Полный текст (413 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
شذوذ حديث: (خلق الله التربة يوم السبت)
السؤال
هل يقال: إنه شاذ؟
الجواب
نعم، لأن النصوص متواترة على أن خلق السماوات في ستة أيام تبدأ بالأحد كما ورد في نصوص أخرى، فالأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة والتي هي آخر الخلق خلق الله بها آدم، يبقى السبت لم يدخل في أيام الخلق، فيكون في الحديث شذوذ من عدة اعتبارات، وإن كان بعض أهل العلم وجهه بتوجيه متكلّف؛ لكن الشذوذ في متن الحديث ظاهر.
стр. 247
الإجماع مصدر من مصادر العقيدة
السؤال
ذكرت أن مصادر العقيدة هي الكتاب والسنة والإجماع، فكيف يكون الإجماع مصدراً للعقيدة؟
الجواب
سبق الكلام عن هذا، وهو أن الإجماع المقصود به الإجماع المعتبر، وهو إجماع الصحابة في وقتهم قبل الافتراق، ثم اجتماع أهل الحق بعد الافتراق، والإجماع مبناه الكتاب والسنة، بمعنى أنه ليس هناك إجماع إلا مبني على نص أو عدة نصوص.
стр. 248
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٢٥]
طالما يستدل أهل الأهواء والبدع بحديث الأعمى على جواز التوسل البدعي، وليس لهم فيه مستمسك، فإنه طلب أمراً مشروعاً من شخص حي حاضر، والنبي ﷺ أمره بأمور شرعية ليس فيها ألغاز ولا غموض كما هي طريقة أهل البدع في التوسلات وغيرها، والسلف في القرون الثلاثة كانوا على منهج واحد لم يختلفوا في التوسل، ولكن في العصور المتأخرة كثرت الروايات الضعيفة، وأدخل في الدين ما ليس منه، وكثر المتطفلون وذوو المآرب من أهل الأهواء وغيرهم، حتى أحدثوا في العقائد ما ليس منها.
стр. 249
الكلام على حديث موسى بن عبد الرحمن في التوسل
لا يزال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يتكلم عن مسألة استدلال السلف بالضعيف، وقد ذكر أن السلف ﵏ لم يستدلوا في تقرير الدين بالأحاديث الضعيفة، وأنهم إنما يأتون بالأحاديث الضعيفة للاعتضاد لا الاعتماد وذلك بشرط ألا تصل إلى حد الوضع والكذب.
وذكر أن عندهم في حشد النصوص والآثار مناهج: منهج يعتمدون فيه جمع النصوص بصرف النظر عن تمحيص الصحيح من غير الصحيح، ويتركون العهدة على الرواة، ويتركون الأسانيد لطلاب العلم ليمحّصوا الصحيح من غير الصحيح، وهذا كثير في كتب السنن والمصنفات.
وهناك كتب جاءت لتقديم الأحاديث الصحيحة واعتمدت ذلك مثل الكتب الصحيحة، هناك كتب اعتمدت على ما يرى أصحابها أنه يصح عن الرسول ﷺ ولو بطرق حسنة أو ضعيفة، لكنهم لا يدرجون في كتبهم ما يسمى بالموضوع أو المكذوب، وقد يكون بعض الأحاديث موضوعاً عند شخص وليس بموضوع عند آخر، ويفرّقون بين الجمع والاستدلال، فإنهم إذا استدلوا لا يستدلون إلا بالصحيح، أما إذا جمعوا فإنهم يجمعون ما يرد لهم من الأسانيد، وقد لا يستبعد الواحد منهم إلا ما ثبت عنده أنه موضوع وكذب على النبي ﷺ ، أما ما عدا هذا -فكما ذكرت- أن هناك طوائف من السلف يجمعون الآثار ويتركون تمحيص الصحيح من غير الصحيح لمن يأتي بعدهم، أو لمن يشتغل بهذا الأمر.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ومن هذا الباب حديث ذكره موسى بن عبد الرحمن الصنعاني صاحب التفسير بإسناده عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً أنه قال: (من سره أن يوعيه الله حفظ القرآن وحفظ أصناف العلم، فليكتب هذا الدعاء في إناء نظيف، أو في صحف قوارير بعسل وزعفران وماء مطر، وليشربه على الريق، وليصم ثلاثة أيام، وليكن إفطاره عليه، ويدعو به في أدبار صلواته: اللهم إني أسألك بأنك مسئول لم يسأل مثلك ولا يسأل، وأسألك بحق محمد نبيك، وإبراهيم خليلك، وموسى نجيك، وعيسى روحك وكلمتك ووجيهك) وذكر تمام الدعاء.
وموسى بن عبد الرحمن هذا من الكذابين.
قال أبو أحمد بن عدي فيه: منكر الحديث.
وقال أبو حاتم بن حبان: دجال يضع الحديث، وضع على ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس كتاباً في التفسير جمعه من كلام الكلبي ومقاتل.
ويروى نحو هذا دون الصوم عن ابن مسعود من طريق موسى بن إبراهيم المروزي حدثنا وكيع عن عبيدة عن شقيق عن ابن مسعود.
وموسى بن إبراهيم هذا قال فيه يحيى بن معين: كذاب.
وقال الدارقطني: متروك.
وقال ابن حبان: كان مغفلاً يلقن فيتلقن فاستحق الترك.
ويروى هذا عن عمر بن عبد العزيز عن مجاهد بن جبر عن ابن مسعود بطريق أضعف من الأول.
ورواه أبو الشيخ الأصبهاني من حديث أحمد بن إسحاق الجوهري: حدثنا أبو الأشعث، حدثنا زهير بن العلاء العتبي حدثنا يوسف بن يزيد عن الزهري، ورفع الحديث قال: (من سره أن يحفظ فليصم سبعة أيام، وليكن إفطاره في آخر هذه الأيام السبعة على هؤلاء الكلمات).
قلت: وهذه أسانيد مظلمة لا يثبت بها شيء].
مع ضعف الأسانيد يلاحظ أيضاً نكارة المتون، ففي المتون معان ومطالبات ومتطلبات لا تستاغ، وليس عليها نور النبوة ولا الحكمة أيضاً، فليست من جنس كلام النبي ﷺ ، بل ولا من جنس كلام الصحابة؛ لأن فيها خلطاً بين التكهنات والتخرصات، وبين تعليق الأمور على ما لا تعلق به الأمور مثل الاتكال على غير الله فهذه المعاني يدرك بعدها ونشازها بمجرد النظر العقلي، فضلاً عن أن تكون من الحكم أو من المعاني التي يؤبه بها.
стр. 250
بيان أن رواية بعض المصنفين للحديث الضعيف لا يعني الاحتجاج به
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد رواه أبو موسى المديني في أماليه، وأبو عبد الله المقدسي، على عادة أمثالهم في رواية ما يروى في الباب، سواء كان صحيحاً أو ضعيفاً، كما اعتاده أكثر المتأخرين من المحدثين، أنهم يروون ما روي به الفضائل، ويجعلون العهدة في ذلك على الناقل، كما هي عادة المصنفين في فضائل الأوقات والأمكنة والأشخاص والعبادات.
كما يرويه أبو الشيخ الأصبهاني في فضائل الأعمال وغيره، حيث يجمع أحاديث كثيرة لكثرة روايته، وفيها أحاديث كثيرة قوية صحيحة وحسنة، وأحاديث كثيرة ضعيفة وموضوعة وواهية.
وكذلك ما يرويه خيثمة بن سليمان في فضائل الصحابة، وما يرويه أبو نعيم الأصبهاني في فضائل الخلفاء في كتاب مفرد، وفي أول حلية الأولياء.
وما يرويه أبو الليث السمرقندي وعبد العزيز الكناني وأبو علي بن البناء وأمثالهم من الشيوخ، وما يرويه أبو بكر الخطيب وأبو الفضل بن ناصر وأبو موسى المديني وأبو القاسم بن عساكر والحافظ عبد الغني وأمثالهم ممن له معرفة بالحديث، فإنهم كثيراً ما يروون في تصانيفهم ما روي مطلقاً على عادتهم الجارية؛ ليعرف ما روي في ذلك الباب لا ليحتج بكل ما روي، وقد يتكلم أحدهم على الحديث ويقول: غريب، ومنكر، وضعيف.
وقد لا يتكلم].
وهؤلاء الذين كتبوا على المنهج الأول الذي ذكرته -أعني مجرد الجمع- ليس عندهم اهتمام بتمحيص الروايات ودراسة أسانيدها وتبيين الصحيح من الضعيف، وإن بيّنوا فليس ذلك هو الغالب، نعم قد يقول أحدهم عند حديث من الأحاديث: هذا صحيح أو هذا ضعيف أو شاذ أو منكر لكن لا يلتزم هذه القاعدة، فهم إذاً ليس عندهم إلا مجرد الجمع، وليس كل ما جمعوه يعتبر عندهم صحيحاً ولا حجة، ولا يلزم أن يكونوا أقروه، بمعنى أنهم يروون ويتركون العهدة على الرواة، بل إن عمل كثير من هؤلاء الأئمة والمحدثين على غير مقتضى ما رووه في كثير من الأمور التي فيها شيء من البدع أو فيها شيء من المخالفات للسنة، فإنهم يلتزمون السنة، هذا بالنسبة لأعمالهم وعباداتهم، لكن فيما يروونه لا يقصدون به إلا الحشد والجمع، بخلاف الصنف الثاني الذين سيذكرهم الشيخ، وهم الذين يروون من الحديث ما يرون الاحتجاج به.
стр. 251
الأئمة الذين يروون الحديث لبناء الأحكام عليه
قال رحمه الله تعالى: [وهذا بخلاف أئمة الحديث الذين يحتجون به ويبنون عليه دينهم، مثل مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي داود، ومحمد بن نصر المروزي، وابن خزيمة، وابن المنذر، وداود بن علي، ومحمد بن جرير الطبري، وغير هؤلاء، فإن هؤلاء الذين يبنون الأحكام على الأحاديث يحتاجون أن يجتهدوا في معرفة صحيحها وضعيفها وتمييز رجالها.
وكذلك الذين تكلموا في الحديث والرجال ليميزوا بين هذا وهذا لأجل معرفة الحديث كما يفعل أبو أحمد بن عدي، وأبو حاتم البستي، وأبو الحسن الدارقطني وأبو بكر الإسماعيلي، وكما قد يفعل ذلك أبو بكر البيهقي، وأبو إسماعيل الأنصاري، وأبو القاسم الزنجاني، وأبو عمر بن عبد البر، وأبو محمد بن حزم وأمثال هؤلاء، فإن بسط هذه الأمور له موضع آخر.
ولم يذكر من لا يروي بإسناد مثل كتاب وسيلة المتعبدين لـ عمر الملا الموصلي، وكتاب الفردوس لـ شهريار الديلمي، وأمثال ذلك فإن هؤلاء دون هؤلاء الطبقات، وفيما يذكرونه من الأكاذيب أمر كبير.
والمقصود هنا، أنه ليس في هذا الباب].
يقصد باب التوسل البدعي.
قال رحمه الله تعالى: [والمقصود هنا، أنه ليس في هذا الباب حديث واحد مرفوع إلى النبي ﷺ يُعتمد عليه في مسألة شرعية باتفاق أهل المعرفة بحديثه، بل المروي في ذلك إنما يعرف أهل المعرفة بالحديث أنه من الموضوعات إما تعمداً من واضعه، وإما غلطاً منه].
هذه في الحقيقة خلاصة كافية، والشيخ سيكررها أيضاً وسيستدل تفصيلاً على أن التوسلات البدعية التي يتدرع بها أهل الأهواء والبدع قديماً وحديثاً ليس فيها حديث واحد مرفوع إلى النبي ﷺ يقوم دليلاً على ما قالوه، فضلاً عن أن يكون هناك حشد من الأدلة كما زعموا، كذلك فيما يتعلق بآثار السلف في التوسل البدعي يقول الشيخ: إن أكثرها ضعيفة، كما سيأتي في الفقرة التالية.
стр. 252
الكلام على ما روي عن السلف في التوسل بالمخلوقات
وأحب أن أنبه إلى أنه يقصد أن هناك أشياء أُثرت عن بعض السلف، لكنها إما أن تكون ضعيفة وهو الغالب، وإما أن تكون اجتهادات خاطئة مخالفة لما ثبت عن النبي ﷺ ، ومخالفة لما ثبت عن عموم الصحابة، ومخالفة لما اتفق عليه جمهور السلف، وهي مصدر فتنة لكثير من أهل الأهواء والبدع في مسألة التوسل البدعي، وسيأتي الشيخ لها بنماذج في المقطع القادم.
стр. 253
الكلام على اجتماع عبد الملك بن مروان وأبناء الزبير والتوسل بالنبي ﷺ
قال رحمه الله تعالى: [وفي الباب آثار عن السلف أكثرها ضعيفة: فمنها حديث الأربعة الذين اجتمعوا عند الكعبة وسألوا، وهم عبد الله ومصعب ابنا الزبير، وعبد الله بن عمر وعبد الملك بن مروان.
ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب مجابي الدعاء.
ورواه من طريق إسماعيل بن أبان الغنوي، عن سفيان الثوري، عن طارق بن عبد العزيز، عن الشعبي أنه قال: لقد رأيت عجباً! كنا بفناء الكعبة أنا، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ومصعب بن الزبير، وعبد الملك بن مروان، فقال القوم بعد أن فرغوا من حديثهم: ليقم كل رجل منكم، فليأخذ بالركن اليماني وليسأل الله حاجته، فإنه يعطى من سعة، ثم قالوا: قم يا عبد الله بن الزبير فإنك أول مولود في الإسلام بعد الهجرة، فقام فأخذ بالركن اليماني، ثم قال: اللهم إنك عظيم تُرجى لكل عظيم، أسألك بحرمة وجهك، وحرمة عرشك، وحرمة نبيك، ألا تميتني من الدنيا حتى توليني الحجاز، ويُسلَّم علي بالخلافة، ثم جاء فجلس.
ثم قام مصعب، فأخذ بالركن اليماني، ثم قال: اللهم إنك رب كل شيء، وإليك يصير كل شيء، أسألك بقدرتك على كل شيء، ألا تميتني من الدنيا حتى توليني العراق، وتزوجني بـ سكينة بنت الحسين.
ثم قام عبد الملك بن مروان، فأخذ بالركن اليماني، ثم قال: اللهم رب السموات السبع، ورب الأرض ذات النبت بعد القفر، أسألك بما سألك به عبادك المطيعون لأمرك، وأسألك بحقك على خلقك وبحق الطائفين حول عرشك إلى آخره قلت: وإسماعيل بن أبان الذي روى هذا عن سفيان الثوري كذاب.
قال أحمد بن حنبل: كتبت عنه، ثم حدث بأحاديث موضوعه فتركناه.
وقال يحيى بن معين: وضع حديثاً على السابع من ولد العباس يلبس الخضرة يعني المأمون.
وقال البخاري، ومسلم، وأبو زرعة، والدارقطني: متروك.
وقال الجوزجاني: ظهر منه على الكذب.
وقال أبو حاتم: كذاب.
وقال ابن حبان: يضع على الثقات.
وطارق بن عبد العزيز الذي ذكر أن الثوري روى عنه لا يُعرف من هو، قال: فإن طارق بن عبد العزيز المعروف الذي روى عنه ابن عجلان ليس من هذه الطبقة.
وقد خولف فيها، فرواها أبو نعيم عن الطبراني: حدثنا أحمد بن زيد بن الجريش، حدثنا أبو حاتم السجستاني، حدثنا الأصمعي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: اجتمع في الحجر مصعب وعروة وعبد الله أبناء الزبير، وعبد الله بن عمر فقالوا: تمنوا، فقال عبد الله بن الزبير أما أنا فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عني العلم، وقال مصعب: أما أنا فأتمنى إمرة العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين، وقال عبد الله بن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة.
قال: فنالوا كلهم ما تمنوا، ولعل ابن عمر قد غُفر له.
قلت: وهذا إسناد خير من ذاك الإسناد باتفاق أهل العلم، وليس فيه سؤال بالمخلوقات].
стр. 254
الكلام عن المنامات الواردة في التوسل بالمخلوقات ونحوها من الحكايات
قال رحمه الله تعالى: [وفي الباب حكايات عن بعض الناس، أنه رأى مناماً قيل له فيه: ادع بكذا وكذا، ومثل هذا لا يجوز أن يكون دليلاً باتفاق العلماء.
وقد ذكر بعض هذه الحكايات من جمع الأدعية.
وروي في ذلك أثر عن بعض السلف، مثل ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب مجابي الدعاء، قال: حدثنا أبو هاشم، سمعت كثير بن محمد بن كثير بن رفاعة يقول: جاء رجل إلى عبد الملك بن سعيد بن أبجر، فجس بطنه فقال: بك داء لا يبرأ، قال: ما هو؟ قال: الدبيلة، قال: فتحول الرجل فقال: الله الله، الله ربي، لا أشرك به شيئاً، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة ﷺ تسليماً، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي يرحمني مما بي، قال: فجس بطنه فقال: قد برئت ما بك علة.
قلت: فهذا الدعاء ونحوه قد روي أنه دعا به السلف، ونُقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروذي التوسل بالنبي ﷺ في الدعاء، ونهى عنه آخرون، فإن كان مقصود المتوسلين التوسل بالإيمان به وبمحبته وبموالاته وبطاعته، فلا نزاع بين الطائفتين، وإن كان مقصودهم التوسل بذاته فهو محل النزاع، وما تنازعوا فيه يرد إلى الله والرسول].
في هذا المقطع أشار الشيخ إلى بعض الأمور التي قد تشكل، منها قوله: (فهذا الدعاء ونحوه قد روي أنه دعا به السلف)، هذا أيضاً كلام مجمل لا ندري على أي وجه دعا به السلف، ثم إذا كان أُثر عن السلف وروي عنهم فما مدى صحة هذه الرواية، ثم إنه قد يلجأ بعض أهل العلم أو بعض السلف إلى شيء من هذا عن جهل أو خطأ.
كذلك قوله: (ونُقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروذي التوسل بالنبي ﷺ في الدعاء).
هذا كلام مجمل، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية فسّره بأحد أمرين، قال: (يحتمل أن يقصد به التوسل بالإيمان به، وبمحبته، وهذا حق)، وهذا هو الغالب، وهذا الذي يتماشى مع قواعد الشرع ومع ما كان عليه السلف من أنهم قد يتوسلون بالأمور الصالحة التي تتعلق بالنبي ﷺ كالتوسل بمحبته وطاعته واتباعه ونحو ذلك.
وإن كان المقصود الأمر الآخر، وهو التوسل البدعي، أي: التوسل بذاته، فهذا أيضاً كلام مجمل، فمن هم الذين توسلوا بذاته؟ هل هم الصحابة في أثناء حياته؟ فهذا أمر معلوم، هل هم بعض السلف بعد مماته؟ نعم نقل بعض آثار عن بعضهم أكثرها فيها ضعف، ومنها ما يكون محل اجتهاد لكنه مجمل ربما يفسّر على وجه شرعي صحيح.
إذاً: ما يمكن أن يتذرع به بعض أهل البدع مما أُثر عن بعض السلف من التوسل بالنبي ﷺ قد لا يثبت، وأيضاً يحتاج إلى تفسير، فالكلام المجمل لا يستدل به، لا سيما إذا لم يكن له أصل في الدين، ويتعارض مع قواعد الشرع، ومع إجماع السلف، ويتعارض أيضاً مع ما ثبت عن النبي ﷺ وعن صحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وإذا كل ما يروى من الروايات المجملة يتعارض مع هذه الأصول، فإنه لا بد أن يحمل على تفسير صحيح أو يكون خطأ وزلة من عالم، فالخطأ والزلة ينبغي أن تفسّر على أنها أمر شخصي وقع فيه بعض المعتبرين من أهل العلم عن اجتهاد خاطئ، والزلة قد تقع من العالم فليس معصوماً إلا النبي ﷺ .
стр. 255
حصول المقصود من الدعاء لا يدل على جوازه
قال رحمه الله تعالى: [وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود ما يدل على أنه سائغ في الشريعة].
هذه شبهة جديدة، فالشيخ بعد أن حرر مسألة الاستدلال وبيّن أنه ليس هناك دليل ثابت يستدل به أهل التوسل البدعي، انتقل إلى شبهة يقولها كثير من أهل البدع قديماً وحديثاً، وهذه الشبهة هي أن بعض الذين يدعون بأدعية بدعية يستجاب لهم، كأن يتوسلوا إلى الأموات والأحياء بطلب حوائج فتحصل لهم أغراضهم ومطالبهم، فظن أهل البدع أن تحصيل هذه المطالب بالوسيلة البدعية دليل على أن هذه الوسيلة شرعية، قالوا: لذلك استجاب الله لهم، فيقولون فلان دعا عند القبر أو دعا صاحب القبر فأجيب دعاؤه، فلان توسل بالنبي ﷺ وهو في مكان كذا بعد موته فحصل له مطلوبه وهكذا، وهنا الشيخ سيناقش هذه القضية ويبيّن أن ما يحصل من إجابة لطلبات هؤلاء بالوسيلة البدعية لا تدل على أن عملهم مشروع، إنما هو من باب الابتلاء والفتنة، ومن باب تسخير الشياطين لتؤز هؤلاء المبتدعة إلى البدعة والكفر أزاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود ما يدل على أنه سائغ في الشريعة، فإن كثيراً من الناس يدعون من دون الله من الكواكب والمخلوقين، ويحصل ما يحصل من غرضهم.
وبعض الناس يقصد الدعاء عند الأوثان والكنائس وغير ذلك، ويدعو التماثيل التي في الكنائس ويحصل ما يحصل من غرضه، وبعض الناس يدعو بأدعية محرمة باتفاق المسلمين ويحصل ما يحصل من غرضهم.
فحصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته، وإن كان الغرض مباحاً، فإن ذلك الفعل قد يكون فيه مفسدة راجحة على مصلحته، والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فجميع المحرمات من الشرك والخمر والميسر والفواحش والظلم قد يحصل لصاحبه به منافع ومقاصد، لكن لما كانت مفاسدها راجحة على مصالحها نهى الله ورسوله عنها.
كما أن كثيراً من الأمور كالعبادات والجهاد وإنفاق الأموال قد تكون مضرة، لكن لمّا كانت مصلحته راجحة على مفسدته أمر به الشارع؛ فهذا أصل يجب اعتباره، ولا يجوز أن يكون الشيء واجباً أو مستحباً إلا بدليل شرعي يقتضي إيجابه أو استحبابه، والعبادات لا تكون إلا واجبة أو مستحبة، فما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة، والدعاء لله تعالى عبادة إن كان المطلوب به أمراً مباحاً.
وفي الجملة فقد نُقل عن بعض السلف والعلماء السؤال به].
أي بالنبي ﷺ .
قال رحمه الله تعالى: [بخلاف دعاء الموتى والغائبين من الأنبياء والملائكة والصالحين، والاستغاثة بهم والشكوى إليهم؛ فهذا مما لم يفعله أحد من السلف، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا رخّص فيه أحد من أئمة المسلمين].
стр. 256
الكلام على حديث الأعمى في التوسل وما ورد فيه من الروايات
[وحديث الأعمى الذي رواه الترمذي والنسائي هو من القسم الثاني من التوسل بدعائه، فإن الأعمى قد طلب من النبي ﷺ أن يدعو له بأن يرد الله عليه بصره، فقال له: (إن شئت صبرت وإن شئت دعوت، فقال: بل ادعه، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويقول: اللهم إني أسألك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه ليقضيها، اللهم فشفعه في) فهذا توسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته، ودعا له النبي ﷺ ؛ ولهذا قال: (وشفعه في) فسأل الله أن يقبل شفاعة رسوله فيه وهو دعاؤه.
وهذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب، وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه ﷺ ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره.
وهذا الحديث حديث الأعمى قد رواه المصنفون في دلائل النبوة كـ البيهقي وغيره.
رواه البيهقي من حديث عثمان بن عمر عن شعبة عن أبي جعفر الخطمي، قال: سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدّث عن عثمان بن حنيف: (أن رجلاً ضريراً أتى النبي ﷺ ، فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال له: إن شئت أخرت ذلك فهو خير لك، وإن شئت دعوت، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فيقضيها لي، اللهم فشفعه في وشفعني فيه، قال: فقام وقد أبصر).
ومن هذا الطريق رواه الترمذي من حديث عثمان بن عمر، ومنها رواه النسائي وابن ماجه أيضاً.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي، هكذا وقع في الترمذي وسائر العلماء قالوا: هو أبو جعفر الخطمي وهو الصواب.
وأيضاً فـ الترمذي ومن معه لم يستوعبوا لفظه كما استوعبه سائر العلماء، بل رووه إلى قوله: (اللهم شفعه في) قال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان حدثنا عثمان بن عمر حدثنا شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف: (أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت صبرت فهو خير لك.
قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي، اللهم شفعه في).
قال البيهقي: رويناه في كتاب الدعوات بإسناد صحيح، عن روح بن عبادة عن شعبة قال: (ففعل الرجل فبرأ).
قال: وكذلك رواه حماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي.
قلت: ورواه الإمام أحمد في مسنده عن روح بن عبادة كما ذكره البيهقي.
قال أحمد: حدثنا روح بن عبادة حدثنا شعبة عن أبي جعفر المديني: سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف: (أن رجلاً ضريراً أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله! ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت أخرت ذلك فهو خير لآخرتك، وإن شئت دعوت لك.
قال: لا، بل ادع الله لي، فأمره أن يتوضأ، وأن يصلي ركعتين، وأن يدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى الله في حاجتي هذه، فتقضي لي وتشفعني فيه وتشفعه في.
قال: ففعل الرجل فبرئ).
ورواه البيهقي أيضاً من حديث شبيب بن سعيد الحبطي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر المديني -وهو الخطمي - عن أبي أمامة سهل بن حنيف، عن عثمان بن حنيف قال: (سمعت رسول الله ﷺ وجاءه رجل ضرير يشتكي إليه ذهاب بصره، فقال: يا رسول الله! ليس لي قائد وقد شق علي، فقال رسول الله ﷺ : ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد! إني أتوجه بك إلى ربي فيجلي عن بصري، اللهم فشفعه في وشفعني في نفسي قال عثمان بن حنيف: والله ما تفرقنا ولا طال الحديث بنا حتى
стр. 257
الأسئلة
стр. 258
حكم طلب الدعاء من شخص ودعاء الله باستجابة دعاء ذلك الشخص
السؤال
هل يجوز تكرار نفس الصورة مع رجل صالح فيطلب منه الدعاء، ثم الطالب يسأل الله أن يستجيب فيه دعاء هذا الرجل الصالح؟
الجواب
فيما يظهر لي أن هذه الصورة ليس فيها ما يشكل.
أما الدعاء بقوله: (اللهم إني أسألك بهذا الرجل الصالح)، فهو انتقال عن الصفة المشروعة إلى الصفة البدعية؛ لأن النبي ﷺ يجوز التوسل بذاته في حياته، بينما لا يجوز التوسل بذات غيره لا أحياء ولا أمواتاً فمن هنا قد توجد صورة تحتاج إلى تحرير، فيجوز التوسل بذات النبي ﷺ وأشيائه بمعنى التبرك بها في حياته، وهذا مما اتفق عليه الصحابة، واتفقوا على العكس أيضاً، أنه بعد وفاته ﷺ لم يتوسلوا بذاته إنما توسلوا بآثاره حتى انقرضت، أي تبركوا بها حتى انقرضت؛ لأن التوسل يأتي على معان كثيرة، والمقصود هنا التبرك.
أما في الصورة التي يمكن أن يطلب فيها أحد من الناس من رجل صالح أن يدعو له، ثم هو يطلب من الله أن يستجيب دعاء هذا الرجل الصالح فيه، فهذا مما لا حرج فيه؛ لكن لا يعلّق الدعاء بذات الرجل، لأنه فرق بين ذات النبي ﷺ وبين بقية الذوات، إذ ذلك من خصائص النبي ﷺ .
أما عبارة: (وشفعني فيه)، ففيها إشكال وسيأتي الكلام عنها إن شاء الله.
стр. 259
الحكم على أثر: (يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي)
السؤال
ما الحكم في قوله: (يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي يرحمني مما بي)؟
الجواب
هذه لا شيء فيها، فمعناها هنا: بدعائك؛ لأن النص فسّر بعضه بعضاً، ولأن النبي ﷺ يسمع ويستجيب، فالنبي ﷺ سمع نداء الأعمى ووجهه إلى ذلك، ثم لما قال: يا محمد، استجاب له النبي ﷺ ، بمعنى أنه حقق رغبته بأن دعا له، فالصورة واضحة هنا رغم اختلاف الألفاظ واختلاف السياقات، فإنها كلها تدور على أن النبي ﷺ وجّه الرجل بأن يتوضأ ويصلي ثم يدعو الله ، ثم يطلب من النبي ﷺ أن يدعو له، ثم يدعو الله بأن يستجيب دعاء النبي ﷺ فيه.
فالداعي الرجل الضرير، وأيضاً النبي ﷺ ؛ لأنه حينما قال: أتوجه إليك يا رسول الله، فالمعنى: أن تدعو لي، فدعا له النبي ﷺ ، ثم هو أيضاً دعا الله أن يستجيب فيه دعاء النبي ﷺ ، فالمسألة واضحة إن شاء الله.
وأما قوله: (يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي يرحمني مما بي)، فكلمة (وربي) فيها إشكال، والظاهر أنها لا بأس بها، والمعنى: أتوجه بك إلى ربنا جميعاً ربي وربك!
стр. 260
الرد على شبهة أن بعض علل الأحكام لا تعرف
السؤال
الإسلام دين الفطرة والعقل فكيف لا تُعرف حكم بعض الأمور الشرعية، وكيف أرد على هذه الشبهة؟
الجواب
لم يرد أن جميع أمور الدين لا بد أن تُدرك بالفطرة والعقل، بل بعضها يدرك وبعضها لا يُدرك، ثم إنه لم يرد أننا متعبدون بالبحث عن الحكم، بل نحن متعبّدون بالتسليم المطلق لله والتصديق بالرسول ﷺ ، فكوننا نقول إن أمور الدين تقتضيها الفطرة فهذا في الجملة، أما التفاصيل فلا؛ لأن العقل والفطرة لا يستقلان بذلك، لكن ندرك بهما الأمور الجملية، مثل ضرورة التوحيد والعبادة والبعث وإرسال الرسل، والحكم في كثير من أمور التشريع تدركها العقول والفطر السليمة على وجه إجمالي لا على سبيل التقصي والكمال، ولا على سبيل الحصر لجميع الحكم.
стр. 261
حكم تقبيل المصحف
السؤال
ما حكم تقبيل المصحف؟
الجواب
تقبيل المصحف فيما أعلم لا حرج فيه، إذا لم يكن لمعنى بدعي، أما مجرد تقبيل الإكرام فلا حرج فيه إن شاء الله.
стр. 262
مدى صحة الآثار الواردة عن ابن مسعود وعكرمة في تقبيل المصحف
السؤال
ما مدى صحة الآثار التي وردت عن ابن مسعود وعكرمة في تقبيل المصحف؟
الجواب
لا يحضرني مدى صحة هذه الروايات، لكن أُثر ذلك عن كثير من السلف، وإلى اليوم يعتبر هذا من الأمور المقرة عند أهل العلم المعتبرين، إلا أن هناك من يخالف، فالمسألة من الأمور الخلافية، لكن الظاهر لي والله أعلم أنه ليس هناك مانع من تقبيل المصحف إذا كان على سبيل التكريم، والله أعلم، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
стр. 263
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٢٦]
العبادات لا تثبت إلا بنص الشارع، وما ثبت في حالات نادرة عن آحاد من الصحابة أو التابعين وفي مسائل محدودة وخالفهم عليها جمهور الصحابة، فإنه لا يعتد بتلك الآحاد النادرة، سيما إذا كانت النصوص الكثيرة بل والمتواترة قاضية على تلك الجزئيات، وهذا إذا سلمنا بصحة تلك الروايات، وإن كان في الأعم الأغلب أنها قد تكون ضعيفة أو باطلة الإسناد والمتن، والاجتهاد إذا عارض النصوص الواضحة البينة فإنه يلغى، ومثل هذا ما ثبت في التوسل من روايات ضعيفة، وإن ثبت عن آحاد الصحابة، ومن ذلك ما ورد عن عثمان بن حنيف فإنه من هذا الباب.
стр. 264
ما ورد من الاحتجاج بحديث الأعمى بعد موت النبي ﷺ
وصلنا في الفتاوى إلى صفحة (٢٦٨) المقطع الأخير، وكلام الشيخ هنا سيتركّز على حديث يستدل به كثير من أصحاب التوسلات البدعية، وتزيد ألفاظه ومعانيه عن الحديث الأصل الذي ورد فيه أن الأعمى جاء إلى النبي ﷺ يريد أن يدعو له ليكشف الله ضره، وأن النبي ﷺ أمره بأن يتوضأ ويصلي ويدعو الله في أن يستجيب دعاء النبي ﷺ فيه، ومن ضمن هذه الروايات أيضاً أنه خاطب النبي ﷺ بأن يشفع له، وطلب من الله أن يقبل هذه الشفاعة هذه الصورة وردت في حديث صحيح، وورد في بعض روايات الحديث بأسانيد أخرى وبألفاظ أخرى زيادات تعتبر مصدر فتنة وذريعة لأصحاب التوسل البدعي، وهذا ما سيتحدث عنه الشيخ في الصفحات التالية.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: [ورواه البيهقي من هذه الطريق، وفيه قصة قد يحتج بها من توسل به بعد موته إن كانت صحيحة، رواه من حديث إسماعيل بن شبيب بن سعيد الحبطي، عن شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم عن أبي جعفر المديني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف: أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، وكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي الرجل عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة، فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي لي حاجتي، ثم اذكر حاجتك، ثم رح حتى أروح، قال: فانطلق الرجل فصنع ذلك، ثم أتى بعد عثمان بن عفان، فجاء البواب فأخذ بيده، فأدخله على عثمان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: انظر ما كانت لك من حاجة، فذكر حاجته، فقضاها له].
стр. 265
بيان ما ورد أن عثمان بن حنيف يعلم رجلاً التوسل بالنبي ﵊ بعد موته
في هذه القصة أمور زائدة عن أصل الحديث الأول، من هذه الأمور أن هذه القصة حدثت بعد موت النبي ﷺ .
ومنها أن هذا الصحابي وجّه هذا الرجل إلى أن يعمل عملاً صورته قريبة من صورة ما حدث للأعمى، لكن بغياب النبي ﷺ وليس بحضوره، وأنه لا يريد بها التوسل بالرسول ﷺ مباشرة إنما أراد التوسل به، ثم أيضاً أن يؤثر هذا التوسل في عثمان ﵁، وهذا أمر فيه إشكال، إذ كيف يطلب منه أن يتوسل بالنبي ﷺ بأن يقضي عثمان حاجته؟ هذه مسألة تدل على أن القصة فيها نوع لبس كما سيذكر الشيخ فيما بعد.
ثم إن الذي وجهه إلى ذلك ما أراد أن يتدخل مباشرة في القصة، وإلا لكان من الممكن أن نقول إنه أراد أن يشفع له عند عثمان بعدما يعمل هذا العمل، كأنه يريد الاقتداء بالنبي ﷺ على وجه من الوجوه، لكن كان في نية عثمان بن حنيف ألا يذهب به إلى عثمان، إنما تصور القصة أنه يعتقد أنه إذا فعل ذلك فإن هذا العمل بذاته سيؤثر في عثمان ﵁ فيقضي له حاجته.
إذاً القصة فيها غرائب وغوامض ومقاطع منفكة عن الأصل الذي وردت فيه، مما يدل على أن هذه الحكاية ليست صحيحة بهذه الصورة، وأن فيها جملة أغلاط وتوهمات، وربما يكون هذا راجعاً إلى أن القصة لا أصل لها، أو أن سندها غير صحيح.
قال رحمه الله تعالى: [ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: ما كلمته، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول، وجاءه ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي ﷺ : (أو تصبر؟ فقال له: يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي، فقال: ائت الميضأة فتوضأ وصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه إلى ربي فيجلي لي عن بصري، اللهم فشفعه في، وشفعني في نفسي، قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا وما طال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط).
قال البيهقي: ورواه أحمد بن شبيب بن سعيد عن أبيه بطوله، وساقه من رواية يعقوب بن سفيان، عن أحمد بن شبيب بن سعيد قال: ورواه أيضاً هشام الدستوائي عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل عن عمه وهو عثمان بن حنيف، ولم يذكر إسناد هذه الطريق.
قلت: وقد رواه النسائي في كتاب عمل اليوم والليلة من هذه الطريق، من حديث معاذ بن هشام عن أبيه عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف.
ورواه أيضاً من حديث شعبة وحماد بن سلمة كلاهما عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة، ولم يروه أحد من هؤلاء لا الترمذي، ولا النسائي، ولا ابن ماجة من تلك الطرق الغريبة التي فيها الزيادة، طريق شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم.
لكن رواه الحاكم في مستدركه من الطريقين، فرواه من حديث عثمان بن عمر حدثنا شعبة عن أبي جعفر المدني سمعت عمارة بن خزيمة يحدث عن عثمان بن حنيف: (أن رجلاً ضريراً أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني فقال: إن شئت أخرت ذلك فهو خير لك، وإن شئت دعوت، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه، اللهم فشفعه في وشفعني فيه).
قال الحاكم: على شرطهما.
ثم رواه من طريق شبيب بن سعيد الحبطي، وعون بن عمارة عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف: (أنه سمع النبي ﷺ وجاءه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، وقال: يا رسول الله! ليس لي قائد وقد شق علي، فقال: ائت الميضأة، فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي، فيجلي لي عن بصري، اللهم فشفعه في وشفعني في نفسي، قال عثمان: فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل وكأن لم يكن به ضر قط).
قال الحاكم: على شرط
стр. 266
الكلام على شبيب أحد رواة حديث عثمان بن حنيف
قال رحمه الله تعالى: [وشبيب هذا صدوق، روى له البخاري، لكنه قد روي له عن روح بن الفرج أحاديث مناكير، رواها ابن وهب، وقد ظن أنه غلط عليه، ولكن قد يقال: مثل هذا إذا انفرد عن الثقات الذين هم أحفظ منه، مثل شعبة وحماد بن سلمة وهشام الدستوائي بزيادة، كان ذلك عليه في الحديث، لا سيما وفي هذه الرواية أنه قال: (فشفعه في وشفعني في نفسي)، وأولئك قالوا: (فشفعه في وشفعني فيه).
ومعنى قوله: (وشفعني فيه) أي: في دعائه، وسؤاله لي، فيطابق قوله: (وشفعه في).
قال أبو أحمد بن عدي في كتابه المسمى بالكامل في أسماء الرجال، ولم يصنف في فنه مثله: شبيب بن سعيد الحبطي أبو سعيد البصري التميمي حدث عنه ابن وهب بالمناكير، وحدث عن يونس عن الزهري بنسخة الزهري أحاديث مستقيمة، وذكر عن علي بن المديني أنه قال: هو بصري ثقة كان من أصحاب يونس، كان يختلف في تجارة إلى مصر، وجاء بكتاب صحيح.
قال: وقد كتبها عن ابنه أحمد بن شبيب، وروى عن عدي حديثين عن ابن وهب عن شبيب هذا عن روح بن الفرج: أحدهما: عن ابن عقيل عن سابق بن ناجية عن ابن سلام قال: مرّ بنا رجل فقالوا: إن هذا قد خدم النبي ﷺ .
والثاني: عنه عن روح بن الفرج عن عبد الله بن الحسين عن أمه فاطمة حديث دخول المسجد.
قال ابن عدي: كذا قيل في الحديث عن عبد الله بن الحسين عن أمه فاطمة بنت الحسين عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ .
قال ابن عدي: ولـ شبيب بن سعيد نسخة الزهري عنده، عن يونس عن الزهري وهي أحاديث مستقيمة.
وحدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير.
وإن حدثني روح بن الفرج اللذين أمليتهما، يرويهما ابن وهب عن شبيب، وكان شبيب بن سعيد إذا روى عنه ابنه أحمد بن شبيب نسخة الزهري: ليس هو شبيب بن سعيد الذي يحدث عنه ابن وهب بالمناكير التي يرويها عنه، ولعل شبيباً بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه فيغلط ويهم، وأرجو أن لا يتعمد شبيب هذا الكذب.
قلت: هذان الحديثان اللذان أنكرهما ابن عدي عليه، رواهما عن روح بن القاسم، وكذلك هذا الحديث حديث الأعمى رواه عن روح بن القاسم، وهذا الحديث مما رواه عنه ابن وهب أيضاً، كما رواه عنه ابناه، لكنه لم يتقن لفظه كما أتقنه ابناه، وهذا يصحح ما ذكره ابن عدي، فعُلم أنه محفوظ عنه.
وابن عدي أحال الغلط عليه لا على ابن وهب، وهذا صحيح إن كان قد غلط، وإذا كان قد غلط على روح بن القاسم في ذينك الحديثين أمكن أن يكون غلط عليه في هذا الحديث.
وروح بن القاسم ثقة مشهور روى له الجماعة؛ فلهذا لم يحيلوا الغلط عليه.
والرجل قد يكون حافظاً لما يرويه عن شيخ، وغير حافظ لما يرويه عن آخر، مثل إسماعيل بن عياش فيما يرويه عن الحجازيين، فإنه يغلط فيه، بخلاف ما يرويه عن الشاميين، ومثل سفيان بن حسين فيما يرويه عن الزهري، ومثل هذا كثير فيحتمل أن يكون هذا يغلط فيما يرويه عن روح بن القاسم إن كان الأمر كما قاله ابن عدي، وهذا محل نظر].
стр. 267
رواية الطبراني لحديث عثمان بن حنيف
قال رحمه الله تعالى: [وقد روى الطبراني هذا الحديث في المعجم، من حديث ابن وهب عن شبيب بن سعيد، ورواه من حديث أصبغ بن الفرج: حدثنا عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف: أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، فلقي عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان بن حنيف: (ائت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فائتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله ﷺ وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي ﷺ : أفتصبر؟ فقال: يا رسول الله! إنه ليس لي قائد وقد شق علي، فقال له رسول الله ﷺ : ائت الميضأة، فتوضأ ثم صل ركعتين، ثم ادع بهذه الدعوات، فقال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا، ولا طال بنا الحديث، حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط).
قال الطبراني: روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر واسمه عمير بن يزيد وهو ثقة، تفرد به عثمان بن عمر عن شعبة قال أبو عبد الله المقدسي: والحديث صحيح.
قلت: والطبراني ذكر تفرده بمبلغ علمه، ولم تبلغه رواية روح بن عبادة عن شعبة، وذلك إسناد صحيح، يبيّن أنه لم ينفرد به عثمان بن عمر.
وطريق ابن وهب هذه تؤيد ما ذكره ابن عدي، فإنه لم يحرر لفظ الرواية كما حررها ابناه، بل ذكر فيها أن الأعمى دعا بمثل ما ذكره عثمان بن حنيف، وليس كذلك، بل في حديث الأعمى أنه قال: (اللهم فشفعه في وشفعني فيه أو قال: في نفسي) وهذه لم يذكرها ابن وهب في روايته، فيشبه أن يكون حدث ابن وهب من حفظه كما قال ابن عدي: فلم يتقن الرواية].
стр. 268
رواية حديث الأعمى بزيادة تدل على التوسل عند كل حاجة
قال رحمه الله تعالى: [وقد ذكر أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه حديث حماد بن سلمة فقال: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا حماد بن سلمة أنبأنا أبو جعفر الخطمي عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف: (أن رجلاً أعمى أتى النبي ﷺ فقال: إني أصبت في بصري فادع الله لي، قال: اذهب فتوضأ وصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أستشفع بك على ربي في رد بصري، اللهم فشفعني في نفسي، وشفع نبيي في رد بصري، وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك، فرد الله عليه بصره).
قال ابن أبي خيثمة: وأبو جعفر هذا الذي حدث عنه حماد بن سلمة اسمه عمير بن يزيد وهو أبو جعفر الذي يروي عنه شعبة.
ثم ذكر الحديث من طريق عثمان بن عمر عن شعبة.
قلت: وهذه الطريق فيها: (فشفعني في نفسي) مثل طريق روح بن القاسم، وفيها زيادة أخرى وهي قوله: (وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك -أو قال- فعل مثل ذلك).
وهذه قد يقال: إنها توافق قول عثمان بن حنيف لكن شعبة وروح بن القاسم أحفظ من حماد بن سلمة، واختلاف الألفاظ يدل على أن مثل هذه الرواية قد تكون بالمعنى، وقوله: (وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك) قد يكون مدرجاً من كلام عثمان لا من كلام النبي ﷺ فإنه لم يقل: وإن كانت لك حاجة فعلت مثل ذلك، بل قال: وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك].
стр. 269
حكم الزيادة الواردة في حديث الأعمى والتي تدل على التوسل عند كل حاجة
قال رحمه الله تعالى: [وبالجملة فهذه الزيادة لو كانت ثابتة لم تكن فيها حجة، وإنما غايتها أن يكون عثمان بن حنيف ظن أن الدعاء يدعى ببعضه دون بعض، فإنه لم يأمره بالدعاء المشروع بل ببعضه، وظن أن هذا مشروع بعد موته ﷺ ، ولفظ الحديث يناقض ذلك].
بدأ الشيخ الآن يذكر رأيه في هذه القضية ويفند أصل الاستدلال بها على التوسل البدعي، لكن كلامه في ذلك مفرّق، وستجدون أنه يبدأ بالنقض ثم يستطرد، ثم يعود إلى النقض مرة أخرى، وسيوجزه في كلمات سيأتي ذكرها بعد قليل.
فهو يذكر أن هذا الكلام الزائد بعضه من عثمان بن حنيف، وأيضاً ربما يكون عثمان بن حنيف ظن أن ما حدث للأعمى في عهد النبي ﷺ يصلح بعد وفاة النبي ﷺ ، وهذا أمر خالف فيه إجماع الصحابة، فيكون -إن ثبت- اجتهاد صحابي زلّ في اجتهاده.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن في الحديث، أن الأعمى سأل النبي ﷺ أن يدعو له، وأنه علم الأعمى أن يدعو وأمره في الدعاء أن يقول: اللهم فشفعه في.
وإنما يدعى بهذا الدعاء إذا كان النبي ﷺ داعياً شافعاً له بخلاف من لم يكن كذلك، فهذا يناسب شفاعته ودعاءه للناس في محياه في الدنيا ويوم القيامة إذا شفع لهم].
стр. 270
معنى قوله في حديث الأعمى: (وشفعني فيه)
قال ﵀: [وفيه أيضاً أنه قال: (وشفعني فيه).
وليس المراد أن يشفع للنبي ﷺ في حاجة للنبي ﷺ ، وإن كنا مأمورين بالصلاة والسلام عليه، وأمرنا أن نسأل الله له الوسيلة.
ففي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: (من قال إذا سمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة)].
إذاً: قوله: (وشفّعني فيه) إذا ثبتت فإن المقصود بها الإشارة إلى أنه يدعو الله بأن يقبل منه الدعاء كما يقبل من النبي ﷺ ، أو أن يقبل الله دعاء النبي ﷺ فيه.
وقوله: (شفّعني): يعني استجب دعائي، فليس المقصود بالتشفيع بأن يكون له على النبي ﷺ عدالة أو فضل، ولكن كأنه يقول: اقبل دعائي كما تقبل دعاء النبي ﷺ ، فهذا نوع من الإشفاق والحرص على كشف الضر.
قال رحمه الله تعالى: [وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة).
وسؤال الأمة له الوسيلة هو دعاء له، وهو معنى الشفاعة؛ ولهذا كان الجزاء من جنس العمل، فمن صلى عليه صلى عليه الله، ومن سأل الله له الوسيلة المتضمنة لشفاعته، شفع له ﷺ ، كذلك الأعمى سأل منه الشفاعة، فأمره أن يدعو الله بقبول هذه الشفاعة، وهو كالشفاعة في الشفاعة؛ فلهذا قال: اللهم فشفعه في وشفعني فيه.
وذلك أن قبول دعاء النبي ﷺ في مثل هذا هو من كرامة الرسول على ربه؛ ولهذا عُدّ هذا من آياته ودلائل نبوته، فهو كشفاعته يوم القيامة في الخلق، ولهذا أمر طالب الدعاء أن يقول: (فشفعه في وشفعني فيه).
بخلاف قوله: (وشفعني في نفسي)، فإن هذا اللفظ لم يروه أحد إلا من هذا الطريق الغريب.
وقوله: (وشفعني فيه) رواه عن شعبة رجلان جليلان: عثمان بن عمر وروح بن عبادة، وشعبة أجل من روى هذا الحديث، ومن طريق عثمان بن عمر عن شعبة رواه الثلاثة: الترمذي والنسائي وابن ماجه.
رواه الترمذي عن محمود بن غيلان عن عثمان بن عمر عن شعبة.
ورواه ابن ماجه عن أحمد بن يسار عن عثمان بن عمر.
وقد رواه أحمد في المسند عن روح بن عبادة عن شعبة فكان هؤلاء أحفظ للفظ الحديث، مع أن قوله: (وشفعني في نفسي)، إن كان محفوظاً مثل ما ذكرناه، وهو أنه طلب أن يكون شفيعاً لنفسه مع دعاء النبي ﷺ ، ولو لم يدع له النبي ﷺ كان سائلاً مجرداً كسائر السائلين.
ولا يسمى مثل هذا شفاعة، وإنما تكون الشفاعة إذا كان هناك اثنان يطلبان أمراً فيكون أحدهما شفيعاً للآخر، بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره.
فهذه الزيادة فيها عدة علل: انفراد هذا بها عمن هو أكبر وأحفظ منه، وإعراض أهل السنن عنها، واضطراب لفظها، وأن راويها عُرف له عن روح هذا أحاديث منكرة.
ومثل هذا يقتضي حصول الريب والشك في كونها ثابتة فلا حجة فيها، إذ الاعتبار بما رواه الصحابي لا بما فهمه إذا كان اللفظ الذي رواه لا يدل على ما فهمه، بل على خلافه.
ومعلوم أن الواحد بعد موته إذا قال: (اللهم فشفعه في وشفعني فيه) مع أن النبي ﷺ لم يدع له كان هذا كلاماً باطلاً، مع أن عثمان بن حنيف لم يأمره أن يسأل النبي ﷺ شيئاً، ولا أن يقول: (فشفعه في)، ولم يأمره بالدعاء المأثور على وجهه، وإنما أمره ببعضه، وليس هناك من النبي ﷺ شفاعة، ولا ما يُظن أنه شفاعة، فلو قال بعد موته: فشفعه في لكان كلاماً لا معنى له، ولهذا لم يأمر به عثمان، والدعاء المأثور عن النبي ﷺ لم يأمر به، والذي أمر به ليس مأثوراً عن النبي ﷺ .
ومثل هذا لا تثبت به شريعة، كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في جنس العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات، إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عليه، وكان ما ثبت عن النبي ﷺ يخالفه لا يوافقه، لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها، بل غايته أن يكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، ومما تنازعت فيه الأمة، فيجب
стр. 271
استدلال أهل البدع بالشاذ النادر
لو تأملنا هذه الحكاية التي وقعت في عهد عثمان ﵁ لوجدنا أنها حالة نادرة، هذا إذا ثبتت، وفي ثبوتها نظر كما ذكر الشيخ قبل ذلك.
والأمر الآخر: أنه لم يرد في القصة أنها شوهدت من مجموع من الناس، ولكن حدثت بين ثلاثة، وهي دعوى اجتهد فيها عثمان بن حنيف وربما أن عثمان ﵁ لم يطّلع على الأمر أيضاً، بل هو الغالب، فالغالب أن هذا الرجل عمل باجتهاد خاطئ من صحابي ولم يطّلع عليه آخرون، فلا يقال: إن هذا أُقرّ من عثمان أو ممن شهدوا، أو أنه أُقر من جماعة من الصحابة، فغاية ما يقال: إن ثبتت القصة فهي اجتهاد من عثمان بن حنيف مع رجل آخر عمل هذا العمل، وربما كان عمله خطأ، وعثمان بن عفان لم يشهد الموقف، ولكن أمره أن يسأل فسأل ولا يدري ماذا فعل.
ثم عثمان ﵁ إن ثبتت القصة حينما قضى حاجته لم يعلم أنه فعل ذلك، ولو علم لأنكر، فأصبح الأمر يرجع إلى اجتهاد من صحابي ولم يعلم به الصحابة الآخرون فضلاً عن أن يوافقوه عليه.
ثم إنها حالة نادرة والنادر لا حكم له، وهي قصة واحدة لا يمكن أن يُبنى عليها قاعدة في الدين وتكون سلوكاً يعمل عليه جماعة أو طوائف من المسلمين كما هو حال أهل التوسل البدعي، وهذه قاعدة في كثير من الأمور المشتبهة، أو النصوص والأدلة التي فيها اشتباه، فلا ينبغي أن تكون حجة في أمور تعارض أصول الدين وقواعده العامة التي أجمع عليها المسلمون، مثل قول النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، (كل بدعة ضلالة)، وغير ذلك من القواعد القوية الصارمة، فلا يمكن أن تُخرق هذه القواعد من أجل روايات إن ثبتت فهي فردية.
والأمور التي تتعلق بالعبادة فعلها في حالات نادرة في عهد الصحابة دليل على عدم ثبوتها وعدم العمل بها، أو أنها إن ثبتت فليست معتبرة؛ ولذلك نجد أغلب أدلة أهل البدع في استدلالاتهم من هذا النوع الشاذ النادر القليل إن ثبت، أو الذي في دلالته شبهة مثل استدلالهم بقول عمر ﵁: نعمت البدعة، وهذه يتعلقون بها وكأنها وحي منزّل، مع أنه معروف في سياق قصة عمر ماذا يقصد عمر، وأن التراويح كانت في أصلها سنة، وأن النبي ﷺ لم يتركها إلا لعلة، ولما زالت هذه العلة ما استصحبوا السياق، فالشاهد أن استدلالهم بهذه القصة استدلال ساقط على جميع الاعتبارات، ويبقى عمل الصحابة هو الأصل، والصحابة لم يعملوا بشيء من ذلك.
стр. 272
قاعدة فيما يسن فيه الاقتداء بالنبي ﷺ وما لا يسن
قال رحمه الله تعالى: [ولهذا نظائر كثيرة: مثل ما كان ابن عمر يدخل الماء في عينيه في الوضوء، ويأخذ لأذنيه ماء جديداً، وكان أبو هريرة يغسل يديه إلى العضدين في الوضوء ويقول: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل.
وروي عنه أنه كان يمسح عنقه ويقول: هو موضع الغل.
فإن هذا وإن استحبه طائفة من العلماء اتباعاً لهما، فقد خالفهم في ذلك آخرون وقالوا: سائر الصحابة لم يكونوا يتوضئون هكذا، والوضوء الثابت عنه ﷺ الذي في الصحيحين وغيرهما من غير وجه ليس فيه أخذ ماء جديد للأذنين، ولا غسل ما زاد على المرفقين والكعبين، ولا مسح العنق، ولا قال النبي ﷺ : من استطاع أن يطيل غرته فليفعل.
بل هذا من كلام أبي هريرة ﵁ جاء مدرجاً في بعض الأحاديث، وإنما قال النبي ﷺ : (إنكم تأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء)، وكان ﷺ يتوضأ حتى يشرع في العضد والساق، فقال أبو هريرة: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل، وظن من ظن أن غسل العضد من إطالة الغرة، وهذا لا معنى له فإن الغرة في الوجه لا في اليد والرجل، وإنما في اليد والرجل الحجلة، والغرة لا يمكن إطالتها، فإن الوجه يغسل كله، لا يغسل الرأس، ولا غرة في الرأس، والحجلة لا يستحب إطالتها وإطالتها مثلة.
стр. 273
المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل
وكذلك ابن عمر ﵄ كان يتحرى أن يسير مواضع سير النبي ﷺ ، وينزل مواضع منزله، ويتوضأ في السفر حيث رآه يتوضأ، ويصب فضل مائه على شجرة صب عليها.
ونحو ذلك مما استحبه طائفة من العلماء ورأوه مستحباً، ولم يستحب ذلك جمهور العلماء، كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة، كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم، لم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر ﵄، ولو رأوه مستحباً لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والاقتداء به.
وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا فعل فعلاً على وجه العبادة، شُرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصصناه بذلك، كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة، وأن يستلم الحجر الأسود، وأن يصلي خلف المقام، وكان يتحرى الصلاة عند أسطوانة مسجد المدينة، وقصد الصعود على الصفا والمروة والدعاء والذكر هناك، وكذلك عرفة ومزدلفة وغيرهما.
وأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده مثل أن ينزل بمكان، ويصلي لكونه نزله لا قصداً لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه.
فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه أو النزول لم نكن متبعين، بل هذا من البدع التي كان ينهى عنها عمر بن الخطاب ﵁، كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان التيمي عن المعرور بن سويد قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ في سفر فصلى الغداة، ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون: صلى فيه النبي ﷺ ، فقال عمر: إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعاً، فمن عرضت له الصلاة فليصل، وإلا فليمض.
فلما كان النبي ﷺ لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه، بل صلى فيه لأنه موضع نزوله، رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي ﷺ في الصورة، ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب.
وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل؛ ولهذا لما اشتبه على كثير من العلماء جلسة الاستراحة: هل فعلها استحباباً أو لحاجة عارضة تنازعوا فيها؟ وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من منى لما اشتبه: هل فعله لأنه كان أسمح لخروجه، أو لكونه سنة؟ تنازعوا في ذلك].
стр. 274
ما انفرد به صحابي اجتهاداً لا يعد سنة
قال رحمه الله تعالى: [ومن هذا وضع ابن عمر يده على مقعد النبي ﷺ .
وتعريف ابن عباس بالبصرة، وعمرو بن حريث بالكوفة].
التعريف المقصود به الجلوس والتعبد في المسجد يوم عرفة، وهذا حدث من ابن عباس ولم يوافقه عليه عامة الصحابة، وهو اجتهاد منه، وابن عباس ومن عمل بعده هذا العمل ربما تحرى فضل هذا اليوم، لا يقصد به التعبد اللازم بحيث تكون سنة من السنن الثابتة.
فهذا التعريف لم يكن من عمل عموم الصحابة، ولم يكن من السنة التي أمر بها النبي ﷺ ولا فعلها ولا أقرها، وإنما هو اجتهاد؛ فمثل هذه الأمور النادرة لا تعتبر أدلة، خاصة إذا اتُخذت هذه الأمور ذرائع إلى البدع.
وهذا ما حصل، فالذين فعلوها من الصحابة وغيرهم اجتهدوا، وغاية ما كان من الذين عاصروهم أنهم عذروهم بذلك لكن لم يفعلوا فعلهم، ولو سئلوا لأجابوا بالمنع، فاتخاذ ذلك سنة أو طريقة يكون من البدع.
فهذه -إذاً- قاعدة ينبغي أن يستفيد منها طالب العلم خاصة في قضايا العبادة والعقيدة، أنه أي أمر يكون القدوة فيه عالم لا يوافقه غيره من العلماء، ينبغي أن يُحمل على أنه غلطة أو زلة أو اجتهاد خاطئ، وأن هذا من ذرائع أهل البدع التي يتخذونها لتأييد بدعهم، ولذلك ما من بدعة من البدع إلا ويجدون لها مثل هذه المستمسكات التي لا تصح في الاستدلال، والتي تسقط بمجرد كونها شاذة أو نادرة، لا سيما إذا بُني عليها وتفرع عنها بدع كثيرة.
فأهل البدع مثلاً في مسألة التوسل لا يكتفون بمثل هذه الصورة التي وردت عن عثمان بن حنيف وأمر بها، بل يخرجون عليها صور ما لا نهاية له من الصور، وهذا دليل على أن هذه فتنة، وأنها من الأمور الملبسة التي ينبغي أن ينبه عليها الناس ويتنبه لها طلاب العلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن هذا وضع ابن عمر يده على مقعد النبي ﷺ ، وتعريف ابن عباس بالبصرة، وعمرو بن حريث بالكوفة.
فإن هذا لما لم يكن مما يفعله سائر الصحابة ولم يكن النبي ﷺ شرعه لأمته، لم يمكن أن يقال هذا سنة مستحبة.
بل غايته أن يقال: هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة، أو مما لا يُنكر على فاعله لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد، لا أنه سنة مستحبة سنها النبي ﷺ لأمته.
أو يقال في التعريف: إنه لا بأس به أحياناً لعارض إذا لم يُجعل سنة راتبة].
لعل الشيخ يقصد أن إنساناً مثلاً تذكر فضل هذا اليوم يوم عرفة وهو صائم، ثم ذهب إلى المسجد يتعبد فيتلو القرآن ويدعو لا لاعتقاد أن عمله هذا من السنن، إنما فعله تحرياً للزمن الفاضل والمكان الفاضل، نقول: لو حدث هذا لا على اعتقاد أنه من السنن المشروعة المأمور بها لكان ذلك مما يمكن أن يُسكت عنه، إذا لم يكن دائماً ولم يقصد به أنه متعبّد بذلك، فهذا هو مقصود الشيخ بقوله: (لعارض إذا لم يُجعل سنة راتبة).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهكذا يقول أئمة العلم في هذا وأمثاله تارة يكرهونه، وتارة يسوغون فيه الاجتهاد، وتارة يرخصّون فيه إذا لم يتخذ سنة، ولا يقول عالم بالسنة: إن هذه سنة مشروعة للمسلمين، فإن ذلك إنما يقال فيما شرعه رسول الله ﷺ ، إذ ليس لغيره أن يسن ولا يشرع، وما سنه خلفاؤه الراشدون فإن ما سنوه بأمره فهو من سننه، ولا يكون في الدين واجباً إلا ما أوجبه، ولا حراماً إلا ما حرمه، ولا مستحباً إلا ما استحبه، ولا مكروهاً إلا ما كرهه، ولا مباحاً إلا ما أباحه].
стр. 275
ما اختلف فيه الصحابة فالرد فيه إلى الكتاب والسنة
قال رحمه الله تعالى: [وهكذا في الإباحات، كما استباح أبو طلحة أكل البرد وهو صائم.
واستباح حذيفة السحور بعد ظهور الضوء المنتشر حتى قيل هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع، وغيرهما من الصحابة لم يقل بذلك، فوجب الرد إلى الكتاب والسنة].
يشير بذلك إلى أن الصحابة ﵃ ليسوا معصومين، وأن اجتهاداتهم التي ينفرد الواحد منهم بها قد تكون خاطئة، ولا ينقص من قدرهم واعتبارهم وفضلهم كون الواحد منهم قد يخطئ في اجتهاد يخالفه عليه آخرون، فلذلك لا ينبغي للناس أن يتصيدوا هذه الزلّات ويعتمدوا عليها، ويجعلوها تشريعاً، ولا أن يتصيدوها فيطعنوا فيها بالصحابة ﵃، فإنهم كغيرهم من البشر يقع منهم الخطأ والسهو والنسيان والفهم الخاطئ، ويقع منهم اجتهاد خاطئ، فقد يتأولون النصوص على غير تأولها، لكن هذا يكون في حالات نادرة، بمعنى أنه لا يكون سلوكاً دائماً لصحابي من الصحابة، وإنما يكون عن اجتهاد هو سائغ بالنسبة له، لكن لا يسوغ لغيره أن يقتدي به؛ لأن العبرة بالكتاب والسنة وبما عليه عامة العلماء، ولذلك تجدون المحققين من أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن تبعهم إلى يومنا هذا يبرزون مثل هذه الأمور على أنها تخالف قواعد الشرع ولا يطعنون فيمن فعلها، فالأصل عندهم أنهم يبيّنون وجه الخطأ فيها، وأنها تخالف أصول الكتاب والسنة، وأنها تخالف سنة النبي ﷺ ، لكن لا يجعلون ذلك ذريعة إلى الطعن فيمن فعل أو في دينه أو في قدره، إذا كان ممن له قدر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك الكراهة والتحريم، مثل كراهة عمر وابنه للطيب قبل الطواف بالبيت.
وكراهة من كره من الصحابة فسخ الحج إلى التمتع].
يقصد قبل الطواف بالبيت ما إذا تحلل الحاج من التحلل الأول فالأصل أنه يجوز له الطيب ولو لم يطف بالبيت، إذا كان قد رمى الجمرة وحلق مثلاً، فيجوز جاز له أن يلبس ثيابه وأن يتطيب، وهذا ما يسمى بالتحلل الأول، فكره ابن عمر التطيب قبل الطواف مطلقاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكراهة من كره من الصحابة فسخ الحج إلى التمتع أو التمتع مطلقاً، أو رأى تقدير مسافة القصر بحد حده، وأنه لا يقصر بدون ذلك، أو رأى أنه ليس للمسافر أن يصوم في السفر.
ومن ذلك قول سلمان: إن الريق نجس.
وقول ابن عمر: إن الكتابية لا يجوز نكاحها.
وتوريث معاذ ومعاوية ﵄ للمسلم من الكافر.
ومنع عمر وابن مسعود ﵄ للجنب أن يتيمم.
وقول علي وزيد وابن عمر ﵃ في المفوضة: إنها لا مهر لها إذا مات الزوج.
وقول علي وابن عباس في المتوفى عنها الحامل: إنها تعتد أبعد الأجلين.
وقول ابن عمر وغيره: إن المحرم إذا مات بطل إحرامه وفعل به ما يفعل بالحلال.
وقول ابن عمر وغيره: لا يجوز الاشتراط في الحج.
وقول ابن عباس وغيره في المتوفى عنها: ليس عليها لزوم المنزل.
وقول عمر وابن مسعود: إن المبتوتة لها السكنى والنفقة.
وأمثال ذلك مما تنازع فيه الصحابة، فإنه يجب فيه الرد إلى الله والرسول، ونظائر هذا كثير فلا يكون شريعة للأمة إلا ما شرعه رسول الله ﷺ .
ومن قال من العلماء: إن قول الصحابي حجة فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة ولا عُرف نص يخالفه، ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقراراً على القول، فقد يقال: هذا إجماع إقراري، إذا عُرف أنهم أقروه لم ينكره أحد منهم، وهم لا يقرون على باطل.
وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عُرف أن غيره لم يخالفه فقد يقال: هو حجة، وأما إذا عرف أنه خالفه فليس بحجة بالاتفاق.
وأما إذا لم يُعرف هل وافقه غيره أو خالفه لم يجزم بأحدهما، ومتى كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة في سنة رسول الله ﷺ لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم].
بعد هذا الاستطراد سيذكر الشيخ النتيجة، وهذا ما جعلنا نطيل القراءة؛ لأجل أن نصل إلى النتيجة في سياق واحد، الشيخ ﵀ ذكر كثيراً من أقوال بعض الصحابة التي خالفوا فيها الجمهور، بل أحياناً يخالفون فيها مقتضى النصوص عن غير قصد، فأراد بهذا أن يقول إن هذه القصة التي تذرع بها أهل التوسل البدعي هي أعظم شذوذاً مما حدث من الصحابة في مثل هذه المفردات، وهذه النتيجة سيذكرها.
стр. 276
خلاصة الكلام على حديث عثمان بن حنيف في التوسل
قال رحمه الله تعالى: [وإذا كان كذلك فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي ﷺ بعد موته من غير أن يكون النبي ﷺ داعياً له ولا شافعاً فيه، فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعاً بعد مماته، كما كان يُشرع في حياته، بل كانوا في الاستسقاء في حياته يتوسلون به، فلما مات لم يتوسلوا].
من وجوه الاستدلال هنا، وهو استدلال ملزم، أنه لو صحت هذه الحكاية أن عثمان بن حنيف حينما وجّه هذا الرجل، لكان عموم الصحابة وعموم الأمة أحوج إلى مثل هذا في استغاثتهم بعد الجدب أو أثناء الجدب، هذه حاجة عامة ملحّة كبيرة، فلو كان الصحابة يرون مثل هذا لاستشفعوا بالنبي ﷺ في قبره على نحو ما كان استشفع به الأعمى في حياته، فلما لم يفعلوا ذلك دل على سقوط الدلالة فيما نسب إلى عثمان بن حنيف والرجل الذي عمل بعمله، فإن الضرورة العامة مع عموم الصحابة أقوى وأولى من ضرورة خاصة فردية لم تُعرف وهي مغمورة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل قال عمر ﵁ في دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين والأنصار في عام الرمادة المشهور لما اشتد بهم الجدب حتى حلف عمر لا يأكل سمناً حتى يخصب الناس، ثم لما استسقى بـ العباس قال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون.
وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة، لم ينكره أحد مع شهرته، وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية، ودعا بمثله معاوية بن أبي سفيان ﵁ في خلافته لما استسقى بالناس.
فلو كان توسلهم بالنبي ﷺ بعد مماته كتوسلهم به في حياته لقالوا: كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما؟ ونعدل عن التوسل بالنبي ﷺ الذي هو أفضل الخلائق وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله.
فلما لم يقل ذلك أحد منهم، وقد عُلم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة غيره، علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته.
وحديث الأعمى حجة لـ عمر وعامة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فإنه إنما أمر الأعمى أن يتوسل إلى الله بشفاعة النبي ﷺ ودعائه لا بذاته، وقال له في الدعاء: قل اللهم فشفعه في].
هذا واضح بأنه في حياته ﷺ .
قال رحمه الله تعالى: [وإذا قُدّر أن بعض الصحابة أمر غيره أن يتوسل بذاته لا بشفاعته، ولم يأمر بالدعاء المشروع بل ببعضه وترك سائره المتضمن للتوسل بشفاعته، كان ما فعله عمر بن الخطاب هو الموافق لسنة رسول الله ﷺ ، وكان المخالف لـ عمر محجوجاً بسنة رسول الله ﷺ ، وكان الحديث الذي رواه عن النبي ﷺ حجة عليه لا له، والله أعلم].
стр. 277
الأسئلة
стр. 278
حكم قول: أنا معتمد على الله ثم معتمد عليك
السؤال
ما حكم قول: أنا معتمد على الله ثم معتمد عليك في هذا الشيء؟
الجواب
هذا من الأمور التي يتسامح فيها، الاعتماد هو رديف للتوكل، لكن كلمة معتمد أخف من التوكل.
стр. 279
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٢٧]
الإقسام على الله بذات النبي ﷺ أو الإقسام عليه بالأشخاص من الملائكة والنبيين وصالحي المؤمنين كله لم يثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ، وإن ثبت عن بعض التابعين جوازه إلا أن النصوص الواضحة وكذا أقوال أهل العلم والمذاهب المتبوعة كلها تنص على حرمة ذلك، وإن سماه بعضهم توسلاً أو كان من باب اليمين، فإنه لا يجوز أن يوضع بين الله وبين خلقه واسطة لا بالإقسام ولا بالتوسل.
стр. 280
الحلف على الله بالمخلوق
سيتكلم الشيخ هنا عن القسم الثالث من أقسام التوسل، فإنه قسم التوسل في أكثر من موضع إلى ثلاثة أقسام، تدور هذه الأقسام الثلاثة على ما يلي: القسم الأول: أن المقصود بالتوسل العبادة والطاعة، يعني التوسل بالأعمال الصالحات، وهذا هو المشروع والمطلوب من جميع العباد، أن يتوسلوا إلى الله بأعمالهم في تحقيق ما يرجونه من منافع لهم في الدنيا والآخرة، فهذا القسم لا غُبار عليه، وهو مجمع عليه، وهو الأصل في التوسل.
القسم الثاني: التوسل بمعنى طلب الدعاء من الغير، أو طلب الشفاعة من الحي في أمر يقدر عليه، خاصة فيما يتعلق بالتوسل بالنبي ﷺ في حياته، سواء كان التوسل بدعائه أو ما يتفرع عن ذلك من توسع في معنى التوسل، وهو التبرك بأشياء النبي ﷺ وبذاته، وهذا قد يسمى توسلاً، وهو مشروع في حياة النبي ﷺ ، وبما بقي من آثاره.
القسم الثالث: التوسل بمعنى الإقسام على الله بذات النبي ﷺ ، أو الإقسام على الله بالأشخاص، كالأنبياء والصالحين.
وهذا هو القسم الثالث الذي سيتكلم عنه الشيخ الآن، ويذكر تفاصيله والقول الحق فيه.
стр. 281
عدم ورود الإقسام على الله عن النبي ﷺ
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وأما القسم الثالث مما يسمى توسلاً، فلا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي ﷺ شيئاً يحتج به أهل العلم كما تقدم بسط الكلام على ذلك، وهو الإقسام على الله بالأنبياء والصالحين أو السؤال بأنفسهم، فإنه لا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي ﷺ شيئاً ثابتاً لا في الإقسام أو السؤال به، ولا في الإقسام أو السؤال بغيره من المخلوقين].
إذاً القسم الثالث قسّمه الشيخ هنا إلى نوعين: الإقسام به يعني بذاته، أو السؤال به.
وأحياناً يختلط الأمران، بمعنى أنه تحتمل الصيغة المعنيين، كأن يقول الطالب من الله : أسألك بفلان، قد يُقصد بهذا المعنى القسم، وقد يُقصد بهذا المعنى التوسل، وكلها أيضاً تسمى توسلاً.
قال رحمه الله تعالى: [وإن كان في العلماء من سوغه فقد ثبت عن غير واحد من العلماء أنه نهى عنه، فتكون مسألة نزاع كما تقدم بيانه].
يقصد الشيخ أنه هنا قد يرد عن بعض أهل العلم إجازة مثل هذا العمل البدعي، لكن هذا من باب الزلة من العالم أو الاجتهاد الخاطئ، فيقول: لا ينبغي للناس أن يستدلوا على هذه البدع بأقوال أو أفعال حدثت لعلماء معتبرين؛ لأن هذا مما نازع فيه آخرون وهم الذين معهم الدليل.
فإذاً: عند التنازع في مثل هذه الأمور يرد الأمر إلى الكتاب والسنة، ويريد شيخ الإسلام أن يصل إلى نتيجة وسيقولها فيما بعد، أننا عندما رددنا هذه الأمور إلى الكتاب والسنة وهي الإقسام على الله، أو التوسل بالذوات أو نحو ذلك، وجدناها ممنوعة بصريح النصوص.
إذاً: لا يحتج بقول من خالف في ذلك، مع العلم أن من نُقل عنهم ذلك إما أن يكون النقل مكذوباً أو محرّفاً أو يكون عن اجتهاد خاطئ إن ثبت، وهذا قليل نادر.
стр. 282
عدم جواز الإقسام بغير الله تعالى
قال رحمه الله تعالى: [فيُرد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله ﷺ ، ويبدي كل واحد حجته كما في سائر مسائل النزاع، وليس هذا من مسائل العقوبات بإجماع المسلمين، بل المعاقب على ذلك معتد جاهل ظالم، فإن القائل بهذا قد قال ما قالت العلماء، والمنكر عليه ليس معه نقل يجب اتباعه لا عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة.
وقد ثبت أنه لا يجوز القسم بغير الله لا بالأنبياء ولا بغيرهم كما سبق بسط الكلام في تقرير ذلك.
وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن ينذر لغير الله لا لنبي ولا لغير نبي، وأن هذا نذر شرك لا يوفى به.
وكذلك الحلف بالمخلوقات لا ينعقد به اليمين، ولا كفارة فيه، حتى لو حلف بالنبي ﷺ لم تنعقد يمينه كما تقدم ذكره، ولم يجب عليه كفارة عند جمهور العلماء كـ مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، بل نهى عن الحلف بهذه اليمين، فإذا لم يجز أن يحلف بها الرجل ولا يقسم بها على مخلوق فكيف يقسم بها على الخالق ﷻ ؟].
لا يجوز أن يحلف الرجل بالمخلوقات ولا يقسم بالمخلوقات على مخلوق، فكيف يقسم بها على الخالق ﷻ ؟ بمعنى أنه لا يجوز للإنسان أن يعقد يمينه بمخلوق على مخلوق ولا يليق ذلك، فكيف يعقد اليمين بمخلوق يُقسم به على الله؟ هذا أمر عظيم مستنكر في أصول الشرع وقواعده ونصوصه.
стр. 283
حكم السؤال بالمخلوق من غير قسم
قال رحمه الله تعالى: [وأما السؤال به من غير إقسام به فهذا أيضاً مما منع منه غير واحد من العلماء، والسنن الصحيحة عن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين تدل على ذلك.
فإن هذا إنما يفعله من يفعله على أنه قربة وطاعة، وأنه مما يستجاب به الدعاء].
يقصد أن الذين يفعلون هذه الممنوعات من الحلف بغير الله، الإقسام على الله بخلقه أو التوسل بالأنبياء والصالحين بذواتهم أو نحو ذلك كل هذا يُفعل من الذين يفعلونه على وجه التعبّد، ولو كانت المسألة من الأمور العادية لكان الأمر أسهل، لكنهم يفعلون ذلك تعبداً لله وتقرباً إليه.
فمن هنا يريد الشيخ أن يجر الخصوم إلى الأصل، وهو أن التعبد الأصل فيه الشرع، فيقول: ما دمتم تتعبدون بهذه الألفاظ وترون أنها من أمور القربة والطاعة، فلا بد أن تُرجع إلى أصلها، وهو أن القربة لا بد أن يكون لها أصل في الدين، ليست من قبيل العادات؛ لأنها لو كانت عادات ما تقربتم بها وجعلتموها من أصول القربات والتعبد لله ، فما دام أنكم تتعبدون إذاً نعيد هذه الألفاظ والتوسلات إلى القواعد الشرعية، فإذا كان لها أصل في الشرع نتعبد بها، وإن لم يكن لها أصل في الشرع فتكون بدعة مردودة.
قال رحمه الله تعالى: [وما كان من هذا النوع فإما أن يكون واجباً وإما أن يكون مستحباً، وكل ما كان واجباً أو مستحباً في العبادات والأدعية فلا بد أن يشرعه النبي ﷺ لأمته، فإذا لم يشرع هذا لأمته لم يكن واجباً ولا مستحباً ولا يكون قربة وطاعة ولا سبباً لإجابة الدعاء، وقد تقدم بسط الكلام على هذا كله.
فمن اعتقد ذلك في هذا أو في هذا فهو ضال].
قوله: (في هذا أو في هذا)، يقصد السؤال بالمخلوقين والإقسام على الله بهم، ويدخل في ذلك بالتبع الحلف بالمخلوق.
قال رحمه الله تعالى: [فمن اعتقد ذلك في هذا أو في هذا فهو ضال وكانت بدعته من البدع السيئة، وقد تبين بالأحاديث الصحيحة وما استقرئ من أحوال النبي ﷺ وخلفائه الراشدين أن هذا لم يكن مشروعاً عندهم.
وأيضاً فقد تبيّن أنه سؤال لله تعالى بسبب لا يناسب إجابة الدعاء، وأنه كالسؤال بالكعبة والطور والكرسي والمساجد وغير ذلك من المخلوقات، ومعلوم أن سؤال الله بالمخلوقات ليس هو مشروعاً، كما أن الإقسام بها ليس مشروعاً بل هو منهي عنه، فكما أنه لا يسوغ لأحد أن يحلف بمخلوق فلا يحلف على الله بمخلوق ولا يسأله بنفس مخلوق، وإنما يسأل بالأسباب التي تناسب إجابة الدعاء كما تقدم تفصيله].
стр. 284
الكلام على ما ورد من القول بجواز سؤال الله بالمخلوقات
قال رحمه الله تعالى: [لكن قد روي في جواز ذلك آثار وأقوال عن بعض أهل العلم؛ ولكن ليس في المنقول عن النبي ﷺ شيء ثابت بل كلها موضوعة، وأما النقل عن من ليس قوله حجة فبعضه ثابت وبعضه ليس بثابت.
والحديث الذي رواه أحمد وابن ماجة وفيه: (بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا).
رواه أحمد عن وكيع عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: (من قال إذا خرج إلى الصلاة: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار وأن تدخلني الجنة، وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له وأقبل الله عليه بوجهه حتى يقضي صلاته)].
هذا الحديث سيتكلم عنه الشيخ ويبيّن أنه ضعيف ولا يكون حجة في مثل هذه الأمور، لكن هذه العبارة ذكر الشيخ في مواضع كثيرة من كتبه، وذكر غيره، وسيذكر أيضاً هنا أن مسألة الكلام بحق السائلين كلام مجمل؛ لأن الإنسان إذا طلب الله أو دعا الله بحق السائلين فيحتمل هذا عدة احتمالات، نكتفي منها باحتمالين، الاحتمال الأول: أن يقصد بذلك ما وعد الله به من حق لا يقصد الإجابة على الله، فهذا ربما يكون مشروعاً لكن يجب أن يتفادى كلمة (حق السائلين)، يقول: اللهم إني أسألك بعملي هذا؛ لأن الله وعد المؤمنين بأن يجزيهم على الأعمال الصالحة، بمعنى أن يتوسل إلى الله بعمله كما فعل أصحاب الغار الذين سيذكر قصتهم الشيخ بعد قليل، فهذا من الأمور المشروعة، لكن العبارة فيها لبس، وإن قصد المعنى الآخر أو الاحتمال الآخر وهو أنه يعتقد أن لله حقاً على العباد غير ما أوجبه الله على نفسه، كما تقول المعتزلة: يجب على الله أن يجزي المطيع وأن يعذّب العاصي من باب الإلزام من المخلوق للخالق فهذا لا يجوز.
إذاً: العبارة فيها معنى حق ومعنى باطل، والشيخ رد الحديث من حيث إنه ضعيف في السند، لكن هذه العبارات لها معانٍ قد تكون صحيحة، فينبغي أن نتنبه لذلك.
قال رحمه الله تعالى: [وهذا الحديث هو من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد، وهو ضعيف بإجماع أهل العلم.
وقد روي من طريق آخر وهو ضعيف أيضاً، ولفظه لا حجة فيه، فإن حق السائلين عليه أن يجيبهم وحق العابدين أن يثيبهم، وهو حق أحقه الله تعالى على نفسه الكريمة بوعده الصادق باتفاق أهل العلم، وبإيجابه على نفسه في أحد أقوالهم، وقد تقدم بسط الكلام على ذلك.
وهذا بمنزلة الثلاثة الذين سألوه في الغار بأعمالهم، فإنه سأله هذا ببره العظيم لوالديه، وسأله هذا بعفته العظيمة عن الفاحشة، وسأله هذا بأدائه العظيم للأمانة].
قوله: (هذا)، يعني حق السائلين وهو التوسل بالعمل الصالح، وهو القسم الأول الذي سبق ذكره عند تقسيم التوسل، وهذا استطراد من الشيخ ليبيّن وجوه التشابه بين هذه الأقسام والوجه الجائز والوجوه الباطلة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لأن هذه الأعمال أمر الله بها ووعد الجزاء لأصحابها، فصار هذا كما حكاه عن المؤمنين بقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣].
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١٠٩].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٥ - ١٦].
وكان ابن مسعود ﵁ يقول في السحر: اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا سحر فاغفر لي].
стр. 285
الرد على من يجيز الإقسام على الله بالمخلوقات
قال رحمه الله تعالى: [وأصل هذا الباب أن يقال: الإقسام على الله بشيء من المخلوقات، أو السؤال له به، إما أن يكون مأموراً به إيجاباً أو استحباباً، أو منهياً عنه نهي تحريم أو كراهة، أو مباحاً لا مأموراً به ولا منهياً عنه.
وإذا قيل: إن ذلك مأمور به أو مباح فإما أن يفرق بين مخلوق ومخلوق، أو يقال: بل يشرع بالمخلوقات المعظّمة أو ببعضها، فمن قال: إن هذا مأمور به أو مباح في المخلوقات جميعها لزم أن يسأل الله تعالى بشياطين الإنس والجن فهذا لا يقوله مسلم].
الشيخ سيفيض في هذه المسألة، من باب حصر الخصوم لئلا يكون لهم وجوه يستدلون بها.
يقول: إذا قلتم إنه يجوز الإقسام بشيء من المخلوقات على الله ، فما هي هذه المخلوقات، ربما يقولون: الأمور المعظّمة عند الله .
يقول: ما هي الأمور المعظّمة؟ ربما يقولون: الأنبياء والرسل مثلاً، أو يقولون: كذا وكذا، قد يقولون مثلاً: كعبة أو نحو ذلك، فهم يخصصون أشياء، فواقع أهل البدع الذين يقسمون بالأشياء أو بالمخلوقات على الله كل منهم يقسم بشيء دون شيء، أي أنهم لا يقسمون بجميع المخلوقات المعظّمة، ولا يرون ذلك مشروعاً، فالشيخ هنا سيأخذهم بهذا ويقول: لِم فرّقتم بين شيء وشيء؟ ثم يضرب أمثلة ويقول لهم: لو أن أحداً أقسم بكذا وكذا من الأمور المعظّمة لقلتم: هذا ممنوع، إذاً: فلماذا جعلتم الإقسام بالأنبياء والصالحين وبعض الأشجار والأحجار يقسم بها، وما يماثلها أو يشابهها من الأمور المعظّمة التي عظّمها الله أو أقسم بها في كتابه تجعلون الإقسام بها غير مشروع؟ لِم فرّقتم بين هذا وذاك؟ ثم سيقول: إن هذا التفريق مثل التفريق بين النبيين، فالله جعل من آمن ببعض وكفر ببعض كافراً، فكذلك أنتم حينما أقسمتم بأشياء دون أشياء تناقضتم، ولو قيل لكم: أقسموا بجميع الأشياء المعظّمة منعتم ذلك.
следующие страницы →