Полный текст (413 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
عدم ورود الإقسام على الله عن النبي ﷺ
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وأما القسم الثالث مما يسمى توسلاً، فلا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي ﷺ شيئاً يحتج به أهل العلم كما تقدم بسط الكلام على ذلك، وهو الإقسام على الله بالأنبياء والصالحين أو السؤال بأنفسهم، فإنه لا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي ﷺ شيئاً ثابتاً لا في الإقسام أو السؤال به، ولا في الإقسام أو السؤال بغيره من المخلوقين].
إذاً القسم الثالث قسّمه الشيخ هنا إلى نوعين: الإقسام به يعني بذاته، أو السؤال به.
وأحياناً يختلط الأمران، بمعنى أنه تحتمل الصيغة المعنيين، كأن يقول الطالب من الله : أسألك بفلان، قد يُقصد بهذا المعنى القسم، وقد يُقصد بهذا المعنى التوسل، وكلها أيضاً تسمى توسلاً.
قال رحمه الله تعالى: [وإن كان في العلماء من سوغه فقد ثبت عن غير واحد من العلماء أنه نهى عنه، فتكون مسألة نزاع كما تقدم بيانه].
يقصد الشيخ أنه هنا قد يرد عن بعض أهل العلم إجازة مثل هذا العمل البدعي، لكن هذا من باب الزلة من العالم أو الاجتهاد الخاطئ، فيقول: لا ينبغي للناس أن يستدلوا على هذه البدع بأقوال أو أفعال حدثت لعلماء معتبرين؛ لأن هذا مما نازع فيه آخرون وهم الذين معهم الدليل.
فإذاً: عند التنازع في مثل هذه الأمور يرد الأمر إلى الكتاب والسنة، ويريد شيخ الإسلام أن يصل إلى نتيجة وسيقولها فيما بعد، أننا عندما رددنا هذه الأمور إلى الكتاب والسنة وهي الإقسام على الله، أو التوسل بالذوات أو نحو ذلك، وجدناها ممنوعة بصريح النصوص.
إذاً: لا يحتج بقول من خالف في ذلك، مع العلم أن من نُقل عنهم ذلك إما أن يكون النقل مكذوباً أو محرّفاً أو يكون عن اجتهاد خاطئ إن ثبت، وهذا قليل نادر.
стр. 282
عدم جواز الإقسام بغير الله تعالى
قال رحمه الله تعالى: [فيُرد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله ﷺ ، ويبدي كل واحد حجته كما في سائر مسائل النزاع، وليس هذا من مسائل العقوبات بإجماع المسلمين، بل المعاقب على ذلك معتد جاهل ظالم، فإن القائل بهذا قد قال ما قالت العلماء، والمنكر عليه ليس معه نقل يجب اتباعه لا عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة.
وقد ثبت أنه لا يجوز القسم بغير الله لا بالأنبياء ولا بغيرهم كما سبق بسط الكلام في تقرير ذلك.
وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن ينذر لغير الله لا لنبي ولا لغير نبي، وأن هذا نذر شرك لا يوفى به.
وكذلك الحلف بالمخلوقات لا ينعقد به اليمين، ولا كفارة فيه، حتى لو حلف بالنبي ﷺ لم تنعقد يمينه كما تقدم ذكره، ولم يجب عليه كفارة عند جمهور العلماء كـ مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، بل نهى عن الحلف بهذه اليمين، فإذا لم يجز أن يحلف بها الرجل ولا يقسم بها على مخلوق فكيف يقسم بها على الخالق ﷻ ؟].
لا يجوز أن يحلف الرجل بالمخلوقات ولا يقسم بالمخلوقات على مخلوق، فكيف يقسم بها على الخالق ﷻ ؟ بمعنى أنه لا يجوز للإنسان أن يعقد يمينه بمخلوق على مخلوق ولا يليق ذلك، فكيف يعقد اليمين بمخلوق يُقسم به على الله؟ هذا أمر عظيم مستنكر في أصول الشرع وقواعده ونصوصه.
стр. 283
حكم السؤال بالمخلوق من غير قسم
قال رحمه الله تعالى: [وأما السؤال به من غير إقسام به فهذا أيضاً مما منع منه غير واحد من العلماء، والسنن الصحيحة عن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين تدل على ذلك.
فإن هذا إنما يفعله من يفعله على أنه قربة وطاعة، وأنه مما يستجاب به الدعاء].
يقصد أن الذين يفعلون هذه الممنوعات من الحلف بغير الله، الإقسام على الله بخلقه أو التوسل بالأنبياء والصالحين بذواتهم أو نحو ذلك كل هذا يُفعل من الذين يفعلونه على وجه التعبّد، ولو كانت المسألة من الأمور العادية لكان الأمر أسهل، لكنهم يفعلون ذلك تعبداً لله وتقرباً إليه.
فمن هنا يريد الشيخ أن يجر الخصوم إلى الأصل، وهو أن التعبد الأصل فيه الشرع، فيقول: ما دمتم تتعبدون بهذه الألفاظ وترون أنها من أمور القربة والطاعة، فلا بد أن تُرجع إلى أصلها، وهو أن القربة لا بد أن يكون لها أصل في الدين، ليست من قبيل العادات؛ لأنها لو كانت عادات ما تقربتم بها وجعلتموها من أصول القربات والتعبد لله ، فما دام أنكم تتعبدون إذاً نعيد هذه الألفاظ والتوسلات إلى القواعد الشرعية، فإذا كان لها أصل في الشرع نتعبد بها، وإن لم يكن لها أصل في الشرع فتكون بدعة مردودة.
قال رحمه الله تعالى: [وما كان من هذا النوع فإما أن يكون واجباً وإما أن يكون مستحباً، وكل ما كان واجباً أو مستحباً في العبادات والأدعية فلا بد أن يشرعه النبي ﷺ لأمته، فإذا لم يشرع هذا لأمته لم يكن واجباً ولا مستحباً ولا يكون قربة وطاعة ولا سبباً لإجابة الدعاء، وقد تقدم بسط الكلام على هذا كله.
فمن اعتقد ذلك في هذا أو في هذا فهو ضال].
قوله: (في هذا أو في هذا)، يقصد السؤال بالمخلوقين والإقسام على الله بهم، ويدخل في ذلك بالتبع الحلف بالمخلوق.
قال رحمه الله تعالى: [فمن اعتقد ذلك في هذا أو في هذا فهو ضال وكانت بدعته من البدع السيئة، وقد تبين بالأحاديث الصحيحة وما استقرئ من أحوال النبي ﷺ وخلفائه الراشدين أن هذا لم يكن مشروعاً عندهم.
وأيضاً فقد تبيّن أنه سؤال لله تعالى بسبب لا يناسب إجابة الدعاء، وأنه كالسؤال بالكعبة والطور والكرسي والمساجد وغير ذلك من المخلوقات، ومعلوم أن سؤال الله بالمخلوقات ليس هو مشروعاً، كما أن الإقسام بها ليس مشروعاً بل هو منهي عنه، فكما أنه لا يسوغ لأحد أن يحلف بمخلوق فلا يحلف على الله بمخلوق ولا يسأله بنفس مخلوق، وإنما يسأل بالأسباب التي تناسب إجابة الدعاء كما تقدم تفصيله].
стр. 284
الكلام على ما ورد من القول بجواز سؤال الله بالمخلوقات
قال رحمه الله تعالى: [لكن قد روي في جواز ذلك آثار وأقوال عن بعض أهل العلم؛ ولكن ليس في المنقول عن النبي ﷺ شيء ثابت بل كلها موضوعة، وأما النقل عن من ليس قوله حجة فبعضه ثابت وبعضه ليس بثابت.
والحديث الذي رواه أحمد وابن ماجة وفيه: (بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا).
رواه أحمد عن وكيع عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: (من قال إذا خرج إلى الصلاة: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار وأن تدخلني الجنة، وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له وأقبل الله عليه بوجهه حتى يقضي صلاته)].
هذا الحديث سيتكلم عنه الشيخ ويبيّن أنه ضعيف ولا يكون حجة في مثل هذه الأمور، لكن هذه العبارة ذكر الشيخ في مواضع كثيرة من كتبه، وذكر غيره، وسيذكر أيضاً هنا أن مسألة الكلام بحق السائلين كلام مجمل؛ لأن الإنسان إذا طلب الله أو دعا الله بحق السائلين فيحتمل هذا عدة احتمالات، نكتفي منها باحتمالين، الاحتمال الأول: أن يقصد بذلك ما وعد الله به من حق لا يقصد الإجابة على الله، فهذا ربما يكون مشروعاً لكن يجب أن يتفادى كلمة (حق السائلين)، يقول: اللهم إني أسألك بعملي هذا؛ لأن الله وعد المؤمنين بأن يجزيهم على الأعمال الصالحة، بمعنى أن يتوسل إلى الله بعمله كما فعل أصحاب الغار الذين سيذكر قصتهم الشيخ بعد قليل، فهذا من الأمور المشروعة، لكن العبارة فيها لبس، وإن قصد المعنى الآخر أو الاحتمال الآخر وهو أنه يعتقد أن لله حقاً على العباد غير ما أوجبه الله على نفسه، كما تقول المعتزلة: يجب على الله أن يجزي المطيع وأن يعذّب العاصي من باب الإلزام من المخلوق للخالق فهذا لا يجوز.
إذاً: العبارة فيها معنى حق ومعنى باطل، والشيخ رد الحديث من حيث إنه ضعيف في السند، لكن هذه العبارات لها معانٍ قد تكون صحيحة، فينبغي أن نتنبه لذلك.
قال رحمه الله تعالى: [وهذا الحديث هو من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد، وهو ضعيف بإجماع أهل العلم.
وقد روي من طريق آخر وهو ضعيف أيضاً، ولفظه لا حجة فيه، فإن حق السائلين عليه أن يجيبهم وحق العابدين أن يثيبهم، وهو حق أحقه الله تعالى على نفسه الكريمة بوعده الصادق باتفاق أهل العلم، وبإيجابه على نفسه في أحد أقوالهم، وقد تقدم بسط الكلام على ذلك.
وهذا بمنزلة الثلاثة الذين سألوه في الغار بأعمالهم، فإنه سأله هذا ببره العظيم لوالديه، وسأله هذا بعفته العظيمة عن الفاحشة، وسأله هذا بأدائه العظيم للأمانة].
قوله: (هذا)، يعني حق السائلين وهو التوسل بالعمل الصالح، وهو القسم الأول الذي سبق ذكره عند تقسيم التوسل، وهذا استطراد من الشيخ ليبيّن وجوه التشابه بين هذه الأقسام والوجه الجائز والوجوه الباطلة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لأن هذه الأعمال أمر الله بها ووعد الجزاء لأصحابها، فصار هذا كما حكاه عن المؤمنين بقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣].
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١٠٩].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٥ - ١٦].
وكان ابن مسعود ﵁ يقول في السحر: اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا سحر فاغفر لي].
стр. 285
الرد على من يجيز الإقسام على الله بالمخلوقات
قال رحمه الله تعالى: [وأصل هذا الباب أن يقال: الإقسام على الله بشيء من المخلوقات، أو السؤال له به، إما أن يكون مأموراً به إيجاباً أو استحباباً، أو منهياً عنه نهي تحريم أو كراهة، أو مباحاً لا مأموراً به ولا منهياً عنه.
وإذا قيل: إن ذلك مأمور به أو مباح فإما أن يفرق بين مخلوق ومخلوق، أو يقال: بل يشرع بالمخلوقات المعظّمة أو ببعضها، فمن قال: إن هذا مأمور به أو مباح في المخلوقات جميعها لزم أن يسأل الله تعالى بشياطين الإنس والجن فهذا لا يقوله مسلم].
الشيخ سيفيض في هذه المسألة، من باب حصر الخصوم لئلا يكون لهم وجوه يستدلون بها.
يقول: إذا قلتم إنه يجوز الإقسام بشيء من المخلوقات على الله ، فما هي هذه المخلوقات، ربما يقولون: الأمور المعظّمة عند الله .
يقول: ما هي الأمور المعظّمة؟ ربما يقولون: الأنبياء والرسل مثلاً، أو يقولون: كذا وكذا، قد يقولون مثلاً: كعبة أو نحو ذلك، فهم يخصصون أشياء، فواقع أهل البدع الذين يقسمون بالأشياء أو بالمخلوقات على الله كل منهم يقسم بشيء دون شيء، أي أنهم لا يقسمون بجميع المخلوقات المعظّمة، ولا يرون ذلك مشروعاً، فالشيخ هنا سيأخذهم بهذا ويقول: لِم فرّقتم بين شيء وشيء؟ ثم يضرب أمثلة ويقول لهم: لو أن أحداً أقسم بكذا وكذا من الأمور المعظّمة لقلتم: هذا ممنوع، إذاً: فلماذا جعلتم الإقسام بالأنبياء والصالحين وبعض الأشجار والأحجار يقسم بها، وما يماثلها أو يشابهها من الأمور المعظّمة التي عظّمها الله أو أقسم بها في كتابه تجعلون الإقسام بها غير مشروع؟ لِم فرّقتم بين هذا وذاك؟ ثم سيقول: إن هذا التفريق مثل التفريق بين النبيين، فالله جعل من آمن ببعض وكفر ببعض كافراً، فكذلك أنتم حينما أقسمتم بأشياء دون أشياء تناقضتم، ولو قيل لكم: أقسموا بجميع الأشياء المعظّمة منعتم ذلك.
стр. 286
إلزام من يجيز السؤال بالمخلوقات أن يسأل بكل مخلوق
قال رحمه الله تعالى: [فإن قال: بل يسأل بالمخلوقات المعظمة كالمخلوقات التي أقسم بها في كتابه، لزم من هذا أن يسأل بالليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى، والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها، والسماء وما بناها، والأرض وما طحاها، ونفس وما سواها ويسأل الله تعالى ويقسم عليه بالخنس الجواري الكنس، والليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس، ويسأل بالذاريات ذرواً، فالحاملات وقراً، فالجاريات يسراً، فالمقسمات أمراً، ويسأل بالطور، وكتاب مسطور في رق منشور، والبيت المعمور، والسقف المرفوع، والبحر المسجور، ويسأل ويقسم عليه بالصافات صفاً، وسائر ما أقسم الله به في كتابه، فإن الله يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لأنها آياته ومخلوقاته فهي دليل على ربوبيته، وألوهيته، ووحدانيته، وعلمه، وقدرته، ومشيئته، ورحمته، وحكمته، وعظمته، وعزته، فهو سبحانه يقسم بها لأن إقسامه بها تعظيم له سبحانه، ونحن المخلوقون ليس لنا أن نقسم بها بالنص والإجماع.
بل ذكر غير واحد الإجماع على أنه لا يقسم بشيء من المخلوقات، وذكروا إجماع الصحابة على ذلك، بل ذلك شرك منهي عنه، ومن سأل الله بها لزمه أن يسأله بكل ذكر وأنثى، وبكل نفس ألهمها فجورها وتقواها، ويسأله بالرياح، والسحاب، والكواكب، والشمس، والقمر، والليل، والنهار، والتين، والزيتون، وطور سينين، ويسأله بالبلد الأمين مكة، ويسأله حينئذ بالبيت، والصفا، والمروة، وعرفة، ومزدلفة، ومنى، وغير ذلك من المخلوقات، ويلزم ذلك أن يسأله بالمخلوقات التي عُبدت من دون الله، كالشمس، والقمر، والكواكب، والملائكة، والمسيح، والعزير، وغير ذلك مما عبد من دون الله ومما لم يعبد من دونه.
ومعلوم أن السؤال لله بهذه المخلوقات أو الإقسام عليه بها من أعظم البدع المنكرة في دين الإسلام، ومما يظهر قبحه للخاص والعام].
يقصد بذلك أنه قد اتفق الخاص والعام على أن الإقسام بهذه المخلوقات من أعظم البدع، إذاً فتخصيص بعضها لا دليل عليه، لأنه قد يوجد من يقسم ببعض المخلوقات التي أقسم الله بها، أو التي عظّمها الله ، فيقول: ما دام هناك اتفاق على أن كثيراً من هذه الأمور لا يجوز الإقسام بها، فما الدليل الذي خصص به هؤلاء المبتدعة الإقسام ببعضها دون بعض.
قال رحمه الله تعالى: [ويلزم من ذلك أن يقسم على الله تعالى بالأقسام والعزائم التي تكتب في الحروز والهياكل التي تكتبها الطرقية والمعزّمون.
بل ويقال: إذا جاز السؤال والإقسام على الله بها فعلى المخلوقات أولى، فحينئذ تكون العزائم والأقسام التي يقسم بها على الجن مشروعة في دين الإسلام، وهذا الكلام يستلزم الكفر والخروج من الإسلام بل ومن دين الأنبياء أجمعين].
يقصد الشيخ هنا أن كثيراً من الذين يضعون العزائم ويضعون المعلقات التي يعلقون بها تمائم وغيرها، يضعون من ضمن عباراتها الإقسام على أحد من الخلق بأن ينفع هذا الشخص أو يدفع عنه الضر، أو يشفيه من مرضه إلى آخره، فبعض الإنس يقسمون على بعض الجن أو على بعض الإنس والعكس كذلك، ويكتبون ذلك ضمن هذه الأمور سواء عزائم أو غيرها.
стр. 287
الرد على من يخصص بعض المخلوقات المعظمة في سؤال الله بها
قال رحمه الله تعالى: [وإن قال قائل: بل أنا أسأله أو أقسم عليه بمعظّم دون معظم من المخلوقات، إما الأنبياء دون غيرهم، أو نبي دون غيره، كما جوز بعضهم الحلف بذلك، أو الأنبياء والصالحين دون غيرهم.
قيل له: بعض المخلوقات وإن كانت أفضل من بعض فكلها مشتركة في أنه لا يجعل شيء منها نداً لله تعالى، فلا يُعبد ولا يُتوكل عليه ولا يُخشى ولا يُتقى ولا يُصام له ولا يُسجد له ولا يُرغب إليه، ولا يُقسم بمخلوق، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (من كان حالفاً فليحلف بالله، أو ليصمت)، وقال: (لا تحلفوا إلا بالله).
وفي السنن عنه أنه قال: (من حلف بغير الله فقد أشرك).
فقد ثبت بالنصوص الصحيحة الصريحة عن النبي ﷺ أنه لا يجوز الحلف بشيء من المخلوقات، لا فرق في ذلك بين الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم ولا فرق بين نبي ونبي.
وهذا كما قد سوى الله تعالى بين جميع المخلوقات في ذم الشرك بها وإن كانت معظمة.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٧٩ - ٨٠]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧].
قالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة، فقال تعالى: هؤلاء الذين تدعونهم عبادي يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي، ويتقربون إلي كما تتقربون إلي.
وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢].
فبيّن أن الطاعة لله والرسول، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، وبيّن أن الخشية والتقوى لله وحده، فلم يأمر أن يُخشى مخلوق ولا يُتقى مخلوق.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨].
فبيّن أنه كان ينبغي لهؤلاء أن يرضوا بما آتاهم الله ورسوله، ويقولوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله، إنا إلى الله راغبون، فذكر الرضا بما آتاه الله ورسوله؛ لأن الرسول هو الواسطة بيننا وبين الله في تبليغ أمره ونهيه، وتحليله وتحريمه، ووعده ووعيده فالحلال ما حلله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله ﷺ ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
فليس لأحد أن يأخذ من الأموال إلا ما أحله الله ورسوله، والأموال المشتركة، كمال الفيء والغنيمة والصدقات عليه أن يرضى بما آتاه الله ورسوله منها، وهو مقدار حقه لا يطلب زيادة على ذلك، ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة:٥٩]، ولم يقل: ورسوله؛ فإن الحسب هو الكافي، والله وحده هو كاف عباده المؤمنين كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] أي هو وحده حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين.
هذا هو القول الصواب الذي قاله جمهور السلف والخلف كما بُيّن في موضع آخر، والمراد أن الله كاف للرسول ولمن اتبعه، فكل من اتبع الرسول فالله كافيه وهاديه وناصره ورازقه، ثم قال تعالى: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩] فذكر الإيتاء لله ورسوله، لكن وسّطه بذكر الفضل فإن الفضل لله وحده بقوله: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩] ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩] فجعل الرغبة إلى الله وحده دون الرسول وغيره من المخلوقات].
يريد بذلك كما سيذكر أن التوسلات البدعية كلها خلاف ذلك، بمعنى أن من توسل توسلاً بدعياً فكأنه لم يجعل الله وح
стр. 288
الأسئلة
стр. 289
التأسيس والتوسع في علم العقيدة
السؤال
أريد أن أتوسع في علم العقيدة، فهل ترشدني إلى بعض الكتب القوية في هذا الفن، علماً بأني قرأت كتاب التوحيد وشروحه وكذلك الواسطية والتدمرية، وحفظت بعض المتون؟
الجواب
فيما يتعلق بهذا السؤال وأمثاله أقول: من الصعب أن تكون الإجابة واحدة؛ لأن كل طالب علم له ظروفه وله إمكاناته وقدراته الذاتية، وأيضاً استعداده ومدى وجود الوقت عنده، فمثل هذا الأخ الذي قرأ هذه الكتب وحفظ بعض المتون ربما يقصد بالمتون في العقيدة وهو الغالب، إذا أراد أن يتوسع فليعلم أن معنى ذلك أن يتخصص ليفيد؛ لأن طالب العلم الذي يريد أن يحصّن نفسه يكفيه مثل هذه الكتب، إذا كان قرأ قبلها الأصول الثلاثة والمسائل الأربع، وكتاب التوحيد، وحفظ كما يذكر المتون الأساسية مثل متن الطحاوية، متن لمعة الاعتقاد أو سلّم الوصول أو نحو ذلك إذا حفظ هذه المتون، ثم أخذ شرحاً من شروحها أو شروح أحدها، فقد أسس العقيدة بأساسياتها الضرورية.
فإذا كان ممن عنده رغبة وهواية للاستزادة فأرى أن يتدرج ويجمع بين اتجاهين: كتب العقيدة الجامعة الموسّعة مثل شرح الطحاوية، أو معارج القبول التي تأخذ العقيدة على المسائل بصياغة علمية وتستدل بعد الصياغة.
والجانب الثاني لا يستغني عنه: وهو أخذ كتب العقيدة المسندة بالآثار.
فيجمع بين الاتجاهين من أجل أن يستزيد ويتعمق ويجمع بين أقوال السلف كما وردت، وبين خلاصة أقوال السلف كما عبّر عنها هؤلاء العلماء.
وعلى الأخ أن يقرأ كتاب الحموية ما دام قرأ الواسطية والتدمرية، أما كتب الآثار الجامعة التي أشرت إليها فهي كثيرة، مثل السنة لـ أبي عبد الرحمن عبد الله بن أحمد، وشرح السنة للالكائي، ولـ ابن بطة كذلك الإبانة الصغرى والكبرى، وكذلك الشريعة للآجري، فهذه الكتب وأمثالها استوعبت أصول السلف بالرواية والإسناد.
стр. 290
مدى صحة ما ورد عن عمر من النهي عن الحلق
السؤال
ما صحة ما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه نهى أن يحلق الرجل شعره وأمر بالتقصير، إلا لحج أو عمرة، لعدم التشبه بالخوارج أو الرافضة؟
الجواب
ورد أن الخوارج سيماهم التحليق، وأيضاً ورد عن عمر وأظنه ثابتاً عنه أنه حينما جيء إليه بـ صبيغ بن عسل التميمي الذي خاض في القدر، فتش رأسه ولما رآه غير محلوق، قال: لو رأيتك محلوق الرأس لقطعت رأسك أو نحو ذلك، بمعنى أنه يجزم أنه من الخوارج، والخوارج أُمر الصحابة بقتلهم.
هذا يدل على أن من علامات الخوارج التحليق فالذي يظهر لي أن التزام الحلق وجعله شعاراً هو الممنوع، وهو من سمات الخوارج.
أما كون الإنسان يحلق شعره إذا طال فهذا أمر عادي، سواء حلقه بسبب أو بغير سبب.
في المدارس يلاحظ أن الشباب الصغار حدثاء الأسنان إذا طالت شعورهم قد يكون فيه تشبه ببعض الفسقة الفجار، ووسيلة إلى الفتنة والزينة، فطلب الحلق تفادياً لهذه الظاهرة، لكن لا يعني ذلك أن يبقى الرأس دائماً محلوقاً، والذي أعرف أن في المدارس يلزم الطلاب بحلق رءوسهم إذا طالت بشكل يؤدي إلى محاذير.
стр. 291
معنى الحلف بالطلاق
السؤال
لو حلف شخص على آخر بالطلاق أن يفعل ثم لم يفعل، فهل يدخل هذا تحت قول النبي ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)؟
الجواب
لا، والحاصل: أن الذين يحلفون بالطلاق لا يقسمون بالطلاق، إنما سمي حلفاً لأنه يقصد به العزم والتأكيد، وأغلب صور الحلف بالطلاق أن يقول: عليه الطلاق أن يفعل كذا، فجعل الطلاق وسيلة للتأكيد والعزم، وليس معناه أنه يقسم بالطلاق يقول: والطلاق! إذاً: صيغة الحلف بالطلاق السائدة والمعروفة عند عامة الذين يحلفون بالطلاق: أن يفرض على نفسه الطلاق إذا لم يفعل كذا، أو لم يفعل غيره كذا، فيقول: عليه الطلاق إذا لم يفعل فلان أو لم يترك فهذه الصيغة السائدة تسمى: الحلف بالطلاق عند الناس، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 292
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٢٨]
الإقسام بغير الله تعالى سواء بالنبي أو غيره والرغبة إليه والتوجه كله من الابتداع والإحداث في الدين، وإدخال ما ليس منه فيه، وفيه من اتخاذ الواسطة والغلو في الشخص وتعظيمه، وجماع الأمر في ذلك أن يتوجه الإنسان بنفسه ويطرق أبواب السماء، أو يطلب من رجل صالح أن يدعو له، أو غير ذلك من الأسباب المشروعة التي جاءت نصوص الوحي بتبيانها.
стр. 293
حكم سؤال الله بالمخلوق
تكلم الشيخ فيما سبق في مسألة الشفاعة الممنوعة، واستطرد في مسألة الإقسام على الله ، وأنه لا تجوز، سواء كان من باب التوسل، أو من باب اليمين ونحو ذلك؛ فإنه لا يجوز أن يوضع بين الله والخلق واسطة، لا بالإقسام ولا بالتوسل.
وسيتكلم هنا عن مسألة الإقسام بغير الله والرغبة إليه ونحو ذلك، وما يترتب على هذا من الابتداع، أو ما ابتدع الناس في هذا الجانب، خاصة في الإقسام بالنبي ﷺ ، ودعوى أن ذلك من تعظيمه.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وإذا كان الإقسام بغير الله والرغبة إليه وخشيته وتقواه ونحو ذلك هي من الأحكام التي اشتركت المخلوقات فيها؛ فليس لمخلوق أن يقسم به، ولا يتقي ولا يتوكل عليه وإن كان أفضل المخلوقات، ولا يستحق ذلك أحد من الملائكة والنبيين، فضلاً عن غيرهم من المشايخ والصالحين.
فسؤال الله تعالى بالمخلوقات إن كان بما أقسم به وعظمه من المخلوقات؛ فيسوغ السؤال بذلك كله].
قصد المؤلف بقوله: (وعظمه): مما يعظمه الناس، وخاصة الرسول ﷺ ، فإن له من المحبة والتوقير ما ليس لغيره من الخلق، لكن هذا لا يبرر أن يقسم به على الله؛ لأن حق الرسول ﷺ إنما هو حق له، والمسلم إنما يحقق الشرف والقرب إلى الله باتباعه الرسول ﷺ ، لا بالإقسام بحقه، ولا الإقسام بذاته؛ لأن النبي ﷺ لا يجوز جعله وسيطاً بذاته أو بحقوقه بين العبد والخالق.
وسبق الكلام على مسألة التوسل بالرسول ﷺ ، وفهمت أن بعض الإخوان أشكل عليه جانب من حديثي في درس سابق، وهو أني -فيما أظن- قلت له: يجوز في عهد النبي ﷺ التوسل بذاته الذي هو بمعنى التبرك، على اعتبار أن بعض الناس يسمي التبرك توسلاً.
أقول: نعم، النبي ﷺ وهو حي يجوز التبرك بذاته، لا التوسل بمعنى اتخاذ ذاته وسيلة بين الله والعبد، هذا لا يجوز، لكن التبرك بمعنى التماس البركة بأفعال النبي ﷺ وأشيائه وذاته في حياته؛ لأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك.
وأما التوسل بذات النبي ﷺ في ذلك الوقت فعلى نوعين: النوع الأول: التبرك الذي نتحدث عنه، بمعنى: التماس البركة، لا اتخاذه واسطة بين الله وبين خلقه، ولكن التبرك فيما يتعلق بمصالح الناس الدنيوية ونحوها؛ هذا نوع.
النوع الثاني: التوسل به بمعنى أن يطلب منه الإنسان الدعاء، كما حدث للأعمى، وكلتا الصورتين لا تكونان إلا في عهد النبي ﷺ وفي حياته، وأيضاً بما بقي من أشيائه بعد مماته -وقد انقرضت فلم يبق من أشياء النبي ﷺ التي استعملها شيء- فمن هنا نقول جزماً: انقطع التوسل بالنبي ﷺ بأي شكل من الأشكال وبأي صورة من الصور، سواء كان التبرك بأشيائه أو بذاته في حياته، فقد انتهى ذلك، أو كان التوسل بمعنى: طلب دعائه؛ وهذا انقطع بوفاته ﷺ ، وأنه لا يملك أن يجيب، ولا يملك أن يدعو بعد وفاته فقد لقي ربه.
стр. 294
بطلان التفريق بين المخلوقات في سؤال الله بها
قال رحمه الله تعالى: [فسؤال الله تعالى بالمخلوقات إن كان بما أقسم به وعظمه من المخلوقات فيسوغ السؤال بذلك كله، وإن لم يكن سائغاً لم يجز أن يسأل بشيء من ذلك، والتفريق في ذلك بين معظَّم ومعظّم كتفريق من فرق فزعم أنه يجوز الحلف ببعض المخلوقات دون بعض، وكما أن هذا فرق باطل فكذلك الآخر.
ولو فرَّق مفرِّق بين ما يؤمن به وبين ما لا يؤمن به؛ قيل له: فيجب الإيمان بالملائكة والنبيين، ويؤمن بكل ما أخبر به الرسول، مثل منكر ونكير، والحور العين، والوِلْدَان وغير ذلك، أفيجوز أن يقسم بهذه المخلوقات لكونه يجب الإيمان بها، أم يجوز السؤال بها كذلك؟ فتبين أن السؤال بالأسباب إذا لم يكن المسئول به سبباً لإجابة الدعاء، فلا فرق بين السؤال بمخلوق ومخلوق، كما لا فرق بين القسم بمخلوق ومخلوق، وكل ذلك غير جائز؛ فتبين أنه لا يجوز ذلك كما قاله من قاله من العلماء، والله أعلم].
يعني: فبينوا أن السؤال بالأسباب إذا لم يكن المسئول به سبباً شرعياً لإجابة الدعاء كالعمل الصالح، فلا فرق بين السؤال بالمخلوق والمخلوق.
فلا يزال الشيخ يقرر ما سبق الكلام عنه، ولا يزال يرد على أولئك الذين يتوسلون بالأشياء والمخلوقات ويجعلونها سبباً لإجابة الدعاء، وليس ذلك عندهم في جميع الأوقات، بل يخصون أفراداً أو أنواعاً من المخلوقات، ومشاهد وآثاراً وأشخاصاً بعينها، فالشيخ يقول: هناك أشياء معظمة كتعظيم ما تعبدونه وتتخذونه مشاهد وآثار وسائط عند الله أنتم لا تجيزون أن تكون واسطة عند الله، هذا فرق.
إذاً: فيغلق مبدأ اتخاذ الواسطة إلا إذا كان لسبب شرعي، والسبب الشرعي هو عمل الإنسان نفسه، أو ما شرعه الله مثل طلب الدعاء من الرجل الصالح ونحو ذلك.
стр. 295
معنى استفتاح أهل الكتاب على الكفار في الجاهلية والرد على من استدل به على التوسل البدعي
قال رحمه الله تعالى: [وأما قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٨٩]، فكانت اليهود تقول للمشركين: سوف يبعث هذا النبي ونقاتلكم معه فنقتلكم، لم يكونوا يقسمون على الله بذاته ولا يسألون به، أو يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الأمي لنتبعه ونقتل هؤلاء معه.
هذا هو النقل الثابت عند أهل التفسير، وعليه يدل القرآن؛ فإنه قال تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [البقرة:٨٩]، والاستفتاح: الاستنصار، وهو طلب الفتح والنصر، فطلب الفتح والنصر به هو أن يبعث فيقاتلونهم معه؛ فبهذا ينصرون، ليس هو بإقسامهم به وسؤالهم به، إذ لو كان كذلك لكانوا إذا سألوا أو أقسموا به نصروا، ولم يكن الأمر كذلك، بل لما بعث الله محمداً ﷺ نصر الله من آمن به وجاهد معه على من خالفه.
وما ذكره بعض المفسرين من أنهم كانوا يقسمون به أو يسألون به؛ فهو نقل شاذ مخالف به للنقول الكثيرة المستفيضة المخالفة له].
يقصد الشيخ شيئاً سيذكره بعد قليل، فأحب أن أنبه على أن الشيخ رد على دعوى يدعيها أهل البدع من أصحاب التوسلات البدعية، ويعتمدون فيها على أحاديث ضعيفة، يدعون أن الاستفتاح الذي كان يستفتح به أهل الكتاب هو السؤال بالنبي الذي سيبعث أن ينصرهم، فيقول الشيخ: إن هذا لم يحدث، وهو مبني على أحاديث مكذوبة.
والأمر الآخر: أنه ما كان هذا من الاستفتاح الذي كانوا يستفتحون به، وإنما كان بنو إسرائيل يتوعدون العرب بأنه سيبعث نبي يقاتلونهم معه، ويقولون للعرب: اصبروا قليلاً! سيأتينا نبي ينصرنا ونقاتلكم معه، فننصر عليكم.
هذا هو نوع الاستفتاح الذي كانوا يستفتحون به ويتوعدون به.
أما أنهم يسألون بحق النبي فهذا لم يثبت، وما ورد في ذلك من الأحاديث إنما هو ضعيف أو موضوع لا أصل له.
قال رحمه الله تعالى: [وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في (دلائل النبوة)، وفي كتاب (الاستغاثة الكبير)، وكتب السيرة ودلائل النبوة والتفسير مشحونة بذلك.
قال أبو العالية وغيره: كان اليهود إذا استنصروا بمحمد ﷺ على مشركي العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوباً عندنا حتى نغلب المشركين ونقتلهم، فلما بعث الله محمداً ورأوا أنه من غيرهم؛ كفروا به حسداً للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآيات: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩].
وروى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن رجال من قومه قالوا: مما دعانا إلى الإسلام -مع رحمة الله وهداه- ما كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس عندنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: قد تقارب زمان نبي يبعث الآن؛ فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، كثيراً ما كنا نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله محمداً رسولاً من عنده أجبناه حين دعانا إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدونا به، فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به؛ ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات التي في البقرة: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩].
ولم يذكر ابن أبي حاتم وغيره ممن جمع كلام مفسري السلف إلا هذا، وهذا لم يذكر فيه السؤال به عن أحد من السلف، بل ذكروا الإخبار به، أو سؤال الله أن يبعثه: فروى ابن أبي حاتم عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٨٩]، قال: يستظهرون، يقولون: نحن نعين محمداً عليهم، وليسوا كذلك، يكذبون.
وروى عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال: كانوا يقولون: إنه سيأتي نبي، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة:٨٩].
وروى بإسناده عن ابن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد قال: أخبرني عكرمة -أو سعيد بن جبير - عن ابن عباس ﵄ أن يهوداً كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور و
стр. 296
الكلام على حديث ابن عباس في معنى استفتاح اليهود على الذين كفروا
قال رحمه الله تعالى: [وأما الحديث الذي يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلما التقوا هزمت يهود؛ فعاذت بهذا الدعاء: اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، فكانوا إذا دعوا بهذا الدعاء؛ هزموا غطفان، فلما بعث النبي ﷺ كفروا به؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة:٨٩]، وهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه، وقال: أدت الضرورة إلاَّ إخراجه، وهذا مما أنكره عليه العلماء].
وفي نسخة: (إلى إخراجه)، وكلتاهما صحيحتان.
وقصد الشيخ: أن هذا الحديث اضطر بحكم سنده فيما يظهر لي أن يخرجه، هذا الذي يظهر أنه التزم إخراج الأحاديث على شرط الصحيحين، فتوهم أن هذا على شرط الصحيحين.
وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (وهذا مما أنكره عليه العلماء).
يعني: أنكروا وما وافقوه أن هذا على شرط الصحيحين، كما هو معروف أنه استدرك على الحاكم مستدركات كثيرة، من ضمنها هذا الحديث.
قال رحمه الله تعالى: [فإن عبد الملك بن هارون من أضعف الناس، وهو عند أهل العلم بالرجال متروك، بل كذاب، وقد تقدم ما ذكره يحيى بن معين وغيره من الأئمة في حقه.
قلت: وهذا الحديث من جملتها، وكذلك الحديث الآخر الذي يرويه عن أبي بكر كما تقدم.
ومما يبين ذلك أن قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٨٩]، إنما نزلت باتفاق أهل التفسير والسير في اليهود المجاورين للمدينة أولاً؛ كبني قينقاع، وقريظة، والنضير، وهم الذين كانوا يحالفون الأوس والخزرج].
يعني: لم تنزل هذه الآيات في أهل خيبر باتفاق المفسرين؛ لأنها وردت في حال اليهود الذين هم جيران أهل المدينة، أو ساكنو المدينة.
قال رحمه الله تعالى: [وهم الذين عاهدهم النبي ﷺ لما قدم المدينة، ثم لما نقضوا العهد حاربهم، فحارب أولاً بني قينقاع، ثم النضير -وفيهم نزلت سورة الحشر- ثم قريظة عام الخندق.
فكيف يقال: نزلت في يهود خيبر وغطفان؟ فإن هذا من كذاب جاهل لم يحسن كيف يكذب.
ومما يبين ذلك: أنه ذكر فيه انتصار اليهود على غطفان لما دعوا بهذا الدعاء، وهذا مما لم ينقله أحد غير هذا الكذاب، ولو كان هذا مما وقع؛ لكان مما تتوفر دواعي الصادقين على نقله.
ومما ينبغي أن يعلم: أن مثل هذا اللفظ لو كان مما يقتضي السؤال به، والإقسام به على الله تعالى؛ لم يكن مثل هذا مما يجوز أن يعتمد عليه في الأحكام؛ لأنه -أولاً- لم يثبت، وليس في الآية ما يدل عليه].
يقصد باللفظ: ما سبق في الحديث الضعيف أو الموضوع السابق: (اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي)، يقول: هذا لم يثبت، ولو ثبت فهو ليس على هذا الوجه الذي فسروه به.
стр. 297
الجواب على المستدلين للتوسل البدعي باستفتاح اليهود على الذين كفروا من وجوه أخرى
قال رحمه الله تعالى: [لأنه -أولاً- لم يثبت، وليس في الآية ما يدل عليه، ولو ثبت لم يلزم أن يكون هذا شرعاً لنا؛ فإن الله تعالى قد أخبر عن سجود إخوة يوسف وأبويه، وأخبر عن الذين غلبوا على أهل الكهف أنهم قالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ [الكهف:٢١]، ونحن قد نهينا عن بناء المساجد على القبور، ولفظ الآية إنما فيه أنهم كانوا يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به].
أي: لو ثبت -جدلاً- الحديث، أو أن اليهود كانوا يقولون: اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي، فإنه من قولهم، وهم ليسوا قدوة لنا، وليس شرعهم من شرعنا، وهذا الذي فعلوه كان قبل مبعث محمد ﷺ ، فلو افترضنا أنهم فعلوه فليس من شرع محمد ﷺ الذي يجب أن نتبعه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال:١٩]، والاستفتاح طلب الفتح وهو النصر.
ومنه الحديث المأثور أن النبي ﷺ كان يستفتح بصعاليك المهاجرين، أي: يستنصر بهم، أي: بدعائهم، كما قال: (وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم، بصلاتهم ودعائهم وإخلاصهم؟!).
وهذا قد يكون بأن يطلبوا من الله تعالى أن ينصرهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان، بأن يعجل بعث ذلك النبي إليهم لينتصروا به عليهم، لا لأنهم أقسموا على الله وسألوا به؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]، فلو لم ترد الآثار التي تدل على أن هذا معنى الآية؛ لم يجز لأحد أن يحمل الآية على ذلك المعنى المتنازع فيه بلا دليل؛ لأنه لا دلالة فيها عليه، فكيف وقد جاءت الآثار بذلك؟ وأما ما تقدم ذكره عن اليهود من أنهم كانوا ينصرون، فقد بيَّنا أنه شاذ، وليس هو من الآثار المعروفة في هذا الباب، فإن اليهود لم يعرف أنها غلبت العرب، بل كانوا مغلوبين معهم، وكانوا يحالفون العرب، فيحالف كل فريق فريقاً، كما كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج].
المقصود بذلك: أن أهل البدع الذين يستدلون بهذا الموضوع فيدعون أن اليهود كانوا إذا قالوا هذا الدعاء الذي هو التوسل -بزعمهم- بالنبي ﷺ أو بحقه، أنهم كانوا ينصرون، فيقول الشيخ: هذا خلاف الواقع، فإن اليهود ما كانوا ينصرون، بل كانوا دائماً يغلبون، ولم يكونوا ينصرون إلا بالتحالف مع آخرين، فيكون الناصر لهم من غيرهم ممن ينتصرون به.
فيقول: أصل الملابسات التي وضع لها هذا الحديث أيضاً غير صحيحة، مما يدل على أن في هذا الاستدلال شك من أصله في سنده وفي لفظه.
قال رحمه الله تعالى: [وأما كون اليهود كانوا ينتصرون على العرب فهذا لا يعرف، بل المعروف خلافه، والله تعالى قد أخبر بما يدل على ذلك، فقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١١٢].
فاليهود -من حين ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس- لم يكونوا بمجردهم ينتصرون لا على العرب ولا غيرهم، وإنما كانوا يقاتلون مع حلفائهم قبل الإسلام، والذلة ضربت عليهم من حين بعث المسيح ﵇ فكذبوه، قال تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:٥٥].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف:١٤].
وكانوا قد قتلوا يحيى بن زكريا وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة:٦١]].
واقع اليهود كما ذكر الشيخ أنه كتب الله عليهم الذلة، فإنهم لا ينصرون إلا بحبل من الله وحبل من الناس، أما الحبل من الله فمنها أن الله جعلهم عقوبة على المسلمين، أو على غيرهم من
стр. 298
الاستدلال على بطلان التوسل البدعي بأن السلف لم يفعلوه
قال رحمه الله تعالى: [فإذا لم يكن الصحابة كـ عمر بن الخطاب وغيره، في حياته ﷺ وبعد موته يقسمون بذاته، بل إنما كانوا يتوسلون بطاعته أو بشفاعته، فكيف يقال في دعاء المخلوقين الغائبين والموتى، وسؤالهم من الأنبياء والملائكة وغيرهم، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧].
قالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء كالمسيح وعزير وغيرهما، فنهى الله عن ذلك، وأخبر تعالى أن هؤلاء يرجون رحمة الله ويخافون عذابه ويتقربون إليه، وأنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله عنهم.
وقد قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٧٩ - ٨٠]].
стр. 299
مفهوم نهي الرسول ﷺ عن إطرائه واتخاذ قبره عيداً ومسجداً
قال رحمه الله تعالى: [ولهذا نهى النبي ﷺ أن يتخذ قبره مسجداً، وأن يتخذ عيداً، وقال في مرض موته: (لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ يحذر ما صنعوا)، أخرجاه في الصحيحين، وقال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، رواه مالك في الموطأ.
وقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم؛ إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله)، متفق عليه.
وقال: (لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، بل ما شاء الله ثم شاء محمد)، وقال له بعض الأعراب: (ما شاء الله وشئت؛ فقال: أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده).
وقد قال الله تعالى له: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً﴾ [يونس:٤٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]، وهذا تحقيق التوحيد، مع أنه ﷺ أكرم الخلق على الله، وأعلاهم منزلة عند الله].
стр. 300
الكلام على حديث أبي بكر ودعوته إلى الاستغاثة برسول الله ﷺ
قال رحمه الله تعالى: [وقد روى الطبراني في معجمه الكبير: (أن منافقاً كان يؤذي المؤمنين، فقال أبو بكر: قوموا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق! فقال له النبي ﷺ : إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله).
وفي صحيح مسلم في آخره: (أنه قال قبل أن يموت بخمس: إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك).
وفي صحيح مسلم -أيضاً- وغيره أنه قال: (لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها).
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد وأبي هريرة -وله طرق متعددة عن غيرهما- أنه قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى).
وسئل مالك عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي ﷺ ، فقال مالك: إن كان أراد القبر فلا يأته، وإن أراد المسجد فليأته، ثم ذكر الحديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، ذكره القاضي إسماعيل في مبسوطه].
هذا استطراد في حق الرسول ﷺ ليبين الشيخ ما يدخل في حقوق النبي ﷺ ، وما يتجاوز الحقوق المشروعة، وهو الغلو في النبي ﷺ والإطراء.
ومن ذلك اتخذ قبره مسجداًَ، أي: الصلاة إليه أو التمسح به أو التوسل به توسلاً بدعياً، أو نحو ذلك مما يفعله أهل الأهواء.
وكذلك أراد أن يبين أن كل ما يتعدى حدود الطاعة فلا يعتبر من تعظيم الرسول ﷺ ، فإن الرسول ﷺ جاء الأمر بطاعته، وأن طاعته من طاعة الله، أما العبادة فلا تكون إلا لله، ولذلك إذا جاء ذكر الطاعة في القرآن وفي السنة فإنه يذكر طاعة الرسول ﷺ بعد طاعة الله، كقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة:٩٢]، ففيما يتعلق بالطاعة والتشريع نجد أن طاعة الرسول ﷺ تقرن بطاعة الله، لكن في مسألة العبادة لا يرد إلا قصر العبادة على الله .
ومن ذلك ما يتعلق بذرائع العبادة ووسائل العبادة، مثل التبرك والتوسل والتعظيم، واتخاذ المساجد ونحو ذلك، فكل ذلك لا يجوز في حق الرسول ﷺ ؛ لأنه مما يتجاوز الحد المشروع، والمساجد لا تكون إلا لله ، والتقديس لا يكون إلا لله، والعبادة لا تكون إلا لله.
فالشيخ يطول استطراده إلى ذكر القبور والمساجد؛ لأن أهل البدع جعلوا من قبر النبي ﷺ معبداً يدعونه من دون الله، ويستقبلونه من دون القبلة، ونحو ذلك مما يفعلونه، وكل ذلك مما تجاوزوا به الحد المشروع.
стр. 301
التفريق بين حقوق الله وحقوق خلقه
стр. 302
حق الله أن يعبد وحده ولا يشرك به
قال رحمه الله تعالى: [ولو حلف حالف بحق المخلوقين لم تنعقد يمينه، ولا فرق في ذلك بين الأنبياء والملائكة وغيرهم، ولله ﵎ حق لا يشركه فيه أحد: لا الأنبياء ولا غيرهم، وللأنبياء حق، وللمؤمنين حق، ولبعضهم على بعض حق: فحقه ﵎: أن يعبد ولا يشرك به كما تقدم في حديث معاذ.
ومن عبادته تعالى: أن يخلصوا له الدين ويتوكلوا عليه ويرغبوا إليه، ولا يجعلوا لله نداً: لا في محبته ولا خشيته ولا دعائه ولا الاستعانة به، كما في الصحيحين أنه قال ﷺ : (من مات وهو يدعو نداً من دون الله؛ دخل النار).
وسئل: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك)، وقيل له: (ما شاء الله وشئت؛ فقال: أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وقال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل:٥١] ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦].
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨]، وقال تعالى في فاتحة الكتاب التي هي أم القرآن: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، وقال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي﴾ [المائدة:٤٤]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩].
ولهذا لما كان المشركون يخوفون إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه قال تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٠ - ٨٢].
وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: (لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال لهم النبي ﷺ : إنما ذلك الشرك كما قال العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣])].
стр. 303
منهج السلف في التفسير
تفسير النبي ﷺ لهذا الحديث يذكرنا بأصل وقاعدة من قواعد الاستدلال، وذلك أنه لا ينبغي للمسلم أن يأخذ الأدلة من النصوص دون مراعاة قواعد الاستدلال.
وهذه الآية لو أخذت على ظاهرها وفهمها الصحابة فهماً ظاهراً؛ لكان فيها مشقة وعنت على الأمة، ومثل هذه الآية كثير في كتاب الله وفي كلام رسول الله ﷺ وأقواله وأفعاله، هناك طائفة من النصوص لا يدرك فهمها إلا من قبل الراسخين على قواعد الشرع.
ومن هنا ينبغي أن نعرف جيداً ما تميز به أهل السنة والجماعة في الاستدلال عن غيرهم من أهل الأهواء، وهو أنهم: أولاً: يستدلون للنصوص بتفسير النبي ﷺ لها، إذا ورد تفسير للنصوص عن النبي ﷺ يجب أن نقف عنده، مثل تفسيره لهذه الآية، فإنه فسر الظلم على غير ما نفهمه، ففسره بالشرك.
ثانياً: أنه لا بد أيضاً من اعتبار فعل النبي ﷺ في تطبيقه للنصوص، في هذا أيضاً تفسير عملي، حتى لو لم يقل أو لم ينطق.
ثالثاً: إقرار النبي ﷺ للناس على ما يفعلونه عند امتثالهم للنصوص، فإقرار النبي ﷺ لأفعال الناس يعتبر تشريعاً وتفسيراً معصوماً.
ثم تفسير الصحابة وفهمهم؛ لأنهم عرب أقحاح، ولأنهم أيضاً فهموا القرآن والنبي ﷺ بين ظهرانيهم، فكان يؤيدهم ويقرهم، فتفسيرهم للقرآن أيضاً حجة.
ثم تفسير السلف؛ لأنه سبيل المؤمنين أعني أن فهم السلف للنصوص يتمثل به سبيل المؤمنين الذي توعد الله من خالفه وجعله مشاقاً لله ولرسوله، فقال : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥]، فسبيل المؤمنين هو ما تمثل به منهجهم، وأول وأعظم أصول السلف: منهجهم العلمي والعملي في تفسير النصوص.
أقول: تفسير النبي ﷺ لهذه الآية على غير ما يظهر للناس دليل على أنه لا بد في تفسير النصوص من الرجوع إلى قواعد التفسير وإلى قواعد فهم النصوص وفقهها، وهذا أمر اختل عند جميع أهل الأهواء والافتراق فضلوا عن السنة.
стр. 304
طاعة الله ورسوله والفرق بين الطاعة والعبادة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢]، فجعل الطاعة لله والرسول، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله.
وجعل الخشية والتقوى لله وحده فلا يخشى إلا الله، ولا يتقى إلا الله.
وقال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩].
فجعل سبحانه الإيتاء لله والرسول في أول الكلام وآخره، كقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، مع جعله الفضل لله وحده، والرغبة إلى الله وحده].
خلاصة هذه القاعدة التي أشار إليها الشيخ في مسألة الطاعة، والفرق بين الطاعة والعبادة، أو الفرق بين الطاعة والتقديس والخشية، أن نقول: إن الأنبياء يطاعون في التشريع ويتبعون فيه لأن هذا هو ما أمر الله تعالى به، ولا يمكن أن يستفيد الناس، ولا أن تنجو الأمم إلا بطاعة الرسل، لكن لا تتجاوز هذه الطاعة ما لا يجوز إلا لله ، فمسألة العبودية لا تكون إلا لله، والربوبية لا تكون إلا لله، القدر لا يكون إلا بيد الله.
هذه الأمور الثلاثة لا يشرك فيها معه أحد حتى الأنبياء والمرسلون.
فمن عرف هذا الحد؛ تصور جيداً معنى التوحيد، وأنه يعني: إخلاص العبادة لله في إلهيته وربوبيته، وكذلك إخلاص القدر لله ، فلا يملك الأقدار خيرها وشرها إلا الله سبحانه.
والأنبياء كلهم أتوا بأن لا يطاع إلا الله، وأن لا يعبد إلا الله، فقضيتهم الكبرى التي بعثوا بها هي تحرير عقائد الناس في هذه الأمور: أن لا يشركوا في العبادة، ولا يشركوا في الربوبية، ولا يشركوا في القدر فينسبونه لغير الله، فإنه لا مقدر إلا الله الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، وهو يجير ولا يجار عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهو تعالى وحده حسبهم لا شريك له في ذلك.
وروى البخاري عن ابن عباس ﵄ في قوله: (حسبنا الله ونعم الوكيل، قال: قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين: ﴿قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]).
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، ومعنى ذلك عند جماهير السلف والخلف: أن الله وحده حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين، كما بسط ذلك بالأدلة، وذلك أن الرسل عليهم الصلاة والسلام هم الوسائط بيننا وبين الله في أمره ونهيه ووعده ووعيده، فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله.
فعلينا أن نحب الله ورسوله، ونطيع الله ورسوله، ونرضي الله ورسوله: قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٦٢]، وقال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤]].
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 305
الأسئلة
стр. 306
معنى الظل في حديث: (سبعة يظلهم الله)
السؤال
ورد في الصحيحين: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)، ما المراد بالظل هنا؟
الجواب
هذه المسألة مختلف فيها، فمنهم من قال: المقصود بالظل على ظاهره، وأن نسبة الظل إلى الله على ما يليق بجلاله، وهذا من الألفاظ التي تكون من باب الخبر، وخبر الله صدق وحق.
ومنهم من قال: إن المقصود به ظل عرشه، وهذا نوع من التأويل ليس عليه دليل، وإن كان قال به بعض الأئمة، والصحيح أنه يمر كما جاء على ما يليق بالله ، هذه مسألة غيبية، ومع ذلك تمر كما جاءت، وينسب الظل إلى الله على وجه لا نعلمه؛ لأنه هكذا جاء في الحديث عن المعصوم ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، ولا يلزم من ذلك تشبيه ولا يلزم من ذلك حرج، بل العكس، ينبغي توقير مثل هذا الكلام وتعظيمه، والوقوف عنده دون تأويل، ودون تكلف ولا تعسف، مثل بقية النصوص التي وردت في نسبة أشياء إلى الله ، فإنها تثبت كما جاءت.
فإن كان المقصود ظل العرش فهذا ليس عندنا دليل على نفيه ولا على إثباته، لكن كما قلت: يترجح الإقرار بأنه من الأخبار عن الله التي تمر كما جاءت دون تأويل، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 307
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٢٩]
التوسل المشروع هو التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة رجاء ثوابه والابتعاد عن عقابه، أو بدعاء النبي ﷺ ، كما حصل من الصحابة الكرام في حياته ﵊ من التوسل بدعائه، فإنه كان يدعو لمن طلب منه ذلك.
стр. 308
الإيمان بالله والرسول وإفراد العبادة لله وحده
سيبين الشيخ ﵀ فيما يأتي الحقيقة الشرعية للتوسل على جهة التفصيل والاستدلال لذلك، ويبين أنواع التوسل الشرعي إجمالاً، ثم سيلخصها في نهاية هذا المقطع كما سيتبين إن شاء الله.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه ممن سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار).
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفتح:٨ - ٩]].
بين الشيخ فيما سبق أن حقيقة التوسل تكون أولاً بحب الله تعالى وحب رسوله ﷺ ، ثم بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، ثم بالسعي إلى ما يرضي الله وما يرضي الرسول ﷺ .
أي أن من أنواع التوسل المشروعة: الحب ثم الرضا ثم الطاعة، ثم ذكر هنا أيضاً توقير الرسول ﷺ وتعزيره ونحو ذلك، وأن هذه هي حقيقة التوسل الذي ينبغي أن يسعى إليه المسلم، وأن هذه الأنواع من التوسل الشرعي تغني الإنسان عن أن يتطلع إلى توسلات أخرى مبتدعة وليست مما يحبه الله ولا يرضاه، وأن ما شرعه الله من التوسل الشرعي الصحيح الذي أنواعه كثيرة هو القدر الكافي الذي لا يحتاج البشر بعده إلى أن يلجئوا إلى خلق الله من دونه سبحانه، ليميز لنا في هذه المقامات بين التوسل الشرعي والتوسلات البدعية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالإيمان بالله والرسول، والتعزير والتوقير للرسول، وتعزيره نصره ومنعه، والتسبيح بكرة وأصيلاً لله وحده، فإن ذلك من العبادة لله.
والعبادة هي لله وحده: فلا يصلى إلا لله، ولا يصام إلا لله، ولا يحج إلا إلى بيت الله، ولا تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة؛ لكون هذه المساجد بناها أنبياء الله بإذن الله، ولا ينذر إلا لله، ولا يحلف إلا بالله، ولا يدعى إلا الله، ولا يستغاث إلا بالله.
وأما ما خلقه الله سبحانه من الحيوان والنبات والمطر والسحاب وسائر المخلوقات، فلم يجعل غيره من العباد واسطة في ذلك الخلق، كما جعل الرسل واسطة في التبليغ، بل يخلق ما يشاء بما يشاء من الأسباب، وليس في المخلوقات شيء يستقل بإبداع شيء، بل لا بد للسبب من أسباب أخر تعاونه، ولا بد من دفع المعارض عنه، وذلك لا يقدر عليه إلا الله وحده، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، بخلاف الرسالة، فإن الرسول وحده كان واسطة في تبليغ رسالته إلى عباده].
يقصد الشيخ الفرق بين كون الرسل وسائط في تبليغ الرسالة، وبين كونهم وسائط في العبادة، فكونهم واسطة في تبليغ الرسالة هذا عين الحق؛ لأن الله أرسلهم وبعثهم ليبينوا التوحيد ويشرعوا الشرائع، وجعلهم هم الوسيلة للتبليغ، يعني: الواسطة؛ فهذه وسيلة، لكن ليس للإنسان أن يتعبد بها، يعني: أن يجعلهم وسيلة في العبادة.
نعم، الأنبياء هم الذين بعثهم الله بالحق، وطاعتهم من عبادة الله ، فهم واسطة في التبليغ، لكنهم ليسوا وسائط في العبادة، فإنه لا يجوز أن يعبد إلا الله وحده، ولم يجعل الله بينه وبين خلقه وسيطاً في العبادة، لا الأنبياء ولا الملائكة ولا من دونهم.
وهذا التفريق تفريق شرعي وعقلي، فكون الأنبياء وسائط في التبليغ لا يعني ذلك اتخاذهم وسائط في العبادة؛ لأن مما بلغوه عن الله تحريم أن تتخذ المخلوقات وسائط، وأمر ألا ندعو غيره، وألا نعبد غيره، ولا نتوكل إلا عليه، ولا نصرف أي نوع من العبادة إلا له ، والرسل ليس عليهم إلا البلاغ، نحبهم ونوقرهم ونتبع ما جاءوا به، ونعلم أن ما جاءوا به هو الحق، ونصدقهم بما شرعه الله على ألسنتهم، وما عدا ذلك فليس بمشروع.
стр. 309
الرسل وسائط في الأمر والنهي والوعد والوعيد وليسوا أرباباً أو شركاء
قال رحمه الله تعالى: [وأما جعل الهدى في قلوب العباد فهو إلى الله تعالى لا إلى الرسول، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل:٣٧].
وكذلك دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، واستغفارهم وشفاعتهم هو سبب ينفع إذا جعل الله تعالى المحل قابلاً له، وإلا فلو استغفر النبي للكفار والمنافقين لم يغفر لهم، قال الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون:٦].
وأما الرسل فقد تبين أنهم هم الوسائط بيننا وبين الله في أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وخبره؛ فعلينا أن نصدقهم في كل ما أخبروا به، ونطيعهم فيما أوجبوا وأمروا، وعلينا أن نصدق بجميع أنبياء الله ، لا نفرق بين أحد منهم، ومن سب واحداً منهم كان كافراً مرتداً مباح الدم.
وإذا تكلمنا فيما يستحقه الله ﵎ من التوحيد؛ بيَّنَّا أن الأنبياء وغيرهم من المخلوقين لا يستحقون ما يستحقه الله ﵎ من خصائص، فلا يشرك بهم ولا يتوكل عليهم، ولا يستغاث بهم كما يستغاث بالله، ولا يقسم على الله بهم، ولا يتوسل بذواتهم، وإنما يتوسل بالإيمان بهم وبمحبتهم وطاعتهم، وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم، ومعاداة من عاداهم، وطاعتهم فيما أمروا، وتصديقهم فيما أخبروا، وتحليل ما حللوه، وتحريم ما حرموه].
في هذه السطور الثلاثة لخَّص الشيخ ما سبق تلخيصاً رائعاً جداً، وأعطى خلاصة ما سبق بعبارات جامعة وهي وصف حقيقة التوسل الشرعي، وقال: إنما يتوسل بالإيمان بهم أولاً، ومحبتهم وطاعتهم وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم ومعاداة من عاداهم، وطاعتهم فيما أمروا به، وتصديقهم إلى آخر ما قال.
هذه خلاصة وصف التوسل الشرعي بأنواعه التي سيذكرها فيما بعد من وجه آخر.
والشيخ فصَّل ليحكم المسألة ويسدُّ باب الشبهات والاعتراضات التي قال بها أهل الأهواء الذين يعملون أو يقولون بالتفسيرات البدعية.
стр. 310
أنواع التوسل المشروع
قال رحمه الله تعالى: [والتوسل بذلك على وجهين].
المقصود بـ (ذلك) هذه الأعمال: الإيمان والمحبة والطاعة والموالاة وتصديق الرسول ﷺ واتباعه وتوقيره إلى آخر هذه الأمور الإيمانية، فالتوسل بها على وجهين قال رحمه الله تعالى: [أحدهما: أن يتوسل بذلك إلى إجابة الدعاء وإعطاء
السؤال
كحديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار، فإنهم توسلوا بأعمالهم الصالحة ليجيب دعاءهم ويفرج كربتهم، وقد تقدم بيان ذلك.
والثاني: التوسل بذلك إلى حصول ثواب الله وجنته ورضوانه].
الوجهان متقاربان، لكن الأول غالباً تطلب به المنافع العاجلة.
والنوع الثاني: هو التوسل بالأعمال الصالحة بطلب الثواب لها من الله ، أي: حصول الثواب وحصول المصلحة الآجلة من تحصيل السعادة والجنة في الآخرة، ورضوان الله قبل ذلك كله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والثاني: التوسل بذلك إلى حصول ثواب الله وجنته ورضوانه، فإن الأعمال الصالحة التي أمر بها الرسول ﷺ هي الوسيلة التامة إلى سعادة الدنيا والآخرة.
ومثل هذا كقول المؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣]، فإنهم قدموا ذكر الإيمان قبل الدعاء.
ومثل ذلك ما حكاه الله سبحانه عن المؤمنين في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١٠٩]، وأمثال ذلك كثير.
وكذلك التوسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته، فإنه يكون على وجهين].
الوجهان اللذان سيذكر فيهما الشيخ أنواع التوسل بدعاء النبي ﷺ هما مثل الوجهين السابقين: توسل لتحقيق مصلحة عاجلة، أو توسل لطلب مصلحة آجلة، كذلك التوسل بدعاء النبي ﷺ قد يطلب به مصلحة عاجلة، أو مصلحة آجلة، المصلحة العاجلة تحصيل المنافع في الدنيا، ودفع المضار، والمصلحة الآجلة تكون بالشفاعة ونحو ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أحدهما: أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيدعو ويشفع، كما كان يطلب منه في حياته، وكما يطلب منه يوم القيامة، حين يأتون آدم ونوحاً ثم الخليل ثم موسى الكليم ثم عيسى، ثم يأتون محمداً ﷺ وعليهم فيطلبون منه الشفاعة.
والوجه الثاني: أن يكون التوسل مع ذلك بأن يسأل الله تعالى بشفاعته ودعائه، كما في حديث الأعمى المتقدم بيانه وذكره، فإنه طلب منه الدعاء والشفاعة، فدعا له الرسول وشفع فيه، وأمره أن يدعو الله فيقول: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك به، اللهم فشفعه في، فأمره أن يسأل الله تعالى قبول شفاعته، بخلاف من يتوسل بدعاء الرسول وشفاعة الرسول، والرسول لم يدع له ولم يشفع فيه، فهذا توسل بما لم يوجد، وإنما يتوسل بدعائه وشفاعته من دعا له وشفع فيه].
يظهر أن الوجهين فيهما اختلاف عن الوجهين السابقين، الوجهين هنا فيما يتعلق بشفاعة النبي ﷺ ، ذكر الشيخ أن الوجه الأول هو طلب الدعاء من النبي ﷺ مباشرة بأن يدعو بمنفعة عاجلة أو آجلة، بمعنى أن من الشفاعة المشروعة في حق النبي ﷺ أن يطلب منه الدعاء وهو حي، سواء حياته في الدنيا أو في الآخرة كما سيأتي.
فهذا طلب منه أن يشفع على طريقة شرعية يأذن الله له بها.
أما النوع الثاني فهو: أن يطلب المستشفع من الله أن يقبل شفاعة النبي ﷺ فيه حينما يدعو له، وهذه الصورة فيها نوع غموض وتعقيد، والغموض فيها هو الذي جعل كثيراً من أهل الأهواء يلتبس عليهم الأمر، ويستدلون بحديث الأعمى على الشفاعة الممنوعة.
هذه الصورة قد تحدث مفصلة وقد تحدث مختصرة، فهذه هي الصورة التي أشكلت على كثير من أهل الأهواء ولم يفقهوها، ولا تعرف جيداً إلا من خلاصة الجمع بين روايات الحديث؛ هذا من ناحية.
ومن خلال تطبيق أو عمل الصحابة بهذه الشفاعة فيما بعد؛ لأن الصحابة ﵃ لما مات النبي ﷺ انقطع عملهم بهذه الوسيلة؛ لأنهم يعرفون أنه لا يمكن عملها إلا في حياة النبي ﷺ ، وأن الوجه الذي تمت به لا يمكن الخروج عن حدوده الشرعية؛ لأن الخروج عن حدوده الشرعية ربما يؤدي إلى التوسل البدعي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن هذا الباب قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقت الاستسقاء كما تقدم، فإن عمر والمسلمين توسلوا بدعاء العباس، وسألوا الله تعالى مع دعاء العباس، فإنهم استشفعوا جميعاً، ولم يكن العباس وحده هو الذي دعا لهم؛ فصار التوسل بطاعته والتوسل بشفاعته كل منهما يكون مع دعاء المتوسل وسؤاله، ولا يكون بدون ذلك؛ فهذه أربعة أنواع كلها مشروع
стр. 311
فتوى ابن تيمية ﵀ في التوسل وهو بمصر
قال رحمه الله تعالى: [وكنت وأنا بالديار المصرية في سنة إحدى عشرة وسبعمائة قد استُفتيت عن التوسل بالنبي ﷺ ، فكتبت في ذلك جواباً مبسوطاً، وقد أحببت إيراده هنا؛ لما في ذلك من مزيد الفائدة، فإن هذه القواعد -المتعلقة بتقرير التوحيد، وحسم مادة الشرك والغلو- كلما تنوع بيانها، ووضحت عبارتها؛ كان ذلك نوراً على نور، والله المستعان.
وصورة
السؤال
المسئول من السادة العلماء أئمة الدين، أن يبينوا ما يجوز وما لا يجوز من الاستشفاع والتوسل بالأنبياء والصالحين].
стр. 312
شفاعة النبي ﷺ وعظم قدره
قال رحمه الله تعالى: [وصورة
الجواب
الحمد لله رب العالمين.
أجمع المسلمون أن النبي ﷺ يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك، وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة.
ثم إن أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، واستفاضت به السنن، من أنه ﷺ يشفع لأهل الكبائر من أمته، ويشفع أيضاً لعموم الخلق.
فله ﷺ شفاعات يختص بها لا يشركه فيها أحد، وشفاعات يشركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين، لكن ما له فيها أفضل مما لغيره، فإنه ﷺ أفضل الخلق وأكرمهم على ربه ، وله من الفضائل التي ميزه الله بها على سائر النبيين ما يضيق هذا الموضع عن بسطه: من ذلك: المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون.
وأحاديث الشفاعة كثيرة متواترة، منها في الصحيحين أحاديث متعددة، وفي السنن والمسانيد مما يكثر عدده.
وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، فزعموا أن الشفاعة إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع الدرجات، وبعضهم أنكر الشفاعة مطلقاً].
العبارة كأن فيها بعض اللبس، أعني قوله: (فزعموا أن الشفاعة إنما هي للمؤمنين خاصة)، وهي فعلاً إنما هي للمؤمنين، أما الكفار فلا تنفعهم شفاعة الشافعين، لكن الشيخ قصد أنهم حصروا الشفاعة للمؤمنين في رفع الدرجات، وفي غير مسألة الشفاعة لأهل الكبائر، أو الشفاعة لخروج عصاة المؤمنين من النار، فهو هنا يقصد أنهم لم يعترفوا بجميع شفاعات المؤمنين، أما حصر الشفاعة في المؤمنين فلا شك أن هذا حق، لكن كونهم ضيقوا نطاق الشفاعة حتى لم يقروا إلا بالشفاعات التي هي أقل في دلالاتها في النصوص، وأنكروا الشفاعات المتواترة، مثل شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته، فإنهم بذلك خالفوا السنة، وأنكروا الشفاعة التي هي المقصودة عند الإطلاق، بعد المقام المحمود، وهي الشفاعة لأهل الكبائر، وقد تواترت بذلك النصوص.
стр. 313
توسل الصحابة برسول الله ﷺ في حياته
قال رحمه الله تعالى: [وأجمع أهل العلم على أن الصحابة كانوا يستشفعون به ويتوسلون به في حياته بحضرته، كما ثبت في صحيح البخاري عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بـ العباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا؛ فيسقون.
وفي البخاري أيضاً عن ابن عمر أنه قال: ربما ذكرت قول الشاعر -وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ يستسقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل] طبعاً يقصد بقوله: (ثمال اليتامى): أي مغيث اليتامى، وعصمة، أي: كافل.
قال رحمه الله تعالى: [والتوسل بالنبي ﷺ الذي ذكره عمر بن الخطاب قد جاء مفسراً في سائر أحاديث الاستسقاء، وهو من جنس الاستشفاع به، وهو أن يطلب منه الدعاء والشفاعة، ويطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته، ونحن نقدمه بين أيدينا شافعاً وسائلاً لنا بأبي هو وأمي ﷺ .
وكذلك معاوية بن أبي سفيان -لما أجدب الناس بالشام- استسقى بـ يزيد بن الأسود الجرشي فقال: اللهم إنا نستشفع ونتوسل بخيارنا، يا يزيد! ارفع يديك، فرفع يديه ودعا، ودعا الناس حتى سقوا.
ولهذا قال العلماء: يستحب أن يستسقى بأهل الدين والصلاح، وإذا كانوا من أهل بيت رسول الله ﷺ فهو أحسن.
وهذا الاستشفاع والتوسل حقيقته التوسل بدعائه، فإنه كان يدعو للمتوسل به المستشفع به والناس يدعون معه، كما أن المسلمين لما أجدبوا على عهد النبي ﷺ دخل عليه أعرابي، فقال: (يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع النبي ﷺ يديه وقال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، وما في السماء قزعة؛ فنشأت سحابة من جهة البحر، فمطروا أسبوعاً لا يرون فيه الشمس، حتى دخل عليهم الأعرابي -أو غيره- فقال: يا رسول الله! انقطعت السبل، وتهدم البنيان؛ فادع الله يكشفها عنا، فرفع يديه وقال: اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب ومنابت الشجر وبطون الأودية، فانجابت عن المدينة كما ينجاب الثوب)، والحديث مشهور في الصحيحين وغيرهما].
стр. 314
معنى حديث: (نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك)
قال رحمه الله تعالى: [وفي حديث آخر في سنن أبي داود وغيره: (أن رجلاً قال له: إنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك؛ فسبح رسول الله ﷺ حتى رئي ذلك في وجوه أصحابه، وقال: ويحك! أتدري ما الله؟ إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك).
وهذا يبين أن معنى الاستشفاع بالشخص في كلام النبي ﷺ وأصحابه هو استشفاع بدعائه وشفاعته، ليس هو السؤال بذاته، فإنه لو كان هذا السؤال بذاته لكان سؤال الخلق بالله تعالى أولى من سؤال الله بالخلق، ولكن لما كان معناه هو الأول، أنكر النبي ﷺ قوله: نستشفع بالله عليك، ولم ينكر قوله: نستشفع بك على الله؛ لأن الشفيع يسأل المشفوع إليه أن يقضي حاجة الطالب، والله تعالى لا يسأل أحداً من عباده أن يقضي حوائج خلقه.
وإن كان بعض الشعراء ذكر استشفاعه بالله تعالى في مثل قوله: شفيعي إليك الله لا رب غيره وليس إلى رد الشفيع سبيل فهذا كلام منكر لم يتكلم به عالم.
وكذلك بعض الاتحادية ذكر أنه استشفع بالله سبحانه إلى النبي ﷺ وكلاهما خطأ وضلال، بل هو سبحانه المسئول المدعو الذي يسأله كل من في السماوات والأرض، ولكن هو ﵎ يأمر عباده فيطيعونه، وكل من وجبت طاعته من المخلوقين؛ فإنما وجبت لأن ذلك طاعة لله تعالى، فالرسل يبلغون عن الله أمره، فمن أطاعهم فقد أطاع الله، ومن بايعهم فقد بايع الله، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠].
وأولو الأمر من أهل العلم وأهل الإمارة إنما تجب طاعتهم إذا أمروا بطاعة الله ورسوله، قال ﷺ في الحديث الصحيح: (على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه، ما لم يؤمر بمعصية الله، فإذا أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة)، وقال ﷺ : (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).
وأما الشافع فسائل لا تجب طاعته في الشفاعة وإن كان عظيماً، وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ : (سأل بريرة أن تمسك زوجها ولا تفارقه لما أعتقت، وخيرها النبي ﷺ فاختارت فراقه، وكان زوجها يحبها فجعل يبكي، فسألها النبي ﷺ أن تمسكه، فقالت: أتأمرني؟ فقال: لا، إنما أنا شافع).
وإنما قالت: (أتأمرني؟) وقال: (إنما أنا شافع)؛ لما استقر عند المسلمين أن طاعة أمره واجبة بخلاف شفاعته، فإنه لا يجب قبول شفاعته، ولهذا لم يلمها النبي ﷺ على ترك قبول شفاعته، فشفاعة غيره من الخلق أولى ألا يجب قبولها.
والخالق ﷻ أمره أعلى وأجل من أن يكون شافعاً إلى مخلوق، بل هو سبحانه أعلى شأناً من أن يشفع أحد عنده إلا بإذنه، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٩]].
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 315
الأسئلة
стр. 316
حكم التوسل بجاه رسول الله ﷺ
السؤال
هل يكفر من يتوسل إلى الله بجاه الرسول ﷺ ؟
الجواب
نظراً لأن التوسل بالجاه من الأمور المحتملة لعدة مقاصد، فالظاهر أنه يدخل في البدع المغلظة وكبائر الذنوب، وقد يكون فيه بعض الصور الكفرية، لكن هذا راجع إلى اعتقاد المتوسل، وإلى أسلوب التوسل بالجاه، إن كان التوسل بالجاه يؤدي إلى دعاء الرسول ﷺ من دون الله؛ فهذا شرك وكفر، وإن كان لمجرد التبرك بجاه النبي ﷺ فهو بدعة قد لا تصل إلى الكفر.
والله أعلم.
стр. 317
حكم سؤال الرجل لغيره بحرمة الإسلام
السؤال
ما حكم قول الرجل لآخر: أسألك بحرمة الإسلام أن تعمل كذا وكذا؟
الجواب
هذه كلمة مجملة، فيقال: ما المقصود بالسؤال بحرمة الإسلام؟ فإن كان المقصود مجرد اليمين فهذا لا يجوز؛ لأنه من الحلف بغير الله ، وإن كان المقصود به أن يجعل حرمة الإسلام وسيلة لتنفيذ شيء من الأشياء، فهذا مما ليس له أصل، لكن يرجع أيضاً إلى المقصد.
ومع ذلك فإن الأصل في سؤال الآخرين بمثل هذه الصيغة عدم المشروعية، فإذا سألت أحداً فلا تسأله بشيء غير بين، ولا يجوز الحلف إلا بالله.
وإن قصد به مجرد العزم على الشخص بحرمة الإسلام، وكأنه يقول: بحق هذا الإسلام أن تعمل كذا وكذا، فهذه العبارة قد يكون لها وجه من الصحة، لكنه بعيد، واحتمالات الوجوه الممنوعة أقرب إلى أذان الناس؛ لأن الغالب أن الناس يتعلقون في مثل هذه الأمور بالجانب الممنوع أكثر مما يتعلقون بالجانب المشروع لكثرة البدع المشابهة، وتعلق أهل البدع بمثل هذه الألفاظ.
أقول: لولا أن هذه اللفظة محتملة ويشكل ظاهرها لوجدنا لها من المعاني ما هو صحيح، لكن مادام هناك احتمال وفي ظاهرها إشكال، وأنها قد يقصد بها الإقسام، وقد يقصد بها طلب حق ليس للإنسان، فإن الأولى اجتنابها فيما يظهر لي.
والله أعلم.
стр. 318
حكم الحقوق الملكية للأشرطة
السؤال
ما حكم نسخ الأشرطة سواء المسموعة أو المرئية، وسواء كان النسخ لغرض تجاري أو شخصي أو دعوي، كان شريط قديم؟
الجواب
كأن السائل يقصد الأشرطة التي يحجر مالكوها النسخ منها كبعض أصحاب التسجيلات حيث يقولون: لا يسمح لأحد أن ينسخ هذا الشريط.
أقول: إن النسخ لأجل نشر العلم، ومن أجل الاستفادة والإفادة، ومن أجل الدعوة لا حرج فيه شرعاً، لكن إذا كان من أجل البيع فهذه مسألة تحتاج إلى نقاش، وأنا ليس لي فيها رأي، لكن ينبغي عرضها على المشايخ.
فالذين يحجرون على الأشرطة يحجرون حجراً تجارياً، لكن التوزيع الخيري لا يستطيعون الحجر عليه ولا يجوز لهم ذلك، وكذلك الإفادة الشخصية.
والحجر التجاري سببه أن يتعب صاحب تسجيلات على شريط معين، ويتكلف في تسجيله وإخراجه، ولذلك يكون له حق نشر هذا الشريط، فهذه مسألة أظن فيها بعض الحق، لكن ليس عندي فيها تفصيل، لا في إباحتها ولا في تحريمها، فيحسن أن تعرض على المشايخ، وأظنها عرضت والفتاوى فيها متفاوتة، لكن في الآونة الأخيرة صار هناك ضوابط نظامية في وزارة الإعلام لحفظ الحقوق، يمكن أن تكون هذه الضوابط مبنية على أصول شرعية، فينظر فيها، وأيضاً تعرض على العلماء؛ لأن هذا الموضوع كثر فيه الحرج، وكثر فيها دعوى التضرر أيضاً من أصحاب التسجيلات.
ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 319
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٣٠]
مذهب جماهير أهل العلم أن النبي ﷺ يشفع في أهل الكبائر من أمته، وأنه لا يخلد من أهل الإيمان في النار أحد، وهذا كله يوم القيامة جائز ومشروع، كما أنه يجوز أن يتوسل به في حياته، أما في مغيبه أو الإقسام بذاته أو بغيره من الأنبياء أو السؤال بذواتهم لا بنفس سؤالهم فهذا ليس مشهوراً عن الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان.
стр. 320
الاستشفاع بالرسول ﷺ إلى الله
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: [ودل الحديث المتقدم على أن الرسول ﷺ يستشفع به إلى الله ، أي: يطلب منه أن يسأل ربه الشفاعة في الدنيا والآخرة، فأما في الآخرة فيطلب منه الخلق الشفاعة في أن يقضي الله بينهم، وفي أن يدخلوا الجنة، ويشفع في أهل الكبائر من أمته، ويشفع في بعض من يستحق النار ألا يدخلها، ويشفع في بعض من دخلها أن يخرج منها].
وينبغي التنبه إلى ما قرره الشيخ من أن كون النبي ﷺ سيشفع يوم القيامة شفاعات خاصة وعامة، لا يعني ذلك جواز أن تطلب منه الشفاعة في الآخرة من قبل الأحياء في الدنيا بعد وفاته ﷺ ؛ لأنه بعد وفاته ﷺ لم يعد يدعى ولا يطلب منه، إنما يكون باب الشفاعة مفتوحاً في الآخرة، أما في الدنيا بعد وفاة النبي ﷺ ، فلا يمكن لأحد أن يطلب من النبي ﷺ شيئاً من هذه الشفاعات المثبتة في الآخرة.
إنما يقصد الشيخ أن الشفاعة ثابتة للنبي ﷺ يوم القيامة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا نزاع بين جماهير الأئمة أنه يجوز أن يشفع لأهل الطاعة المستحقين للثواب، ولكن كثيراً من أهل البدع والخوارج والمعتزلة أنكروا شفاعته لأهل الكبائر، فقالوا: لا يشفع لأهل الكبائر، بناء على أن أهل الكبائر عندهم لا يغفر الله لهم ولا يخرجهم من النار بعد أن يدخلوها لا بشفاعة ولا غيرها].
وذلك أنهم أخذوا بنصوص الوعيد، وتركوا نصوص الوعد، وهذا من تلبيس الشيطان عليهم، ومن تلبيسهم على الناس، وهو دليل جهلهم وأنهم خالفوا منهج السلف في الاستدلال، والمخالفة في الاستدلال هي أكبر الأسباب لخروج أهل الأهواء عن منهج السنة والجماعة، خاصة الأوائل؛ فالخوارج والرافضة والقدرية الأوائل أول ما أُتوا من الخلل في منهج الاستدلال فأخذوا نصوصاً من الكتاب والسنة ففسروها على غير وجهها، ولم يردوا النصوص إلى بعضها.
следующие страницы →