Полный текст (91 стр.). Показаны 71–91 · переход к 76.
стр. 71
الإجماع على كفر من سب الله تعالى
أجمعت الأمة بأسرها أن من سب الله جل في علاه يكفر بذلك ويخرج من الملة، ويعتبر ردة صريحة، وقد اختلف العلماء في مسألة الردة هذه، وهذه المسألة الثالثة التي سنتكلم عنها.
стр. 72
من صور سب الله
إنَّ صور سب الله جل في علاه كثيرة جداً، ومن باب الأدب مع الله فلن نفصل فيها، بل نمر عليها إجمالاً.
وسب الله قد يكون سباً صريحاً، وهذا يحدث في كثير من البلاد العربية وخاصة في بلاد الشام، نسأل الله أن يردهم إليه رداً جميلاً، وأن يحفظنا جميعاً من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
فكثير من الناس يتجرءون على الله جل في علاه بالسب الصراح، وهذا كفر محض ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فتراه يسب الله ثم يذهب ليفجر نفسه في عملية والله المستعان! ومن صور انتقاص قدر الله تعالى تلميحاً أو تصريحاً تلك الرسومات المتحركة، حيث إنَّ بعض الرعاع السفلة يرسمون ناراً والناس فيها يصرخون ويتألمون، وهناك رجل تحتهم في الدرك الأسفل، وفيهم رجلٌ يمسك حمية يشربه واضعاً رجلاً على رجل، والذي ينظر الرسم يتعجب من أناس يصرخون من الألم، وهذا الرجل الذي يمسك حمية لا يشعر بألم، ويشرب حمية أيضاً، وينسبون ذلك إلى الله ! فهؤلاء يحسبون أنهم ليسوا على خطر، مع أنهم ولجوا في الكفر من أوسع أبوابه، فنسأل الله جل وعلا أن يحفظنا ويحفظ ألسنتنا ويحفظ أقلامنا من هذه التراهات.
стр. 73
أقوال العلماء في حد من سب الله تعالى وأدلتهم
إن حكم من سب الله أنه يكفر وحده القتل بالاتفاق، وهناك أدلة كثيرة جداً قد مرت في (الصارم) في الكلام على سب الرسول ﷺ ، منها: قول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢].
وهناك دليل آخر في الكتاب، وهو: قول الله تعالى عن المنافقين: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٦١].
وأيضاً رأس الأدلة: ما رواه البخاري من حديث عكرمة قال النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه)، فاتفق كل العلماء على أن حد من سب الله هو القتل، واختلفوا بعد ذلك، هل يطابق حكمه حكم الردة مطابقة كلية، أم هي حالة خاصة من الردة؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال ثلاثة: القول الأول: يقتل بكل حال ولا يستتاب، فإن تاب لم تقبل توبته.
وهذا مذهب الحنابلة والمالكية.
القول الثاني: يستتاب ويعامل معاملة المرتد، فإن تاب قبلت توبته وسقط القتل سواء في سب الله أو سب رسوله، وهذا مذهب الشافعية والأحناف ورواية عن أحمد، وهو قول الجمهور.
القول الثالث: هو التفريق والتفصيل، فقالوا: نفرق بين الله وبين رسوله، فمن سب الله جل في علاه فتاب قبلت توبته وسقط القتل، ومن سب الرسول ﷺ فتاب لم تقبل توبته، ولم يسقط القتل، أو نستتيبه فيتوب حتى لا يقتل ردة فيقتل حداً.
فأقول: قال الشافعي ورواية عن أحمد والأحناف: إذا تاب قبلت توبته وسقط القتل، أما التفريق عند بعض الشافعية وبعض الحنابلة فقد رجَّحوه بالإسلام، قالوا: إذا تاب من سب الله جل في علاه قبلت توبته وسقط القتل، وإن تاب من سب رسول الله ﷺ قبلت توبته لكنه لا يسقط عنه القتل بحال، بل لا بد أن يقتل ردعاً وزجراً حتى لا يتجرأ أحد على أن يسبَّ عرض النبي ﷺ .
стр. 74
أقوال العلماء في حكم من سب الله ورسوله
أدلة الأقوال الثلاثة: دليل القول الأول الذين قالوا بأن من سب الله وسب رسوله هو كافر ويجب قتله دون الاستتابة، وهؤلاء لهم حظ من الأثر والنظر.
أما من الأثر: فقد قالوا: قال النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه)، والفاء للتعقيب، وليس ثمة مهلة ولا تراخ، وهذا في الردة فما بالكم بأغلظها وهو التجرؤ على الذات الإلهية المقدسة فوجب القتل دون الاستتابة.
دليل القول الثاني وهم الشافعية والأحناف ورواية عن أحمد الذين قالوا: تقبل التوبة ويعامل معاملة المرتد، قالوا: (من بدل دينه فاقتلوه)، الفاء للتعقيب، لكن الصحابة الذين هم أعلم الناس برواية النبي ﷺ وبمراده قد طبقوا الاستتابة في المرتدين، فإن عمر بن الخطاب عندما أرسلوا له في رجل قد ارتد فقتلوه دون استتابة قال: (اللهم إني لم أشهد ولم أرض).
دليل القول الأول من النظر: قالوا: غِلَظُ هذه الردة في سب الذات الإلهية، أو سب عرض النبي ﷺ يجرئ السفلة الرعاع على الله وانتهاك حرمته وانتهاك حرمة النبي ﷺ ، والواجب أن نمنع الألسنة من التجرؤ على الله أو على الرسول ﷺ ، وهذا القول له قوة وحظ من النظر.
ودليل القول الثاني من النظر أنهم نظروا إلى مقاصد الشريعة وقالوا: الشرع ينظر إلى العتق وينظر إلى الحرية، ويأمر بعتق الرقبة، فهل هناك أعظم رقّاً من الكفر؟! والله جل في علاه أرحم بالعبد من أمه ومن نفسه، كما قال النبي ﷺ : (أرأيتم هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟ قالوا: لا، قال: لَلَّهُ أرحم بالعبد من هذه الأم بولدها)، فالله أرحم بالعباد من أنفسهم وأمهاتهم فهو القائل سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، (والله جل في علاه أفرح بتوبة العبد من فرح العبد عندما رجعت إليه دابته وعليها طعامه وشرابه)، كما في الحديث المشهور.
إذاً: من مقاصد الشريعة، أن الشرع يفتح الأبواب لكل كافر أن يدخل في الإسلام، بل ما بعث النبي ﷺ إلا رحمة للعالمين، لدعوة الناس أجمعين؛ وليدخلوا في دين الله أفواجاً، فلا بد أن نفتح لهم الباب حتى يتوبوا ويسقط عنهم القتل، وهذا كلام قوي.
دليل القول الثالث: التفصيل عند بعض الشافعية وبعض الحنابلة الذين قالوا: التفريق والتفصيل بين الله وبين رسوله، وهؤلاء لهم أدلة كلها من النظر قالوا: الأصل في حق الله المسامحة، كما جاء في الحديث: (من تاب تاب الله عليه)، وقوله: (وإن تقرب إلي عبدي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة).
فهذا دليل على أن الأصل في حق الله: المسامحة.
وأيضاً التجرؤ على الله لا يقلل من هيبة الله وعظمته في القلوب؛ لأن من يتجرأ على الله جل في علاه يعلم أن الله قد يصيبه بالعمى، أو بالموت، أو بتحقير الناس له.
فإبليس لما أعلن سوء الأدب مع الله تعالى أوجب الله عليه اللعنة، والجميع يعلم أن الله قادر على كل شيء، إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون.
أما إبليس فقد قص الله علينا سوء أدبه معه كما قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الإسراء:٦١ - ٦٢]، إلى آخر الآيات.
فإبليس يقدح في حكمة الله جل في علاه، فلسان حاله: ليس من الحكمة ولا من العدل أن يسوي الله بين النار والطين، قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢].
ولم يتجرأ كثير من الكافرين على أن ينتقصوا من قدر الله، فهم يشركون بالله اعتقاداً منهم أنها ديانة وليست مسبَّةً ولا انتقاصاً، فالذين يعبدون الأصنام يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فهم يعظمون الله ولا يتجرءون على التنقيص من قدر الله ولا الاستهزاء بالذات المقدسة، فقالوا: حرمة الله في القلوب معظمة.
أما بالنسبة للنبي ﷺ فالأصل في حقه أنه حق آدمي، وهذا الحق لا يسقط إلا إذا أسقطه النبي ﷺ ، فإن لم نجد النبي ﷺ بين أظهرنا فإنه لا يسقط، والدلالة على ذلك ما جاء في الصحيح: (أن رجلاً غائر العينين دخل على النبي ﷺ فقال: يا محمد! اعدل فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فقام خالد بن الوليد وقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق)، فهذا الرجل قدح في عدالة النبي ﷺ ، وارتدَّ بذلك، ولكن النبي ﷺ أسقط حقه؛ لأن له أن يسقط حقه وهو موجود، لكن لما كان النبي ﷺ غير موجود بين أظهرنا لم يسقط حقه، فاستحق منتقصه القتل.
إذاً: الأصل في حق الله جل في علاه المسامحة، وأن من تاب تاب الله عليه، وأن من أتى بقراب الأرض خطايا ثم استغفره سبحانه غفر الله له.
فهذا التفريق تفريق بديع، وأنا أميل إلى القول الثاني، لولا أن القول الثالث وقوته في حفظ جناب النبي ﷺ قد ألجأني إلى أن أقول: إن الراجح في هذه الأقوال هو القول الثالث الذي فيه التفريق بين من سب الله وسب رسول الله، فمن سب الله فتاب تاب الله عليه ويسقط عنه القتل، وأما من سب رسول الله فإننا نستتيبه وندعوه إلى التوبة، فإن تاب قتلناه حداً لا ردة، حفظاً لجناب النبي ﷺ ؛ ولأنه ليس بين أظهرنا حتى يسقط حقه، وأن الأصل في حق الله جل في علاه المسامحة، ولن تصيب الله معرة من سب أحد من الرعاع السفلة، والتجرؤ على ذاته المقدسة.
стр. 75
الأحكام المترتبة على من سب الله وكفر بذلك
إذا حكمنا بكفر من سب الله جل في علاه ترتب على ذلك عدة أحكام: أولاً: تبين منه زوجته ويفسخ العقد؛ لأن النكاح يصبح باطلاً، واختلف العلماء فيما إذا أسلم هل يردها بعقد أم بغير عقد؟ وهل لها عدة أم لا؟ على قولين: القول الأول: لا عدة، الثاني: وهو الصحيح الراجح ما رجحه الشافعية ومن نحا نحوهم بأن العدة قائمة، وأن بينه وبينها عدة، فلو أسلم وقد انقضت العدة، فعليه أن يتقدم للزواج منها بمهرٍ جديد وعقدٍ جديد، أما إذا أسلم في وقت العدة فله أن يردها بغير عقد.
ثانياً: أنه لو مات لا يدفن في مقابر المسلمين ولا يصلى عليه.
ثالثاً: لا يرث من المسلم ولا يورث، ويكون ماله فيئاً لبيت مال المسلمين.
стр. 76
حكم سبِّ الأسباب كالدهر والريح
من سب الدهر أو سب الريح فإنه لا يكفر بذلك؛ لأنه لم يسب الله صراحة؛ ولأنه لم يقصد السب لله جل في علاه، والنبي ﷺ لما نهى عن سبِّ الريح لم يقل: إنه كفر، ففي الحديث الصحيح: (لا تسبوا الريح)، وأما الحديث الذي قال النبي ﷺ فيه: (قال الله تعالى: لا تسبوا الدهر، فمن سب الدهر فقد كفر) فهو حديث موضوعٌ ومكذوبٌ على النبي ﷺ ، والحديث الصحيح هو قول النبي ﷺ : (قال الله تعالى: لا تسبوا الدهر، فأنا الدهر أقلب الليل والنهار)، وقال: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار).
ولم يذكر الكفر فيه.
فمن سب الدهر أو سب الريح أو سب الأسباب فإنه لا يكفر بذلك، لكنه على خطر عظيم وعلى شفا هلكة؛ لأنه يتخذ ذلك ذريعة ووسيلة إلى أن يتجرأ على الذات العليا، فالله هو الذي سبب الأسباب؛ وهو الذي خلق الريح؛ وهو الذي يقلب الليل والنهار، وهذه مسألة مهمة للتفريق بين من يسب الله، وبين الذي سب الأيام أو الليالي أو الريح.
فالذي يسب الأيام والدهر والريح لا يكفر وهو على خطر عظيم، لكن إذا قلنا باللازم فإنه يصبح من الممكن أن الإنسان يكفر، وهذه قاعدة عند علمائنا يعملون بها بفضل الله دائماً، فيقولون: لازم القول ليس بقول إلا أن يحدث الإقرار من صاحب القول بذلك، فنقول له: لازم قولك أنك تسب الله، فإن التزم هذا القول نقول له: قد كفرت بذلك وإلا فلا.
стр. 77
شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول - حكم الذمي الذي سب الله
مما لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان، أن من سب الله أو رسوله ﷺ فهو كافر كفراً أكبر مخرجاً من الملة، وقد اختلف في استتابته، أما الذمي الذي ينضوي تحت راية الإسلام فإنه يقتل صراحة إذا استهزأ بالله أو برسوله، أما إذا كان كلامه نابعاً مما يعتقده فهذا مختلف فيه، والراجح أنه لا يقتل.
стр. 78
حكم الذمي الذي سب الله جل في علاه
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: اعلموا أيها الإخوة الكرام! أن الرزق رزقان: رزق أبدان، وزرق قلوب، ورزق القلوب هو أرقى الأرزاق، والله جل في علاه يصطفي من عباده من يشاء لرزق القلوب، وأرقى ما يكون من رزق القلوب: هو معرفة الله، ولا تكون معرفة الله جل في علاه إلا بطلب العلم، والنبي ﷺ بين لنا أن هذا الرزق العظيم (رزق القلوب) هو الذي يستجلب رزق الأبدان.
فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن أخي يأتي مجالسك، وأنا أكد وأعمل وأنفق عليه، فلم يقل له النبي ﷺ -كما في الحديث الموضوع الذي تتناوله الألسن عند العوام: اليد العاملة أفضل من اليد البطالة- بل قال النبي ﷺ : (دعه فلعلك ترزق به) يعني: فلعل الله جل وعلا يفتح لك أبواب الرزق بطلبه للعلم مع طلبة العلم.
ومع مشارف الانتهاء من هذا الكتاب العظيم وهو من أنفع ما كتب شيخ الإسلام ﵀ رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء: كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول.
فأقول: سب الله كفر إن كان من المسلم، فما هي الأدلة على أن من سب الله جل في علاه كفر كفراً أكبر مخرجاً من الملة؟
الجواب
قال الله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] ووجه الشاهد: هو تصريح الله بكفر هؤلاء، والذي جعلهم يوصفون بهذا الوصف هو الاستهزاء كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] والاستهزاء من السب.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأحزاب:٥٧].
إذاً! فمن سب الله تعالى فحكمه كافر مرتد عن الإسلام وهذا ملخص الإجابة.
وقد اختلف العلماء في استتابته وقتله، وهذه المسائل فارقة في باب الولاء والبراء، وفارقة بين أهل الإيمان وأهل الكفران، والراجح: أنه يستتاب، فإن تاب قبلت توبته وسقط عنه القتل بخلاف من سب النبي ﷺ فإن توبته تقبل لكن القتل لا يسقط عنه.
стр. 79
ضابط أهل الذمة وحكم سب الذمي لله
وإكمالاً لهذه المسألة، فما حكم سب الذمي لله جل في علاه؟ ومفهوم الذمية: أنه عقد على مال مقابل مال بين الذمي وبين ولي أمر المسلمين، فنسأل الله أن يسدد ولاة أمور المسلمين للعمل بدينه ولنصرة كتابه وسنة نبيه ﷺ ، فهو عقد بين ولي أمر المسلمين مع أهل الكفران الذين يحسنون القول في المسلمين ولا يحاربونهم، وأرادوا أن ينضووا وينزلوا تحت راية الإسلام وتحت أحكامه على جزية سنوية، وهو خاص عند الحنابلة والشافعية بأهل الكتاب فقط، وقد يلحقون المجوس بأهل الكتاب.
فنعلم إذاً أن الشافعية والحنابلة يرون أن ولي الأمر هو الذي يعقد مع أهل الكتاب، وأهل الكتاب: هم اليهود والنصارى على جزية سنوية، وذلك لقول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]، فوصفهم الله جل وعلا في هذه الآية وصفاً مقيداً حيث قال جل في علاه: ((مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ))، فأهل الكتاب هم الذين نعقد معهم عقد الجزية فقط.
فإن قيل: فكيف ألحقنا المجوس بأهل الكتاب، مع أن المجوس يعبدون النار، وأهل الكتاب يعبدون الله جل في علاه على دخن فيهم؟ ف
الجواب
بأن النبي ﷺ ألحق المجوس بهم، فعندما سألوه عن المجوس قال: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب)، ففيه دلالة واضحة على أن الذمة تكون خاصة في أهل الكتاب، أما المجوس فهي في حقهم عقد على مال سنوي بشرط أن يحفظ لهم الدم والعرض والمال.
стр. 80
الفرق بين الذمة والعهد عند الشافعية والحنابلة
والشافعية والحنابلة يفرقون بين العهد والذمة، فالعهد عام عندهم في كل أحد من أهل الكتاب أو غير أهل الكتاب، ويرجع لولي الأمر إن رأى المصلحة مثلاً في الصلح بينه وبين أهل الكفر للانتفاع بهم، فهذه المصالح ترجع إلى تقرير ولي الأمر.
أيضاً: ففيها عقد على مقابل هو يقدره، كما كان يفعل عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه مع التجار، وقد فعل ذلك عمر بن الخطاب أيضاً عندما ضرب عليهم الجزية، وبين هذه الشروط المشهورة: بالشروط العمرية.
إذاً: فالذمي: هو من نزل وانضوى تحت راية الإسلام وتحت حكمه بشروط الإسلام وشروط ولي الأمر مقابل الجزية السنوية.
ومن هذه الشروط: أنه يتعبد في مكانه بحيث لا يظهر هذا التعبد، ولا يؤذي المسلمين في دينهم، في شروط كثيرة جداً.
وأهم هذه الشروط: ألا يظهر كفراً بين المسلمين، فإذا دخل وانضوى تحت راية المسلمين فتجرأ وسب الله جل في علاه فما هو حكمه؟ أقول: إننا لا نبحث في مسألة الذمي عن الكفر والإيمان، بل البحث فيها يقتصر على عصمة الدم والمال، فإذا تجرأ الذمي فسب الله جل في علاه فإنه يصبح بذلك حلال الدم والمال، أي: أن ماله يصبح فيئاً للمسلمين وهذا بالإجماع، ولا ترجع حلية الدم والمال لآحاد المسلمين، بل المسألة ترجع لولي الأمر فهو الذي يطبق الحكم حتى لا تنتشر المفسدة بين الناس.
стр. 81
أحوال الذمي في سب الله جل في علاه وحكم كل حالة
ثم لا بد أن نبين أن هذه المسألة المهمة تتعلق بها حالتان: الحالة الأولى: أن يسب الله جل في علاه تديناً لا قصد الاستهزاء أو التنقيص من عظمة الله جل في علاه، بل هو يتعبد بذلك كما يفعل اليهود والنصارى، وهم يقولون: بسم س، بسم ص، بسم ع، في ثلاثة أسماء يسمونها، وأيضاً: ينسبون عيسى لله، أو ينسبون عزيراً لله، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣].
وقال أيضاً: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] وهذه آيات باهرات تبين ذلك، لكنهم يتدينون بذلك، فهذه الحالة الأولى.
أما الثانية: فهي التنقيص من قدر الله جل في علاه استهزاءً لا تديناً والعياذ بالله، قصداً وتجرؤاً كما فعلت اليهود عليهم سحائب اللعائن عندما قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤] وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] وزعموا: بأن الله عندما خلق الأرض وخلق آدم وخلق الخلق ونظر لفعلهم بكى، نعوذ بالله من غضبه وعقابه، وكأنه يجهل ما الذي سيحدثه خلقه فشبهوه بالمخلوق، فقالوا: إنه بكى حتى أرمد والعياذ بالله، وهذا يعتبر مسبة كبيرة وتنقيصاً من قدر الله جل في علاه وهذه الحالة الثانية.
وقد اختلف العلماء في حكم الحالة الأولى على قولين: القول الأول: قول الشافعية والأحناف وجمهور الحنابلة، فقالوا: إن عقد الذمة باق على ما هو عليه، وأن قوله هذا لا يعد سباً؛ لأنه لا ينتقص من قدر الله ولا يقصد ذلك، بل هو يعتقد تعظيم الله بما يفعل وإن كان هو في الحقيقة تنقيص من قدر الله جل في علاه، ولذلك فإن عقابه هو الخلود في النار أبداً، لكن الذمة باقية على ما هي عليه، ولا ينتقض العهد بذلك ولا يعتبر ذلك سباً، بل لا يزال معصوم الدم والمال في حالة التدين بذلك، وهذا هو الراجح الصحيح.
أما الحالة الثانية: وهي تعمد الاستهزاء والتجرؤ والتنقيص من قدر الله جل في علاه، فقد اتفق العلماء على أن العهد أو الذمة تنتقض بذلك، وأنه يكون حلال الدم والمال، واختلفوا في استتابته على ثلاثة أقوال: القول الأول: إنه يعامل كمعاملة المسلم في ذلك فيستتاب فإن دخل في الإسلام أو رجع إلى مسألة الذمة.
والقول الثاني: إنه لا يستتاب، بل يقتل عند التمكن منه فقط، فإن أسلم قبل التمكن منه سقط القتل عنه، وهي تشبه مسألة سب المسلم لله جل في علاه، وهذا قول الشافعي وجمع من أهل العلم.
والقول الثالث: وهو قول المالكية، وظاهر قول أحمد: بأنه لا يستتاب، وحكمه القتل فوراً ولو أسلم بعد ذلك؛ لأن الله جل في علاه قد بين أن حكم المحارب له ولأوليائه القتل، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة:١٢٣] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥] فلا بد أن يقتل عملاً بعموم هذه الآيات القارعات التي تأمر المسلمين بقتل أهل الكفر.
قلنا: إذا كان هذا حكمه فقتله لولي الأمر وليس لآحاد المسلمين، وهذه المسألة لها تفصيل آخر، والله أعلم.
стр. 82
حكم من سب نبياً من الأنبياء
وتبقى في هذا الباب مسألة واحدة: وهي أنه إذا قلنا بأن سب الله أو النبي ﷺ كفر، فهل سب الأنبياء مثل سب النبي ﷺ أم لا؟ يعني: هل إذا تجرأ أحدهم على النيل من عرض النبي ﷺ كان كمن يتجرأ على عرض عيسى ونوح وموسى ﵈ في الحكم أم لا؟ فقد يتجرأ بعض هؤلاء الأوباش على النبي ﷺ فيقوم بعض الجهلاء بسب عيسى ﵇ انتقاماً للنبي ﷺ بزعمهم، وهذا جهل عميق؛ فإن الله جل في علاه يأبى أن تنتهك أعراض أنبيائه بحال من الأحوال، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء:١٥٠ - ١٥١]، فأحاط بهم الكفر من جميع الجهات، وقال جل في علاه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥]، مع أنهم كذبوا لوطاً فقط، ومع ذلك عمم الله جل في علاه وقال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥]؛ لأن القدح في رسول واحد قدح في جميع الأنبياء والمرسلين، وأعراض الأنبياء كعرض نبينا ﷺ ، فمن سب عيسى أو موسى أو غيرهما من الأنبياء فقد كفر وخرج من الملة.
стр. 83
حكم الخوض في عرضه ﷺ
يبقى لنا أن نتكلم على أزواج النبي ﷺ ، فإذا قلنا بحرمة عرض النبي ﷺ فسنقول بحرمة الكلام على النبي ﷺ على نفس الخلاف.
فنقول: عرض النبي ﷺ لا بد أن يكون محفوظاً، وهذا يتمثل في أزواج النبي ﷺ ، فأزواج النبي ﷺ هن الفضليات الكريمات الصالحات العابدات القانتات أمهات المؤمنين والمؤمنات ﵅ أجمعين.
وقد جعل الله جل في علاه مكانتهن بمكانة النبي ﷺ ، فقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب:٣٢]؛ لأنكن تتفوقن على جميع النساء.
وقال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦] حتى إن فاطمة تقول لـ عائشة أم المؤمنين: يا أمي! مع أنها تكبر عائشة بثمان سنوات؛ وما هذا إلا لأنها أم المؤمنين ﵂ وعن فاطمة.
والغرض المقصود: هو أن الله جل في علاه جعل لهن المكانة العالية، فمن تجرأ على عرض واحدة منهن وبالذات على عائشة فقد كفر؛ لأنها مبرأة من فوق سبع سموات، وقد خاض المنافقون في عرضها، فأنزل الله براءتها من فوق سبع سموات فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٢٣] إلى أن قال: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:٢٦] والمقصودة بهذه الآية وبالإجماع: عائشة ﵂ وأرضاها؛ (لأن النبي ﷺ دخل عليها وهي تبكي فتصبب عرقاً ونزل عليه الوحي فقرأ الآيات وقال لـ عائشة: أبشري فإن الله قد برأك من فوق سبع سموات، فقالت أم رومان: قومي فاحمدي رسول الله ﷺ ، فقالت: والله لا أحمد إلا رب محمد ﷺ فذهبت وسجدت لله شكراً).
فمن تجرأ على عرض عائشة ﵂ وأرضاها فقذفها بالزنا، أو كما يفعل الرعاع مثلاً فيسمون البقرة بهذا الاسم فهو كافر كفراً أكبر يخرج من الملة وكفره ظاهر جلي، وأقول زيادة على ذلك: إن من لم يكفره فهو كافر، فمن سمع أحداً يقذف عائشة في عرضها ﵂ وأرضاها وسكت دون خوف أو إكراه واستطاع الرد فلم يرد فهو كافر خارج من الملة فضلاً عن الذي قذف عائشة ﵂ وأرضاها.
والدلالة على ذلك من وجهين: الوجه الأول: هو تكذيب الله جل في علاه، فمن قذف عائشة بفعل الفاحشة فقد كذب الله، والله جل في علاه يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢].
ويقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، فإن الله جل في علاه هو الذي برأها بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:٢٦].
فالوجه الأول في تكفير من وقع في عرض عائشة: هو أنه كذب الله جل في علاه.
والوجه الثاني: أنه تجرأ على عرض رسول الله ﷺ فآذى رسول الله، وقد قام النبي ﷺ خطيباً في الناس -عند ما سمع الكلام على عائشة من عبد الله بن أبي بن سلول - فتكلم عن رجل يسبه في عرضه وفي زوجه وما علم عن زوجه إلا الخير، فقام أسيد بن حضير فقال: يا رسول الله! إن كان منا ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا أشرت إلينا ماذا نفعل فيه، فقام سعد بن عبادة فقال: لا والله لا تستطيع قتله، فقام أسيد فقال له: والله إنك لمنافق تجادل عن المنافقين، فكاد الحيان أن يقتتلا من أجل هذه المسألة.
والشاهد فيها: أن النبي ﷺ قال: (بلغني الإيذاء في أهلي) فالإيذاء للنبي ﷺ كفر كما بينا من صريح قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [الأحزاب:٥٧] واللعن: هو الطرد من رحمة الله جل في علاه.
أما سائر أمهات المؤمنين والباقيات الفضليات من أزواج النبي ﷺ فقد اختلف العلماء في حكم من تجرأ عليهن، وهذا الخلاف ضعيف، والحق أن يقال: إن الحكم هذا يجري على الباقي من نسائه ﷺ ، وإنما خصصت عائشة بالذكر لأن المنافقين خاضوا فيها، فمن تكلم في أي امرأة تزوجها النبي ﷺ فهو كافر؛ لأنه أوصل الأذى للنبي ﷺ ، فالفارق إذاً: بين سائر أزواج النبي ﷺ وبين عائشة: أن من وقع في عائشة فإنه يكفر من وجهين: الوجه الأول: تكذيب القرآن.
والوجه الثاني: إيذاء النبي ﷺ .
أما سائر أزواج النبي ﷺ فإنه يكفر من وجه واحد: وهو إيذاء النبي ﷺ .
والغرض المقصود: أنه لا بد أن تعرف لنساء النبي ﷺ قدرهن، وتعلم أنهن من مكانة رسول الله ﷺ ، وأن الوقوع في عرض واحدة من أزواج النبي ﷺ يستوجب الكفر لمن تجرأ على ذلك.
بقي علينا أن نختم الباب والكتاب بالكلام على فضل الصحابة ﵃ وأرضاهم، ثم الكلام على من وقع فيهم، ثم الكلام بعد ذلك على حكم من طعن في أبي بكر وعمر بالذات.
стр. 84
فضل الصحابة وأثرهم في حماية الملة
إن صحابة رسول الله ﷺ هم الأخيار الأماجد الأكارم الأفاضل، أبر الناس قلوباً، وأحسن الناس خلقاً، وأصدقهم لهجة، وأكثرهم علماً، وأزهدهم في الدنيا، وأخلص الناس طلباً للآخرة، وهم خير صحبة بعثها الله جل في علاه لنبي بعثه للناس أجمعين، وهم الذين حملوا هذا الدين فجاءنا غضاً طرياً على أكتافهم، وهم الذين باعوا الدنيا بأسرها من أجل رفعة هذا الدين ورفع راية لا إله إلا الله، فكل منهم باع نفسه وأهله وماله وكل ما يملك من أجل رسول الله ﷺ ومن أجل التمكين لهذا الدين، فاستحقوا التعديل من الله جل في علاه من فوق سبع سموات، وعلى لسان النبي ﷺ .
قال الله تعالى ويا لها من آية في تعديل الصحابة: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦]، وكلمة (أحق) هي شهادة من الله جل في علاه على أنهم أحق صحبة برسول الله ﷺ ، قال: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦].
وقال الله تعالى مادحاً إياهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح:٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:١١٧] والآيات كثيرة في مدح الصحابة عموماً، ومن ذلك مدح الأمة، فإن أول من يدخل في هذا المدح هم الصحابة الكرام كقول الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وأولى الناس بهذه الآية هم الصحابة.
وفي الصحيح كما في البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: (خير الناس قرني) أم لفظ: (خير القرون قرني) فلا يصح بحال.
ولكن الصحيح في البخاري هو قوله: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
وقد صح عن نبينا ﷺ قوله: (تغزون أو يغزوا فئام من الناس فيقال: أفيكم من صاحب رسول الله؟ فيقولون: اللهم نعم! فيفتح لهم) وقد فتح لهم بسبب وجود صحابة رسول الله كرامةً لهم.
فالغرض المقصود: أن النبي ﷺ عدلهم وزكاهم، وقد حرج أشد الحرج على من طعن في صحابة رسول الله ﷺ فقال كما في الصحيح: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) حتى إنه قاله للمتأخرين من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد جاء عنه ﷺ كما في البخاري عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (حب الأنصار من الإيمان، وبغض الأنصار من النفاق) فجعل علامة الإيمان: حب صحابة رسول الله ﷺ ، وجعل علامة النفاق: بغض أصحاب رسول الله ﷺ .
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 85
شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول - حكم من سب الصحابة ﵃
صحابة الرسول ﷺ هم خير القرون، فقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وواجبنا تجاههم حبهم، والكف عن مساوئهم، وترك الخوض فيما جرى بينهم من فتن، وعدم سبهم أو لعنهم، فإن من سبهم أو لعنهم أو انتقص من قدرهم فقد وقع في خطر عظيم.
стр. 86
مكانة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن صحابة رسول الله ﷺ هم خير الناس، وهم خير من صحب نبياً في هذه الدنيا، بل هم الذين فضلهم الله جل في علاه على الخلق أجمعين سوى الأنبياء والمرسلين، أنزل الله عدالتهم في القرآن، وزكاهم من فوق سبع سماوات، وزكاهم النبي ﷺ ، حيث يقول الله جل في علاه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨].
وزكاهم النبي ﷺ حيث يقول: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) ولقد بين النبي ﷺ شرف أصحابه عندما (جاءه جبريل يسأله فقال: يا رسول الله! كيف تعدون من شهد بدراً فيكم؟ فقالوا: هم خيارنا، فقال جبريل: وكذلك هم عندنا خيار الملائكة) فخيار الملائكة هم: الذين شهدوا بدراً، وكذلك أصحاب رسول الله ﷺ ، فإن حاطباً بن أبي بلتعة ﵁ وأرضاه، عندما أرسل بالمكتوب ليخبر أهل مكة بأن النبي ﷺ يجهز الجيش للسير والزحف إلى مكة، أوحى الله إلى نبيه ﷺ بذلك، فأرسل علياً والزبير فأتياه بهذا المكتوب فجاء النبي ﷺ ومعه عمر فلما رأى عمر ﵁ وأرضاه هذا المكتوب قال وكأنه الأسد الزائر: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : (لا يا عمر! لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا -أو قال: اعملوا- ما شئتم، فقد غفرت لكم) إن النبي ﷺ قد أظهر للناس أجمعين حظ ومقدار وعظمة هؤلاء الأخيار الأماجد الأكارم، الذين وصل الدين إلينا طرياً على أكتافهم، وباعوا أنفسهم وأموالهم ونساءهم وأولادهم من أجل حماية الرسول ﷺ ، فقد كانوا أشد الناس تعظيماً وتبجيلاً وتوقيراً لرسول الله ﷺ ، حتى قال عروة ﵁ وأرضاه قبل أن يسلم: والله! لقد وفدت على النجاشي وكسرى وقيصر وما رأيت أحداً يعظم أحداً، أو ما رأيت أصحاباً يعظمون صاحبهم؛ كما رأيت أصحاب محمد يعظمون محمداً ﷺ ، والله! ما تفل فوقعت في يد أحدهم إلا دلك بها جسده، والله! ما تكلم إلا وكأن على رءوسهم الطير، ولا أشار إلا ائتمروا بأمره -بأبي هو وأمي ﷺ .
وكان متهكماً على أصحاب رسول الله ﷺ ، ويأخذ بلحية النبي ﷺ ، والمغيرة بن شعبة يضرب يده بالسيف، ويقول: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ ، وهو ابن أخته، فقال عروة له: أيْ غدر! ما زلت في غدرتك حتى الآن أسعى فيها للتأليف بين القبائل.
وأيضاً: قال للنبي ﷺ : ما أرى حولك إلا أوباشاً، أي: أخلاطاً من الناس لا يجتمعون على شيء، ويفرون إذا حمي الوطيس، فقال: أبو بكر كالأسد الغاضب ﵁: نحن نفر من رسول الله ﷺ ، امصص بظر اللات، وهذه كلمة مشينة وشديدة، لكن النبي ﷺ أقره بذلك؛ لأنه اتهم أصحاب رسول الله ﷺ ، فكان الجواب على عروة كالصاعقة.
وهذا طلحة ﵁ وأرضاه يضرب لنا أروع الأمثلة في فدائه للنبي ﷺ بروحه وهو يرشق بنباله، وأخذ السيف ينافح به عن رسول الله ﷺ ، وعندما قال النبي ﷺ في غزوة أحد لما تفرق الناس عنه (من يرد عنا القوم وله الجنة؟ فقام طلحة، فقال: اجلس، فقام بعض الأنصار فقاتلوا حتى قتلوا جميعاً عن بكرة أبيهم وكانوا تسعة، فقال النبي ﷺ : ما أنصفنا إخواننا).
وفي رواية قال: (ما أنصفْنا إخواننا) وهذا له معنيان، والشاهد هو: قيام طلحة ينافح عن رسول الله، وكان رسول الله ﷺ إذا أظهر رأسه، قال طلحة: لا يا رسول الله! يأتيك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك يا رسول الله! وظل ينافح بسيفه حتى كُسِرَ في يده، وشلّت يده دفاعاً عن النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (دونكم صاحبكم فقد أوجب) أي: وجبت له الجنة بما فعل.
стр. 87
الواجب على المسلمين تجاه الصحابة
هؤلاء هم الأخيار صحابة رسول الله ﷺ الذين نذروا أرواحهم للنبي ﷺ رخيصة وفداءً لهذا الدين، فإذا كانت هذه المكانة العظمى لهؤلاء الأخيار التي بينها النبي ﷺ وبينها الله جل في علاه، فإن واجبنا نحو هذه الطائفة المنصورة، التي نصرت رسول الله ﷺ ما يلي: أولاً: حبهم، فإن حبهم دين ندين الله به، قال الله تعالى حاكياً عن الذين جاءوا من التابعين بعد الصحابة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
وقال النبي ﷺ كما في حديث أنس الصحيح: (حب الأنصار إيمان وبغض الأنصار نفاق) وإذا كان هذا في حق الأنصار فمن باب أولى أن يكون في حق المهاجرين، فالمهاجرون أفضل من الأنصار، والأنصار حافظوا على رسول الله، ودافعوا عنه بأموالهم وأنفسهم ونسائهم وأولادهم، وهم الذين نصروا رسول الله ﷺ بعدما جاءهم وحيداً فريداً.
والمهاجرون جمعوا بين الهجرة والنصرة، فقد نصروا الله ورسوله بنص الكتاب، وما هاجروا وتركوا الأموال والأنفس إلا نصرة لله، قال تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة:٢]، فهذا فضل المهاجرين على الأنصار.
وإذا كان حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق فمن باب أولى أن يكون حب المهاجرين إيمان وبغضهم نفاق، وقد قال علي بن أبي طالب: (قد عهد إلي رسول الله ﷺ أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق) فحب صحابة رسول الله ﷺ دين ندين الله به.
ولذلك كان الرعيل الأول من السلف في القرون الخيرية كـ ابن المبارك ومالك وغيرهما يقولون: علموا أولادكم حب صحابة رسول الله ﷺ .
وقد قال الإمام مالك وغيره: من الدين أن تعلم أولادك حب أبي بكر وحب عمر ﵄ وأرضاهما.
فالواجب على هذه الأمة أن تحب صحابة رسول الله ﷺ من كل قلبها لأمور كثيرة.
أولاً: لو لم يكن إلا لحفظ عرض النبي ﷺ لكفانا حبهم لأجل ذلك.
ثانياً: لو لم يكن إلا أنهم قد بلغوا عن رسول الله ﷺ كل حركة وكل سكون، وكل قول وفعل، ووصل إلينا الدين عفناً طرياً على أكتافهم، لكفى ذلك في حبهم، فالمؤمن الحق هو الذي يرى في قلبه امتلاء بحب هؤلاء الأخيار.
ومن واجب الأمة أيضاً نحو هؤلاء الأخيار: الترحم عليهم، والترضي عنهم، ولا يقال: علي بن أبي طالب ﷺ ، أو اللهم صل على أبي بكر.
والصحيح: الترضي على صحابة رسول الله ﷺ ، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] فلابد من الترضي على صحابة رسول الله ﷺ .
وهنالك أمر عظيم بين الإخوة وهو أنه عندما يذكر النبي ﷺ ، فلا يسمع منهم الصلاة والسلام عليه، وهذا بخل ليس بعده بخل، وقد قال النبي ﷺ : (أتدرون من البخيل؟ البخيل: من ذكرت عنده ولم يصل علي).
وهذا العدم وجود الاحترام العالي لرسول الله ﷺ ، ولصحابته الكرام فعندما يذكر أبو بكر أو عثمان لم تسمع عبارة ﵁ وأرضاه، فهذا من الأدب مع هؤلاء، وهو حق هؤلاء علينا، الترضي والترحم والاستغفار كثيراً لهم.
الثالثة -وهي المهمة جداً-: الكف عن الكلام في الفتن والمساوئ التي وقعت بينهم، فهذا أدب جم لا بد أن يتحلى به كل مؤمن، فلا نتكلم في هذه الفتن كثيراً؛ فإن المسلم يُعرف بأدبه الجم مع صحابة رسول الله، وبالكف عن الكلام على مساوئ هؤلاء الأخيار، كما قال ابن كثير: هذا القتال الذي حدث بينهم قتال عصم الله سيوفنا منه، فلنعصم أو نحفظ ألسنتنا من الكلام فيه.
فلا بد أن نكف عن الكلام عن مساوئ هؤلاء الأخيار، وأن نمر عليها مرور الكرام، حتى نحق الحق ونبين أن الذي وقع بينهم وقع عن اجتهاد؛ وليس عن هوى، أو طلب دنيا، أو خلافة، أو رئاسة.
فهذا الكلام نضعه في عين من يتكلم بهذا وفي قلبه عله يرجع إلى حب صحابة رسول الله ﷺ ، فلا يقع بلسان بذيء في أعراض هؤلاء الأخيار.
إن الفتنة حدثت ونجمت وظهرت بعد موت رسول الله ﷺ ، وقد قال أنس: ما وارى جسد رسول الله ﷺ التراب فنفضنا التراب عن أيدينا إلا وتغيرت قلوبنا، وقد قال ﷺ : (لا يأتي زمان إلا والذي بعده أشر منه).
وقال أبو هريرة كما في الصحيح: مات رسول الله يوم مات وارتد من ارتد من العرب، وما بقي على الإيمان إلا بقايا من أهل الحجاز والمدينة ومكة، ونجمت فتنة الردة وادعاء النبوة، فأخمدها الله جل في علاه بـ أبي بكر ﵁ وأرضاه ونصر الله به الدين، ثم استقرت أركان الدولة، واستقر عرش الدولة على الدنيا بأسرها في عهد عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه.
وقد قال عمر لأصحابه -وهو الملهم المحدث-: أيكم سمع حديث النبي ﷺ عن الفتن.
فقال حذيفة: أنا يا أمير المؤمنين! فتنة الرجل في أهله وماله وولده تكفرها الصدقة والصوم والصلاة.
قال: ليس عن هذا أسأل، قال: تسأل عن الفتن التي تموج كموج البحر؟ قال: نعم، قال: مالك ولها يا أمير المؤمنين! بينك وبينها باب، قال: أيفتح أم يكسر؟ قال: يكسر، قال: إذاً لا يقوم مرة ثانية، وكسر الباب هو: قتل عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، فادلهمت الخطوب، ونزلت البلايا والفتن على الأمة، فلم تنقطع إلى يومنا هذا.
فـ عثمان ﵁ وأرضاه تكالب عليه بعض العلوج من أهل مصر، والأوغاد والأعراب من أهل العراق والكوفة، وهجموا عليه فقتلوه مظلوماً أبياً خليفةً، وكان قد بين له النبي ﷺ نبوءة، كما في مسند أحمد: أنهم سيطلبون منه أن ينزل عن شيء ألبسه الله إياه، فلا ينزل عن هذا الأمر، وهو الخلافة، فطلبوا منه أن ينزع يده من الخلافة فأبى عليهم فقتلوه مظلوماً ﵁ وأرضاه.
وبعد ذلك لم تقف الفتن في هذه الأمة، فجاء علي بن أبي طالب وهو يستحق الخلافة بالإجماع، وما من أحد يداني مكانة علي بن أبي طالب فكل الصحابة في عصره كـ عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام و > عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان كل هؤلاء يقولون: أفضل الموجودين هو علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، فلما اتفقت كلمتهم على أفضلية علي على كل الموجودين، لم تستقر الخلافة لـ علي؛ لأن الفتنة نجمت بالاجتهاد، فكل قد اجتهد فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر.
أما طلحة والزبير فبايعا علياً بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، ثم استأذنا علياً بالذهاب إلى مكة فلما ذهبا إلى مكة، وسمعت عائشة ﵂ وأرضاها بمقتل عثمان أرادت الثأر لدم عثمان، فلم تنظر للخلافة ولا للاستقرار ولا لمقاصد الشريعة في أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
فإعدام وقتل الذين قتلوا عثمان فيه مصلحة، والشر المستطير الذي سيحدث للأمة بعد قتل قتلة الخليفة مفسدة، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح، لكن عائشة ﵂ وأرضاها اجتهدت اجتهاداً وقد أخطأت فيه وهي زوجة نبينا في الدنيا وفي الآخرة، ورأت طلحة بن عبيد الله والزبير فقالت لهما: إن الثأر لـ عثمان لا بد أن يقدم.
فخرجوا إلى البصرة وكان علي بن أبي طالب في المدينة، وبعث إلى عثمان بن حنيف في هذه المسألة، وبعث إليهما وسألهما: ما الذي أتى بكما؟ فقالوا: للثأر لـ عثمان فعلم علي بن أبي طالب بذلك، فجاء بجيشه إلى البصرة، وحدث الكلام بين جيش علي بن أبي طالب وبين جيش طلحة وعائشة والزبير، فقد بعث كل منهما أفراداً من القوم، وتكلموا في هذه المسألة ثم اصطلحوا وباتوا على خير ليلة، وعلموا أن المصالح تقدم على المفاسد واتفقوا جميعاً، لكن الذين قتلوا عثمان كانوا في جيش علي وهو يعرف أنهم على خفاء في جيشه ولهم قبائل وقوة ومنعة وشوكة فقالوا: قد اتفق القوم علينا، وما من أحد قاتل إلا نحن، فقاموا بالليل فناوشوا جيش الزبير ﵁ وأرضاه فقتلوا منهم، فقام جيش الزبير وطلحة فحسبوا أن جيش علي قد غدر بالاتفاق، ثم هجم جيش الزبير على جيش علي، وحدثت المناوشة بينهما، فحسب جيش علي أن جيش الزبير قد غدر بهم، فحمي الوطيس واشتدت بساط الحرب، وقد قضى الله أمراً كان مفعولاً، ولله في ذلك حكم.
لكن بعد أن وقعت المقتلة العظيمة، وكان أشدها وأوجها حول ج
стр. 88
حكم سب صحابة رسول الله وذكر أقسامه
وختام هذا الكتاب النافع كتاب (الصارم المسلول)، ومع حكم من سب صحابة رسول الله ﷺ : إنَّ الله جل في علاه كرم صحابة رسول الله ﷺ ، وجعل لهم عنده مكانة وعظمة، فلذلك حرَّج أيما تحريج، وأغلظ أيما إغلاظ في النهي عن انتهاك حرمة صحابة رسول الله ﷺ ، وقد قال ﷺ كما في الصحيح: (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) وقد قال ذلك النبي ﷺ لأصحابه، فما بالكم بمن يأتي بعد أصحاب رسول الله ﷺ ؟ وقال بعض العلماء: يوم من أيام معاوية كتب فيه الوحي أو رأى فيه وجه رسول الله ﷺ ، خير من عمر بن عبد العزيز وأهل بيته أجمعين.
وقال أبو زرعة كلاماً في حق صحابة رسول الله ﷺ يكتب بماء الذهب بل بماء العين، وفيه نبراس للفرق بين الصف المؤمن والصف المنافق.
قال ﵀: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب النبي -وأحداً نكرة في سياق الشرط تفيد العموم، أي أحد صغيراً أو كبيراً- فاعلم أنه زنديق؛ لأن علامة الزندقة الولوغ في أعراض صحابة رسول الله ﷺ .
وذلك أن الرسول ﷺ حق، والقرآن حق وما جاء به حق، وإنما نقل إلينا ذلك كله صحابة رسول الله ﷺ ، فقد نقلوا إلينا أحاديث النبي ﷺ والقرآن وأفعاله ﷺ ، وهؤلاء يريدون أن يطعنوا في شهودنا ليبطلوا كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، وأن يجرحوا شهودنا، والجرح بهم أولى وهم زنادقة.
إذاً: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من صحابة رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وأشهره بين الناس أنه على زندقة؛ لأنه تجرأ على عرض من أعراض أصحاب رسول الله ﷺ .
لا يجوز سب صحابة الرسول ﷺ لما بيَّن الله ورسوله من عدالتهم، والسب ينقسم إلى أقسام:
стр. 89
حكم من سب الصحابة برميهم بالكفر
القسم الأول: السب في الدين كمن كفر الصحابة جميعاً إلا بضعة عشر، أي: ثلاثة عشر أو أربعة عشر نفراً هم الذين بقوا على الإسلام، وارتد الباقي، فمن قال بذلك أو لعنهم أو كفّر أبا بكر أو عمر أو لعنهما، فهذا كافر كفراً أكبر يخرج من الملة، ومن لم يكفره فهو كافر؛ لأنه رضي بالكفر ومن رضي بالكفر كمرتكبه ومن شك في كفره فهو كافر، وهذه هي المراحل الثلاث، والدلالة على ذلك من الكتاب والسنة فيما يلي: أولاً: من سب صحابة رسول الله ﷺ في دينهم ولعنهم، أو كفرهم عن بكرة أبيهم آحاداً وأفراداً فهذا كفره من وجهين: الوجه الأول: تكذيب لله ورسوله، ومن كذب الله ورسوله فقد كفر، فقد عدَّل الله الصحابة من فوق سبع سموات، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨].
وقال أيضاً: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠].
وقال النبي ﷺ : (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) وقال أيضاً: (لا يا عمر! لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
فهذه كلها أدلة على عدالة صحابة رسول الله من كلام الله وكلام النبي ﷺ .
أما الوجه الثاني: أنه يدخل تحت عموم قول النبي ﷺ : (من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما) وهذا له تأويل عند الجماهير أي: فقد باء بوزره، أو باء بهذه الكبيرة، لكن في سب الصحابة ينطبق هذا الحديث على ظاهره، فمن قال لـ أبي بكر: يا كافر، فقد كفر، ومن قال لـ عمر: يا كافر، فقد كفر، ومن قال لـ عائشة: يا كافرة، فقد كفر، ومن قال لـ عثمان أو لـ علي: يا كافر، فقد كفر (ومن قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما)، وفي الرواية الأخرى قال: (إن كان كذلك وإلا حارت) أي: رجعت عليه.
أما الأقوى من ذلك: فمن لم يكفر من كفر الصحابة فهو كافر؛ لأن الراضي بالمنكر كمرتكبه، وهذا الرضا الذي يظهر لنا عنده؛ لأن النبي ﷺ ذكر أنه لا بد من الإنكار بالقلب، والإنكار بالقلب: ألا تبقى بالمكان الذي يسب فيه صحابة رسول الله، أما أن تضحك، وتقر بذلك، ولا ترد عليهم، وتجالسهم فأنت ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠]، والمثلية هنا على حالاتها التي فندها العلماء.
وأيضاً: من شك في كفره فقد كفر؛ لأنه يشك في كفر من كذب الله، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، فمن شك في كفر من يكذب الله جل في علاه فقد كفر؛ لأن هذا من باب المعلوم من الدين بالضرورة.
стр. 90
حكم من سب الصحابة باللعن والتقبيح
أما القسم الثاني: وهو أن يسبهم ويلعنهم بالتقبيح لكن لا يتهمهم بالكفر، كأن يقول: لعنة الله على ذلك الصعلوك وهو يقصد بذلك -والعياذ بالله- قول النبي ﷺ (أما معاوية فصعلوك)، فمن لعن الصحابة أو سبهم فهل يكفر أم لا؟ قولان عند أهل العلم: القول الأول: أنه يكفر، فيخرج من الملة لعظم مكانة صحابة رسول الله من رسول الله ﷺ .
والقول الثاني وهو قول جماهير أهل العلم: إنه يستحق التفسيق والتأديب والتعزير والتبديع بذلك، لكنه لا يكفر، والتعزير يكون من قبل ولي الأمر.
وتفصيل القولين فيما يلي: القول الأول: يكفر، فما هي وجهة الكفر هنا؟ فهم ما كفروهم بل سبوهم فقالوا: أبوه كذا وأمه كذا، وهو كذا، أو لعنة الله على فلان وفلان وأبيه وأمه، وهذا فيه تكذيب لله، الذي أنزل عدالتهم وهم لا يعدلونهم، فهؤلاء ما طعنوا فيهم، بل دعوا عليهم بالشر، ونحو: اللهم أهلكهم، اللهم اطردهم من رحمتك، وهذا هو الكفر باللازم، فالقاعدة عند أهل السنة والجماعة أن لازم القول ليس بقول، فلا يحكم على صاحبه بالكفر حتى يقر هو به.
ووجهة نظر الذين كفروهم هي: أن من سب صحابة رسول الله فقد آذى رسول الله، ومن آذى رسول الله فقد كفر، قال: (فبحبي أحبوهم وببغضي أبغضوهم).
فالنبي ﷺ بين كثيراً النهي عن عدم إيذاءه في أصحابه فقال: (لا تسبوا أصحابي) وعند ما قال لـ عمر: (هلا تركتم لي صاحبي، لا تؤذوني في أصحابي) فهذا إيذاء للنبي ﷺ بطريق لازم القول، وقد قيل: لا تسأل عن المرء، وسل عن خليله، فكيف يصاحب النبي ﷺ رجلاً ملعوناً؟ فلعن الصحابة أو سبهم إيذاء للنبي ﷺ بل انتقاص من قدره ﷺ من باب اللزوم.
ولازم القول ليس بقول حتى يقر به، فمن لعن أصحاب رسول الله ﷺ فقد آذى رسول الله وانتقص من قدره ﷺ ، ولازم هذا القول يعتبر قولاً إن أقروا به، فإن لم يقصدوا إيذاء رسول الله، ولا الانتقاص من قدره، فيعتبر هذا فسقاً، وصاحبه على شفير هلكة.
وهذا هو الراجح الصحيح.
стр. 91
حكم من سب الصحابة بالتنقص لهم
القسم الثالث: هو أن يسبهم بالتقبيح فقط، كأن يقول: يأكلون كثيراً ويشربون كثيراً، أو يقول مثلاً: إنهم ينامون كثيراً ويحبون النساء بمثل هذه الكلمات التي تحدث نقصاً في صحابة رسول الله ﷺ ، وهذا بالإجماع لا يكفر، لكنه على شفير هلكه، بل هو فاسق؛ لأنه لم يعرف لأهل الفضل فضلهم، وقد قال النبي ﷺ : (يا أبا بكر! لا يعرف لأهل الفضل فضلهم إلا أهل الفضل).
وبهذا نكون قد ختمنا شرح الكتاب بفضل الله ، ونكون بذلك قد انتهينا بفضل الله من هذا الكتاب العظيم الجليل وهو من أنفع ما كتب شيخ الإسلام، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، وجزاه عن نبينا خير الجزاء، وجزاه خير الجزاء عن صحابة رسول الله ﷺ .