← Акыда

Акыда · id 37702

شرح مختصر الصارم المسلول - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (91 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول - بيان ما يتضمنه الكتاب مع بيان حكم من سب النبي إن تعظيم الرسول ﷺ واحترامه وتوفيره يعتبر من أصول الإيمان، وبالعكس فإن الاستهزاء والسب له ﷺ أو لأزواجه يعتبر كفراً مخرجاً من الملة؛ لأن سبه ﷺ والاستهزاء به يدل على عدم احترامه وإكرامه، وهذا يعني أن عمل القلب غير موجود، فمن زعم الإيمان بسب رسول الله ﷺ فهو منافق معلوم النفاق؛ لأن أركان الإيمان عند أهل السنة والجماعة هي: قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل الجوارح، فمن فقد أحد هذه الأركان فإن إيمانه غير صحيح.

стр. 37

نبذة عن كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فهذه نبذة قصيرة عن كتاب: (الصارم المسلول على شاتم الرسول) لشيخ الإسلام ابن تيمية، صاحب المصنفات الماتعة الذي ذب عن دين الله جل وعلا باللسان وبالسنان، لاسيما هذا المصنف الذي لم نجد له مثيلاً بحال من الأحوال، ولم نجد أحداً تعرض لهذا الكتاب تفصيلاً بالشرح أو تعرض لمسائله بالتفصيل والرد على الذين خالفوا شيخ الإسلام ابن تيمية فيما تبناه في هذا الكتاب. ومضمون الكتاب هو الكلام على سب الرسول ﷺ ، وحكم من يسب الرسول ﷺ ، سواء كان محارباً أو ذمياً، وسواء كان مسلماً أو ارتد ثم أسلم، فالكلام كله يدور على حكم سب الرسول ﷺ ، هذا هو القسم الأول منه. القسم الثاني: يتكلم في حد الذي يسب رسول الله ﷺ . وقد تكلمنا عن عظم حق الرسول ﷺ على هذه الأمة، وذكرت أن من أعظم حقوق الرسول ﷺ : حفظ جنابه، وحفظ عرضه ﷺ .

стр. 38

حكم من سب رسول الله ﷺ قد نُقل الإجماع عن أهل العلم: أن من سب رسول الله ﷺ أو استخف به، أو استهزأ به، فهو كافر ظاهراً وباطناً. فمن تعدى على النبي ﷺ ، أو تعدى على أمهات المؤمنين، كأن يتكلم في عائشة ﵂ وأرضاها ويغمزها كما يحدث من بعض الفسقة الفجرة الكفرة الذين يرمون عائشة ﵂ وأرضاها بالزنا، فهذا المقصود منه حقيقةً هو: الطعن في رسول الله ﷺ ، أو كمن يسب النبي ﷺ صراحةً، أو يشير إلى ذلك ويلمح، فكل ذلك كفر يخرج من الملة، ولا يحتاج فيه إلى إقامة الحجة في هذا؛ لأنه أمر معلوم من الدين بالضرورة، وهذا الأمر ليس فيه ثمت تفريق بين النوع والعين، وإن كان الأصل الأصيل عند أهل السنة والجماعة هو التفريق بين النوع والعين، لكن السب والاستهزاء والاستخفاف بعرض النبي ﷺ ليس فيه إقامة حجة ولا إزالة شبهة، بل الحكم أنه كافر كفراً يخرجه من الملة، ولو مات على ذلك فهو خالد مخلد في نار جهنم. والدليل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥]، فهؤلاء ما استهزئوا بالنبي ﷺ صراحةً، وإنما قالوا: ما نرى أصحابنا إلا أرغب بطوناً وأجبن عند اللقاء. فقالوا هذه الكلمات اليسيرة في نظرهم، ثم جاءوا إلى النبي ﷺ يعتذرون ويقولون: إنهم ما قصدوا ذلك، فهذه الآية تبين أن من سب الدين أو سب الرسول ﷺ ، أو سب عرض النبي ﷺ فهو كافر قطعاً بدون إقامة حجة أو إزالة شبهة؛ لأن الله جل وعلا بين لنا هذا الحكم بقوله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] فبعدما قالوا للنبي ﷺ (إنما هو حديث الركب، رد النبي ﷺ وهو يقرأ عليهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] ((لا تَعْتَذِرُوا)) [التوبة:٦٦]). فهذه المسألة ليس فيها إقامة حجة ولا إزالة شبهة، لأن النبي ﷺ لم يستفصل منهم ولم يقل لهم: هل فعلتم ذلك وأنتم غير متدبرين هذا القول؟ هل ذهبت منكم عقولكم؟ هل تكلمتم هذا الكلام عبثاً؟ لم يفعل النبي ﷺ شيئاً من هذا، بل تلا عليهم قوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] أي: كفرهم بعدما أثبت لهم الإيمان. وهذا نص قاطع من قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، وهذه آية واضحة جلية على: أنه لا يشترط في مثل هذا إقامة حجة ولا إزالة شبهة ولا تفريق بين نوع ولا عين في هذه المسألة. وسب الرسول ﷺ يعتبر قبل نقل الإجماع عين المحادة لله؛ لأن من سب الرسول فقد سب المرسل وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:٢٠]، ولا يكون أحد في الأذلين، أو في الدرك الأسفل من النار إلا الكفرة الفجرة، الذين لا سبيل لهم إلا الخلود في نار جهنم نعوذ بالله من الخذلان. وأيضاً إن الله جل في علاه يحارب من شاقه أو شاق رسوله ﷺ . والحكم بكفر من سب الرسول ﷺ أمر قطعي لا شك فيه، فإن قال قائل: إن بعض الناس قد تعودوا على ذلك بسبب سوء التربية فلا يعمهم الحكم، قلنا: إن هذا هو الإرجاء المحض، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، فمن قال: بأن هذا يحتاج لاستحلال القلب فقد زل زلة منكرة، وهفا هفوة عظيمة جسيمة، فسب الرسول ﷺ لا يقال فيه: إنه سوء أدب، بل يقال فيه إنه كفر، لأنه كما قلنا يعتبر سباً للذي بعث الرسول، وهو الله سبحانه جل في علاه. إذاً: فهذه زلة منكرة لمن يقول: بأن سب الرسول سوء أدب، أو سب الدين هذا سوء أدب، أو سب الله جل في علاه سوء أدب، لا والله بل هو كفر بنص كلام الله جل في علاه، وأيضاً هو كفر بالإجماع، والإجماع حجة، والدليل على أن الإجماع حجة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، فقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء:١١٥]، هذا وجه الدلالة على قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥]، وهذا وجه الشاهد، يعني: أن مشاققة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين تعتبر من المشاققة للرسول ﷺ . وهذه الآية احتج بها الشافعي عندما جاءه رجل وقال له: أتحتج بالإجماع؟ قال: نعم، قال: ائتني بآية من كتاب الله، فدخل داره ثلاثة أيام يقرأ كتاب الله، وعاود القراءة أكثر من مرة حتى أتى بهذه الآية. إذاً: أجمعت الأمة على كفر من يسب الرسول ﷺ ، وقد نقل الإجماع: إسحاق بن راهويه والخطابي والقاضي عياض وغيرهم كثير، فقد نقلوا الإجماع على أن من سب رسول الله ﷺ فقد كفر وخرج من الملة ويستحق القتل. بل اختلف الفقهاء فيما بينهم؛ هل إذا تاب يسقط عنه حد القتل أم لا؟

стр. 39

عقيدة الجهمية والمرجئة فيمن سب الرسول وفي الإيمان نقول: من سب الرسول ﷺ فقد كفر، ومن قال: إنه لا يكفر بل ينتظر ليعلم هل استحل ذلك بقلبه أم لا، أو كان من سوء الأدب أو كان قالها عبثاً مع اعتقاده بالحرمة؟ فقد قال بكلام المرجئة، بل هذا كلام غلاة الجهمية؛ لأن الشبهة التي عند الجهمية والمرجئة هي: أنهم يرون أن الإيمان هو مجرد التصديق، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧] يعني: بمصدق لنا، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء:٩٠] يعني: لن نصدقك حتى تأتينا بهذه المعجزات. قالوا: فالإيمان هو التصديق، والتصديق محله القلب، وقالوا: يصح لمن اعتقد إكرام شخص أن يهينه؛ لأنه يعتقد أنه يجب عليه أن يكرمه، فإن اعتقد هذا الاعتقاد فاعتقاده صحيح وفعله معصية، فإن كان اعتقاده قد استقر في القلب على تعظيم النبي ﷺ ، ووجوب إكرام النبي ﷺ ، وتقديم نفس النبي ﷺ على نفسه، واعتقد هذا الاعتقاد الجازم ووقعت منه المخالفة فهو عاص؛ لأن اعتقاده في القلب ما زال سديداً سليماً فلا يكفر بذلك. وهذا الكلام خبط عشوائي، بل هو كلام باطل من كل الوجوه، ومن قال به فهو مبتدع ضال مرجئ، ولابد أن ندعوه إلى دين الله جل في علاه، وإلى القول السديد وهو قول أهل السنة والجماعة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهذه الزلة المنكرة جاءت لبعض العلماء الذين نظروا في قول الفقهاء لاغترارهم بكلمات خرجت من بعض المتكلمين، فظنوا أن المسألة خلافية، وأنها يقع فيها الاجتهاد، فالمصيب له أجران والمخطئ له أجر، فإذا قلنا بأن المسألة خلافية فلا إجماع، ولو قلنا: إن المسألة خلافية فلا إنكار، وهذا من البطلان بمكان، فالصحيح الراجح: أن الكتاب والسنة مع الإجماع يجزمان بكفر الذي يسب الله جل في علاه، أو يسب رسوله ﷺ .

стр. 40

الرد على الجهمية والمرجئة في مسألة الإيمان وحكم سب الرسول والرد على الجهمية والمرجئة هين سهل بفضل الله تعالى وهو: أن نأتي بالمقدمة التي قدموها ثم نهدمها، هذه المقدمة هي قولهم: الإيمان هو التصديق، واستدلوا بالآيات السابقة، فنقول: هذه المقدمة خاطئة لا نوافقكم عليها؛ لأن الإيمان قد يتعدى بنفسه، وقد يتعدى بالباء، وقد يتعدى باللام، وفي كل موضع من هذه المواضع التي يقع فيها الإيمان له معنى من المعاني، فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧]، نوافقكم على أن الإيمان هنا بمعنى: التصديق، ولكنه قد يتعدى بنفسه أو باللام: فإذا تعدى بنفسه فمعناه: التأمين الذي هو ضد التخويف؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣ - ٤]. فقوله: ((وَآمَنَهُمْ)) هنا: ضد خوفهم، فهنا المقصود بالتأمين: ضد التخويف، ومن أسماء الله جل وعلا (المؤمن) أي: الذي أمّن عباده من الضلال وأمّن عباده من العذاب، أو أمّن عباده من أن يزيغ قلوبهم بعد أن ثبت الإيمان فيها، وبين لهم طريق الرشاد. وقد جاء في الحديث: (إن الله لا يجمع لعبد أمنين ولا خوفين)، أي: لا يجمع الله لعبد في الدنيا والآخرة أمنين، فمن أمِنَه في الدنيا خوَّفه في الآخرة، ومن خافه في الدنيا أَمّنَه في الآخرة. أما إذا تعدى الإيمان بالباء فيكون معناه: التصديق، وهذا هو الذي حصروا الإيمان كله فيه، قال الله تعالى: ((قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة:١٣٦] فقوله: ((قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ أي: صدقنا بالله؛ لأنه الخالق الرازق المحيي المميت؛ ولأن الله جل في علاه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وكأن تقول: آمنت بالله، يعني: صدقت بالله؛ وأن تقول: آمنت برسول الله يعني: صدقت برسالة النبي ﷺ . كما قال الشافعي ﵀: آمنت بالله يعني: صدقت بوجود الله، وصدقت بربوبية الله، وصدقت بإلهية الله، وأنه المستحق للإفراد بالعبادة له سبحانه جل في علاه، قال: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله يعني: صدقت برسالة رسول الله ﷺ ، وصدقت أنه أرسل من قبل الله جل في علاه، أرسله بالحق، وأنه الصادق المصدوق. وإذا تعدّى الإيمان باللام فيكون معناه: الانقياد والاستسلام التام والخضوع، قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، فهذا لا يعني: أن لوطاً لم يكن مؤمناً بإبراهيم وأنه مرسل من ربه ثم آمن بعد ذلك، لأن لوطاً كان مؤمناً ومصدقاً أصالةً بأن إبراهيم نبي مثله، وإنما معنى الآية: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾، أي: اتبعه على ما يريد، واستسلم لذلك، وسياق الآيات يدل على ذلك؛ لأن إبراهيم كان يدعوا الناس بأن يتبعوه فرفضوا ذلك، وما اتبعه إلا لوط. وحتى يظهر المعنى جلياً ننظر في قول فرعون للسحرة عندما خروا سجداً لله جل في علاه وقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه:٧٠] فقال لهم فرعون: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [طه:٧١] يعني: اتبعتموه وخضعتم وانقدتم له، فالآية الأولى: بينت أنهم قد صدقوا، والدلالة على ذلك: أنهم خروا سجداً فقال لهم: صدقتم به، وفوق هذا تتبعونه على شريعته. فإذاً: إذا تعدى الإيمان باللام فهو: الانقياد والاستسلام التام لله جل في علاه، وكذلك نقول لهم عن معنى الإيمان في اللغة: نحن لا نوافقكم على أنه محصور في معنى التصديق، بل هو يتعدى بنفسه فيكون معناه: التأمين الذي هو ضد التخويف، ويتعدى بالباء فيكون معناه: التصديق كما قلتم، ويتعدى باللام فيكون معناه: الانقياد والاستسلام والخضوع التام لله جل في علاه. كذلك فإن الله لما مدح إبراهيم لم يمدحه على مجرد التصديق فقط، بل مدحه أشد المدح على الاستسلام، فقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١] أي: استسلمت وخضعت وانقدت كل الانقياد لك يا رب! فكان المدح والمنة الأكثر عليه أنه استسلم استسلاماً تاماً لله جل في علاه. فهؤلاء قد حصروا الإيمان في التصديق لغةً وشرعاً، ولذلك تراهم يأتون بالنقيض، يقولون: الإيمان هو التصديق، والكفر هو التكذيب فقط، وهم أيضاً حصروا الكفر كذلك في التكذيب فقط، ولهذا أخطأ من قال: إن الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين مرجئة الفقهاء الأحناف هو خلاف لفظي فقط، كما قال ذلك الطحاوي، فالخلاف هنا ليس خلافاً لفظياً، بل هو خلاف حقيقي؛ لأنهم حصروا الكفر في التكذيب، وحصر الكفر في التكذيب من البطلان بمكان. بل إن أهل السنة والجماعة أجمعوا أن الكفر متعدد، وأنه ليس في التكذيب فقط، فإن من تجرأ على سب الله أو سب رسول الله ﷺ فهذا دليل على أن قلبه قد استحل إهانة ربه ، أو إهانة رسوله ﷺ .

стр. 41

معنى الإيمان عند أهل السنة والجماعة ولقد نقل الإجماع ابن عبد البر والشافعي والكرابيسي وأبو ثور وغيرهم على أن السلف يقولون: الإيمان قول وعمل ونية. قال الشافعي: أدركت من أدركت من التابعين يقولون: أدركنا من أدركنا من التابعين والصحابة يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، ولا يجزئ واحد من غير هؤلاء الثلاثة. وقال ابن عبد البر: أجمع أهل السنة والجماعة على أن الإيمان هو القول باللسان والتصديق بالجنان والعمل بالأركان، هذه أركان ثلاثة للإيمان. فنحن شرعاً نخالف من قال: إن الإيمان هو التصديق فقط، بل الإيمان قول وعمل وتصديق بالجنان، ونحن معكم في أن الإيمان أيضاً هو: قول باللسان، فمن لم يتكلم بلسانه وهو قادر فهو كافر كما سنبين، وهو عمل بالجوارح وبالقلب كما سنبين.

стр. 42

قول القلب وقول اللسان والإيمان قول وعمل ونية، والقول قولان: قول اللسان وقول القلب، والعمل عملان: عمل القلب وعمل الجوارح، أما قول اللسان فإنه لا يدخل أحد الإسلام وهو يستطيع أن يتكلم بكلمة الإيمان إلا أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولو اعتقد اعتقاداً جازماً بأن الخالق الرازق المدبر هو الله، وأن المستحق للإفراد بالعبادة هو الله، ولو اعتقد اعتقاداً جازماً بأن النبي ﷺ هو الرسول الحق وأنه الصادق المصدوق، ولم ينطق بلسانه، فإنه لا يدخل الإسلام، ولا يمكن أن يحكم له بإسلام قط، فقد قال الله تعالى: (((قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٣٦]، والقول يكون باللسان، والنبي ﷺ -كما في الصحيحين- يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا)، وفي الرواية الأخرى: (حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأني رسول الله). وفي الصحيح أيضاً: (لما دخل النبي ﷺ على عمه أبي طالب وعنده أبو جهل وعبد الله بن ربيعة قال له: يا عم! قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله). ووجه الدلالة على أن القول ركن من أركان الإيمان: أن أبا طالب كان مصدقاً أن ابن أخيه كان على الحق، وأن دينه هو الدين الحق، ولكن سبب عدم إيمانه به هو مخافة المهانة بين الناس، وأن يقولوا: ترك دين عبد المطلب وأخذ بدين ابن أخيه. فهذا التصديق الذي كان عند أبي طالب لا ينفعه يوم القيامة بين يدي الله ؛ لأنه امتنع عن التلفظ بالشهادة مع قدرته على ذلك، فليس له حجة عند الله ، ولذلك قال له رسول الله ﷺ : (قل لا إله إلا الله قال كلمة أحاج لك بها عند الله)، يعني: ليس لك حجة عند الله إذا لم تتلفظ بهذه الكلمة. أما قول القلب فهو: التصديق، وغلاة الجهمية والمرجئة حصروا الإيمان في التصديق بالقلب، ونحن نقول: قول القلب هو التصديق، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] أي: لم يشكوا. والنبي ﷺ يقول: (من قال لا إله إلا الله صادقاً بها قلبه دخل الجنة)، فقول القلب هو التصديق، وهذا هو أصل الإيمان.

стр. 43

عمل القلب والجوارح أما عمل القلب فبالإجماع عند أهل السنة والجماعة أنه إذا تخلف عمل القلب -وإن وجد التصديق- فهو كافر لا يدخل الإسلام، فلو تكلم بلسانه كان منافقاً، وهذا النفاق نفاق اعتقادي يخرج به من الملة، ويكون مصيره الدرك الأسفل من النار، فمن لم ينقد لله جل في علاه ولا لأوامر الله جل في علاه فهو كافر؛ لأنه خالف تصديقه بفعله، إذا لم ينقد ولم يستسلم لله . والاستسلام شرط وركن ركين من أركان الإيمان، وهذا بإجماع أهل السنة والجماعة، ولم يقل أحد بأن أعمال القلوب غير مرادة أو غير مأمور بها إلا المرجئة، فمن قال بذلك فقد وقع في زلات عجيبة جداً: فسيقول بأن إبليس مؤمن؛ لأنه قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر٣٩]، فهو أقر بالربوبية وصدق بأن الله جل وعلا هو الخالق الرازق المدبر، لكن كفر إبليس كان كفر إباء واستكبار، وعدم انقياد واستسلام لله جل في علاه. إذاً: عمل القلب هو الركن الركين والأصل الأصيل في الدين، فلا يصح إيمان عبد بحال من الأحوال إلا بأعمال القلوب، من الإخلاص والإنابة والتوبة إلى الله جل في علاه، كما قال الله جل في علاه: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [الإسراء:٢٥]، يعني: في قلوبكم، ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥]. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فمحل الإيمان هو القلب. أما عمل الجوارح فهو يرتبط بعمل القلب، ولا يمكن أن ينفك عمل الجوارح عن عمل القلب، فإن ارتباط الظاهر بالباطن ارتباط وثيق. ولذلك فإن الله جل في علاه بين لنا هذا الارتباط، بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٥]، فلا تجد آية ختمت بدخول الجنة إلا بعد أن اقترن الإيمان بالعمل الصالح. وتجد النبي ﷺ يبين ذلك جلياً؛ إما نصاً وإما تلميحاً، قال ﷺ في الصلاة: (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم). يعني: لا تختلفوا في الظاهر فتختلف قلوبكم، وهذه دلالة على أن الظاهر يؤثر في الباطن والعكس صحيح. هذا هو الرد على المرجئة حتى يتبين للإخوة بطلان قول من قال بأن الذي يسب الله جل في علاه أو يسب الرسول سيئ الأدب أو ليس بكافر أو ننتظر حتى نقيم عليه الحجة ونزيل عنه الشبهة. فهذا الكلام هو كلام المرجئة، ومن قال به فهو مرجئي، ولابد أن يُناصح ويناظر. فالصحيح الراجح كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من قال: إن سب الرسول يحتاج إلى استحلال القلب، فهذه زلة منكرة وهفوة جسيمة عظيمة، فهذا إرجاء محض لابد أن يرد على صاحبه. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 44

شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول - بيان حكم المسلم الذي يسب رسول الله لقد رفع الله من مكانة النبي ﷺ ، وجعله سيد الأولين والآخرين، وجعل له حمى لا يجوز لأحد أن يقتربه أو يمس رسول الله بأذىً قولي أو فعلي تصريحاً أو تعريضاً، ولذا أجمع العلماء على: أن من سب الرسول ﷺ أو انتقص منه أو طعن في عرضه فإنه يكون مرتداً بذلك، كافراً كفراً مخرجاً من الدين، وحكمه القتل ولا كرامة، والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن والسنة المطهرة.

стр. 45

الأدلة الواردة من القرآن في ثبوت ردة من سب رسول الله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: أيها الإخوة الكرام! ما زلنا مع الكلام على هذا الكتاب الماتع الجليل كتاب: مختصر الصارم المسلول، وأصل الكتاب لشيخ الإسلام ابن تيمية، والمختصر للفقيه البعلي. وقد تحدثنا في الأسبوع الماضي عن حكم من سب رسول الله ﷺ ، وحد من سب رسول الله ﷺ ، وتكلمنا عن الحكم وعن الحد وقلنا: إن الذي يسب رسول الله له حالتان: الحالة الأولى: أن يكون مستأمناً أو ذمياً أو معاهداً، وقد شرحناه في الأسبوع الماضي وبينا الأدلة على حده؛ لأنه أصلاً كافر في الأصل، وهل ينتقض عهده أو تنتقض الذمة أو ينتقض الأمان الذي أخذه بعد دخوله البلاد الإسلامية بسب الرسول ﷺ أم لا؟ بينا الأسبوع الماضي هذا الكلام، وبينا أن هناك خلافاً بين العلماء، وأتينا بالأدلة على الراجح منها. الحالة الثانية: أن يكون الساب مسلماً، فإذا سب رسول الله ﷺ -بأبي هو وأمي- فحكمه الكفر، وأنه ارتد عن دين الله بذلك، وهذا بإجماع من يعتد بإجماعه، وقلنا: خالف في ذلك المرجئة فقط، حيث قالوا: لا بد أن ننظر في استحلال قلبه، فإن استحل بقلبه يكفر، وإن لم يستحل لا يكفر، ويكون فعله كبيرة من الكبائر، وهذا قول المرجئة نعوذ بالله من الخذلان! أما إجماع الصحابة وإجماع أهل السنة والجماعة فمفاده: أن الذي يسب رسول الله ﷺ يخرج من الملة ويكفر بذلك، وحده القتل، والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة، ومن إجماع الصحابة، بل ومن النظر، واليوم إن شاء الله سنتناول الكلام على الأدلة من الكتاب والسنة على أن من سب رسول الله ﷺ يخرج بذلك من الملة ويصير مرتداً.

стр. 46

قوله تعالى: (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) أولاً: الأدلة الواردة من كلام الله جل في علاه، وسنقسم الأدلة إلى صريح ومستنبط: فمن الأدلة الصريحة: قول الله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة:٦٤] ثم قال بعد ذلك: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، وهذا صريح؛ لأن الله جل وعلا أخبر أنهم كفروا بعدما آمنوا، وأقر أنهم على إيمان، فكفروا وخرجوا من الملة بذلك، ولذلك قالوا: (يا رسول الله! والله ما كنا إلا نلهو)، يعني: أنهم ما قصدوا الاستهزاء، ولا قصدوا السب والأذى، ومع ذلك قال شيخ الإسلام: فهذه الآية تدل دلالة واضحة على أن الذي يسب رسول الله ﷺ سواء هازلاً أو جاداً أو قاصداً فإنه يكفر بذلك، ولذلك هم قالوا: ما قصدنا الاستهزاء؛ فقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ * ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] وهذا الكفر الذي وقعوا فيه هو حكمهم، وذلك أنهم ارتدوا عن دين الله جل في علاه، والحد في ذلك هو القتل، وأغلظ ما وقعوا فيه من الردة هو سب الرسول ﷺ ، ولذلك يقول النبي ﷺ كما في الصحيحين: (من بدل دينه فاقتلوه) ومن سب رسول الله فقد بدل دينه لقول الله تعالى: ((قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)) فمن بدل دينه حكمه القتل. وكذلك ورد في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، وذكر من الثلاث: التارك لدينه المفارق للجماعة) والذي يسب الرسول ﷺ قد ترك دينه بنص كلام الله جل وعلا، قال تعالى: ((قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ))، وأيضاً هو مفارق للجماعة لأنه ليس من أهل الإسلام، فمن سب النبي ﷺ ، أو استهزأ بالنبي ﷺ ، أو آذى رسول الله ﷺ فحكمه الكفر بنص الآية، وحده القتل بنص حديث النبي ﷺ .

стр. 47

مفهوم قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) الصنف الثاني من الأدلة: صنف مستنبط ليس فيه دلالة صريحة، لكن الدلالة فيه بالمفهوم ومنه: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات:٢]، ثم قال معللاً لم لا يرفعوا أصواتهم على صوت النبي ﷺ : ((أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ)) [الحجرات:٢]، وحبوط العمل وجه الدلالة من الآية، فحبوط العمل يدل على الكفر؛ لأنه لا يحبط عمله إلا من كفر بالله جل في علاه، والدلالة على ذلك من كتاب الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، فجعل حبوط العمل لأنهم رفعوا أصواتهم فوق صوت النبي ﷺ ، فحبوط العمل يدل على الكفر، والدلالة على ذلك آيات من كتاب الله وليست آية واحدة. قال الله تعالى مبيناً حبوط العمل: ((أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ)) يعني: لئلا تحبط أعمالكم، كأن الآية تفسر بأن الذي يرفع صوته على النبي يحبط عمله، ولذلك جاء في الآثار: (كاد الخيران أن يهلكا) وهما: أبو بكر وعمر، قال أحدهما: لـ الأقرع بن حابس والثاني يقول: ول فلاناً وعلت الأصوات عند النبي ﷺ ؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات:٢] فلا يمكن أن يحبط عمل الإنسان بحال من الأحوال إلا بالكفر، ولذلك قلنا: إذا راءى المرء في عمل معين فإنه يحبط هذا العمل فقط، لكن الأعمال كلها لا يمكن أن تحبط إلا بالكفر، والدليل على ذلك من كتاب الله قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] إذاً: فالشرك ينبئ بحبوط العمل، وهناك آية أخرى تثبت أن حبوط العمل لا يكون إلا بالكفر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧] فدل ذلك أن الردة تحبط العمل. وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهْ﴾ [المائدة:٥] ففيها الدلالة على أن حبوط العمل يستلزم الكفر؛ لأن العمل لا يمكن أن ينهار ويلغى جميعه إلا بالكفر، فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥]، وهذا في الذي يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ ، أو يرفع صوته في حضرة النبي ﷺ ، فهذا يعتبر من سوء الأدب فإن الله جل في علاه حذر الصحابة أن تحبط أعمالهم بهذا العمل، فإذا كان رفع الصوت يحبط العمل فمن باب أولى أن سب الرسول ﷺ يكون سبباً للردة وحبوط العمل، ويسمى هذا قياساً جلياً. فمن سب رسول الله ﷺ ومات في لحظتها فهذا الذي كتب الله عليه الخلود في نار جهنم وقد حبطت أعماله كلها.

стр. 48

قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة) كذلك من هذه الآيات: قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، وما من أحد إلا وهو يخالف أمر الله وأمر الرسول ﷺ بالمعصية، لكن لما كانت مخالفة أمر النبي ﷺ تؤدي -بالإصرار عليها- إلى الفتنة صارت بمعنى الكفر، والفتنة فسرها فحل السنة وإمامهم الإمام أحمد حيث قال: أتدرون ما الفتنة؟ الفتنة: الكفر، أو قال: بالإصرار على المخالفة: ((أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ))، والفتنة كما قال أحمد: الشرك. فإذا كان هذا بمخالفة الأمر والإصرار عليه فكيف بالسب والإيذاء؟ وهذا أيضاً نوع من أنواع القياس الجلي، فإن كانت الفتنة ستصيب من خالف أمر رسول الله ﷺ وأصر على المخالفة لأمر رسول الله بعد العلم بأن هذا هو أمر الرسول -فإن الله جل وعلا حذر من الفتنة يعني: أن يقع في الشرك من خالف أمر رسول الله ﷺ -فمن باب أولى من سب رسول الله ﷺ ووقع في عرضه أن يقع في هذه الفتنة، وهي الشرك، ويصير مشركاً بذلك.

стр. 49

قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) كذلك من أصناف الآيات: قول الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]، ونحن نتكلم عن المسلم، كل هذه الآيات في المسلم، والآيات التي سبقت كانت في المعاهد أو الذمي؛ لأن هذا قد أسلم ودخل الإسلام وفي دائرة الإسلام له ما لنا وعليه ما علينا، يقول الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، فاشترط الله جل في علاه للإيمان في القلب وعدم انتفائه أولاً: أن يتحاكم إلى رسول الله ﷺ ؛ لأن المنافق كما بين الله جل في علاه في سورة النور إذا دعي إلى الله ورسوله أعرض ولم يسلم لله ولرسوله، فيبين الله جل في علاه أن من أسباب ثبوت الإيمان في القلب أن يتحاكم في المتنازع فيه إلى الله والرسول أو إلى الرسول ﷺ ، ثم بعد أن يتحاكم لا يجد في صدره حرجاً بحال من الأحوال، ثم يسلم تسليماً، فإذا انتفى واحد من هذه الثلاثة فلا إيمان في القلب، فإن تحاكم ولم يرض ولم يسلم أو وجد في صدره حرجاً فلا إيمان في القلب، فإن لم يسلم ويرض فلا إيمان في القلب، ولذلك قال بعضهم في هذه الآيات الكريمات: إن سبب نزول هذه الآية أن رجلاً ذهب إلى رسول الله ﷺ وكان من المنافقين، وكان بينه وبين يهودي مخاصمة فقال اليهودي: نذهب إلى محمد يحكم بيننا، فذهبا إلى رسول الله فحكم النبي ﷺ بينهما؛ فلم يرض المنافق ورضي اليهودي، فقال المنافق: والله لا أرضى حتى نذهب إلى أبي بكر فذهبا إلى أبي بكر فحكم بما حكم رسول الله ﷺ ؛ فلم يرض المنافق حتى ذهب إلى عمر فقص عليه القصة: أنه تحاكم إلى رسول الله وتحاكم إلى أبي بكر ولم يرض هذا المنافق؛ فقال: ترضى بحكمي؟! فقال: نعم. فدخل عمر بن الخطاب - وهذا الحديث فيه ابن لهيعة وفيه ضعف في إسناده لكن يستأنس به وهو شاهد للآية- دخل ﵁ وأرضاه فأخذ السيف فاستله فضرب عنق المنافق، ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن من لم يرض بحكم رسول الله يكفر، فإن صح الدليل فإن النبي ﷺ لم ينكر عليه، فهذه الآية مبينة لنا تبييناً واضحاً على أن من سب رسول الله أو آذى رسول الله ﷺ فإنه يكفر بذلك وحده القتل، ما وجه الدلالة من هذه الآية؟ وجه الدلالة من الآية: أن من سب رسول الله فقد كفر، قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] فالقياس الجلي فيها أن الله نفى الإيمان عمن لم يتحاكم إلى رسول الله ﷺ ، ونفى عنه الإيمان إذا تحاكم ولم يرض، ونفى عنه الإيمان إن لم يسلم، فما بالكم بمن سبه وهو ليس بمتحاكم ولاراض ولا بمسلم، بل هو متسخط متكبر على رسول الله ﷺ ؟!

стр. 50

قوله تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن) كذلك من الآيات التي تدل على كفر من سب رسول الله ﷺ . قول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة:٦١] وفي آخر الآيات قال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة:٦٣]، فهذه الآيات تدل على أن الإيذاء محادة لله ولرسوله، والمحادة لرسول الله ﷺ كفر بين، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ((وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ)) وسنبين الإيذاء في آيات أخرى، فقد أخبر الله تعالى مبيناً أن إيذاء النبي محادة لله ولرسوله، ونحن بصدد الكلام عن عرض الرسول ﷺ بأبي هو وأمي، فالمحادة لرسول الله من الإيذاء وقد رتب الله عليها الوعيد الشديد بنار جهنم، وأن العذاب الأليم فيه الخلود، وهذا الخلود لا يكون إلا بالكفر. وهناك آية أيضاً صريحة جداً في هذه المسألة وهي: قول الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢] ووجه الدلالة من الآية نفي الإيمان: ((لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) يعني: فليس في قلوبهم إيمان الذين يوادون من حاد الله ورسوله، ففيها الدلالة على أن من حاد رسول الله كفر؛ لأنه نفى الله عنه الإيمان. وهناك آية أكثر وضوحاً من هذه في نفس السورة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:٢٠]، ولا يكون في الأذلين ولا في الدرك الأسفل إلا من كفر، فوجه الدلالة على أن المحادة لرسول الله ﷺ يستحق صاحبها، أن يكون في الأذلين لكفره بذلك، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا﴾ [التوبة:٥٨]، هذه أيضاً من الآيات التي تدل على كفر من حاد رسول الله ﷺ .

стр. 51

قوله: (ومنهم من يلمزك في الصدقات) كذلك من الآيات أيضاً: أن الله بين أن من يؤذي رسول الله فهو من المنافقين، والنفاق دلالة على الكفر في القلب أو الكفر في الباطن، فالذي يؤذي رسول الله ﷺ كافر ظاهراً وباطناً، فمن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:٥٨]، فكان الكلام والحديث في السياق سباقاً ولحاقاً عن المنافقين وكأن الله يقول: سأجري لك من صفات المنافقين: أنهم يلمزونك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منهاإذا هم يسخطون، فيسخطون ويتكلمون عليك في غيبتك؛ لأنك لم تعطهم؛ ولأنهم من المنافقين، فالسياق في هذه الآيات في قول الله تعالى: ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ)) هو في المنافقين، واللمز معناه: الطعن، كأنهم يقولون: إنه يقبض يده، ويبخل علينا، فهم يطعنون في رسول الله، فيلمزك بالصدقات أي: يطعن فيك، فالطعن هذا من صفات المنافقين، والمنافق نفاقاً اعتقادياً كافر كفراً يخرج من الملة. كذلك التحاكم إلى غير رسول الله ﷺ من النفاق، ومن الممكن أن نستدل على هذا بالآية التي صدرنا بما الباب وهي: قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]، فهؤلاء الذين يتحاكمون إلى الطاغوت إذا قلت لهم: تعالوا إلى رسول الله أعرضوا، كما بين الله في السورة الأخرى، ففيها دلالة على: أن النفاق الذي في القلب يكون كفراً مخرجاً من الملة. يقول الله تعالى في المنافقين: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٦١] فهذه آية صريحة جداً في أن المنافق الذي يسب رسول الله ﷺ ، أو يطعن في رسول الله ﷺ ، أو يلمز أو يغمز رسول الله ﷺ أنه كافر؛ لأن الله بين أنهم في نار جهنم خالدين فيها، وحده القتل لقول الله تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ فحدهم القتل. فهذه أقسام ثلاثة من الآيات -بإيجاز- التي تثبت أن المسلم الذي يسب رسول الله ﷺ أو يؤذي رسول الله ﷺ يكفر بذلك، وتعتبر ردة، وحده القتل.

стр. 52

الأدلة الواردة من السنة في ثبوت ردة من سب رسول الله ﷺ

стр. 53

حديث: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء) أما من السنة فأحاديث كثيرة منها: أولاً: الأحاديث التي جاء فيها التصريح: الحديث الصحيح: (لما قسم النبي ﷺ الغنائم جاء رجل غائر العينين، فقال: يا محمد! اعدل. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق) فهذا حديث فيه دلالة على أن من سب رسول الله ﷺ أو آذى رسول الله ﷺ فإنه يكفر بذلك وحده القتل. ووجه الدلالة: أن هذا كفر، فهو لمز لرسول الله ﷺ فقوله: (اعدل يا محمد) معناه: لست عادلاً، ولذلك النبي ﷺ قال: (ويحك). وفي رواية قال: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟!). وفي رواية قال: (ويحك ومن يعدل إن لم أعدل أنا؟). وأيضاً في رواية ثالثة ستأتي أنه قال: (إذاً: لم يعدل أحد) أي: فإن لم يعدل رسول الله فمن يعدل بعده؟ لن يعدل أحد، فهذا غمز لرسول الله ﷺ ، وهذا الغمز يدل على كفره ونفاقه بدليل قول عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فأين وجه الدلالة؟ وجه الدلالة: أنه لما قال عمر: (يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال رسول الله ﷺ : لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه). وفي الرواية الأخرى: لما قام خالد وقال: (دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: لعله يصلي، قال: إنه يفعل ذلك رياءً؛ فقال: ما أمرنا أن نشق عن قلوب الناس) لكن الدلالة الواضحة عندنا في هذا الحديث: أن عمر لما قال: دعني أضرب عنق هذا المنافق أقره النبي ولم ينكر عليه، لكن النبي ﷺ لم يرض بقتله لعلة أخرى، وهذه العلة ستكون بإذن الله في شرح الكلام على أن من سب الرسول ﷺ بعد موته هل يمكن أن يعفى عنه بعد التوبة أم لا؟ وهل يقتل أم لا يقتل؟ فالنبي ﷺ عفا عنه وله أن يعفو عنه؛ لأن هذا حق للرسول فعفا عنه وأسقط حقه، وهذه لا تكون أبداً إلا في حياة النبي، ائتونا بشخص يخلف النبي ويقول لنا: إن النبي ﷺ عفا عمن سبه ﷺ ؟! لن تجده بحال من الأحوال، فالعفو في حال حياة النبي ﷺ يكون من النبي ﷺ . فقال: لا. لمصلحة أعظم من قتله، وهي عدم تنفير الناس من الدخول في الإسلام أفواجاً، ولذلك قال: (لا، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه).

стр. 54

قصة ابن أبي السرح وإهدار رسول الله لدمه كذلك من السنة التي تدل على أن الذي يؤذي رسول الله ﷺ بالتنقص من قدره ومقامه يكفر: ما حدث في غزوة حنين -وهذا الحديث أيضاً فيه ضعف- ففي غزوة حنين أيضاً: (قام رجل إلى النبي ﷺ عندما أعطاه فقال له: لا أحسنت ولا أجملت)، وفي رواية قال: (ولا عدلت) يعني: لا عدلت في قسمة الغنائم. (فأهدر النبي ﷺ دمه)؛ لأنه وقع في رسول الله ﷺ ، وهذه واضحة الدلالة وأنا لم أذكرها أولاً لضعفها، فجئنا بها استئناساً. كذلك فمن الأدلة من السنة: قصة ابن أبي السرح، وهذا قصته عجيبة فـ ابن أبي السرح قريب لـ عثمان بن عفان كان قد أسلم، وكان يكتب لرسول الله ﷺ الوحي، وكان النبي ﷺ ينزل عليه القرآن على سبعة أحرف، فكان يقول له: اكتب: تبينوا، فيكتب في الآية: تثبتوا، وهي تقرأ تبينوا، وتقرأ تثبتوا، ويقول اكتب: سميعاً عليماً، فيكتب: سميعاً بصيراً، فكان يكتب ذلك ويكتم هذه الكتابة، ثم بعد ذلك ارتد عن دين الله جل في علاه -نعوذ بالله من الخذلان- وبعدما ارتد قال: والله لا يدري محمد ما أكتب، فأنا الذي أكتب له هذا، فأدخل على الآيات ما لا يعرفه محمد، فكان يأمره أن يكتب مثلاً: سميعاً عليماً فيكتبها: سميعاً بصيراً، ولذا زعم لقريش أن محمداً لا يدري ما يقول، يقول: وكنت أدخل عليه بعض الكلام كأنه يلقن النبي ﷺ فيتلقن - حاشا لله! - وهذا انتقاص من قدر رسول الله، لكن كيف يكون هذا انتقاصاً من قدر رسول الله ﷺ ؟! هذا فيه انتقاص للنبي ﷺ من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: فيه تكذيب لرسول الله ﷺ فهو عندما يقول: أنا الذي أكتب والنبي ﷺ يقول: (اكتب والله! ما يخرج منه -أي: فيه- إلا الحق والصدق). وقال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، وكان النبي ﷺ ينتظر الوحي في كل سكناته وحركاته وكلماته، فمعنى قوله: أنا أدخل عليه أو أكتب له فيتلو على الناس ما أدخلته عليه، دليل على أنه ليس بوحي، فكأنه يعرض بأن الرسول ﷺ كذاب، حاشا لله وحاشا لرسوله ﷺ بأبي هو وأمي. الوجه الثاني: التشكيك في حفظ النبي ﷺ ، فكأنه إذا جاءه الوحي لم يضبطه وضبطه الثاني فأكمل. الثالث: يستلزم من ذلك نفي نبوة النبي ﷺ . فهذه ثلاثة وجوه فيها تنقيص لرسول الله ﷺ ، فلذلك أهدر النبي دمه وأمر بقتله، فلما دخل رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي مكة وعلى رأسه المغفر أمر بقتل ابن أبي السرح، لكن ابن أبي السرح كان ذكياً فذهب إلى عثمان ﵁ وأرضاه وكان قريباً له، فجاء عثمان يستشفع، انظروا إلى هذه القصة الرائعة التي تبين لكم أن النبي ﷺ إذا أهدر دم أحد لا يرجع فيه، ومع ذلك وفاؤه يمنعه من أن يقتل، فقد دخل عثمان ليشفع لـ ابن أبي السرح ويقول: يا رسول الله بايع ابن أبي السرح والنبي ﷺ يعرض عنه، فهو لا يريد المبايعة، فيقف عثمان ملحاً على رسول الله والرسول ﷺ يعرض عن ابن أبي السرح ولا يريد أن يبايعه؛ لأنه فعل أمراً فيه منقصة لرسول الله ﷺ وهدم لشرع الله جل في علاه، وهدم لدين الإسلام كلية، ولذا نحن نقول: طلبة العلم الذين يرفعون شعار الدين وينشرونه بين الناس الغيبة فيهم أشد بكثير من الغيبة في عوام الناس؛ لأن الغيبة في العلماء معناه أن تسقط قدر العلماء بين العامة فيسقط الشرع بذلك؛ لأنهم حملة الشرع، فما بالكم بالذي أتى بالشرع نفسه؟ فإن الانتقاص من قدره انتقاص من كلية الشرع، فلذلك ما أراد النبي ﷺ أن يبايع ابن أبي السرح حتى ألح عليه عثمان وجاءه ابن أبي السرح فبايعه النبي ﷺ ، لكن بعدما بايعه عاتب صحابته الكرام فقال: (أما كان فيكم رجل رشيد؟ أما قام أحدكم ليقتله؟!) فانظروا النبي ﷺ الذي وصفه الله جل في علاه أنه بالمؤمنين رءوف رحيم ما أراد أن يرحم ابن أبي السرح، وأراد قتله، لأن هذا قد كتب في اللوح المحفوظ، لكن لم يفقه الصحابة ذلك، وقد قدر الله كوناً أن يعفى عن ابن أبي السرح، ولعل في قلبه من الإيمان شيء، فقبله الله جل في علاه وما استفاق أحد من الصحابة ليقتله؛ ولذلك عاتبهم الرسول ﷺ بلهجة شديدة قال: (أما كان فيكم من رجل رشيد يقوم فيقتله عندما رآني لا أبايعه؟ قالوا: يا رسول الله! لو أومأت لنا). يعني: غمزت بعينيك. فقال: (ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين) وهذه أمانة ليس بعدها أمانة لهؤلاء المغفلين الذين يقدحون في رسول الله ﷺ ، فقال: (ما كان لرسول أن تكون له خائنة أعين). فكتب الله وقدر كوناً أن يحيا هذا الرجل على الإسلام، ويموت على الإسلام، فالحمد الله الذي أنجاه الله من نار جهنم.

стр. 55

قصة ابن خطل وإهدار النبي ﷺ لدمه - كذلك من هذه الأحاديث: قصة ابن خطل، وهي قصة رائعة جداً تثبت لك أنه لا هوادة بحال من الأحوال مع من سب رسول الله ﷺ ، ابن خطل هذا كان مسلماً، فمر ذات مرة في الصحراء مع صحابي من صحابة رسول الله ﷺ وعندهم إبل الصدقة، فقد بعثهم النبي ﷺ ليجمعوها، فأمر ابن خطل الصحابي -وكان من وجهاء مكة- أن يصنع له طعاماً فأبى، فليس عبداً عنده ولا أسيراً، فأبى أن يصنع له طعاماً فماذا كانت النتيجة؟ قام فقتل صاحب رسول الله ﷺ ، ثم أخذ إبل الصدقة؛ فخشي على نفسه، وقال: محمد لن يتركني - بأبي هو وأمي ﷺ -فرجع إلى مكة وارتد، ثم بعد ذلك أخذ يهجو رسول الله وينتقص من قدره، واتخذ جاريتين تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ ، وتغنيان بالسب في رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي، فدخل النبي ﷺ مكة وأمر بقتله. أولاً: حديث ابن أبي السرح هل فيه دلالة على الكلام على المسلم؛ لأننا الآن بصدد الكلام على المسلم؟ ثانياً: هل يصح هذا الحديث أن يستدل به على مسألة المسلم؟ وهل القتل الذي أمر به النبي ﷺ للردة أم لا؟ يعني: أمر النبي ﷺ بقتل ابن أبي السرح هل هو لردته؟ فإن كان لردته فهل يكون دليلاً على أن الذي يسب النبي ﷺ يقتل أم شيء فوق ذلك؟. ابن أبي السرح كان مسلماً، فارتد وتكلم على رسول الله ﷺ ، فهل أمر النبي ﷺ بقلته جزاء للردة أم لشيء فوق الردة؟ ابن خطل ارتد وكان أحرى بنا أن نأتي بالكلام على هذا الحديث في الكلام على المرتد، لكن هنا ابن خطل لما سب رسول الله ﷺ ذهب، ولما علم أنه ﷺ دخل مكة تعلق بأستار الكعبة، وهذا إشارة إلى الإسلام، فقالوا لرسول الله: إنه تعلق بأستار الكعبة؛ فقال النبي ﷺ : (إن وجدتموه قد تعلق بأستار الكعبة فاقتلوه) فقاموا فقتلوه، وجه الدلالة من هذا الحديث: أنه إذا كان مسلماً وارتد فيمكن من مقاصد الشريعة أن النبي ﷺ يتسامح معه ويعرض عليه التوبة؛ لأن من مقاصد الشريعة تشوف الإسلام لإسلام الكافر، فإن كان الإسلام متشوفاً لإسلام الكافر فـ ابن خطل إن رجع عن دينه فالإسلام متشوف أيضاً لإسلامه، ومع ذلك النبي ﷺ لم يعطه هذه الفرصة، وقتله تغليظاً عليه؛ لأنه انتقص من قدر رسول الله ﷺ . فالسبب الرئيسي الذي جعل النبي ﷺ يأمر بقتل ابن خطل مع عدم التجرؤ من الصحابة على القتل في الحرم؛ لأن القتل في الحرم ممنوع، بل بين النبي ﷺ في فتح مكة أنها ما أحلت له إلا ساعة واحدة من نهار، ومع ذلك قال فيه النبي ﷺ : (لو تعلق بأستار الكعبة فاقتلوه). وهذا لعظم الجرم حيث أنه قد أساء إلى رسول الله ﷺ ، وانتقص من رسول الله ﷺ . نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 56

شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول - حكم المعاهد والذمي والمستأمن الذي يسب رسول الله اختلف العلماء في المعاهد أو الذمي إذا سب رسول الله هل يقتل أم لا؟ وقد وردت أدلة كثيرة تبين أن المعاهد أو الذمي إذا سب الرسول ﷺ انتقض عهده وأمانه، وأن حكمه القتل إكراماً للنبي ﷺ وحماية لجنابه.

стр. 57

حكم المسلم الساب للنبي ﷺ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: الإخوة الكرام! نستهل بداية الكلام على هذا الكتاب العظيم الذي لم يصنف مثله في بابه، وهو كتاب: الصارم المسلول على شاتم الرسول، لشيخ الإسلام ابن تيمية. وقد بينا في الأسبوع قبل الماضي مكانة النبي ﷺ من هذه الأمة، وأن حق النبي ﷺ على هذه الأمة التعظيم والتوقير، والنصرة والتبجيل بأبي هو وأمي، وبينا أن صحابة رسول الله ﷺ لما علموا عظم مكانة النبي ﷺ لم يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، فقدموه على كل شيء، وعظموه ووقروه ونصروه، ونصروا سنته ﷺ ، فهذا طلحة بن عبيد الله ﵁ لما كان في غزوة أحد كان يقول للنبي ﷺ : يا رسول الله! لا ترفع رأسك، نحري دون نحرك يا رسول الله! لا يأتيك سهم من سهام القوم، وكان يدفع ويصد السهام عن رسول الله ﷺ بيده وما من صاحب إلا ويقول: فداك أبي وأمي يا رسول الله! كذلك بينا أن حق النبي ﷺ على هذه الأمة عظيم، ولا بد أن تؤدي الأمة حق رسول الله ﷺ . اليوم إن شاء الله حتى نبين أهمية هذا الكتاب، ونبين أهمية مكانة النبي ﷺ ، وكيف لهذه الأمة أن تحفظ حق رسول الله ﷺ الذي قال عن نفسه: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) فسنتكلم عن حكم الذي ينتقص من قدر رسول الله ﷺ ، وحكم الذي يتجرأ على جناب رسول الله ﷺ ، وقد بينا سابقاً أن حكم من سب الرسول أو انتقص من قدر الرسول أو تعدى وتجرأ على جناب الرسول ﷺ أنه يكون كافراً، وأنه يصير بما فعل مرتداً، وأظهرنا الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة. وأقول: إن الذي يسب رسول الله ﷺ لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون مسلماً، فإن كان مسلماً وتعدى بالسب على رسول الله ﷺ فإنه يصير بالإجماع مرتداً، وهذا خلافاً للمتأخرين في عصرنا أو الذين يستغرب المرء لكلامهم عندما يقولون: هذا من سوء الأدب، أو من التعدي، أو يعذر بجهله، فهذا إرجاء محض. فالصحيح بإجماع الصحابة وإجماع التابعين: أن المسلم إذا سب رسول الله ﷺ فإنه يكفر بذلك ويصير مرتداً، فبالاتفاق وبالإجماع يكفر، وبالاتفاق وبالإجماع أن حده القتل، لا بد أن يقتله ولي الأمر بسبه لرسول الله ﷺ . ثم اختلفوا فيما بينهم هل يستتاب أو لا يستتاب؟ لأن خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه لما سمع رجلاً يسب النبي ﷺ قتله وقطع عنقه وما استتابه، كذلك -كما سنبين- قول عمر بن الخطاب وخالد للنبي ﷺ : دعني أضرب عنق هذا المنافق، فلم يفصل النبي ﷺ ولم يقل: لا بد أن نستتيبه وغير ذلك. ثم اختلفوا بعد هذا الاختلاف أيضاً: هل إذا استتابوه ثلاثة أيام فعرض عليه أن يرجع إلى الإسلام مرة ثانية، وأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن يتوب من هذا السب لرسول الله فتاب، فهل يقتل أيضاً أم يسقط عنه الحد؟! فهذا أيضاً خلاف نجم عند العلماء بعد الاستتابة أو قبل القدرة عليه، فهذا خلاف آخر أيضاً، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله، ونحن اليوم بصدد الحالة الثانية.

стр. 58

حكم المعاهد والمستأمن إذا سبوا النبي ﷺ الحالة الثانية: أن يكون معاهداً أو ذمياً أو مستأمناً ولم أذكر المحارب؛ لأن المحارب سواء سب أم لم يسب فقد أهدر الله دمه، المحارب مهدور الدم وليس له حرمة بحال من الأحوال، والحرمة تأتي: إما بطلب الأمان، وإما بالعهد: كمعاهدة دولة إسلامية مع دولة أخرى كافرة كصلح مثلاً، فهذا معنى المعاهدة، أو يكون بالجزية فينزل تحت إمرة المسلمين وتحت حكم أهل الإسلام. فنقول: هذه الحال الثانية -أن يكون مستأمناً أو معاهداً أو ذمياً- فلو سب رسول الله ﷺ فما حكمه؟ هذه هي المسألة المعضلة بحق، فنريد أن نعرف حكمه إن كان ذمياً أو إن كان معاهداً، أو إن كان مستأمناً: كأن دخل بلدنا بتأشيرة الأمان بإذن ولي الأمر، ثم تعدى على رسول الله بالسب فهل حكمه أن ينتقض أمانه؟ أنا لا أقول: إن حكمه الكفر؛ لأنه كافر أصلاً، ولكن حرمة دمه كانت بأمور أخرى بينها الشرع، فالأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد باتفاقهم: أنه يقتل، وأن أمانه ينتقض، وأن عهده ينخرم، وأن عقد الذمة يبطل بذلك أو ينتقض بذلك، فهذا كلام الأئمة الثلاثة الفحول أساطين أهل العلم مالك والشافعي وأحمد على تفصيل في مذاهبهم، لكن اتفقت كلمتهم على أن من سب رسول الله ﷺ وتجرأ على جنابه -بأبي هو وأمي- فإنه يقتل بذلك وينتقض أمانه وعهده، وخالف في ذلك أبو حنيفة رحمة الله عليه الإمام العظيم المبجل وقال: سب الرسول كفر، وهو كافر، فهذه لا تزيد على كفره كفراً أو نقول: حتى لو زادت فإنها تزيد في عذابه في الآخرة، فقال: لا ينتقض عهده بسبه للرسول ﷺ ، ولا يقتل بذلك فهذا قول الأحناف، والراجح الصحيح هو قول الأئمة الثلاثة العظام: مالك وأحمد والشافعي، بأنه يقتل ويصير أمانه منتقضاً؛ لسبه للرسول ﷺ وتعديه، وهذا واقع من ناحية الأثر والنظر.

стр. 59

الأدلة الواردة من القرآن على نقض عهد الذمي والمستأمن إذا سب النبي ﷺ أما الدليل من الكتاب: فكل آيات سورة براءة تدل على أن من سب الرسول سواء كان مستأمناً أو معاهداً أو كان ذمياً فإنه ينتقض عهد الذمة.

стр. 60

قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) أولاً: من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] أولاً: نأخذ مقدمة حتى أبين وجه الدلالة من هذه الآية: إن الله جل في علاه بعدما مكن لرسوله ﷺ بتأسيس الدولة الإسلامية في المدينة، وأمره بنشر دعوة الإسلام، وبعدما أمره أن يكف ويضع الجناح ويصدع بالحق باللسان فقط بعد ذلك أمره بالسيف وبالسلاح، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣]. وكذلك قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله). والكفار أصناف: فمنهم العتاة، ومنهم المتكبرون الذين يناهضون دين الله جل في علاه ويناصرون الكفر والباطل، ولا يرضون بدين الله جل في علاه، بل يرفعون السيف في وجه الإسلام وأهله، فهؤلاء لا كرامة لهم، وهؤلاء الذين قال فيهم النبي ﷺ بعد دعوتهم للإسلام: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم) إذاً: فلا عصمة للدم ولا للمال بعدم الدخول في الإسلام. كذلك: كان النبي ﷺ -كما في الصحيح- يبعث السرايا ويقول: (اغزوا باسم الله، قاتلوا من كفر بالله)، فكان يأمرهم بالقتال بعد تأسيس الدولة الإسلامية، وبعدما ظهرت كلمة الله جل في علاه، وظهرت القوة في الأمة الإسلامية، فيقاتلون كل الكفار للدخول في الإسلام، فإن أبى أهل الكفر إلا المذلة والمهانة، وأن يتذللوا ويخضعوا للشيطان لا للرحمن فإن الله جل في علاه جعل لهم حرية المعتقد، لكن بذلة وصغار، وبشروط وقيود، قال: ((حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ))، فإن دعوتهم للإسلام فأبوا فعليك أن تدعوهم إلى أن يعطوا الجزية وهم صاغرون؛ لأنهم أبوا أن يكونوا أذلاء للرحمن، فأذلهم الله جل في علاه للشيطان، وأذلهم لعباد الرحمن، فهنا الله جل وعلا عصم دماءهم بشرطين وقيدين: أن يعطوا الجزية، ومع ذلك يكونوا في صغار وذلة، وبعض العلماء يرى أن إعطاء الجزية نفسه صغار، وهذا ليس بصحيح، وعند الجماهير: أنه لا بد من إعطاء الجزية مع القيود والشروط بالذلة والصغار، وهنا وجه الدلالة من هذه الآية العظيمة: ((حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ))، فالصغار والذلة يناقضهما سب الرسول ﷺ ، فلو تجرأ الذمي على سب الرسول فهذا دليل على أنه ليس ذليلاً، بل دليل تكبره وعتوه وتجبره، سبوا رسولنا، وسبوا قدوتنا، وسبوا من نتأسى به، بل سبوا أكرم الخلق على الله جل في علاه، فهذا يعتبر منافياً لهذه الآية العظيمة، ولهذا الشرط والقيد الذي قيده الله جل في علاه في عصمة الدم، وكأن الله في هذه الآية يقول لرسول الله ﷺ : أنت تقاتلهم حتى يدخلوا في دين الله أفواجاً، فإن أبوا عليك فاعصم دماءهم بأن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون أي: في ذلة وصغار، فالصغار ينافيه ويناهضه ويناقضه سب الرسول ﷺ ، فتكون هذه الآية فاصلة في النزاع، وظاهرة جداً في أن من سب الرسول ليس بصاغر، ومن ليس بصاغر لا تقبل منه الجزية. إذاً: فلا بد ألا نرفع عن رقبته السيف؛ لقول النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم).

стр. 61

قوله تعالى: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم) الدليل الثاني من الكتاب: قل الله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٢]، وهذه الآية عظيمة جداً، والاستدلال من الآية بوجوه عدة: الوجه الأول: أن تعريف إمام الكفر: هو الداعي لهذا الكفر، المناهض لدين الإسلام، ومن المناهضة: القتال، والسب والاستهزاء، ومنها الحط من قدر وجناب رسول الله ﷺ ، فإمام الكفر ألحق به السيف؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٢]، ولم يتكلم على الأتباع، وإنما تكلم على الرءوس والأئمة بقطع الرءوس، قال: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٢] فاستحق القتل واستحق باللزوم أن يكون إماماً للكفر من وجهين: الوجه الأول: نكث العهد. والوجه الثاني: الطعن في الدين، وأوفر حظاً أن يكون طعناً في الدين من يسب الذي أتى بهذا الدين، فسب الرسول ﷺ يعتبر طعناً في الدين. والوجه الثاني في الاستدلال بهذه الآية: قول الله تعالى: ((وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ))، نكثوا الأيمان، وطعنوا في دينكم، فكأن الله جل في علاه عطف الطعن في الدين على النكوث في الأيمان، فهذا العطف كما يسميه علماؤنا من باب عطف الخاص على العام، وأهل البيان واللغة يسمونه: تأكيداً، كما قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران:١٤] فكل هذه المعدودات متاع الحياة الدنيا، ولذا قال في آخر الآية: ((ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) أيش المتاع الذي فصله؟ النساء، والبنين، والقناطير المقنطرة، والنساء، وكلها تعتبر فتنة من فتن الدنيا، وانظروا إلى كلام النبي ﷺ عندما قال: (الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعلمون، فاتقوا الدنيا) يعني: فتن الدنيا، فقال: (اتقوا الدنيا) عموماً، ثم عطف الخاص على العام للتأكيد فقال: (واتقوا النساء) فكأنه قال: اتقوا النساء أولاً في عموم (اتقوا الدنيا)، ثم خصص، ولهذا قال العلماء: إن عطف الخاص على العام -لأن الخاص فرد من أفراد العموم- يدل على تأكيده، قال: (فاتقوا الدنيا) وكأن النبي ﷺ يقول: وأخص من فتن الدنيا النساء؛ لأنها آكد ما يكون من الفتن، ونفس هذا الأمر في الآية، فقد قال الله تعالى: ((نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ))، ومن صور النكث: الزنا بالمسلمة، والتجسس على المسلمين، وإظهار عورات المسلمين للكفار، وإدخال الكفار في بلد المسلمين حتى يعبثوا بها، فكل ذلك نقض للعهد والأيمان، وأيضاً سب الرسول ﷺ ، فكأن الله قال: ((نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ)) فهم يستحقون لقب أئمة الكفر، ويستحقون بهذا اللقب عقاباً وهو قطع الرءوس، فكأن الله يقول: ((نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ)) عموماً ثم عطف الخاص المؤكد فقال: ((وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ))، وأهم طعن في الدين وأوكد طعن في الدين هو: سب الرسول. فهذا الوجه الثاني. الوجه الثالث: قد يعترض معترض ويقول: لكن الحكم إذا تعلق بعلتين ذكرتا في الكتاب عطف أحدهما على الأخرى: ((وإن نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم))، فإن العطف يقتضي المغايرة، فنرد عليهم ونقول: وإن قلنا بقولكم إن حكم القتل مترتب على الاثنين فنحن نقول: إن نكث الأيمان والطعن في الدين بمجمله يكون مستوجباً القتل؛ فإن كل واحدة منهما علة مؤثرة، فنكث الأيمان علة مؤثرة؛ لأنها خيانة لله جل وعلا، قال: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال:٥٨]، فالخيانة علة مؤثرة، وأيضاً الطعن في الدين علة مؤثرة، ولو قلنا: إنه بالعلتين يستوجب القتل فإن الطعن في الدين أكبر محرض على القتل، ونبين هذا بالآية التالية أو الدليل الثالث الذي سنبينه بأنه دليل على قتل من سب الرسول ﷺ ، وهو قول الله تعالى: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ﴾ [التوبة:١٣]، فهذه الآية العظيمة تبين أن الطعن في الدين أقوى تأثيراً من نكث الأيمان، قال الله تعالى: ((وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ))، فجعل الله المحرض على قتالهم: أنهم هموا بإخراج الرسول، وما أخرجوه، بل هموا بإخراج الرسول، فمن باب أولى ومن القياس الجلي: أن سب الرسول يكون محرضاً على قتل مرتكبه. فنحن نقول: إن كانت الآية تظهر لنا أن الهم بإخراج الرسول سبب في قتالهم وقتلهم فالطعن من باب أولى، ويكون هذا من باب القياس الجلي.

стр. 62

قوله تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن) الدليل الرابع: قول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة:٦١]، ففي سياق الآيات قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة:٦٣]، فجعل إيذاء الرسول من المحادة لله ولرسوله، والمحادة عقابها القتل، فإذا قالوا لنا: أين دليلكم من الآية؟ قلنا: الدليل هنا منفصل، قالوا: ائتونا بالدليل المنقطع؟ قلنا: عندنا دليل أسطع من ضوء النهار، وذلك لما خاض المنافقون في عرض عائشة ﵂ وأرضاها قام النبي ﷺ مغضباً على المنبر فخطب الناس وقال: (من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهلي أو بالغ في إيذاء أهلي؟) فقام سعد بن معاذ ولنعم الرجل سعد بن معاذ، فهذا الرجل له الحظ والمكانة عند رسول الله، وعند صحابة رسول الله بل له الحظ والمكانة عند الله جل في علاه، لقد اهتز عرش الرحمن فرحاً بقدوم سعد بن معاذ ﵁، فقال سعد بن معاذ: (أنا أعذرك منه يا رسول الله! والله لو كان من إخواني الأوس أو الخزرج لنضربن عنقه، فقام سعد بن عبادة وقال: والله لن تستطيع. فقام أسيد بن حضير) فقال له سعد بن عبادة كلمة شديدة -وسعد بن عبادة سيد من السادات، وبار كريم وصاحب جليل- قال أسيد: والله لا أراك إلا منافقاً تجادل عن المنافقين. الغرض المقصود من هذه القصة بأسرها أنه قام سعد بن معاذ فقال: (يا رسول الله! أنا أعذرك منه أضرب عنقه) للعلة التي ذكرها النبي ﷺ على المنبر، وهي: أنه بلغ أذاه في أهل النبي، وهذا يعتبر إيذاءً للنبي ﷺ ، فلما كان إيذاء للنبي قام سعد بن معاذ فقال: أضرب عنقه، فأقره النبي، فكان الدليل هنا: إقرار النبي ﷺ بضرب عنق من آذى رسول الله ﷺ ، وإن كان الدليل نص في مسألة المسلم لا المعاهد، لكنه يدخل في الآية بعمومها؛ لأن الله جل وعلا عمم وقال: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة:٦١] فبين أن إيذاء النبي فيه محادة لله ولرسوله، فالعقاب يكون بالقتل وضرب العنق لمن آذى رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي.

стр. 63

الأدلة الواردة من السنة على نقض عهد الذمي والمستأمن إذا سب رسول الله أما الأدلة الواردة من السنة فهي كثيرة جداً، سنقتصر على بعضها: الحديث الأول -هو فاصل في النزع وحجة على الأحناف- حديث كعب بن الأشرف، وكان يهودياً عاتياً جباراً متكبراً وكان معاهداً للنبي ﷺ في وقت ما كانت المدينة من القوة بمكان حتى يأخذ عليهم الجزية، ولكن كان بينهما مهادنة وموادعة، فكان كعب بن الأشرف يهجو رسول الله ويسبه؛ فقال النبي -وهذا وهو وجه الشاهد الذي سيأتي- ﷺ : (من لـ كعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله؟) مع أنه ما سب الله وهذا الحديث يحتاج إلى تفسير، قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (من لـ كعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله؟) وكيف يؤذي الله وهو لم يسب الله جل في علاه؟ إنه آذى رسول الله، وإيذاء الرسول إيذاء لله جل في علاه؛ فقال النبي ﷺ : (من لـ كعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله؟ فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله! أنا له، لكن ائذن لي أن أتكلم فيك) يعني: أنه سيكلمني عليك وسأتكلم فيك فائذن لي، فقتله بعد أن جعل النبي ﷺ دمه هدراً، فلما جاء اليهود قالوا: قتل غيلة، من الذي قتله غيلة؟ محمد بن مسلمة. جاء اليهود إلى رسول الله وقالوا: إن كعب بن الأشرف قتل غيلة، فطلبوا العهد منه، فقال النبي ﷺ : (إنه قد آذى الله ورسوله، ومن فعل ذلك منكم فليس له إلا السيف) أو كما قال النبي ﷺ ، فهذا وجه شاهد آخر. إذاً: فالنبي ﷺ لما قال له محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أقره على ذلك وجعل دمه هدراً، وما أعطاهم الدية، ولما جاءوا يشتكون لرسول الله لم يسمع لهم ﷺ أبداً، بل قال لهم: (من فعل ذلك منكم فليس له إلا السيف) فهذه دلالة واضحة جداً أن المعاهد ينتقض عهده، وأن المستأمن من باب أولى ينتقض أمانه، وأن الذمي ينتقض عهد ذمته إن سب رسول الله؛ والمسلمون في هذه الآونة كانوا في ضعف ومع ذلك نقضوا العهد، وقتل كعب بن الأشرف من أجل رسول الله بأبي هو وأمي.

стр. 64

حديث الأعمى الذي قتل الجارية لسبها النبي ﷺ الدليل الثاني: رجل عجوز أعمى، وكان له أمة يحبها جداً، وكان يطؤها، فكانت تكفيه شهوة وعملاً وخدمة، وكان له منها ولد وكانت تغنيه في كل شيء، لكن كانت تسب رسول الله -بأبي هو وأمي- وكان ينهاها عن ذلك، فاستطالت مرة في عرض رسول الله وكررت ما تقول وزادت في إيذائها لرسول الله ﷺ ، فكان عنده معول فبقر به بطنها فقتلها، ولما قام النبي ﷺ يسأل عن قتل هذه المرأة قام الأعمى فقال: أنا يا رسول الله! لأنها كانت تفعل كذا وكذا، فأهدر النبي ﷺ دمها هدر. وجه الدلالة في الحديث: أنه أهدر دمها وأقر قتلها، فمن باب أولى نقض الأمان والعهد، فليس هناك أو أمان أو ذمة طالما سب رسول الله ﷺ . وقد يورد الأحناف إشكالاً فيقولون: يظهر من هذا الحديث أنها كانت مسلمة، فيرد عليهم: أنه كان ينهاها وكانت تزيد، ووجه الدلالة: أنها لو كانت مسلمة ما كان للنهي فائدة وقت السب، وإنما تقتل مباشرة لأنها أصبحت مرتدة. المقصود: أنها لو كانت مسلمة لحظة السب لارتدت في وقتها، ولما جاز له أن يصبر عليها كل هذا الصبر، وينهاها مرة تلو المرة؛ لأنها لو كانت مسلمة لارتدت، والنبي ﷺ يقول: (من بدل دينه فاقتلوه) وإن كانت من النساء، خلافاً للأحناف، فلو كانت الأمة مسلمة لارتدت في الوقت ذاته، فدل ذلك على أنها كانت كافرة، فكان ينهاها مرة بعد مرة فلم تنته، فنقض عهد الأمان وقتلها.

стр. 65

قول ابن عمر: (ما على هذا أعطيناهم العهد) الدليل الثالث: وفيه انقطاع: عن ابن عمر ﵁ وأرضاه أنه مر براهب فأخبره أحدهم: إني سمعت هذا الراهب يسب رسول الله، فقال ابن عمر ﵁ وأرضاه: لو سمعته لقتلته ما على هذا أعطيناهم العهد وهذا ظاهر جداً. وجه الدلالة: أولاً: أنه كان راهباً -هذا أول شيء- وليس مسلماً. ثانياً: أنه كان معاهداً فانتقض عهده بسب رسول الله؛ لذلك ابن عمر يقول: لو سمعته لقتلته، يعني: ولا أرجع إلى الولي، وفي هذا الزمان أصبحت هذه مسألة فقهية: فلابد أن يرجع لولي الأمر، وليس لأحد أن يتجرأ على هذه المسألة حتى لا يأتي بالمفاسد العظام التي لا يعلمها إلا الله جل في علاه؛ لأن مقاصد الشريعة تأبى هذا، وعليك دائماً أن تنظر إلى المصالح والمفاسد، فنقول: يقول ابن عمر بقوة: لو سمعته لقتلته ما على هذا أعطيناهم العهد. يعني: أنهم نقضوا عهدهم بسب الرسول ﷺ . وأختم هذه الأدلة الأثرية بحديث أخير: وهو حديث أبي برزة ﵁ وأرضاه أنه قال: بعد موت الرسول ﷺ استخلف أبو بكر ﵁ وأرضاه فجاء رجل فسبه، فقام أبو برزة وأشهر سيفه فقال: دعني أضرب عنقه، كيف يسب الخليفة؟! فقال أبو بكر: مه! والله ما كانت إلا لرسول ﷺ . وهذا في وجود كثير من الصحابة، فأقروه على ذلك. وهذا كفر أيضاً، ولكن على التفصيل المعلوم، ومع هذا بين أبو بكر بأن سب الرسول ليس كسب أحد من الناس، فسب الرسول يستوجب القتل، أما سب غير الرسول فلن يستوجب القتل؛ لبيان التفرقة، ولذلك قال أبو بكر: مه! ما كانت إلا لرسول الله. وهذه يبين لك الإجماع في قوله: (ما كانت إلا لرسول الله) والصحابة يسمعون ذلك؛ فأجمعوا على كلام أبي بكر أن من سب الرسول يقتل، لكن الخلاف فيمن سب غيره. أما من النظر: فإن الكافر المعاهد لم يعطه ولي أمر المسلمين العهد والأمان والذمة إلا بشرط عدم إيذاء المسلمين؛ لأنهم سيطلبون منا الأمان لأنفسهم بشرط عدم إيذاء المسلمين، ولذا نبين لكم أنه لا يجوز أي مسلم دخل بلاد الكفر بعقد أمان أن يفجر أو يقتل؛ لأنه لو دخل بعقد الأمان فقد أعطاهم الأمان على أنفسهم، كما أعطوه الأمان على نفسه، فلا يجوز له ذلك. أما إذا دخل متخفياً في بطاطس، في بصل، في سيارة، أو أي شيء فهذه مسألة ثانية يتكلم فيها الكبار من العلماء، وإنما نبين لكم أن من لوازم إعطاء عقد الأمان: أن تؤمنه على نفسه بشرط أن يؤمنك على نفسك، ويؤمنك على عرضك فلا يصل منه الإيذاء لك، وأعظم الإيذاء هو: أن يؤذيك فيمن تتأسى به، أن يؤذيك في دينك، وأن يؤذيك في رسول الله المعظم المكرم المبجل بأمر الله لديك، فإن آذاك في رسول الله فلا أمان ولا عهد له، فلا بد أن يبلغه ولي الأمر مأمنه، ثم بعد ذلك يبين له أنه أصبح من المحاربين وليس من المستأمنين. هذه آخر الأدلة بإيجاز على الحالة الأولى وهي: حالة الكافر الذمي الذي له عقد الأمان أو المعاهد أو المستأمن إذا سب الرسول ﷺ ، فالراجح: أن حده القتل، ويبقى لنا الحالة الثانية وهي: المسلم إذا سب الرسول وفيها أمور ثلاثة، أولاً: حكمه. الثاني: حده، وإذا اتفقوا على أن حده القتل فهل يستتاب أم لا؟ الثالث: إذا تاب هل يسقط عنه حد القتل أم لا؟ هذا معترك واسع جداً، ولعله يأخذ منا أسابيع إذا قدر الله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً.

стр. 66

شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول - حكم من سب الله إن عظمة الله في القلوب تجعل المسلم يخاف من التجرؤ على سبِّ الله تعالى، فإنَّ سبَّ الله ، أو الانتقاص من قدره، أو الاستهزاء به، أو الشرك به شركاً أكبر هو كفرٌ صريح يخرج صاحبه من الملَّة؛ لأنَّ كل هذه الأمور سبٌ لله .

стр. 67

تنزيه الله لنفسه ورسوله وعباده المؤمنين عن كل نقص وعيب إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: لقد ذهب أهل العلم بشرف الدنيا والآخرة، وإن لم يكن العلماء هم أولياء الله فمن يكون ولياً لربه جل في علاه؟!. مر الحافظ ابن حجر على يهودي كان يعمل بقالاً وكان الحافظ قاضي القضاة في ذلك العهد، وكان يسير في كوكبة عظيمة في قيمة وعظمة ومكانة شريفة، فنظر اليهودي متعجباً لمكانة الحافظ ابن حجر؛ فاستوقفه؛ فوقف، فقال له: بالله عليك أما يقول نبيكم: (إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)، فما بالي أراك في جنة وأرى نفسي في سجن؟ انظروا إلى نباهة المحدث الفقيه الدقيق، وانظروا إلى دقة نظر الحافظ ابن حجر حيث قال له: نعم. والله إن الدنيا هي سجن المؤمن وجنة الكافر؛ لأن ما أنا فيه بالنسبة للنعيم الذي ينتظرني عند ربي جل في علاه سجن، وما أنت فيه بالنسبة للعذاب الذي ينتظرك عند ربك جل في علاه جنة. فالله ﷻ له الكمال المطلق، والعظمة المطلقة، والجلال المطلق، والجمال المطلق، تقدست أسماؤه، فهو سبحانه جل في علاه له الأسماء الحسنى والصفات العلى. عظيم كملت عظمته، قدير كملت قدرته، عزيز كملت عزته، رحيم كملت رحمته، هو السيد كمل سؤدده سبحانه جل في علاه، والله جل في علاه نزه نفسه سبحانه قبل أن ينزهه عباده عن كل نقص وعيب، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، أي: نفى الله عن نفسه التعب والإعياء، وكذلك نزه نفسه عن النعاس والنوم، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥]. وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام)، وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩١]، فهو سبحانه جل في علاه الواحد الأحد الفرد الصمد. وأيضاً في الصحيحين عن النبي ﷺ : (قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً)، فقد نزه الله نفسه عن الظلم، ونزهه رسوله ﷺ عندما كان مع أصحابه وعلت أصواتهم فقال: (أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، ولكنكم تدعون سميعاً بصيراً)، سبحانه جل في علاه، وكثيراً ما كان النبي ﷺ يسبح الله، ويعلم أصحابه إذا علو جبلاً أن يكبروا، وإذا نزلوا أن يسبحوا، حتى لا ينسب جل في علاه إلى نقص أو عيب. فدأب الصالحين والمؤمنين والمتقين أنهم يعملون بأوامر الله جل في علاه وينزهون ربهم جل في علاه عن النقائص، أما السفلة الرعاع الذين لا يعرفون حرمة لربهم سبحانه، ولا يقدرون الله حق قدره، فقد أنكر الله عليهم في كتابه أيما إنكار، فقال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، وقال الله جل في علاه: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣] أي: لا تعظمون الله حق عظمته. ونحن بصدد تبيين حكم الذين يتجرءون على حرمة الله، وعلى تقديسه وكماله إن كان مسلماً، أو حكم من فعل ذلك إن كان ذمياً، وسنتكلم عن حكم من كان مسلماً وتجرأ على الله ، فمن سب الله أو انتقص من قدره، أو استهزأ به سبحانه فحكمه أنه كافر، وهذا الحكم دلت عليه الأدلة الكثيرة المتوافرة المتظافرة من الكتاب والسنة، وإجماع الملل والنحل وإجماع الأمة بأسرها من أهل البدع وأهل السنة والجماعة، وهو معلوم من الدين بالضرورة. أما الأدلة فمنها ما هو صريح، ومنها ما هو أولوي، ومنها ما هو بالإشارة والتلميح.

стр. 68

الأدلة الصريحة على كفر من سب الله من الأدلة الصريحة على كفر من سب الله: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، فالشاهد قوله: ((قَدْ كَفَرْتُمْ)) فالله جل وعلا وصفهم بالكفر؛ لأنهم يستهزءون برسوله كما مر في الكلام عن النبي ﷺ . ومن الأدلة الصريحة: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب:٥٧]، الشاهد: ((لَعَنَهُمُ اللَّهُ)) واللعن: هو الطرد من رحمة الله جل في علاه، فمن طرده الله من رحمته فلا راحم له غيره سبحانه. فهذه آية صريحة على أن من يؤذي الله جل في علاه بأن ينتقص من قدره، ويستهزئ بالذات المقدسة، فهو ملعون مطرود من رحمة الله جل في علاه، لكن هل الإيذاء كالضر أم لا؟ قال الله جل في علاه في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري)، فالضر لا يصل إليه سبحانه، لكن الأذى يصل إليه سبحانه، والدليل على ذلك الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (ما رأيت أحداً أصبر على أذى من الله، يسبونه، يدعون له الولد وهو يرزقهم ويعافيهم). الآية الثالثة المصرحة بكفر من آذى الله أو استهزأ به أو انتقص من قدره: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:٢٠]، هذا هو الحكم، ولا يكون في الأذلين إلا من اشتد كفره وتعاظم، فهذه آية صريحة في الدلالة على كفر من يحاد الله جل في علاه بالاستهزاء أو بالانتقاص من قدره سبحانه. أيضاً من باب أولى قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، تفسرها الآية الأخرى وهي أعظم منها دلالة: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح:٦]، فهذه آية صريحة جداً في أن الذي يظن في الله ظناً سيئاً كالذي يقول: لماذا يا رب تظلمني؟! يعني: فهو يظن أن الله يظلمه. أيضاً من الأدلة التي تثبت كفر من يتجرأ على الله جل في علاه: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، في هذه الآية تصريح على أنَّ من جعل الله ثالث ثلاثة فقد كفر؛ لأنَّ في ذلك شتماً لله ؛ لأنهم يجعلون له نداً، ويجعلون له ولداً، ففي الحديث الصحيح قال النبي ﷺ : (قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، ثم قال: ويشتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، ثم قال: فأما شتمه إياي فإنه قال: لي ولد، وأنا الواحد الأحد). وهذه دلالة صريحة أنَّ من جعل الواحد ثلاثة فقد كفر؛ لأن في ذلك شتماً لله وانتقاصاً لعظمته، واستهزاء بمكانته العليا سبحانه جل في علاه، وتعالى عن قول الظالمين علواً كبيراً. فهذه آيات صريحات في كفر من يسب الله جل في علاه.

стр. 69

الأدلة على أن التلميح بسب الله كفر إن الله لعن قوماً وسخط عليهم، وأنزل عليهم العذاب الأليم في الدنيا قبل الآخرة؛ لانتقاصهم من عظمة الله جل في علاه تلميحاً لا تصريحاً، وذلك عندما نسبوا الفقر لله جل في علاه، فهؤلاء كفرهم الله، فما بالكم بمن يسب الله سباً صريحاً؟! قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران:١٨١ - ١٨٢]، وعذاب الحريق والخلود لا يكون إلا لمن كفر بالله جل في علاه، فهذه كلها أدلة متوافرة متظافرة على كفر من سب الله جل في علاه.

стр. 70

الأدلة من السنة على كفر من سب الله جل وعلا هناك أحاديث كثيرة تثبت أن سب الله كفر، فكل حديث فيه أن الشرك بالله كفر لك أن تستدل به على أن سب الله كفر، ومن ذلك: قول النبي ﷺ : (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)، وقول النبي ﷺ : (من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد)، فأيُّ حديث صرَّح فيه النبي ﷺ بأنَّ الشرك كفر؛ فهو دليل على أنَّ سبَّ الله كفر، وبيان ذلك أنَّ النبي ﷺ بين أن الله جل في علاه وصف كثيراً من الناس بالكفر؛ لأنهم لم ينسبوا النعمة لبارئها، فقال النبي ﷺ : (أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال ربكم: أصبح من عبادي مؤمن بي كافر بالكوكب، وكافر بي مؤمن بالكوكب، أما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا كافر بي مؤمن بالكوكب)، وهذه دلالة صريحة على أن من نسب النعمة لغير بارئها سبحانه جل في علاه كفر، وهو كفر أكبر بالاعتقاد، وكفر أصغر إذا جعل النوء هو السبب. إذاً: فالذي ينسب النعمة لغير بارئها يكفر بذلك. كل هذه الأدلة دلالة على أن من سب الله فقد كفر، وكل حديث صرح فيه النبي ﷺ بالكفر سواء كان في العمل شرك أصغر أو شرك أكبر فهو دليل على أن السب كفر، والسب أغلظ وأعظم من الشرك، فإذا سمى الله على لسان نبيه ﷺ الشرك شركاً فالسب أغلظ، ويكون من باب أولى أن يسمى شركاً، والدليل على ذلك: أن الله نهى المؤمنين أن يسبوا آلهة المشركين؛ لأن المشركين سيقعون فيما هو أفحش وأغلظ وأقبح من الشرك الذي هم عليه، ألا وهو التجرؤ على الذات العالية. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨]، أي: أنهم سيقعون في أفحش ما يكون وأظلم ما يكون وأقبح ما يكون، ألا وهو سب الذات العالية.

стр. 71

الإجماع على كفر من سب الله تعالى أجمعت الأمة بأسرها أن من سب الله جل في علاه يكفر بذلك ويخرج من الملة، ويعتبر ردة صريحة، وقد اختلف العلماء في مسألة الردة هذه، وهذه المسألة الثالثة التي سنتكلم عنها.

стр. 72

من صور سب الله إنَّ صور سب الله جل في علاه كثيرة جداً، ومن باب الأدب مع الله فلن نفصل فيها، بل نمر عليها إجمالاً. وسب الله قد يكون سباً صريحاً، وهذا يحدث في كثير من البلاد العربية وخاصة في بلاد الشام، نسأل الله أن يردهم إليه رداً جميلاً، وأن يحفظنا جميعاً من الفتن ما ظهر منها وما بطن. فكثير من الناس يتجرءون على الله جل في علاه بالسب الصراح، وهذا كفر محض ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فتراه يسب الله ثم يذهب ليفجر نفسه في عملية والله المستعان! ومن صور انتقاص قدر الله تعالى تلميحاً أو تصريحاً تلك الرسومات المتحركة، حيث إنَّ بعض الرعاع السفلة يرسمون ناراً والناس فيها يصرخون ويتألمون، وهناك رجل تحتهم في الدرك الأسفل، وفيهم رجلٌ يمسك حمية يشربه واضعاً رجلاً على رجل، والذي ينظر الرسم يتعجب من أناس يصرخون من الألم، وهذا الرجل الذي يمسك حمية لا يشعر بألم، ويشرب حمية أيضاً، وينسبون ذلك إلى الله ! فهؤلاء يحسبون أنهم ليسوا على خطر، مع أنهم ولجوا في الكفر من أوسع أبوابه، فنسأل الله جل وعلا أن يحفظنا ويحفظ ألسنتنا ويحفظ أقلامنا من هذه التراهات.

стр. 73

أقوال العلماء في حد من سب الله تعالى وأدلتهم إن حكم من سب الله أنه يكفر وحده القتل بالاتفاق، وهناك أدلة كثيرة جداً قد مرت في (الصارم) في الكلام على سب الرسول ﷺ ، منها: قول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢]. وهناك دليل آخر في الكتاب، وهو: قول الله تعالى عن المنافقين: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٦١]. وأيضاً رأس الأدلة: ما رواه البخاري من حديث عكرمة قال النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه)، فاتفق كل العلماء على أن حد من سب الله هو القتل، واختلفوا بعد ذلك، هل يطابق حكمه حكم الردة مطابقة كلية، أم هي حالة خاصة من الردة؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال ثلاثة: القول الأول: يقتل بكل حال ولا يستتاب، فإن تاب لم تقبل توبته. وهذا مذهب الحنابلة والمالكية. القول الثاني: يستتاب ويعامل معاملة المرتد، فإن تاب قبلت توبته وسقط القتل سواء في سب الله أو سب رسوله، وهذا مذهب الشافعية والأحناف ورواية عن أحمد، وهو قول الجمهور. القول الثالث: هو التفريق والتفصيل، فقالوا: نفرق بين الله وبين رسوله، فمن سب الله جل في علاه فتاب قبلت توبته وسقط القتل، ومن سب الرسول ﷺ فتاب لم تقبل توبته، ولم يسقط القتل، أو نستتيبه فيتوب حتى لا يقتل ردة فيقتل حداً. فأقول: قال الشافعي ورواية عن أحمد والأحناف: إذا تاب قبلت توبته وسقط القتل، أما التفريق عند بعض الشافعية وبعض الحنابلة فقد رجَّحوه بالإسلام، قالوا: إذا تاب من سب الله جل في علاه قبلت توبته وسقط القتل، وإن تاب من سب رسول الله ﷺ قبلت توبته لكنه لا يسقط عنه القتل بحال، بل لا بد أن يقتل ردعاً وزجراً حتى لا يتجرأ أحد على أن يسبَّ عرض النبي ﷺ .

стр. 74

أقوال العلماء في حكم من سب الله ورسوله أدلة الأقوال الثلاثة: دليل القول الأول الذين قالوا بأن من سب الله وسب رسوله هو كافر ويجب قتله دون الاستتابة، وهؤلاء لهم حظ من الأثر والنظر. أما من الأثر: فقد قالوا: قال النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه)، والفاء للتعقيب، وليس ثمة مهلة ولا تراخ، وهذا في الردة فما بالكم بأغلظها وهو التجرؤ على الذات الإلهية المقدسة فوجب القتل دون الاستتابة. دليل القول الثاني وهم الشافعية والأحناف ورواية عن أحمد الذين قالوا: تقبل التوبة ويعامل معاملة المرتد، قالوا: (من بدل دينه فاقتلوه)، الفاء للتعقيب، لكن الصحابة الذين هم أعلم الناس برواية النبي ﷺ وبمراده قد طبقوا الاستتابة في المرتدين، فإن عمر بن الخطاب عندما أرسلوا له في رجل قد ارتد فقتلوه دون استتابة قال: (اللهم إني لم أشهد ولم أرض). دليل القول الأول من النظر: قالوا: غِلَظُ هذه الردة في سب الذات الإلهية، أو سب عرض النبي ﷺ يجرئ السفلة الرعاع على الله وانتهاك حرمته وانتهاك حرمة النبي ﷺ ، والواجب أن نمنع الألسنة من التجرؤ على الله أو على الرسول ﷺ ، وهذا القول له قوة وحظ من النظر. ودليل القول الثاني من النظر أنهم نظروا إلى مقاصد الشريعة وقالوا: الشرع ينظر إلى العتق وينظر إلى الحرية، ويأمر بعتق الرقبة، فهل هناك أعظم رقّاً من الكفر؟! والله جل في علاه أرحم بالعبد من أمه ومن نفسه، كما قال النبي ﷺ : (أرأيتم هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟ قالوا: لا، قال: لَلَّهُ أرحم بالعبد من هذه الأم بولدها)، فالله أرحم بالعباد من أنفسهم وأمهاتهم فهو القائل سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، (والله جل في علاه أفرح بتوبة العبد من فرح العبد عندما رجعت إليه دابته وعليها طعامه وشرابه)، كما في الحديث المشهور. إذاً: من مقاصد الشريعة، أن الشرع يفتح الأبواب لكل كافر أن يدخل في الإسلام، بل ما بعث النبي ﷺ إلا رحمة للعالمين، لدعوة الناس أجمعين؛ وليدخلوا في دين الله أفواجاً، فلا بد أن نفتح لهم الباب حتى يتوبوا ويسقط عنهم القتل، وهذا كلام قوي. دليل القول الثالث: التفصيل عند بعض الشافعية وبعض الحنابلة الذين قالوا: التفريق والتفصيل بين الله وبين رسوله، وهؤلاء لهم أدلة كلها من النظر قالوا: الأصل في حق الله المسامحة، كما جاء في الحديث: (من تاب تاب الله عليه)، وقوله: (وإن تقرب إلي عبدي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة). فهذا دليل على أن الأصل في حق الله: المسامحة. وأيضاً التجرؤ على الله لا يقلل من هيبة الله وعظمته في القلوب؛ لأن من يتجرأ على الله جل في علاه يعلم أن الله قد يصيبه بالعمى، أو بالموت، أو بتحقير الناس له. فإبليس لما أعلن سوء الأدب مع الله تعالى أوجب الله عليه اللعنة، والجميع يعلم أن الله قادر على كل شيء، إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون. أما إبليس فقد قص الله علينا سوء أدبه معه كما قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الإسراء:٦١ - ٦٢]، إلى آخر الآيات. فإبليس يقدح في حكمة الله جل في علاه، فلسان حاله: ليس من الحكمة ولا من العدل أن يسوي الله بين النار والطين، قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]. ولم يتجرأ كثير من الكافرين على أن ينتقصوا من قدر الله، فهم يشركون بالله اعتقاداً منهم أنها ديانة وليست مسبَّةً ولا انتقاصاً، فالذين يعبدون الأصنام يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فهم يعظمون الله ولا يتجرءون على التنقيص من قدر الله ولا الاستهزاء بالذات المقدسة، فقالوا: حرمة الله في القلوب معظمة. أما بالنسبة للنبي ﷺ فالأصل في حقه أنه حق آدمي، وهذا الحق لا يسقط إلا إذا أسقطه النبي ﷺ ، فإن لم نجد النبي ﷺ بين أظهرنا فإنه لا يسقط، والدلالة على ذلك ما جاء في الصحيح: (أن رجلاً غائر العينين دخل على النبي ﷺ فقال: يا محمد! اعدل فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فقام خالد بن الوليد وقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق)، فهذا الرجل قدح في عدالة النبي ﷺ ، وارتدَّ بذلك، ولكن النبي ﷺ أسقط حقه؛ لأن له أن يسقط حقه وهو موجود، لكن لما كان النبي ﷺ غير موجود بين أظهرنا لم يسقط حقه، فاستحق منتقصه القتل. إذاً: الأصل في حق الله جل في علاه المسامحة، وأن من تاب تاب الله عليه، وأن من أتى بقراب الأرض خطايا ثم استغفره سبحانه غفر الله له. فهذا التفريق تفريق بديع، وأنا أميل إلى القول الثاني، لولا أن القول الثالث وقوته في حفظ جناب النبي ﷺ قد ألجأني إلى أن أقول: إن الراجح في هذه الأقوال هو القول الثالث الذي فيه التفريق بين من سب الله وسب رسول الله، فمن سب الله فتاب تاب الله عليه ويسقط عنه القتل، وأما من سب رسول الله فإننا نستتيبه وندعوه إلى التوبة، فإن تاب قتلناه حداً لا ردة، حفظاً لجناب النبي ﷺ ؛ ولأنه ليس بين أظهرنا حتى يسقط حقه، وأن الأصل في حق الله جل في علاه المسامحة، ولن تصيب الله معرة من سب أحد من الرعاع السفلة، والتجرؤ على ذاته المقدسة.

стр. 75

الأحكام المترتبة على من سب الله وكفر بذلك إذا حكمنا بكفر من سب الله جل في علاه ترتب على ذلك عدة أحكام: أولاً: تبين منه زوجته ويفسخ العقد؛ لأن النكاح يصبح باطلاً، واختلف العلماء فيما إذا أسلم هل يردها بعقد أم بغير عقد؟ وهل لها عدة أم لا؟ على قولين: القول الأول: لا عدة، الثاني: وهو الصحيح الراجح ما رجحه الشافعية ومن نحا نحوهم بأن العدة قائمة، وأن بينه وبينها عدة، فلو أسلم وقد انقضت العدة، فعليه أن يتقدم للزواج منها بمهرٍ جديد وعقدٍ جديد، أما إذا أسلم في وقت العدة فله أن يردها بغير عقد. ثانياً: أنه لو مات لا يدفن في مقابر المسلمين ولا يصلى عليه. ثالثاً: لا يرث من المسلم ولا يورث، ويكون ماله فيئاً لبيت مال المسلمين.
следующие страницы →