعضد الحديث الأول. الدليل الثالث: حديث أم عطية قالت: (نهينا عن اتباع الجنائز)، وجه الدلالة في هذا الحديث أن الأصل في النهي التحريم، وبما أن النبي ﷺ نهى عن اتباع الجنائز فمن باب أولى أن يمنع زيارة القبور، فهذه فيها دلالة من باب القياس الجلي أو من باب أولى. القول الثاني: قالوا بالكراهة: والفرق بين القول الأول والقول الثاني هو أن أصحاب القول الأول يؤثمون من زار، وأصحاب القول الثاني لا يؤثمون من زار، وعلى هذا عامة الشافعية والحنابلة. واستدلوا على ذلك بأدلة منها: قول أم عطية: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) فقالوا: إن قولها: (لم يعزم علينا) صرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة. القول الثالث: يقولون بجواز زيارة القبور للنساء: واستدلوا بأدلة من السنة والكتاب أيضاً، فمنها أولاً: أن النبي ﷺ كما في الصحيح مر بامرأة على قبر وهي تبكي ولدها، فقال لها النبي ﷺ : (اتقي الله واصبري. فقالت: إليك عني إنك لم تصب مصيبتي. فتركها النبي ﷺ فقال أحدهم: أما علمتِ أنه رسول الله ﷺ ؟ فذهبت إليه تعتذر فلم يقبل عذرها وقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى). ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي ﷺ ما نهاها عن زيارة القبور، فلما لم ينهها عن ذلك دل على الجواز. واستدلوا أيضاً بحديث عائشة ﵂ وأرضاها، والحديث في الصحيح والسنن: (أن النبي ﷺ كان في ليلتها فانسل فذهب إلى البقيع فارتدت ثيابها وخرجت خلف النبي ﷺ مسرعة، فوجدت رسول الله ﷺ عند أهل البقيع يرفع يديه ويدعو الله جل في علاه، فاستدار النبي ﷺ ، فاستدارت، فأسرعت وأسرع النبي ﷺ خلفها، حتى دخل خلفها ﷺ فقال: أنتِ السواد الذي كان أمامي؟ قالت: نعم يا رسول الله قال: أخفت أن يحيف عليك الله ورسوله؟ ثم قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! إني خشيت أن تذهب إلى زوجة من زوجاتك، فقال: إنه جاءني جبريل فقال: يأمرك ربك أن تذهب إلى أهل البقيع فتدعو لهم. فقالت: يا رسول الله ماذا أقول إذا أتيت القبور؟ قال: قولي: السلام عليكم دار قوم مؤمنين أتاكم ما توعدون وإنا بكم إن شاء الله للاحقون) إلى آخر الروايات. الأمر الثاني: أن عائشة ﵂ وأرضاها زارت قبر أخيها، وهذا فعل صحابي. والثالث: أن فاطمة كانت تزور قبر حمزة كل جمعة. القول الرابع: استحباب زيارة القبور للنساء: وهذا دليله من الأثر ومن النظر، أما الأثر فقالوا: قال النبي ﷺ : (إني كنت قد منعتكم من زيارة القبور ألا فزوروها) وهذا أمر، وهذا الأمر أقل أحواله أن يكون على الاستحباب، فالأمر أصلاً للوجوب إلا أن يصرفه صارف وقد ورد الصارف. الثاني من النظر: أن النبي ﷺ بين العلة، فقال: (فإنها تذكركم الآخرة) وهذا عام للرجال والنساء، وعليه فيستحب للمرأة أيضاً أن تذهب إلى القبر حتى تتذكر الموت وتتذكر الآخرة، فتكون من اللائي يسارعن في طاعة الله جل في علاه.

стр. 54

القول الراجح في حكم زيارة النساء للمقابر والصحيح الراجح في ذلك تحريم زيارة القبور للنساء للأدلة الظاهرة جداً في التحريم: أولها: حديث النبي ﷺ : (لعن الله زوارات القبور). فأنا أقول: وإن كانت الصيغة صيغة مبالغة وأن التكرار هو الذي يدخلها في اللعن فإن ابتداء الذهاب ذريعة للتكرار والوسائل لها أحكام المقاصد، فلا بد أن تمنع من الأول. والدليل الأوضح من ذلك والأصرح هو حديث أم عطية قالت: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) وظاهر النهي التحريم، ولا يحتاج تحريم النبي إلى تأكيد، فإذا قال لك النبي: لا تفعل، فعليك أن تقول: سمعت وأطعت وهذا حرام لا أفعله، فهذا ظاهر قول النبي ﷺ : (نهينا) يعني: لا تفعلن ولا تذهبن، فهذه دلالة واضحة من أم عطية على أن النبي ﷺ نهى عن زيارة القبور. الدليل الثالث: من النظر، وهو أن هناك مفاسد عظيمة عند ذهاب المرأة إلى القبور، فإن ذهاب المرأة إلى القبور يؤدي إلى فتنة الرجال، فينظرون إلى عينها، ووجهها، ويدها، أو ينظرون لبكاء المرأة، فيفتنون بها، وفي هذا مصادمة لمقاصد الشريعة. الأمر الثاني: أنها لو ذهبت فلن تتذكر الآخرة، بل لن تصبر على أقدار الله، وستتسخط على أقدار الله. وهذا الغالب في النساء، فالضعف فيهن معروف، ويظهر ذلك جلياً في قصة المرأة التي قالت للنبي: (إليك عني)، فهي وإن كانت لا تعرفه لكنها لم تقبل النصيحة، فهو يقول لها: (اتقي الله واصبري) وهي ترد على رسول الله ﷺ أمره. فالنساء الأصل فيهن الضعف، فيغلب على عقولهن التسخط على أقدار الله جل في علاه وينطقن بكلمات الكفر إذا ذهبن، وفي هذا أيضاً مصادمة لمقاصد الشريعة. الثالث: أنه لا فائدة من ذهابها، فإذا كان النبي ﷺ نهاها عن الاتباع، فالنهي عن الزيارة أشد وأقوى. فهذه كلها أدلة تثبت أن الأقرب إلى الصواب هو تحريم زيارة المرأة للقبور.

стр. 55

الرد على المخالفين أما الرد على المخالفين في ذلك فنقول: أولاً: الذين قالوا بالكراهة قالوا بحديث: (نهينا ولم يعزم علينا) فنقول: نهي النبي لا يحتاج إلى تأكيد، فإذا قال النبي ﷺ : لا تذهبي أو لا تتبعي فلا يحتاج أن يؤكد ذلك، ولا صارف هنا عن النهي إلى الكراهة، بل يبقى على أصله وهو التحريم. وأما الرد على الذين يقولون بالجواز، فإنهم استدلوا بأن النبي ﷺ مر على امرأة وهي تبكي فلم ينهها. فنقول: الإجابة على هذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: أن النبي ﷺ قال لها: (اتقي الله) وتقوى الله فعل المأمور وترك المحظور، وقد نهاها النبي ﷺ عن اتباع الجنائز ولعن من زارت القبور، فتقوى الله لا تكمل إلا بالانتهاء عن زيارة القبور التي نهى عنها النبي ﷺ ، فيكون إجمالاً قد نهى النبي ﷺ المرأة عن زيارة القبور بقوله: (اتقي الله). الوجه الثاني: أن هناك مفسدتين: مفسدة الزيارة، ومفسدة خروج المرأة عن شعورها بشق الجيوب ولطم الخدود والتسخط على أقدار الله، فإذا تزاحما قدم أشدهما نكارة. فالنبي وجد المرأة عند القبر فعلت أمرين محظورين الأول: أنها زارت القبر، والثاني: أنها تبكي وتتسخط على أقدار الله جل في علاه، فقدم النبي ﷺ الأهم على المهم وقال: (اتقي الله واصبري) يعني: لا تتسخطي، (إنما الصبر عند الصدمة الأولى). وإن قلنا بأنه لم ينه فهذه واقعة عين، ووقائع الأعيان لا تعمم، فلعله تركها لأنه لو نهاها عن زيارة القبور بعد أن قال لها: (اتقي الله واصبري) أن تسب أو تخرج عن شعورها فتتكلم مع النبي ﷺ بما لا يليق. واستشهدوا بحديث عائشة وأنها قالت: (ماذا أقول لهم؟) ففيه دلالة أنه لما علمها الدعاء أنها تزور، وهذه دلالة ليست أيضاً بقوية؛ إذ إننا نقول: يحتمل أن النبي ﷺ علمها إذا مرت بالقبور أن تقول هذا الدعاء، وليس بلازم أن نقول إنها تزور فتقول هذا الدعاء. وهناك دليل على أن الإنسان لو مر على المقابر ولم يدخل إليها أن يقول هذا الدعاء، وهو قول النبي ﷺ : (إذا مررتم بقبور المشركين فقولوا: أبشروا بما يسوءكم، ستجرون على وجوهكم وبطونكم إلى نار جهنم) فهذا فيه دلالة على أنك إذا تكلمت بهذا الكلام وأنت مار فسوف يسمع أصحاب القبور ما تكلمت به، إذاً هذا الحديث يحتمل أنه للمرور ويحتمل أنه للزيارة، وقد جاءت الأدلة تمنع الاحتمال الثاني، فيبقى الاحتمال الأول وهو المرور. أما دليلهم الثالث وهو زيارة عائشة لقبر أخيها، فالرد عليه: أن عائشة ﵂ وأرضاها ما سافرت قاصدة قبر أخيها، وقد جاء في بعض الروايات -وإن كان فيها ضعف- أنها قالت: لو شهدته ما زرته، يعني: لو شهدت موته وصليت عليه مثلاً ودعوت له ما ذهبت إلى قبره. فيحتمل أنها ذهبت من لوعة الأسى الذي في قلبها من أجله لأجل أن تصلي عليه أو ذهبت تدعو له. وإن لم يرض المخالفون بهذا الرد فنقول: فعلت عائشة هذا، وفعل عائشة يصادم قول النبي، والحجة كل الحجة في قول رسول الله ﷺ . أما حديث فاطمة وأنها كانت تذهب كل جمعة فهو حديث ضعيف لا حجة فيه. فإذاً: لا يبقى لهم حجة يحتجون بها. والذين قالوا بالاستحباب قالوا بقول النبي ﷺ : (نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها). فنقول: قول رسول الله ﷺ : (فزوروها) هذا اللفظ نقل النووي قال: هذا اللفظ خاص بالرجال ولا يدخل فيه النساء بالاتفاق. لكن لمعترض أن يقول: هذا تغليب للرجال ويمكن أن يدخل تحته النساء لحديث النبي ﷺ : (النساء شقائق الرجال في الأحكام) فهذا ظاهر جداً في أنهن يدخلن في قول النبي ﷺ : (ألا فزوروها). فنقول: نعم، يدخلن في قول النبي ﷺ : (ألا فزوروها)، لكن جاء المانع الذي يمنع دخولهن وهو قول النبي ﷺ : (لعن الله زوارات القبور)، وأيضاً قول أم عطية: (نهينا عن اتباع الجنائز).

стр. 56

حكم صلاة المرأة على الجنازة فإذا قلنا بأن هذا هو الراجح وأن الأدلة الأخرى كلها أدلة محتملة، فإننا نقول: هل للمرأة أن تصلي على الجنازة إن منعت من الإتباع ومنعت من الزيارة؟ الجواب نعم، لها أن تصلي وقد ورد عن الصحابة الكرام وعن نساء الصحابة أنهن كن يصلين على الأموات. فللمرأة أن تدخل المسجد قبل أن يصلي الرجال فتصلي على الميت، أو تكون المرأة في آخر المسجد أو في مكان مستور فتصلي بصلاة الإمام على الجنازة. فلهن الصلاة وليس لهن الزيارة واتباع الجنائز؛ لقول النبي ﷺ بالتصريح: (لعن الله زوارات القبور)، ولموافقة مقاصد الشريعة؛ لأن المرأة ضعيفة العقل والقلب، فإذا ذهبت وقعت في كل المحظورات من شق الجيوب، ولطم الخدود، والتسخط على أقدار الله جل في علاه. وهذا واقع نعيشه، وقد رأيت امرأة دخلت المقبرة وأبوها سيدفن فنظرت إلى السماء ففعلت فعلة كفرت بها في لحظتها ولو ماتت لدخلت النار خالدة مخلدة، فليس فيها حجة ولا شيء -والعياذ بالله- وهذه المرأة مسلمة، فانظروا كيف تفعل، فالمرأة لا يمكن أن تتمالك نفسها خاصة إذا وجدت الرعاع والجاهلات اللاتي يثرن الشغب في القبور، فهذه مصادمة صريحة لمقاصد الشريعة، وفيها إظهار بأن زيارة القبور للمرأة لا تصح ولا تجوز.

стр. 57

الزيارة البدعية للقبور وصورها النوع الثاني من الزيارة: الزيارة البدعية: والزيارة البدعية أصلها مشروع وهيئتها محدثة، فالأصل في زيارة القبور أن يرق فيها القلب، وتدمع بها العين، ويتذكر الموت والآخرة فهذه مشروعة، لكن يأتي أحدهم بهيئة مستحدثة مبتدعة كأن يشد الرحل إلى المقبور لزيارته، كالذين يذهبون إلى البدوي أو إلى أبي العباس، أو إلى أبي الدرداء، فهذا كله يعتبر من البدع المنكرات؛ لقول النبي ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد). فلا يمكن أن تعظم بقعة من بقاع الأرض لأحد فيها ولا لشيء فيها إلا ثلاثة مساجد: المسجد الأقصى، والمسجد النبوي، ومسجد الكعبة. وأيضاً من المستحدثات: أن يدخل المرء إلى هذا القبر لبنائه وتعليته، ناهيك عن الكتابات التي تحدث كالمغفور والمرحوم المتصدق وغير ذلك من التفاخر المعلوم، فهذا أيضاً من البدع. وإيقاد السرج على القبور من المحدثات التي تجعل الزيارة بدعية. من هذه أيضاً: أن يذهب المرء للمقبور ليستغفر لهذا الزائر الذي يدخل عليه، كما يدخل على النبي ﷺ فيقول: يا رسول الله! استغفر لي ربي، أو استغفر لي ربك. فهذه من الزيارة البدعية أو الشركية؛ لأنها مخالفة لفعل النبي والصحابة والسلف ولا دليل عليها. لكن أبى علينا الذين يفعلون ذلك وقالوا: عندنا أدلة من الكتاب ومن الأثر: أولاً: قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤] فهذه الآية فيها دلالة على ما نريد، ووجه الدلالة من هذه الآية أنها على العموم سواء كان حياً أو ميتاً. ويرد عليهم في هذا بأن نقول: هناك فارق في اللغة بين إذ وإذا، فإذا ظرف زمان للمستقبل، أما إذ فظرف زمان للماضي، فقول الله جل في علاه: ((وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ)) يعني في الماضي، وقول الله تعالى: ((وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ)) يعني: حال حياته؛ لأن إذ ظرف زمان للماضي، ويكون معنى الآية: لغفر الله لهم. واستدلوا من الأثر بأن الأعرابي الذي جاء للنبي في قبره وقال: يا رسول الله، إني أقرأ الآيات: ((وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ)) ثم قال: يا رسول الله، استغفر لي الله. فكان هناك من ينام عند قبر النبي فرأى رسول الله ﷺ أتاه في المنام فقال: (اذهب إلى هذا الأعرابي فقل له: قد غفر الله لك)، واحتجوا بهذه القصة. فنقول لهم: أحكام الشرع لا تناط بحال من الأحوال بهذه الرؤيا المنامية، بل أحكام الشرع تناط بقال الله قال رسوله ﷺ ، ناهيك عن أن الصحابة لم يفعلوا ذلك، والتابعون ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين لم يفعلوا ذلك. فثبت أن هذه التوسلات أو هذه الاستدلالات كلها باطلة، وأن هذه الزيارة بدعية، وأن الذي يذهب إلى رسول الله مدعياً حياة النبي نقول له: حياة النبي حياة برزخية لا تقاس على الحياة الدنيوية، ورسول الله ﷺ لا يملك لنفسه شيئاً حتى يملك لك شيئاً فيستغفر لك الله جل في علاه. ولذلك النبي ﷺ لم يبين لأمته أن يذهبوا إلى قبره بعد مماته فيطلبوا منه الاستغفار لهم، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، فلما لم يفعلوا دل ذلك على أنه ليس بمشروع.

стр. 58

الزيارة الشركية وصورها والزيارة الشركية هي أن يقصد بالرحلة إلى القبور الاستغاثة بالمقبور أو دعائه، فيصرف عبادة محضة لله لغير الله، بأن يسجد لهذا المقبور أو يستغيث به، أو يقول: اعف عني، اغفر لي، اشفني، ارزقني، أعطني، امنحني، أغثني. فكل هذه عبادات تصرف لله، فيصرفها لغير الله، فتكون هذه زيارة شركية. أو يحج لهذا المقبور؛ لأن الحج هو السفر قاصداً تعظيم البقعة التي سيسافر إليها، فالذين يسافرون إلى البدوي فهذا يعتبر حجاً للبدوي وتعظيماً لمكانه، فهذه زيارة شركية، ناهيك عن الطواف الذي يحدث. فالطواف بالقبر أيضاً من الشرك الأكبر، فلذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: الطواف بالقبر بدعة. والدليل على أن الطواف بالقبر شرك أكبر هو أن الطواف بالكعبة عبادة، فإن كان هو عبادة فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك، وهذه الزيارة الشركية تخرج من الملة، ولا بد أن يحفظ الإنسان جناب التوحيد، ويبعد عن أي مسجد فيه قبر أو فيه معظم غير الله وغير رسوله ﷺ .

стр. 59

عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق - الشفاعة الشفاعة حق كامل لله ، فلا أحد يشفع عنده إلا إذا وجد معه ركنا الشفاعة، فإن للشفاعة عند الله ركنين لا يمكن لأحد أن يشفع عنده إذا لم يتوافر هذان الركنان معه: الركن الأول: أن يرضى رب العالمين عن المشفوع له، فلا يمكن أن تكون الشفاعة في أهل الشرك والكافرين؛ لأن الله لا يرضى عنهم. الركن الثاني: الإذن للشافع، فلا يشفع أحد عند الله إلا بإذنه.

стр. 60

تعريف الشفاعة لغةً واصطلاحاً إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. نتكلم في هذا الدرس عن الشفاعة، فنقول: الشفاعة لغةً: مأخوذة من الشفع، وهو جعل الواحد اثنين، وضد الشفع هو الوتر. والشفاعة شرعاً أو اصطلاحاً: هي الواسطة أو التوسط للغير عند معظم؛ لجلب خير للمشفوع له، أو دفع ضر عنه.

стр. 61

شفاعة النبي ﷺ في أهل الموقف قبل أن أتكلم على الشفاعة أقول: إن صاحب القرن قد التقم القرن، كما قال النبي ﷺ : (التقم صاحب القرن القرن، وأصغى ليؤذن له)، فإذا نفخ النفخة الأولى، صعق جميع الناس، وإذا نفخ في الصور النفخة الثانية فإذا الناس قيام ينظرون. وكلهم يحشرون على أرض غير هذه الأرض وسماء غير هذه السماء، ويحشر الناس حفاة عراة غرلاً، أي: غير مختونين، ويبلغ العطش منهم مبلغه، ويشتد عليهم الكرب. وعائشة ﵂ اندهشت عندما سمعت هذه الأوصاف من رسول الله ﷺ وقالت: (يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضنا إلى بعض، فقال: يا ابنة الصديق، الأمر أشد من ذلك). أي: أن الشمس تدنو من الرءوس قدر ميل، فيبدأ العرق يتصبب من الناس، فمنهم من يصل العرق إلى كعبيه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى حقويه، ومنهم من يصل إلى صدره، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً. فيشتد الأمر عليهم، كما وصف الله جل في علاه ذلك الموقف فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢]. سكارى يتخبطون يقولون: ألا تدعون ربنا يكشف عنا هذه الكربة؟ ألا تشعرون بما نحن فيه من كرب شديد؟! فيجتمع رأيهم على أن يستشفعوا عند الله، ثم يقولون: من هو الذي يشفع لنا عند الله؟ فيذكرون آدم ﵇ ويقولون: آدم عبد خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، فيذهبون إلى آدم فيقولون: يا آدم، أنت خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما بلغ بنا من الكرب، فاشفع لنا عند ربك؛ ليخفف عنا ويفصل بيننا؟ فيقول آدم: أنا لست لها، لكن اذهبوا إلى نوح فإنه أول رسول أرسل إلى الأرض. فيذهبون إلى نوح ﵇، فيقول: لست لها، ويذكر خطيئته، لكن اذهبوا إلى إبراهيم أبي الأنبياء. فيذهبون إلى إبراهيم فيحيلهم على موسى، وموسى يحيلهم على عيسى، وكل نبي يقول: لست لها لست لها، اذهبوا إلى فلان، ثم يقول عيسى ﵇: اذهبوا إلى محمد ﷺ . فيقول ﵊: أنا لها، أنا لها، فيذهب ﷺ إلى تحت العرش فيسجد، وهذا هو المقام المحمود؛ تكرمة من الله لمحمد ﷺ على رءوس الخلائق، أن الله جل في علاه لا يقبل أحداً يشفع لفصل القضاء بين الناس إلا محمداً ﷺ . فيأتي ﷺ ، فيخر ساجداً فيعلمه الله محامد يثني عليه بها، فيقال له: يا محمد، ارفع رأسك وسل تعطه، واشفع تشفع، فعند ذلك يرفع رأسه ﷺ ويطلب من الله أن يأتي لفصل القضاء بين العباد. ويأتي الله جل في علاه فيفصل بين العباد، وأول من يفصل الله جل في علاه بينهم الأمة الإسلامية. ثم يضرب الجسر على متن جهنم، كما قال النبي ﷺ ، والجسر: هو الصراط الذي يعبرون عليه إلى الجنة فمنهم من يجتازه كطرفة عين، ومنهم من يهوي في جهنم والعياذ بالله. وهو أدق من الشعرة وأحد من السيف، فيه كلاليب -أي: خطاطيف- تخطف الناس، هذه الكلاليب وصفها النبي ﷺ بأنها كشوك السعدان، وهي إذا أخذت بيد أحد أو برجله، فلن يفلت منها، بل لا بد أن تنزل به إلى نار جهنم والعياذ بالله. وفي هذا الموقف العظيم لا أحد من الناس يتكلم إلا الرسل، يقولون: (اللهم سلم سلم)، هذه مقولة إبراهيم ونوح وموسى وعيسى وأولي العزم من الرسل. ويصف النبي ﷺ عبور الناس على الصراط، فالمؤمنون الخلص الذين أطاعوا ربهم وأدوا الفرائض، وانتهوا عن المحرمات، فإنهم يمرون كطرفة عين، وكأجاويد الخيل، وكالريح المرسلة. وقد ذكر النبي ﷺ أن أول أمة يعبرون الصراط هي الأمة الإسلامية؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (أنا وأمتي أول من يجيز الصراط) والحمد لله على أن جعلنا من أمة محمد ﷺ . فمنهم من يجتاز الصراط كطرفة عين، ومنهم من يجتازه كالريح المرسلة، ومنهم من يجتازه كأجاويد الخيل، وكالطير، ومنهم من يمشي، ومنهم من يزحف، وآخر هذه الأمة عبوراً على الصراط هو من يحبو على الصراط، ومنهم المكردس، ومنهم الذي تخطفه الكلاليب، ومنهم الذي يخدش لكن ينجو بفضل الله عليه. وقد فسر ابن مسعود ﵁ قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] حيث قال: هو المرور على الصراط. إذاً: يأتي محمد ﷺ فيشفع في الخلائق الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود الذي وعده ربه جل وعلا.

стр. 62

معنى كون الشفاعة كلها لله جل وعلا هناك أصل مهم في موضوع الشفاعة يجب أن يعلم، وهو: أن الشفاعة كلها لله جل في علاه، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]. فالأصل أن الشفاعة كلها لله جل في علاه، فإذا كانت الشفاعة لله جل في علاه، فإنه لن يأذن الله لأحد أن يشفع إلا بالشروط التي بينها الله جل في علاه، ولا يمكن لأحد أن يشفع دون إذن من الله جل في علاه؛ للفارق بين الخالق والمخلوق، فالمخلوق لك أن تشفع عنده دون أن تستأذنه لو كان لك الحظوة عنده ولك المكانة.

стр. 63

أنواع الشفاعة والشفاعة شفاعتان: شفاعة مثبتة، وشفاعة منفية.

стр. 64

الشفاعة المنفية الشفاعة المنفية: هي الشفاعة لأهل الشرك، لا يمكن أن يقبل الله الشفاعة لأهل الشرك، والأدلة على ذلك كثيرة وجلية من الكتاب والسنة. أما من الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤] فنفى جميع أنواع الشفاعة، سواء لأهل الشرك أو لغيرهم، ولكن المقصود هنا نفي الشفاعة للكافرين وأهل الشرك، لأن هذا مجمل سيفسر بعد ذلك بآيات أخر أنه لا شفاعة للكافرين، فلا يمكن أن تعمم الآية على الكافرين والمؤمنين. وأيضاً قول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:٤٧ - ٤٨]، فقوله تعالى: ((وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ)) دل على عدم قبول الشفاعة، وهذا أيضاً متعلق بالشفاعة للكافرين، ومن الأدلة على ذلك قول الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]. وأيضاً: قول الله على لسانهم وهم في النار: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١] أعوذ بالله من غضب الله. إذاً: الشفاعة المنفية هي الشفاعة لأهل الشرك، فلا يمكن أن يقبل الله جل في علاه شفاعة لأهل الشرك. وأما كون إبراهيم سيأتي يوم القيامة ليشفع في أبيه، فنقول: إنه سيتبرأ منه، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤]، فهذا ظاهر في أن إبراهيم ﵇ لا يمكن أن يشفع في أبيه.

стр. 65

الشفاعة العظمى أما الشفاعة المثبتة، فإنها تنقسم إلى أقسام: القسم الأول: شفاعة خاصة بنبينا محمد ﷺ إكراماً له من الله ؛ لأنه أكرم الخلق على الله جل في علاه، وهذه الشفاعة على ثلاثة أنواع: النوع الأول: الشفاعة في أهل الموقف، وهذه خاصة بنبينا ﷺ ؛ لأن الناس عندما يشتد عليهم الكرب فيذهبون إلى كل نبي يقول كل نبي لست لها لست لها، حتى يأتوا إلى النبي ﷺ فيقول: أنا لها أنا لها، ثم يسجد تحت العرش، فيقال له: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع. فهذا هو المقام المحمود وهي الشفاعة الخاصة بنبينا ﷺ تكرمة له من الله.

стр. 66

الشفاعة في فتح باب الجنة النوع الثاني: شفاعته ﷺ لأهل الجنة بأن يدخلوها، أي: في فتح باب الجنة. وهذه الشفاعة تبين لنا كيف أن الإنسان لا يمكن أن يرضي ربه، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يقبله الله إلا إذا أتى خلف النبي ﷺ مقتفياً أثره، فحتى بعدما قضى الله بين العباد وبعدما قضى لأهل الجنة بالجنة، ولأهل النار بالنار، إلا أن أهل الجنة لا يمكن أن يدخلوها ويكمل التمتع فيها إلا بعد شفاعة النبي ﷺ ، كما في الصحيح: (أن النبي ﷺ يأتي على باب الجنة فيشفع لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فيقول الملك: من؟ فيقول: محمد، فيقول: نعم، بك أمرت ألا أفتح إلا لك)، فلا يدخل أحد الجنة حتى يشفع النبي ﷺ لأهلها أن يدخلوها. نسأل الله أن يشفعه فينا.

стр. 67

الشفاعة لأبي طالب النوع الثالث من الشفاعة الخاصة برسول الله ﷺ : شفاعته لعمه الكافر أبي طالب: مع أن الله نفى الشفاعة عن الكفار، بل ونهى عن الشفاعة للكافرين إلا شفاعة النبي ﷺ في عمه أبي طالب، فإن النبي ﷺ في ذات مرة جاءه العباس فقال: (ماذا فعلت لعمك، كان ينافح عنك ويناصرك؟ فقال: لولا أنا -يعني: لولا شفاعتي- لكان في الدرك الأسفل من النار)، فإنه بشفاعة النبي ﷺ أصبح في ضحضاح من النار، أو كما قال رسول الله ﷺ : (يلبس نعلين من نار يغلي بهما دماغه). فهذه شفاعة خاصة بالنبي ﷺ ، وحتى هذه الشفاعة لم يقبلها الله كاملة؛ لأنها في أهل الشرك، فهي مستثناة هنا، وتكون في التخفيف عنه من العذاب وليس في العفو بالكلية. إذاً: الشفاعة في الأنواع الثلاثة الأولى اتفق العلماء عليها، إلا بعض المتصوفة الذين أنكروا أصالة أن يكون أبو طالب في النار، لكن سبقت كلمة أهل السنة والجماعة على الأقسام الثلاثة في الشفاعة الخاصة بالنبي ﷺ .

стр. 68

الشفاعة في عدم دخول النار أما الأقسام الثلاثة التي ستأتي فما أنكرها إلا المعتزلة والخوارج، وهي التي يشترك فيها النبي ﷺ وغيره، وهي كالآتي: الشفاعة الأولى: شفاعة النبي ﷺ في أهل الكبائر الذين استحقوا النار ألا يدخلوا النار: بمعنى: أن الذين فعلوا الكبائر وغلبت سيئاتهم حسناتهم، وقد قضى الله أنهم من أهل النار، يأتي النبي ﷺ فيشفع فيهم، ويأتي المؤمنون فيشفعون فيهم، ويأتي الأنبياء والمرسلون فيشفعون فيهم، فيقبل الله هذه الشفاعة فلا يدخلهم النار. هذه شفاعة عظيمة جداً في أهل الكبائر، والدليل العام على هذه المسألة قول النبي ﷺ : (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي). وقال ﷺ : (ما من نبي إلا وكانت له دعوة مستجابة، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي) فيدخل تحتها العصاة ويدخل تحتها الأبرار. أيضاً يستدل لها بحديث النبي ﷺ حيث قال: (ما من رجل يصلي عليه أربعون إلا شفعهم الله فيه). وجه الدلالة من هذا الحديث قوله: (إلا شفعهم الله فيه) أي: أنهم يشفعون لهذا الرجل ويقبل الله شفاعتهم له.

стр. 69

الشفاعة في رفع الدرجات الشفاعة الثانية: شفاعته ﷺ في أناس جعل الله لهم منزلة في الجنة، أن تكون لهم منزلة أرقى وأعلى من هذه المنزلة، كرجل منحه الله منزلة عليا، وأبوه في منزلة دنيا، فالنبي ﷺ يشفع ليصل هذا الأب إلى منزلة الابن. ويمكن أن يستدل لهذه الشفاعة بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١] وهذه الشفاعة متفق عليها أيضاً.

стр. 70

الشفاعة في الخروج من النار الشفاعة الأخيرة: الشفاعة في أناس من أهل الكبائر، غلبت سيئاتهم حسناتهم ودخلوا النار، مع أنهم موحدون لكن استحقوا دخول النار لذنوبهم، فصاروا فحماً، فيأتي النبي ﷺ والملائكة، والمؤمنون فيشفعون في هؤلاء فيخرجون من النار ثم يدخلون الجنة. حيث يأمر الله جل في علاه الملائكة أن تأخذهم فتلقي كل واحد منهم في نهر الحياة، فيحيا ثم يدخل الجنة بهذه الشفاعة. هذه الشفاعة اتفق أهل السنة والجماعة على أنها حاصلة للنبي ﷺ وللأنبياء والملائكة والمؤمنين، غير أن المعتزلة والخوارج أنكروا هذه الشفاعة. والذي اشتهر في إنكار هذه الشفاعة هو مصطفى محمود، وهذا نتيجة لفكر الاعتزال، فإن المعتزلة يرون أن صاحب الكبيرة لا يمكن أن يخرج من النار، بل هو خالد مخلد في النار؛ لأن تأصيل الإيمان عند المعتزلة والخوارج تأصيل واحد، لكن يفترقان في الاسم، فالمعتزلة يقولون: صاحب الكبيرة هو في منزلة بين المنزلتين، لا نقول مؤمن ولا نقول كافر، أما الخوارج فقالوا: صاحب الكبيرة كافر خارج عن الملة، فلا يصلون عليه ولا يقبر في مقابر المسلمين، ولا يمكن أن يشفع له أحد؛ لأنه يعتبر خالداً مخلداً في نار جهنم، والعياذ بالله. والمعتزلة أيضاً: نتيجتهم مثل هذه فإنهم يقولون: هو في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، أما في الآخرة فهو خالد مخلد في نار جهنم، والعياذ بالله. فهؤلاء أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر؛ لأنهم لو أقروا بها لهدمت الأصول التي بنوها على فاعل الكبيرة؛ لأن الشفاعة لا تكون إلا لأهل التوحيد وهم قد أخرجوهم من دائرة أهل التوحيد بضلال منهم. إذاً: هذه الشفاعة الأخيرة يشترك فيها الأنبياء والمرسلون والملائكة والمؤمنون، والدليل عليها قول النبي ﷺ في الحديث القدسي، يقول الله جل في علاه: (شفع النبيون وشفعت الملائكة وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط). نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهل الشفاعة، وأن يؤهلنا لشفاعة نبينا فينا.

стр. 71

عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق - النذر والحلف بغير الله لقد عظم الله من شأن الأيمان، وجعل الحلف بغيره دليلاً على ضعف الإيمان وعدم توقير الله، وحذر النبي ﷺ من الحلف بغير الله وجعله شركاً، فلا يجوز للمسلم أن يحلف بغير الله تعالى.

стр. 72

حكم النذر

стр. 73

النذر عبادة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة الكرام! نذكر مسألة تختص بالنذر، هل النذر عبادة أو ليس بعبادة؟ الجواب نعم النذر عبادة. وهنا لسنا بصدد الكلام على النذر، لكن أريد مسألة متعلقة بسد الذرائع التي بيناها قبل ذلك، بأن النبي ﷺ سد ذريعة الشرك، وكذلك عمر، وأبو بكر، وأصحاب رسول الله ﷺ سدوا تلك الذريعة. وعلى كلٍّ فالدليل على أن النذر عبادة قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ [آل عمران:٣٥]. ووجه الدلالة في الآية أنها لما نذرت طلبت من الله القبول، وقالت: ((فَتَقَبَّلْ مِنِّي)) فكان جوابها القبول، كما قال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران:٣٧]، وهذه الدلالة قوية جداً على أن النذر عبادة؛ وذلك أن الله لما تقبل منها النذر دل على أن النذر مقبول عند الله فهو عبادة. والدليل الآخر على أن النذر عبادة قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرا﴾ [الإنسان:٧]. وجه الدلالة أن سياق الآية يدل على المدح لهؤلاء، والمدح دلالة على محبة الله لهذا الفعل، وما أحبه الله فهو من العبادة.

стр. 74

حكم نذر زيارة قبر النبي ﷺ أو غيره من القبور أقول: من نذر أن يزور قبر النبي أو قبر إبراهيم، أو قبر موسى فهل يفي بنذره أم لا؟ الجواب لا. وسيأتي بيان ذلك. وهذه مسألة متعلقة بسد الذرائع، وهي هل يجوز السفر أو النذر بزيارة قبر رسول الله أو لا؟ قبل الجواب أقول: لو أن امرأة نذرت وقالت: نذرت لله إن شفى مريضي لأزورن قبر، أو قالت: لأوزرن قبر إبراهيم، فهل هذا النذر يجب الوفاء به أم لا وقد قال الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان:٧] فيجب على الإنسان إذا نذر نذراً أن يفي به؟ الجواب عما سبق: أنها إذا نذرت أن تذهب إلى المدينة، أو زيارة المدينة صح لها ذلك، أما إذا نذرت زيارة القبر فننظر إلى محل هذا النذر هل هو طاعة أم هو معصية؟ وعندي تأصيل علمي أصله لنا النبي ﷺ قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر الله أن يعصي الله فلا يعصه). والجواب: أن ذلك النذر بشد الرحل لزيارة القبر معصية، والدليل قوله ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، إذاً: لا تشد الرحال إلى قبر، ولا إلى مكان يعظم إلا ثلاثة مساجد. فنقول: لو نذر الزيارة للقبر فقط دون المسجد فهذا قد عصى الله ورسوله، وقد وقع في تحريم النبي ﷺ لشد الرحال إلى غير الثلاثة المساجد، فتكون معصية، فإن كانت معصية، فهو في الجانب الآخر: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه). فهذه لا يجوز لها السفر إلى زيارة قبر النبي ﷺ ، سداً لذريعة الشرك؛ لأن النذر بالذهاب إلى قبر النبي فيه غلو في النبي وتعظيم له ﷺ فوق قدره، وقد يصل به إلى الربوبية والألوهية كما بينا ذلك مراراً. فهذه المسألة من أشهر المسائل، وجمهور الفقهاء يقولون: يجوز النذر بالسفر إلى المدينة، فهل يشمل هذا الأمر زيارة القبر أم لا؟ إذاً فجمهور الفقهاء قالوا: يجوز أن ينذروا ذلك وواجب عليهم الوفاء بهذا النذر، فنوجه قول الجمهور بتفصيل، وهو أن نقول: إن نذر أن يذهب إلى المدينة ليزور مسجد النبي ﷺ جاز له؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) وهو ذهب إلى المدينة لزيارة المسجد الحرام. أما إذا نذر أن يذهب إلى المدينة ليزور قباء، أو يزور البقيع، أو يزور شهداء أحد، أو يزور قبر النبي ﷺ فنقول له: لا تف بنذرك، بل يحرم عليك.

стр. 75

كفارة نذر المعصية اختلف الفقهاء فيمن نذر المعصية هل عليه كفارة في هذا النذر أم لا؟ فجمهور العلماء يرون أنه لا كفارة عليه؛ لأن معصية الله جل في علاه لا يفي الإنسان بها ولا يطالب بالوفاء بها. وقال الحنابلة: إن عليه الكفارة، يعني: من نذر أن يعصي الله فلا يعصه وعليه كفارة يمين؛ لأنهم أنزلوا النذر منزلة اليمين، واستدلوا بحديث النبي ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه، وكفارته كفارة يمين). ولكن هذه مجملة، فهل كفارة اليمين هنا على النذر الذي هو طاعة ولم يستطع أن يفيَ به أم هي أيضاً في نذر المعصية؟ فقول الجمهور قوي جداً، وإن كان ظاهر الحديث مع الحنابلة، لكن الجمهور عندهم وقائع أحوال ومنها: أن النبي ﷺ جاءته امرأة أو جاءه رجل فقال: إن أمي نذرت أن تمشي إلى الحج، فقال: (لتمش وتركب)، ولم يأمرها أن تكفر عن نذرها. وأيضاً الرجل الذي قام في الشمس وكان صائماً ولا يتكلم فقال: (مروه فليتكلم وليستظل)، ولم يأمره بكفارة اليمين. فهذه فيها دلالة على أن الكفارة لا تصاحب النذر في المعصية؛ لأن الرجل وقف في الشمس وضر نفسه فهذه معصية، فأمره النبي ﷺ أن يستظل. وأيضاً: لما قام الرجل ساكتاً فهذه معصية؛ فأمره ألا يفعل ذلك، وهذا الفعل من النبي ﷺ فيه دلالة واضحة في وقت البيان أنه لا كفارة، فنقول: إن هذه الأحوال صرفت قول النبي ﷺ : (وكفارته كفارة يمين) من الوجوب إلى الاستحباب، فيستحب أن يكفر ولا يجب ذلك عليه. فالذي نذر زيارة قبر النبي ﷺ فقد نذر نذر معصية، فلا وفاء عليه، ويستحب له أن يكفر عن ذلك كفارة يمين تنزيلاً للنذر منزلة اليمين، وذلك بأن يطعم عشرة مساكين، فإن لم يكن من أصحاب المال فعليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعات وهو الأفضل أو يصومهن متفرقات، وهذه هي المسألة الأولى.
следующие страницы →