Полный текст (90 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
مهمات في أحكام المواريث - فضل علم المواريث
إن علم المواريث من أهم العلوم الشرعية، وقد حض الشارع على تعلمه وبين أنه أول العلوم اندراساً، فكان لزاماً علينا تعلمه وتعليمه، لأهميته وفضله ومكانته؛ لأنه يتعلق بحقوق الناس.
стр. 2
مقدمة في فضل علم المواريث وأهميته
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهداً أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
نبدأ الآن الكلام على المواريث علم المواريث علم دقيق، وعلم جليل، إذا ضاع من المرء ضاع منه العلم؛ لأن النبي ﷺ بين في الآثار الصحيحة أن أول العلوم اندراساً واندثاراً هو علم المواريث، أو علم الفرائض.
وعلماؤنا دائماً عندما يرتبون العلوم يقولون: أولاً: حفظ القرآن، ثم علم المواريث، فكانوا في مجالس التحديث لا يكتبون في الذي حضر مجلس التحديث حتى يُعرف بين طلبة الحديث أنه قد حفظ القرآن، ثم تعلم المواريث ولذلك كانوا إذا جلس معهم الفتى للحديث قالوا له: هل تعلمت القرآن؟ فإذا قال: لا، قالوا: ارجع وتعلم القرآن، وإذا حفظ القرآن.
ثم رجع بعد ذلك، قالوا له: هل تعلمت الفرائض؟ فإن قال: لا.
قالوا: ارجع فتعلم الفرائض.
وأيضاً ورد عن عمر بن الخطاب: أنه لما بعث عامله إلى مكة، ثم رجع إليه، فقال له: من تركت عليهم؟ قال: تركت مولى من مواليهم قال: أتركت عليهم مولى؟! قال: نعم، إنه يحفظ القرآن، وعنده العلم بالفرائض، فقال عمر بن الخطاب: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويخفض به آخرين).
فهذا العلمُ علم جليل.
تكفل الله ببيانه وإيضاحه؛ لأن أهل الجاهلية كانوا ظالمين في أحكامهم، فكانوا يظلمون النساء، والأطفال، كانوا لا يورثون إلا الذي يستطيع أن يأتي بالغنيمة، -أي: المقاتل- وهو الرجل البالغ، فلا يورثون النساء، ولا الصبيان.
فجاء الشرع ببيان إرث الجنين في بطن أمه.
стр. 3
آيات المواريث وبيان طبقات الوارثين
لقد ذكر الإرث في كتاب الله في حوالي خمس أو ست آيات، وحديث واحد، فمن أتقن هذه الآيات الخمس والحديث فتحت له أبواب المواريث.
وهذه -إن شاء الله- سنبينها بالتفصيل، لكن إجمالاً نقول: إن الله قد وضع المواريث في كتابه، أو نقول: قد قسم الإرث في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ ، أما في الكتاب: فمن أول قول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١١]، إلى آخر الآيات.
وأيضاً آخر السورة نفسها: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١٧٦].
وأما الحديث فهو: (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر).
هذه الآيات والحديث تبين كيف قسم الله جل في علاه المواريث، فهذا الرجل جمع المال ثم مات، إذاً: كيف نورث هذا المال أهله؟ فنقول: هذا الميت فوقه الأصول وتحته الفروع وحواليه الحواشي، فيصبح الذين سيرثون ثلاث طبقات -طبقة الأصول، وطبقة الفروع، وطبقة الحواشي- وطبقة الحواشي تكفل الله بها وفصلها كما سنبين الحديث الذي ذكر ميراثها؛ وذلك لأن طبقة الحواشي يتفرع عنها فرعان: الأول: الإخوة والأخوات.
ولهم حالات -كما سنبين-.
الثاني: الأعمام وأبناؤهم.
فإذا سئلنا فكيف نورث هؤلاء؟ نقول: نقدم الأقوى فالأقوى.
فإذا سئلنا: هل الأقوى الأصول أم الفروع أم الحواشي؟ نقول: الفروع أقوى؛ لأن الفرع جزء من الميت، وهو من الأصل، والترتيب هكذا: بنوة أبوة أخوة عمومة وذو ولاء استتم
стр. 4
طبقة الفروع وحالاتها
والفروع لهم ثلاث حالات: الحالة الأولى: ذكور خلص، لا يوجد معهم نساء.
الحالة الثانية: إناث خلص، لا يوجد معهم أحد من الرجال.
الحالة الثالثة: رجال ونساء.
فالذكور الخلص لم يذكر الله لهم فرضاً في كتابه.
والقاعدة في المواريث: (كل من لم يذكر الله له فرضاً في الكتاب فهو معصب، أي: لا يرث إلا بالتعصيب)، وهذا ينزل تحت قول النبي ﷺ : (فما بقي فلأولى رجل ذكر)، فلو مات ميت عن بنت وأم، فالبنت لها النصف، والأم لها السدس لوجود الفرع الوارث، والأب له فرض السدس ويرث أيضاً بالتعصيب.
فنأخذ بقول النبي ﷺ : (فما بقي فلأولى رجل ذكر).
وقد يعطي الأب الفرض فقط وذلك في حالة: لو زحمه أصحاب فروض، ولم يزاحمه أحد من المعصبين، وإن كان هو المعصب الوحيد فيأخذ بالأقوى.
وهو التعصيب أي: فيأخذ الباقي كلية تعصيباً.
فأما الإناث الخلص فلهن أحوال: إما أن نكون بنتاً واحدة أو بنتين أو أكثر من بنتين: الحالة الأولى: بنت واحدة، لقد قسم الله لها قسماً عدلاً وهو النصف، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١].
الحالة الثانية: بنتان فقط وإرثهما بالكتاب وبالسنة.
أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١١] وهو وإن لم يذكر البنتين بالنص، لكن الاستدلال بالمفهوم لا بالمنطوق.
وبيانه بالآتي: قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١]، فيكون مفهومه: إن كانت أكثر من واحدة فليس لهن النصف.
ونجد في السنة أن النبي ﷺ قد قسم للبنتين الثلثين، فيكون إذاً للبنتين فأكثر الثلثان.
وقد ورد في السنن (أن النبي ﷺ أعطى الأم الثمن والبنتين الثلثين، وأعطى الباقي للعم تعصيباً)، فإذاً بالمفهوم في الآية، وبنص الحديث فرض البنتين الثلثان.
الحالة الثالثة: أكثر من بنتين، الآية ظاهرة في ذلك قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١١]، فإذاً لهن الثلثان.
إذاًَ: هذه حالات الإناث الخلص، ويبقى لنا من الكلام في الفروع حالة: التخليط بين الذكور والإناث.
فالإناث مع الذكور لا فرضية، وإنما تعصيب، وهذا التعصيب قد قسمه الله فجعل حظ الرجل مثل حظ امرأتين، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، فإذا كان هناك ذكور وإناث فنعطي الرجل نصيب امرأتين، فتكون الآية تكفلت لنا بالفروع بأحوالها الثلاثة، ذكور خلص، إناث خلص، ذكور وإناث.
стр. 5
طبقة الأصول وحالاتها
وبعد الفروع في القوة الأصول، والأصول هم: الآباء وإن علوا، وقد قسم الله لهم قسمة عدل في كتابه.
ولهم ثلاث حالات: الأب والأم دون وجود الفرع الوارث، هذه الحالة الأولى.
الحالة الثانية: مع وجود الفرع الوارث.
الحالة الثالثة: وجود الإخوة دون الفرع الوارث.
فالحالة الأولى: وجود الأصل مع وجود الفرع الوارث، قسم الله لهم قسماً عدلاً فقال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء:١١]، إذاً: البنت لها النصف.
وهذا فرع وارث.
فما ميراث الأبوين؟ قال: السدس.
فإذا مات رجل عن بنت وأب وأم، فالبنت لها النصف، والأم لها السدس، وسدس للأب، والباقي يأخذه الأب تعصيباً.
الحالة الثانية: عدم وجود الفرع الوارث، قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء:١١]، فجعل للأم الثلث، ولم يجعل للأب شيئاً، والقاعدة: (إن لم تجد ذكراً فرض له في القرآن فاعلم أنه سيرث بالتعصيب) يعني: له الباقي.
إذاً: ترث الأم الثلث ويأخذ الأب الباقي تعصيباً.
الحالة الثالثة: عدم وجود الفرع الوارث مع وجود الإخوة قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:١١]، ذكر هنا الإخوة، فهنا حجب الإخوة الأم من الثلث إلى السدس، وهذا الحجب يسمى عند أهل الفرائض: (حجب نقصان) فحجبوا الأم من الثلث إلى السدس.
فورثت الأم السدس، وأصبح الباقي كله للأب تعصيباً.
والإخوة ليس لهم شيء مع وجود الأب، وهو الراجح الصحيح في إرثهم مع الجد، والمعترك قوي بين أهل العلم في هذه المسألة: أي: مسألة الجد مع الإخوة.
إذاً: فالأب سيحجبهن ولن يرثن، وهذا عجب في المواريث.
كذلك الأخوات لا يرثن لوجود الأصل الذكر؛ فإنهن لا يرثن كما سنبين إلا بشرطين، وهما: عدم وجود الأصل الوارث، وعدم وجود الفرع الوارث الذكر.
стр. 6
طبقة الحواشي وحالاتها
بعد الأصول في القوة الحواشي، والحواشي: إخوة، وأخوات، وأعمام وأبناؤهم.
والقاعدة في المواريث؛ (لا ترث أي امرأة من الحواشي باستثناء الأخوات لكن الرجال فقط يرثون).
والحواشي لهم خمس حالات: الحالة الأولى: الإخوة والأخوات، والإخوة إما أن يكونوا إخوة لأم، أو إخوة لأب، أو إخوة أشقاء، فإن كانوا إخوة أشقاء ذكوراً وإناثاً فيرثون للذكر مثل حظ الأنثيين.
فإذا مات شخص عن إخوة أشقاء وهم: محمد وأحمد وهند وزينب، وترك ملايين النقود قلنا: ذكر التوريث لهم في آخر سورة النساء؛ لأن هذا كلالة ليس له ولد، وليس له والد، أي: ليس له أصل ولا فرع، فلا يوجد له غير الحواشي: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء:١٧٦]، إلى أن قال: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١٧٦].
فيكون التقسيم هنا للذكر مثل حظ الأنثيين.
الحالة الثانية: إخوة وأخوات لأم، فإن كانت أختاً سيكون لها السدس، وإن كانوا أكثر من ذلك فلهم الثلث، ويرثون بالسوية للذكر مثل الأنثى.
فإذا ماتت امراة عن محمد وهند وزينب وهم إخوة وأخوات لأم، فإنهم يرثون بالسوية بين الذكر والأنثى، أما الأشقاء فيرثون للذكر مثل حظ الأنثيين، لأن الأشقاء يدلون بالذكر، أما الإخوة لأم فيدلون بالأم.
والعصبة هي التي تفرق وتجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، فعندما عدمت العصبة في الإخوة لأم تساوت الفروض، والتقسيم للذكر وللأنثى بالسوية.
هناك فرق بين الإخوة الأشقاء، والإخوة لأم: الفرق الأول: أنه لا تقسم التركة بالسوية بين الذكر والأنثى الأشقاء، وإنما للذكر مثل حظ الأنثيين.
وأما الإخوة لأم فيقسمون التركة بالسوية.
الفرق الثاني: أن الإخوة الأشقاء يأخذون كل التركة: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، أما الإخوة لأم فلا يأخذون إلا الثلث.
الحالة الثالثة: الإخوة الأب وهم مثل الأشقاء لا فرق بينهم.
الحالة الرابعة والخامسة: الأعمام وأبناء الأعمام وأبناء الإخوة، وهؤلاء لا يرث منهم إلا الرجال فإذا قيل هؤلاء كيف يرثون؟ ومن الذي أعطاهم الإرث؟ قلنا: أعطاهم النبي ﷺ ، بقوله في الحديث: (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر).
فإذا مات رجل عن بنت وعم فالبنت لها النصف والعم يأخذ باقي التركة تعصيباً، بدليل: (ألحقوا الفرائض)، وقد ألحقنا الفرائض بأهلها فأعطينا النصف للبنت.
وبقي النصف الآخر، ولا يوجد رجل ذكر عصبة إلا العم فأخذه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 7
مهمات في أحكام المواريث - أقسام الدين
لقد شرع الإسلام للإنسان أحكاماً تنظم حياته، وشرع أحكاماً تنظم ما يترك من التركة بعد وفاته، وأناط بالتركة حقوقاً وواجبات ينبغي تأديتها قبل توزيع أي جزء من التركة، وهذا يدل على عدل الإسلام ومراعاته لحقوق الناس.
стр. 8
معنى التركة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: التركة: هو المال الذي يتركه الميت أو يخلفه لمن يرثه، وهم الأولاد الفروع وإن نزلوا، والآباء الأصول وإن علوا، والحواشي وهم الإخوة الأخوات.
стр. 9
الحقوق المتعلقة بالتركة
стр. 10
الدين ومؤنة تجهيز الميت
ويتعلق بالتركة حقوق، ولا يمكن أن توزع التركة والميراث قبل وجود ومعرفة هذه الحقوق، وكثير من الإخوة يقعون في الإثم والمحظور فيوزعون التركة دون أن ينظروا إلى هذه الحقوق.
والحقوق التي تتعلق بالتركة أربعة: أولاً: الدين.
ثانياً: مئونة تجهيز الميت.
ثالثاً: الوصايا.
رابعاً: الإرث.
وتكون من التركة، وتقدم قبل أن توزع، وتقدم أيضاً على الديون وهذا قول الحنابلة، فهم يرون أن حق الميت كحقه حياً، والأئمة الثلاثة قالوا: بل الديون تقدم، وهذا الراجح الصحيح من الأثر والنظر.
أما من الأثر فإن النبي ﷺ قام يصلي على رجل فاستدار قبل أن يكبر فسأل: أعليه دين؟ قالوا: نعم، فقال: أترك وفاء، فقالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم، وهذا أول ما يبين عظم حق الدين.
والنبي ﷺ بين أن الشهيد يغفر له كل ذنب عند أول دفعة من دمه إلا الدين، قال: (سارني بذلك جبريل ﵇، فلعظم الدين يقدم على مئونة تجهيز الميت، لا سيما أن مؤنة التجهيز واجبة على أوليائه وعلى الورثة، فإن لم يستطيعوا فهي واجبة على ولي الأمر، وعلى بيت مال المسلمين، فلطالما أن لها مخارج، فلا بد أن يقدم الدين، وهذا هو الصحيح.
стр. 11
أقسام الدين
أقسام الدين ثلاثة: الأول: دين لله كالصيام والزكاة، والنذر، والحج وهي عبادة بدنية وعبادة مالية.
الثاني: ديون الخلق، وهناك ديون تتعلق بعين التركة ومثال ذلك: رجل ترك مالاً لأولاده، وهذا المال يمكن أن يكون سيارات، أو عقارات أو أراضي، أو زروعاً وثماراً، أو دراهم ودنانير.
فكان المتوفى قد استدان ديناً يحتاجه، فرهن الأرض مثلاً عند صاحب الدين، فيبقى الدين متعلقاً بعين التركة، أو تكون السيارة رهناً عند أحد، فهذا اسمه دين متعلق بعين التركة.
وديون مرسلة: أي: ديون معروفة وفيها شيكات، لكن لا يوجد رهونات، فهو لم يرهن شيئاً وتسمى هذه الديون غير متعلقة بعين التركة.
أما بالنسبة لما يقدم في السداد: دين الخالق أم دين الخلق، فقد اختلف العلماء، فالجمهور يرون دين الخلق يقدم على دين الخالق؛ لأن الأصل في حقوق الخلق المشاحة وعدم المسامحة، ولذلك قال النبي ﷺ : (من كانت له عند أخيه مظلمة فليتحلل)؛ لأنه لا يمكن أن تزول قدمه من عند الله جل في علاه حتى يُقتص منه لصاحبه، قالوا: ولذلك قدمنا ديون الخلق.
أما الشافعية فقالوا: يتقدم حق الخالق، وعندنا دليل من الأثر، أثر يقدم حق الخالق على حق المخلوق، ففي الصحيحين عن النبي ﷺ (لما جاءت المرأة تقول: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم أفأصوم عنها -وفي رواية أمي ماتت وعليها حج- أفأحج عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين هل كنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فاقضوا الله، فالله أحق بالقضاء) وهذا النص (أحق) تدل على أنه لا بد أن يقدم.
والقولان فيهما قوة عظيمة جداً والراجح الصحيح: حق الخالق يقدم على حق المخلوق، وإن لم يف من التركة حق المخلوق، فيرضي الخالق المخلوق عن هذا المدين يوم القيامة عنه.
стр. 12
الوصية
ثالثاً: من الحقوق المتعلقة بالتركة: الوصايا، وتوزع الوصايا بعد الانتهاء من الدين، وقد يقول قائل: كيف توزعون الدين قبل الوصية وقد قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١]؟ فبهذا تكونون قد خالفتم النص القرآني.
و
الجواب
أن علي بن أبي طالب قال: (قضى رسول لله بالدين قبل الوصية) وقضاء الرسول فيه حجة على التقديم والتأخير، الرسول بقضائه فأعلمنا مراد الله من الآية حيث قدم الدين على الوصية، وقد أجمعت الأمة على أن تقسيم عين التركة لا يكون إلا بعد قضاء الدين ثم الوصية.
والحكمة من تقديم الدين على الوصية ظاهرة جداً، وهي أن الوصية مستحبة، والدين واجب السداد، والقاعدة العمومية: أن الواجبات تقدم على المستحبات، أما الوصية لوارث فلا تجوز، فقد قال رسول الله ﷺ : (قد أعطى الله لأهل الفروض حقهم، فلا وصية لوارث).
والصحيح الراجح في ذلك أن الوصية للوارث كانت معتبرة قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة:١٨٠].
ووجه الشاهد قوله: (للوالدين) ثم نسخت بقول الرسول ﷺ : (لا وصية لوارث) فالوصية لوارث محرمة إلا أن يجيزها الورثة، ودليل ذلك: حديث الدارقطني قال رسول الله ﷺ : (ألا أن يجيز الورثة) وهذا الحديث فيه تصريح بذلك.
أما الوصية لغير الوارث فهي الأصل، لكن لا بد أن تحدد أولاً بالثلث لتصح، فقد جاء في حديث سعد عندما قال له: (أأترك أتصدق بشطر مالي؟ قال له: لا، الثلث، والثلث كثير).
والصحيح الراجح: أنها تكون بالثلث.
الحالة الثانية: الوصية بما فوق الثلث فلا تصح إلا أن يجيز الورثة أو بالإجماع على أن من كان له حق فأسقطه صح ذلك.
стр. 13
حالات إرث الزوج من الزوجة
حالات إرث الزوج من الزوجة: إذا ماتت الزوجة عن زوجها، فلها حالتان: فالحالة الأولى: إذا كان لها ولد، قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء:١٢].
الحالة الثانية: ليس لها ولد، فله النصف مما تركت، ولم يفصل إن كان الولد من الزوج أو من غيره فهو على العموم.
стр. 14
مهمات في أحكام المواريث - ميراث الزوج
الميراث له أركان وأسباب وموانع، فلا يتحقق الميراث حتى تتحقق أسبابه وتنتفي موانعه، وإذا توفرت الأسباب ووجدت الموانع قدمت الموانع على الأسباب.
стр. 15
أركان الإرث
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن الإرث له أركان وشروط وأسباب وأقسام.
وأركان الإرث ثلاثة: الركن الأول المورث.
والركن الثاني: الوارث.
والركن الثالث: الموروث.
стр. 16
شرط المورث
فالركن الأول: المورث هو صاحب التركة، ولا بد أن تتوفر فيه شروط حتى نأخذ ماله، الشرط الأول: الموت حقيقة، أو حكماً.
فمثلاً: رجل عنده خمسة أولاد وعنده تركة، فكل واحد منهم يريد من هذا المال فينتظر موت الوالد ليأخذ المال، فلا يستطيع أن يأخذ المال حتى يموت هذا الوارث حقيقة أو حكماً، كأن يكون مفقوداً، كأن يذهب مثلاً في سرية ليقاتل، فيرجع القوم ولا يرجع هو، ولا يعلم أحد من السرية أمات هو أم لا يزال حياً.
والدليل على اشتراط موت المورث حقيقة أو حكماً، قول الله تعالى: ﴿إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٧٦]، يعني: مات، فإذاً المال لا ينقل من المورث إلى الوارث إلا إذا مات المورث حقيقة أو حكماً.
стр. 17
شروط الوارث
أما الركن الثاني وهو الوارث، فيشترط فيه شرط واحد ليتملك الإرث، وهو: الحياة بعد ممات المورث ولو لحظة واحدة، وهذا شرط مهم جداً.
فإذاً: الوارث لا يستحق المال أبداً إلا أن تكون له حياة مستقرة ولو لحظة واحدة بعد موت المورث.
فمثلاً: رجل معه ابنه وكانا في سفر، وكان الرجل من الأغنياء ومن الأعيان، وكانا في السيارة فقدر الله لها بحادث، فمات الأب وجاء الطبيب ينظر للابن فوجد فيه دقات القلب، فأخذه إلى المستشفى فمات بعده بيوم، فجاء أولاد الميت الولد يسألون هل لأبيهم ميراث أم لا؟ فنقول: نعم.
ولكن لو مات الابن قبل أبيه فليس له شيء من الميراث.
لأولاد الابن ميراث، فلابد من اشتراط الحياة ولو لحظة واحدة بعد موت المورث.
ولكن الأحناف يقولون بالوصية الواجبة، وهي أن أولاد الابن لهم حق في أموال جدهم الذي مات بعد موت والدهم، وهذا القول هو الذي تعمل به المحاكم، وهذا مخالف ومصادم للشرع.
والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء:١٢]، فاللام هنا لام التمليك، ولا يتملك أحد إلا وهو في حال الحياة، ففي هذا دلالة على أنه يشترط في الوارث الحياة؛ لأنه لا يتملك إلا إذا كان حياً.
الركن الثالث: الموروث، وهو التركة.
стр. 18
أسباب الإرث
أسباب الإرث ثلاثة: النسب، والنكاح أو المصاهرة، والولاء.
والنسب هو القرابة، والأقارب يرثون بالفرض والتعصيب، وما كان سببه النكاح فإنه يرث بالفرض فقط لا بالتعصيب، والولاء هو كالنسب؛ لأن النبي ﷺ بين أن الولاء لحمة كلحمة النسب.
فإذاً أسباب الإرث ثلاثة: النسب وهي القرابة، والنكاح وهي المصاهرة، والولاء لقول النبي ﷺ : (إنما الولاء لمن أعتق).
ومعنى الولاء أن الرجل يكون رقيقاً، فيعتقه سيده، فإذا مات السيد ولا وارث له، فيرثه المعتق لأن الولاء لحمة كلحمة النسب، أو مات المعتق ولا وارث له، فيرثه سيده الذي أعتقه.
فيرث بالتعصيب، لحديث: (فلأولى رجل ذكر)، والله جل وعلا لم يقسم للمعتق نصيباً مفروضاً في كتابه، فينزل تحت قول النبي ﷺ : (فلأولى رجل ذكر).
стр. 19
الفروض المقدرة في كتاب الله
وأقسام الإرث: الفرض والتعصيب.
والفروض في القرآن هي: النصف والربع والثمن والسدس والثلث والثلثان، قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٢]، إلى آخر الآيات.
فالنصف نصفه ربع، ونصف نصفه ثمن، ثم الثلثان ونصفهما ثلث، ونصف نصفهما سدس.
فالفرض هو النصيب المقدر المعلوم في كتاب الله جل في علاه.
والتعصيب نصيب غير مقدر.
وإذا بدأنا في التوريث سنبدأ بما بدأ الله به، وقد بدأ الله بأصحاب الفروض والدليل على ذلك، قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء:١٢]، ومن الحديث: (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر)، فهذا أمر يقتضي الوجوب، وسنبدأ بأهل الفرائض، ونبدأ بالمصاهرة وهي الزواج.
стр. 20
الفروض المقدرة للزوج
أولاً: الزوج يرث بالفرض فقط، والزوج له حالتان: الحالة الأولى: عدم وجود الفرع الوارث للزوجة، والفرع الوارث، هو: الابن وإن نزل، سواء كان ذكراً أو أنثى، فيكون الفرع الوارث هم: الابن وابن الابن وإن نزل، والبنت وبنت الابن وإن نزلت، كبنت ابن ابن ابن.
فإذا لم يوجد الفرع الوارث للزوجة، فيرث الزوج منها النصف، والدليل على ذلك، قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٢].
وسواء كان الولد منه أو من غيره، لعموم قول الله تعالى: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٢]، فـ (ولد) هنا نكرة، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم؛ فتعم كل الأولاد، سواء كانوا من الزوج نفسه أو من غيره، كامرأةٍ تزوجت أربعة، وأنجبت من كل واحد منهم ولداً، وجاءت إلى الخامس فلم تنجب منه أحداً ثم ماتت، فللزوج الربع فقط لوجود الفرع الوارث للزوجة وإن لم يكن منه.
فإن وجد الفرع الوارث للميت فللزوج الربع، فمثلاً: ماتت امرأة عن بنت ابن وزوج وأب، فالزوج يستحق الربع لوجود الفرع الوارث وهو بنت الابن.
والحالة الثانية: وجود الفرع الوارث للميت، فللزوج الربع، لقول الله تعالى: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ﴾ [النساء:١٢].
فيكون إذاً للزوج حالتان: الحالة الأولى: وجود الفرع الوارث، فله الربع.
الحالة الثانية: عدم وجود الفرع الوارث فنصيبه النصف.
стр. 21
مسائل في ميراث الزوج
كم يستحق الزوج من بعد زوجته في هذه المسائل الآتية؟ المسألة الأولى: هلكت امرأة عن زوج وأب.
المسألة الثانية: هلكت عن زوج وابن وابن ابن وبنت ابن.
المسألة الثالثة: هلكت عن زوج وثلاث بنات.
المسألة الرابعة: هلكت عن خمس بنات ابن وزوج.
المسألة الخامسة: هلكت عن ثلاث بنات بنت وزوج.
المسألة السادسة: هلكت عن ثلاثة أولاد بنت، وأب وزوج.
المسألة السابعة: هلكت عن أخت وبنت أخت وزوج وبنت بنت بنت.
أما المسألة الأولى وهي: هلكت المرأة عن زوج وأب، فللزوج النصف، لعدم وجود الفرع الوارث، لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٢].
المسألة الثانية وهي: هلكت عن زوج وابن وابن ابن وبنت ابن، فللزوج الربع لوجود الفرع الوارث، والفرع الوارث هو الابن أو ابن الابن وإن نزل أو بنت الابن وإن نزلت، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ﴾ [النساء:١٢]، فاللام التمليك، وهي تدل على اشتراط حياة الوارث بعد موت المورث.
أما المسألة الثالثة: وهي: هلكت عن زوج وثلاث بنات، فللزوج الربع لوجود الفرع الوارث، والفرع الوارث هنا هو الثلاث البنات، سواء كن بناته أو بنات زوج قبله.
أما المسألة الرابعة: هلكت عن خمس بنات ابن وزوج، فللزوج الربع، لوجود الفرع الوارث.
أما المسألة الخامسة: هلكت عن ثلاث بنات بنت وزوج، فللزوج النصف لعدم وجود الفرع الوارث، فبنات البنت من الأرحام اللاتي لا يرثن، فلسن من الفرع الوارث، وإنما الفرع الوارث بنات الابن وبنات ابن الابن وإن نزل.
أما المسألة السادسة: هلك الميت عن ثلاثة أولاد بنت، وأب وزوج، فللزوج النصف لعدم وجود الفرع الوارث.
أما المسألة السابعة: هلكت عن أخت وبنت أخت وبنت بنت بنت وزوج، فللزوج النصف لعدم وجود الفرع الوارث، أما بنت بنت البنت فإنها من ذوات الأرحام اللاتي لا يرثن.
أما لو استبدلنا بنت بنت البنت بابن ابن الابن، فإن للزوج الربع لوجود الفرع الوارث، فابن الابن يحجب الزوج من النصف إلى الربع، ويسمى هذا الحجب حجب نقصان من الفرض.
стр. 22
موانع الإرث
стр. 23
الرق والقتل واختلاف الدين تمنع الميراث
موانع الإرث ثلاثة متفق عليها بين الأئمة: الأول: الرق.
الثاني: القتل.
الثالث: اختلاف الدين.
فلا يرث الوارث من مورثه إلا إذا تحققت شروط استحقاق الإرث وانتفت موانعه.
المانع الأول: القتل: فالزوج يرث زوجته لتوفر الشرط وهو المصاهرة، فلو قتلها فإنه لا يرثها لعدم انتفاء مانع الإرث وهو القتل.
الثاني: الرق: والرق سببه الكفر، لأن الكافر أذل نفسه وعبد الشيطان دون أن يعبد الرحمن، فجعل الله المسلم عليه سيداً، فهو تقييد لحريته من أجل كفره.
والرقيق ليس لهم تمليك، ولذلك ليس لهم ميراث، فالعبد ليست له قوة ملكية، ولا يد ملكية، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : (من باع عبداً فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع)، فالعلماء فهموا من ذلك أن العبد لا يتملك شيئاً.
فمثلاً: رجل كان كافراً، وفر من المعركة ثم أسلم، وكان له ولد صغير في السبي فأسلم، فمات الأب المسلم، وابنه العبد المسلم يريد الميراث، فلا يستحق ذلك؛ لأنه ليست له ملكية، فينتقل هذا المال من يده إلى يد سيده، لأن من موانع الميراث الرق، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : (من باع عبداً فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع).
الثالث: الاختلاف في الدين، فمن أسلم وأبوه على الكفر، ثم مات الأب، فإن الابن المسلم لا يرث أباه الكافر، لوجود المانع من الميراث وهو اختلاف الدين، والدليل قول النبي ﷺ كما في الصحيح: (لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم)، فجاء النص النبوي فمنع المسلم من أن يرث الكافر.
стр. 24
أنواع الكفر وحكم كل نوع في الميراث
والكافر له أحوال ثلاثة: كفر ظاهر، وكفر باطن، وردة.
فالكفر الظاهر مانع من الإرث، فالكافر لا يرث المسلم بحال من الأحوال، فلو كان الابن كافراً وكان أبوه مسلماً فمات الأب المسلم، فلا يرث الابن الكافر من أبيه المسلم لأن الكافر لا يرث المسلم بالإجماع.
أما المسلم فهل يرث الكافر؟ فالأئمة الأربعة أنه لا يرث، ورواية عن أحمد ورجحها شيخ الإسلام ابن تيمية أن المسلم يرث الكافر من باب المصلحة، وهذا قول خاطئ، لأنه لا اجتهاد مع نص، فهذه مصادمة صريحة لقول النبي ﷺ : (لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم)، فالاختلاف في الدين يمنع الإرث.
أما الكفر الباطن فهو النفاق الاعتقادي، وهو قسمان: نفاق ظاهر، ونفاق باطن.
فالنفاق الظاهر كما أظهره الذين تكلموا على صحابة رسول الله ﷺ عندما قالوا لهم: ما رأينا مثل قرائنا أرغب بطوناً، وأجبن عند اللقاء، فلما أظهروا نفاقهم ثبت فيهم الحكم، قال الله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦]، فالنفاق الظاهر له حكم الكافر، فلا يرث ولا يورث.
وإن كان نفاقاً باطناً لم يظهر، كـ عبد الله بن أبي ابن سلول مثلاً فقد كان نفاقه باطناً، فحكمه حكم المسلم، يرث ويورث، وحسابه على الله جل في علاه.
أما الردة ففيها اختلافات كثيرة، والصحيح فيها أنها مانع من الإرث، فلا يرث المسلم قريبه المرتد بحال من الأحوال، إلا إذا أسلم قبل أن يموت أو قبل أن يقتل.
أي فالردة حكمها كحكم الكفر.
стр. 25
أنواع القتل وحكم كل نوع في الميراث
والقتل مانع من الإرث، وقد قال النبي ﷺ كما في سنن أبي داود (لا يرث القاتل شيئاً)، والقتل نوعان: قتل عمد، وقتل خطأ.
فاتفق أهل العلم على أن القاتل عمداً لا يرث، وأدلتهم في ذلك من الأثر والنظر.
أما الأثر فقد قال النبي ﷺ : (لا يرث القاتل شيئاً).
وأما النظر، فإن من مقاصد الشريعة حفظ الأرواح، فلو قلنا بأن القاتل يرث، فإن هذا القول يفتح لنا باباً للشر، فلو أراد الوارث مال مورثه فله أن يقتله ليستحق منه الإرث.
أما قتل الخطأ، فاختلف العلماء فيه على قولين، القول الأول: أخذ جمهور أهل العلم بعموم قول النبي ﷺ : (لا يرث القاتل شيئاً)، فقالوا: لا يرث القاتل خطأً أو عمداً.
والمالكية قالوا: إن قتله خطأ يرث، وإن قتله عمداً لا يرث، ولهم أدلة استدلوا بها من الأثر والنظر.
أما من الأثر فإن النبي ﷺ لما سئل عن المرأة التي قتلت زوجها خطأ، فقال: (لها الإرث في ماله وليس لها الإرث في ديته) وقد انتصر ابن القيم لهذا الحديث.
فجعل لها الإرث في المال، ولم يجعل لها الإرث في الدية، لأنه يجب عليها الدية.
أما من النظر، فالقاعدة عند العلماء: أن من تعجل شيئاً قبل أوانه، عوقب بحرمانه، فننظر في حاله، هل تعجل الميراث؟ ف
الجواب
أنه لم يتعجل الميراث ولم يقصد بحال من الأحوال أن يقتله ليرثه، وإنما قدر الله جل وعلا أن يكون وارثه سبباً في قتله، كمن كان بديناً فوقع على أبيه فأماته، فنقول: هذا قدر محض، فهو لم يتردد في ذهنه الميراث بحال من الأحوال.
قالوا: فنقول: إذا كان القتل خطأ، فللقاتل أن يرث مورثه؛ لأنه لم يقصد قتله، ولم يتعجل شيئاً قبل أوانه.
وهذا القول له حظ كبير جداً من النظر، لكن الأسلم والأحوط حتى لا يفتح الباب وتتخذ ذريعة، أن نقول: القاتل خطأ أو عمداً ليس له ميراث من باب سد الذرائع وحسم مادة القتل.
وهذا هو الراجح الصحيح.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 26
مهمات في أحكام المواريث - ميراث الزوجة، ميراث الأبوين
الزوج والزوجة والأب والأم إذا وجد أحدهم في الورثة فلابد أن يرث ضرورة، ولا يسقط، لكن ميراثهم يختلف بحسب وجود الورثة الباقين، فالزوجة لها الربع مع عدم وجود الفرع الوارث ولها الثمن إن وجد، والأبوان يرث كل منهما السدس مع الفرع الوارث، وإذا لم يوجد الفرع الوارث ولا الإخوة فللأم الثلث، إلا في العمريتين.
стр. 27
ميراث الزوجة
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فقد انتهينا من الكلام على ميراث الزوج، ونتكلم في هذا الدرس على ميراث الزوجة فنقول: الزوجة لها حالتان: الحالة الأولى: عدم وجود الفرع الوارث، وفرضها الربع؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٢].
الحالة الثانية: وجود الفرع الوارث، وفرضها الثمن؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء:١٢].
مثال الحالة الأولى: مات رجل عن زوجة وأب وأم، ففي هذه الصورة ترث الزوجة الربع؛ لعدم وجود الفرع الوارث، ولأنها منفردة؛ لأن الميت إذا كان له أكثر من زوجة فهن شركاء إما في الربع أو في الثمن، ويشترك في الربع أو الثمن أربع نسوة فما دون، ولا يجوز أكثر من ذلك.
فمثلاً: إذا مات رجل عن أم وأب وأربع زوجات وخمس إماء، فللأربع الزوجات الربع يشتركن فيه جميعاً.
وليس للإماء شيء؛ لأنهن لسن وارثات.
مثال على الحالة الثانية: هلك عن ابن وبنت وأم وأخت وزوجة، فللزوجة في هذه الصورة الثمن؛ لوجود الفرع الوارث، وهكذا إذا كن أكثر من واحدة؛ فإنهن يشتركن في الثمن.
стр. 28
ميراث الأبوين
стр. 29
ميراث الأب
ونأخذ ميراث الأبوين فنقول: أما الأب فله حالات ثلاث: الحالة الأولى: يرث فيها بالفرض فقط.
وأولاً نقول: الأب لا يحرم من الميراث بحال من الأحوال، وهذه قاعدة لابد من ضبطها؛ فهو وارث وأصل أصيل، بل هو السبب في حياة المورث، فالأب لا ينقطع عن الميراث بحال، فهو يرث بالفرض ويرث بالتعصيب.
الحالة الثانية: يرث بالتعصيب.
الحالة الثالثة: يرث بالفرض والتعصيب.
فالحالة الأولى: يرث بالفرض عند وجود الفرع الوارث الذكر، فحتى نعطي الأب ميراثه أو فرضه السدس فقط يشترط وجود الفرع الوارث الذكر.
والدليل: قول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء:١١] فيصير فرضه السدس إن وجد الفرع الوارث.
مثال ذلك: هلك هالك عن ابن وأب وأخت، فللأب في هذه الحالة السدس فرضاً؛ لوجود الفرع الوارث.
الحالة الثانية: يرث بالتعصيب، ويكون إرثه بالتعصيب عند عدم وجود الفرع الوارث، ودليله: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء:١١]، فذكر فرض الأم وسكت عن الأب، يعني أن الباقي للأب، فإذا كان الميراث يقسم بين اثنين وواحد قيل له: خذ النصف وسكت، فمعنى هذا أن الثاني سيأخذ النصف.
مثال ذلك: رجل مات وترك أباً وأماً فللأم الثلث والباقي للأب.
ومثال ذلك أيضاً: رجل هلك عن أخت وأب وأم، فللأم الثلث والباقي للأب، وليس للأخت شيء؛ لأن الأخت من الحواشي وليست فرعاً وارثاً، ففي هذه المسألة لا يوجد فرع وارث، فيأخذ الأب الباقي تعصيباً بعدما يأخذ صاحب الفرض فرضه.
الحالة الثالثة: يرث بالفرض وبالتعصيب، وذلك عند وجود الفرع الوارث الأنثى.
وفي الحالة الأولى قلنا: إن الفرع الوارث يكون ذكراً، أو ذكراً وأنثى، يعني: مخلطين، ففي تلك الحالة ليس له إلا السدس بالفرض؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء:١١].
مثال ذلك: هلك عن بنت وأم وأب، وعندنا قاعدة فرضية وهي قول النبي ﷺ : (ألحقوا الفرائض بأهلها) فنبدأ بأصحاب الفروض، (فما بقي فلأولى رجل ذكر).
ففي هذه المسألة البنت لها النصف والأم لها السدس، والأب له السدس فرضاً والباقي تعصيباً، ويكون أصل المسألة من ستة؛ البنت لها ثلاثة والأم لها واحد والأب له واحد، ويبقى واحد يرجع للأب تعصيباً.
فيكون قد ورث بالفرض وبالتعصيب.
وعلى هذا فنقول: في الحالة الثالثة نورث الأب بالفرض وبالتعصيب، وذلك عند وجود الفرع الوارث أنثى، أما لو وجد ذكر فلا يأخذ إلا السدس، فإن وجدت أنثى واحدة أو ثنتان أو ثلاث أو أكثر فإننا نورثهن بالفرض ثم يأخذ الأب بالفرض السدس والباقي يأخذه تعصيباً، لكن عند عدم وجود الفرع الوارث الذكر؛ لأن الفرع الوارث الذكر يقدم عليه في التعصيب.
والدليل على أنه يأخذ السدس قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء:١١]، وقال النبي ﷺ : (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر) وأولى رجل ذكر هنا هو الأب؛ لأنه لا يوجد رجل يرث هنا إلا هو، فصار هو الأولى، ولو وجد أخ فنقول: لا يرث؛ لأن الأب أولى؛ لأننا رتبنا التعصيب ترتيباً معيناً وهو: بنوة، أبوة، أخوة، عمومة، فيصير الأب هو أولى رجل ذكر، فيأخذ الباقي تعصيباً.
стр. 30
ميراث الأم
وأما ميراث الأم، فنقول: الأم لها حالات ثلاث أيضاً: الحالة الأولى: تأخذ الثلث عند عدم وجود الفرع الوارث، وعدم وجود عدد من الإخوة اثنين فأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:١١] مثال ذلك: هلك هالك عن أم وأب وأخت، فالأم لها الثلث؛ لعدم وجود الفرع الوارث، وعدم وجود عدد من الإخوة.
الحالة الثانية: وجود جمع الإخوة -أي: اثنين فأكثر- وعدم وجود الفرع الوارث أيضاً؛ ففرضها في هذه الحالة فيه خلاف بين العلماء؛ فعند الجماهير فرضها السدس، وعند شيخ الإسلام فرضها الثلث، وسبب ذلك وجود خلاف بين جماهير أهل العلم وبين شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة الحجب، يعني: لو وجد جمع من الإخوة المحجوبين بالأب هل يحجبون الأم أو لا يحجبونها؟ وبضرب المثال يتضح المقال؛ فمثال ذلك: هلك هالك عن أم وأب وستة إخوة.
فالجمهور يختلفون مع شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة؛ وذلك في هل يحجب الإخوة الأم أو لا يحجبونها؛ لأنهم محجوبون بالأب، فالجمهور على أن الأم تأخذ السدس، وشيخ الإسلام ابن تيمية على أن الأم تأخذ الثلث عند وجود الإخوة؛ لأنهم إذا كانوا محجوبين فليس لهم ميراث، وهم هنا محجوبون بوجود الأب الذي هو الأصل الوارث، وكذلك يحجبون بوجود الابن الذي هو الفرع الوارث، وإذا كانوا محجوبين فلا يحجبون.
إذاً: إذا كان للميت إخوة يرثون فلأمه السدس.
ففي الحالة الثانية إذا وجد إخوة غير محجوبين فإنه بالاتفاق يكون للأم السدس، ومعنى كونهم محجوبين: أن الأب جاء وقال لهم: أنا أولى منكم، أو جاء الابن وقال: أنا أولى منكم، ليس لكم ميراث، فهنا هلك عن أب وأم وستة إخوة، فيأتي الخلاف هنا.
لابد من ضبط القاعدة؛ وهي: أن الأم لها فرض السدس عند وجود الفرع الوارث؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ فعند وجود الفرع الوارث أنثى أو ذكراً يكون للأم السدس، مثال ذلك: هلك هالك عن بنت وأم وأب، فالبنت فرع وارث لها النصف، وبما أن الفرع الوارث موجود فيكون ميراث الأم السدس.
وترث الأم الثلث عند عدم وجود الفرع الوارث، والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء:١١] زهذا عند عدم وجود جمع من الأخوة أيضاً.
وأما مع وجود الإخوة فللأم حالتان: الحالة الأولى: وجود إخوة مع وجود أب.
الحالة الثانية: وجود إخوة مع عدم وجود أب.
فإذا وجد أب مع الإخوة فالأب يحجب هؤلاء الإخوة؛ لأنه صاحب فرض وصاحب تعصيب، ولا يصح للإخوة أن يرثوا بوجود الأب، فشيخ الإسلام ابن تيمية قال: وجودهم مثل عدمهم، أما عند الجمهور فقالوا: ندور مع الآثار حيث دارت، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:١١] والآية عامة، ويبقى العام على عمومه والمطلق على إطلاقه ما لم تأت قرينة تصرف ذلك، فسواء وجد الأب أو لم يوجد فالآية صريحة جداً؛ قال الله جل في علاه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾، فالصحيح الراجح أن لها السدس، وظاهر الآية مع قول الجماهير، فقول الجمهور: لها السدس إذا وجد الإخوة.
الحالة الثانية: وجد الإخوة ولا يوجد الأب الذي هو الأصل الوارث، مثال ذلك: هلك هالك عن أم وثلاثة إخوة، فالأم لها السدس بالاتفاق؛ لأن الإخوة غير محجوبين، والباقي سيكون للإخوة تعصيباً.
فخلاصة القول: أن الأم مع الإخوة لها حالتان: إخوة مع وجود أب، وإخوة مع عدم وجود الأب.
فإخوة مع عدم وجود الأب قال الله جل في علاه فيها: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ فالأم تأخذ السدس مع وجود الإخوة وعدم وجود الفرع الوارث.
فهذه حالة والحالة الثانية: أن يوجد أب وإخوة، ففي هذه الحالة شيخ الإسلام ابن تيمية نظر إلى الإخوة فقال: الإخوة مع عدم وجود الأب لهم إرث ويحجبون الأم من الثلث إلى السدس، فإن وجد الأب فليس لهم ميراث؛ لأن الأب وقف كالأسد أمامهم، وقال: لا ميراث لكم ما دمت حياً، فأنتم محجوبون بي، فشيخ الإسلام ابن تيمية قال: الإخوة مع الأب لا شيء لهم، وكأنهم غير موجودين، فوجودهم كعدمهم، وما داموا غير منتفعين بشيء فلن يقدروا أن يضروا.
وقال: إذاً: تصير الآية خاصة بعدم وجود الأب، ولو وجد الأب يصير كأنهم غير موجودين، وعلى ذلك سنورث الأم كما هي الثلث، والباقي للأب تعصيباً.
ونقول: كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على العين وعلى الرأس، لكنه مخالف لظاهر الآية، فالله يقول: ((فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ)) أي: سواء كان الأب موجوداً أو غير موجود، قال: ((فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ)) فإذاً تصير الأم لها السدس مع وجود الإخوة حجبوا أو لم يحجبوا، وهذا هو الراجح الصحيح.
وسواء كان الإخوة رجالاً أو نساءً فإن الحكم واحد.
стр. 31
المسألتان العمريتان
يخرج بعد الحالات الثلاث مسألة الغراوين، ومسألة الغراوين هذه مستقاة من الغرة، يعني: كأنها شامة على الجبين بيضاء تظهر؛ وذلك لشهرة هذه المسألة، ويقال لها أيضاً: مسألة العمريتين، ولا بد أن يكون فيها أم وأب وزوج أو زوجة، يعني: لا بد أن يدخل أحد الزوجين، والأم هنا في هذه الحالات ترث مع الزوجة أو الزوج بوجود الأصل الوارث وهو الأب.
وسيكون فرضها ثلث الباقي وليس الثلث مطلقاً.
ومثال ذلك: هلك هالك عن زوجة وأم وأب، فالزوجة لها الربع لعدم وجود الفرع الوارث، والأب سيرث بالتعصيب، والباقي كله له، والأم لها ثلث الباقي، ولو قلنا بالثلث مطلقاً فلن يكون للأب ضعفها، وأصل المسألة سيكون اثني عشر، والزوجة سيكون لها ثلاثة، والأم سيكون لها أربعة، والباقي خمسة للأب، وعندنا هنا أم أنثى وأب في نفس الدرجة، وسيكون للأم أربعة وللأب خمسة، وهذا خلاف التأصيل الفرضي، والتأصيل الفرضي لو وجدت امرأة أنثى مع ذكر في درجة واحدة فللذكر مثل حظ الأنثيين؛ لقوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] فلو قلنا: إن للأم ثلث التركة كلها فسنكون هنا خالفنا القاعدة العامة للمواريث، فلذلك جاء عمر وجمع الناس فقال: هما في درجة واحدة، فهل نورثها ثلث التركة أو نورثها ثلث الباقي؟ فورثها ثلث الباقي، وكان في محفل بين المهاجرين والأنصار كلهم معاً فوافقوا عمر، فأصبح هنا دليل المسألة الأثري هو حكم عمر مع الإجماع السكوتي، وهذا الحكم وافق التأصيل والتقعيد القرآني الفرضي؛ لأن للذكر مثل حظ الأنثيين.
والصورة الثانية: زوجة ماتت عن زوج وأم وأب، فالزوج له النصف، والأم لها ثلث الباقي، والأب له الباقي، ويصير هنا رأس المسألة ستة، للزوج ثلاثة، وللأم واحد، وللأب اثنان.
ولو قلنا: إن الأم لها ثلث التركة فسيكون لها اثنان وسيبقى للأب واحد فقط، فلذلك عمر جمع الناس وقال: ليس لها إلا ثلث الباقي.
إذاً: العمريتان هما: زوجة وأم وأب، وزوج وأب وأم.
وتكون الأم مع أحد الزوجين ومع الأب فرضها ثلث الباقي.
стр. 32
مسائل تطبيقية على ميراث الأبوين
المسألة الأولى: رجل مات عن أب وعن ابن: طبعاً نحن لم نأخذ ميراث الابن، ولكن نحن الآن نطبق عملياً على ميراث الأب، وقلنا: حالات الأب ثلاث: الأولى: وجود فرع وارث.
الثانية عدم وجود فرع وارث.
الثالثة: وجود فرع وارث ولكنه أنثى، وفي هذه الحالة الثالثة يرث بالفرض والتعصيب.
فهنا الأب فرضه السدس، والابن له الباقي تعصيباً.
مسألة: رجل مات عن خمسة إخوة وأم وأب: صورة هذه المسألة فيها خلاف، والتوريث فيها على الراجح كما يأتي: الإخوة لا شيء لهم؛ لأنهم محجوبون بالأب، وكأن الأب يقول لهم: ما دمت حياً فلا إرث لكم، وعلى هذا يحجبهم وكأنهم غير موجودين.
والأم لها السدس، هذا على القول الراجح، وعلى قول شيخ الإسلام لها الثلث، والباقي للأب تعصيباً.
مسألة: رجل مات عن ثلاث بنات وأب وأم: الأب له السدس، والأم لها السدس؛ لوجود الفرع الوارث، والبنات لهن الثلثان، وسيكون أصل المسألة من ستة! البنات لهن أربعة، والأم لها واحد، والأب له واحد، ولو كان هناك باق فإن الأب كان سيأخذه تعصيباً.
مسألة: رجل مات عن بنت وأب: البنت لها النصف، والأب له السدس فرضاً والباقي تعصيباً.
مسألة: رجل مات عن أم وابن: الأم لها السدس، والباقي للولد تعصيباً.
مسألة: رجل مات عن أم وأخوين لأب: الأم لها السدس، والباقي للإخوة لأب تعصيباً.
والإخوة لهم حالات: إخوة لأمه، إخوة أشقاء، إخوة لأب، وكلهم بالنسبة للأم سواء، يعني: كل هؤلاء يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، وكلهم في الحكم سواء.
فلو مات رجل عن أم وثلاثة إخوة لأم، فللأم السدس، ولو مات عن أم وثلاثة إخوة أشقاء، فللأم السدس، وهكذا لو مات عن أم وأختين من أب فللأم السدس.
مسألة: امرأة ماتت عن أم وزوج وأب: المسألة هذه عمرية، فالزوج له النصف؛ لعدم وجود الفرع الوارث.
والأم لها ثلث الباقي، والأب له الباقي تعصيباً.
مسألة: رجل مات عن زوجة وأم وأب: الزوجة لها الربع؛ لعدم وجود الفرع الوارث، والأم لها ثلث الباقي، والأب له الباقي.
مسألة: امرأة هلكت عن زوج وبنتين وأم وأب: الزوج له الربع؛ لوجود الفرع الوارث، والبنتان لهما الثلثان، والأم لها السدس، والأب له السدس؛ لوجود الفرع الوارث، فإن بقي شيء فهو له تعصيباً.
стр. 33
مهمات في أحكام المواريث - ميراث الجد
الجد في المواريث ينزل منزلة الأب، إلا في بعض المسائل، منها: أن الأب يحجب الجدة بخلاف الجد، ومنها المسألتان العمريتان، وكذلك إذا وجد معه الإخوة أو الأخوات الأشقاء أو لأب، ففي هذه المسائل لا ينزل الجد منزلة الأب، بل له تفصيلات أخرى.
стр. 34
ميراث الجد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
نبدأ الآن في ميراث الجد، وهذه المسألة صعبة وشائكة نوعاً ما، لكنني سأحاول تبسيطها قدر الإمكان حق تكون سهلة يسيرة.
أقول أولاً: الجد جدان- على قول الفرضيين: جد صحيح وجد فاسد، وقولهم: جد فاسد، لا يعني أنه فاسد خلقاً أو ديناً، بل يعنون بذلك أنه فسد عليه إرثه، أي: لا يأخذ من الإرث شيئاً.
والجد الصحيح: هو الجد الذي لا توجد أنثى بينه وبين الميت، كأب الأب، أي: أنه يدلي بالأب.
وأما الجد الفاسد: فهو الذي يوجد بينه وبين الميت أنثى، كأب الأم، ولذلك يمكن أن نبدل لفظ الجد الفاسد فنقول: جد عصبي وجد رحمي، فالجد الرحمي يعتبر من ذوي الأرحام، فلا هو صاحب فرض ولا صاحب عصبة.
والجد العصبي ينزل منزلة الأب مجازاً، كما قال ذلك بعض أهل اللغة، قالوا: والدليل من كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [يوسف:٣٨]، وإبراهيم ليس الأب المباشر ليوسف ﵇، إذ إن هناك طبقتين بينهما، فإبراهيم يعتبر جداً ليوسف ﵇: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فيعقوب طبقة، وإسحاق طبقة، وفوقهم إبراهيم ﵇، ومع ذلك سماه أباً، ومن الأدلة أيضًا ما ورد في قصة موت يعقوب ﵇ عندما قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة:١٣٣]، فقد ذكر إبراهيم وإسحاق، فهذه دلالة على أن الجد ينزل منزلة الأب مجازاً.
ولهذا فالجد يأخذ حكم الأب، إلا في ثلاث مسائل، نذكرها بإيجاز إن شاء الله تعالى: المسألة الأولى: أن الجد يخالف الأب في مسألة وجود أم الأب، فمثلاً مات أحمد، وترك أباه زيداً، وأم زيد أي: أم الأب، فزيد -الأب- يحجب أمه -أي: جدة الميت- فلا ترث الجدة أم الأب عند وجود الأب، لكن الجد ليس كذلك، فإذا مات أحمد وترك جداً وجدة فهي ترث معه، ولا يحجبها.
المسألة الثانية: مسألة الغراوين، أو العمريتين: وهذه المسألة هي: أبوان مع أحد الزوجين، ففي حالة وجود الأب، فإن الأم سيكون لها ثلث الباقي بعد إخراج فرض الزوج أو الزوجة، أما في حالة وجود الجد بدلاً عن الأب فإن الأم تأخذ ثلث الجميع، وليس ثلث الباقي، حتى ولو أخذت أكثر من الجد.
فمثلاً: إذا ماتت عن زوج وأم وأب، وتركت ستة آلاف، فنعطي الزوج فرضه، وهو النصف، أي: ثلاثة آلاف، والأم نعطيها ثلث الثلاثة الباقية، أي: ألفاً، والباقي -ألفان- للأب تعصيباً، أما في حالة وجود الجد بدلاً عن الأب؛ فإن الأم ستأخذ ثلث المال كله، أي: ستأخذ ألفين، والزوج يأخذ النصف - ثلاثة آلاف - والباقي - ألف فقط - يأخذه الجد.
أما الدليل على مسألة الغراوين فالتقعيد، فقد جاءت الأدلة الناصعة والإجماع على الأب، أما الجد فاختلف فيه، ولهذا لم ينزل منزلة الأب في هاتين المسألتين، وهذا الاختلاف سيظهر في المسألة الثالثة التي ستأتي.
فالجد يخالف الأب هنا، فإذا مات شخص وترك الأب مع الإخوة أو الأخوات، سواء أشقاء أو لأب، فإن الإخوة والأخوات لا يرثون هنا؛ لأن الأب يحجبهم، فنحن قلنا سابقاً: إن الإخوة والأخوات يرثون بشرط عدم وجود الأب وعدم وجود فرع وارث ذكر للميت، فالأب يحجب الإخوة والأخوات، وهذا بالإجماع.
أما الجد فيخالف الأب في هذه المسألة، وهناك خلاف عريض بين العلماء في الجد مع الإخوة والأخوات، هل يحجبهم أم لا؟ وسنبدأ التفصيل في هذه المسألة إن شاء الله.
فبعض العلماء قالوا: بما أن الجد ينزل منزلة الأب فإنه يحجب الإخوة، ولكن الصحيح هو القول الآخر- الذي سيأتي-وإن كان شاقاً قليلاً، لكنه سهل على من يسره الله عليه.
نقول: الجد له حالات، منها: أولاً: أن يكون ليس معه إخوة، ففي هذه الحالة ينزل منزلة الأب بالإجماع، فعند توريثه مع عدم وجود الإخوة له أحوال ثلاثة، فهو قد يرث بالفرض، أو بالتعصيب، أو بالفرض والتعصيب معاً.
فيرث بالفرض في حالة وجود فرع وارث ذكر؛ لأن النبي ﷺ يقول: (ألحقوا االفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر)، ومعروف أن الأولى بالتعصيب الولد؛ لأن ترتيب الدرجات في العصبة كما يلي: بنوة ثم أبوة ثم أخوة ثم عمومة، فالدرجة الأقرب هي البنوة، لذلك فالبنوة ترث بالتعصيب، والأبوة ترث بالفرض.
стр. 35
مهمات في أحكام المواريث - ميراث البنت
البنت فرع وارث، وقد فرض الله لها النصف إذا انفردت ولم يكن معها ابن يعصبها، وتنزل بنت الابن منزلتها عند عدمها، فإذا وجدت البنت لم تأخذ بنت الابن إلا السدس فقط.
стр. 36
ميراث البنت
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: البنت فرع من الفروع، وإن نزلت، وليس المقصود منه بنت البنت أو بنت بنت البنت فإنها لا ترث بالإجماع؛ لأنها رحم تدلي بأنثى، إنما المقصود من البنت إن نزلت: بنت الابن أو بنت ابن ابن الابن أو بنت ابن ابن ابن الابن، فالبنت وإن نزلت لا بد وأن تدلي بابن من العصبة، ولها حالتان: الحالة الأولى: ترث بالفرض.
والحالة الثانية: ترث بالتعصيب بالغير كما سنبين أن التعصيب تعصيب بالغير وتعصيب مع الغير.
فإن كانت ترث بالفرض فلها حالتان: إما أن تكون اثنتين فأكثر فيرثن الثلثين بالفرض، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١١] فتقدم على من يرث بالتعصيب لقول النبي ﷺ : (ألحقوا الفرائض بأهلها)، فالأصل أن يقدم صاحب الفرض فما بقي فلأولى رجل ذكر، وهذا ترتيب قطعي من الشرع.
وإما أن تكون واحدة ففرضها النصف، لقول الله تعالى: ((وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ)).
وقوله تعالى: ((فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ))، يدل بمفهوم المخالفة على أن اثنتين من البنات أو أقل لا يرثن الثلثين؛ لأنه سكت عن الاثنتين وصرح بمن فوقهما، ولكن قد ورد منطوق من حديث النبي ﷺ (أنه ورث ابنتي سعد بن الربيع فأعطاهما الثلثين).
إذاً الحالة الأولى أن ترث بالفرض فإن كانت واحدة فلها النصف، وإن كانتا اثنتين فأكثر فلهما الثلثان.
الحالة الثانية: التعصيب بالغير: وهو أن يكون هناك فرع وارث ذكر في درجتها فترث معه بالتعصيب، لقول الله : ((لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)) فإذا هلك عن بنت وابن فلا فرض للبنت معه وإنما ترث معه بالتعصب.
وشرط ميراث البنت تعصيباً أن يكون الابن في درجتها، أما إذا هلك عن بنت وابن ابن فإنها لا ترث معه بالتعصيب وإنما ترث النصف فرضاً لقوله تعالى: ((وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ))، وابن الابن ينزل منزلة الابن فيرث الباقي تعصيباً.
فالابن لما كان أنزل منها في الدرجة لم يصعد ليعصبها فسعدت بذلك لأنه لو عصبها سيأخذ ضعف ما تأخذ هي، لكنها الآن تشاطرت معه فأخذت النصف وأخذ هو النصف تعصيباً.
стр. 37
ميراث بنت الابن
بنت الابن ترث لأنها تدلي بعاصب، فتنزل منزلة البنت عند عدم وجود البنت، فترث النصف فرضاً كما ترثه البنت إلا أنها تخالف البنت بشرط واحد وهو عدم وجود البنت الصلبية، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾، وجه الدلالة من الآية هو أن بنت الابن تعتبر من الولد؛ لقول الله تعالى: ((فِي أَوْلادِكُمْ))، فدخلت في عموم الأولاد، فقوله تعالى: ((وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً))، أي: من أولادكم، وبنت الابن من أولادكم.
وهذه هي الحالة الأولى لبنت الابن.
الحالة الثانية: ترث بالتعصيب بالغير إذا كانت مع أخ لها في درجتها لقوله تعالى: ((لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ))، فإذا مات وترك بنت ابن وابن ابن أي: بنتاً وأخاً لها ورثوا ((لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ))، والدليل على ذلك قوله تعالى: ((يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ))، وبنت الابن وابن الابن من الولد، فتكون الآية عامة للأولاد وأولادهم.
فإذا ترك بنتين وبنت ابن وابن ابن ابن ابن فللبنتين الثلثان ويصعد هذا الولد الأنزل لأنه ابن ابن عاصب فتسعد به بنت الابن فيعصبها؛ لأن أقصى شيء للبنات الثلثان، وقد أخذت البنتان الثلثين ولم يبق لبنت الابن شيء، ولكن ابن الابن النازل صعد فورثت معه الباقي تعصيباً ((لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)).
أما إذا لم يكن هناك إلا بنت واحدة فإن بنت الابن تأخذ السدس تكملة الثلثين والباقي يأخذه ابن الابن تعصيباً فما بقي فلأولى رجل ذكر.
الحالة الثالثة: إذا وجد الفرع الوارث الذكر فبنت الابن ليس لها شيء وسيحصل الابن على كل شيء؛ لأنه يحجبها، وإن كانت ترث بالبنوة إلا أن الابن هو الأقوى والأقرب والأرفع درجة، فإذا وجد الفرع الوارث الذكر فلا تأخذ معه بنت الابن شيئاً.
إذاً إن كان الفرع الوارث ذكراً فليس لبنت الابن شيء، وإن كان الفرع الوارث أنثى فإن كن اثنتين فما فوق فليس لها شيء؛ لأنهن سيأخذن الفرض المقدر للنساء وهن أقرب منها وأقوى، أما إن كانت البنت واحدة فإن فرضها النصف وسيبقى السدس من فرض النساء فترثه بنت الابن.
فالبنت المنفردة لا تحجب بنت الابن حجباً كاملاً والدليل على ذلك حديث ابن مسعود ﵁، وهو أن قوماً جاءوا أبا موسى الأشعري فسألوه عن بنت وأخت وبنت ابن فقال لهم: للبنت النصف، وأما الأخت فلها الباقي تعصيباً -أي: تعصيباً مع الغير- ولا شيء لبنت الابن؛ لأنه نظر فوجد أن البنت الصلبية أقرب من بنت الابن فحجبتها فليس لها شيء، فسألوا ابن مسعود فقال: قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، سأقضي لها بقضاء رسول الله: للبنت النصف وبنت الابن السدس تكملة الثلثين، والباقي للأخت تعصيباً.
وهذا استنباط قوي جداً؛ لأنه نظر إلى حديث النبي ﷺ بالعموم والخصوص، وهو قوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها)، فألحق الفريضة الأولى وهي النصف للبنت ولما لم يكتمل نصاب فرض النساء أعطى بنت الابن السدس تكملة الثلثين، والباقي لأولى معصب، وتكون الأخت الشقيقة أو الأخت لأب معصبة مع الغير وتأخذ هذا الباقي.
стр. 38
مهمات في أحكام المواريث - ميراث الأخوات
الأخوات الشقيقات يتصلن بالميت عن طريق الأب والأم، والأخوات لأب يتصلن به من طريق الأب فقط، ولذلك فالشقيقات أقوى من الأخوات لأب، ولكن تنزل الأخوات لأب منزلة الشقيقات عند انعدام الشقيقات، أما إذا اجتمع الصنفان فالحكم كما لو اجتمع البنات وبنات الابن.
стр. 39
ميراث الأخوات الشقيقات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
تكلمنا عن ميراث البنات، واليوم إن شاء الله سنتكلم عن الأخوات الشقيقات وعن الأخوات لأب.
стр. 40
حالات ميراث الأخوات الشقيقات وشروط كل حالة
أما ميراث الأخوات الشقيقات فله ثلاث حالات: الحالة الأولى: يرثن بالفرض.
الحالة الثانية: يرثن بالتعصيب بالغير.
الحالة الثالثة: يرثن بالتعصيب مع الغير.
هناك فرق بين التعصيب مع الغير والتعصيب بالغير، فالتعصيب مع الغير لا بد أن يكون في المسألة إناث مع الإناث فقط، ولا يوجد فيها رجل.
أما التعصيب بالغير فلا بد أن يكون في المسألة ذكر.
والأخوات الشقيقات يرثن بالفرض بشروط ثلاثة: الشرط الأول: عدم وجود الأصل الوارث الذكر الأب أو الجد على الراجح، وإن كان الجد فيه خلاف فقهي عريض، لكن الصحيح الراجح أن الجد ينزل منزلة الأب، كما قال ابن عباس: (ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن الابن ابناً، ولا يجعل أب الأب أباً).
الثاني: عدم وجود الفرع الوارث سواء كان ذكراً أو أنثى؛ لأنه لو وجد فرع وارث ذكر فلن ترث الأخوات أصلاً، وإذا وجد فرع وارث أنثى ورثن بالتعصيب.
الشرط الثالث: عدم وجود معصب لها، وهو أخوها الذي في درجتها.
مثال: هلك هالك عن أختين أو عن ثلاث أخوات فهنا تحقق الشرط الأول، وهو عدم وجود أصل الذكر وتحقق الشرط الثاني، وهو عدم وجود فرع ارث مطلقاً، وتحقق أيضاً الشرط الثالث لعدم وجود معصب لها وهو الأخ، فإن توفرت هذه الشروط، فإنها ترث بالفرض؛ لأن النبي ﷺ قال: (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر).
وفي حالة تحقق الشروط الثلاثة، يكون لها حالتان: فإما أن تكون واحدة، وإما أن يكون معها غيرها من أخواتها، فإن كانت واحدة فلها النصف، وإن كن أكثر فلهما أو لهن الثلثان، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ﴾ [النساء:١٧٦].
الحالة الثانية: وهي أن ترث الشقيقة بالتعصيب بالغير، وهنا لا بد أن يكون في المسألة أخوها الذكر، فيكون للذكر مثل حظ الأنثيين، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١٧٦].
مثال: هلك عن ثلاث أخوات وأخ أشقاء، فلا نقول: الأخوات لهن الثلثان فرضاً؛ لوجود أخيهن الذي في درجتهن معهن، فيكون معصباً لهن فيرثن بالتعصيب بالغير، للذكر مثل حظ الأنثيين.
الحالة الثالثة: يرثن بالتعصيب مع الغير، وذلك عند وجود فرع وارث أنثى.
مثاله: هلك هالك عن بنت وثلاث أخوات شقيقات، فالبنت تأخذ الفرض النصف؛ لقوله تعالى: ((فإن كانت واحدة فلها النصف)).
والأخوات الشقيقات يرثن معها بالتعصيب، أي: يقمن مقام الأخ الذكر، والدليل على ذلك أثر ابن مسعود ﵁ وأرضاه (لما سئل عن رجل هلك عن بنت وبنت ابن وأخت، فحكم فيها أبو موسى الأشعري ﵁ وأرضاه بأن البنت لها النصف، وبنت الابن ليس لها شيء، فلما قيل لـ ابن مسعود في ذلك قال: قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، سأحكم فيها بما قال رسول الله ﷺ : للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، والأخت لها الباقي تعصيباً).
إذاً: هذا هو ميراث الأخوات الشقيقات: يرثن بالفرض، ويرثن بالتعصيب بالغير، ويرثن بالتعصيب مع الغير.
следующие страницы →