Полный текст (120 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
شرح المقدمة الآجرومية - فضل تعلم اللغة العربية
القرآن الكريم هو دستور هذه الحياة، فهو كلام الله جل في علاه، نزل بلسان عربي مبين، ولا يتم تفسيره إلا بتعلم اللغة التي أنزل بها، نحواً وصرفاً وغيرهما، وبوضع قواعد وأصول تحفظ للمسلمين لغتهم ودينهم، وكتاب الآجرومية من الكتب التي صنفت لجمع قواعد النحو، وهو أول سلم لطالب العلم في معرفة النحو.
стр. 2
فضل تعلم اللغة العربية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد:
стр. 3
أهمية التمسك بالقرآن وفهم معانيه
القرآن الكريم هو دستور هذه الحياة، والقرآن الكريم هو شرف هذه الأمة، ولا تعتز الأمة إلا بالتمسك بهذا الكتاب العظيم، الذي هو كلام الله جل في علاه.
إن الله جل في علاه أناط الشرف والقيادة والسيادة والريادة لهذه الأمة بهذا الكتاب، حيث قال جل في علاه: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء:١٠] أي: إن شرفكم وعلوكم وسيادتكم وقيادتكم وريادتكم لا تكون إلا بالكتاب.
ووافقت هذه الآية قول النبي ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي) ألا وهو كتاب الله وسنة النبي ﷺ .
والسنة لا يمكن أن تفترق عن الكتاب، فكتاب الله هو عز هذه الأمة، والتمسك بكتاب الله شرف هذه الأمة، والقيادة والسيادة والريادة لا تكون إلا بهذا الكتاب، ولذلك قال عمر بن الخطاب عندما أرسل باعثه إلى مكة وجاء له بالوالي فقال له: من تركت أو من خلفت في مكة؟ قال: فلاناً من الموالي، قال: أتركته يتسيد عليهم؟ قال: إنه يحفظ كتاب الله ويعلم الفرائض، فقال له عمر: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويخفض به آخرين).
فالناس يرتفعون لفهمهم كلام الله جل في علاه ومراد الله في كتابه، وهذا لا يكون إلا باللغة العربية، ولذلك فإن عمر بن الخطاب كان يضرب بالدرة على ذلك، ويقول: تعلموا العربية فإنها لغة القرآن.
ونحن أعاجم لسنا بعرب، فكثير من كلمات المصنفين لا نستطيع أن نعرف معانيها إلا بالرجوع إلى المعاجم اللغوية، فاللغة العربية لها أهمية قصوى؛ لأنها من علوم الآلة التي بها استقامة اللسان، واستقامة اللسان ممدحة في الشرع، وكذلك العقل عن الله جل في علاه وفهم كلام رسول الله ﷺ .
واللغة العربية فيها التقديم والتأخير، فيتقدم المفعول على الفاعل والخبر على المبتدأ، وهذا يجعلك تتوسع في فهم كلام الله جل في علاه، فعندما يقرأ القارئ قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] فإن لم يعرف المفعول من الفاعل ولم يعرف سهولة هذه اللغة التي فيها التقديم والتأخير، وأن هذا التقديم فيه أسلوب الحصر، فإنه لا يعرف مراد الله جل في علاه، فيتعجب العامي من سماع هذه الآية ويقول: إن الله يخشى منهم؟ فهذا من الفحش؛ لأنه أخطأ ولم يتعلم العربية، فلو علم أن المفعول يتقدم على الفاعل علم معنى الآية، فـ (الله) لفظ الجلالة مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والعلماء: فاعل، فهم الذين يخشون الله جل في علاه.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج:٣٧].
فالتقديم والتأخير عندما يعرفه المسلم فإنه يفهم ويعقل عن رسول الله ﷺ مراده، ولذلك كان من الأهمية تعلم اللغة العربية، وكانت العرب قبل الإسلام أصحاب سليقة وفصاحة وبلاغة وشعر، فكان لهم علو كعب في اللغة العربية، وجاء الإسلام بفضل الله وبهذا الكتاب العظيم الذي ينظم ويرتب هذه اللغة ويجعلها في زيها الجميل الذي نراه الآن، والدين كله كان في الجزيرة العربية.
стр. 4
ذكر أصناف عرب الجزيرة
والعرب في الجزيرة العربية ينقسمون إلى عرب الشمال، وعرب الجنوب، ويسمى عرب الجنوب العرب العاربة وهم القحطانيون ومنهم الذين في اليمن أما عرب الشمال الذين هم من ولد إسماعيل وهم العدنانيون، واللغة التي كانت تجمعهم هي اللغة العربية، لكن كان هناك اختلاف في اللهجات، ولذلك نزل القرآن على سبعة أحرف كلها في اللغة العربية مع اختلاف ظاهره (فتثبتوا) كانت تقرأ (تبينوا) و (لامستم) تقرأ (لمستم)، و (أماناتهم) تقرأ (أمانتهم)، فهذا هو الخلاف في القراءات، ويجمعها أصول اللغة العربية.
стр. 5
تأثير الأعاجم على اللغة العربية
ولما دخل الإسلام جزيرة العرب ألبس اللغة الثوب الجديد، ثم بعد ذلك فتح الله الأمصار على يد المهاجرين والأنصار الذين رفعهم الله بتمسكهم بكتاب الله وسنة النبي ﷺ ، فحدث الجهاد مع الأعاجم، ثم حصل السبي للعبيد والإماء، فلما دخل الأعاجم بلاد الإسلام أصبحت اللغة العربية يحدث فيها الغلط واللحن، فلما ظهر اللحن ابتدأ جهابذة اللغة والسنة والكتاب، وقالوا: لا بد من حفظ كتاب ربنا وسنة نبينا، ولا يكون ذلك إلا بالضوابط والقواعد النحوية؛ حتى لا يحدث اللحن في ديننا وفي كتاب ربنا، وهذا الذي أهال عمر بن الخطاب عندما جاءه أعرابي يطلب منه أن يقرأ عليه القرآن، فأخذه رجل ليعلمه القرآن فأضاعه، فقرأ في سورة براءة قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٣] بخفض لرسوله) فقال الأعرابي: أبرأ ممن برأ منه الله جل في علاه، أي: يبرأ من رسول الله ﷺ وهذه التي تهدم الدين بأسره، فلما قال الأعرابي ذلك وسمعه عمر قال له: لا تقرأ هكذا، فقرأ عليه ((أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ)) [التوبة:٣] فقال: أبرأ ممن برأ منه الله ورسوله، ففهم الأعرابي لما شكل له التشكيل الصحيح فهماً صحيحاً.
من هنا قال العلماء: إن عمر بن الخطاب أمر أبا الأسود الدؤلي أن يبدأ في وضع قواعد النحو والصرف.
وبعض العلماء قال بأن علي بن أبي طالب هو أول من أشار على أبي الأسود أن يضع القواعد في اللغة، ولا مشاحة في ذلك، فاللغة قد وضعت لها القواعد سواء بأمر عمر أو علي أو بسبب أبي الأسود الدؤلي.
стр. 6
أشهر علماء النحو واللغة
وأشهر النحاة الذين انبروا في ساحات اللغة عند أهل الإسلام منهم أبو الأسود الدؤلي وأيضًا أبو عمرو بن العلاء والخليل بن أحمد وتلميذه العظيم في اللغة سيبويه وهذا الاسم فارسي، سيب معناه: التفاح، وويه: الرائحة، فإذاً سيبويه: رائحة التفاح، ونفطويه رائحة النفط أي: رائحة البترول، فأشهر النحاة سيبويه وأيضًا والفراء والكسائي.
ومهبط وضع قواعد اللغة كان في البصرة، وأهل العراق عندنا فرسان الميدان في اللغة وفي غيرها، فاللغة أصالة مهبطها البصرة، ولذلك ترى كثيراً من المتمكنين يقولون: واختلف في هذه المسألة البصريون والكوفيون فأول علماء اللغة برعوا في البصرة، ثم تتلمذ على أيديهم أهل الكوفة، وأصبح الخلاف بين أهل الكوفة وأهل البصرة.
стр. 7
فضل علم النحو
وعلم النحو علم شريف عظيم، ولا يمكن لطالب علم أن يطلب العلم من دونه، كأن يطلب العلم والنحو ولا يجد في طلبه؛ لأنه من علوم الآلة، فهذا لا بد أن يعض عليه بالنواجذ، حتى وإن انتهى مثلاً من الآجرومية وما بعدها من تكملة الآجرومية، لأن الأهم هو أن يستقيم لسانه، وأن يعقل عن الله مراده، وكذلك عن رسول الله ﷺ .
стр. 8
الفرق بين النحو والصرف
وعلم النحو يبحث في الجمل، وعلم الصرف يبحث في بنية الكلمة، فعلم النحو يبحث في الجمل وينظر في أواخر الكلمة من حيث الرفع أو الخفض أو الجزم أو النصب، تقول مثلاً في كلمة القرآن: القرآن كلام الله، بالرفع، وقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء:٨٢]، بالخفض، وقوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن:٢] بالنصب، والقرآن غير مخلوق، هذا أصل أصيل عند أهل السنة والجماعة، بخلاف أهل البدعة والضلالة كالمعتزلة.
فالأولى: (القرآن كلام)، القرآن مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
والثانية قال الله تعالى ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن:٢] فالقرآن: مفعول به منصوب وعلامة النصب الفتحة الظاهرة على آخره.
والثالثة: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء:٨٢] فالقرآن اسم مخفوض وعلامة خفضه الكسرة الظاهرة على آخره.
أيضًا نقول: يشرب محمد اللبن، ولن يشربَ محمد اللبن، ولم يشربْ محمد اللبن.
فيشربُ الأولى: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره؛ لأنه لم يسبقه ناصب ولا جازم.
ولن يشرب: فعل مضارع منصوب؛ لأنه سبقه ناصب وهو لن.
ولم يشرب: فعل مضارع مجزوم بالسكون؛ لأنه سبقه جازم وهو لم من أدوات الجزم.
فعلم النحو يبين لنا هذا التغيير ويفسره التدريب العملي، قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩]، وقول المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً)، فالأولى محمدٌ والثانية محمداً، والثالثة محمدٍ، فالأولى مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، والثانية اسم أن منصوب وعلامة نصبه الفتحة، وأن حرف نصب، والثالثة اسم مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره، والعامل هو الباء حرف الجر.
стр. 9
تعريف الكلام وشروطه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع].
أي: الكلام في اللغة له قيود وشروط، حتى إذا أتتك الكلمات مضمومة مع بعضها تقول هذا كلام، فالكلام له معادلة رياضية، وهي لفظ + مركب + مفيد + بالوضع.
فشروط الكلام: أن يكون لفظاً مركباً مفيداً بالوضع، أي وضع اللغة العربية، فالشرط الأول أن يكون لفظاً: فاللفظ لا بد له من صوت يسمع وحرف، فخرج بذلك الإشارة والكتابة، فإشارة السيد إلى عبده، أو المدير إلى الفراش، أو إلى عامله أو إلى ساعيه، فإنها معروفة ومفهومة عند الناس، يستفاد منها أمره بالمجيء أو بالجلوس، لكنها ليست بكلام، لأنها ليست بلفظ.
الكتابة كأن يكتب رجل في ورقة: أريد طعاماً أو أريد من الماء، ويبعثها إلى عبده أو ساعيه، فإذا قرأها العبد أو الساعي فإنهما يفهمان من الكتابة فهماً جيداً، وهو أن سيدهما يريد منهما طعاماً أو شراباً، لكن الكتابة لا تدخل أيضًا في الكلام؛ لأنها ليست بلفظ.
والشرط الثاني: أن يكون مركباً، والتركيب: أن يتركب الكلام من كلمتين فأكثر، كأن تقول مثلاً: محمد كريم، زيد أسد، عمر شجاع، محمد رسول الله، الإسلام ديننا، فهذه الجمل مركبة من كلمتين فأكثر.
والتركيب له حالتان: إظهار وإضمار، فالإظهار مثل: محمد رسول الله، زيد كريم، عمر شجاع، محمد أسد، فالكلمة الثانية ظهرت.
والإضمار هو الذي لا تظهر فيه الكلمة الثانية، مثلاً: ننجح، فهذه كلمة واحدة فيها إضمار، والتقدير: نحن ننجح.
وكذلك يأتي اللاعب الذي يرى فارس الميدان ومعه الكرة، فيقول له: العب، والتقدير: العب أنت.
فالكلام إن كان من كلمتين أو أكثر فهو مركب، مثل: محمد رسول الله، زيد شجاع، أحمد أسد، فالكلمة الأولى انضمت إلى الثانية، فأصبح تركيباً، أما الكلمات محمد وأحمد، وزيد، وعمر، والكرة، واللبن، والتفاح، فهذا ليس بكلام لأن الكلمات ليست مركبة.
والتركيب إما ظاهر وإما مضمر، أي: مستتر، والمستتر يوجد فيه الفعل ويضمر الفاعل، مثل: آكل، والتقدير آكل أنا، فأشرب اللبن، والتقدير: أشرب أنا اللبن.
والشرط الثالث: الإفادة: وهو الذي تستفيد منه جملة مفيدة، فلا تتطلع لشيء ثان، كأن يتكلم معك بجملة مكونة من مبتدأ وخبر، نحو: محمد كريم، أما لو قال: محمد ابن عمك، وسكت، فهذا ليس مفيداً؛ لأن السامع ينتظر الخبر.
ومعنى أن يفيد: أن يحسن السكوت عنده، فلا يبقى السامع منتظراً لشيء آخر، والإفادة تكون بشيء يعرف ويحسن السكوت عليه، كقول الله تعالى مثلاً: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة:٢] فنفهم من هذه الجمل أن محمداً رسول الله يتلو الصحف التي أوحيت إليه من الله جل في علاه، ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] فنفهم من هذه الجملة بأن الله الواحد الذي له صفات الجمال والكمال ونعوت الجلال لا يساميه أحد، ولا يمكن أن يكون أحد كفؤاً لله جل في علاه، فالكلام المفيد: هو الذي إذا وقفت عنده لا يطلب السامع منك أن تزيده كلاماً، فيحسن السكوت عنده بالوضع.
والوضع له معنيان: المعنى الأول: القصد، وهو أن القائل يقصد هذا الكلام، كأن يكون معه العصا؛ فقال: سأضرب زيداً أو طالب العلم الكسول، أو الفاسق، أو العاصي، أي: فهو يقصد ذلك، فخرج من هذا القصد كلام السكران والمجنون والطفل.
فقصد الكلام هو فهمه وتعقله.
والمعنى الثاني: الوضع العربي أي: عند أهل اللغة الفصحاء البلغاء الأعراب، فإذا قيل لك يحرم عليك أن تقول: ضربت محمد، فهذا حرام لغة أي: لا يجوز في عرف أهل اللغة.
إذاً الكلام هو: اللفظ المركب المفيد بالوضع، والوضع له معنيان: المعنى الأول: القصد، فخرج منه كلام المجنون فلا يعتبر كلامه.
وكذلك السكران أو من ذهب عقله.
والمعنى الثاني: وضع أهل اللغة الفصحاء البلغاء الذين كانت لغتهم سليقة، فيؤخذ الكلام العربي منهم، أما إذا لم يكن في لغتهم ولا معروفاً عندهم فلا يؤخذ منهم، وأشهر ما يقال في ذلك قول القائل: قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق فالأشاعرة قالوا: الاستواء بمعنى الاستيلاء، فإن اللغة الأصيلة تدل على ذلك لقول الشاعر في البيت السابق.
فرد عليهم العلماء بأن هذا البيت ليس بعربي أصيل، فلا تعرفه العرب إنما هو لنصراني غير معروف عند أهل اللغة الفصحاء البلغاء.
стр. 10
شرح المقدمة الآجرومية - أقسام الكلام وعلامات الاسم
ينقسم الكلام إلى ثلاثة أقسام: اسم، وفعل، وحرف، ولكل قسم علامات خاصة به، فللاسم خمس علامات: الإسناد، والجر، والتنوين، والنداء، وقبول الألف واللام.
стр. 11
أقسام الكلام
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
أقسام الكلام ثلاثة: اسم وفعل وحرف، وهذا بالاستقراء والتتبع، أي: أن العلماء تتبعوا لغة العرب وذهبوا إلى الأعراب، وسافروا ورحلوا في الفيافي والقفار، حتى يعلموا لغة العرب.
ولا بد أن نعلم أنَّ النحو يهتم بالجملة، وأما الصرف فيهتم بالكلمة، فالجملة العربية جملتان: جملة اسمية، وجملة فعلية.
وهذه الجمل تتمثل في أقسام الكلام: اسم وفعل وحرف.
فالاسم: هو اللفظ الذي دل على معنى في نفسه غير مقترن بزمان، فلا يحتاج للزمان حتى يظهر معناه.
والفعل: ما دل على معنى في نفسه لكنه يقترن بزمان.
والحرف: لا يدل على معنى في نفسه ويدل على معنى في غيره.
стр. 12
علامات الاسم
وللاسم خمس علامات: العلامة الأولى: الإسناد، وهي أقوى ما يعرف به الاسم.
العلامة الثانية: الخفض عند الكوفيين، وعند البصريين الجر.
العلامة الثالثة: التنوين.
العلامة الرابعة: أن يقترن بالألف واللام.
العلامة الخامسة: أن يدخل عليه حرف النداء.
стр. 13
العلامة الأولى الإسناد، والأمثلة على ذلك
فالإسناد: أن يسند إليه اسم أو فعل، تقول مثلاً: نجح محمدٌ، فكلمة (نجح) أسندت إلى محمد، إذاً (محمد) اسم.
مثال آخر: أكل عمرو، (أكل) فعل أسند إلى (محمد) إذاً (عمرو) هذا أسند إليه فيكون اسماً.
ضرب محمدٌ زيداً، فالفاعل (محمد) يُعد اسماً؛ لأنه أسند إلى فعل.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم:٣٥]، القول هذا فعل أسند إلى (إبراهيم)، إذاًً: (إبراهيم) اسم.
أيضاً قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف:٤]، القول أسند إلى (يوسف)، إذاً (يوسف) اسم.
стр. 14
العلامة الثانية الجر وأقسامه، والأمثلة على كل قسم
العلامة الثانية: الجر.
والجر ثلاثة أقسام: الأول: جر بحرف، أي: بأن يسبقه حرف من حروف الجر.
الثاني: جر بالإضافة.
الثالث: جر بالتبعية، أي يكون تبعاً، والتبعية أربعة فروع: أن يكون نعتاً، فالصفة دائماً تتبع الموصوف، أو يكون معطوفاً، أو يكون توكيداً، أو يكون بدلاً؛ لأن البدل أيضاً يتبع المبدل منه.
وحروف الجر لا يمكن أن تسبق الفعل، فلا تستطيع أن تقول: إلى يشرب، مِنْ يأكل، مِنْ قُمْ، فِي قُمْ، فحرف الجر لا يسبق الفعل في أي حال من الأحوال، وأيضاً الفعل لا يمكن أن يكون مجروراً، فالاسم علاماته المشهورة أن يقبل الجر، وأن تسبقه حروف الجر.
من الأمثلة على ذلك: قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١].
وقال جل في علاه: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢].
فقوله تعالى: ((قُلْ أَبِاللَّهِ)) [التوبة:٦٥]، الباء سبقت (الله)، إذاً: (الله) اسم؛ لأنه سبقه حرف الجر.
وقوله تعالى: ((وآياته ورسوله)) مجرورتان بالتبعية وهي العطف.
وقوله الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢].
حرف الجر (في) سبق (السماء)، إذاً: (السماء) اسم.
وقال النبي ﷺ : (المدينة حرم من ثور إلى عير) فالاسم هنا: (ثور) لأنه سبقه حرف الجر (من).
وقال الإمام الشافعي: آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله ﷺ .
فقوله: آمنت بالله، (الله) اسم؛ لأنه سبقه حرف الجر وهو الباء.
وقوله: وبما جاء عن الله، (الله) أيضاً اسم؛ لأنه سبق بحرف الجر (عن)، وقوله: وعلى مراد الله، (مراد) أيضاً اسم؛ لأنه سبقه حرف الجر (على).
والاسم إما أن يكون اسماً خالصاً، أو اسم فعل كصه، وآمين، وهيهات.
وكلمة (الله) في قوله: (على مراد الله) اسم؛ لأنها مضافة إلى كلمة (مراد).
قال: آمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، وعلى مراد رسول الله.
فقوله: آمنت برسول الله: كلمة (رسول) سبقه حرف الباء، إذاً: (رسول) اسم، وقوله: (وعلى مراد رسول الله) (رسول) اسم، و (الله) اسم مجرور بالإضافة.
وقال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١].
اسم: من الأسماء سبقه حرف الجر الباء.
الله: من الأسماء؛ لأنه مضاف إليه.
الرحمن: اسم، صفة للموصوف، والقاعدة في العقيدة قلنا: الله إذا أسند إليه أي اسم آخر فالاسم يكون بالنسبة له صفة.
стр. 15
العلامة الثالثة التنوين، والأمثلة على ذلك
العلامة الثالثة: التنوين، وهو نون زائدة لفظاً لا خطاً، أي: لا تكتب نون ساكنة.
ومن الأمثلة على ذلك: قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩].
محمدٌ: اسم؛ لأنه قبل التنوين، ولا يمكن للفعل أن يقبل التنوين بحال من الأحوال.
وقال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ [الغاشية:٨].
وجوه: اسم؛ لأنها قبلت التنوين، ناعمةٌ: اسم؛ لأنها قبلت التنوين.
وقال الله تعالى: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٤].
ناراً: اسم؛ لأنها قبلت التنوين.
حامية: اسم لأنها قبلت التنوين، وجاءت صفة.
مثال آخر: نقول: (من محمدٍ رسول الله إلى هرقل عظيم الروم أسلم تسلم).
محمدٍ: اسم؛ لأنه قبل التنوين، إذاً التنوين علامة من علامات الاسم.
стр. 16
العلامة الرابعة قبول الألف واللام، والأمثلة على ذلك
العلامة الرابعة: قبول الألف واللام، ولا يصح أن يدخل الألف واللام على الفعل بحال من الأحوال، فكلما ما رأيت لفظة تقترن بالألف واللام فقل: هذا اسم دون أن تتدبر المسألة.
تقول مثلاً: الأحمدون قادمون، الأحمدون: جمع الأحمد.
الزيانب صالحات، الزيانب: جمع الزينب.
قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق:١ - ٣].
فالأسماء هنا: السماء، الطارق، النجم، الثاقب؛ لدخول الألف واللام.
فإذا قلت: اليشرب محمد اللبن، فهذا خطأ؛ لأن هذا ليس من الوضع العربي.
ومن الأمثلة على دخول الألف واللام على الأسماء: قال الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:١ - ١٠].
فالأسماء هنا: الليل، النهار، الذكر، الأنثى، الحسنى، اليسرى، العسرى.
إذاً: دخول الألف واللام أيضاً علامة من علامات الأسماء.
стр. 17
العلامة الخامسة أن يدخل عليه حرف النداء، والأمثلة على ذلك
أيضاً حرف النداء لا يدخل أبداً على الفعل.
وحرف النداء يأتي ظاهراً ومضمراً، وإذا دخل لا يدخل إلا على الأسماء.
فمن الأمثلة على ذلك: تقول: يا محمد مر بي من الشارع، أو خذني إلى البيت.
وقال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥]، فكلمة (إبراهيم) هنا: اسم؛ لأنه قبل حرف النداء.
وقال الله تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤].
موسى: هنا: اسم؛ لأنه قبل حرف النداء.
دخل أعرابي يسمع له دوي يقول: يا محمد زعم رسولك، وأتم الحديث.
محمد هنا: اسم؛ لأنه قبل حرف النداء.
وأيضاً في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أن جبريل جاء في صورة رجل غريب، لا يرى عليه أثر السفر، فدخل عليهم فجلس، فأسند ركبتيه إلى ركبة النبي ﷺ ، ثم قال: يا محمد أخبرني ما الإسلام؟ إلى آخر الحديث.
فمحمد هنا: اسم؛ لأنه قبل حرف النداء؛ وحروف النداء هذه ظاهرة.
أيضاً يقبل حرف نداء مضمر، قال الله جل في علاه حاكيا عن قصة يوسف: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ) [يوسف:٢٩]، والتقدير: يا يوسف أعرض عن هذا، فهنا (يوسف) اسم؛ لأنه قبل حرف نداء.
قال الله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن:٣١]، التقدير: سنفرغ لكم يا أيها الثقلان.
ومن الأمثلة على حرف النداء المضمر: قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾ [يوسف:٤٦] أي: يا يوسف يا أيها الصديق أفتنا.
قوله تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الدخان:١٨] أي: أن أدوا إلي يا عباد الله.
стр. 18
تطبيقات نحوية على علامات الاسم
قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج:١ - ٤]، الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج:١]، السماء: اسم؛ لأنه قبل الألف واللام وقبل الجر بواو القسم.
وذات: اسم؛ لأنها صفة.
البروج: اسم؛ لأنه مضاف إليه، وقبل الألف واللام.
واليوم: اسم؛ لأنه معطوف على (السماء)؛ ولأنه قبل الألف واللام، والموعود: اسم؛ لأنه قبل الألف واللام، ولأنه مجرور على التبعية (صفة).
وشاهد ومشهود: اسمان؛ لأنهما مجروران، وقبلا التنوين.
أصحاب: اسم؛ لأنه أسند إليه الفعل (قُتِل).
الأخدود: اسم؛ لأنه قبل الألف واللام، وقبل الإضافة.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٧]، أين الاسم؟ فقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤] من: اسم موصول بمعنى الذي؛ لأنه أسند إليه الفعل (أفلح).
وقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٥].
(اسم): من الأسماء؛ لأنه مسند إليه الفعل (ذكر).
ربه: اسم؛ لأنه مضاف إليه، والضمير (الهاء) اسم مجرور بالإضافة.
قال الله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧].
مالك: اسم؛ لأنه قبل حرف النداء.
ربك: اسم؛ لأنه مسند إليه (ليقض)، والضمير (نا): اسم؛ لأنه قبل حرف الجر (على).
قال النبي ﷺ : (لتمرن الظعينة من صنعاء إلى حضرموت لا تخشى إلا الله والذئب على الغنم).
الظعينة: اسم؛ لأنها قبلت الألف واللام.
حضرموتَ: اسم؛ لأنها قبلت حرف الجر (إلى)، لكن تجر بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنها اسم ممنوع من الصرف.
ومثلها قول القائل: خرجت من مساجدَ شتى، وتربيت في مساجدَ شتى، وذهبت إلى مساجدَ شتى فكلمة (مساجد): اسم؛ لأنها قبلت حروف الجر: من، في، إلى، لكنها مجرورة بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنها اسم ممنوع من الصرف.
وكذلك قولك: تزوج زيدٌ هندَ.
فزيد وهند: اسمان؛ لأن (زيدٌ) قبل التنوين والإسناد، و (هند) قبل الإسناد.
وقولك: ذهبت من البيت إلى المدرسة.
البيت والمدرسة: اسمان؛ لأن كلاً منهما قبل حرف الجر، والألف واللام.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلِّ اللهم وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 19
شرح المقدمة الآجرومية - علامات الفعل والحرف
أقسام الفعل ثلاثة: ماض ومضارع وأمر، وللفعل علامات يتميز بها عن الاسم والحرف، وأما الحرف فعلامته ألا يقبل علامات الاسم ولا علامات الفعل، ولا يكون له معنى إلا عند ارتباطه بغيره.
стр. 20
حقيقة الفعل وأقسامه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن تعلم العربية مهم؛ ولذلك فإن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه كان يضرب على ذلك ويقول: تعلموا العربية فإنها لغة القرآن.
لقد تكلمنا عن الكلام وقلنا: إنه اسم وفعل وحرف، وتكلمنا عن الاسم، وبينا العلامات التي يعرف بها الاسم، واليوم سنتكلم بمشيئة الله عن الفعل والحرف والعلامات التي يتميز بها الفعل والعلامات التي يتميز بها الحرف.
الفعل يشمل حدثاً وزمناً، مثل: ضرب، فالحدث الضرب، والزمن هو الماضي، وكيضرب مثلاً في الزمن المستقبل أو الحال، واضرب في الزمن المستقبل.
الفعل هو: ما دل على معنى في نفسه والزمن جزء منه، أو نقول: واقترن بزمان، سواء الزمان الماضي أو المضارع أو المستقبل.
والفعل له علامات إجمالاً وتفصيلاً: أما الإجمال فيعرف الفعل بتقدم (قد) والسين و (سوف)، وكلما وجدت (قد) فما يأتي بعدها فهو فعل وكذا إذا تقدمه (السين) و (سوف).
فمثلاً: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، فإعراب الجملة (قد): حرف تحقيق لا عمل له، وقام: فعل ماض.
والتاء: تاء التأنيث.
والصلاة: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
أو تقول: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ:٤ - ٥]، القاعدة أن (السين) يأتي بعدها الفعل، إذاًَ: (يعلمون) فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة.
إذاً الفعل: هو ما دل على معنى في نفسه ويقترن بزمان، أو الزمان جزء منه، ويعرف بقد وبالسين وسوف.
стр. 21
الفعل الماضي
الفعل ينقسم إلى أقسام ثلاثة: فعل ماض، وفعل مضارع، وفعل أمر.
стр. 22
تعريف الفعل الماضي
الفعل الماضي: هو الذي دل على معنى في زمان قبل النطق به، يعني: فات زمانه، نحو: قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر:٢٣]، قوله ((نزل)) هذا في الزمان الماضي.
إذاً: الفعل هو التنزيل، والزمن المقترن به هو الزمان الماضي.
قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ﴾ [الفرقان:١]، أيضاً في الزمان الماضي، ((تبارك)) هذه كلمة لا تطلق إلا على الله فقط، وهذا الفارق بين مبارك وتبارك، فلا يصح أن تقول في حق الله: مبارك قط؛ لأن البركة من عند الله، فكيف يباركه غيره؟! إذاً: قول الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، وقول الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان:٦١]، تبارك للزمن الماضي.
وأيضاً قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، ((قال)) هذا أيضاً فعل ماض يدل على الحدث، والحدث هنا هو القول، لكن الزمن هو الماضي.
إذاً الفعل الماضي هو ما يدل على حدث في الزمن الماضي لا في الزمن الحال ولا المستقبل.
стр. 23
علامات الفعل الماضي
العلامات التي تميز الفعل الماضي: العلامة الأولى: أنه يقبل ضمير الفاعل المتحرك، سواء للمخاطب أو للمخاطبة أو للمتكلم، تقول: ضربتَ عمراً.
ضرب: فعل ماض، والتاء ضمير الفاعل المتحرك، وهو للمخاطب هنا.
أما للمتكلم، فتقول: ضربتُ أحمد، وأكلتُ الطعام.
أكل: فعل ماضٍ، وعرفت أنه فعل ماض بوجود ضمير الرفع المتحرك في آخره.
كذلك شربتُ اللبن: شرب: فعل ماضٍ.
والتاء ضمير رفع متحرك في محل رفع فاعل.
فأول علامة يعرف بها الماضي أنه يتصل بضمير الرفع المتحرك سواء للمخاطبة أو المتكلم.
العلامة الثانية: أنه يقبل تاء التأنيث الساكنة، كطلعت الشمس، ويصح أن يقال: طلع الشمس؛ لأن الشمس مؤنث مجازي.
أيضاً قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف:٥١]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ [يوسف:٣١].
وإعرابها: (قالت) قال: فعل ماضٍ، والتاء تاء التأنيث، فالفعل هنا فعل ماضٍ؛ لأنه اتصل بتاء التأنيث، وهذه علامة من العلامات التي يعرف بها الفعل الماضي.
стр. 24
أمثلة تطبيقية للفعل الماضي
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٣٣].
وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [آل عمران:٣٥ - ٣٦].
فالفعل الماضي من هذه الآيات، (اصطفى) وهو مبني والدليل على أنه ماضٍ أن نضع له علامة من العلامتين لنعلم هل سيقبلها أم لا؟ وهنا يصح أن تقول: اصطفيت محمداً لنفسي.
إذاً: فهو ماضٍ والحدث هو الاصطفاء، والزمن هو الماضي.
لكن الفعل (كان) ناقص وليس كاملاً؛ لأنه يدل على زمن ولا يدل على الحدث.
إذاً: (اصطفى) فعل ماض، ودخل عليه ضمير الرفع المتحرك في قولك: اصطفيت محمداً من الناس.
الفعل الثاني: (نذرت) نذر فعل ماضٍ، والتاء ضمير رفع متحرك في محل رفع فاعل.
الفعل في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران:٣٥]، الفعل (قال) دخلت عليه تاء التأنيث، وهي من علامات الفعل الماضي، وهي تاء ساكنة تحركت هنا بسبب التقاء الساكنين.
((سميتها)) الفعل (سميت) والتاء ضمير الرفع المتحرك، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به.
((وضعتها)) الفعل الماضي (وضعت) والعلامة هي تاء التأنيث.
إذاً: الفعل الماضي يعرف بارتباطه بتاء التأنيث، وأيضاً يعرف بضمير الرفع المتحرك.
стр. 25
الفعل المضارع
الفعل ينقسم إلى أقسام ثلاثة: فعل ماض، وفعل مضارع، وفعل أمر.
стр. 26
تعريف الفعل المضارع
القسم الثاني من الأفعال: المضارع.
المضارعة هي في اللغة المشابهة، والمضارع لفظ يدل على معنى، هذا المعنى يتحقق في زمن الحال أو الاستقبال، مثل قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣]، الفعل المضارع هو: ((يتبعها)).
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ [الأعراف:٥٣]، ((يأتي)) فعل مضارع في زمن الاستقبال.
وقال الله تعالى أيضاً: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]، فهنا (يأتي) و ((ينظرون)) فعلان مضارعان أيضاً.
стр. 27
علامات الفعل المضارع
الفعل المضارع له علامات تميزه عن غيره، وهذه العلامات هي: دخول النصب والجزم، والكلام عن الفعل المضارع يأتي من أكثر من وجه: الوجه الأول: أن له حروفاً تميزه، وهذه الحروف إذا ابتدأ الفعل بها قلنا: هذا الفعل فعل مضارع، وهذه حروف تجمع في كلمة نأيت أو أنيت، فأي حرف من هذه الحروف تراها في فعل فاعلم أن هذا الفعل مضارع.
الوجه الثاني: أن هذا الفعل يضم أوله في حالتين: الحالة الأولى: إن كان الماضي منه رباعياً أو مبنياً للمجهول، أما الماضي الرباعي فهو مثل: سافر، فنقول: في المضارع منه: نسافر ويُسافر وأُسافر بالضم وتُسافر كلها بالضم، وهذه قاعدة لا بد على طالب العلم أن يتقنها؛ ليعلم متى يضم الفعل المضارع.
وأيضاً (حَاضَرَ) فعل ماضٍ، فنقول في مضارعه: يحاضر ونُحاضر وأُحاضر وتُحاضر، كلها بالضم.
والحالة الثانية التي يضم فيها أوله: المبني للمجهول، وذلك مثل يُضْرَبُ ويُكْرَمُ.
ويفتح أوله في الثلاثي وغيره، فيكون المضارع مفتوح الأول، أي: أول حرف فيه يكون مفتوحاً، وذلك مثل: (قام) يقال في مضارعه: يَقوم، تَقوم، نَقوم، أَقوم.
إذاًً: يكون أوله مفتوحاً.
نعود إلى علامات الفعل المضارع وهي: أنه يقبل حروف الجزم والنصب، قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١] (لم) حرف جزم، و (يكن) فعل مضارع؛ لأنه سبقه حرف جزم.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:١ - ٣]، فالفعل (يلد) مضارع؛ لأنه سبقه جازم.
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ [البقرة:١١٤]، الفعل المضارع ((يدخلوها)) وسبقه ناصب وهو (أن).
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٤]، تفعلوا الأولى فعل مضارع؛ لأنه سبقها جازم وهي الأداة لم، والثانية فعل مضارع لأنه سبقها حرف نصب وهي الأداة لن.
стр. 28
أمثلة تطبيقية للفعل المضارع
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:١ - ٥].
قوله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ)) وقوله: ((أَلَمْ يَجْعَلْ))، الفعل المضارع له علامات كما ذكرنا، ونعرفه بالقاعدة الأولى وهي: أنه يبتدئ بحروف المضارعة (أنيت) أو (نأيت)، فقوله: ((تر)) فعل مضارع مجزوم، وبدأ بحرف من حروف (أنيت) وهو التاء، وسبقه جازم.
وقوله أيضاً: ((يجعل)) هذا فعل مضارع بدأ بالياء من حروف (نأيت) أو (أنيت) وسبقه جازم.
وكذلك الفعل ((ترميهم)) بدأ بحرف التاء فهو مضارع وإن كان غير مجزوم.
قال الله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ﴾ [الفجر:١ - ١٠].
(الفجر) هنا اسم وليس بفعل؛ لأنه دخل عليه الألف واللام.
وهنا نريد الأفعال، وذلك في قوله: ((لم يخلق)) فنطبق القاعدة فالفعل (يخلق) بدأ بحرف الياء وسبقه حرف الجزم.
فإذاً: هو فعل مضارع.
إذاً: الفعل المضارع بينا بأن له قواعد يعرف بها وهي أنه يبدأ بحرف من حروف المضارعة (نأيت) أو (أنيت) والأمر الثاني أنه يقبل علامات النصب والجزم.
стр. 29
فعل الأمر
الفعل ينقسم إلى أقسام ثلاثة: فعل ماض، وفعل مضارع، وفعل أمر.
стр. 30
تعريف فعل الأمر
القسم الثالث من الأفعال: فعل الأمر: وفعل الأمر: هو لفظ يدل على المطلوب تحقيقه في زمان المستقبل، كما في قوله تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٤٨]، فعل الأمر هو (دع).
وقال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٥]، فعل الأمر هو (بشر).
ويقول الشاعر: أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان فعل الأمر هو (أقبلْ) و (استكمل).
стр. 31
علامات فعل الأمر
فعل الأمر له علامات: أولاً: أن هذا الفعل يدل على الطلب في زمن المستقبل.
ثانياً: أنه يقبل ياء المخاطبة ونون التوكيد، قال الله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم:٢٦].
(فكلي) فعل أمر، (وقري) فعل أمر، (واشربي) فعل أمر، والياء في آخر هذه الأفعال الثلاثة هي ياء المخاطبة، وهذا الفعل مطلوب مستقبلاً.
قال تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم:٢٦]، والفعل (قولي) يقال فيه ما سبق.
والعلامة الأخرى وهي قبول فعل الأمر لنون التوكيد، وذلك نحو: احفظن آيات الله، وداومن على تلاوة القرآن.
فنون التوكيد هنا تبين أن هذا فعل أمر.
قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٤]، فالأفعال (قرن) و (اذكرن) أفعال أمر لحقتها نون التوكيد.
فإذاً: نون التوكيد هي علامة من علامات فعل الأمر.
стр. 32
أمثلة تطبيقية للأفعال الثلاثة
نطبق على الأفعال الثلاثة، قال النبي ﷺ في صلاة الجمعة: (فمن توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل).
وقال عن الإمارة: (نعمت المرضعة وبئست الفاطمة).
وقال النبي ﷺ أيضاً (يأتي زمان على أمتي يستحلون فيه الحر والحرير والخمر والمعازف).
وقال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ﴾ [الممتحنة:١٢].
اوقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]، نبدأ بهذه الآية في الإعراب: قوله: ((ابتلى)) فعل ماضٍ، والعلامة التي أثبتت أنه فعل ماضٍ أنه يصح في غير القرآن أن تقرن الفعل (ابتلى) بتاء الفاعل، كأن تقول: ابتليت إبراهيم، فهذه دلالة على أنه فعل ماضٍ.
قوله: ((ينال)) هذا فعل مضارع؛ لأن أصل الفعل (نال) فابتدأ بالحروف الزائدة التي منها حرف الياء (ينال)، والحروف الزائدة هي: (نأيت) أو (أنيت) وتسمى حروف المضارعة؛ لاختصاصها بالفعل المضارع.
قوله: ((فَأَتَمَّهُنَّ)) أتم فعل ماضٍ يمكن أن لي أن أقول: أتممت أمري.
الآن نستخرج الفعل في الحديث: (فمن توضأ) توضأ: فعل ماضٍ، وعلامة الماضي أنه يصح أن أقول: توضأتُ أمس، أو توضأتُ صباحاً، بإضافة ضمير رفع متحرك، أو تقول: توضأت هند بتاء التأنيث.
قوله: (فبما ونعمت) نعم وبئس من الأفعال الجامدة.
قوله: (ومن اغتسل) اغتسل: فعل ماضٍ، علاماته أنه يصح: اغتسلتُ بضمير الرفع المتحرك، واغتسلت بتاء التأنيث.
قوله: (فبئست الفاطمة)، بئست: فعل ماض جامد مثل (نعمت).
стр. 33
الحروف
بعد أن علمنا علامات الأفعال ندخل على الحروف، والحروف لا تدل على معنى في نفسها لكن تدل على معنى في غيرها، يعني: إذا أدخلت الحرف في جملة يظهر لك معناه، تقول مثلاً: خرجت من البيت إلى المسجد، فمن وإلى وعن وعلى وحتى من حروف الجر، لكن (حتى) هذه فيها مشاكل قال سيبويه سأموت وفي النفس شيء من حتى.
الغرض المقصود هنا أن نقول: خرجت من البيت إلى المسجد، الخروج هنا ابتداء، فمن هنا للابتداء.
(إلى المسجد) فإلى للانتهاء أو الغاية، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]، إلى الأولى معناها الانتهاء، و (إلى) الثانية بمعنى (حتى) أي: للغاية، وفيها خلاف فقهي طويل.
стр. 34
عدم قبول الحروف للعلامات
الحروف لا تقبل علامات الاسم ولا علامات الفعل، يعني: لا يمكن في الحرف أن تدخل عليه الألف واللام أو التنوين، أو حروف الجزم أو النصب.
وتنقسم الحروف إلى ثلاثة أقسام: حروف تدخل على الأسماء والأفعال، وحروف تدخل على الأسماء فقط وحروف تدخل على الأفعال فقط.
القسم الأول: الحروف التي تدخل على الأسماء والأفعال: وهي حروف الاستفهام مثل: هل والهمزة، قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١]، هنا دخل الحرف (هل) على الاسم دخولاً قوياً.
ومثله قوله تعالى: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥٤]، فهنا دخل حرف الاستفهام على الاسم.
أما دخوله على الفعل كما قال الله تعالى في قصة يوسف: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف:٨٩] (هل) هذه دخلت هنا على الفعل (علم).
وقال الله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ [النازعات:٢٧] دخلت همزة الاستفهام على الاسم.
وقال الله تعالى: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ [يونس:٩١]، وفي الحديث: (دخل أعرابي على الرسول ﷺ يسمع له دوي فقال: آلله أرسلك؟)، إذاً أدوات الاستفهام تدخل على الاسم والفعل.
القسم الثاني: الحروف التي تدخل على الأفعال فقط: كحروف الجزم: لم، ولما، وألم، وألما كما في قوله تعالى: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص:٨]، (لما) خاصة بالفعل، ولا يمكن أن تدخل على الاسم.
وقال الله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣]، فلم دخلت على الفعل لا على الاسم.
وقال الله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] وقال الله تعالى: ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس:٢٣] دخلت أيضاً على الفعل.
إذاً هذه الحروف تختص بالأفعال.
القسم الثالث: الحروف التي تختص بالأسماء وهي حروف الجر، قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]، (في) لا تدخل على الفعل بحال من الأحوال.
وقال الله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون:٢٢].
إذاً: الحروف معناها يعرف في غيرها وذلك عندما تدخل في جملة، وأيضاً هي لا تقبل علامة الاسم ولا الفعل، وهناك حروف تختص بالاسم وحروف تختص بالفعل، حروف تدخل على الاسم والفعل.
стр. 35
أمثلة تطبيقية للحروف والأسماء والأفعال
قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء:٨٠]، (هل) دخلت هل هنا على الاسم.
وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٨٩] الحرف هنا هو اللام ودخل على الاسم.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠]، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٦]، الحروف: (الباء) ودخلت على الاسم والاسم هو (رب)، والحرف: (من) دخل على اسم، والاسم هو (الجنة).
وقال الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا * كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس:١ - ١٥].
نستخرج من هذه السورة فعلاً ماضياً وفعلاً مضارعاً وفعل أمرٍ إن وجد، وأيضاً نستخرج منها حرفاً، دخل على فعل أو على اسم أو اختص بفعل أو باسم.
قوله: ((كذبت ثمود)) كذب: فعل ماضٍ والتاء تاء التأنيث.
وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ أفلح: فعل ماضٍ أيضاً، والدليل مجيء (قد) قبله، وصحة إضافة ضمير الرفع المتحرك أو تاء التأنيث في آخره مثل: أفلحتُ أو أفلحتْ.
وقوله: ((وقد خاب)) خاب: فعل ماضٍ.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:١٠]، (من) اسم موصول بمعنى الذي، ودساها فعل ماضٍ.
وجاء في الحديث (أن علي بن أبي طالب كانت بينه وبين فاطمة مشاحنة، فخرج مغضباً ثم ذهب إلى المسجد فنام في المسجد، فجاء النبي ﷺ يسأل فاطمة: أين ابن عمك؟ قالت: ذهب مغاضباً، فذهب إليه فوجده في المسجد قد نام على ردائه والتراب قد علا الرداء، فقال له النبي ﷺ : قم أبا تراب قم أبا تراب، فقال علي بن أبي طالب: فما فرحت بكنية مثل هذه الكنية).
نستخرج من الحديث الاسم والفعل والحرف.
(قم) فعل أمر، وعلامته الأولى: أنه يفيد طلب القيام.
العلامة الثانية: أنه يصح أن يلحق بالفعل ياء المخاطبة، فيصح أن يقال: قومي.
فقوله: (قم أبا تراب، قم أبا تراب) يعني: قم يا أبا تراب لماذا قال: يا أبا تراب
الجواب
أن هذا من الأسماء الخمسة، والأسماء الخمسة ترفع بالواو، وتنصب بالألف، وتجر بالياء.
يقول النبي ﷺ : (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن).
قوله: (اتق) فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، ولفظ الجلالة (الله) اسم، والدليل على أنه اسم، ليس لأنه يدخله الألف واللام؛ لأننا لو أخذنا الألف واللام ونطقت الكلمة فلا معنى لها، بل الدليل على أنه اسم أن هذا علم معرف وأصله الإله.
قوله: (كنت) فعل ماضٍ تام.
جلست مع أخ قبل أن أتعلم اللغة وكنت أتعب جداً، وهو حافظ للألفية، فكنت إذا سألته عن مسألة في اللغة أتاني بالشاهد من الألفية وكان صباحاً ومساءً يراجع الألفية، ولكن كلما قلت له: أعرب هذه الجملة فإنه لا يستطيع أن يعربها، وإذا قرأ يلحن، فقلت: سبحان الله، هذا الذي أقوله، لا يمكن أن يصل صاحبه إلى الإتقان إلا بالممارسة والتدريب والتمرس.
فالأخ الكريم عندما يتعلم اللغة لا يأخذها هكذا، بل إذا قرأ آية يبدأ بإعرابها وهو يقرؤها، لكن لا يأتي يصلي ويقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٤]، فيقول: (إن) إعرابها كذا و (السماوات) كذا يعرب وهو يصلي، لكن عندما يقرأ خارج الصلاة فله أن يستوقف نفسه ويبدأ بالإعراب وينظر في القرآن، فإن وافق إعرابه إعراب العلماء فليستبشر بأنه قد أتقن اللغة.
فليس المهم لمتعلمي العربية أن يكون عندهم سعة اطلاع، لكن المهم الإتقان، والإتقان لا يكون إلا بالدربة والممارسة.
стр. 36
شرح المقدمة الآجرومية - الإعراب
الإعراب هو لب النحو، وهو تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلية عليه لفظاً أو تقديراً، والتقديري يكون على حروف العلة وهي الألف والواو والياء.
стр. 37
الكلام على الإعراب
стр. 38
تعريف الإعراب
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: ما زلنا مع اللغة العربية وشرح الآجرومية، وقد انتهينا من علامات الأسماء وعلامات الأفعال وعلامات الحروف، وتعلم اللغة العربية مهم، ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يضرب بالدرة عليها ويقول: تعلموا اللغة العربية فإنها لغة القرآن.
وقد ذكرنا أن علامات الحروف أنها لا تقبل علامات الاسم ولا علامات الفعل.
ونتكلم في هذا الدرس على الإعراب والبناء، وصاحب الآجرومية لم يفصل في البناء.
الإعراب لغة: هو البيان، تقول: أعرب محمد عما في نفسه، يعني: بين وأظهر ما يضمره في نفسه، وعندنا حديث عن النبي ﷺ في مسند أحمد متكلم في إسناده، وفيه أن الطفل يكون تابعاً لأبيه حتى يعرب عن نفسه أو يعرب عما في نفسه، يعني: يظهر ويبين.
وأيضًا له معنى آخر في اللغة وهو: أجاد، من الجودة، تقول: أعرب محمد الكلام، يعني: أجاد وأتى بألفاظ فصيحة.
وأيضًا الإعراب يأتي بمعنى الحسن، تقول: امرأة عروبة، يعني: حسنة، هذا كله في اللغة.
أما في الاصطلاح فالإعراب هو: تغيير أواخر الكلم لدخول العوامل تقديراً أو لفظاً.
ونحن قلنا: إن النحو يهتم بالجملة، والصرف يهتم بالكلمة.
فالإعراب هو لب النحو، والإعراب هو: تغيير في شكل الكلمة في آخرها، وهذا التغيير يكون لفظاً أو تقديراً.
стр. 39
الإعراب التقديري
أما التقدير فيكون فيما آخره حروف لا تقبل التغيير؛ لأنها تشبه البناء ثابتة على أصلها لا يتغير بحال من الأحوال، فلا يظهر فيها أي تغيير.
وهذه الحروف ثلاثة: الألف والواو والياء، فهذه الحروف تكون الحركات عليها تقديراً لا لفظاً، وهذه الحروف تسمى حروف العلة.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة:١١٦]، فعيسى منادى مبني على الضم المقدر منع من ظهوره التعذر.
ومثال ذلك أيضاً: أطعم موسى عيسى.
أطعم: فعل ماض.
موسى: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة منع من ظهورها التعذر.
عيسى: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.
فحروف العلة هي: ألف وواو وياء، والألف أم الباب، وأقوى حروف العلة هو الألف؛ لأن الألف لا تظهر عليه فتحة ولا ضمة ولا كسرة، وكل هذه الحروف تكون الحركات مقدرة عليها غالباً، ويمنع من ظهورها على الألف التعذر، والتعذر يساوي الاستحالة، فيستحيل أن تقول: عيسىُ أو موسىُ، وليس في اللغة العربية ذلك، فلا تستطيع أن تظهر ضمة ولا فتحة ولا كسرة على الألف، ولذلك نقول: قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦] فعيسى لم تظهر عليه الضمة للتعذر؛ لأنه انتهى بحرف علة وهو الألف.
والواو خفيف والياء أيضًا أخف، وهما من حروف العلة، والحركات لا تظهر عليهما، لكن الحركات إما رفع وإما نصب وإما خفض، والواو والياء يقبلان الفتحة ولا يقبلان الضمة ولا الكسرة.
تقول: رأيت القاضيَ، فالقاضي: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
وقولك: جاء القاضي، القاضي: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها الثقل.
والفرق بين التعذر والثقل: أن التعذر استحالة والثقل أخف، فممكن أن تقول: جاء القاضيُ لكنها ثقيلة جداً، والعرب استثقلوها، فلذلك جعلوها مقدرة، وممكن أن تقول: جاء القاضيُ مررت بالقاضيِ، لكنها ثقيلة.
إذاً: عندنا الواو والياء تظهر عليها الفتحة، ولا تظهر عليها الضمة ولا الكسرة؛ للثقل، قال الله تعالى حاكياً عن أصحاب الكهف: (لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ [الكهف:١٤].
ندعو: فعل مضارع منصوب بلن وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
وهنا ظهرت الفتحة لأنها يسيرة، أما الضمة والكسرة فلا تظهر.
إذاً: الإعراب هو: تغيير أواخر الكلم تقديراً ولفظاً لدخول العوامل عليه، أما تقديراً فلا تكون إلا في حروف العلة التي هي الألف والواو والياء، والألف لا تظهر عليها حركة من الحركات لا حركة الرفع ولا الخفض ولا النصب، وذلك للتعذر، ولم يرد في لغة العرب ذلك، والواو والياء تظهر عليها علامة النصب التي هي الفتحة، ولا تظهر علامة الرفع ولا الخفض، وقد ضربنا الأمثلة على ذلك.
стр. 40
أمثلة على الإعراب التقديري
ومن الأمثلة أيضاً قول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢].
وقول الله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣].
وقول الله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة:٦٠].
وقول القائل: أرضعت الصغرى الكبرى.
وقول الآخر: ضرب موسى عيسى.
وأيضًا يقال: أما عقوبات المعاصي فتعرف للقاصي والداني، وأبو جهل لما خرج بحديده وسيوفه وأهل مكة جاءه الخبر أن العير قد نجت، فقال لهم عتبة: اعصبوها برأسي وقولوا: جبن عتبة، فقال أبو جهل: لا والله! لا بد من دق الطبول ولا بد من إدارة الكئوس على الرءوس -يعني: شرب الخمر- وقال: ليسمع بنا القاصي والداني، فلما سمعنا كلامه قلنا: عليك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
ونستفيد من الكلام التطبيق العملي في الإعراب تقديراً ولفظاً: الآية الأولى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور:٣]: الزاني: مبتدأ مرفوع بالضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها الثقل.
الآية الثانية: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة:٦٠]: موسى: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره.
أرضعت الصغرى الكبرى: الصغرى: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر.
والكبرى: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر.
وهذا المثل ليس كقولك: ضرب موسى عيسى، والقاعدة عند أهل اللغة: أن السياق والسباق من المفسرات ومن المقيدات، فعندنا السياق أن البنت الصغرى يكون عمرها خمس سنوات والكبرى تكون قد بلغت أربعين، فالكبرى هي التي ترضع الصغرى؛ لأن السياق مفسر، وتقديم المفعول على الفاعل يفيد الحصر والقصر، يعني: أن هذه البنت الصغيرة ما أرضعتها إلا هذه الكبيرة، ومن فوائده الاختصاص، لكن نحن الآن بصدد الحصر والقصر.
ضرب موسى عيسى، ضرب: فعل ماضٍ.
موسى: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر.
عيسى: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة منع من ظهورها التعذر.
وجعلنا موسى هو الفاعل لأن الأصل تقديم الفاعل على المفعول، وطالما لم تأت قرينة في السياق تبين لنا تقديم المفعول على الفاعل فنحن على الأصل.
قال أبو جهل: لا نرجع حتى تدور الكئوس على الرءوس، وتدق الطبول، ويسمع بنا القاصي والداني: القاصي: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها الثقل.
والداني: معطوف على القاصي، والمعطوف يأخذ حكم المعطوف عليه وهو الرفع، فيكون مرفوعاً وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل.
следующие страницы →