← Акыда

Акыда · id 37702

شرح مختصر الصارم المسلول - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (91 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول - ترجمة عن شيخ الإسلام ابن تيمية لقد كان شيخ الإسلام نادرة من النوادر، فقد شابه الصحابة رضوان الله عليهم في جمعه بين العلم والعمل، وجهاده باللسان وبالسنان، وقد فاق أقرانه في شتى المجالات، فما من فن من الفنون إلا وله فيه الحظ الأوفر، فهو فارس الميدان في مجال الجهاد في سبيل الله، وفي مجال مناظرة أهل البدع، وفي مجال الفقه والحديث والتفسير واللغة وغير ذلك، فرحمه الله رحمة واسعة.

стр. 2

ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فقبل أن نبدأ الكلام على هذا الكتاب الجليل العظيم: (الصارم المسلول)، وهذا الكتاب من أنفع ما كتب في هذه المسألة، كتاب: (الصارم المسلول) لشيخ الإسلام ابن تيمية، وأيضاً هذا الاختصار الجيد للإمام البعلي فلا بد أن نمر على الشيخين ونتكلم عنهما بترجمة وجيزة. فشيخ الإسلام ابن تيمية هو علم الأعلام، والإمام الهمام، وفارس الميدان، وإن صح التعبير فهو كما يقولون: فريد عصره، ووحيد دهره، وهو البحر الذي لا ساحل له، كما سئل عنه ابن القيم فقال: هذا البحر الذي لا ساحل له. ولا بد أن نتكلم عن ابن تيمية في كل شيء، نتكلم عنه خلقاً وديناً ونسكاً وعبادةً وعلماً وشجاعةً وكرماً وسخاءً وجهاداً في سبيل الله.

стр. 3

مولد شيخ الإسلام ونشأته ولد شيخ الإسلام ابن تيمية سنة (٦٦١هـ) ونشأ في أسرة عريقة امتلأت بالفقه والحكمة والعلم، وامتلأت بالكرم والسخاء والشجاعة، فلذلك نبتت لنا هذه النبتة، هي نبتة شيخ الإسلام ابن تيمية، قد ولد في حران وجلس فيها حتى سن السابعة من عمره، ثم بعد ذلك لما هجم التتار عليهم فرقوهم أوزاعاً فرحلوا إلى الشام، وكان أبوه عبد الحليم من علماء الحنابلة، وكان من علماء الحديث، وكان مدرساً لعلم الحديث في الشام، وهو الذي أجلسه مجلسه بعدما أصبح شاباً يافعاً حافظاً لعلم الحديث، فانتقل والده بسبب التتار إلى الشام. وهذا الطفل الصغير كان كريماً شجاعاً ناسكاً عابداً لله جل في علاه. فقد ظهرت نجابته أولاً في المناظرة بينه وبين أبيه عندما عاتبه على الرحيل من حران، فقال لوالده: لم تترك حران؟ فقال: التتار لا يتركون أخضر ولا يابساً إلا أتوا عليه وأكلوه وأنهوا أمره وقتلوا من في البلدة، فناظره بكلمات واستدل بآيات يستدل بها كثيراً في هذا الكتاب، فقال لأبيه: ألم يقل الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة:١٤]، فلا بد من الجهاد، والله ينصر المجاهدين في سبيله. لكن قدر الله الرحلة إلى دمشق، فلما رحل إلى دمشق كانت فاتحة الخير عليه.

стр. 4

أخلاق شيخ الإسلام قبل أن نتكلم على أهم ما في حياة شيخ الإسلام ابن تيمية وهي حياته العلمية، نتكلم عن صفات اعتلى بها، وهي صفاته الخُلقية، هو شيخ الإسلام الخلوق الذي حباه الله، فقد كان ذا أخلاق سامقة يرتفع بها، فكان كريماً سخياً على ضيق يد، فلم يكن يعرف الفرق بين الدرهم والدينار كما وصفه كثير من المؤرخين، أي: لم يكن ينشغل بالدرهم والدينار، كما قال الذهبي: كان زاهداً ورعاً كريماً مع زهده ومع فقره وضيق حاله، ولقد أتى بكرم الأخلاق أولاً، كما قال النبي ﷺ : (فاتقوا النار ولو بشق تمرة) فلا يمكن أن تحتووا الناس بأموالكم، لكن لا بد أن تحتووا الناس بأخلاقكم الكريمة، فكان كريماً بأخلاقه مع الناس. ولما طلع نجمه، وبزغت شمسه في الأوطان جميعاً، كانت الجوائز تنهال عليه، فإن جاءته جائزة من السلطان بمال فرقها عن بكرة أبيها على إخوته وأصدقائه وعلى إخوانه وطلبة العلم ومشايخه، فكان كريماً سخياً.

стр. 5

عبادة شيخ الإسلام وورعه وتقواه وصبره على الأذى وقد كان عابداً ناسكاً، وعبادة شيخ الإسلام ابن تيمية إذا محضت النظر فيها قلت: هذا الرجل قبر من قبور الصحابة انشق وخرج منه هذا الصحابي. فقد كان عابداً لله جل في علاه بالعبادة الظاهرة، والعبادة الباطنة، عبادة الجوارح: بالجهاد في سبيل الله باللسان وبالسنان، وكان عابداً بالجوارح قواماً لليل صواماً للنهار، وعبادته في الباطن هي أجل العبادات التي قدمها ابن تيمية لنا نبراساً نأتسي به. ويدل على ذلك كلام ابن القيم حين قال: كان إذا ادلهم بنا الخطب واشتد بنا الكرب ذهبنا إلى ابن تيمية فنظرنا إلى وجهه فذهب عنا كل شيء. سبحان الله! جعل الله رؤيته ذكراً لله، وجعل الله في رؤيته الأمان لعباد الله جل في علاه، قال: إذا ادلهم بنا الخطب واشتد بنا الكرب، واشتد الخوف في قلوبنا ذهبنا إلى ابن تيمية، فنظرنا إلى وجهه فازددنا طمأنينة. سبحان الله! وهذا من شدة ورع هذا الشيخ الكريم، ومن شدة عبادته وقربه من الله جل في علاه، ولك فيما قاله بيان جليٌ لشدة ورع وتقوى هذا الرجل وعبادته لله جل في علاه، فمن المعلوم أنه عندما يبزغ نجم عالم، أو طالب علم، أو رجل جعله الله نبراساً لأناس يأتسون به، لا بد من الحسد والحقد أن يغلي في الأوساط، ولا بد من بتره وقتله وطمس هويته، فكان ذلك الحظ الأوفر والنصيب الأعظم لشيخ الإسلام لـ ابن تيمية؛ لأن الحساد كثر ل شيخ الإسلام؛ لأنه كان وحيد عصره بحق كما قال ابن دقيق العيد كما سنبين. فكانت الوشاية كثيرة على شيخ الإسلام ابن تيمية، فكانوا يسجنونه ويجلدونه ويعزرونه ويعذبونه، حتى مات مظلوماً في سجن القلعة، فشيخ الإسلام ابن تيمية لما سجنوه قال كلمات تحفر في الصدور بماء الذهب، وهي تدل على عبادة هذا الرجل وقربه من الله جل في علاه ويقينه في أن ربه جل في علاه هو الرب القادر الكريم المليك لهذا الكون كله، الذي يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فقال: ماذا يريد أعدائي بي لو سجنوني فسجني خلوة بربي، أي: المراقبة والإحسان والتفكر والتدبر وذكر القلب؛ لأن ذكر القلب هو الذي يرتقي بالعبد، قال : ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥]. وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله). فـ شيخ الإسلام اعتنى بذكر قلبه، فكان يقول: لو سجنوني فسجني خلوة بربي، ونعم الأنيس جل في علاه. ثم قال: ولو قتلوني فقتلي شهادة. فهو يعلم أنه في وظيفة عظيمة في هذه الدنيا، وهي العبادة لله جل في علاه، ونشر دين الله جل في علاه، وتعبيد العباد لرب العباد. ثم يقول: ولو نفوني فنفيي سياحة. أي: أنظر في هذا الكون الشاسع، وأنظر إلى ربوبية الله جل في علاه، وعظمة خلق الله جل في علاه. وكان ابن تيمية يتقرب من الله جل في علاه بالذكر الخفي حتى في أبواب العلم، قال: كنت إذا استغلقت علي مسألة ذهبت إلى مسجد مهجور أخلو فيه بربي، كما قال ابن القيم: إنه كان مسجداً مهجوراً وكان يمرغ نفسه بالتراب، فهو بذلك يبين أن بوابة الدخول إلى الله هو الذل لله، ورسول الله ﷺ كان يتذلل لربه ويخضع، فهو لما كان في غزوة بدر واشتد الأمر عليهم، وكاد المسلمون أن يفتنوا رفع يديه متذللاً خاضعاً متمسكناً لربه جل في علاه حتى سقط الرداء وهو يقول: (اللهم أنجز لي ما وعدت). فـ ابن تيمية كان يفقه ذلك ويعلم أن بداية الطريق الصحيح هو الذل التام والخضوع التام لله جل في علاه، وكيف لا؟ وهو الذي بين لنا أن ركني العبادة هما: غاية الحب، مع غاية الذل، فكان يمرغ نفسه في التراب ذلاً وخضوعاً لله جل في علاه، ثم يدعو مبيناً أن النعمة بأسرها بيد الله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] فقال: اللهم يا معلم إبراهيم، ولذلك كان دائماً ما يقول: ليس مني شيء ليس بي شيء، الكل من الله جل في علاه، وكان يقول: يا معلم آدم وإبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني. وهذه الدعوة تدل على دقة نظر ابن تيمية وشدة تقربه من الله جل في علاه، فهو يخضع ثم ينسب النعمة لباريها، حتى ينال ما يريد من ربه جل في علاه.

стр. 6

جهاد شيخ الإسلام باللسان وبالسنان في سبيل الله كان شجاعاً يجاهد في سبيل الله باللسان وبالسنان، ولك أن تعلم أن في عصر شيخ الإسلام ابن تيمية انتشر مذهب الأشاعرة على أنه مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا النووي وغير النووي وقبل النووي وبعد النووي فكلهم كانوا في دمشق يعلمون أن المذهب الحق هو مذهب الأشاعرة، ويحسبون أنه مذهب أهل السنة والجماعة، ناهيك عن انتشار النصارى واليهود، وناهيك أيضاً عن وجود الرافضة والشيعة والصوفية، وغير هؤلاء. فناضل شيخ الإسلام ابن تيمية وناظر كل مبتدع ضال في بدعته، فكان يناظرهم جميعاً، ومن شدة تحريه لسنة النبي ﷺ ونشر الدين الصحيح، والتأصيل العقدي السديد الصحيح كما كان عليه السلف الصالح، فإن رسائله كلها التي سجن من أجلها تبين لك كيف انبرى لهؤلاء الفرق المتعددة المبتدعة؛ ليبين لهم العقيدة السديدة عقيدة السلف. ومن هذه الرسائل: الرسالة الحموية، والرسالة الواسطية، فكل هذه الرسائل التي صنفها ابن تيمية كانت رداً على هؤلاء المبتدعة، وكان يبين فيها العقيدة الناصعة البيضاء عقيدة السلف الصالح. فكان يناظر باللسان، وكان يجاهد في ساحة الوغى، فلم يكن عالماً متقاعساً بل كان يجاهد باللسان وبالسنان. أما جهاده بالسنان: فهو لما وقف قازان على أبواب دمشق وكاد يدمر كل دمشق، قام شيخ الإسلام ووقف في وجهه معلناً أنه عبد لله جل في علاه لا يخاف إلا من الله، فقال لصاحب القلعة أو لأمير البلدة الذي كان يتحصن في القلعة: لا تسلم القلعة، وإن لم تجد من السيوف والرماح، وحتى لو قاتلت بالأظافر وبالأحجار فلا تسلم القلعة، ثم ذهب إلى قازان وكان قد أسر من المسلمين وأسر أيضاً من الذميين، فكلمه كلاماً شديداً بلهجة شديدة، لا سيما وأن قازان كان قد أعلن وأشهر إسلامه بين الناس، فاشتدت عليه الوطأة من شيخ الإسلام ابن تيمية حتى ارتجف ورعب قلب قازان، فسلم له الذميين قبل المسلمين ثم سلم له المسلمين ورحل عن الشام، فلما عاودته وساوسه مرة ثانية أن يأتي ويقتحم الشام واجتمعت التتار لهلاك المسلمين، ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية يستنفر الناس، ومنهم: قلاوون؛ لأنه كان أميراً للمؤمنين في تلك العصور، وكان في مصر فذهب إليه وقال له: والله إن لم تكن حاكماً للشام ومصر، واستنفروك في الدين فعليك النصر لزوماً ووجوباً، من قول الله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال:٧٢] فاستنفر السلطان قلاوون الناس وحثهم على القتال وكانت المعركة في رمضان، وكان شيخ الإسلام يقول: كان رسول الله ﷺ يأمر أصحابه بالفطر في ساحة الوغى؛ ليتقوى المسلمون على أعدائهم، وكان يقول لكل أمير يستنهضه أو يستحثه على القتال: قاتلوا والنصر لكم، فقال له رجل: لمَ لم تقل: إن شاء الله، فقال له شيخ الإسلام ابن تيمية بقلب ثابت راسخ مستيقن بربه جل في علاه: أقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً. هذا يقين بالله جل في علاه، ولا تبعد إذا قلت: إنه قسم على الله، وكم من امرئ أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره، وقد كان النصر للمسلمين بسبب هذا الشيخ الذي كان شجاعاً في ساحة الوغى.

стр. 7

علم شيخ الإسلام وفقهه وسعة حفظه ندخل في أهم ساحات شيخ الإسلام ابن تيمية ألا وهي ساحة العلم، حق لنا أن نقول: إن ابن تيمية عالم فريد وحيد لم يأت مثله بعده؛ لأنه كان بحراً في العلوم وكان حبراً لهذه الأمة، ما من علم نجم في الساحة إلا وتعلمه ابن تيمية، وما جلس أصحاب كل علم مع ابن تيمية إلا قالوا: ما أتقن ابن تيمية إلا هذا العلم، في الفلسفة في المنطق في اللغة حتى إنه عودي؛ لأنه أخذ مآخذ على سيبويه، وسيبويه فحل اللغة فـ ابن تيمية استدرك عليه، ولذلك كانوا يأتونه من كل حدب وصوب، يتعلمون منه اللغة، وكان يعلم العقائد المختلفة عقائد اليهودية والنصرانية، وألف في ذلك التصانيف النافعة التي ترد على هذه العقائد، فألف كتاباً رد فيه على النصارى واسمه: (الجواب الصحيح في الرد على من بدل دين المسيح)، وألف كتاباً في الرد على الإثني عشرية وعلى القدرية واسمه: (منهاج السنة). وأيضاً ألف الرسائل الكثيرة التي ترد على الأشاعرة، والفتاوى كلها موجودة تبين لنا كيف رد شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه العقائد، فـ ابن تيمية كان بحراً للعلوم ظهرت نجابته من صغره، فما قرأ شيئاً إلا حفظه، كما قيل عن الشافعي: إنه كان إذا فتح المصحف يضع يده على الصفحة التي لا يقرؤها حتى لا يحفظها فتختلط عليه بالصفحة التي يحفظها. كذلك كان ابن تيمية إذا أخذ الورقة فقرأها يضعها، ويأت بها عن بكرة أبيها حفظاً، فسمع بنجابة ابن تيمية الطفل الصغير شيخ محدث حلبي، فذهب إلى دمشق وقال لبعض المعلمين: أين هذا الطفل الذي تسمونه ابن تيمية؟ فقال: عندما يمر مع الصبيان سأعرفك به، فجلس الرجل ساعة حتى مر ابن تيمية، فقال المعلم: أرأيت هذا الطفل الذي معه اللوح الكبير؟ هذا ابن تيمية، فذهب الحلبي إليه فقال: يا بني! تعال، فجاءه، فقال الحلبي: ما هذا؟ قال: هذا اللوح أكتب فيه قال: امسح ما فيه، فمسح ما فيه، فقال الحلبي: سأملي عليك بعض الأحاديث فهل تكتبها؟ قال: أكتبها، فأملى عليه متون أكثر من عشرة أحاديث وهو يكتب، فبعدما كتبها ابن تيمية قال: تردد علي هذه الأحاديث؟ فرددها عليه كأحسن ما يكون، فلما سمع هذه الأحاديث من هذا الطفل البارع النجيب وهو يسردها حفظاً بعدما كتبها في اللوح ونظر إليها مرة واحدة اندهش اندهاشاً عجيباً، ثم قال: امسح يا بني ما كتبت، فمسح الأحاديث، فقال: أملي عليك الأسانيد وهذه أعظم من الأولى؛ لأن متون الأحاديث لها نور، ومن السهل جداً أن تحفظ المتون، ولذلك أسهل كتاب على وجه الأرض يحفظ هو كتاب الله؛ لأن الله تعالى يسره لكل مدكر متذكر، فالقرآن سهل جداً أن تحفظه، وكذلك الأحاديث؛ لأن لها نوراً يدخل في القلوب. فهذا الحلبي انتقى بعض الأسانيد المشكلة وأملى عليه هذه الأسانيد وهو يكتب الأسانيد، فبعدما كتب الأسانيد شيخ الإسلام ابن تيمية، قال الحلبي: تقرؤها علي؟ فوضع اللوح وسرد عليه هذه الأسانيد حفظاً، فقال: اعتنوا بهذا الطفل. وانظروا إلى الإنصاف، فهو رجل عالم محدث يمكن أن يغار ويقول في نفسه: هذا الرجل قد يأخذ مني الأضواء فلا بد أن يطمس وأن يشوه وتدفن نجابته، ولكن كان من الذين يعملون للدين، فالعمل للدين له رونق آخر، فقال الشيخ المحدث: اعتنوا بهذا الطفل فلم أر مثله، فسيكون له شأن عظيم. وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية علم الأعلام والفارس الهمام، فشيخ الإسلام ابن تيمية حافظته القوية وسرعة الحفظ جعلت ابن كثير يقول: الدنيا ما فيها إلا ثلاثة لا رابع لهم، فقال: أولهم وأبرعهم شيخ الإسلام ابن تيمية، والثاني: ابن دقيق العيد، مع أن ابن دقيق العيد يعتبر من طبقات شيوخه، ثم ثلث بـ السبكي. والسبكي كان بارعاً حافظاً فقيهاً أصولياً. وقال ابن كثير أيضاً: ثلاثة من الناس ما رأيت مثلهم: ابن تيمية والمزي وابن دقيق العيد، وأحفظهم للمتون هو ابن تيمية، ولذلك قال ابن عبد الهادي: -الإحاطة لله فقط- حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث، وهذا الذي قاله الذهبي في ذيل طبقات الحنابلة، فقد قال: حديث قال فيه ابن تيمية: لا أعرفه فليس بحديث؛ لسعة اطلاع الرجل، فـ ابن دقيق العيد يبين لنا أن ابن تيمية كأن الكتب الستة والمسند أمام عينيه، يأخذ ما شاء وينتزع ما شاء من الأدلة. وكان ينتزع الآيات ويستدل بها على المسائل كأبرع ما يكون، فهو يستحضر الدليل في وقته، بينما الواحد منا لو سئل يظل يفكر ويذكر ويقول: ذكروني بالآية، والثاني يقول: ما هو متن الحديث؟! أما شيخ الإسلام فقد كانت الأسئلة تنهال عليه ويستحضر الدليل وينتزعه من كتاب الله جل في علاه ومن سنة النبي ﷺ ، مع استحضار أصل الدليل. والمزي قليل من يعرفه، قال ابن كثير: وأفقههم في المتون ابن دقيق العيد يعني: كان أفقه ما يكون، فله كتاب إحكام الأحكام، أملاه ابن دقيق العيد إملاء، وإذا نظرت في كتاب ابن دقيق العيد رأيت الدرر. إذاً: فـ ابن تيمية برع في ساحة العلم في كل شيء، ففي الحديث كان أوسع الناس حفظاً، كما قال الذهبي وغيره: الحديث الذي لا يعرفه ابن تيمية ليس بحديث، وكان ينتزع الحديث من المسند أو من الكتب الستة ويستحضره في أوانه. وكان عالماً بالرجال وبالأسانيد، فترى في الفتاوى كثيراً ما يضعف ويصحح، لكن ما تخصص في علم الحديث استقلالاً، فهذا الرجل جمع الله له العلوم كلها، علم الحديث وعلم الفقه، أما إذا دخلت على علم الأصول فهو فارس الميدان يقعد ويؤصل، وقواعد ابن رجب ترى فيها درراً من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية واختيارات ابن تيمية. أما في الفقه فساحته، فلا يستطيع أحد أن ينازع ابن تيمية في الفقه، فقد كان العلماء يقولون: صعب علينا الفقه وسهل على ابن تيمية، نعم والله فقد كان يأتي بالفقه من القلب، كان يأتي بالمسائل الفقهية ويقربها للناس بعدما يبين المذاهب، وكان كثير من أهل المذاهب يناظرونه فيعيد كل صاحب مذهب لمذهبه، ويقول: أنت ما أتقنت هذه المسألة في المذهب، بل وهو طفل صغير يذكر بعض أهل السير: أنه جلس في مجلس كان فيه قاض من الشافعية وكان يتكلم في مسألة الاستعانة بالمشركين، فقال: إن الشافعي يرى جواز الاستعانة بالمشركين، وبعد ما سكت قام له شيخ الإسلام وقال: تجاوزت كلام الشافعي دون أن تأتي بشروطه وقيوده، فانزعج، كيف تتكلم معي في مذهب أنا مؤصله وأنا أتعلم على مذهب الشافعي؟ فقال: إن الشافعي ما أطلق الاستعانة بالمشركين، لكن قيد قيوداً واشترط شروطاً منها: أن يكون في المسلمين حاجة لأمثال هؤلاء الكفار، واشترط أن تنطوي راية الكفر تحت راية المسلمين وتحت لواء المسلمين، فلما ذكر له القيود رجع إلى كلام ابن تيمية، فالفقه ساحته وهو الذي برع فيه، وانظر في الفتاوى.

стр. 8

المسائل التي انفرد بها شيخ الإسلام خلافاً للجمهور وسنبين بفضل الله ختاماً لهذا المجلس المسائل التي انفرد بها شيخ الإسلام خلافاً للجمهور، وأكثر وأعظم هذه المسائل كان الحق مع ابن تيمية ولم يكن مع الجمهور. ومن هذه المسائل: الطلاق ثلاثاً: فقد خالف شيخ الإسلام الجمهور فقال: الطلاق ثلاثاً لا يقع إلا واحدة. ومن المسائل الطلاق في الحيض: أيضاً خالف شيخ الإسلام فيها، فقال: لا يقع ولا يحسب. أيضاً من المسائل: في التورق، فـ شيخ الإسلام خالف جماهير أهل العلم وقال: بتحريم التورق. وأيضاً: في المعاملات قال: الذهب بالذهب ربا إن كان فيه زيادة إلا إذا كانت أجرة الصنعة، يعني: لو أعطيت الذهب القديم وأخذت بدله الذهب الجديد فلك أن تعطي الفرق أجرة الصنعة، هذا كلام ابن تيمية، وانتصر له ابن القيم، وهذه المسألة الوحيدة التي لا نوافقه عليها بحال من الأحوال. أيضاً وهذه مسألة من مسائل العقيدة: ألا وهي مسألة الزيارة وشد الرحال لزيارة قبر النبي ﷺ وغيره، وهذه المسألة من أصعب المسائل التي سجن من أجلها ابن تيمية ومات مظلوماً محبوساً، ففي مسألة شد الرحال من أجل زيارة القبور دلس المتصوفة على ابن تيمية وقالوا: هو ينتقص من رسول الله ﷺ ، ويقول: يحرم زيارة قبر النبي ﷺ ، فألبوا عليه السلاطين حتى سجن ومات في السجن، بسبب هذه المسألة. أيضاً: هناك مسألة أخرى أنكرت على ابن تيمية وهي: مسألة الأسماء والصفات فهو يقول: يجب أن تثبت في الصفة كما هي بدون تأويل ولا تشبيه. وأيضاً: بعض أهل السنة أخذوا على ابن تيمية أنه صحح حديث جلوس النبي ﷺ إلى جنب العرش. فهذه المسائل التي انفرد بها ابن تيمية عن الجمهور، وهذا يدلك على سعة علم الرجل في هذه المسائل. ووفاءً لـ شيخ الإسلام نتفرغ لهذه المسائل لنبين الحق من الباطل فيها:

стр. 9

مسألة التورق أولاً: مسألة التورق، هذه المسألة الحق فيها مع ابن تيمية خلافاً لجماهير أهل العلم من الشافعية والأحناف والمالكية وكثير من الحنابلة، فهم قالوا: يصح التورق، ومعنى التورق: أن يشتري المرء سلعة لا ينوي استعمالها وإنما أخذها لسيولة المال، فأخذها بألف نسيئة فباعها بخمسمائة نقداً أو بمائة نقداً أو بثلاثمائة نقداً لغيره، أما إن باعها من نفس البائع فهذه العينة، لكن المسألة التي خالف فيها شيخ الإسلام هي: التورق، والتي فيها أنه باع السلعة لغير البائع، فجمهور الفقهاء أن هذه المسألة تصح، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة، منها: قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، وهذا يسمى بيعاً. وأيضاً: قالوا: إن النبي ﷺ قال: (إنما البيع عن تراض) وهنا حدث التراضي في البيع والشراء. واستدلوا أيضاً بحديث فقالوا: عندنا حديث فصل في النزاع وهو: قول النبي ﷺ عندما جاءه رجل بالتمر الجنيب، فقال النبي ﷺ : (أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله! إنا نشتري الصاع بصاعين. فتأوه النبي ﷺ وقال: أوه! عين الربا لا تفعل) ثم فتح له الباب وقال: (بع الجمع بالدراهم واشتر بالدراهم جنيباً). فهم يقولون: هذا الحديث فصل في النزاع. أقول: نحن مع ابن تيمية فنذكر كلامه: إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده، وفقه متنه. ونقول لهم: ما وجه الدلالة من الحديث؟ قالوا: خرج من الربا، وهو ما كان المقصود منه الانتفاع بالتمر هذا ولا بالدراهم بحال من الأحوال، وهو إنما يريد التمر بالتمر فأدخل بينهما دراهم، وهذا ما يريد إلا الدراهم فأدخل بينهما ثلاجة أو سيارة، فهذا نص في محل النزاع كما قالوا. وقالوا: عندنا أيضاً دليل من النظر وهو: أن الذي اشترى السلعة ما اشتراها إلا لينتفع بها، ووسائل الانتفاع كثيرة منها: الاستعمال. ومنها: البيع والشراء. ومنها: أخذ ثمنها، فقالوا: هذا اشتراها لينتفع بالثمن لا لينتفع بالاستعمال. هذا من النظر. إذاً: فعندهم أثر ونظر. فجاء شيخ الإسلام فخالفهم وقال بعدم جواز التورق، ويقول ابن القيم: وروجع شيخنا في هذه المسألة كثيراً حتى يرجع عن قوله وما رجع، يعني: ابن تيمية، فقد أقاموا عليه الدنيا وما أقعدوها من أجل هذه الفتوى وما رجع؛ لأنه كان يدين لله جل في علاه. العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ثم ننظر إلى أدلة شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه المسألة؛ لنعرف دقة فهم ابن تيمية، قال: إن العبادات والمعاملات والعقود كلها تدور على النيات، واستدل على ذلك بقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) وهذا الرجل يتورق، وينتوي الورق والمال والدراهم، وما ينتوي السلعة، فصورته صورة رجل جلس في مجلس فأعطى عشرة دراهم بخمسة دراهم. انظر هنا الآن ابن تيمية يبين لنا (إنما الأعمال بالنيات)، قلنا: ما وجه الدلالة من هذا الحديث؟ قال: وجه الدلالة أن الرجل لا ينتوي السلعة ولا الانتفاع بالسلعة، بل ينتوي المال، فصورة التعامل وصورة الصرف: ذهب بذهب دون المساواة، فاختل شرط، كأنه باع عشرة دراهم بخمسة دراهم، أو أعطى الألف مقابل الخمسمائة، فاعتبرت الصورة أنه أعطى دراهم بدراهم دون المساواة، والنبي ﷺ يقول: (الذهب بالذهب ربا إلا مثلاً بمثل سواءً بسواء يداً بيد) فقال: (يداً بيد) فلا بد من التقابض في المجلس، وهنا حدث التقابض في المجلس لكن صورته أنه لم تتوافر المثلية، فهو أعطى الألف بالخمسمائة قال: والنبي ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات) ثم إنه أوضح هذا الفهم وضوحاً جلياً بنقله عن ابن عباس ﵁ وأرضاه، لما صوروا له الصورة فقالوا: يشتري الرجل السلع بنقد بكذا، ويبيعها على غيره بنسيئة بكذا أقل، فهل يصح أن يشتري نسيئة ويبيع بنقد أقل؟ فقال له ابن عباس: والله ما هي إلا دراهم بدراهم بينهما حريرة. يعني: التقابض في المجلس موجود لكن جعل بينها تحايلاً حريرة. ثم قال ابن تيمية: وقد أبطل الله الحيل تأصيلاً عاماً في القواعد الشرعية، حيث قال النبي ﷺ : (قاتل الله اليهود؛ حرم الله عليهم شحوم الميتة فأذابوه فجملوه فباعوه فأكلوا ثمنه) يقول: ابن تيمية: وهذا الحديث سيهدم لنا كل ما بناه الجمهور من قواعد. يعني: هذا الحديث نص في النزاع بين ابن تيمية وبين الجمهور، فمسألة التورق خالف ابن تيمية جماهير أهل العلم فيها، وأتى بحديث فاصل في النزاع: وهو قول النبي ﷺ : (قاتل الله اليهود حرم الله عليهم الشحوم فأذابوه فجملوه فباعوه فأكلوا ثمنه) ووجه الدلالة أن الله حرم عليهم أكل الشحوم، والأكل بالفم، فلو أكلوا الشحوم لوقعوا في الحرام، فهم أذابوه فباعوه، فيعتبر هذا أكلاً، فالنبي ﷺ سماه أكلاً، كما قال النبي ﷺ : (يأتي زمان على أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها) وهذا نفس الأمر، فهو حرم عليهم أكل الشحوم فقالوا: ما أكلنا ولا استطعمناه ولا اشتممنا رائحته، لكن النبي ﷺ سماه أكلاً؛ لأنهم أكلوا ثمنه، فأبطل هذه الحيلة. نعود إلى قول الجمهور لنطبق هذا الحديث عليهم، ونقول لهم: أنتم تقولون بحل التورق، وهذه هي الحيلة هنا وهي الصرف بزيادة وذلك حرام؛ لأن هذا ربا الفضل، قال النبي ﷺ : (الذهب بالذهب ربا إلا يداً بيد مثلاً بمثل) فقال الجمهور: لو أخذنا الألف من زيد ورددناه عليه بألف وخمسمائة مثلاً فهذا يعتبر رباً وسيقوم الناس علينا، لكن لو أدخلنا حريراً وسمي بيعاً بدلاً من أن يسمى رباً، نقول: ولو سموه بيعاً فهو رباً، فهم احتالوا وقالوا: نشتري السلعة ما نريدها وإنما نريد الدراهم، فهو اشتراها بألف نسيئة فيعتبر كأنه دخل في الصرف دراهم بدراهم وليس ثمت مساواة. وهذا الذي قاله ابن عباس، ووافقه عمر بن العزيز وقال: التورق أصل الربا؛ لأن فيه الحيلة على الله جل في علاه، وهذا الذي جعل إبراهيم بن أدهم يقول: ويحكم كيف تتعاملون مع الله؟ تتعاملون مع الله كأنه طفل صغير تتحايلون عليه، والعملة الزائفة لا تروج على الله جل في علاه. إذاً: فالصحيح الراجح هو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وأن هذه كما قالها البحر الحبر ابن عباس: هذه دراهم بدراهم بينهما حريراً، فالراجح هو: حرمة التورق.

стр. 10

مسألة الطلاق في الحيض نأتي إلى مسألة: الطلاق في الحيض، فشيخ الإسلام ابن تيمية خالف فيها الجمهور، وقال: الطلاق في الحيض لا يقع ولا يعتد به، فمن طلق امرأته حائضاً فإن هذه التطليقة لا تحسب وامرأته كما هي في ذمته، واستدل على ذلك بأدلة منها: أولاً: رواية ابن عمر وهذه في السنن: (لما طلق ابن عمر امرأته وهي حائض ذهب عمر للنبي ﷺ فأخبره بما صنع ابنه عبد الله، فقال ﷺ : مره فليراجعها، فقال ابن عمر: لم يرها شيئاً) أي: أن النبي ﷺ لم ير هذه التطليقة شيئاً، يعني: لا تحسب، قالوا: فهذا دليل أثري، ومن الدليل الأثري أيضاً: قول النبي ﷺ في الصحيحين: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني: باطل، قالوا: القاعدة عند العلماء: مطلق النهي يقتضي الفساد أو البطلان، وقالوا: قد نهى النبي ﷺ عن الطلاق في الحيض والنهي واضح، فمن ارتكب هذا النهي وطلق طلاقاً منهياً عنه، فلا يقع ولا يصح؛ لقول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني: فهو باطل مردود. أما الجمهور فلهم الأدلة الأثرية والنظرية: أما الأدلة الأثرية: فالحديث الذي في الصحيحين عن ابن عمر ﵁ وأرضاه (لما طلق امرأته في الحيض وأخبر عمر النبي ﷺ بذلك فقال: مره فليراجعها)، قالوا: المراجعة لا تكون إلا بعد الطلاق. قالوا: والدليل الثاني أيضاً: قول نافع عن ابن عمر في نفس الحديث المتفق عليه أنه قال: (أمر النبي ﷺ عمر أن يأمر ابن عمر أن يراجع امرأته وقال: فحسبها عليّ تطليقة)، قال ابن عمر: (فحسبها) وهذا نص في النزاع. فحسبها يعني: رسول الله علي تطليقة. الدليل الثالث: قاعدة الراوي أعلم بما روى: فـ ابن عمر جاءه رجل فقال: (أرأيت يا ابن عمر! إن كانت امرأتي حائضاً فطلقتها؟ قال: أرأيت إن ركبت الحموقة؟ هي طالق) فأفتى ابن عمر بطلاق المرأة في الحيض. إذاً: فهذه الأدلة واضحة على: أن الطلاق في الحيض يقع. لكن شيخ الإسلام ابن تيمية انبرى وخالف الجمهور وقال: الطلاق في الحيض لا يقع، وأصل هذه المسألة نابعة من المجد الذي هو جد ابن تيمية فقد كان يفتي بهذه الفتوى سراً؛ لأنه يخشى أن تطير رقبته؛ لأن المذاهب الأربعة كانت على خلافه، فكان يخشى على نفسه إذا أفتى أن يقتلوه، فكان يفتي بها سراً، فشيخ الإسلام ابن تيمية أعلنها جراءة وراجعوه فيها كثيراً. فقال: والله إن هذا الذي أدين الله به. وأقول: الحق هنا ليس مع ابن تيمية وإنما الحق مع الجمهور؛ لأن الحديث متفق عليه عند البخاري ومسلم قال: (فحسبها علي تطليقة). وأما الرد على ما استدل به شيخ الإسلام ابن تيمية فهو من وجوه كثيرة منها: أولاً: قوله في الحديث (فلم يرها شيئاً) الصحيح أن هذه الرواية شاذة عند المحدثين، وإن صححها الشيخ أحمد شاكر لأنها خالفت ما في الصحيحين، فهذه اللفظة شاذة، والشاذ ضعيف، فلا حجة لهم فيها. والوجه الثاني: أن قوله: (لم يرها شيئاً) تحتمل أموراً كثيرة منها: أولاً: لم يرها من العدة شيئاً، يعني: العدة إما الأطهار وإما الحيض، والراجح الصحيح: أن العدة: الحيض؛ لأن النبي ﷺ بين ذلك وقال: (تترك الصلاة أيام أقرائها) يعني: أيام حيضها، فهي تترك الصلاة أيام الحيض، فهنا نرجح أن العدة هي أيام الحيض. فمعنى قوله: لم ير شيئاً من العدة يعني: هذا الدم الذي نزل لا يحسب من أيام العدة ولا يحسب من الحيضات الثلاث المطلوبة حتى تمر عدتها. الثاني: لم يرها من السنة شيئاً، وهذا صحيح فهي مخالفة للسنة؛ لأن النبي ﷺ أنكر على ابن عمر أنه طلق امرأته في الحيض فلم يرها من السنة شيئاً، وهذا راجح صحيح. فإذاً: الرد على هذه اللفظة إن لم تكن شاذة أنه لم يرها من السنة ولم يرها من العدة شيئاً. والقاعدة عند العلماء: ما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدال -الاحتمال المعتبر لا الاحتمال المتوهم-. أما الدليل الذي استدل به شيخ الإسلام على عدم وقوع الطلاق في زمن الحيض فهو: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا) نقول: قد طلق طلاقاً عليه أمرنا في زمن ليس عليه أمرنا، فطلاقه صحيح؛ لأنه طابق الشرع، وفي زمن لم يطابق فيه الشرع فأثم بذلك، فهذا الرد الأول. الأمر الثاني: أن النبي ﷺ لم يجعل الزمن ركناً ولا شرطاً لا في طلاق ولا في نكاح، ولذلك نحن نقول: المرأة الحائض يصح أن يعقد عليها، ويصح أن يدخل بها زوجها، لكن لا يجامعها في فرجها. فنقول: هذا الجماع أو الحيض ليس شرطاً ولا ركناً لا في العقد ولا في الطلاق فإذاً: لا تأثير له في الحكم على العقد. فهذا الرد على الدليل الثاني وبهذا تسلم أدلة الجمهور ويصح أن نقول: إن الحق مع الجمهور في هذه المسألة، وأن الطلاق في الحيض يقع ويأثم المطلق في الحيض.

стр. 11

مسألة شد الرحال لزيارة قبر النبي ﵊ مسألة الزيارة: هذه المسألة خالف فيها ابن تيمية جمهور أهل العلم وقال: وإن كان في الحج فشد الرحل من مكة قاصداً المدينة لزيارة قبر النبي ﷺ فهذه بدعة ضلالة. ولذلك وشوا به، وهم حرفوها وقالوا عنه: إنه يقول: تحرم زيارة قبر النبي ﷺ ، وهذا لا يصح، وإنما كان يقول: يحرم إنشاء سفر لقبر النبي ﷺ ، واستدلاله في هذه المسألة بالأحاديث المتفق عليها في البخاري ومسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد). وهناك حديث آخر نص في النزاع، وهو حجة لـ ابن تيمية، وهو: (أن بصرة الغفاري لقي أبا هريرة وهو عائد من الطور فقال: من أين أقبلت؟ قال: من الطور صليت فيه، قال: أما لو أدركتك قبل أن ترحل إليه ما رحلت)، -والراوي أعلم بما روى- سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) وجمهور الشافعية وهذه هي الطامة الكبرى وجمهور الحنابلة وجمهور الأحناف وجمهور المالكية يقولون: إنه يجوز للمرء أن ينشئ سفراً ليزور قبر النبي ﷺ ، ويستدلون بعمومات قول النبي ﷺ : (ألا فزوروها فإنها تذكر بالآخرة) فقالوا: هذه عمومات لا مخصص لها. فنقول: الصحيح الراجح هو: قول شيخ الإسلام ابن تيمية من أنه لا يجوز إنشاء سفر جديد من أجل زيارة القبر، وهذا الحديث الذي تقدم بين أيدينا حديث النبي ﷺ في باب شد الرحال، وفعل أبي هريرة مخصصان لعموم قول النبي ﷺ : (فزوروها) فنحن نقول: يزور المرء القبر إذا كان في نفس المكان، لكن كونك تشد الرحل لزيارة القبر فهذا هو الذي يحرم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 12

شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول - المقدمة إن الناظر في اختلاف الصحابة والأئمة في بعض المسائل يجد أن مصدر هذا الخلاف هو اختلاف الناظر نفسه في آية من كتاب الله أو حديث من سنة النبي ﷺ ، وقد كان السلف يردون كل الأقول التي تعارض حديث النبي ﷺ ، بل كان يشنع بعضهم على بعض في أخذه لأقوال الصحابة دون قول رسول الله، حتى وصل الحال في هذا إلى السب والهجر ونحو ذلك، فمن حق رسول الله علينا: الدفاع عنه، والذود عن سنته، والحفاظ عليها بكل استطاعتنا وجهدنا.

стр. 13

مكانة النبي ﷺ عند الله تعالى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: نستهل اليوم بإذن الله شرح هذا الكتاب العظيم الجليل: الصارم المسلول على شاتم الرسول لشيخ الإسلام ابن تيمية، ونشرح مختصر الكتاب لا أصله للعلامة الشيخ محمد بن مهدي بن محمد البعلي الحنبلي. وقبل أن نبدأ فهناك مقدمتان لابد لنا أن نقدمها بين يدي هذا الكتاب، أولاً: هناك أمر عظيم يخص أعظم البشرية وأكرم رسول، وهو أن رسول الله ﷺ سيد الناس، وأعظمهم مكانة عند الله جل في علاه، وكفى فخراً لهذه الأمة أن رسولها هو أعظم الرسل على الإطلاق. ففي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، والنبي ﷺ أقسم الله بعمره، ولم يقسم بعمر ولا بحياة أحد على الإطلاق إلا بحياة النبي ﷺ لعظم حياة النبي ﷺ ، ولعظم مكانة النبي ﷺ ، قال الله تعالى: ((لَعَمْرُكَ)) يا محمد! ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢]؛ إظهاراً لمكانة وعظم حياة النبي ﷺ ، ولمكانة النبي ﷺ في الدنيا فقد أمره الله على الأنبياء بأسرهم، فإنه حينما أسري به صلى إماماً بالرسل، وحين عرج به فرض عليه أفضل الفرائض ألا وهي: الصلاة، وقد أوحى إليه وحياً فيه أعظم ما يكون وهو كتاب الله، ويوم القيامة يبين الله جل وعلا ويظهر كرامته ومكانته فيجعل الناس تستشفع به يوم القيامة. إذاً: الناس سيذهبون إليه إظهاراً من الله جل في علاه لكرامة النبي ﷺ ، ولا يمكن أن يبلغها أحد إلا رسول الله ﷺ ، وذلك عندما يقول: أنا لها، أنا لها، ثم يأتي يسجد تحت العرش، فالله جل وعلا يوحي إليه بمحامد لم يكن يعلمها قبل ذلك، فيحمد الله بها ثم يقول له: (يا محمد! -بأبي هو وأمي- ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع)، إظهاراً لكرامة النبي ﷺ ، ولا غرو ولا عجب، فما من نبي أرسله الله لقومه فمنحه فضلاً أو شرفاً أو فضيلة يتفضل بها على قومه إلا ومنحها رسول الله ﷺ . فهذا موسى ﵇ أفضل ما فضل الله به موسى على البشر أجمعين أنه اصطفاه بكلامه وبرسالاته، كما قال آدم ﵇: (أنت موسى الذي خط الله لك التوراة بيده، واصطفاك بكلامه)، وقال الله تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، فهذه من أفضل الفضائل لموسى ﵇، وللنبي ﷺ حظ منها لمكانته عند الله جل في علاه، فإن الله كلم موسى بحجاب دون واسطة، وكلم محمداً ﷺ بحجاب دون واسطة أيضاً؛ لأنه لما عرج به تكلم مع الله دون واسطة ودون وحي، وفرض الله عليه خمسين صلاة، ثم تكلم مع موسى فقال موسى: أمتك لا تستطيع أن تصبر على ذلك، فرجع يعاود الكلام مع الله ويكلمه الله جل في علاه. ويوسف ﵇: من أفضل ما منح الجسد فكان من أجمل الناس، حتى إن النساء قطعن أيديهن عندما رأينه، والنبي ﷺ أوتي من الجمال مثل ما أوتي يوسف ﵇، فعندما رأى البراء النبي ﷺ قال: (نظرت إلى رسول الله -بأبي هو وأمي- ونظرت إلى القمر ليلة البدر، فلرسول الله ﷺ أجمل من القمر ليلة البدر). ولما منح الله جل في علاه إبراهيم أبو الأنبياء الخلة، وهو أعظم الرسل على الإطلاق دون النبي ﷺ -هذا عند أهل التحقيق- أيضاً منح الله جل في علاه نبينا ﷺ الخلة، فقد قال النبي ﷺ : (لو كنت متخذاً من البشر خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن صاحبكم خليل الرحمن)، وأما الحديث الذي رواه ابن عباس ﵁ وأرضاه: (الخلة لإبراهيم والرؤيا لمحمد)، فلا يصح عن ابن عباس، بل الخلة لإبراهيم ولمحمد ﷺ . أيضاً: منح عيسى ﵇ أنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله، وهذه حدثت لنبينا ﷺ كما حدثت مع عيسى ﵇. وإظهاراً لشرف النبي وعظم مكانة النبي ﷺ عند الله جل في علاه، فإن رسول الله ﷺ أخذ خشبة وهزها -هذه لموسى وعيسى- فتحولت سيفاً معجزة من الله جل في علاه لنبينا ﷺ فأخذها، أما موسى فلم يأخذ العصا حين تحولت إلى حية، فتحولت الخشبة سيفاً في يد النبي ﷺ ، وقال: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام الزبير فقال: أنا يا رسول الله ﷺ ، فسكته النبي ﷺ ولم يعطه إياه، ثم هز السيف مرة ثانية، وقال: من يأخذ هذا السيف بحقه، حتى قام أبو دجانة ﵁ وأرضاه، فأعطاه النبي ﷺ السيف)، وكان نظر النبي ﷺ دقيق جداً، فهو يعلم أنه سيأخذه بحقه. وأيضاً عيسى ﵇ كان يبرئ الأكمه والأبرص والأعمى، ورسول الله ﷺ في معركة سقطت عين صاحب من صحابة رسول الله ﷺ على خده، فأخذها النبي ﷺ فوضعها مكانها، فكان يرى بها أفضل من العين الأخرى، وأيضاً في قصة قتل سلام بن أبي الحقيق اليهودي لما كسرت ركبة عبد الله بن أنيس، أخذها النبي ﷺ ومسح عليها فبرئت، وهذه أيضاً لعيسى ﵇ وحباها الله لنبينا ﷺ ، فكل خصال الخير كانت لرسول الله لعظم مكانته عند ربه جل في علاه. فالأمة لها أن تفخر -ولا غرو لها- بأن رسول الله ﷺ هو سيد هذه البشرية، وأن رسول الله ﷺ هو رسول هذه الأمة، فله حق عظيم على هذه الأمة.

стр. 14

حق النبي ﷺ على أمته حق النبي ﷺ على هذه الأمة عظيم، لكن بدون إفراط فيه أو تفريط، ومن هذه الحقوق: أولاً: الاعتقاد الجازم والإيمان الراسخ بأنه مرسل من ربه جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، فـ: (رسله) عموم يدخل فيها رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦]، وقال: ﴿وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد:٢٨]، فهذا أمر من الله جل في علاه، أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن محمداً ﷺ رسول من الرسل الذين أوحى الله إليهم وحياً عظيماً جاء به إلى البشرية. ثانياً: من حق النبي ﷺ على هذه الأمة بعد الإيمان برسالة محمد ﷺ ، وأنه أوحي إليه من قبل ربه: أن رسالته عامة للثقلين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ:٢٨]، وقال الله تعالى على لسان النبي ﷺ : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (فضلت على الأنبياء بست -وذكر من هذه الست- وكان كل نبي يبعث في قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة)، بل لم يكتف بذلك، فلم يرسل النبي ﷺ إلى الناس فقط، بل أرسله إلى الجن أيضاً، فهو مرسل إلى الثقلين، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩]. وفي الحديث عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه أنه قال: (اختفى رسول الله ﷺ ذات ليلة عنهم، فبين له مكان نيران الجن وأخبره بأنه ذهب إلى الجن يتلو عليهم آيات الله جل في علاه)، فرسالته عامة، فهذا حق للنبي ﷺ ، وهذا الرد القوي على اليهود والنصارى الذين يقولون: هو نبي، لكن للأميين، فأنت لابد أن تعتقد اعتقاداً جازماً بأن الرسول أرسل إلى الجن وإلى الإنس. ثالثاً: من حق النبي ﷺ على هذه الأمة: تصديقه فيما أخبر ﷺ -بأبي هو وأمي- ولِم لا وهو الصادق المصدوق؟ فقد أخبر من قبل ربه جل في علاه، وجبريل لم يكذبه وهو لم يكذب، قال ابن مسعود: أوصاني الصادق المصدوق، فهو صادق في قوله، وهو مصدوق فيما يأتيه، قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، يعني: لا يتكلم من هوى نفسه، ولا من تلقاء نفسه، بل هو وحي من قبل الله جل في علاه. فوجب عليك تصديق كل خبر أسند إلى النبي ﷺ إسناداً صحيحاً، ومن تبعات ذلك أن تعمل به. إن النبي ﷺ كان إذا تكلم بكلمة وفي مجلسه عبد الله بن عمرو بن العاص كتب كل شيء يتكلم به النبي ﷺ فلامه أهل قريش وأكابر المهاجرين فقالوا: كيف تكتب كل كلمة عن النبي ﷺ وهو بشر يصيب ويخطئ ويغضب ويضحك ويفرح ويحزن؟ فذهب إلى رسول الله ﷺ يخبره بهذا الخبر، فقال له النبي ﷺ : (اكتب، والله ما يخرج من هنا إلا الحق، أو قال: إلا الصدق)، ما يخرج منه إلا الوحي من الله جل في علاه، حتى ولو قلنا: بأن له الاجتهاد فإن الله لا يقر رسوله ﷺ على خطأ أخطأه، وليس ببعيد عنا قول الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢]، ولما اجتهد في دعوة أكابر قريش وترك ابن أم مكتوم، فأنزل الله كلاماً يعاتبه على ذلك، ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:١ - ٣]، فله أن يجتهد لكنه لا يقرر على خطأ، فلذلك قال له: (اكتب، والله ما يخرج من هنا إلا الصدق، أو ما يخرج إلا الحق). ولذلك لما جاء هذا القميء البئيس وقال لرسول الله ﷺ : اعدل، فهذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فقال النبي ﷺ : (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟!)، كيف لا تأمنوني وقد استأمنني الله جل في علاه على الوحي وأنا أبلغ عن ربي جل في علاه. ولنعم ما فعل خزيمة بن ثابت عندما جاء أعرابي فباع للنبي ﷺ فرساً، ثم أعطوه فيه ثمناً أغلى من ذلك، فقال النبي ﷺ : (قد بعت لي؟ قال: لا ما بعت لك، عليّ بشاهدين -يعني: ائت بشهود يشهدون أنني قد بعت لك هذا الفرس- فقام خزيمة بن ثابت فقال: أنا أشهد أن رسول الله ﷺ قد اشترى منك)، فتعجب رسول الله ﷺ منه، فما كان هناك ثمة أحد يجلس بين رسول الله ﷺ وبين الأعرابي في البيع والشراء؟ فقال له: (يا خزيمة! كيف تشهد على شيء لم تره أو تشهده، فقال له: يا رسول الله! أصدقك في خبر السماء ألا أصدقك في خبر البيع والشراء، فقال له النبي ﷺ : شهادة خزيمة بشهادة رجلين)، وكانت منقبة عظيمة لـ خزيمة؛ لأنه أدرك أن رسول الله ﷺ لا ينطق عن الهوى بحال من الأحوال. رابعاً: من حق النبي ﷺ على هذه الأمة: تعظيم النبي ﷺ في وقتنا هذا، وتعظيم سنته وحملتها، إذا رأيت رجلاً يحمل سنة النبي ﷺ رأيت نوراً في وجهه لقوله: (نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها)، فيحترم ويعظم ويوقر يحترمه ويعظمه ويوقره توقيراً لرسول الله ﷺ . فمن حق رسول الله على هذه الأمة: تعظيم النبي وتوقيره والأدب الجم معه ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح:٩]، (تسبحوه) خاصة بالله جل في علاه، (تعزروه وتوقروه)، هذه تدل على نصرة النبي ﷺ ، وتعظيمه ومحبته، وأن تجعل محبة النبي ﷺ فوق محبتك لنفسك ولغيرك.

стр. 15

صور من حب النبي ﷺ قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما). وفي الصحيح أيضاً عن النبي ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ونفسه والناس أجمعين، فقام عمر فقال: يا رسول الله! أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي! قال: لا يا عمر -يعني: لم تستكمل الإيمان الواجب في قلبك حتى الآن- قال: الآن يا رسول الله! قال: الآن يا عمر -أي: استكملت الإيمان الواجب-). فقال النبي ﷺ : (لا يؤمن)، وهذا نفي قاطع: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ونفسه والناس أجمعين) وصور المحبة وتقديم النبي ﷺ على النفس صور عظيمة جداً، وقد ضرب أروع الأمثلة لذلك صحابة رسول الله ﷺ ، وهم بهذا يبينون لنا التطبيق العملي لقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة:١٢٠].

стр. 16

أبو بكر الصديق فهذا أبو بكر ﵁ وأرضاه -إن صحت القصة، وفي السير يتسامح في الأسانيد- عندما دخل الغار أخر رسول الله؛ لأنه يعلم أن رسول الله ﷺ هو الشمس التي تنير الدنيا؛ فدخل الغار أولاً فسد كل فوهة أو فتحة في الغار فلم يجد شيئاً غير ثيابه فسد بها، ثم وجد فتحة واحدة لا تسدها ثيابه فسدها برجله، فجاءت حية فقرصته قرصة كاد يموت منها، ودموعه تنزل على خد رسول الله ﷺ ، كل هذا حفاظاً على رسول الله ﷺ ، يقدم نفس رسول الله ﷺ على نفسه. وأروع من ذلك عندما رحل معه براحلته وهو يتقدم أمام رسول الله ثم يكون خلفه، ثم عن يمنيه ثم عن يساره ﷺ ، فمن رآه قال: هذا رجل مجنون! كيف يتقدم ثم يتأخر، ثم يأتي يساراً ثم يميناً؟ لِم يفعل ذلك؟!! وكأنه لن يجد جواباً لفعل أبي بكر إلا قولاً واحداً هو: نفس رسول الله تقدم على نفسي، فبه الإسلام وأنا ليس بي شيء، فيقدم نفس رسول الله ﷺ على نفسه.

стр. 17

طلحة بن عبيد الله وهذا طلحة ﵁ وأرضاه طلحة الخير، ففي غزوة أحد عندما تخلف الرماة عن أمر رسول الله ﷺ ، وكاد المشركون أن يظفروا برسول الله، وأن يقتلوه قام النبي ﷺ وقال: (من يصد القوم عنا وهو رفيقي في الجنة)، فقام طلحة الخير، فقال: لا، فأجلسه رسول الله ﷺ ، ثم قام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله! فقاتل حتى قتل، وهو ينافح عن رسول الله، ويقدم نفس رسول الله على نفسه. فهذه هي المحبة الصادقة، وهذا هو التعظيم والتوقير الصادق. ثم بعد ذلك يقول النبي ﷺ : (من يصد القوم ويكون رفيقي في الجنة)، فيقوم طلحة والنبي ﷺ يقول له: (اجلس، ليس الآن) حتى مات الأنصار عن بكرة أبيهم، فقال النبي ﷺ : (ما أنصفنا إخواننا)، وفي رواية أخرى: (ثم قام طلحة ينافح عن رسول الله ﷺ ويحميه ﷺ ويحتضنه، ويقول: لا ترفع رأسك يا رسول الله لئلا يأتيك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك يا رسول الله! ثم قاتل حتى كسر سيفه فألقاه، وأخذ ينافح عن رسول الله، ويدفع عن رسول الله السيوف التي تنهال عليه حتى شلت يده، فقال لـ أبي بكر وعمر عندما أتيا: (دونكم صاحبكم فقد أوجب) أي: أوجب الجنة بما فعل، لما قدم نفس رسول الله على نفسه.

стр. 18

سعد بن أبي وقاص ولما قال النبي ﷺ : (من يحمي رسول الله؟! قام سعد مدججاً بسلاحه، وقال: أنا يا رسول الله! حتى أنزل الله جل في علاه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧])، فهو حق عظيم لرسول الله ﷺ على هذه الأمة، فإن لم نجد جسد النبي ﷺ بينناً فسنة النبي ﷺ تعظم وتوقر وتفدى بالأنفس، كما أن النبي ﷺ لو كان حياً بين أظهرنا لوجب علينا أن نفديه بأنفسنا فكذلك سنته لها نفس المكانة، وحملة سنة النبي ﷺ لهم مكانة، فهم ورثة رسول الله ﷺ .

стр. 19

الأدب مع رسول الله ومن أروع الأمثلة في الأدب تلك التي ضربها الصحابة أدباً مع رسول الله، حتى تتأدب أنت مع رسول الله، وإذا قيل لك: قال رسول الله! فما عليك إلا أن تطأطئ رأسك متأدباً مع سنة النبي ﷺ ، ولا تعارض بعقلك بحال من الأحوال، بل تقول: سمعت وأطعت، وتتبنى قول الشافعي: آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله ﷺ . وقد ضرب لنا الصحابة أروع الأمثلة في الأدب مع رسول الله، فقبل غزوة الحديبية عندما ذهب النبي ﷺ ، قبل أن يأتي عروة بن مسعود الثقفي، لما بعث النبي ﷺ عثمان ليحاور القوم أشيع بينهم أنه قد قتل، فقام النبي ﷺ تحت الشجرة فبايع على الموت، فأخذ يبايع على الموت والتف الصحابة حول رسول الله ﷺ ، فقام معقل بن يسار -انظروا إلى الأدب- وأخذ غصن الشجرة فجعلها فوق النبي ﷺ ليستظل به رسول الله ﷺ ، ولا يكل ولا يمل أدباً مع رسول الله. وهذا الذي فعله أبو بكر حتى يعلم الناس أن هذا هو رسول الله، وأن هذا هو صاحب رسول الله ﷺ ، فكانوا يتأدبون مع رسول الله أعظم الأدب، فعندما كان في صلح الحديبية قام عروة ينظر في الناس، وينظر في رسول الله، فيجلس رسول الله ﷺ ويأخذ عروة بلحية النبي ﷺ فيلعب بها، وهو يريد أن يترفق ويتلطف مع رسول الله، لعله يستجيب لقوله، ويقول: يا محمد! أرأيت أحداً قبلك عصف بقومه، أرأيت أحداً قتل أباه، أو قتل أخاه، أو قتل ابنه مثلما تفعل أنت، أرأيت إن كانت الأخرى، والله إني ما أرى حولك إلا أوباشاً من الناس يفرون عنك عند اللقاء، فقام المغيرة -وكان ابن أخته- فأخذ غمد السيف، وضرب بها على يديه أدباً مع رسول الله، وهو يقول له: انزع يدك عن لحية رسول الله ﷺ ، وأبو بكر لما سمع عروة وهو يقول: (أوباشاً من الناس) يعني: أخلاطاً سيفرون عنك، قال الكلمة الفظيعة التي لم ترد على لسان أبي بكر بحال من الأحوال إلا في هذا المحل أدباً وتعظيماً لمكانة رسول الله ﷺ من الصحابة، قال: نحن نفر عن رسول الله! امصص بظر اللات! وأقر النبي ﷺ ذلك، قال تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨]، وهذه مظلمة عظيمة جداً لأصحاب رسول الله، قال: نحن نفر عن رسول الله! امصص بظر اللات! فـ عروة يقول من القائل بهذا القول؟! قالوا: أبو بكر، فقال: لولا يد لك عندي -يعني: نعمة وكرامة لك عندي- لأجبتك. فالشاهد: قال عروة بعدما رجع إلى قريش، قال: أذعنوا لهذا الرجل، والله إني قد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي وما رأيت أحداً يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله -هنا الشاهد- ما تنخم نخامة فوقعت في يد أحدهم إلا دلك بها جسده ووجهه، ووالله ما توضأ إلا ورأيتهم يتقاتلون على وضوئه؛ تعظيما وأدباً وتوقيراً لرسول الله ﷺ وجنابه، ووالله ما رأيته يأمر بالأمر إلا وهم يبتدرون لا يتقاعسون. يبتدرون لامتثال أمر رسول الله ﷺ توقيراً وتعظيماً وأدباً لمكانة النبي ﷺ ، وهذا عظم حق رسول الله ﷺ على هذه الأمة. فكل واحد منا يسأل نفسه، من عظم رسول الله حق تعظيمه؟ هل تأدب مع رسول الله حق الأدب؟ هل وقر رسول الله حق توقيره؟ والتوقير كما قلت في زماننا يكون مع سنة النبي ﷺ . فما نرى الآن إلا أوباشاً من الناس يقدمون قول الفقيه وقول الشيخ على قول رسول الله ﷺ ، يربطون الناس بالأشياخ الأحياء ولا يربطونهم بالشريعة الغراء التي تحيا إلى أبد الدهر، حتى يأذن الله جل وعلا بخراب الدنيا. هل وقرنا سنة النبي ﷺ ؟ هل قدمنا قول النبي ﷺ على قول أي أحد؟ هل عملنا بما قاله ابن القيم وما أروع ما قاله: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه فإذا قلت لأي إنسان منهم: قال رسول الله! يقول لك قال الشيخ الفلاني كذا! وكأنه يعظم الشيخ ولا يعظم سنة النبي ﷺ ، ويوقر الشيخ ولا يوقر شريعة النبي ﷺ ، فما هذا التيه والتخبط الذي عشناه؟ ما هذا إلا سوء أدب مع سنة النبي ﷺ .

стр. 20

وجوب التحاكم إلى رسول الله في حياته وإلى سنته بعد وفاته ومن حق النبي ﷺ على هذه الأمة: اتباع النبي ﷺ وتعظيم السنة والتمسك بها، والعمل بها، والتحاكم إلى رسول الله ﷺ ، واعلم أنك كلما تنازعت في شيء فلا يحل لك هذا الشيء إلا رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، ولم يجعل طاعة أولي الأمر مستقلة بل تابعة لطاعة رسول الله وطاعة رب رسول الله ﷺ . قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٢]، وانظر ودقق النظر وتدبر في كتاب الله جل في علاه، قال: (لعلكم ترحمون) قال ابن عباس: (لعل) في القرآن قاطعة، يعني: لا بد أن تتحقق، فهي ليست للرجاء، بل هي متحققة، والله جل وعلا يبين لكم أن تحقق الرحمات يكون باتباع رسول الله، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) [آل عمران:١٣٢] يعني: إذا أطعتم الرسول ﷺ سترحمون. وأيضاً قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، يعني: ستبطلون أعمالكم إن لم تتبعوا رسول الله ﷺ ، فأناط التسديد والتوفيق والرحمات بطاعة رسول الله ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] يعني: بعدم اتباع النبي ﷺ ، وبمخالفة رسول الله ﷺ . وقال الله تعالى مبيناً أن طاعة الرسول هي طاعة الله ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]. وأيضاً يقول الله جل في علاه مبيناً عظم مكانة اتباع النبي ﷺ من هذا الدين، وقد زعم قوم أنهم أحبوا الله فاختبرهم الله بآية المحنة، كما قال الحسن: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١]. فعلامة محبة الله جل في علاه: اتباع السنة، فإذا رأيت الرجل يذكرك بربك، ويزعم أنه يعمل لله، ولم يتبع النبي ﷺ ، فاعلم أنه كاذب -ليس مطلقاً- في بعض أقواله، كيف والله جل في علاه قد أناط علامة المحبة باتباع رسول الله؟ (قل إن كنتم) شرطية قاطعة ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، وهذه بالمفهوم: إن لم تتبع رسول الله ﷺ فلست محباً لله جل في علاه، وهذه الآية قاطعة للظهور، قاصمة لكل رجل يدعي محبة الله أو يدعي التدين وهو لا يتبع رسول الله، بل يعانده صلى الله ﷺ ويحادده ﷺ ، وكثير من أهل التصوف الآن يزعمون محبة آل البيت، ويتغنون بمحبة رسول الله ﷺ ، وهم يخالفون النبي ﷺ في أصل الأصول وهو أهم ما يكون في هذه الدنيا وفي هذه الشريعة ألا وهو صحة العقيدة في الله جل في علاه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]. بل أناط الله جل في علاه الإيمان بالتحاكم لرسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فنفى الإيمان، فلا يمكن أن يكون مؤمناً من لم يعمل بهذه الآية ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فإذا قيل لك: قال رسول الله في المسألة فاضرب قول أي أحد عرض الحائط، وخذ بقول النبي ﷺ : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]. قال تعالى: ((فَلا وَرَبِّكَ))، وهذه الآية من أقوى ما يكون، وهي زاجر ورادع شديد لكل من لا يتحاكم إلى رسول الله ﷺ أو يتحاكم إلى كتاب الله جل في علاه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، هذه الآية من أقوى الآيات في الحث على الاتباع والتحاكم لله ولرسوله، وفيها أمور ثلاثة: قال الله تعالى: ((فَلا وَرَبِّكَ))، وهو قسم فيه مؤكدات ثلاثة ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ)) حتى: جعلها للغاية، فالتحكيم ليس فقط هو الذي يدل على الإيمان، بل لابد من أمور أخرى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. السؤال لقد أقسم الله بربوبيته على نفي الإيمان عمن لم يتحاكم إلى شرعه فهل لا يؤمن حتى يحكم الشرع لله أم لا يؤمن حتى تتوفر أمور أخرى؟ الجواب هناك قاعدة قعدها شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الحكم إذا أنيط بعلل أو بشروط لا يكون متحققاً إلا بتوفر الشروط، ولو غاب شرط واحد لا يتحقق الحكم، إذاً: قول الله تعالى: (لا يؤمنون) نفى الإيمان، ((حَتَّى يُحَكِّمُوكَ)) هذا أول شرط حتى يكون الإيمان متواجداً في القلب: (يحكموك) فلا بد أن تتحاكم لله ولرسوله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] يعني: إلى كتابه وإذا قال (إلى الله) يتضمن ذلك إلى الرسول لأنه مبلغ عن الله، وإذا قلنا: (إلى الله) يعني: إلى كتاب الله، وكتاب الله قد أمرنا باتباع النبي ﷺ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. قال: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]، صغير أو كبير، دقيق أو جليل، وحتى في البيوت نحن نقول للمرأة مع زوجها: إن أردت الخير فاجعلي الشرع حاكماً بينك وبين زوجك، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]. فلنعم البيت الذي يقام على الشرع! ولنعم البيت الذي يتحاكم فيه الزوج مع الزوجة بشرع الله جل في علاه، ولنعم التربية إن كانت على سنة النبي ﷺ ، وإن كان الخلل موجوداً، لكن رأس الأمر عند الرجل والمرأة والأولاد والأصدقاء والإخوان هو: أن مردنا إلى الله ورسوله فهو أهم شيء، أما الآن فالمرد إلى الأهواء أو الخبراء، والصحيح: أن المرد لابد أن يكون لله وللرسول. قال تعالى: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]. هذا الشرط الثاني. قال: (ثم لا يجدوا في أنفسهم) فلو وجد امرؤ وهو يتحاكم لله ولرسوله الحرج، نقول له: الإيمان قد انتفى من صدرك. فالشرط الثالث هو: التسليم العام، فلابد بعد أن تحركم بشرع الله ألا لا تجد في صدرك حرجاً، وأن تسلم تسليماً كاملاً. وما أروع هذا المثل وإن كان الحديث ضعيف لكن نستأنس به: فقد اختصم رجل يهودي مع منافق، فقال له اليهودي: تعال معي يفصل بيننا رسول الله، فذهبا إلى رسول الله، فحكم لليهودي؛ لأن الحق كان مع اليهودي، فلم يرضَ المنافق بحكم رسول الله ﷺ ، وقال: لا أرضى! قال اليهودي: ما ترتضي بحكم رسول الله؟ قال المنافق: لا، إلا أن أذهب إلى أبي بكر، فذهبا إلى أبي بكر فحكم فوافق حكمه حكم النبي ﷺ ، فحكم لليهودي فقال: والله لا أرضى، قال: ولا ترضى بـ أبي بكر؟ قال: ولا أرضى إلا أن نذهب إلى عمر بن الخطاب، فذهبا إلى عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه فقصا عليه القصة، فقال: عمر أو ترضى بحكمي؟ قال: أرضى بحكمك؟ فدخل فاستل سيفه ففصل عنقه من جسده قال: هذا حكم الله! قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، ولو صح هذا الحديث لقلت: قد اجتهد عمر، وعلم أن من لم يرضَ بحكم رسول الله فهو كافر، لكن لابد أن تقام الحجة وترفع الشبهة، ويبدو أن عمر كان يرى أن هذا الأمر معلوم من الدين بالضرورة، قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء:٦٥].

стр. 21

صور من تحاكم الصحابة لرسول الله وما أروع تمسك صحابة رسول الله بسنة النبي ﷺ ، وتقديم قول رسول الله على كل شيء، وتقديم فعل رسول الله وإقراره على كل رأي وهوى! إن الله أوحى إلى نبيه أن يبلغ الأمة بأسرها أن تعض على سنته بالنواجذ، فقال كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟! -أي اندهشوا من هذا الذي يأبى أن يدخل الجنة- قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى). وقال ﷺ : (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله)، بل ارتقى إلى قول أكثر من ذلك، قال: (من أطاع أميري فقد أطاعني)، ومن أطاع رسول الله فقد أطاع الله جل في علاه، (ومن عصى أميري فقد عصاني)، ومن عصى رسول الله فقد عصى الله جل في علاه. فهو يؤسس أصلاً لا بد من العمل به. وأيضاً صح عنه ﷺ في مسند أحمد ورواية في سنن أبي داود: قوله (لا ألفين أحدكم على أريكته شبعان، يأتيه الأمر من أمري فيقول: ننظر في كتاب الله!)، فلا يحق له أن يفعل ذلك، فما علمنا كيفية الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر إلا من سنة النبي ﷺ ، وفي رواية الحاكم قال: (لا ألفين أحدكم شبعان على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: ننظر في كتاب الله، فما وجدناه حلالاً أحللناه، فقال النبي ﷺ : ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله، وما أحل رسول الله كما أحل الله). وفي المسند من حديث العرباض بن سارية قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال النبي ﷺ : إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)، وفي رواية للنسائي قال: (وكل بدعة في النار). لذلك وعى الصحابة الدرس عن رسول الله، وتمسكوا بسنة النبي ﷺ فقادوا وسادوا، وكانت لهم الريادة المطلقة؛ لأنهم حكَّموا رسول الله، وقول رسول الله، وسنة رسول الله ﷺ في كل دقيق وجليل، في كل صغير وكبير.

стр. 22

أبو بكر الصديق هذا أبو بكر ﵁ وأرضاه عندما أراد أن يقاتل مانعي الزكاة عقد مجلس الشورى، فقام عمر بن الخطاب، والذي لا بد أن يناصره قام مخالفاً له، وأعلن المخالفة الصريحة لـ أبي بكر، فقال: كيف تقاتل قوماً قالوا: لا إله إلا الله، ورسول الله ﷺ يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله -وقد قالوها-)؟ وهنا أبو بكر ﵁ وأرضاه يعلن السنة النبوية، قال: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فقد سوى الله بينهما، ولذلك أيد قول أبي بكر أبو هريرة ﵁ برواية عن النبي ﷺ ، فقد قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإن فعلوا ذلك -من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة- عصموا مني دماءهم وأموالهم)، ومفهوم المخالفة: أنهم إن لم يفعلوا كل ما ذكر فإنهم لن يكونوا معصومي الدم ولا المال؛ ولذلك قاتلهم أبو بكر، وقال عمر بن الخطاب: (والله لقد وجدت أن الله جل في علاه شرح صدر أبي بكر للقتال فوافقت على ذلك). أيضاً: فرسول الله ﷺ جيَّش الجيوش وجعل عليها أسامة ليرد على الروم، بل وجعل أسامة -انتصاراً لأبيه زيد ﵁ وأرضاه- أميراً على هذا الجيش وهو لم يبلغ العشرين من عمره، فقام عمر بن الخطاب وقام المهاجرون والأنصار يقولون لـ عمر: كيف يؤمر هذا الصبي على هذا الجيش العرمرم، فقال عمر نكلم أبا بكر ألا ينفذ جيش أسامة، فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قد رفع لواء الجيش، فوالله! لو جرت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين لأنفذت جيش أسامة؛ وهذا لأنه يرى الخير كل الخير فيما رفعه رسول الله ﷺ ، ويرى الخير كل الخير في العض بالنواجذ على سنة النبي ﷺ . وجاءت الجدة تسأل أبا بكر ﵁ وأرضاه عن ميراثها، فقال: (لا أعرف لك في كتاب الله شيئاً، ولا أعرف في سنة النبي ﷺ شيئاً، لكن أسأل أصحاب رسول الله، فإن كان قد أعطاك رسول الله ﷺ شيئاً أعطيناك إياه). وهذا قمه الاتباع والتحري لسنة النبي ﷺ ، فقد جهل هذه السنة، لكنه أراد أن يتعلمها من أصحاب رسول الله ﷺ ، فعقد مجلس الشورى، فشهد المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أن رسول الله أعطى الجدة السدس، فأعطاها أبو بكر السدس، تحرياً لسنة النبي ﷺ .

стр. 23

عمر بن الخطاب وعمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، فقد كان يتحرى دائماً سنة النبي ﷺ ولا يحكم إلا بها، أرأيت في مرض موته عندما قالوا له: (استخلف! قال: إن استخلفت فقد استخلف من هو أفضل مني يريد أبا بكر، وإن لم أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني يريد رسول الله ﷺ . فكانت سنة النبي أوفق له من سنة أبي بكر، مع أن سنة أبي بكر سنة متبعة، لكن سنة النبي ﷺ كانت أريح لقلب عمر بن الخطاب فقال: هو في هؤلاء الستة ولم يستخلف صراحة. وأيضاً عمر بن الخطاب لما سئل عن الجنين في بطن أمه يقتل خطأ فما فيه من دية؟ فما كان عمر يعلم، فعقد مجلس الشورى حتى قالوا له: إن رسول الله حكم في الجنين بغرة، فأخذ به وحكم بسنة النبي ﷺ . فهؤلاء قوم تحروا سنة النبي ﷺ ، فلا يسيرون يميناً ولا يساراً، ولا يتقدمون ولا يتأخرون إلا بسنة، عملاً بقول الثوري، ولنعم ما قال الثوري ولنكتب في صدورنا هذا القول بماء الذهب: لا تحك رأسك إلا بأثر.

стр. 24

عثمان ﵁ وهذا عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، عندما عز عليه معرفة سنة النبي ﷺ في المرأة التي مات عنها زوجها أين تعتد؟ قال: أتحرى، ولا أتحرى إلا سنة النبي ﷺ ، ولا أتكلم برأيي في هذه المسألة، فكانت السنة في المسألة حديث فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري: أنه مات عنها زوجها، فأمرها -هنا وجه الشاهد- رسول الله أن تعتد في بيتها، فأبلغ محمد بن مسلمة عثمان بن عفان، فقال: أحكم بسنة النبي ﷺ . فلا غرو ولا عجب، فإن هؤلاء القوم يعلمون أن النجاة في سنة النبي ﷺ ، كما قال السيوطي: علمنا أن النجاة في التمسك بسنة النبي ﷺ . إذاً: فالهلاك كل الهلاك في التمسك بأقوال الفقهاء والضرب بسنة النبي ﷺ عرض الحائط.

стр. 25

علي بن أبي طالب يتبع السنة ويخالف عثمان وهذا علي بن أبي طالب يخالف عثمان من أجل سنة النبي ﷺ ، وقد كان عثمان يتم الصلاة في منى، وكان عثمان في المدينة، فعليه إذا سافر إلى الحج أن يقصر الصلاة، وكان النبي ﷺ يقصر في منى، فيصلي الظهر في وقته والعصر في وقته قصراً دون الجمع، فتأول عثمان بأن له بيتاً في مكة فكأنه من المقيمين، فقال: أتم، فقام ابن مسعود يصلي خلفه، وقال: الخلاف شر كله، ثم قال: وسنة النبي أن يقصر، وأعلنها أمام الناس. أما موقف علي بن أبي طالب فهو عندما قال عثمان: لا متعة في الحج، يعني: لا تعتمر ثم تحل ثم تحرم بعد ذلك بالحج، فقال علي بن أبي طالب أمام البشر أجمعين، وهذه الحالة لها تأويل؛ لأن المفروض أن تنصح ولاة الأمور إذا أردت أن تنصحهم سراً أو بالكتابة لا علناً، لكن علياً بن أبي طالب له الوجاهة أمام الناس، وهو يعظم سنة النبي ﷺ والناس يعظمونها كما يعظمون عثمان بن عفان، فقام في منى أمام الناس جميعاً، وقال: لا والله لا أترك سنة رسول الله لقول أحد كائناً من كان، ولو كان أمير المؤمنين، ولو كان عثمان ذا النورين. فقال: لبيك اللهم بعمرة متمتعاً بها إلى الحج، عملاً بسنة النبي ﷺ . وقد سب علي بن أبي طالب ابن عباس، وأغلظ له في القول، فإن ابن عباس كان يقول بالمتعة للمضطر، ويفتي بها للمضطرين، فقام علي بن أبي طالب فقال لـ ابن عباس: إنك رجل تائه، أمام البشر، يقول ذلك في ابن عباس حبر الأمة، وبحر العلوم والتفسير، لكن علياً بن أبي طالب جعل الفاصل بينه وبين ابن عباس ليست الخلافة، ولا لأنه أمير المؤمنين، لكنه يلقمه الحجر بسنة النبي ﷺ . قال علي بن أبي طالب: يا ابن عباس! إنك رجل تائه، إن رسول الله قد حرم زواج المتعة. وهذا الذي فعله عبد الله بن الزبير أمام الملأ لما كان أميراً على مكة في خلافته لما بويع، فقد قال: وانظروا إلى الشدة من أجل الحفاظ على السنة، لتعلموا عظم حق سنة النبي ﷺ عليكم، قام خطيباً في الناس، فقال: ما لي أرى أقواماً قد أعمى الله بصيرتهم كما أعمى أبصارهم، وكان ابن عباس قد عمي في آخر حياته، فقال له ابن عباس: ما لي أراك جلفاً أعرابياً غليظاً، فقال له ابن الزبير: افعلها إن شئت وسترى كيف أرجمك أمام الناس؛ لأن النبي ﷺ قد حرم المتعة، فكيف تفتي أنت فتوى خلاف سنة النبي ﷺ ؟ انظروا كيف تكون الشدة والغلظة من أجل الحفاظ على سنة النبي ﷺ . وهذا الذي اعتبر به الذهبي وكثير من المحققين في شدة مسلم على البخاري في مسألة المعاصرة؛ لأن مسألة المعاصرة ومسألة اللقيا حصل بينهما تفريق عند بعض العلماء، فاشتد مسلم جداً في مقدمة صحيحه على البخاري وعلى علي بن المديني لِم يقولون باللقيا ويتركون المعاصرة؟ فالعلماء قالوا: اشتد مسلم على البخاري مع أن البخاري شيخه بل هو أجل شيوخه. قال الذهبي: وكان في مسلم حدة، فاحتد على البخاري، حتى إنه لم يروِ له رواية واحدة في صحيحه. قالوا: ويعتذر لـ مسلم أنه أراد الحفاظ على سنة رسول الله ﷺ ، ولو كان البخاري جبل الحفظ، وأمير المؤمنين في الحديث، وله المنة عليه بأن علمه علل الحديث، مع ذلك حفاظاً على السنة يقول صراحة كما قال ابن القيم: شيخ الإسلام حبيب إلينا والحق أحب إلينا منه.

стр. 26

ابن عمر يسب ولده لمخالفته الحديث وانظروا إلى ابن عمر ﵁ وأرضاه، وما أروع ما قاله وفعله ابن عمر عندما سرد حديث النبي ﷺ : (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، فقام ابنه فقال له: والله لمنعهن، إذاً يتخذنه دغلاً، فقال له حفاظاً على السنة: لعنة الله عليك. هذه كلمة ليست بالهينة، هذه الكلمة معناها: أنه يدعو عليه أن يطرد من رحمة الله جل في علاه، وانظروا إلى الحفاظ على سنة النبي ﷺ ماذا فعل بأصحاب رسول الله؟ هذه الشدة لفلذة كبده، يقول لابنه: لعنة الله عليك. وفي بعض الروايات: أن ابن عمر لم يكلم ابنه هذا إلى أن مات، حفاظاً على سنة النبي ﷺ ، قال ابن عمر: لعنة الله عليك، أقول لك: قال رسول الله، وتقول: نمنعهن.

стр. 27

عبد الله بن مغفل يهجر ابن عمه لمخالفته الحديث وهذا أيضاً عبد الله بن المغفل المزني ﵁ وأرضاه، فقد كان يروي حديث النبي ﷺ : (نهى النبي ﷺ عن الخذف، فقال: إنه لا يصيد صيداً ولا ينكأ عدواً، وإنما يكسر السن، ويفقأ العين)، فلما قال ذلك لابن عمه وجده في اليوم التالي يفعل ما كان يفعله، قال: أقول لك نهى رسول الله ﷺ عن الحذف وتحذف، والله الذي لا إله إلا هو لا ساكنتك مرة أخرى، أو قال: لا كلمتك حياتي، حفاظاً على سنة النبي ﷺ . وهذا أبو هريرة ﵁ وأرضاه، فقد كان يروي حديث النبي ﷺ : (أنه كان يتوضأ مما مست منه النار)، فقام ابن عباس فزعاً فقال: أنتوضأ من الحميم. الآن: لو جاء الماء الساخن على جسدي أو شربت ماءاً ساخناً أتوضأ منه؟ أنتوضأ من الحميم؟ قال أبو هريرة: وهو أروى الناس عن رسول الله ﷺ ، والذي حفظ حديث النبي ﷺ ، ويعلم أن النجاة في سنة النبي، قال: يا ابن أخي! إذا رويت لك حديثاً عن النبي فلا تضرب له الأمثال. ولا تدخل عقلك بحال من الأحوال، بل قل: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله.

стр. 28

ابن عباس يغلظ على من يأخذ بقول أبي بكر وعمر في متعة الحج ويدع قول الرسول وهذا ابن عباس نفسه ﵁ وأرضاه كان يقول بوجوب متعة الحج، والصحيح الراجح: أنها سنة وليست بواجب، لكنه كان يقول بوجوب المتعة ويقول: هي سنة نبيكم، فقام رجل فقال: أبو بكر لا يقول بذلك، وعمر لا يقول بذلك، فاشتد غضب ابن عباس وقال: أوشكت السماء أن تمطر عليكم حجارة، أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون قال أبو بكر وعمر! إن سنة رسول الله ﷺ تقدم على قول أي أحد، وابن عمر حدث له نفس الأمر في مسألة المتعة، فقد راجعوه بعدما قال بها، وقالوا: إن عمر يخالفك ويقول بعدم المتعة، فقال: أمرنا باتباع النبي وما أمرنا باتباع عمر، يعني: عند المخالفة.

стр. 29

سالم يخالف أباه ويتبع السنة وهذا سالم بن عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين قال: بأن من السنة أن يتطيب المرء قبل أن يحرم، وأن يتطيب بعد الإحلال، فقالوا له: إن ابن عمر ينهى عن التطيب عند الإحرام، ويقول: ليتني تطيبت بالزفت والقار خير لي من أن أتطيب وأصبح محرماً ينضح مني ريح الطيب، فقال سالم بن عبد الله معلنها صراحة: أمرنا باتباع رسول الله، وما أمرنا باتباع ابن عمر ﵁ وأضاه، يعني: عند المخالفة، وكل ذلك حفاظاً على سنة النبي ﷺ .

стр. 30

ابن مسعود يشتد على أبي موسى لمخالفته السنة وابن مسعود كان يشتد على أبي موسى الأشعري عندما خالف حكمه حكم رسول الله ﷺ لما سألوه في المرأة التي ماتت عن بنت وبنت ابن وأخت، فقالوا: ورث يا أبا موسى؟! فقال: البنت لها النصف والأخت لها الباقي تعصيباً. فقالوا لـ ابن مسعود: يا أبا عبد الرحمن قد أفتى أبو موسى بكذا، قال أقول بقوله؟ قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين. انظروا إلى شدة الإنكار على أبي موسى، قال ابن مسعود: بل أحكم فيها بما حكم رسول الله ﷺ : للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، والباقي للأخت تعصيباً. ولذلك لما تعامل الصحابة مع سنة النبي ﷺ بهذا التعامل العظيم، وحافظوا على سنة النبي ﷺ اقتدى بهم من جاء وراءهم، فاقتدى بهم التابعون وفعلوا ذلك.

стр. 31

أربعة مواقف لبعض العلماء في المحافظة على السنة وأسرد لكم أربعة مواقف لعلمائنا تبين كيف حافظوا على السنة، وكيف أسسوا هذا الأساس، وهذا الأصل الأصيل لهذه الأمة؛ لأن فلاحها ونجاحها وقيادتها وريادتها وسيادتها لن تكون إلا بالعض بالنواجذ على سنة النبي ﷺ .

стр. 32

موقف مالك ﵀ فهذا الإمام مالك جاءه رجل وقال يا إمام! كم حج النبي ﷺ ؟ قال: حجة واحدة هي حجة الوداع وأحرم من ذي الحليفة. فقال رجل: أأحرم من بيتي أم من قبل ذي الحليفة؟ قال: لا تفعل. قال: لم لا أفعل؟ قال: ترى نفسك فعلت أمراً قصر عنه رسول الله ﷺ ؟ أخشى عليك الفتنة. قال: وما الفتنة؟ قال: قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، فلذلك نهاه أن يفعل فعلة يرى فيها أنه قد تقدم بين يدي رسول الله ﷺ .

стр. 33

موقف أحمد بن حنبل ﵀ وهذا أحمد بن حنبل قال: لا تأخذ عني ولا عن مالك ولا عن الشافعي، وخذ من حيث أخذوا، يعني: خذ الإسناد، خذ حديث النبي ﷺ .

стр. 34

موقف أبي حنيفة ﵀ وهذا أبو حنيفة يقول: لو خالف قولي قول رسول الله ﷺ ، فخذوا قول رسول الله، واضربوا بقولي عرض الحائط. ولذلك قال ابن عبد البر في مسألة الصرف التي خالف فيها ابن عباس وقال بجواز ربا الفضل، قال ابن عبد البر: لا حجة لـ ابن عباس، بل لا حجة لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ مع قول رسول الله ﷺ ؛ فقول رسول الله يقدم على قول كل أحد.

стр. 35

موقف الشافعي ﵀ ولذلك الشافعي ﵁ وأرضاه ناصر السنة دخل عليه إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل، وكان إسحاق بن راهويه قد قال لـ أحمد: نترك ابن عيينة يقول: حدثني فلان عن فلان، ونجلس إلى هذا الحدث، فقال أحمد بن حنبل: لو فاتك العلم من عند هذا الرجل لن تجده عند غيره، فلما جلسا في مجلس الشافعي تكلم الشافعي في مسألة ديار مكة، هل تسكن؟ هل تباع؟ هل تشترى؟ هل تمتلك؟ -وهذا خلاف فقهي عريض- قال الشافعي: تمتلك ديار مكة، واستدل بحديث النبي ﷺ عندما دخل مكة فاتحاً، فقيل له: (أتدخل في ديار عبد المطلب أو قيل: في ديار أبي طالب؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من دار). قول النبي ﷺ (وهل ترك لنا عقيل من دار)؛ لأن عقيلاً كان كافراً آنذاك وورث أباه أبا طالب، وأخذ وامتلك هذه الدور ثم باعها، ولذلك قال النبي ﷺ مقراً لبيع عقيل: وهل ترك عقيل من دار، أو من ديار؟ فقال له إسحاق بن راهويه: حدثني فلان عن فلان عن فلان عن عائشة: أنها ما كانت ترى ذلك، يعني: لا ترى سكن مكة، ولا ترى أن مكة تمتلك. ولو قلنا بهذا القول الآن، لقلنا: إن كل هذه القصور التي تدور حول مكة لا يجوز أن يأخذوا عليها فلساً، وعليه فإنك إذا ذهبت أكبر وأعظم قصر وجلست فيه فستقول: الأجرة حرام هنا؛ فقد حرمت دور مكة أن تمتلك، وهذا قول الحنابلة، وعلماء الحجاز حنابلة خالفوا جميعاً عن بكرة أبيهم؛ لأنهم قالوا: ديار مكة لا تمتلك. فقال إسحاق: رأيت عائشة تذهب إلى هذا، وحدثني فلان عن فلان عن فلان عن أبي الزبير أو قال عن ابن الزبير: أنه ما كان يرى ذلك، وحدثني فلان عن فلان عن فلان عن ابن عباس: أنه كان لا يرى ذلك، فقال له الشافعي مؤدباً: من أنت؟ فقال: إسحاق بن راهويه، قال: أنت فقيه خراسان؟ قال: يزعمون ذلك -الكلام هذا في كتب التراجم- فقال له مؤدباً: ليتني بك طفلاً صغيراً أعرك أذنه، أقول لك: قال رسول الله! وتقول: قالت عائشة، وقال ابن الزبير، لا قول لأحد مع قول رسول الله ﷺ ، وحق لهم أن يلقبوا الشافعي بناصر السنة، ولذلك لما كان جالساً في مجلسه ودخل السائل يسأله، ويقول: يا إمام! هذه المسألة ما تقول فيها؟ فقال مجيباً أحد طلبة الشافعي قال: قال فيها رسول الله كذا، فقال له: يا إمام! وانظروا فالجهلة في كل العصور متوافرون بفضل الله! تقول له: قال رسول الله! فيقول: لكن الشيخ قال كذا، فلا يمكن أن يترك قول الشيخ بحال من الأحوال؛ فقال: يا شافعي! تقول بهذا القول؟ فقال الشافعي: ولنعم ما قال، قال: أرأيتني خرجت من كنيسة، أرأيت في وجهي زناراً، ما لي لا أقول بقول رسول الله! يقول لك قال رسول الله! فكيف لا أقول بما قال به رسول الله ﷺ . ولنعم ما قال الشافعي، ولنعم ما نصر به سنة النبي ﷺ ، فحق النبي ﷺ على هذه الأمة حق عظيم. ولقد أردت أن أقدم هذه المقدمة بين يدي الصارم المسلول على شاتم الرسول لتعرفوا عظم حق النبي ﷺ وكيف أن حق النبي ﷺ هضم من بعد قرون الخيرية الثلاثة إلى يومنا هذا، فإن الناس الآن لا يعظمون رسول الله ولا يوقرونه؛ لأنهم لا يعظمون سنة النبي ﷺ ، بل يحاربون من يتقدم بين يدي شيوخهم فلا تكاد تجد أحداً يقول: لا آخذ إلا بقول الرسول ﷺ . أردت أن أقدم هذه المقدمة لأبين عظم حق شريعة الله جل في علاه، وعظم حق رسول الله ﷺ ، وعظم حق سنة النبي ﷺ . وهذا الكتاب -كما قلت- له مختصران: فقد اختصره الدكتور صلاح الصاوي، واختصره أيضاً البعلي الحنبلي، لكن اختصار البعلي أوفر حظاً وأدق من اختصار الدكتور صلاح، وقد حظيت والحمد لله بهذه النسخة، وأصل الكتاب أكبر من ذلك، وشيخ الإسلام ابن تيمية سنقدم له مقدمة نبين فيها حقه علينا. فقد كان في المسألة الواحدة يأتي بحوالي خمسة عشر آية، أو بسبع آيات، وبكل الأحاديث التي تخص هذه المسألة، فجاء البعلي فهذب هذه المسائل، ويأتينا مثلاً في المسألة الواحدة بحجج ثلاث من الكتاب ومن السنة؛ حتى يختصر على طلبة العلم.

стр. 36

شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول - بيان ما يتضمنه الكتاب مع بيان حكم من سب النبي إن تعظيم الرسول ﷺ واحترامه وتوفيره يعتبر من أصول الإيمان، وبالعكس فإن الاستهزاء والسب له ﷺ أو لأزواجه يعتبر كفراً مخرجاً من الملة؛ لأن سبه ﷺ والاستهزاء به يدل على عدم احترامه وإكرامه، وهذا يعني أن عمل القلب غير موجود، فمن زعم الإيمان بسب رسول الله ﷺ فهو منافق معلوم النفاق؛ لأن أركان الإيمان عند أهل السنة والجماعة هي: قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل الجوارح، فمن فقد أحد هذه الأركان فإن إيمانه غير صحيح.

стр. 37

نبذة عن كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فهذه نبذة قصيرة عن كتاب: (الصارم المسلول على شاتم الرسول) لشيخ الإسلام ابن تيمية، صاحب المصنفات الماتعة الذي ذب عن دين الله جل وعلا باللسان وبالسنان، لاسيما هذا المصنف الذي لم نجد له مثيلاً بحال من الأحوال، ولم نجد أحداً تعرض لهذا الكتاب تفصيلاً بالشرح أو تعرض لمسائله بالتفصيل والرد على الذين خالفوا شيخ الإسلام ابن تيمية فيما تبناه في هذا الكتاب. ومضمون الكتاب هو الكلام على سب الرسول ﷺ ، وحكم من يسب الرسول ﷺ ، سواء كان محارباً أو ذمياً، وسواء كان مسلماً أو ارتد ثم أسلم، فالكلام كله يدور على حكم سب الرسول ﷺ ، هذا هو القسم الأول منه. القسم الثاني: يتكلم في حد الذي يسب رسول الله ﷺ . وقد تكلمنا عن عظم حق الرسول ﷺ على هذه الأمة، وذكرت أن من أعظم حقوق الرسول ﷺ : حفظ جنابه، وحفظ عرضه ﷺ .

стр. 38

حكم من سب رسول الله ﷺ قد نُقل الإجماع عن أهل العلم: أن من سب رسول الله ﷺ أو استخف به، أو استهزأ به، فهو كافر ظاهراً وباطناً. فمن تعدى على النبي ﷺ ، أو تعدى على أمهات المؤمنين، كأن يتكلم في عائشة ﵂ وأرضاها ويغمزها كما يحدث من بعض الفسقة الفجرة الكفرة الذين يرمون عائشة ﵂ وأرضاها بالزنا، فهذا المقصود منه حقيقةً هو: الطعن في رسول الله ﷺ ، أو كمن يسب النبي ﷺ صراحةً، أو يشير إلى ذلك ويلمح، فكل ذلك كفر يخرج من الملة، ولا يحتاج فيه إلى إقامة الحجة في هذا؛ لأنه أمر معلوم من الدين بالضرورة، وهذا الأمر ليس فيه ثمت تفريق بين النوع والعين، وإن كان الأصل الأصيل عند أهل السنة والجماعة هو التفريق بين النوع والعين، لكن السب والاستهزاء والاستخفاف بعرض النبي ﷺ ليس فيه إقامة حجة ولا إزالة شبهة، بل الحكم أنه كافر كفراً يخرجه من الملة، ولو مات على ذلك فهو خالد مخلد في نار جهنم. والدليل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥]، فهؤلاء ما استهزئوا بالنبي ﷺ صراحةً، وإنما قالوا: ما نرى أصحابنا إلا أرغب بطوناً وأجبن عند اللقاء. فقالوا هذه الكلمات اليسيرة في نظرهم، ثم جاءوا إلى النبي ﷺ يعتذرون ويقولون: إنهم ما قصدوا ذلك، فهذه الآية تبين أن من سب الدين أو سب الرسول ﷺ ، أو سب عرض النبي ﷺ فهو كافر قطعاً بدون إقامة حجة أو إزالة شبهة؛ لأن الله جل وعلا بين لنا هذا الحكم بقوله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] فبعدما قالوا للنبي ﷺ (إنما هو حديث الركب، رد النبي ﷺ وهو يقرأ عليهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] ((لا تَعْتَذِرُوا)) [التوبة:٦٦]). فهذه المسألة ليس فيها إقامة حجة ولا إزالة شبهة، لأن النبي ﷺ لم يستفصل منهم ولم يقل لهم: هل فعلتم ذلك وأنتم غير متدبرين هذا القول؟ هل ذهبت منكم عقولكم؟ هل تكلمتم هذا الكلام عبثاً؟ لم يفعل النبي ﷺ شيئاً من هذا، بل تلا عليهم قوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] أي: كفرهم بعدما أثبت لهم الإيمان. وهذا نص قاطع من قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، وهذه آية واضحة جلية على: أنه لا يشترط في مثل هذا إقامة حجة ولا إزالة شبهة ولا تفريق بين نوع ولا عين في هذه المسألة. وسب الرسول ﷺ يعتبر قبل نقل الإجماع عين المحادة لله؛ لأن من سب الرسول فقد سب المرسل وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:٢٠]، ولا يكون أحد في الأذلين، أو في الدرك الأسفل من النار إلا الكفرة الفجرة، الذين لا سبيل لهم إلا الخلود في نار جهنم نعوذ بالله من الخذلان. وأيضاً إن الله جل في علاه يحارب من شاقه أو شاق رسوله ﷺ . والحكم بكفر من سب الرسول ﷺ أمر قطعي لا شك فيه، فإن قال قائل: إن بعض الناس قد تعودوا على ذلك بسبب سوء التربية فلا يعمهم الحكم، قلنا: إن هذا هو الإرجاء المحض، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، فمن قال: بأن هذا يحتاج لاستحلال القلب فقد زل زلة منكرة، وهفا هفوة عظيمة جسيمة، فسب الرسول ﷺ لا يقال فيه: إنه سوء أدب، بل يقال فيه إنه كفر، لأنه كما قلنا يعتبر سباً للذي بعث الرسول، وهو الله سبحانه جل في علاه. إذاً: فهذه زلة منكرة لمن يقول: بأن سب الرسول سوء أدب، أو سب الدين هذا سوء أدب، أو سب الله جل في علاه سوء أدب، لا والله بل هو كفر بنص كلام الله جل في علاه، وأيضاً هو كفر بالإجماع، والإجماع حجة، والدليل على أن الإجماع حجة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، فقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء:١١٥]، هذا وجه الدلالة على قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥]، وهذا وجه الشاهد، يعني: أن مشاققة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين تعتبر من المشاققة للرسول ﷺ . وهذه الآية احتج بها الشافعي عندما جاءه رجل وقال له: أتحتج بالإجماع؟ قال: نعم، قال: ائتني بآية من كتاب الله، فدخل داره ثلاثة أيام يقرأ كتاب الله، وعاود القراءة أكثر من مرة حتى أتى بهذه الآية. إذاً: أجمعت الأمة على كفر من يسب الرسول ﷺ ، وقد نقل الإجماع: إسحاق بن راهويه والخطابي والقاضي عياض وغيرهم كثير، فقد نقلوا الإجماع على أن من سب رسول الله ﷺ فقد كفر وخرج من الملة ويستحق القتل. بل اختلف الفقهاء فيما بينهم؛ هل إذا تاب يسقط عنه حد القتل أم لا؟

стр. 39

عقيدة الجهمية والمرجئة فيمن سب الرسول وفي الإيمان نقول: من سب الرسول ﷺ فقد كفر، ومن قال: إنه لا يكفر بل ينتظر ليعلم هل استحل ذلك بقلبه أم لا، أو كان من سوء الأدب أو كان قالها عبثاً مع اعتقاده بالحرمة؟ فقد قال بكلام المرجئة، بل هذا كلام غلاة الجهمية؛ لأن الشبهة التي عند الجهمية والمرجئة هي: أنهم يرون أن الإيمان هو مجرد التصديق، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧] يعني: بمصدق لنا، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء:٩٠] يعني: لن نصدقك حتى تأتينا بهذه المعجزات. قالوا: فالإيمان هو التصديق، والتصديق محله القلب، وقالوا: يصح لمن اعتقد إكرام شخص أن يهينه؛ لأنه يعتقد أنه يجب عليه أن يكرمه، فإن اعتقد هذا الاعتقاد فاعتقاده صحيح وفعله معصية، فإن كان اعتقاده قد استقر في القلب على تعظيم النبي ﷺ ، ووجوب إكرام النبي ﷺ ، وتقديم نفس النبي ﷺ على نفسه، واعتقد هذا الاعتقاد الجازم ووقعت منه المخالفة فهو عاص؛ لأن اعتقاده في القلب ما زال سديداً سليماً فلا يكفر بذلك. وهذا الكلام خبط عشوائي، بل هو كلام باطل من كل الوجوه، ومن قال به فهو مبتدع ضال مرجئ، ولابد أن ندعوه إلى دين الله جل في علاه، وإلى القول السديد وهو قول أهل السنة والجماعة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهذه الزلة المنكرة جاءت لبعض العلماء الذين نظروا في قول الفقهاء لاغترارهم بكلمات خرجت من بعض المتكلمين، فظنوا أن المسألة خلافية، وأنها يقع فيها الاجتهاد، فالمصيب له أجران والمخطئ له أجر، فإذا قلنا بأن المسألة خلافية فلا إجماع، ولو قلنا: إن المسألة خلافية فلا إنكار، وهذا من البطلان بمكان، فالصحيح الراجح: أن الكتاب والسنة مع الإجماع يجزمان بكفر الذي يسب الله جل في علاه، أو يسب رسوله ﷺ .

стр. 40

الرد على الجهمية والمرجئة في مسألة الإيمان وحكم سب الرسول والرد على الجهمية والمرجئة هين سهل بفضل الله تعالى وهو: أن نأتي بالمقدمة التي قدموها ثم نهدمها، هذه المقدمة هي قولهم: الإيمان هو التصديق، واستدلوا بالآيات السابقة، فنقول: هذه المقدمة خاطئة لا نوافقكم عليها؛ لأن الإيمان قد يتعدى بنفسه، وقد يتعدى بالباء، وقد يتعدى باللام، وفي كل موضع من هذه المواضع التي يقع فيها الإيمان له معنى من المعاني، فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧]، نوافقكم على أن الإيمان هنا بمعنى: التصديق، ولكنه قد يتعدى بنفسه أو باللام: فإذا تعدى بنفسه فمعناه: التأمين الذي هو ضد التخويف؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣ - ٤]. فقوله: ((وَآمَنَهُمْ)) هنا: ضد خوفهم، فهنا المقصود بالتأمين: ضد التخويف، ومن أسماء الله جل وعلا (المؤمن) أي: الذي أمّن عباده من الضلال وأمّن عباده من العذاب، أو أمّن عباده من أن يزيغ قلوبهم بعد أن ثبت الإيمان فيها، وبين لهم طريق الرشاد. وقد جاء في الحديث: (إن الله لا يجمع لعبد أمنين ولا خوفين)، أي: لا يجمع الله لعبد في الدنيا والآخرة أمنين، فمن أمِنَه في الدنيا خوَّفه في الآخرة، ومن خافه في الدنيا أَمّنَه في الآخرة. أما إذا تعدى الإيمان بالباء فيكون معناه: التصديق، وهذا هو الذي حصروا الإيمان كله فيه، قال الله تعالى: ((قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة:١٣٦] فقوله: ((قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ أي: صدقنا بالله؛ لأنه الخالق الرازق المحيي المميت؛ ولأن الله جل في علاه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وكأن تقول: آمنت بالله، يعني: صدقت بالله؛ وأن تقول: آمنت برسول الله يعني: صدقت برسالة النبي ﷺ . كما قال الشافعي ﵀: آمنت بالله يعني: صدقت بوجود الله، وصدقت بربوبية الله، وصدقت بإلهية الله، وأنه المستحق للإفراد بالعبادة له سبحانه جل في علاه، قال: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله يعني: صدقت برسالة رسول الله ﷺ ، وصدقت أنه أرسل من قبل الله جل في علاه، أرسله بالحق، وأنه الصادق المصدوق. وإذا تعدّى الإيمان باللام فيكون معناه: الانقياد والاستسلام التام والخضوع، قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، فهذا لا يعني: أن لوطاً لم يكن مؤمناً بإبراهيم وأنه مرسل من ربه ثم آمن بعد ذلك، لأن لوطاً كان مؤمناً ومصدقاً أصالةً بأن إبراهيم نبي مثله، وإنما معنى الآية: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾، أي: اتبعه على ما يريد، واستسلم لذلك، وسياق الآيات يدل على ذلك؛ لأن إبراهيم كان يدعوا الناس بأن يتبعوه فرفضوا ذلك، وما اتبعه إلا لوط. وحتى يظهر المعنى جلياً ننظر في قول فرعون للسحرة عندما خروا سجداً لله جل في علاه وقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه:٧٠] فقال لهم فرعون: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [طه:٧١] يعني: اتبعتموه وخضعتم وانقدتم له، فالآية الأولى: بينت أنهم قد صدقوا، والدلالة على ذلك: أنهم خروا سجداً فقال لهم: صدقتم به، وفوق هذا تتبعونه على شريعته. فإذاً: إذا تعدى الإيمان باللام فهو: الانقياد والاستسلام التام لله جل في علاه، وكذلك نقول لهم عن معنى الإيمان في اللغة: نحن لا نوافقكم على أنه محصور في معنى التصديق، بل هو يتعدى بنفسه فيكون معناه: التأمين الذي هو ضد التخويف، ويتعدى بالباء فيكون معناه: التصديق كما قلتم، ويتعدى باللام فيكون معناه: الانقياد والاستسلام والخضوع التام لله جل في علاه. كذلك فإن الله لما مدح إبراهيم لم يمدحه على مجرد التصديق فقط، بل مدحه أشد المدح على الاستسلام، فقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١] أي: استسلمت وخضعت وانقدت كل الانقياد لك يا رب! فكان المدح والمنة الأكثر عليه أنه استسلم استسلاماً تاماً لله جل في علاه. فهؤلاء قد حصروا الإيمان في التصديق لغةً وشرعاً، ولذلك تراهم يأتون بالنقيض، يقولون: الإيمان هو التصديق، والكفر هو التكذيب فقط، وهم أيضاً حصروا الكفر كذلك في التكذيب فقط، ولهذا أخطأ من قال: إن الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين مرجئة الفقهاء الأحناف هو خلاف لفظي فقط، كما قال ذلك الطحاوي، فالخلاف هنا ليس خلافاً لفظياً، بل هو خلاف حقيقي؛ لأنهم حصروا الكفر في التكذيب، وحصر الكفر في التكذيب من البطلان بمكان. بل إن أهل السنة والجماعة أجمعوا أن الكفر متعدد، وأنه ليس في التكذيب فقط، فإن من تجرأ على سب الله أو سب رسول الله ﷺ فهذا دليل على أن قلبه قد استحل إهانة ربه ، أو إهانة رسوله ﷺ .
следующие страницы →