Полный текст (80 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق - مقدمة كتاب قاعدة عظيمة في الفرق
شيخ الإسلام ابن تيمية من الأئمة الأفذاذ الذين منّ الله تعالى لهم على هذه الأمة، وقد ولد في عصر كان العالم أحوج ما يكون إلى فقهه وعلمه، وذلك لما جاء به من حمل راية التجديد ومحاربة ما يخالف الدين، وأعانه على ذلك قوة علمه وحصافة فهمه كما شهد له بذلك علماء عصره، ومن كتبه الجديرة بالعناية كتاب: قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق.
стр. 2
مقدمة تعريفية بشيخ الإسلام ابن تيمية
стр. 3
مولده ونشأته
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا:-﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: الإخوة الكرام: نحن على موعد مع كتاب منهجي مهم جداً، يتكلم فيه مؤلفه على التوسل المشروع والتوسل الممنوع، ويتكلم فيه عن زيارة القبور، ولكن لا بد لنا من مقدمة بين يدي هذا الكتاب.
واسم الكتاب: قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق، وهذا الكتاب هو من تأليف شيخ الإسلام أحمد ابن عبد الحليم بن تيمية ﵀، وشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية توفي سنة سبعمائة وثمانية وعشرين.
إن ولادة الإمام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية تظهر حكمة الله جل في علاه، وتظهر أن الله جل في علاه ما شرع هذا الدين إلا ليحفظه مصداقاً لقوله جل في علاه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
فيوم مولد شيخ الإسلام هو يوم موت سلطان العلماء العز بن عبد السلام ففي سنة وفاته جعل الله تعالى شمس شيخ الإسلام تشرق على الدنيا.
أيضاً الإمام أبو حنيفة كان موته ينبئ بولادة الإمام الشافعي، فـ الشافعي ولد بعد موت الإمام أبي حنيفة، وهذا يدل على أن الله جل في علاه يحفظ دينه، فـ العز بن عبد السلام كان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية كانت كسيرة سلطان العلماء العز بن عبد السلام حذو القذة بالقذة.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يجهر بالخير آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، سواء كان باللسان أوبالسنان، وولد بحران.
стр. 4
مكانته العلمية
كان ابن تيمية عالماً نحريراً، ولو قلتُ: إنه العلم الأوحد الفرد والبحر الذي لا ساحل له ما أبعدتُ، فهو نحرير في اللغة، نحرير في البلاغة، نحرير في الحديث، نحرير في الفقه، نحرير في الفلسفة، نحرير في العقيدة، وما من علم إلا وغاص فيه شيخ الإسلام ابن تيمية، كما قال عنه ابن القيم: إنه بحر لا ساحل له.
لقد كان الإمام ابن تيمية ينافح عن دين الله باللسان وبالسنان، وكان العلماء قاطبة يمدحون شيخ الإسلام، العدو منهم والحبيب.
إن الإمام ابن تيمية حفظ كتاب الله جل في علاه من الصغر، ثم بعد ذلك حفظ الصحيحين، ثم تعلم فقه الإمام أحمد بن حنبل، ثم قرأ فقه الإمام الشافعي، ويقال: إنه أخذ هذا العلم على الإمام النووي لكن يُرجع للتاريخ في هذا؛ لأن في هذه النسبة نظراً.
وأخذ أيضاً فقه المالكية وفقه الأحناف، ولذلك قالوا: كان إذا ناظر شافعياً تراه أعلم من هذا الشافعي بفقه الشافعي، وإذا ناظر المالكي كان أعلم بمذهب المالكية من المالكي، وكان شيخ الإسلام محرراً لمواطن النزاع، مرجحاً لأبواب الفقه والحديث.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية محدثاً حافظاً.
لقد كان العلماء يختلفون في علومهم فمنهم من يكون مشتغلاً بالفقه، ومنهم من يشتغل بالنحو، ومنهم من يشتغل بالحديث، أما شيخ الإسلام فاشتغل بكل هذه العلوم، وفاق العلماء في كل هذه العلوم.
стр. 5
شهادة العلماء له
دخل على شيخ الإسلام ابن تيمية علم من أعلام الأمة وكان هذا العلم مفخرة للمصريين في العصر المتأخر، وهو ابن دقيق العيد وكان ابن دقيق العيد عالماً نحريراً، وكان من العلماء في علم الحديث وعلم الفقه، كان مالكياً، ثم بعد ذلك انتقل إلى الفقه الشافعي، فأتقن علم المالكية وعلم الشافعية، وكان هو القاضي في مصر، وكان أحمد بن طولون على مذهب الإمام مالك، وكان الإمام ابن دقيق العيد هو المستشار الوحيد له، وهو قاضي القضاة في مصر.
فسمع ابن دقيق العيد عن شيخ الإسلام ابن تيمية فرحل إليه إلى الشام، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية شاباً يافعاً، فدخل ابن دقيق العيد على شيخ الإسلام ابن تيمية فسلم عليه وتكلم معه في مسألة علمية، فسكت ابن دقيق العيد وأخذ شيخ الإسلام يشرق ويغرب شمالاً وجنوباً في الكلام على ما يخص هذه المسألة بكل الأدلة من الكتاب ومن السنة ومن النظر ومن الأثر، فلما سمع ابن دقيق العيد ذلك منه لم يرد عليه بشيء وبعد أن سلم عليه خرج من مجلسه، فقام الناس صفوفاً يسألون ابن دقيق العيد: هل رأيته؟ قال: رأيته.
قالوا: كلمته؟ قال: كلمته.
قالوا: ماذا تقول فيه؟ قال: أقول: لم ير مثل نفسه.
وهذه شهادة من ابن دقيق العيد لشيخ الإسلام ابن تيمية.
وكفى فخراً لـ شيخ الإسلام أن كل الطوائف من أهل البدع يستدلون به.
وكان الرجل كما يقول المؤرخون: لا يعرف الفرق بين الدرهم والدينار.
وكان كما قال ابن القيم: إذا نزلت بنا الملمات نزلنا على مجلس شيخ الإسلام فاطمأنت قلوبنا.
قالوا: وكنا ننظر إلى شيخ الإسلام فتطمئن قلوبنا.
فهذا الرجل كأن الله لم يخلقه لهذه الدنيا، إذ لا يعرف شيئاً عن هذه الدنيا، ولذلك ابتلي ابتلاء شديداً ونزلت عليه النكبات تترا؛ لأنه كان ينافح عن دين الله جل في علاه.
والإمام الذهبي ترجم لشيخ الإسلام ابن تيمية قريباً من ثلاثة أسطر، وذلك لأنه يقول: شيخ الإسلام ابن تيمية يغني عنه ترجمته.
وقد كان الذهبي يقول: إن الحديث الذي لا يعرفه شيخ الإسلام ليس بحديث، وهذا يدل على سعة علم الرجل واطلاعه، ولذلك قالوا: إنه في عصر ابن تيمية لم يحفظ أحد مسند أحمد إلا ابن تيمية.
والإمام ابن كثير يقول: رأيت في الدنيا ثلاثة: ابن تيمية وابن دقيق العيد والثالث المزي صاحب تحفة الأشراف، وكان المزي عالماً نحريراً في علم الرجال، قال ابن كثير: فدخلت عليهم، فرأيت أحفظهم لمتن رسول الله في الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية، ورأيت أعلمهم بالرجال المزي، ورأيت أفقههم في المتون ابن دقيق العيد.
وكان هذا في صغر سن شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن لما كبر سن شيخ الإسلام ابن تيمية واتسعت العلوم والفهوم عنده أصبح لا نظير له ولا ند له.
стр. 6
محنته وكراماته ووفاته
ابتلي شيخ الإسلام ابتلاء شديداً، فأولاً: سجن، ثم بعد ذلك نفي، ثم بعد ذلك مات في سجنه، وكان يقول: ماذا يريد أعدائي مني؟ إن سجنوني فسجني خلوة بربي، وإن قتلوني فقتلي شهادة، وإن نفوني فنفيي سياحة، لذلك حاروا فيه فاجتمعوا جميعاً وقال بعضهم: اقتلوه، وقال الثاني: لا، اقطعوا لسانه، وقال الثالث: عزروه.
فانظروا إلى كرامات شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه ما لبث بعدما قالوا ذلك كثيراً إلا والذي قال: اقتلوه قد قتل، والذي قال: اقطعوا لسانه قد قطع لسانه، والذي قال عزروه قد عزر!! وهذه كرامة لشيخ الإسلام ابن تيمية.
والكرامة الأعظم له حدثت عند موته، وذلك أنه نزل مصر -وهذه الرسالة تهتم بما قاله في مصر- ليبين لهم التوسل المشروع والتوسل الممنوع، والكلام على الأموات، والكلام على الحلف بغير الله، وشد الرحال للقبور، فأبطل هذه الأصول، فحسدوه، ثم سجنوه، ثم بعد ذلك عندما خرج من سجنه سجنوه في الشام حتى مات، وصدق فيه كلام الإمام أحمد حين قال: بيننا وبينهم الجنائز.
فقال ابن القيم وابن كثير: وأما جنازة ابن تيمية فكانت أعظم ما تكون، اجتمع فيها الرجال والشيوخ والأطفال والنساء والنصارى واليهود، أو قال: والنصارى.
فاجتمع هؤلاء جميعاً في جنازة ابن تيمية تكريماً من الله له كما كرم الله قبله صحابة رسوله والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وكانت وفاته في سنة (٧٢٨هـ) فرحمه الله رحمة واسعة.
стр. 7
مقدمة في قاعدة مهمة في العبادة
стр. 8
الفرق بين التوسل والاستغاثة بغير الله
إن هذا الكتاب العظيم يختص بتوحيد العبادات.
قبل أن أدخل على الكتاب أذكر قاعدةً مهمةً جداً ألا وهي: إن كل عبادة ثبت بالشرع أنها عبادة فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك.
وهذا قوام كل ما سنأتي عليه بالتفصيل، ومعنى (ثبت بالشرع) أي: بالكتاب أو السنة، وبالمثال يتضح المقال: قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] فقوله: (ادعوني) فيه دلالة على أن الدعاء عبادة صرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك.
أولاً: نثبت أن الدعاء عبادة بالدليل، قال الله تعالى: ((ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ))، وقال النبي ﷺ : (الدعاء هو العبادة)، أو قال: (الدعاء مخ العبادة).
إذاً: لدينا حديثان وآية، الآية قوله تعالى: ((ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ))، والحديث: (الدعاء مخ العبادة) وهو حديث ضعيف، والحديث الصحيح هو: (الدعاء هو العبادة).
ونريد تطبيق القاعدة السابقة على عبادة الدعاء، والمثال: لو أن رجل نزلت به البلايا فاعتكف في المنبر ودعا ربه فقد أتى بالتوحيد عملاً بقول الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢].
لكن هناك رجل ذهب إلى البدوي يدعوه مخاطباً: فقال يا بدوي، أنت عند ربك الآن، وأنت ولي من أولياء الله الصالحين، وإن الكربة قد نزلت بي فأرجو أن تدعوَ الله لي أن يكشف عني هذه الكربة، وهذه كرامة لك؛ لأنك من أولياء الله الصالحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فهل هذا الرجل الآن صرف العبادة لغير الله، أم لم يصرفها لغير الله؟ قبل الجواب نتذكر القاعدة وهي: أن كل عبادة ثبت بالشرع أنها عبادة فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك.
نذكر مثالاً آخر ليتضح المقال أكثر: جاء رجل آخر إلى البدوي وقال له: يا بدوي! نزلت بي الكربة فاكشف عني هذه الكربة وأعطني.
فما هو الفرق بين المثال الأول والمثال الثاني؟
الجواب
إننا قلنا: إن العبادة إذا ثبت بالشرع أنها عبادة فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك، فالأول عندما قال للبدوي: يا بدوي! أنت قريب من ربك، ادع الله أن يكشف عني الكربة، فهو لم يدع البدوي، وهذه هي مسألة التوسل، وهي مسألة أخرى سنتكلم عنها، وواجب على طلبة العلم وغيرهم أن يعرفوا التفريق بين الشرك الأصغر والشرك الأكبر، وبين التوسل والاستغاثة والطلب، فالأول لما ذهب إليه وقال: ادع الله لي ففعله هذا توسل وليس بدعاء، فهو ما طلب منه أنه يجلب له الخير، أو يدفع عنه الضر، بل طلب من الله أن يدفع عنه الضر ويجلب له الخير، ولكن عن طريق دعاء هذا الولي، فيعتبر هذا توسلاً وليس من الاستغاثة وإن كان بينهما عموم وخصوص.
وفي الصورة الثانية: عندما قال الرجل: يا بدوي! اكشف عني الكربة، فقد صرف عبادة لغير الله، وهذه العبادة هي الدعاء.
стр. 9
الفرق بين الشرك في النذر والمعصية به
المثال الثاني: النذر عبادة، ومعروف مشهور بين العامة أنهم يقولون: نذرت للسيدة زينب شمعاً لنجاح ابنتي، فهل هذا يجوز أو لا؟ نرجع للقاعدة قبل أن نقول: يجوز أو لا يجوز، ونضبط المسألة أولاً ونقول: هل النذر عبادة أو لا؟
الجواب
النذر عبادة، الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان:٧] ووجه الدلالة سنعرفه من خلال بيان تعريف العبادة، والعبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
وبعد هذا التعريف نقول: إن الله تعالى إذا مدح شيئاً فقد أحبه، وسياق آية النذر سياق مدح؛ لأن الله إذا مدح عباده بفعل شيء فقد دل ذلك على أن هذا الشيء عبادة؛ لأن الله يحبه وقد مدحه، فالله لا يمدح إلا ما يحب، وهذا هو وجه الدلالة استنباطاً.
أما التأصيل الصريح فهو في قول الله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦]، ووجه الدلالة في ذلك هو إقرار الله لها على النذر، فدل ذلك على أنه عبادة.
وأيضاً في الآية الأخرى قال تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران:٣٥]، وهي نذرت هنا للمسجد، وهذا فيه دلالة على أن النذر عبادة، فإذاً: النذر عبادة فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك.
مثال آخر: رجل قال: إن ابني مريض فإن شفي الله ابني فسأتصدق بألف درهم.
والثاني قال: إن ابني إن نجح لأذبحن عند البدوي ذبيحة وأفرقها على الفقراء.
والثالث قال: إن أتى أبي ورأيته بعيني، فامرأتي طالق.
فالصحيح في ذلك أن نقول: إن النذر الأول توحيد؛ لأنه عبادة صرفه لله جل في علاه.
والنذر الثاني فيه توحيد وفيه شرك، والنبي ﷺ بين أن الذبح في مكان يعبد فيه غير الله جل في علاه منهي عنه، ولما رأى رجلاً يذبح إبلاً ببوانة نهاه ﷺ عن ذلك؛ لأنه قد كان فيها صنم يعبد، وإنما نهاه لأنه ذريعة للشرك ولا يقال له: شرك؛ لأنه لم يصرف عبادة لغير الله جل في علاه، بل هو نذر أن يذبح لله، فإذا نذر أن يذبح لله فهو توحيد لله وليس شركاً، لكنه وقع في منهي عنه وهو أنه ذبح في مكان يعبد فيه غير الله جل في علاه.
وأما الثالث فهو نذر ينزل منزلة اليمين المعلقة، على قول الجمهور، وأما على قول شيخ الإسلام ابن تيمية فينظر في نيته: إن كانت نيته تهديداً فلا تطلق زوجته، وإن كانت نيته الطلاق فتطلق امرأته.
ختاماً لهذه المسألة نقول: إن العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
قال ابن القيم: وتدور رحى العبادة على خمسة عشر أمراً، وذلك أن المكلف يتكون من لسان وقلب وجوارح، وأحكام الشرع التكليفية خمسة: واجب، ومستحب، ومباح، ومكروه، ومحرم.
فيتعلق بكل عضو من الأعضاء سواء القلب أو اللسان أو الجوارح خمسة أحكام.
فالحاصل من ضرب ثلاثة أعضاء في خمسة أحكام يساوي خمسة عشر أمراً.
فيجب على القلب التصديق، وهو قول القلب، ويجب عليه التوكل والإنابة والخوف والرجاء فكل ذلك من واجبات القلب، أما واجب اللسان فهو قول لا إله إلا الله، فلن يدخل أحد الإسلام إلا بقوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وأما واجبات الجوارح فالصلاة والجهاد وغيرها، فالثلاثة الأعضاء لكل عضو منها خمسة أحكام، فتكون الجملة خمسة عشر أمراً كما قال الإمام ابن القيم.
وللعبادة ركنان: غاية الذل مع غاية المحبة.
وشروط العبادة: الإخلاص ومتابعة النبي ﷺ .
والعبادة عبادتان: عبادة عامة وعبادة خاصة.
أو: عبادة القهر: وهي عبادة الربوبية.
وعبادة الاختيار: وهي عبادة الإلهية، إذاً العبادة عبادتان: عبادة عامة ويدخل فيها المؤمن والكافر والمشرك, وعبادة خاصة وهي لا تكون إلا من المؤمن وهي العبادة الاختيارية.
فعبادة القهر هي عبادة الربوبية التي قال الله عنها: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣] فسواء كنت طويلاً أو قصيراً، أو أبيض أو أسمر، إذا أراد الله أن يقدر عليك المرض فلا تستطيع أن ترد هذا القدر، بل أنت فيه عبد لله رغم أنفك، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران:٨٣]، فهذه هي عبادة القهر.
والعبادة الثانية خاصة بالمؤمنين: وهي عبادة الإلهية التي قال الله فيها: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣]، فهل كل الناس عبدوا الله جل في علاه؟ لا، بل منهم من عبد ومنهم من لم يعبد الله جل في علاه، فهذه هي العبادة الاختيارية.
стр. 10
عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق - العبادة وأصناف الناس فيها
إن العبادة لا تكون إلا لله جل وعلا، فما ثبت في الشرع أنه عبادة فصرفه لله توحيد وصرفه لغير الله شرك، وذلك كالنذر والدعاء، لكن ينبغي التفريق بين دعاء غير الله والتوسل في الدعاء.
وأصناف الناس تجاه العبادة ثلاثة: المؤمنون والكافرون والمنافقون، فالمؤمنون: هم الذين حققوا عبوديتهم لله تعالى مع غاية الذل والمحبة، والكافرون: هم الذين عبدوا غير الله تعالى وأشركوا معه بعض مخلوقاته، والمنافقون: هم أهل الأهواء والضلال، عبدوا الله تعالى بغير التوحيد، واتبعوا أهواءهم، وقدموا العقل على النقل.
стр. 11
العبادة
стр. 12
الفرق بين العبادة والشرك
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: القاعدة العظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان، وعبادات أهل الشرك والنفاق هي: كل عبادة ثبت بالشرع أنها عبادة فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك، مثال ذلك الطواف.
стр. 13
تعريف العبادة وأركانها
العبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
ولها ركنان، وهما: غاية الذل مع غاية الحب.
ولابد من اقتران الحب مع الذل؛ لأنه لو اختل ركن من الركنين لم تكن عبادة، فالذي يتعبد الله بالذل أو بالقهر دون المحبة، فإنه سيكون حرورياً يقنط من رحمة الله.
مثال ذلك: الخوارج فقد قنطوا عباد الله من رحمة الله، فقالوا: فاعل الكبيرة كافر يخرج من الملة، فمن شرب الخمر فإنه خالد مخلد في نار جهنم والعياذ بالله! فهؤلاء الخوارج تعبدوا لله بالذل فقط.
والطرف الآخر: وهم المرجئة تعبدوا لله بالمحبة فقط، فصار عندهم غلو في الرجاء فلا يهتمون بأوامر الله، ولا يرجون لله وقاراً ولا تعظيماً، فمن تعبد لله بالذل فإنه لا يكون محباً لله، ومن تعبد لله بالحب دون الذل فإنه لا يكون معظماً لله جل في علاه.
وفي بني البشر يمكن للإنسان أن يذل للإنسان وهو لا يحبه، كأن يكون مقهوراً له، أو يكون عليه دين له، فيكون المذل أبغض الناس إليه، فهذا الذل لغير الله.
ويمكن للإنسان أن يحب إنساناً، ولا يكون له ذليلاً، بل يكون فوقه ومتكبراً عليه، فغاية الذل مع غاية المحبة لا تكون مجتمعة إلا لله.
стр. 14
أقسام الناس تجاه العبادة
والناس على أقسام ثلاثة: مؤمنون خلص، وكافرون خلص، وبين بين وهم منافقون خلص.
وقد بينها شيخ الإسلام فقال: أهل التوحيد والإيمان.
وأهل الشرك والإلحاد.
وأهل البدعة والضلالة.
стр. 15
تعريف أهل التوحيد والإيمان
فأهل التوحيد والإيمان هم الذين عبدوا الله بالتوحيد الكامل، فلم يشركوا معه غيره، وعبدوه بما شرع، كما بين الله جل في علاه أنه ما خلق الخلق إلا لعبادته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
وما أرسل رسولاً إلا وبين أن الحكمة العظيمة والجسيمة لإرسالهم هي التوحيد، قال الله تعالى مبيناً لنا قول كل رسول بعثه إلى قومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦].
وقد قال الله تعالى على لسان عيسى بن مريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران:٥١].
وعلى لسان نوح ﵇: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:١ - ٣] فيعبدون الله أي: يوحدونه بما شرع على ألسنة رسله صلوات الله وسلامه عليهم، فكل رسول كان على الإسلام.
стр. 16
تعريف الإسلام
والإسلام معناه: التوحيد الخالص.
أي: أن توحد الله جل في علاه ولا تشرك به شيئاً، كما قال الله تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ﴾ [البقرة:١٣١] أي: استسلمت ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١].
وقال تعالى حاكياً عن يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١].
وعن نوح ﵇: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧٢].
وقال إسماعيل وإبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً﴾ [البقرة:١٢٨].
وقال سحرة فرعون: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف:١٢٦].
وقال جل وعلا: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة:٤٤].
وقال جل في علاه عن بلقيس عندما أسلمت مع سليمان: ﴿رب إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤].
وقال عن أتباع المسيح ﵇: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة:١١١].
وقال جل في علاه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٨ - ١٩].
فما من نبي إلا وهو على الإسلام، ولكن اختلفت الشرائع، فكل الأديان دين واحد، وليست أدياناً متعددة، بل كلها دين سماوي واحد وهو الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] فموسى ويوسف وعيسى ونوح وإبراهيم وشعيب وصالح وآدم كانوا على الإسلام.
فالإسلام معناه: توحيد الله جل في علاه، والاختلاف بين الأديان كان في الشرائع، قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] وصح عن نبينا ﷺ أنه قال: (الأنبياء إخوة لعلات) أي: إخوة من أب واحد، والأمهات شتى، مثال ذلك: الرجل الذي تزوج بأربع نساء فخلف من كل واحدة منهن أولاداً، فالأولاد يسمون إخوة لعلات، لأن أمهاتهم شتى، وأباهم واحد، قال النبي ﷺ : (الأنبياء إخوة لعلات دينهم واحد وشرائعهم شتى).
وهذا ظاهر جلي لمن تفحص في شرائع الذين سبقونا، فمثلاً: في شريعة التوراة أو الشريعة اليهودية إذا وقعت النجاسة على ثوب واحد منهم فتطهيرها بأن يقص ذلك الجزء من الثوب الذي وقعت فيه النجاسة.
أما في ديننا وشريعتنا: إذا وقعت النجاسة فإنه يطهرها بالماء.
وأيضاً: في شريعتنا أن الزاني المحصن حده الرجم حتى الموت، لكن في التوراة المحرفة حده الجلد والتحميم.
وكذلك في شريعتنا: حل الغنائم للمجاهدين الذين يذبون عن الإسلام، وعن أهل الإسلام، فعندما يغنمون الغنائم فإنهم يأكلونها هنيئاً مريئاً، لقول النبي ﷺ : (وأحلت لي الغنائم ولم تحل لنبي قبلي) وكان في شريعتهم أن الغنيمة تؤخذ كلها فتوضع قرباناً فتنزل نار من السماء فتأخذها، ولذلك فإن بعضهم سرق شيئاً من الذهب فلم تقبل، فقال نبيهم: فيكم الغلول، فصافح مقدم كل قبيلة حتى لصقت يد واحد منهم فأخرجه من قومه، فجاءت نار من السماء فأكلتها.
فالغنيمة في الشرائع التي سبقت لم تكن حلالاً، وفي شريعتنا حلت، فهذا مصداق لقول الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨].
إذاً: دين الأنبياء واحد وهو الإسلام، لكن الشرائع مختلفة، فهؤلاء هم الموحدون الخلص أو المؤمنون الخلص.
стр. 17
تعريف أهل الكفر
الصنف الثاني: الكافرون الخلص: وهم عباد الأصنام الذين يشركون مع الله غيره في العبادة.
فمنهم من عبد البقر، ومنهم من عبد البشر، ومنهم من عبد الأصنام، فهؤلاء عبدوا الله لا على التوحيد، ولا بما شرع الله جل في علاه، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١].
وأيضاً: قال الله فيهم على لسانهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] وكذبهم الله في ذلك وبين أنها لا تملك شيئاً مع الله.
стр. 18
تعريف أهل النفاق
أما الصنف الثالث: فهم بين بين، وهم أهل الأهواء والضلال، أو أهل النفاق.
وهم الذين يعبدون الله بغير التوحيد، لأنهم أدخلوا هواهم في التوحيد، فكلما هووا شيئاً عملوه، قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣].
وأيضاً: قدموا العقل على النقل، فما عبدوا الله بالتوحيد الخالص، وما اتبعوا رسول الله الاتباع الخالص فلو خالف العقل النقل قدموا العقل على النقل.
وقد ذمهم الله جل في علاه، وذمهم رسوله ﷺ ، وصدق فيهم قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦].
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 19
عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق - التوسل [١]
الدعاء عبادة لله تعالى فلا يجوز صرفها لغيره، ويشرع للداعي أن يقدم بين يدي دعائه وسيلة تكون سبباً لإجابة دعائه، ولكن يجب أن تكون هذه الوسيلة مشروعة، ومن الوسائل المشروعة التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، والتوسل بالأعمال الصالحة، وبدعاء الأحياء أو حال الداعي.
стр. 20
تعريف التوسل
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: التوسل في اللغة هو: الشيء الموصل للغرض المقصود.
والتوسل عموماً في الشرع هو: الوسيلة أو الطريقة المتخذة للوصول إلى رضا الله وجناته.
وأما خصوصاً فهو: اتخاذ الوسيلة بين يدي الدعاء للاستجابة.
والتوسل عبادة، قال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥].
قوله: (ابتغوا) أمر من الله بابتغاء الوسيلة، والله لا يأمر إلا بما يحب، إذاً: فالوسيلة يحبها الله ، فإذا كان الله يحبها فهي داخلة تحت مسمى (العبادة)، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠] فسمى الدعاء عبادة، ولازم الدعاء اتخاذ الوسيلة بين يدي هذا الدعاء، ولازم الشيء يأخذ اسمه وحكمه.
إذاً: إن كانت الوسيلة عبادة، فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك، ومن هذا المنطلق فالتوسل على نوعين: توسل مشروع، وتوسل ممنوع.
стр. 21
أنواع التوسل
стр. 22
التوسل المشروع وأنواعه
стр. 23
التوسل بذات الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله
والتوسل المشروع على أربعة أنواع: الأول: التوسل بذات الله تعالى وبأسمائه وصفاته وأفعاله.
فأما التوسل بأسماء الله تعالى، فقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠]، أي: اتخذوها وسيلة.
وقال جل في علاه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠].
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه كان يتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى، وكان ﵊ يقول: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك؛ سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فكان يتوسل بأسماء الله تعالى.
ومنه: (وأعوذ بعزتك أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون).
و (مر النبي ﷺ على رجل يدعو في المسجد ويقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فقال النبي ﷺ : قد سأل باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب) فهذا توسل بأسماء الله تعالى وهذا لا يصل إليه إلا الفقيه المتدبر الذي اعتقد اعتقاداً صحيحاً في ربه.
والمسلم إذا أراد أن يسأل الله ويتوسل بأسمائه فليأت بالاسم المناسب في المقام الذي يريده، فمثلاً: إذا أرا أن يطلب من الله الرحمة، فلا يقل: يا عزيز! يا جبار! يا منتقم! ارحمني، لأن هذا سوء أدب مع الله، لأن الجبار يناسبه أن ينتقم، لا أن يرحم، فهو قد وضع اسم الله في غير موضعه، لذا فمن الآداب التي لا بد أن يراعيها العبد وهو يتعبد لله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى توسلاً: أن يأتي بالاسم الذي يوافق المقام.
وكذلك إن أراد الرزق فلا يقل: يا مانع ارزقني، وإنما ليقل: يا رزاق ارزقني.
وإن أراد النصر فيكون أنسب ما يقول: إنك نِعم المولى ونعم النصير.
وإن أراد الموت قال: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١].
وقد علم النبي ﷺ أبا بكر ﵁ أن يتوسل باسم من أسماء الله في مقام مناسب، وذلك في آخر الصلاة بقوله: (قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم).
إذاً: عند التوسل بأسماء الله جل في علاه تأتي بالاسم المناسب للمقام الذي تدعو له وتتوسل به.
وأما التوسل بصفات الله جل في علاه، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يتوسل بصفات الله جل وعلا فيقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) فهنا النبي ﷺ توسل بصفة من صفات الله الفعلية، وهي: الكلام.
وأما التوسل بصفات الله تعالى الذاتية، فكأن يتوسل العبد بالرحمة فهي صفة ذاتية، لكن أصرح من ذلك قول النبي ﷺ : (أعوذ بعزة الله وقدرته وسلطانه من شر ما أجد وأحاذر) فالصفة الذاتية هنا: العزة والقدرة والسلطان، وكلها صفات ذاتية لا تنفك عن الله جل في علاه.
وأما التوسل بأفعال الله تعالى، فمعناها: أن ينظر النبي ﷺ ، أو ينظر الصحابي، أو ينظر المؤمن التقي في فعل من أفعال الله في أمة من الأمم فيقول: يا رب كما فعلت كذا فافعل بي، أو كما هديت فلاناً فاهدني أو كما أنعمت على فلان فأنعم علي، أو كما رزقت فلان فارزقني.
وأصرح من ذلك قول النبي ﷺ : (اللهم عليك بهم اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) أي: اللهم ابتلى قريشاً بسنين كسني يوسف، لأنهم جحدوا وكفروا، فكان كل واحد منهم ينظر إلى الميتة فيطعمها من البلاء والجوع.
ومنه قوله ﷺ : (اللهم انصرنا كما نصرتنا على الأحزاب).
وأفعال الله تعالى لا تنتهي بحال من الأحوال.
стр. 24
التوسل بالأعمال الصالحة
الثاني: التوسل بالأعمال الصالحة: وقد ثبت ذلك بالكتاب والسنة؛ فقال الله تعالى حاكياً لنا عن الحواريين عندما توسلوا لربهم بالأعمال الصالحة، فقالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٥٣].
وقوم محمد ﷺ قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران:١٩٣] فهم سألوا الله بأعمالهم الصالحة، وهي: الإيمان بالله، والإيمان برسول الله ﷺ ، ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران:١٩٣] وهل يصح سؤاله بحبه وحب رسوله ﷺ ؟
الجواب
نعم، يصح للمرء أن يقول: اللهم إني أسألك بحبي لك ولدينك، وحبي لنبيك أن تحببني فيك وتحبب عبادك في، أو: أن تحببني إلى الصالحين وتحبب الصالحين إليّ، فتدعو الله جل وعلا بالعمل الصالح، وهو حبك لله وحبك لرسول الله ﷺ .
وأصرح من ذلك فعلياً قصة الثلاثة الذين أغلق عليهم الغار، وكيف أنهم توسلوا لله بالأعمال الصالحة.
فأما الأول: فتوسل بأنه أخذ اللبن الذي أتى به لأمه وأبيه أولاً وأولاده حوله يبكون يريدون اللبن فما أعطاهم؛ فبقي هكذا حتى بزغ الفجر، فسقى أباه وأمه براً بهما، وترك أولاده وفلذات كبده.
فهذا عمل صالح، فذكره ثم قال: (اللهم إن كان هذا العمل إخلاصاً لوجهك الكريم فافرج عنا فانفرجت فرجة ينظرون منها ولا يستطيعون الخروج.
فجاء الثاني فقال: اللهم إنك كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم، وكنت أحبها حباً جماً، فطلبت مني مالاً فراودتها عن نفسها، فلما تمكنت منها وكنت منها بمكان الزوج من زوجه، قالت: اتق الله لا تفض الخاتم إلا بحقه) فارتدع الرجل، وهنا انظر الدين والإخلاص، فإن الرجل جاءه الرادع فارتدع، قال: (فأعطيتها المال، وهي أحب إلي خوفاً منك، اللهم إن كان هذا إخلاصاً لوجهك الكريم فافرج عنا ففرج الله عنهم.
وجاء فقال: اللهم إنه كان لي أجراء فكان من هؤلاء أجير لم يأخذ أجره فأخذت أجره فنميته له، فلما جاء الرجل قال: أجري؟ قلت: انظر إلى هذا الوادي من الغنم والبقر، قال: لا تستهزئ بي واتق الله، قلت: والله إن هذا أجرك، ثم قال: اللهم إن كنت فعلت ذلك إخلاصاً لوجهك فافرج عنا، ففرج الله عنهم).
فهذا توسل بالأعمال الصالحة.
стр. 25
التوسل بدعاء الصالحين الأحياء
الثالث: التوسل بدعاء الصالحين الأحياء: والتوسل بالصالحين على نوعين: إما توسل بالذات، وإما توسل بالدعاء، وسنبين أن التوسل الممنوع هو: التوسل بالذات، وأما التوسل بدعاء الصالحين فهو ثابت بالكتاب والسنة: أما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [يوسف:٩٧].
وقوله تعالى على لسان إبراهيم ﵊: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤١] فهو قد دعا لهم.
وأيضاً قول الله تعالى عن التابعين: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠].
وأما من السنة: ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه جلس بين أصحابه فقال: (يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب، فبات الناس يدوكون: مَنْ هؤلاء؟ لعلهم الذين أسلموا ولم يعبدوا صنماً، فقال النبي ﷺ : هؤلاء الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون).
وفي رواية: (لا يرقون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون) وقوله: (ولا يرقون) هذه الرواية عند مسلم، وهي شاذة؛ لأن الحديث المتفق عليه في البخاري ومسلم قال: (لا يسترقون)، وإلا لو قلنا: (لا يرقون) فقد رقى النبي ﷺ ، وأمر بالرقية فقال: (أرقوها)، ورقى جبريل ﵇، فكيف نقول: (لا يرقون) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن هذه الرواية شاذة، أما القول بأنهم لا يرقون الرقية الشرعية فهذا كلام خطأ، وهو كلام المتأخرين.
والشاهد: أن عكاشة بن محصن قال: يا رسول الله! ادع الله أن أكون منهم، فقال: (أنت منهم) فوجه الدلالة: أنه طلب الدعاء من النبي ﷺ .
وأيضاً: الاستسقاء، فيدخل الرجل فيقول: يا رسول الله! هلكت الأموال والزروع فاستسق لنا.
وهناك حديث يحتج به شيخ الإسلام يقول: عندما ذهب عمر بن الخطاب إلى العمرة فقال له رسول الله ﷺ : (يا أخانا لا تنسنا من صالح دعائك)، وهذا حديث ضعيف، ويكفينا الأحاديث الصحيحة التي تكلمنا بها.
стр. 26
التوسل بحال المرء
الرابع: التوسل بحال المرء، وهذا تذلل يوافق كرم الله، فالله جل وعلا يرفع الكربة به، كأن يقول العبد: اللهم أنت تعلم ما نزل بي من البلاء، اللهم ارفع عني هذا البلاء.
وأصل التوسل به ثابت في الكتاب والسنة: أما من الكتاب فقد قال الله تعالى حاكياً عن سيدنا أيوب أنه قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣].
وعن موسى ﵊: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤]، أي: فقير إلى رحمتك، فقير إلى عطائك، فقير إلى كرمك.
وأما من السنة: حالة الاستسقاء؛ لأنهم يخرجون على هيئة رثة يستعطفون ربهم جل في علاه.
ولذلك نرى أن من السنة في صلاة الاستسقاء أن الحاكم، أو ولي الأمر، أو المهذب، أو المعلم، أو الإمام يعلم من يذهبون إلى الاستسقاء فيقول لهم: صوموا يوماً أو يومين وتصدقوا، ثم لا بد أن تذهبوا إلى ربكم بثياب بالية، وذلك هو فعل النبي ﷺ ، ثم خالف بين ردائه، وفي ذلك إشارة إلى التحويل، وقد قال ذلك العباس عندما قال: (أيدينا مرفوعة إليك بالذنوب- أي: حالنا أننا من أهل الذنوب- لكنا نرجو رحمتك)، فكانوا إذا استسقوا بـ العباس سقاهم الله فضلاً منه ورحمة ونعمة.
стр. 27
عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق - التوسل [٢]
التوسل إلى الله بغير ما شرعه الله تعالى ممنوع عند أهل السنة، وهذا التوسل إما توسل شركي مخرج من الملة أو توسل بدعي، والبدعي منه ما هو مكفر ومنه ما هو مفسق كما بينه العلماء، وردوا على شبهات من يجوّز ذلك.
стр. 28
أقسام التوسل من حيث المشروعية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: والوسيلة والوصيلة تتشابهان وتتلازمان إذ السين قريبة من الصاد فتأخذ حكمها تحل محلها.
وقد تقدم التوسل توسلان: توسل مشروع، وتوسل ممنوع، وقد تكلمنا عن التوسل المشروع، وسنتكلم هنا إن شاء الله عن التوسل الممنوع.
وقد ذكرنا أن التوسل عبادة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] فقوله: ((وَابْتَغُوا)) أمر، وظاهر الأمر الوجوب، وإن الله لا يأمر إلا بما يحب، وما يحبه الله يدخل تحت مسمى العبادة؛ لأن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
قلنا بأن الدعاء التوسل عبادة، صرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك، فالتوسل المشروع كالتوسل بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وبالإيمان به جل في علاه كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران:١٦].
وكالتوسل بدعاء رسول الله ﷺ ودعاء الصالحين عموماً، وكالتوسل بالعمل الصالح كما صنع أصحاب الغار.
وكالتوسل بحال المرء كما قال الله تعالى عن أيوب ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣].
وكذا موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤] أي: فأنا أدعو بفقري ولا غنى لي عن بركتك.
والتوسل الممنوع منبثق عن القاعدة المذكورة آنفاً عن الوسيلة: أن صرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك، فهو من صرف الوسيلة لغير الله جل وعلا.
والتوسل الممنوع نوعان أو قسمان: قسم شركي، وهذا شرك محض.
وقسم بدعي.
وليس الفرق بينهما كما يزعم البعض أن التوسل الشركي يخرج صاحبه من الملة، والتوسل البدعي لا يخرج صاحبه من الملة، بل بينهما عموم وخصوص، إذ إن كل بدعة شرك وليس كل شرك بدعة.
والحاصل: أن التوسل الشركي يخرج صاحبه من الملة، أما التوسل البدعي فهو قسمان؛ لأن البدعة بدعة مكفرة وبدعة مفسقة، فالبدعة المكفرة ستدخل مع التوسل الشركي.
стр. 29
التوسل الشركي
стр. 30
التوسل الشركي
أما التوسل الشركي: فهو صرف التوسل لغير الله: إذ إن كل عبادة ثبتت بالشرع فصرفها لله عبادة، وصرفها لغير الله شرك، وقد ثبت في الشرع أن التوسل عبادة فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك.
ونرى اليوم من صرف التوسل الذي هو عبادة لغير الله فأشرك في ذلك، كمن يذهب إلى البدوي فقول: يا بدوي! أنقذني من المهالك، أو المرأة تذهب إلى قبره فتقول: يا بدوي! ابنتي لا تنجب فاجعلها تنجب، أو كمن يذهب إلى ضريح عبد القادر الجيلاني فيقول: يا جيلاني! يا ولي الله! اجعل السماء تمطر، فهذا دعاء لغير الله، وصرف الوسيلة لغير الله شرك، فقد وقع من يفعل ذلك في الشرك والعياذ بالله.
على أن هذا هو فعل الذين أشركوا في الجاهلية قبل بعثة رسول الله ﷺ ، فقد كانوا يتعبدون لغير الله فيدعون ويستغيثون بغير الله، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] فكذبهم الله.
ومن يذهب إلى البدوي أو إلى الجيلاني فيصرف التوسل لغير الله كأن يدعوه ويستغيث به، فقد كفر من وجهين اثنين: الوجه الأول: أنه صرف التوسل وهو عبادة لغير الله، فكفر من جهة الإلهية؛ لأن القاعدة في الإلهية: كل عبادة ثبت بالشرع أنها عبادة فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك.
الوجه الثاني: وهو وجه الربوبية؛ لأنه اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله.
قال ابن تيمية وتابعه ابن القيم: من اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله فقد كفر.
فمن يذهب إلى قبر البدوي فقد اعتقد في البدوي ما لا يعتقد إلا في الله، فاعتقد فيه أنه سينقذه من المهالك، واعتقد فيه أنه سيحيي له ابنته، أو يصلح له زوجه أن تنجب، وهذا لا يكون إلا لله.
والقاعدة عند العلماء: من اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله فقد كفر.
стр. 31
التوسل البدعي وأنواعه
إن إطلاق لفظ (بدعة) يفيد أن العمل لا يرتكز على دليل، إذ الأصل في العبادات التوقيف.
ونعني بقولنا: الأصل في العبادة التوقيف، أنه لا يمكن أن ينشئ المرء عبادة إلا بدليل من كتاب الله أو سنة رسوله.
فأي عبادة يريد المرء أن يتعبد الله بها فلا بد أن تكون خاضعة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإذا قلت: التوسل عبادة، فلا بد لي من دليل حتى أتوسل به.
التوسل البدعي: هو توسل جاء به صاحبه من غير دليل من الشرع، وهو أقسام: القسم الأول: توسل بذات الصالحين، أو بجاه الصالحين.
القسم الثاني: التوسل بدعاء الأولياء الأموات.
وإنما قيد بالأموات لأنه يجوز التوسل بدعاء الصالحين الأحياء.
стр. 32
التوسل بجاه الصالحين
التوسل بجاه النبي ﷺ مما انتشر بين العامة، فتجد أحدهم يقول: اللهم بحق جاه نبيك افعل كذا وكذا.
وهذا التوسل عند أهل التحقيق من أهل السنة والجماعة بدعة من البدع المنكرات، يحرم على الإنسان أن يفعله، فإن فعله جاهلاً فعلم فأصر على ما هو فيه، فهو آثم عند ربه، وهذه ذريعة للشرك والعياذ بالله.
وهذا التوسل توسل بدعي لأمرين اثنين: الأمر الأول: أنه لم يأت عليه دليل من الكتاب، ولا من السنة، ولا من فعل الصحابة، والله قد أمرنا باتباع كتابه وسنة نبيه، ثم اتباع أصحاب نبيه من بعده.
وإنما عطفت السنة على الكتاب بالواو لأنه لا بد من اقتران كتاب الله مع سنة النبي ﷺ ، فهما صنوان.
أما الكتاب: فلم يرد في كتاب الله دليل يثبت التوسل بجاه النبي ﷺ .
وأما السنة: فلم يرد في سنة النبي ﷺ ، لا من قوله ولا من فعله ولا من تقريره.
وأما ما ورد عن أبي بكر وعمر أنهما استسقيا بجاه النبي ﷺ فإنه من الكذب المفترى على الصحابة رضوان الله عليهم.
وبما أنها لم ترد في كتاب ولا سنة ولا فعل النبي ﷺ ، فهي بدعة وإن قال بها بعض الفضلاء من أهل السنة والجماعة، وإن كانوا من العلم بمكان مثل: العز بن عبد السلام وغيره، فإن قولهم ليس بصحيح بحال من الأحوال، بل هو بدعة مميتة لأمرين اثنين: الأمر الأول: أنه لم يرد دليل.
الأمر الثاني: أنه توسل بشيء أجنبي وهو جاه النبي ﷺ ، وجاه النبي ينفع النبي لأنه صاحب الجاه ولا ينفع غيره، فمن يتوسل بجاه النبي يتوسل بشيء أجنبي، ولا يتوسل بشيء شرعه الله جل في علاه، وإنما ينفعك النبي بشفاعته لا بجاهه.
ولو كان الجاه والتوسل بالجاه مشروعاً لبينه لنا رسول الله ﷺ وإلا لم يتم لنا البيان، ولم يتم لنا البلاغ.
والرسول هو أحرص الأمة على أن يدل الأمة على كل خير، ولو كان في التوسل بجاه النبي خير، لكان لزاماً على رسول الله أن يبين لنا أن التوسل المشروع هو التوسل بجاهه ﷺ ، فلما لم يبين النبي ﷺ أن جاهه يمكن التوسل به، قلنا: هذه بدعة، ولا يصح لأحد أن يتوسل بجاه النبي ﷺ .
стр. 33
التوسل بطلب الدعاء من الأموات
مما انتشر بين المسلمين اليوم التوسل بدعاء الأموات، فتجد المرء يذهب إلى قبر الولي من أولياء الله الصالحين، فيقول: أنت الآن بين يدي ربك، وأنت لك المكانة عند الله، فادع الله أن يغفر لي.
وهذا تعلق به الصوفية عندما قالوا: قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء:٦٤].
فقالوا: إن لك أن تذهب إلى قبر النبي فتقول: يا رسول الله! أنت بين يدي الله جل في علاه وأنت في الجنات الآن، فاستغفر لي عند ربي، وادع الله أن يدخلني الجنة، وادع الله أن يجعلني في الفردوس الأعلى، ويحتجون بقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء:٦٤] فقالوا: هذه الآية فيها دلالة واضحة على التوسل وطلب الدعاء من الأموات.
وهذا الكلام لا يصح بحال من الأحوال، وخطؤه بيّن، إذ إنه: أولاً: لم يرد دليل على ذلك من الكتاب ولا من السنة، ولا من فعل الصحابة رضوان الله عليهم.
الأمر الثاني: أن الله قد نفى سماع الأموات، ونفى رسول الله أن ينتفع أحد بالأموات، بل الأموات هم الذين ينتفعون بالأحياء.
قال الله تعالى ينفي سماع الأموات: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠].
وقال أيضاً: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢] فأثبت عدم السماع لهم.
ومما يؤيده قول النبي ﷺ الثابت في الصحيح: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، وولد يدعو له، وصدقة جارية) وليس فيها الدعاء للغير، بل هو الذي يحتاج للدعاء من غيره، فإن الميت إذا مات انقطع عمله، فلا يستطيع أن يتكلم مع ربه، ولا أن يطلب من ربه شيئاً، فهذه دلالة واضحة على أن هذه بدعة مميتة.
والتوسل بطلب الدعاء من الأموات ذريعة للشرك؛ لأنهم اتخذوا سبباً لم يشرعه الله جل في علاه، والقاعدة عند العلماء: أن من اتخذ سبباً لم يسببه الله في الكتاب أو في السنة فقد أشرك.
والدليل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] فهذه قاعدة جليلة جداً تبين لنا أن ما يصنعونه ذريعة إلى الشرك؛ لأن الإنسان إذا شرّع لنفسه فقد تأتيه الهواجس، فيضع نفسه في مقام الربوبية، ولذلك قال العلماء: التوسل بطلب الدعاء من الأموات شرك أصغر.
стр. 34
عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق - الغلو في الصالحين
لقد حذر رسول الله ﷺ من الغلو في الصالحين أشد التحذير، وحسم كل مادة تخدش جناب التوحيد، وسد كل ذريعة تؤدي إلى ذلك، وقد اقتدى به أصحابه رضوان الله عليهم.
стр. 35
التحذير من الغلو في الصالحين واتخاذ القبور مساجد
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن صحابة رسول الله ﷺ هم الأسوة وهم القدوة، وقد قال فيهم ابن مسعود: إن الله نظر في قلوب الناس فوجد أفضل القلوب وأنقى القلوب هو قلب رسول الله ﷺ فاصطفاه نبياً ورسولاً، ونظر بعد ذلك في قلوب العباد فوجد أبر القلوب وأنقى القلوب قلوب الصحابة فاصطفاهم لصحبة نبيه، ونصرة دينه، ونشر دعوته، فهم أبر الناس قلباً، وأحسن الناس خلقاً، وأصدق الناس إيماناً، وأعمقهم علماً.
علموا من رسول الله ﷺ كيف يأمر وبم يأمر؟ فتأسوا به الله ﷺ وأتمروا بأمره، وعرفوا ما ينهى عنه النبي ﷺ ، على مراد النبي ﷺ في النهي، فحرموا على أنفسهم وعلى غيرهم ما حرمه رسول الله ﷺ .
فقد ائتسوا برسول الله وهو يحفظ جناب التوحيد الخالص لله جل في علاه، فإن رسول الله ﷺ نهاهم عن الغلو في الصالحين، وعن بناء المساجد على القبور، حيث قال النبي ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله).
ولما ذهب إلى بعضهم فقالوا: أنت خيرنا وابن خيرنا قال: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان) أي: لا تغلوا في أحد.
وأيضاً: نهى سداً للذريعة وحسماً للمادة عن اتخاذ القبور مساجد كما سنبين.
стр. 36
الغلو في الصالحين سبب للوقوع في الشرك
стр. 37
أول شرك وقع في الأرض سببه الغلو في الصالحين
والصحابة رضوان الله عليهم عبدوا الله بالتوحيد الخالص كما أمرهم النبي ﷺ ، وسنرى كيف سدوا منابع الشرك، وكيف حسموا مادة الشرك ائتماراً بأمر النبي ﷺ .
إن أول الشرك في البشرية بأجمعها كان بسبب الغلو في الصالحين، وكما قال ابن عباس ومحمد بن كعب كما في تفسير ابن أبي حاتم وهو عند البخاري وابن جرير الطبري وابن كثير أن ابن عباس قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون على التوحيد الخالص.
أي: لم يشرك أحد بالله جل في علاه، ثم جاء قوم نوح وكان هناك بعض الناس يعني: من الفضلاء الكبراء الذين يتعبدون لله في ذلك الزمان فكانوا يعظمونهم، فلما ماتوا زين لهم الشيطان أن يصوروا لهم التصاوير، يعني: التماثيل من أجل أن يذهبوا إلى هذه التماثيل فيتذكروا شدة اجتهادهم في عبادتهم فيعبدون الله كما كان يعبده أولئك فكأنها تشد الهمم.
وانظروا إلى فقه الشيطان، فإنه لا يفتح للإنسان باب الشر على مصراعيه، بل يستدرج الإنسان ويفتح له باب الخير ليفتح بعده مائة باب من الشر، ولذلك كان الصحابة يسألون عن الشر حتى يغلقوا أبوابه، قال حذيفة: كان الناس يسألون النبي ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه: عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لم يعرف الشر من الخير يقع فيه فمن لا يميز بين الخير والشر سيقع في الشر حتماً، ولهذا كان فضل العلم وفضل الفقه عظيماً، فإن الشيطان استدرج هؤلاء الأغرار الأغمار الجهلة حتى يجتهدوا في العبادة كما اجتهد أولئك، فلما اندرس العلم ومات الذين كانوا يفعلون ذلك جاء أقوام بعدهم فقالوا: إنهم اتخذوا وسائل بينهم وبين الله شفعاء كما قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] فعبدوهم من دون الله جل في علاه.
وهذا أول الشرك وأصله، وهو الغلو في الصالحين وبناء المساجد على قبور الصالحين.
стр. 38
أول شرك اليهود والنصارى سببه الغلو في الصالحين
وإذا نظرت إلى اليهود والنصارى وجدت أن أول الشرك فيهم كان بسبب الغلو، فترى أن اليهود والنصارى عندما غلو في الأنبياء وفي الصالحين صوروا لهم الصور، ثم بنوا عليهم القبور، فلما بنوا عليهم القبور بلغوا بهم إلى درجة الربوبية ودرجة الإلهية، ففي الصحيح عن أم حبيبة أنها لما ذكرت للنبي ﷺ الكنيسة التي رأتها في الحبشة وفيها تلك التصاوير قال النبي ﷺ : (أولئك شرار الخلق عند الله) لم يا رسول الله؟ قال: (لأنهم إذا مات فيهم الرجل الصالح صوروا له تلك التصاوير وبنوا على قبره).
فكان أول الشرك هو الغلو في الصالحين والبناء على القبور، وقد بين لنا شيخ الإسلام كيف حسم النبي ﷺ المادة وكيف دافع عن التوحيد الخالص حتى لا تقع الأمة في الشرك، فرسول الله ﷺ أولاً حث الأمة على عدم بناء المساجد على القبور، وذم كل من فعل ذلك وهو في مرض الموت، كما في الصحيح عن عائشة أنه كانت هناك خميصة أو قطيفة في يد النبي، فطفق النبي ﷺ يجعلها في رأسه ثم إذا أفاق قال: (ألا لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك).
ثم إنه حث الأمة على البعد عن ذلك بقوله: (لتتبعن) يعني: ينكر على الأمة، والأمة اليوم والله إنها قد تاهت وضاعت وفعلت كما فعل السابقون إلا من رحم الله قال: (لتتبعن سنن الذين من قبلكم حذو القذة بالقذة).
وفي رواية أخرى قال: (شبراً بشر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه).
وفي رواية قال: (ولو نكح فيهم الرجل أمه لوجد في أمته من يفعل ذلك) وقد وقع فقد وجد في هذه الأمة من زنى بأمه والعياذ بالله.
فالنبي ﷺ يذم الفعل ويحذر ما صنعوا.
وأيضاً: عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: قال رسول الله ﷺ : (قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك).
стр. 39
نهي النبي ﷺ عن الغلو فيه
وفي الموطأ عن النبي ﷺ قال: (لا تتخذوا قبري عيداً) يعني: من العود، فلا تعتادوا وتنتابوا قبري ليل نهار، وهذا الذي نبينه للحجاج والمعتمرين لأن بعضهم إذا صلى الفجر قال: أنا سأسلم على النبي، السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا عمر، ثم يأتي في الظهر يسلم وفي المغرب يسلم وفي العصر يسلم، وفي العشاء يسلم، فهو يقع في البدعة ولا يدري، وقد قال النبي ﷺ : (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد).
وعلاقة الحديث بموضوعنا أن النبي ﷺ أراد حسم المادة؛ لأنهم لو عاودوا الذهاب والإياب إلى قبر النبي ﷺ سيقعون في الغلو في رسول الله، وقد حدث الغلو في رسول الله ﷺ ، كما قال البوصيري: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم قال ابن رجب: هذا السفيه لم يترك لله شيئاً، أي: من جودك أنت الدنيا والآخرة، ومن علومك علم اللوح والقلم أي: علم اللوح المحفوظ من علمك يا رسول الله، وهذا من الغلو في رسول الله ﷺ .
وبعضهم غلوا في النبي ﷺ حتى قالوا: إن النبي خلق من نور.
والأشد من هذا قولهم: صعد جبريل ليأخذ القرآن من أجل أن ينزل به إلى محمد فكشف الحجاب فقال محمد: منك وإليك.
لقد جعلوا رسول الله الخالق وهو المخلوق.
فالعود على قبر النبي ﷺ سيصل بالإنسان إلى الغلو في النبي ﷺ ، والغلو في النبي ﷺ يصل به إلى الشرك بالله جل في علاه، فلذلك قال النبي ﷺ حسماً للمادة: (لا تجعلوا قبري عيداً).
وكان يقول: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) والحمد لله قد كان.
وقالت عائشة ﵂ وأرضاها: قال رسول الله ﷺ : (اشتد غضب الله على أقوام يتخذون القبور مساجد).
وقال النبي ﷺ : (شرار الخلق عند الله من تقوم عليهم الساعة، والذين يتخذون القبور مساجد) كل هذه النواهي كانت حسماً للمادة وسداً للذريعة وخوفاً من وقوع الأمة في الغلو في الصالحين ببناء المساجد على قبورهم.
стр. 40
اقتداء الصحابة برسول الله في حماية جناب التوحيد
وصحابة رسول الله ﷺ حسموا المادة وسدوا الذريعة أسوة برسول الله ﷺ ، فهذا علي بن أبي طالب كما في صحيح البخاري يقول لـ أبي الهياج الأسدي: (ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله ﷺ ؟ ألا تجد تمثالاً إلا كسرته، أو قال: ألا تجد صنماً إلا كسرته، ولا تجد قبراً مشرفاً إلا سويته) فلا بد من تسوية القبور.
والبدع الموجودة في المقابر التي نراها من تعلية القبور وتجصيصها، وكتابة الكلمات التي لا تصح، كلها بدع تصل بالإنسان إلى الغلو في الصالحين ثم الشرك، وعلي بن أبي طالب ينتصر للتوحيد ويأتسي برسول الله ﷺ ويقول: إذا رأيت قبراً مشرفاً لا بد أن تسويه بالأرض.
وعمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه عندما فتح الله بلاد العراق على يده بعث إليه أبا موسى الأشعري بقوله: وجدنا قبر دانيال.
وهو نبي من أهل الإسلام لأن الأنبياء كلهم كانوا على الإسلام، والدليل قول النبي ﷺ : (الأنبياء إخوة لعلات) أي: لأب واحد والأمهات شتى يعني: دينهم واحد وشرائعهم مختلفة، ويصدق ذلك قول الله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] هذا هو الدليل الصريح الصحيح في أن الأنبياء كلهم كانوا على دين واحد وهو دين الإسلام.
فعندما رأوا قبر دانيال ﵇ في العراق بعثوا إلى عمر ماذا نفعل؟ انظروا إلى حسم المادة وسد الذريعة فقال عمر بن الخطاب: احفروا ثلاثة عشر قبراً ليعمي على الناس، ثم ادفنوه ليلاً في واحد منها؛ لأنه علم أن الناس كانوا يستسقون به، والاستسقاء بالأموات ممنوع.
فإن قيل: هل هو شرك مخرج من الملة أم لا؟
الجواب
الصحيح الراجح أنهم إذا استسقوا بدانيال بأن يقولوا: أنزل علينا المطر، فقد كفروا، وإذا قالوا: اللهم بجاه دانيال أنزل علينا المطر فقد ابتدعوا في دين الله بدعة مميتة، وهي وسيلة إلى الشرك.
لكن في الأول من أي وجه أشركوا عندما قالوا لدانيال: أنزل علينا المطر؟ لاشك أن فعلهم فعل كفري، ولا يتجرأ على مسألة التكفير إلا جاهل جريء عميق الجهل؛ لكن نقول: القول قول كفري والفعل فعل كفري، والقائل والفاعل ليسا بكافرين حتى تقام عليهما الحجة وتزال الشبهة.
والذي يقول لدانيال: أنزل علينا المطر، أغثنا يا دانيال قد قال قولاً كفرياً صريحاً من عدة وجوه: الوجه الأول: أنه صرف العبادة لغير الله؛ لأن الدعاء عبادة لله وقد صرفها لغير الله، والقاعدة: أنه إذا ثبت في الشرع أنها عبادة لله فصرفها لغير الله شرك.
الوجه الثاني وهو المهم: أنه أشرك في الربوبية؛ لأنه اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، فإذا اعتقد في دانيال أو اعتقد في محمد أو في إبراهيم أو في موسى أنه هو الذي ينزل المطر، فقد اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، وهذا شرك في الربوبية.
فـ عمر بن الخطاب حسماً للمادة وحفاظاً على جناب التوحيد عمى على الناس خبره وحفر ثلاثة عشر قبراً، ثم دفنه ليلاً حتى لا يستسقي به الناس وحتى لا يصلوا إلى الشرك بهذا الغلو.
следующие страницы →