Полный текст (413 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الأسئلة
стр. 352
حكم المساهمة في البنوك ونحوها
السؤال
ما حكم المساهمة في بعض البنوك والشركات التي يدّعي أصحابها شرعية تعاملها، وهل يتورع المسلم عنها؟
الجواب
إذا كانت الصناديق الاستثمارية أو غيرها معلومة النظام، ونظامها لا يتعارض مع الشرع، وعُرفت بمقتضى فتاوى المشايخ فيبقى الأصل فيها الإباحة.
أما التورع وعدم التورع فهي مسألة أخرى، وعلى المسلم أن يبحث في المصارف والبنوك عن الأسلم، لكن يمتنع من أن يساهم ويضارب بمضاربة شرعية في بنك الأصل فيه أنه ربوي، لكن إذا فتح باب مضاربة شرعية لا تختلط بالعمل الربوي، وتتوافر فيه الشروط الصحيحة فلا نستطيع أن نقول هذا حرام، لكن التورع أمر آخر، فيسع المسلم أن يتورع ويبحث عن الأسلم.
стр. 353
حكم لفظ: (خدمة الله)
السؤال
ورد في كتاب ابن القيم ﵀ لفظ: (خدمة الله) فما حكمها؟
الجواب
كلمة: (خدمة)، هي من الألفاظ الصوفية، وربما يكون الشيخ تساهل فيها.
стр. 354
حكم القسم بالدعاء على النفس بالموت
السؤال
بعض الناس يقسم بالدعاء بموته ويدعو على نفسه بالموت، فما الحكم؟
الجواب
ليس هذا إقساماً، بل هذا دعاء على النفس، ولا يجوز للمسلم أن يدعو على نفسه بمثل هذه الأمور، بل لا يدعو على نفسه ولا على غيره، إلا من شُرع الدعاء عليه.
стр. 355
الفرق بين دعاء العبادة ودعاء الطلب
السؤال
ما المقصود بدعاء العبادة ودعاء الطلب أو المسألة؟
الجواب
دعاء العبادة هو الذكر، فالذكر يسمى دعاء، وأما دعاء الطلب فهو الدعاء الذي يطلب فيه المسلم شيئاً يحققه من مصالحه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معاً، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
стр. 356
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٣٣]
الله تعالى لا يقسم عليه بشيء من المخلوقات، بل لا يقسم بها بحال، وإنما يقسم الإنسان بأسماء الله وصفاته، وأما السؤال بمعاقد العز من عرشه فقد كرهه الأئمة؛ لأنه سؤال غامض لا يدرى ما المقصود به، وفي الأدعية الشرعية غنية وكفاية عن مثل هذا الدعاء.
стр. 357
الفروق بين السؤال بحق المخلوقين وبين القسم بهم
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وإذا قال السائل: أسألك بحق الملائكة، أو بحق الأنبياء وحق الصالحين -ولا يقول لغيره: أقسمت عليك بحق هؤلاء- فإذا لم يجز له أن يحلف به ولا يقسم على مخلوق به، فكيف يقسم على الخالق به؟ وإن كان لا يُقسم به، وإنما يتسبب به فليس في مجرد ذوات هؤلاء سبب يوجب تحصيل مقصوده، ولكن لابد من سبب منه كالإيمان بالملائكة والأنبياء، أو منهم كدعائهم، ولكن كثيراً من الناس تعودوا ذلك، كما تعودوا الحلف بهم، حتى يقول أحدهم: وحقك على الله، وحق هذه الشيبة على الله.
وإذا قال القائل: أسألك بحق فلان، أو بجاهه، أي: أسألك بإيماني به، ومحبتي له، وهذا من أعظم الوسائل.
قيل: من قصد هذا المعنى فهو معنى صحيح، لكن ليس هذا مقصود عامة هؤلاء].
يظهر لي أن في المعنى شيئاً من الغموض يحتاج إلى بيان.
يقول: قال القائل: أسألك بحق فلان، والمثال أكثر ما ينطبق على النبي ﷺ ، فإذا سأل السائل ربه ، وقال: اللهم إني أسألك بحق رسولك أو بجاهه، فقد يقصد معنى صحيحاً على وجه بعيد جداً؛ لكن هذا المعنى بعيد لا يدل عليه اللفظ، لكن نقول: نظراً لأن مقاصد الناس لا يعلمها إلا الله ، وهذا اللفظ يحتمل هذا المعنى، وهو أن السائل بالنبي ﷺ أو بحق النبي أو بجاهه أراد إيمانه وتصديقه لرسول الله ﷺ ، فنقول: من قصد هذا المعنى فإنه معنى صحيح، لكن يبعد أن تقصد إيمانك بالنبي ﷺ وتسميه جاه الرسول ﷺ أو حق الرسول، كيف تسمي إيمانك حق النبي ﷺ ؟ نعم هو حق له من حيث إنه يجب التصديق والإيمان والمحبة له ﷺ ، لكن السؤال بهذا الشيء وبهذا اللفظ بعيد جداً، ولذلك فالوجه الصحيح لمن يريد هذا المعنى أن يقول: اللهم إني أسألك بحبي لرسول الله ﷺ ، أو بإيماني به ﷺ ، أو باتباعي له ﷺ فإنه يحق له ذلك، لكن هذه اللفظة يبعد أن يقصد بها هذا المعنى الذي ذكره الشيخ، ولذلك يبدو لي أنه ساق هذا من باب الاحتياط؛ لئلا يوجد أحد من الصالحين أو من أهل السنة، أو من العلماء المقتدى بهم قال هذا اللفظ ويقصد هذا المعنى، وهو معنى قد يرد لكنه بعيد جداً ولا يسوّغ استعمال هذه العبارة؛ لأنها إلى المعنى المبتدع أقرب، وهي إلى الاشتباه أيضاً أقرب؛ فيجب اجتنابها.
стр. 358
سؤال الله تعالى بالإيمان والعمل الصالح
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن قال: أسألك بإيماني بك وبرسولك ونحو ذلك، أو بإيماني برسولك ومحبتي له ونحو ذلك، فقد أحسن في ذلك كما قال تعالى في دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٥٣].
وكان ابن مسعود يقول: اللهم أمرتني فأطعت، ودعوتني فأجبت، وهذا سحر فاغفر لي.
ومن هذا الباب حديث الثلاثة الذين أصابهم المطر، فأووا إلى الغار وانطبقت عليهم الصخرة، ثم دعوا الله سبحانه بأعمالهم الصالحة، ففرّج عنهم وهو ما ثبت في الصحيحين.
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا خالد بن خراش العجلاني وإسماعيل بن إبراهيم قالا: حدثنا صالح المري عن ثابت عن أنس ﵁ أنه قال: دخلنا على رجل من الأنصار وهو مريض ثقيل، فلم نبرح حتى قُبض، فبسطنا عليه ثوبه، وله أم عجوز كبيرة عند رأسه، فالتفت إليها بعضنا، وقال: يا هذه احتسبي مصيبتك عند الله، قالت: وما ذاك، مات ابني؟ قلنا: نعم، قالت: أحق ما تقولون؟ قلنا: نعم، فمدت يديها إلى الله فقالت: اللهم إنك تعلم أني أسلمت وهاجرت إلى رسولك رجاء أن تعقبني عند كل شدة فرجاً، فلا تحمل علي هذه المصيبة اليوم، قال: فكشفت الثوب عن وجهه فما برحنا حتى طعمنا معه.
وروى في كتاب الحلية لـ أبي نعيم أن داود ﵇ قال: بحق آبائي عليك، إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأوحى الله تعالى إليه: يا داود! وأي حق لآبائك علي؟.
وهذا وإن لم يكن من الأدلة الشرعية فالإسرائيليات يُعتضد بها، ولا يُعتمد عليها].
بهذه المناسبة؛ لأن هذه قاعدة عظيمة أشار إليها الشيخ يغفل عنها كثير من طلاب العلم اليوم خاصة مع كثرة الطاعنين في مناهج السنة، وهي مسألة إيراد مثل هذه الآثار الإسرائيلية أو الأحاديث الضعيفة عند الاستدلال على بعض المسائل.
وقد ظهرت أيضاً عندنا هذه الشنشنة من جديد في بعض شبابنا المفتونين، وهي اتهام السلف بأنهم يعتمدون في الاستدلال على الإسرائيليات والأحاديث الضعيفة والحكايات التي لا أصل لها، وأن كتبهم مليئة بهذه الآثار التي لا أصل لها، حتى أوهم أحدهم في مذكرة انتشرت بين الناس اليوم أن كثيراً مما استدل به السلف في أصول الدين ومناهج السلف العلمية والعملية تقوم على هذا المنهج الخاطئ في الاستدلال، وأوهم أن السلف ليس عندهم في تقرير الدين والدعوة إليه ومحاجة الخصوم إلا حشد هذه الآثار الضعيفة إلا القليل.
أقول: لا شك أن هذه فرية، وما كان ينبغي أن تنطلي على مسلم فضلاً عن طالب علم، وهي فرية ليست جديدة بل قديمة، قال بها أهل الأهواء والبدع منذ نشأت الأهواء والبدع.
وأقول: إن السلف فعلاً قد يستدل أحدهم بالإسرائيليات، أو بالحكايات الضعيفة، أو بالأحاديث الضعيفة في معرض الاستدلال على قضية ما من قضايا الدين، لكن كيف كانوا يستدلون، وهل كانوا يستدلون بهذه الأحاديث الضعيفة على مسائل الدين المهمة؟ لا، فالثابت والمتقرر والذي عليه جميع علماء السنة المعتبرين أنهم لا يستدلون في قضية من قضايا الدين القطعية أو أصل من أصول السنة التي اتفقوا عليها إلا بدليل صحيح من القرآن أو السنة أو مما أجمع عليه السلف، لكن بعد الاستدلال بذلك قد يحشدون هذا النوع من الأدلة الإسرائيلية والضعيفة من باب الاعتضاد لا من باب الاعتماد، مثل ما تحشد الجيوش من الأقوياء الشجعان المدربين وممن دونهم من الضعاف والجبناء أحياناً من باب تكثير القوة أمام الخصم، فلا أعرف قضية من قضايا الدين اعتمد فيها السلف على أحاديث موضوعة ولا ضعيفة، أو حكايات إسرائيلية أو تاريخية أبداً، وأقول ذلك جازماً، ولذلك فإن بعض المسائل التي استدل بها بعض أهل العلم المعتبرين بحديث ضعيف، اعتبرها الآخرون من الشذوذ في الرأي ومن الزلّات، والزلّات ليست عقائد للأمة، نعم قد يستدل بعض العلماء بأشياء ضعيفة ويعتقدها ويجزم بها، لكن هل هذا منهج الجميع؟ لا، بل هذه تعتبر من الزلّات التي يقع فيها البشر وليس أحد معصوماً إلا الرسول ﷺ ، أما المنهج الذي عليه سلف الأمة الاعتقادي والعلمي والعملي فليس فيه ما يستدل به بحديث ضعيف أو دلالة محتملة قطعاً وبعض هؤلاء الذين كتبوا -
стр. 359
طلب الدعاء من الغائب الحي أو الميت
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد مضت السنة أن الحي يُطلب منه الدعاء كما يُطلب منه سائر ما يقدر عليه، وأما المخلوق الغائب والميت، فلا يُطلب منه شيء، يحقق هذا الأمر أن التوسل به والتوجه به لفظ فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح، فمعناه في لغة الصحابة أن يُطلب منه الدعاء والشفاعة، فيكونون متوسلين ومتوجهين بدعائه وشفاعته، ودعاؤه وشفاعته ﷺ من أعظم الوسائل عند الله ، وأما في لغة كثير من الناس فمعناه أن يسأل الله تعالى ويقسم عليه بذاته.
والله تعالى لا يُقسم عليه بشيء من المخلوقات، بل لا يقسم بها بحال، فلا يقال: أقسمت عليك يا رب بملائكتك، ولا بكعبتك، ولا بعبادك الصالحين، كما لا يجوز أن يُقسم الرجل بهذه الأشياء، بل إنما يُقسم بالله تعالى بأسمائه وصفاته؛ ولهذا كان السنة أن يسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته، فيقول: أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
(وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك) الحديث كما جاءت به السنة، وأما أن يسأل الله ويُقسم عليه بمخلوقاته فهذا لا أصل له في دين الإسلام.
وكذلك قوله: اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم، وجدك الأعلى، وبكلماتك التامات.
مع أن هذا الدعاء الثالث، في جواز الدعاء به قولان للعلماء].
الدعاء الثالث لا يقصده كله، فهو ذكر ثلاثة أدعية الأول: أقسمت عليك يا رب بملائكتك، هذا لا يجوز.
والثاني: أسألك بأن لك الحمد ونحو ذلك، فهذا جائز.
والثالث: اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك، هذا اشتمل على دعاء جائز ودعاء فيه خلاف.
أما الجائز منه فقوله: وباسمك الأعظم وجدك الأعلى وبكلماتك التامات، لكن يبقى: اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك فهذه فيها تفصيل، أولاً: ما معنى (معاقد العز من عرشك)؟ فإذا عرفنا معناها عرفنا هل يجوز الدعاء بها أو لا يجوز، فهي من الألفاظ المحتملة؛ لأن معاقد العز قد يقصد بها مواطن العز من العرش، ومواطن العز من العرش قد يقصد بها ما يتعلق بذات الله، فمن هنا يجوز الدعاء.
وقد يقصد بها ما يتعلق بالمخلوق وهو العرش، فمن هنا لا يجوز الدعاء بها.
كلمة (بمعاقد العز من عرشك) من الكلمات الغامضة، ولذلك لا ينبغي الدعاء بها وإن أُثرت عن بعض السلف لأنهم يقصدون معنى صحيحاً لا يرد في أذهان الناس اليوم بعدما ضعفت اللغة العربية عندهم وقل فقههم لها، فأكاد أجزم أن أكثر الذين يدعون بمثل هذا الدعاء يقصدون معنى فاسداً في مفهوم (معاقد العز من عرشك).
стр. 360
الاختلاف في الدعاء بـ (أسألك بمعاقد العز من عرشك)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [مع أن هذا الدعاء الثالث، في جواز الدعاء به قولان للعلماء.
قال الشيخ أبو الحسين القدوري في كتابه المسمى بشرح الكرخي: قال بشر بن الوليد سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به].
يعني إلا بالله .
قال رحمه الله تعالى: [وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك أو بحق خلقك.
وهو قول أبي يوسف، قال أبو يوسف: معقد العز من عرشه هو الله].
إذاً هذا تفسير لمعقد العز على أن المقصود به مواطن العز المتعلقة بأفعال الله، أو المقصود بها أفعال الله تجاه العرش، وهذا أمر غامض لا ندري ما المقصود به فلذلك كرهه هؤلاء الأئمة أبو حنيفة وأبو يوسف.
قال رحمه الله تعالى: [قال أبو يوسف: معقد العز من عرشه هو الله فلا أكره هذا، وأكره أن يقول: بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام.
قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز؛ لأنه لا حق للمخلوق على الخالق، فلا يجوز يعني وفاقاً، وهذا من أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما يقتضي المنع أن يُسأل الله بغيره].
أبو يوسف حينما فسّر معقد العز من العرش ما يتعلق بالله أجازه، لأنه فسّره بمعنى يتعلق بالله، يعني بصفة الله أو بفعل الله، فأجازه لأنه سؤال بالله، لكن ومع ذلك يبقى كما قلت: معقد العز يحتمل أن يقصد به المخلوق وليس الله ؛ لأن المعقد هو الموطن أو المحك، أو الفعل وهذه كلها محتملة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا من أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما يقتضي المنع أن يُسأل الله بغيره، فإن قيل: الرب يقسم بما شاء من مخلوقاته، وليس لنا أن نُقسم عليه إلا به، فهلا قيل: يجوز أن يُقسم عليه بمخلوقاته، وأن لا يُقسم على مخلوق إلا بالخالق تعالى؟ قيل: لأن إقسامه سبحانه بمخلوقاته من باب مدحه والثناء عليه وذكر آياته، وإقسامنا نحن بذلك شرك إذا أقسمنا به لحض غيرنا أو لمنعه أو تصديق خبر أو تكذيبه.
ومن قال لغيره: أسألك بكذا؛ فإما أن يكون مقسماً فهذا لا يجوز بغير الله تعالى، والكفارة في هذا على المقسم، لا على المقسم عليه، كما صرح بذلك أئمة الفقهاء، وإن لم يكن مقسماً فهو من باب السؤال، فهذا لا كفارة فيه على واحد منهما.
فتبين أن السائل لله بخلقه إما أن يكون حالفاً بمخلوق، وذلك لا يجوز، وإما أن يكون سائلاً به، وقد تقدم تفصيل ذلك.
وإذا قال: بالله افعل كذا، فلا كفارة فيه على واحد منهما، وإذا قال: أقسمت عليك بالله لتفعلن أو والله لتفعلن فلم يبر قسمه لزمت الكفارة الحالف، والذي يدعو بصيغة السؤال فهو من باب السؤال به.
وأما إذا أقسم على الله تعالى مثل أن يقول: أقسمت عليك يا رب لتفعلن كذا، كما كان يفعل البراء بن مالك وغيره من السلف، فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره).
وفي الصحيح أنه قال، لما قال أنس بن النضر: (والذي بعثك بالحق لا تُكسر ثنية الربيع، فقال النبي ﷺ : يا أنس، كتاب الله القصاص فعفا القوم، فقال النبي ﷺ : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره).
وهذا من باب الحلف بالله لتفعلن هذا الأمر، فهو إقسام عليه تعالى به، وليس إقساماً عليه بمخلوق.
وينبغي للخلق أن يدعوا بالأدعية الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنة، فإن ذلك لا ريب في فضله وحسنه، وأنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً].
стр. 361
التوسل بجاه النبي ﷺ
[وقد تقدم أن ما يذكره بعض العامة من قوله ﷺ : (إذا كانت لكم حاجة فاسألوا الله بجاهي) حديث باطل لم يروه أحد من أهل العلم، ولا هو في شيء من كتب الحديث، وإنما المشروع الصلاة عليه في كل دعاء.
ولهذا لما ذكر العلماء الدعاء في الاستسقاء وغيره ذكروا الصلاة عليه، لم يذكروا فيما شُرع للمسلمين في هذه الحال التوسل به، كما لم يذكر أحد من العلماء دعاء غير الله والاستعانة المطلقة بغيره في حال من الأحوال، وإن كان بينهما فرق فإن دعاء غير الله كفر، ولهذا لم ينقل دعاء أحد من الموتى والغائبين لا الأنبياء ولا غيرهم عن أحد من السلف وأئمة العلم، وإنما ذكره بعض المتأخرين ممن ليس من أئمة العلم المجتهدين، بخلاف قولهم: أسألك بجاه نبينا أو بحقه، فإن هذا مما نُقل عن بعض المتقدمين فعله، ولم يكن مشهوراً بينهم ولا فيه سنة عن النبي ﷺ ، بل السنة تدل على النهي عنه كما نُقل ذلك عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما.
ورأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد بن عبد السلام قال: لا يجوز أن يتوسل إلى الله بأحد من خلقه إلا برسول الله ﷺ إن صح حديث الأعمى، فلم يعرف صحته.
ثم رأيت عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما من العلماء أنهم قالوا: لا يجوز الإقسام على الله بأحد من الأنبياء، ورأيت في كلام الإمام أحمد أنه في النبي ﷺ لكن قد يخرّج على إحدى الروايتين عنه في جواز الحلف به، وقد تقدم أن هذا الحديث لا يدل إلا على التوسل بدعائه، ليس من باب الإقسام بالمخلوق على الله تعالى، ولا من باب السؤال بذات الرسول كما تقدم.
والذين يتوسلون بذاته لقبول الدعاء وعدلوا عما أمروا به وشرع لهم، وهو من أنفع الأمور لهم إلى ما ليس كذلك، فإن الصلاة عليه من أعظم الوسائل التي بها يستجاب الدعاء، وقد أمر الله بها].
стр. 362
الأسئلة
стр. 363
التحذير ممن يثيرون الشبه حول ركنية العمل في الإيمان
السؤال
نأمل بيان ما يجب نحو بعض الآراء الشاذة التي تظهر من آن لآخر من بعض طلاب العلم في مسائل الاعتقاد، مثل أن العمل ليس شرطاً أو ركناً في الإيمان، وهذا له أثر على بعض طلبة العلم؟
الجواب
على أي حال مثل هذه المسائل من القضايا الكبيرة المنهجية التي لا يجوز لطلاب العلم التغافل عنها أو التساهل فيها، فيجب أن تتظافر الجهود أولاً في الرد على أصحابها بالأسلوب المناسب.
وأغلب الذين بدءوا يثيرون مثل هذه الأفكار في مسائل الاعتقاد أغلبهم حدثاء، وأيضاً ليسوا من طلاب العلم الذين يثق الناس فيهم ثقة شرعية مطلقة، فلذلك ينبغي تجاهل أسمائهم؛ لأنهم جزء من حزب الشيطان، والشيطان إذا استعيذ منه تعاظم، فأخشى أن يتعاظموا بذكر أسمائهم، فلذلك ينبغي الرد على أفكارهم بأسلوب علمي موضوعي مركز، ولا يحقر أحد منكم نفسه عن مثل هذا العمل؛ لأن الأفكار التي بدءوا يثيرونها أفكار ناسفة قوية، وشبهات من لم يكن عنده فقه في دين الله ينجرف تجاهها، وأنا لاحظت من بعض من ينتسبون لطلاب العلم، خاصة الذين تخرجوا من الكليات الشرعية أنهم ضحية هذا الاتجاه؛ وسمعت أن طوائف من هذا الصنف قالوا بلسان الحال وبعضهم بلسان المقال: إن ما أثاره هؤلاء ضد السلف معقول، فما الذي عندكم نرد عليه؟! وقد سمعتها بنفسي من إنسان ما كنت أتصور أن تنطلي عليه مثل هذه الأمور؛ ولذلك قلت إنهم يثيرون قضايا ناسفة، والإنسان الذي ليس عنده اطلاع تدخل في قلبه وتؤثر على تفكيره، فيحتاج الأمر إلى بسط هذه المسائل أمام الناس ونشرها، وحماية المجتمع من غوائل هذا الانحراف بكل وسيلة متاحة مشروعة، وعدم التعلق بالأشخاص أو ذكر أسمائهم؛ لأن هذا يؤدي إلى التعصب لهم، ويؤدي إلى تعاظمهم؛ لأن الذين يثيرون هذه الفتنة بين المسلمين ليسوا ممن يكرهون الكلام فيهم، بل يرغب أن تتكلم فيه، حتى لو قلت لبعضهم: إنه زنديق يفرح بها؛ لأنه ليس عنده في الزندقة مشكلة، فالزندقة عنده شعار للحرية والخروج عن المألوف، ومعارضة الاتجاه الذي يراه غير سليم إلى آخره.
فلذلك ينبغي الرد على هذه الأصول الخاطئة وهذه الانحرافات بالتأصيل الشرعي، وبالإشارة إلى الرأي المخالف على لغة: (ما بال أقوام) كما كان النبي ﷺ يفعل؛ لأن بعضهم ممن وقع دون قصد فلا ينبغي التشهير به، وبعضهم وقع بقصد فلا ينبغي إشهار اسمه والدعاية له بهذه الصورة.
فأقول: لا يجوز لأحد من طلاب العلم أن يتساهل في هذا الأمر، ويجب أن تسهموا في رد هذه الشبهات جزئياً أو كلياً بأي جهد؛ لأنها بدأت الآن تسير بالناس سير النار في الهشيم.
стр. 364
حكم إنكار طلب الدعاء من الإخوان
السؤال
هناك من العلماء من ينكر على من يطلب من أخيه الدعاء، معللاً ذلك بالتواكل وترك العمل، ثم فيه تزكية للشخص الداعي؟
الجواب
الأمر ينبغي أن يكون باعتدال لا إفراط ولا تفريط، فإذا رأيت إنساناً من عادته أن يطلب الدعاء كثيراً من الآخرين فيجب أن تنصحه، كما تفعل بعض الجماعات، فمن سمتهم التي يتواصون بها طلب الدعاء من الآخرين، وهذا لا ينبغي أن يكون منهجاً، أما أن يحدث لمناسبة دون أن يتكرر من الشخص كثيراً فلا بأس، كأن يحدث في ظرف مناسب ومكان مناسب وزمان مناسب، مع شخص له اعتباره في الصلاح والاستقامة، فإذا كان يحدث قليلاً فلا حرج فيه، كما هو مقتضى السنة، ووارد عن السلف، بل ورد في أحاديث عن النبي ﷺ وإن كان في بعضها ضعف، لكن الأصل مما اتفق عليه السلف كما ذكر شيخ الإسلام في هذا الكتاب القيم الذي قرأناه.
نسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 365
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٣٤]
الصلاة على النبي ﵊ هي الدعاء له، وهي هنا من التوسل بالدعاء له ﷺ ، وتكون في ألفاظ الدعاء الواجبة داخل الصلاة، كما أنها وردت في المستحبات من الأذكار والأدعية وغيرها، والعبد يصلي على النبي ﷺ بالنطق والكتابة.
стр. 366
الصلاة على النبي ﷺ
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [والصلاة عليه في الدعاء هو الذي دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وفي الصحيح عنه أنه قال: (من صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً).
وعن فضالة بن عبيد صاحب رسول الله ﷺ قال: (سمع رسول الله ﷺ رجلاً يدعو في صلاته لم يحمد الله، ولم يصل على النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : عجل هذا، ثم دعاه، فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد ربه، ثم يصلي على النبي، ثم يدعو بعده بما شاء) رواه أحمد وأبو داود، وهذا لفظه، والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث صحيح.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي، فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة).
وفي سنن أبي داود والنسائي عنه: (أن رجلاً قال: يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله ﷺ : قل كما يقولون، فإذا انتهيت سل تعطه).
وفي المسند عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (من قال حين ينادي المنادي: اللهم رب هذه الدعوة القائمة والصلاة النافعة صل على محمد وارض عنه رضاء لا سخط بعده، استجاب الله له دعوته).
وعن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة)، رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن.
وعن سهل بن سعد ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء قلما ترد على داع دعوته: عند حصول النداء، والصف في سبيل الله)، رواه أبو داود].
стр. 367
معنى حديث: (أجعل لك صلاتي كلها)
قال رحمه الله تعالى: [وفي المسند والترمذي وغيرهما عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه ﵁ أنه قال: (كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ربع الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، قال أبي: قلت يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت، قلت: الربع؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قلت: النصف؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قلت: الثلثين؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذاً يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك)، وفي لفظ: (إذاً تكفى همك، ويغفر ذنبك)].
المقصود هنا بالصلاة الصلاة على النبي ﷺ ، وهي بمعنى الدعاء له، يعني: الدعاء والصلاة عليه ﷺ ؛ لأنه من المعلوم أنه ليس المقصود العبادة للنبي ﷺ ، لكن هذا اللفظ دليل على أن الدعاء يسمى صلاة، والصلاة على النبي ﷺ دعاء له، سميت صلاة من باب إطلاق الكل على الجزء، هذا أمر.
الأمر الآخر: الأحاديث التي مرت كلها صحيحة.
ذكر في مجموع هذه الأحاديث أن التوسل هو بالدعاء، وأن حق النبي ﷺ بعد حبه واتباعه بالصلاة عليه ﷺ .
الصلاة على النبي ﷺ تعبدنا بها مقيدة في ألفاظ الدعاء الواجبة، مثل الصلاة، وغير الواجبة مثل كثير من الأدعية في الأوراد وغيرها، ثم أيضاً أمرنا أمراً مؤكداً بالصلاة عليه كلما يذكر اسمه ﷺ ، وعدم الصلاة عليه جفاء، ولذلك ينبغي أن تكون الصلاة عليه ﷺ بكل وجوه الصلاة، بالنطق، وبالكتابة، باللسان والقلم، والأحاديث التي مرت كما قلت كلها صحيحة، بعضها أشار شيخ الإسلام إلى صحتها، والباقي كله صحيح، وتعرفون أن شيخ الإسلام قل أن يستدل بغير الصحيح، وقد يستدل بالضعيف إما للاعتضاد كما سبق، وإما لأنه عنده صحيح وإن ضعفه أهل العلم.
стр. 368
معنى جعل الصلاة للنبي ﷺ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقول السائل: أجعل لك من صلاتي؟ يعني: من دعائي، فإن الصلاة في اللغة هي الدعاء، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، وقال النبي ﷺ : (اللهم صل على آل أبي أوفى)، وقالت امرأة: (صل علي يا رسول الله وعلى زوجي، فقال: صلى الله عليك وعلى زوجك).
فيكون مقصود السائل: أي يا رسول الله إن لي دعاء أدعو به، أستجلب به الخير، وأستدفع به الشر، فكم أجعل لك من الدعاء، قال: (ما شئت) فلما انتهى إلى قوله: (أجعل لك صلاتي كلها؟ قال له: إذاً تكفى همك ويغفر ذنبك)، وفي الرواية الأخرى: (إذاً يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك)، وهذا غاية ما يدعو به الإنسان من جلب الخيرات ودفع المضرات، فإن الدعاء فيه تحصيل المطلوب واندفاع المرهوب، كما بسط ذلك في مواضعه].
لا يزال الشيخ يذكر أنواع الأدعية المشروعة، وكأنه بذلك يشير إلى أن ما شرعه الله وشرعه رسوله ﷺ من أنواع الأدعية كافيان عما يبتدعه الناس من التوسل بغير الله أو الاستشفاع بغيره، أو الأيمان المحرمة، أو السؤال بجاه الآخرين، إلى آخره مما ذكره من النماذج التي يقع فيها المبتدعة.
وهنا يشير إلى أنواع التوسلات التي هي الأدعية المشروعة وأنها أصناف كثيرة.
стр. 369
مراتب الأدعية الشرعية وغير الشرعية
قال رحمه الله تعالى: [وقد ذكر علماء الإسلام وأئمة الدين الأدعية الشرعية، وأعرضوا عن الأدعية البدعية، فينبغي اتباع ذلك، والمراتب في هذا الباب ثلاث: إحداها: أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب، سواء كان من الأنبياء والصالحين أو غيرهم، فيقول: يا سيدي فلان أغثني، أو أنا أستجير بك، أو أستغيث بك، أو انصرني على عدوي ونحو ذلك، فهذا هو الشرك بالله.
والمستغيث بالمخلوقات، قد يقضي الشيطان حاجته أو بعضها؛ وقد يتمثل له في صورة الذي استغاث به، فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به، وإنما هو شيطان دخله وأغواه لما أشرك بالله، كما يتكلم الشيطان في الأصنام وفي المصروع وغير ذلك، ومثل هذا واقع كثيراً في زماننا وغيره، وأعرف من ذلك ما يطول وصفه في قوم استغاثوا بي أو بغيري، وذكروا أنه أتى شخص على صورتي أو صورة غيري، وقضى حوائجهم فظنوا أن ذلك من بركة الاستغاثة بي أو بغيري، وإنما هو شيطان أضلهم وأغواهم، وهذا هو أصل عبادة الأصنام واتخاذ الشركاء مع الله تعالى في الصدر الأول من القرون الماضية، كما ثبت ذلك، فهذا أشرك بالله، نعوذ بالله من ذلك.
وأعظم من ذلك أن يقول: اغفر لي وتب علي، كما يفعله طائفة من الجهال المشركين، وأعظم من ذلك أن يسجد لقبره ويصلي إليه ويرى الصلاة إليه أفضل من استقبال القبلة، حتى يقول بعضهم: هذه قبلة الخواص، والكعبة قبلة العوام.
وأعظم من ذلك أن يرى السفر إليه من جنس الحج، حتى يقول: إن السفر إليه مرات يعدل حجة، وغلاتهم يقولون: الزيارة إليه مرة أفضل من حج البيت مرات متعددة ونحو ذلك، فهذا شرك بهم، وإن كان يقع كثير من الناس في بعضه.
الثانية: أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله لي، أو ادع لنا ربك، أو اسأل الله لنا، كما تقول النصارى لمريم وغيرها.
فهذا أيضاً لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة، وإن كان السلام على أهل القبور جائزاً، ومخاطبتهم جائزة كما كان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يغفر الله لنا ولكم، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم).
وروى أبو عمر بن عبد البر عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇.
وفي سنن أبي داود عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇، لكن ليس من المشروع أن يطلب من الأموات لا دعاء ولا غيره.
وفي موطأ مالك أن ابن عمر ﵄ كان يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف].
стр. 370
سماع الحي للميت
فيما يتعلق برد السلام أو سماع الميت للحي، هذه مسألة فيها خلاف كبير، والحديث الذي أورده الشيخ عن ابن عبد البر عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من رجل يمر بقبر رجل)، هذا الحديث ضعيف، ولذلك الذين استدلوا به على أن الميت يجيب الحي، يرد على هذا الاستدلال بأن ما ورد في هذا الجانب أحاديث ضعيفة، أما النبي ﷺ فقد ثبت أنه يرد عليه روحه ويسلم، وأنه يرد السلام على من يسلم عليه أينما كان؛ وهذا خاص به لأنه ورد به النص.
أما غيره فالمشروع من المسلم إذا أتى إلى قبر أخيه المسلم الميت، فإنه يسلم عليه، ويخاطبه بالسلام، وهذا الخطاب فيه دلالة غير قاطعة على أنهم يسمعون، لكن كيف يكون سماعهم؟ هذا أمر غيبي، لكن لم يثبت أنهم يردون.
وأيضاً فإنهم قد يسمعون، لكن ليس سماعاً مطلقاً، وإنما يسمعون القدر الشرعي، أعني أنك إذا أتيت وسلمت عليهم هذا السلام الذي وجه به النبي ﷺ أو مثله فإنهم يسمعون، لكن لا يسمعون الداعي لهم.
وقد تنازع الناس في هذه المسألة بسبب ما ورد عن النبي ﷺ وهو صحيح: أنه لما دفن موتى المشركين في غزوة بدر، خاطبهم النبي ﷺ كما أمره الله ، فقال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً وذكر لهم أنه وجد ما وعده ربه حقاً، فالصحابة سألوا النبي ﷺ : هل يسمعون؟ فذكر أنهم أسمع منهم له، وهذه والله أعلم حادثة عين، إما خاصة بالنبي ﷺ ، أو خاصة بالنبي ﷺ وبذلك الموقف؛ لأنه ليس هناك دلالة على عموم هذا في جميع الأموات وجميع المخاطبين والمخاطبين.
إذاً: الظاهر والراجح أن أهل القبور من المسلمين إذا سلمت عليهم يسمعون السلام، أما هل يردون أو لا يردون فهذه مسألة خلافية، لكن غير السلام، مثل قراءة القرآن عليهم، والصلاة عندهم، وإهداء الأشياء عند القبور لهم، الله أعلم أنهم لا ينتفعون به، ولا يردون على المخاطب كما يقال في السلام.
وكما قلت: الحديث الذي ساقه ابن عبد البر ضعيف، فلا يعتمد عليه في أن صاحب القبر يرد السلام.
стр. 371
كيفية السلام على النبي ﷺ عند قبره
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن عبد الله بن دينار قال: رأيت عبد الله بن عمر ﵄ يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي على النبي ﷺ ، ويدعو لـ أبي بكر وعمر، وكذلك أنس بن مالك وغيره نقل عنهم أنهم كانوا يسلمون على النبي ﷺ ، فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة يدعون الله تعالى، لا يدعون مستقبلي الحجرة، وإن كان قد وقع في بعض ذلك طوائف من الفقهاء والصوفية والعامة ممن لا اعتبار بهم، فلم يذهب إلى ذلك إمام متبع في قوله، ولا من له في الأمة لسان صدق عام.
ومذهب الأئمة الأربعة مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة الإسلام: أن الرجل إذا سلم على النبي ﷺ ، وأراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة.
واختلفوا في وقت السلام عليه، فقال الثلاثة مالك والشافعي وأحمد: يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه.
وقال أبو حنيفة: لا يستقبل الحجرة وقت السلام، كما لا يستقبلها وقت الدعاء باتفاقهم.
ثم في مذهبه قولان].
تلاحظون المفارقات العجيبة، وهذه كثيرة في أتباع الأئمة الأربعة أو غيرهم من المشاهير الذين لهم من يقتدي بهم، نجد أنه لو قارنا بين آراء ومواقف هذه الأمة تجاه نشر السنة ونفي البدعة، وجدنا أن أتباعهم أبعد الناس عنهم، فنجد أبا حنيفة ﵀ شديد في هذه المسألة، في حين أن المنتسبين له الآن من الماتريدية والأحناف هم أكثر الناس وقوعاً في المخالفة، يعني: ليسوا على مذهب إمامهم، فهو -كما ترون- خالف الأئمة الثلاثة في أنه حتى في السلام على النبي ﷺ يرى ألا يستقبل القبر خوفاً من البدعة، أو سداً لذريعة توجه الناس في قلوبهم إلى غير الله ، ومع ذلك فإن أتباعه من أكثر الناس في هذا العصر وقوعاً في خلاف قوله، وهذا كثير.
وما من جماعة شذت عن السنة إلا نجد الرد عليها -إذا كانت تنتسب إلى إمام من أئمة السنة- في أصول إمامها الذي تنتسب إليه، وينبغي أن ننبه على هذه المسألة الآن، وأرى أن من أحسن الردود على الأشاعرة في تأويلهم صفات الله كتب الأشعري، من أجل ألا يقال: والله هذا مذهب الوهابية، مذهب الحنابلة، هذا مذهب ابن تيمية، فنأتي بالدليل من أئمتهم، وهذا كثير جداً، ليس في جزئيات، بل في أصول الدين، وليس فقط في جوانب الصفات والأمور النظرية، بل حتى في جوانب العبادة، فأغلب الناس الآن تنتسب للأئمة الأربعة، فينبغي أن نبين لهم أن هؤلاء الأئمة الأربعة كلهم على السنة، وكلهم على خلاف ما عليه أتباعهم الآن، وكلهم أيضاً يذمون ويسبون الأصول والبدع التي عليها أتباعهم الآن، فهم الآن يشتمون أئمتهم وهم لا يشعرون، فينبغي التنويه على هذا والاهتمام به، وتبصير المسلمين ونصحهم في مثل هذا الجانب؛ لأن الناس ابتلوا بالانتماء للمذاهب الأربعة، وإذا كان كذلك فمن الأفضل أن نقيم عليهم الحجة، بل نعيدهم إلى الحق، بهذا الانتماء والانتساب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم في مذهبه قولان: قيل يستدبر الحجرة، وقيل يجعلها عن يساره، فهذا نزاعهم في وقت السلام].
قوله: (يجعلها عن يساره) أي: إذا كان في المسجد؛ لأن مسجد النبي ﷺ تكون الحجرة عن يساره، فكأنه يقول: يدعو في المسجد متجهاً للقبلة، فلا يتجه للقبر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذا نزاعهم في وقت السلام، وأما في وقت الدعاء فلم يتنازعوا في أنه إنما يستقبل القبلة لا الحجرة].
стр. 372
حكاية مالك في استقبال الحجرة والتوسل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والحكاية التي تذكر عن مالك: أنه قال للمنصور لما سأله عن استقبال الحجرة، فأمره بذلك، وقال: هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم، كذب على مالك ليس لها إسناد معروف، وهو خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات في كتب أصحابه، كما ذكره إسماعيل بن إسحاق القاضي وغيره، مثلما ذكروا عنه أنه سئل عن أقوام يطيلون القيام مستقبلي الحجرة يدعون لأنفسهم، فأنكر مالك ذلك، وذكر أنه من البدع التي لم يفعلها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وقال: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
ولا ريب أن الأمر كما قاله مالك، فإن الآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين تبين أن هذا لم يكن من عملهم وعادتهم، ولو كان استقبال الحجرة عند الدعاء مشروعاً لكانوا هم أعلم بذلك وكانوا أسبق إليه ممن بعدهم.
والداعي يدعو الله وحده، وقد نهى عن استقبال الحجرة عند دعائه لله تعالى، كما نهى عن استقبال الحجرة عند الصلاة لله تعالى، كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبي مرثد الغنوي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)، فلا يجوز أن يصلى إلى شيء من القبور، لا قبور الأنبياء ولا غيرهم؛ لهذا الحديث الصحيح.
ولا خلاف بين المسلمين أنه لا يشرع أن يقصد الصلاة إلى القبر، بل هذا من البدع المحدثة، وكذلك قصد شيء من القبور لاسيما قبور الأنبياء والصالحين عند الدعاء، فإذا لم يجز قصد استقباله عند الدعاء لله تعالى فدعاء الميت نفسه أولى أن لا يجوز، كما أنه لا يجوز أن يصلي مستقبله فلأن لا يجوز الصلاة له بطريق الأولى.
فعلم أنه لا يجوز أن يسأل الميت شيئاً، لا يطلب منه أن يدعو الله له ولا غير ذلك، ولا يجوز أن يشكى إليه شيء من مصائب الدنيا والدين.
ولو جاز أن يشكى إليه ذلك في حياته، فإن ذلك في حياته لا يفضي إلى الشرك، وهذا يفضي إلى الشرك؛ لأنه في حياته مكلف أن يجيب سؤال من سأله لما له في ذلك من الأجر والثواب، وبعد الموت ليس مكلفاً، بل ما يفعله من ذكر لله تعالى ودعاء ونحو ذلك، كما أن موسى يصلي في قبره، وكما صلى الأنبياء خلف النبي ﷺ ليلة المعراج ببيت المقدس، وتسبيح أهل الجنة والملائكة، فهم يتمتعون بذلك، وهم يفعلون ذلك بحسب ما يسره الله لهم ويقدره لهم، ليس هو من باب التكليف الذي يمتحن به العباد].
كأن الشيخ يشير بهذا إلى ما ورد أن بعض الأنبياء تكون لهم حياة وأعمال خاصة بهم في القبور، وهذا لا يدل على أنهم يجيبون السائل، ولا أنهم ينتفعون بهذه الصلاة، لكن هي من باب الصلاة العامة التي سخر الله فيها جميع الخلق، فليس ذلك من باب التكليف ولا من باب زيادة الكرامة، إنما هو من باب الخضوع لله كتسبيح الحصى وتسبيح الملائكة وغير ذلك.
стр. 373
بيان أن سؤال الميت لا ينفع
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وحينئذ فسؤال السائل للميت لا يؤثر في ذلك شيئاً، بل ما جعله الله فاعلاً له هو يفعله وإن لم يسأله العبد، كما تفعل الملائكة ما تؤمر به، وهم إنما يطيعون أمر ربهم لا يطيعون أمر مخلوق، كما قال : ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٧] فهم لا يعملون إلا بأمره .
ولا يلزم من جواز الشيء في حياته جوازه بعد موته، فإن بيته كانت الصلاة فيه مشروعة، وكان يجوز أن يجعل مسجداً، ولما دفن فيه حرم أن يتخذ مسجداً، كما في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً).
وفي صحيح مسلم وغيره عنه ﷺ أنه قال: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك).
وقد كان ﷺ في حياته يصلى خلفه؛ وذلك من أفضل الأعمال، ولا يجوز بعد موته أن يصلي الرجل خلف قبره، وكذلك في حياته يطلب منه أن يأمر وأن يفتي وأن يقضي، ولا يجوز أن يطلب ذلك منه بعد موته وأمثال ذلك كثير.
وقد كره مالك وغيره أن يقول الرجل: زرت قبر رسول الله ﷺ ؛ لأن هذا اللفظ لم يرد، والأحاديث المروية في زيارة قبره كلها ضعيفة، بل كذب، وهذا اللفظ صار مشتركاً في عرف المتأخرين يراد به الزيارة البدعية التي في معنى الشرك، كالذي يزور القبر ليسأله أو يسأل الله به أو يسأل الله عنده.
والزيارة الشرعية هي أن يزوره لله تعالى للدعاء له، والسلام عليه كما يصلي على جنازته، فهذا الثاني هو المشروع، ولكن كثير من الناس لا يقصد بالزيارة إلا المعنى الأول، فكره مالك أن يقول: زرت قبره؛ لما فيه من إيهام المعنى الفاسد الذي يقصده أهل البدع والشرك.
الثالثة: أن يقال: أسألك بفلان أو بجاه فلان عندك ونحو ذلك الذي تقدم عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما أنه منهي عنه، وتقدم أيضاً أن هذا ليس بمشهور عن الصحابة، بل عدلوا عنه إلى التوسل بدعاء العباس وغيره].
إذاً: الشيخ هنا استكمل المراتب الثلاث للدعاء المشروع والدعاء غير المشروع، وهي: المرتبة الأولى: أن يدعو غير الله سواء كان ميتاً أو حياً دعاء عبادة، فإذا دعاه فإنه يقع في الشرك.
والثانية: أن يطلب من الميت أن ينفعه بالدعاء أو نحو ذلك، أو يطلب من الميت أي طلب، لا على سبيل الدعاء، أو يتوجه إليه، أو يدعو الله متوجهاً إلى الميت، كل هذه الصور تدخل في المرتبة الثانية، وهذا كله بدعة إذا ما قصد به عبادة المدعو أو سؤاله من دون الله.
المرتبة الثالثة: السؤال بالغيب، وهذه مر التفصيل فيها، إن قصد القسم فهي حلف بغير الله وهذا لا يجوز، وإن قصد التوسل فهذا بدعي؛ وإذا قصد الجاه أو جاه فلان أو عمل فلان أو رتبة فلان أو فضله، فإن فضل الإنسان لا ينفع غيره ولا يستطيع الإنسان أن ينتفع بفضل غيره ولا بجاه غيره إلى آخره مما ورد تفصيله.
والله أعلم.
стр. 374
عدم مشروعية التوسل البدعي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد تبين ما في لفظ التوسل من الاشتراك بين ما كانت الصحابة تفعله وبين ما لم يكونوا يفعلونه، فإن لفظ التوسل والتوجه في عرف الصحابة ولغتهم: هو التوسل والتوجه بدعائه وشفاعته].
كأنه الآن يلخص ما مضى يعطي الخلاصة في مفهوم التوسل؛ لأن أصل الموضوع في هذا الكتاب هو التوسل والوسيلة، أي: ما المفهوم الصحيح والمفهوم غير الصحيح، والمفهوم الشرعي واللغوي كما مر، ثم ما هي الصور الصحيحة للتوسل المشروع والصور الفاسدة للتوسل الممنوع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا يجوز أن يتوسل ويتوجه بدعاء كل مؤمن، وإن كان بعض الناس من المشايخ المتبوعين يحتج بما يرويه عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور، أو فاستعينوا بأهل القبور)، فهذا الحديث كذب مفترى على النبي ﷺ بإجماع العارفين بحديثه، لم يروه أحد من العلماء بذلك، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة، وقد قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٨].
وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه غير مشروع، وقد نهى النبي ﷺ عما هو أقرب من ذلك؛ عن اتخاذ القبور مساجد ونحو ذلك؛ ولعن أهله تحذيراً من التشبه بهم، فإن ذلك أصل عبادة الأوثان، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]، فإن هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروهم، ثم اتخذوا الأصنام على صورهم، كما تقدم ذكر ذلك عن ابن عباس وغيره من علماء السلف.
فمن فهم معنى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، عرف أنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله وحده، وأنه يستعان بالمخلوق فيما يقدر، وكذلك الاستغاثة لا تكون إلا بالله، والتوكل لا يكون إلا عليه، وما النصر إلا من عند الله، فالنصر المطلق -وهو خلق ما يغلب به العدو- لا يقدر عليه إلا الله، وفي هذا القدر كفاية لمن هداه الله.
والله أعلم.
وهذا الذي نهى عنه النبي ﷺ من هذا الشرك هو كذلك في شرائع غيره من الأنبياء: ففي التوراة أن موسى ﵇ نهى بني إسرائيل عن دعاء الأموات وغير ذلك من الشرك، وذكر أن ذلك من أسباب عقوبة الله لمن فعله؛ وذلك أن دين الأنبياء ﵈ واحد وإن تنوعت شرائعهم، كما في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد)، وقد قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:١٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥١ - ٥٣]، وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٠ - ٣٢].
وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله ديناً غيره من الأولين والآخرين، كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد
стр. 375
الأسئلة
стр. 376
حكم كتابة (ص) بدلاً من ﷺ
السؤال
ما حكم كتابة حرف صاد، بدلاً من كتابة ﷺ ؟
الجواب
أنا أظن أن هذا من البخل والشح في حق النبي ﷺ ، فلا تكفي، وإن كانت اصطلاحاً على الصلاة عليه ﷺ ، لكن أرى أن فيها شيئاً من الجفوة التي لا تليق به.
стр. 377
معنى أنه لا يعرف الإسلام من لا يعرف الجاهلية
السؤال
ما صحة المقولة: لا يعرف الإسلام من لا يعرف الجاهلية؟
الجواب
هذه أظنها عن عمر بن الخطاب ﵁، وهي حكمة صائبة، لكن لا تعني أن الإنسان يبدأ تعلمه بمعرفة الجاهلية، هذا خلل وخطل، فلا يصح أن نعتبر هذه الحكمة دليلاً، ولا أنها تنصب على معنى أن المسلم يشرع له أن يبدأ بتعلم غير العلوم الشرعية، ويقرأ ما هب ودب، لكن القصد أن المسلم ينبغي له بعدما يتفقه في دين الله ، أن يطلع على أصول الضلالة والكفر والفساد، فيردها ويرد عليها ويحمي الأمة من غوائلها.
стр. 378
حكم الدعاء عند القبر النبوي
السؤال
هل الدعاء عند قبر النبي ﷺ مشروع، وهل ينهى من نراه يفعل؟
الجواب
الدعاء عند قبر النبي ﷺ أكثر من السلام غير مشروع؛ لأنه إما بدعة وإما وسيلة إلى البدعة، هذا إذا لم يستقبل القبر، أما إذا دعا مستقبلاً القبر، يعني: زاد مجرد السلام على النبي ﷺ وصاحبيه، ثم أخذ يدعو بأدعية لنفسه مستقبل القبر فهذه بدعة مغلظة.
المسلم مشروع له أن يدعو في كل مكان، ومن ذلك مسجد النبي ﷺ ، والروضة، لكن إن قصد قرب القبر، إن لاحظ في دعائه وتوجه قلبه إلى القبر، فهذه بدعة، سواء كان قريباً جداً أو ليس بقريب، والمسجد الآن واسع جداً، فلو أنه دعا في أقصى المسجد من جهة الغرب مثلاً، وكان قصده الدعاء قرب القبر فهذه بدعة؛ لأنه علق قلبه بغير الله.
فإذاً: لا شك أن قصد الدعاء عند القبر يعتبر بدعة، أما وقوع الدعاء عند القبر قدراً، دون القصد القلبي فهذا أمر لا حرج فيه؛ لأن المساجد من مواطن قبول الدعاء.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 379
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٣٥]
من مناهج أهل الأهواء والبدع التي يقوم عليها تدينهم وعبادتهم الاستمداد من الأوهام والتعلق بها، لا بدليل علمي ولا شرعي، وإنما هي أوهام الشياطين، خرجوا بها عن السنة وبعضها عن الإسلام.
стр. 380
تحريم التوسل والاستغاثة بمن دون الرسول ﷺ
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل: وإذا تبين ما أمر الله به ورسوله، وما نهى الله عنه ورسوله، في حق أشرف الخلق وأكرمهم على الله ، وسيد ولد آدم وخاتم الرسل والنبيين، وأفضل الأولين والآخرين، وأرفع الشفعاء منزلة وأعظمهم جاهاً عند الله ﵎، تبين أن من دونه من الأنبياء والصالحين أولى بألا يشرك به، ولا يتخذ قبره وثناً يعبد، ولا يدعى من دون الله لا في حياته ولا في مماته.
ولا يجوز لأحد أن يستغيث بأحد من المشايخ الغائبين ولا الميتين، مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني وانصرني وادفع عني، أو أنا في حسبك ونحو ذلك.
بل كل هذا من الشرك الذي حرم الله ورسوله، وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام].
стр. 381
إغواء الشياطين لمن يستغيث بغير الله
قال رحمه الله تعالى: [وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم؛ لما كانوا من جنس عباد الأوثان صار الشيطان يضلهم ويغويهم، كما يضل عباد الأصنام ويغويهم، فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به، وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة، كما تخاطب الشياطين الكهان، وبعض ذلك صدق، لكن لابد أن يكون في ذلك ما هو كذب، بل الكذب أغلب عليه من الصدق.
وقد تقضي الشياطين بعض حاجاتهم، وتدفع عنهم بعض ما يكرهونه، فيظن أحدهم أن الشيخ هو الذي جاء من الغيب حتى فعل ذلك، أو يظن أن الله تعالى صور ملكاً على صورته فعل ذلك، ويقول أحدهم: هذا سر الشيخ وحاله، وإنما هو الشيطان تمثل على صورته ليضل المشرك به المستغيث به.
كما تدخل الشياطين في الأصنام وتكلم عابديها وتقضي بعض حوائجهم، كما كان ذلك في أصنام مشركي العرب، وهو اليوم موجود في المشركين من الترك والهند وغيرهم.
وأعرف من ذلك وقائع كثيرة في أقوام استغاثوا بي وبغيري في حال غيبتنا عنهم، فرأوني أو ذاك الآخر الذي استغاثوا به قد جئنا في الهواء ودفعنا عنهم، ولما حدثوني بذلك بينت لهم أن ذلك إنما هو شيطان تصور بصورتي وصورة غيري من الشيوخ الذين استغاثوا بهم؛ ليظنوا أن ذلك كرامات للشيخ، فتقوى عزائمهم في الاستغاثة بالشيوخ الغائبين والميتين.
وهذا من أكبر الأسباب التي بها أشرك المشركون وعبدة الأوثان، وكذلك المستغيثون من النصارى بشيوخهم الذين يسمونهم العلامس؛ يرون أيضاً من يأتي على صورة ذلك الشيخ النصراني الذي استغاثوا به فيقضي بعض حوائجهم.
وهؤلاء الذين يستغيثون بالأموات من الأنبياء والصالحين والشيوخ وأهل بيت النبي ﷺ غاية أحدهم أن يجري له بعض هذه الأمور، أو يحكي لهم بعض هذه الأمور، فيظن أن ذلك كرامة وخرق عادة بسبب هذا العمل.
ومن هؤلاء من يأتي إلى قبر الشيخ الذي يشرك به ويستغيث به، فينزل عليه من الهواء طعام أو نفقة أو سلاح أو غير ذلك مما يطلبه، فيظن ذلك كرامة لشيخه، وإنما ذلك كله من الشياطين.
وهذا من أعظم الأسباب التي عبدت بها الأوثان].
يدخل في مثل هذا ما يحصل لكثير من الناس قديماً وحديثاً، واليوم بدأ يشيع، وهو لجوء الناس إلى غير الأسباب الشرعية، كلجوئهم إلى الكهنة والعرافين والدجالين والسحرة، والرقاة الجهلة في دفع الأضرار وكشف الأمور الغائبة، أو في الاستشفاء من الأمراض وغيرها.
أقول: إن هذا الأمر يكثر فيه الدجل، بل غالب أبوابه من الدجل، ما عدا الرقية الشرعية الصحيحة السليمة، ويحدث فيه الابتلاء أيضاً والفتنة، إن الكثيرين ممن يلجئون إلى هذه الأساليب غير الشرعية قد يستفيدون، إما فائدة وهمية، وهو الغالب، وإما فائدة حقيقية؛ كأن يشفى بعض المرضى بسبب هذه الأنواع من الدجل والشعوذة وغيرها، وقد يدل على أمر يكشف به ضره أو تتبين به حاله كبعض السحر، أو بعض من يضرون الشخص أو العائن ونحو ذلك، يكون هذا فعلاً من قبل الشياطين من الجن، ومن قبل بعض البشر الذين يموهون على الناس، وقد ينتفع المحتاج أو الذي يلجأ إلى هؤلاء، إما في جلب نفع أو دفع ضر، ويظن أن هذا دليل المشروعية لما سلك، فيأخذ ينشر مثل هذه الأمور، ويعمل ما يسمى بدعاية لهؤلاء الذين يعملون هذه الأمور الممنوعة، فيتكدس الناس حوله.
стр. 382
المفاسد والفتن في الرقى وعلاج المشعوذين
فأقول: ما يحصل من دفع الضر أو جلب النفع، لا شك أنه من باب الابتلاء والفتنة، وأنه نوع من الأنواع التي ذكرها شيخ الإسلام هنا؛ من أن أولئك القوم الذين يشركون بالله ويدعون غيره ؛ يحصل لهم أن يروا من يدعون أو يروا الشيخ الغائب أو الميت وهو أمامهم يغيثهم في اللحظات الحرجة، أو يجلب لهم أشياء يريدونها، أو يدفع عنهم شروراً يريدون دفعها، هذا في الشرك الصريح.
أقول: حتى ما دون ذلك من البدع المغلظة والتوسلات البدعية يحصل به من الفتنة كما يحصل بالصور الشركية التي ذكرها الشيخ، وربما كان أكثر هذه الصور التي يعملها المعاصرون مما يوقع في الشرك، فينبغي التنبه لهذا الأمر؛ لأنه قد كثر واستفحل في مجتمعنا، وأخذ صوراً وأسماء ليست كالسابق.
الآن الدجال لا يسمى دجالاً، بل يسمى طبيباً شعبياً أو طبيب أعشاب، وكثير من الدجالين دخل على الناس من باب الرقية، يبدأ بالآيات، ثم يتمتم بأمور مجهولة، والتلبيس يحدث حتى من قديم الزمان، فكثير من الكهنة والسحرة الذين عرفوا في التاريخ كانوا يستفتحون أعمالهم بالآيات، وهذا من باب التلبيس والعبث والاستهزاء بكتاب الله، والتلبيس على الناس، فيظن بعض السذج وبعض الجهلة، أن مجرد قراءة القرآن تكفي لتزكية هذا الدجال والمشعوذ؛ وأنه لو كان دجالاً لما قرأ القرآن، ويظنون أن الدجال لا يستطيع أن يقرأ القرآن، وهذا غير صحيح، فإنه قد يقرأ القرآن، ثم بعد ذلك يعمل أعماله الشركية، وهذا من باب لمن يفعل ذلك، ولمن يستعين بهم من دون الله .
فينبغي أن يبصر الناس بهذا الأمر؛ لأنه خطير جداً، وأن ما يحصلون عليه من منافع إنما هو من باب الابتلاء الذي يستفيدون فيه نفعاً في دنياهم، ويخسرون دينهم، وهذا هو الخسران المبين، نسأل الله السلامة.
стр. 383
الاستدراج إلى الشرك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٥ - ٣٦] كما قال نوح ﵇، ومعلوم أن الحجر لا يضل كثيراً من الناس إلا بسبب اقتضى ضلالهم، ولم يكن أحد من عباد الأصنام يعتقد أنها خلقت السماوات والأرض، بل إنما كانوا يتخذونها شفعاء ووسائط لأسباب: منهم من صورها على صور الأنبياء والصالحين، ومنهم من جعلها تماثيل وطلاسم للكواكب والشمس والقمر، ومنهم من جعلها لأجل الجن، ومنهم من جعلها لأجل الملائكة.
فالمعبود لهم في قصدهم، إنما هو للملائكة والأنبياء والصالحين أو الشمس أو القمر، وهم في نفس الأمر يعبدون الشياطين، فهي التي تقصد من الإنس أن يعبدها، وتظهر لهم ما يدعوهم إلى ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١].
وإذا كان العابد ممن لا يستحل عبادة الشياطين أوهموه أنه إنما يدعو الأنبياء والصالحين والملائكة وغيرهم ممن يحسن العابد ظنه به، وأما إن كان ممن لا يحرم عبادة الجن عرفوه أنهم الجن، وقد يطلب الشيطان المتمثل له في صورة الإنسان أن يسجد له، أو أن يفعل به الفاحشة، أو أن يأكل الميتة ويشرب الخمر، أو أن يقرب لهم الميتة، وأكثرهم لا يعرفون ذلك، بل يظنون أن من يخاطبهم إما ملائكة وإما رجال من الجن يسمونهم رجال الغيب، ويظنون أن رجال الغيب أولياء الله غائبون عن أبصار الناس، وأولئك جن تمثلت بصورة الإنس، أو رئيت في غير صور الإنس، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦].
كان الإنس إذا نزل أحدهم بواد يخاف أهله قال: أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه، وكانت الإنس تستعيذ بالجن فصار ذلك سبباً لطغيان الجن، وقالت: الإنس تستعيذ بنا].
стр. 384
قيام البدع الشركية على التوهمات
يشير الشيخ هنا إلى أمر مهم جداً، وهو أن أهل البدع والأهواء سواء كانت أهواؤهم تصل إلى درجة الشرك أو دون ذلك، كالبدع المغلظة، بدع التوسلات والتبركات البدعية وغير ذلك مما يقع فيه كثير من المسلمين اليوم؛ هذا الأمر يقوم على التوهمات وليس له حقيقة، كما أنه ليس له دليل شرعي، يعني: كثير مما يستمد منه أهل الأهواء عبادتهم أوهام، هذه الأوهام قننت من قبل شياطين الجن والإنس، ورتبت وجعلت أصولاً منهجية لأهل الأهواء، فالفلاسفة يسمون أوهامهم التي يعلقون بها مصائرهم ومصالحهم في الدين والدنيا، الفيض، ويسمونها كذا وكذا من الأسماء التي ترجع إلى المعاني الفلسفية، والصوفية وإن كان كثير من الفلاسفة أيضاً ينزعون إلى التصوف والعكس كذلك، لكن هناك من المتصوفة من قد لا يدرك المعاني الفلسفية العميقة، فتجده يعبر عن هذه الأوهام التي يستمد منها دينه وعبادته البدعية الكشف والذوق والوجد، وتواصل الأرواح، ويصل الأمر إلى أعلى درجة من الكفر، كأن يقول: حدثني قلبي عن ربي، فلا يستمد من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ ، فيعتمد على الأوهام التي هي من وحي الشياطين ويظنها من عند الله، ومن دونه من يظن أنه ينكشف له شيء من الغيب، فيحل به عبادة غير الله، ويحل به البدع والوسائل البدعية، بل يستحل به الحرام ويحرم به الحلال، وكذلك الذوق، فيرون أن الولي معصوم، وما تذوقه فهو مقتضى الشرع، وقد يتذوق عبادة المقبورين وعبادة الأصنام والأوثان، فيظن هذا مقتضى التشريع.
إذاً: يعود هذا كله إلى أن الشيطان أوهمهم أشياء فصدقوها وعملوا بها، فعلى هذا نستطيع أن نقول: إن من مناهج أهل الأهواء والبدع العامة التي يقوم عليها تدينهم وعبادتهم الاستمداد من الأوهام، والتعلق بالأوهام، لا بدليل شرعي، ولا بدليل علمي يقيني، ولا المشاهدة بالعين ولا بالسمع ولا، إنما هي أوهام شرعها لهم الشيطان، فكانت من شرعتهم التي خرجوا بها من السنة، أو خرج منها بعضهم من الإسلام.
نسأل الله العافية.
стр. 385
الرقى الأعجمية والاستعانة بالجن
قال رحمه الله تعالى: [وكذلك الرقى والعزائم الأعجمية هي تتضمن أسماء رجال من الجن يدعون ويستغاث بهم، ويقسم عليهم بمن يعظمونه، فتطيعهم الشياطين بسبب ذلك في بعض الأمور.
وهذا من جنس السحر والشرك، قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢]].
هنا لفتة مهمة جداً، وهي إشارة الشيخ إلى الرقى والعزائم الأعجمية أو غير الأعجمية، هذا يلزم فيه التنبيه إلى ما يفعله بعض الرقاة هداهم الله، خاصة ما يتعلق بالاستعانة بالجن، هذه المسألة سبق الوقوف عليها أكثر من مرة، لكن لأهميتها وخطورتها وكونها استفحلت بين الناس، يجب التنبيه عليها ويجب التناصح في أمرها.
أقول: إن بعض الرقاة هداهم الله، قد يتجاوز في هذه المسألة إلى حد يوصله إلى البدعة الصريحة أو إلى ذريعة البدعة، وأخص مسألة الاستعانة بالجن؛ لأن تجاوزات الرقاة كثرت الآن، ولا يعني ذلك عموماً كل الرقاة، فإنا نعرف فيهم عدداً كبيراً من طلاب العلم والأخيار الذين لا يزال ينفع الله بهم، وهم على أصول شرعية، لكن نظراً لأن الرقية انتشرت وصارت مهنة وحرفة، فإن كثيراً ممن امتهنوها وقعوا في أخطاء عن قصد وعن غير قصد، وهي كثيرة ليس هذا مجالها، يهمنا في هذا الجانب ما أشار إليه شيخ الإسلام هنا من الاستعانة بالجن.
стр. 386
الأصل في خبر الجني الكذب
في باب الاستعانة بالجن ظهرت عندنا الآن ظواهر بدعية كثيرة، منها تصديق الجن، الجن يتلبسون ببني آدم ولا شك، وتلبسهم ظاهر من قديم الزمان وأخيره، والذين ينكرون هذا عندهم مكابرة وجهل بهذا الأمر، وقد يكونون علماء نفس وأطباء وقد يكونون طلاب علم إلى آخره، لكن عندهم مكابرة ويجهلون حقيقة الأمر، ويفسرون بتفسيرات هي إلى الدجل والتخرص أقرب منها إلى الواقع الذي يحصل ويشهد به الناس، كيف يفسرون تلبس الجن بتفسيرات نفسيه، ونحن نسمع الجني يتكلم بغير لغة الشخص، جني يتكلم في امرأة ساذجة ما عرفت تقرأ العربية فضلاً عن أن تعرف لغة أخرى، فتجده يتكلم بلهجة قبيلة في الشام أو بلغة هندية؟ لابد أن يكون هناك كائن آخر، هم يسمونه جرثومة، لابد أن يكون هذا جنياً؛ لأن الجن موجودون مخلوقون، يلتبسون بالإنس منذ القدم، ولهم وقائع وحالات معروفة مشهودة يشهدها العقلاء.
على أي حال ليس هذا مجال الكلام، فمجال الكلام هو ما يفعله بعض الرقاة من تصديق الجن، الجني الذي يتلبس بالإنسي الأصل فيه الفسق، فلو لم يكن فاسقاً لما آذى الإنسي، هذه مسألة معروفة شرعاً؛ لأن الواجب على الجني كالواجب على الإنسي ألا يظلم ولا يؤذي، وتلبس الجني بالإنسي مهما كان سببه فإنه من الأذى، ثم إنه من الاستمتاع الذي حرمه الله ، ثم إنه إذا تكلم الجني فالغالب أنه في موقع ضعف، لكنه إذا وجد الإنسي يعظمه ويجله ويخاف منه تعاظم واستعلى، ثم بدأ يهذي بالصدق والكذب، والأصل فيه الكذب والفجور، فيتهم الأبرياء من أجل أن يتخلص، ويخلط الحقيقة بالكذب من أجل أن يموه على الناس، يقول: تجد السحر في الصرة الفلانية تحت الشجرة الفلانية، فيذهب الناس فيجدون فعلاً تحت الشجرة صرة، لكن صرة من مخلفات البيت، فيظنون أن هذا هو السحر، مع أنه قد يكون هو السحر وقد لا يكون سحراً؛ لكن لا ننسى أن الأصل في هذا الكذب، والصدق إن وجد فهو قليل، وهكذا قد يقول: الذي عان هذا الرجل أو هذه المرأة وتسبب في مرضه هو فلان أو فلانة، وقد يكون قريباً أو صديقاً أو جاراً، فيقاطع وتحصل أمور عظام وفتن.
فالشاهد أن أخبار الجن للإنس الأصل فيها أن يتثبت منها، كأخبار الإنسي للإنس، ثم إذا صار الخبر عن جني متلبس فالجني فاسق بذلك قطعاً، فيجب أيضاً التثبت وأن الأصل في خبره الكذب، ثم إن هذا نوع من أنواع الدجل ولا شك، لكن نستثني ما إذا وجدت قرائن على صدق الجني هذا أمر.
الأمر الآخر: ألا يكون هذا من باب التعاقد بين الراقي والجني، بعض الرقاة كما سمعت وعلمت، إذا نطق الجني تعاقد معه بأن يأتيه كل وقت يحتاجه، أو أنه إذا أراد الخبر الفلاني يعطيه الخبر ويقول: العهد بيني وبينك أنك إذا احتجناك تأتي وتقول وتفعل، هذا من الاستمتاع المحرم، وهذا من الدجل، أما إذا جاء الخبر من الجني بدون عقد أو عهد بينك وبينه فلا بأس.
فقد يكون فيه أحياناً منفعة قد يصدق، وقد يكرم الله بعض عباده عن طريق الجن، مما يخبرونهم بالعلاج أو يخبرونهم بأسباب المرض أو نحو ذلك، لكن هذا قليل ليس هو الأصل.
أعود وأقول: ينبغي أن ينبه الرقاة، أن التمادي في هذا الموضوع والخروج عن الأصول الشرعية في هذا الجانب من الاستمتاع المحرم بين الإنس والجن، وأنه نوع من أنواع الدجل والكهانة التي حرمها الله .
стр. 387
اقتران الشياطين بالمرء بحسب ما عنده من مادة الشرك والفجور
قال رحمه الله تعالى: [وكثير من هؤلاء يطير في الهواء وتكون الشياطين قد حملته، وتذهب به إلى مكة وغيرها، ويكون مع ذلك زنديقاً يجحد الصلاة وغيرها مما فرض الله ورسوله، ويستحل المحارم التي حرمها الله ورسوله.
وإنما يقترن به أولئك الشياطين لما فيه من الكفر والفسوق والعصيان، حتى إذا آمن بالله ورسوله وتاب والتزم طاعة الله ورسوله، فارقته تلك الشياطين، وذهبت تلك الأحوال الشيطانية من الإخبارات والتأثيرات.
وأنا أعرف من هؤلاء عدداً كثيراً بالشام ومصر والحجاز واليمن، وأما الجزيرة والعراق وخراسان والروم ففيها من هذا الجنس أكثر مما بالشام وغيرها، وبلاد الكفار من المشركين وأهل الكتاب أعظم.
وإنما ظهرت هذه الأحوال الشيطانية التي أسبابها الكفر والفسوق والعصيان بحسب ظهور أسبابها، فحيث قوي الإيمان والتوحيد ونور الفرقان والإيمان وظهرت آثار النبوة والرسالة ضعفت هذه الأحوال الشيطانية، وحيث ظهر الكفر والفسوق والعصيان قويت هذه الأحوال الشيطانية، والشخص الواحد الذي يجتمع فيه هذا وهذا الذي تكون فيه مادة تمده للإيمان ومادة تمده للنفاق، يكون فيه من هذا الحال وهذا الحال.
والمشركون الذين لم يدخلوا في الإسلام مثل البخشية والطونية والبُدَّى ونحو ذلك من علماء المشركين وشيوخهم الذين يكونون للكفار من الترك والهند والخطى وغيرهم، تكون الأحوال الشيطانية فيهم أكثر، ويصعد أحدهم في الهواء ويحدثهم بأمور غائبة، ويبقى الدف الذي يغني لهم به يمشي في الهواء، ويضرب رأس أحدهم إذا خرج عن طريقهم، ولا يرون أحداً يضرب له، ويطوف الإناء الذي يشربون منه عليهم ولا يرون من يحمله، ويكون أحدهم في مكان، فمن نزل منهم عنده ضيفه طعاماً يكفيهم، ويأتيهم بألوان مختلفة؛ وذلك من الشياطين تأتيه من تلك المدينة القريبة منه أو من غيرها تسرقه وتأتي به.
وهذه الأمور كثيرة عند من يكون مشركاً أو ناقص الإيمان من الترك وغيرهم، وعند التتار من هذا أنواع كثيرة.
وأما الداخلون في الإسلام إذا لم يحققوا التوحيد واتباع الرسول ﷺ ، بل دعوا الشيوخ الغائبين واستغاثوا بهم، فلهم من الأحوال الشيطانية نصيب بحسب ما فيه مما يرضي الشيطان.
ومن هؤلاء قوم فيهم عبادة ودين مع نوع جهل، يحمل أحدهم فيوقف بعرفات مع الحجاج من غير أن يحرم إذا حاذى المواقيت، ولا يبيت بمزدلفة، ولا يطوف طواف الإفاضة، ويظن أنه حصل له بذلك عمل صالح وكرامة عظيمة من كرامات الأولياء، ولا يعلم أن هذا من تلاعب الشيطان به، فإن مثل هذا الحج ليس مشروعاً ولا يجوز باتفاق علماء المسلمين، ومن ظن أن هذا عبادة وكرامة لأولياء الله فهو ضال جاهل].
стр. 388
قلة الخرافات والبدع بظهور دعوة التوحيد
هذا ما يتعلق بوجود طوائف من أهل البدع، يعتقدون فيمن يسمونهم الأولياء أن أحدهم يطير في الهواء أو يذهب إلى مكة، أو يصلي في الكعبة وهو في بلاد بعيدة، كل هذا من الاعتقادات الموجودة الآن، لكن صورها قلت لعدة أسباب، وقد كانت موجودة بكثرة في أول عهد شيخ الإسلام، ثم خفت بعد أن نفع الله بعلمه، وصار له تلاميذ، وعم منهجه كثيراً من البلاد الإسلامية، فخفت في وقته وبعده بقرنين أو ثلاثة، ثم بعد ذلك كثرت في القرن العاشر والحادي عشر والثاني عشر الهجري، ثم بظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحين تأثر بها كثيرون في البلاد الإسلامية الأخرى عن طريق الحجاج وعن طريق الوفود التي تفد بعدما قامت للتوحيد دولة، وبعدما ظهر نور التوحيد وانتشر، قلت هذه الصور بشكل كبير جداً، لهذا العامل.
ولعامل آخر أيضاً ليس محموداً وفي كل شر، وهو أن كثيراً من المسلمين في العصور المتأخرة حينما هيمنت عليهم دول الاحتلال النصرانية واليهودية، قل التدين أصلاً، حتى التدين البدعي قل، وكثر إعراض المسلمين عن الدين جملة، فتجد عامة المتعلمين والمثقفين في أكثر البلاد الإسلامية هم إلى التفرنج والإعراض عن الدين أقرب منهم إلى التدين، وإن كان عندهم نزعة تصوف؛ لأن التصوف مأوى لكل مبطل، يستطيع المعرض عن دين الله بالكلية مهما عمل من الجرائم والآثام إذا ارتبط بشيخ من شيوخ الصوفية، أن يسمي نفسه متديناً، تجده في المسجد بسبحته، وإذا خرج لبس لباس الفجار، وعمل عمل الفجار، ثم يأتي بعد ذلك للمسجد ويصلي ويقبل رأس الشيخ، ثم يدعي بذلك أنه غفر له ذنبه كما عند النصارى.
فهذا استوجب شيئاً -أي: الإعراض مع بقاء نزعة التدين مجرد صورة- حيث جعل صور هذه البدع تقل، لا في الاعتقاد، لكن من الناحية العملية.
إذاً: قلت هذه الصور وإن كانت موجودة يشهد بها أناس أحياء، كما ذكرت لكم أكثر من مرة عن بعض أنصار السنة، فقد سمعت منهم: أن أفراداً كانوا على منهج أهل التصوف وكانت تحصل لهم مثل هذه الحالات، ومنهم الشيخ محمد الهدية رئيس أنصار السنة الآن بالسودان، سمعته أكثر من مرة يحدث عن نفسه، أنه عندما كان مع الصوفية كان يخيل له أنه يطير في الهواء.
فالشاهد أن هذه الصور قلت، لكن لم تنعدم، وسبب انحلالها وضعفها هو هذه الدعوة المباركة، التي وجد لها نماذج في أكثر بلاد المسلمين، والآن يوجد بحمد الله دعاة إلى التوحيد في كل بلاد الدنيا، فهؤلاء ينير الله بهم البصائر، وتخف بسببهم البدع وتستنكر عند طوائف من الناس، ولو لم يقلع الناس كلهم عن البدع، لكن على الأقل يصبح هذا المنكر محل نقاش ويوجد من ينكره، فتقل هذه الظواهر البدعية المغلظة.
والله أعلم.
стр. 389
بيان الوهم فيما يتخيله الخرافيون كرامات
قال ﵀: [ولهذا لم يكن أحد من الأنبياء والصحابة يفعل بهم مثل هذا، فإنهم أجل قدراً من ذلك.
قد جرت هذه القضية لبعض من حمل هو وطائفة معه من الإسكندرية إلى عرفة، فرأى ملائكة تنزل وتكتب أسماء الحجاج، فقال: هل كتبتموني؟ قالوا: أنت لم تحج كما حج الناس، أنت لم تتعب ولم تحرم ولم يحصل لك من الحج الذي يثاب الناس عليه ما حصل للحجاج.
وكان بعض الشيوخ قد طلب منه بعض هؤلاء أن يحج معهم في الهواء، فقال لهم: هذا الحج لا يسقط به الفرض عنكم؛ لأنكم لم تحجوا كما أمر الله ورسوله.
ودين الإسلام مبني على أصلين: على أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيء، وعلى أن يعبد بما شرعه على لسان نبيه ﷺ .
وهذان هما حقيقة قولنا: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
فالإله هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظيماً وخوفاً ورجاء وإجلالاً وإكراماً، والله له حق لا يشركه فيه غيره فلا يعبد إلا الله، ولا يدعى إلا الله، ولا يخاف إلا الله، ولا يطاع إلا الله.
والرسول ﷺ هو المبلغ عن الله تعالى أمره ونهيه وتحليله وتحريمه، فالحلال ما حلله، والحرام ما حرمه والدين ما شرعه، والرسول ﷺ واسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وتحليله وتحريمه وسائر ما بلغه من كلامه.
وأما في إجابة الدعاء، وكشف البلاء، والهداية، والإغناء، فالله تعالى هو الذي يسمع كلامهم ويرى مكانهم ويعلم سرهم ونجواهم، وهو سبحانه قادر على إنزال النعم، وإزالة الضر والسقم، من غير احتياج منه إلى أن يعرفه أحد أحوال عباده، أو يعينه على قضاء حوائجهم.
والأسباب التي بها يحصل ذلك هو خلقها ويسرها، فهو مسبب الأسباب، وهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩].
فأهل السماوات يسألونه، وأهل الأرض يسألونه، وهو سبحانه لا يشغله سمع كلام هذا عن سمع كلام هذا، ولا يغلطه اختلاف أصواتهم ولغاتهم، بل يسمع ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، ولا يبرمه إلحاح الملحين، بل يحب الإلحاح في الدعاء.
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا سألوا النبي ﷺ عن الأحكام أمر رسول الله ﷺ بإجابتهم، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:٢١٩]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢١٧] إلى غير ذلك من مسائلهم.
فلما سألوه عنه قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، فلم يقل سبحانه: فقل، بل قال تعالى: ((فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ))، فهو قريب من عباده، كما قال النبي ﷺ في الحديث لما كانوا يرفعون أصواتهم بالذكر والدعاء، فقال: (أيها الناس، أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً قريباً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته).
وقال النبي ﷺ : (إذا قام أحدكم إلى صلاته فلا يبصقن قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً، ولكن عن يساره وتحت قدمه) وهذا الحديث في الصحيح من غير وجه.
وهو سبحانه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وهو سبحانه غني عن العرش وعن سائر المخلوقات لا يفتقر إلى شيء من مخلوقاته، بل هو الحامل بقدرته العرش وحملة العرش.
وقد جعل تعالى العالم طبقات، ولم يجعل أعلاه مفتقراً إلى أسفله، فالسماء لا تفتقر إلى الهواء، والهواء لا يفتقر إلى الأرض، فالعلي الأعلى رب السماوات والأرض وما بينهما الذي وصف نفسه بقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] أجل وأعظم وأغنى وأعلى من أن يفتقر إلى شيء بحمل أو غير حمل، بل هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، الذي كل ما سواه مفتقر إليه، وهو مستغن عن كل ما سواه.
وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع، قد بين فيه التوحيد الذي بعث الله به رسوله قولاً وعملاً.
فالتوحيد القولي مثل سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، والتوحيد العملي: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسل
стр. 390
الأسئلة
следующие страницы →