Полный текст (413 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [١]
الوسيلة المأمور بها شرعاً هي التقرب إلى الله على نحو ما شرع، بالدعاء والعبادة واتباع النبي ﷺ ، والتوسل بدعائه في حياته، واتباع سنته بعد مماته، كما أن من التوسل المشروع طلب الدعاء من الرجل الصالح، والكافر لا ينال شفاعة الشافعين؛ لأن الكفر مانع من الشفاعة.
стр. 2
مقدمة جامعة في التوسل
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام قدس الله روحه: [الحمد لله؛ نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغي، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه حتى أتاه اليقين من ربه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً].
في هذا الاستفتاح ينبغي التنبيه إلى أن الشيخ في هذا الدرس بدأ بكتاب جديد في ثنايا المجلد الأول من الفتاوى، ولذلك افتتح بخطبة الحاجة، وهو كتاب التوسل والوسيلة، وهذا الكتاب كما يوجد ضمن الفتاوى، فهو يوجد مستقلاً ومطبوعاً في كتاب متداول، فينبغي التنبه إلى أنه في هذه الافتتاحية سيبدأ في كتاب جديد يشمل باقي المجلد الذي بين أيدينا.
стр. 3
ابتغاء الوسيلة إلى الله بالإيمان بمحمد ﷺ واتباعه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ففرق به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، وطريق أهل الجنة وطريق أهل النار، وبين أوليائه وأعدائه.
فالحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، وقد أرسله الله إلى الثقلين الجن والإنس، فعلى كل أحد أن يؤمن به وبما جاء به ويتبعه في باطنه وظاهره، والإيمان به ومتابعته هو سبيل الله وهو دين الله، وهو عبادة الله، وهو طاعة الله، وهو طريق أولياء الله، وهو الوسيلة التي أمر الله بها عباده في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥]، فابتغاء الوسيلة إلى الله إنما يكون لمن توسل إلى الله بالإيمان بمحمد واتباعه.
وهذا التوسل بالإيمان به وطاعته فرض على كل أحد باطناً وظاهراً، في حياة رسول الله ﷺ وبعد موته؛ في مشهده ومغيبه، لا يسقط التوسل بالإيمان به وبطاعته عن أحد من الخلق في حال من الأحوال بعد قيام الحجة عليه، ولا بعذر من الأعذار، ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة من هوانه وعذابه إلا بالتوسل بالإيمان به وبطاعته.
وهو ﷺ شفيع الخلائق، صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، فهو أعظم الشفعاء قدراً وأعلاهم جاهاً عند الله.
وقد قال تعالى عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩]، وقال عن المسيح: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [آل عمران:٤٥]، ومحمد ﷺ أعظم جاهاً من جميع الأنبياء والمرسلين، لكن شفاعته ودعاءه إنما ينتفع به من شفع له الرسول ودعا له، فمن دعا له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه، كما كان أصحابه يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته، وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله ﵎ بدعائه وشفاعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً.
ولفظ التوسل في عرف الصحابة كانوا يستعملونه في هذا المعنى].
قبل أن يبدأ الشيخ تفصيله في التوسل أحب أن أشير أنه في هذه المقدمة أشار الشيخ إلى مجمل الموضوع وسيفصل فيما بعد، فأشار إلى حقيقة التوسل التي سيتكلم عنها؛ لأن المخالفين خالفوا في مفهوم التوسل وحقيقته فوقعوا في البدع، وذكر بإيجاز أن حقيقة التوسل هو التقرب إلى الله ، وأن كل تقرب على نحو مشروع إلى الله بالعبادة والدعاء واتباع الرسول ﷺ فإن ذلك هو التوسل الحقيقي، وأنه يدخل في التوسل صور أيضاً هي نوع من التقرب، لكن يخفى أمرها على الناس، وقد أشار شيخ الإسلام هنا إلى شيء منها، وهي التوسل بدعاء النبي ﷺ في حياته، أي: بطلب الدعاء منه، وهذه سيتكلم عنها الشيخ كثيراً؛ لأن الناس توهموا في مثل هذه الصورة أن التوسل يكون بذات النبي ﷺ حياً وميتاً، وأن التوسل يكون بدعائهم من دون الله وصرف أنواع العبادة له أو لغيره من الخلق، فأراد أن يستفتح هذا الكتاب بهذه المقدمة التي ضمنها المفهوم الصحيح عن حقيقة التوسل، وأنه يعني التقرب إلى الله بعبادته بما شرع هو سبحانه وشرع رسوله ﷺ ، وأن الصور الأخرى التي تخرج عن هذا المعنى ملحقة به وهي صور محدودة، كالتوسل بدعاء النبي ﷺ ، وما سيذكره أيضاً فيما بعد من طلب الدعاء من المسلمين أو من الرجل الصالح، وأن هذا ليس فيه توسل بالذوات، إنما فيه طلب لأمر مشروع، وهو أن تطلب من المسلم أن يدعو لك وهو قادر حي مستطيع، وهذا من باب التعاون على البر والتقوى، ومن باب النصيحة لعامة المسلمين وخاصتهم، لا من باب التبرك أو التوسل بالذوات كما يفعل كثير من الجهلة.
стр. 4
التوسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته مع الإيمان به
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والتوسل بدعائه وشفاعته ينفع مع الإيمان به، وأما بدون الإيمان به فالكفار والمنافقون لا تغني عنهم شفاعة الشافعين في الآخرة.
ولهذا نهي عن الاستغفار لعمه وأبيه وغيرهما من الكفار، ونهي عن الاستغفار للمنافقين وقيل له: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون:٦]، ولكن الكفار يتفاضلون في الكفر كما يتفاضل أهل الإيمان في الإيمان].
إذاً: لو كانت الوسيلة بيد النبي ﷺ مطلقاً دون أن تقيد بإذن الله وبشروطها لقبل استغفاره لمن لم يأذن الله له، لكن لما شرط قبول الاستغفار بشروطه الشرعية، صار الأمر لا يرجع إلى الرسول ﷺ ، إنما يرجع إلى إذن الله ، وإلى ما شرعه الله لرسوله.
والرسول ﷺ لما نهاه ربه عن أن يستغفر للمشركين، التزم هذا الأمر فلم يستغفر لهم، ولم يأمر به ولم يشرعه، لا كما يفعل كثير من المبتدعة الذين لا يفرقون بين هذا وذاك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولكن الكفار يتفاضلون في الكفر كما يتفاضل أهل الإيمان في الإيمان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧]، فإذا كان في الكفار من خف كفره بسبب نصرته ومعونته، فإنه تنفعه شفاعته في تخفيف العذاب عنه لا في إسقاط العذاب بالكلية، كما في صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: (قلت: يا رسول الله، فهل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)، وفي لفظ: (إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك فهل نفعه ذلك؟ قال: نعم، وجدته في غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح).
وفيه عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه، يغلي منهما دماغه) وقال: (إن أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، وهو منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه).
وكذلك ينفع دعاؤه لهم بألا يعجل عليهم العذاب في الدنيا (كما كان ﷺ يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)، وروي أنه دعا بذلك: (أن اغفر لهم فلا تعجل عليهم العذاب في الدنيا)، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل:٦١].
وأيضاً فقد يدعو لبعض الكفار بأن يهديه الله أو يرزقه فيهديه أو يرزقه، كما دعا لأم أبي هريرة حتى هداها الله، وكما دعا لدوس فقال: (اللهم اهد دوساً وائت بهم) فهداهم الله.
وكما روى أبو داود أنه استسقى لبعض المشركين لما طلبوا منه أن يستسقي لهم، فاستسقى لهم، وكان ذلك إحساناً منه إليهم يتألف به قلوبهم، كما كان يتألفهم بغير ذلك].
على أي حال في هذا المقطع لا يزال الشيخ يقدم لما سيفصله، ليبين بعض الصور الجائزة في التوسل والصور الممنوعة، وأن الصور التي ورد استثناؤها من القاعدة كشفاعته ﷺ لعمه أبي طالب لا يقاس عليها؛ لأنه لا يجوز القياس في أمور الغيب.
ثم إن هذه الشفاعة التي ستحدث لـ أبي طالب لا تكون في مصيره، إنما تكون فيما يتعلق بتخفيف العذاب عنه، ونعلم أن أهل النار تتفاوت درجاتهم فيها.
ثم إن هذه الصور التي تخرج عن القاعدة في ظاهرها صور محدودة جاءت عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ .
أما الصور الأخرى التي ابتدعها أهل الأهواء وتوسعوا في مفهوم الشفاعة فيها، فهي من الباطل الذي يتعارض مع أصول الشرع، لأنها قول على الله بغير علم، والقول على الله من أعظم الذنوب.
والله أعلم.
стр. 5
بيان أن رسول الله ﷺ أعظم الخلق جاهاً عند الله تعالى
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وقد اتفق المسلمون على أنه ﷺ أعظم الخلق جاهاً عند الله، لا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه، ولا شفاعة أعظم من شفاعته، لكن دعاء الأنبياء وشفاعتهم ليس بمنزلة الإيمان بهم وطاعتهم، فإن الإيمان بهم وطاعتهم توجب سعادة الآخرة والنجاة من العذاب مطلقاً وعاماً، فكل من مات مؤمناً بالله ورسوله ﷺ ، مطيعاً لله ورسوله ﷺ ؛ كان من أهل السعادة قطعاً، ومن مات كافراً بما جاء به الرسول ﷺ كان من أهل النار قطعاً].
أراد الشيخ بذكر هذه الحقيقة تقرير أمر اتهم أهلُ الأهواء أهل السنة بأنهم ينكرونه أو قدحوا فيهم من هذا الجانب؛ ذلك أن أهل السنة والجماعة لما أنكروا على أهل البدع التوسل بذات النبي ﷺ ودعائه من دون الله في قبره وهو ميت، وأنكروا عليهم أنواعاً من التوسلات البدعية، وما زعموا أن له ﷺ من الخصائص في الدنيا والآخرة ما لا يجوز إلا لله ، وحينما زعموا ذلك ظنوا أن من منع هذا فقد انتقص الرسول ﷺ ، فكأن الشيخ أراد أن يبين أن المسلمين اتفقوا على أنه ﷺ أعظم الخلق جاهاً عند الله، وأن هذا الجاه إنما هو منَّة من الله وفضل، وأن هذا الجاه الذي للنبي ﷺ مشروط بشروطه وبضوابطه التي ذكرها الله ، وأن شفاعته راجعة إلى إذن الله وإلى انطباق الشروط حتى يأذن الله بها، وأنه لا يعني قولنا بأنه لا يجوز تقديس النبي ﷺ أو التوسل به انتقاصه أبداً، بل يعني ذلك تكريمه ﷺ من أن يحدث باسمه أو في دينه ما لا يجوز عند الله ، فإنما ذلك لحماية جنابه ولحماية حقه ﷺ ، بعكس ما يظن أهل الأهواء.
إذاً: اتفق المسلمون على أنه ﷺ أعظم الخلق جاهاً عند الله، وأهل السنة هم أول من قرر ذلك، وأنه لا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه، والشفاعة العظمى دليل ذلك، بل أدلة ذلك متواترة، فهو أفضل الخلق على الإطلاق ﷺ ؛ أفضلهم ذاتاً، وأفضلهم جاهاً، وأفضلهم اعتباراً، وأفضلهم قدراً ومنزلة، وأقربهم إلى الله ، لكن لا يعني ذلك أن تكون له خصائص لا تجوز إلا الله، أو أن يتوسل به التوسل البدعي؛ لأن ذلك من انتقاص قدره لا من تعظيمه.
стр. 6
انتفاع العباد بالشفاعة والدعاء له شروط وموانع
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الشفاعة والدعاء، فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع، فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار، والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم، ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهاً، فلا شفيع أعظم من محمد ﷺ ، ثم الخليل إبراهيم، وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له كما قال تعالى عنه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤١]].
بعد أن بين أن النبي ﷺ أعظم الناس جاهاً، ذكر أن الشفاعة والدعاء لها شروط وموانع، فإن شفاعته لا تنفع الكفار، فأراد أن يمهد بهذا المقام حتى يذكر الأدلة من الكتاب والسنة على أن شفاعة النبي ﷺ وغيره من الشفعاء لا يمكن أن تشمل الكافرين أبداً، وأن الله منع ذلك، وأن ذلك لا يعني الاستنقاص من جاه النبي ﷺ أو جاه إبراهيم أو غيره من الأنبياء، إنما يعني أن الأمر راجع لله وحده، فله الأمر سبحانه لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه.
стр. 7
الأدلة على امتناع الشفاعة للكافرين
قال رحمه الله تعالى: [وقد كان ﷺ أراد أن يستغفر لـ أبي طالب اقتداء بإبراهيم، وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣]، ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة:١١٤ - ١١٥].
وثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب أنت وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله : إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: انظر ما تحت رجليك فينظر، فإذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار)].
الذيخ، هو الذئب، وذكر الضبع، وكله من جنس الذئب.
قال رحمه الله تعالى: [فهذا لما مات مشركاً لم ينفعه استغفار إبراهيم مع عظم جاهه وقدره، وقد قال تعالى للمؤمنين: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الممتحنة:٤ - ٥]، فقد أمر الله تعالى المؤمنين بأن يتأسوا بإبراهيم ومن اتبعه، إلا في قول إبراهيم لأبيه: ((لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ)) فإن الله لا يغفر أن يشرك به.
وكذلك سيد الشفعاء محمد ﷺ ، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﵌ قال: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي).
وفي رواية أن النبي ﵌ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، ثم قال: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت).
وثبت عن أنس في الصحيح: (أن رجلاً قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفى دعاه، فقال: إن أبي وأباك في النار).
وثبت أيضاً في الصحيح عن أبي هريرة: (لما أنزلت هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] دعا رسول الله ﵌ قريشاً فاجتمعوا فعم وخص، فقال: يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها).
وفي رواية عنه: (يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت رسول الله، سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً).
وعن عائشة: (لما نزلت: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] قام رسول الله ﵌ فقال: يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئاً، سلوني من مالي ما شئتم).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (قام فينا رسول الله ﷺ خطيباً ذات يو
стр. 8
الأسئلة
стр. 9
معنى قوله في الحديث: (سأبلها ببلالها)
السؤال
ما معنى: (سأبلها ببلالها)؟
الجواب
هذه ورد فيها تفسيرات كثيرة، لكن من أوضحها أنه سيبذل ما يستطيع لنفع رحمه في الدنيا، يعني: في الصلة الدنيوية فقط، أما الشفاعة فيما يتعلق بالهداية فلا ينفع رحمه بشيء، والشفاعة في الآخرة فيمن كان منهم كافراً فلا ينفع رحمه بشيء، فقيل: إن معنى (سأبلها ببلالها) هو ما يستطيع أن ينفعهم به في دنياهم، والدعاء لهم بالهداية والصلاح لا أكثر من ذلك.
стр. 10
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٢]
الشفاعة للعصاة من الموحدين ثابتة في نصوص الشريعة وإجماع أهل العلم، خلافاً للمبتدعة الذين أنكروها وردوها استدلالاً ببعض العمومات، ومقابل ذلك هناك من أثبت شريكاً ونداً مع الله من الملائكة والأنبياء والصالحين، وعبدوهم من دون الله ادعاءً أنهم شفعاء لهم عند الله.
وأهل الحق والسنة التزموا النصوص وفسروها على ما فهمها الصحابة والتابعون وأهل العلم المتبعين لهم.
стр. 11
الشفاعة الجائزة وموقف المبتدعة منها
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وأما شفاعته ودعاؤه للمؤمنين فهي نافعة في الدنيا والدين باتفاق المسلمين، وكذلك شفاعته للمؤمنين يوم القيامة في زيادة الثواب ورفع الدرجات متفق عليها بين المسلمين، وقد قيل: إن بعض أهل البدعة ينكرها.
وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم.
وأنكرها كثير من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والزيدية، وقال هؤلاء: من يدخل النار لا يخرج منها لا بشفاعة ولا غيرها، وعند هؤلاء ما ثم إلا من يدخل الجنة فلا يدخل النار، ومن يدخل النار فلا يدخل الجنة، ولا يجتمع عندهم في الشخص الواحد ثواب وعقاب].
بهذا يبين الشيخ صور الشفاعة الجائزة أو الشفاعة المشروعة، والصورة الأولى هي دعاء النبي ﷺ في حياته للمؤمنين، فهي نافعة في الدنيا والدين باتفاق المسلمين.
وكذلك شفاعته ﷺ في الآخرة لأهل الكبائر من أمته وغيرها من الشفاعات المثبتة، ثم ذكر الشيخ المعارضين في هذه الشفاعة، وهم المعتزلة والخوارج، وبهذا نفهم بأن هذا سيتكرر في كتاب التوسل والوسيلة الذي نحن فيه، ونفهم أن أهل البدع في موضوع الشفاعة على طرفي نقيض، أي: أن لهم رأيين متقابلين، وهذا كثير عند أهل البدع في كل الأصول التي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة، نجد أنهم على طرفي نقيض والحق بينهما، ولذلك يقول كثير من أهل السنة: إن الحق يتوسط في خصومة أهل البدع بعضهم مع بعض، يعني: تجد أدلة المانعين للشفاعة هي أدلة أهل السنة في نفي الشفاعة المنفية، والذين يطلقون الشفاعة أدلتهم هي أدلة أهل السنة في إثبات الشفاعة بشروطها، فتجد هؤلاء في رد بعضهم على بعض يخدمون السنة وهم لا يشعرون، لكن الحق وسط بين هؤلاء وهؤلاء، فكما أن من أشار إليهم الشيخ قبل أكثر من درس من أهل التصوف وغيرهم يطلقون الشفاعة مطلقاً، حتى أنهم يطلبونها من الأموات الذين ليس لهم قدرة، ويطلبونها من الجمادات ويزعمونها لأوثانهم ومعبوداتهم، ولا يعترفون بشروطها عند الله ، فإنه يقابلهم آخرون ينكرون حتى الشفاعات المثبتة في الكتاب والسنة، وهم المعتزلة والزيدية والخوارج، فهؤلاء ينفون الشفاعات الثابتة عن النبي ﷺ ، ومنها الشفاعة التي تواتر بها الخبر، وهي شفاعته ﷺ لأهل الكبائر من أمته.
إذاً: هؤلاء -أي: الذين نفوا الشفاعة-، أدلتهم حجة على الذين أطلقوها بلا شروط، وأدلة أولئك حجة على النافين أو الذين ينكرون الشفاعة بلا قيد ولا شرط.
стр. 12
الشفاعة في عصاة الموحدين
قال رحمه الله تعالى: [وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر الأئمة كالأربعة وغيرهم، فيقرون بما تواترت به الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ : أن الله يخرج من النار قوماً بعد أن يعذبهم الله ما شاء أن يعذبهم، يخرجهم بشفاعة محمد ﷺ ، ويخرج آخرين بشفاعة غيره، ويخرج قوماً بلا شفاعة].
هذا كله ورد في حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وغيرهما في الصحيحين، ومفاده: أن الله يأذن للنبي ﷺ بعدة شفاعات: منها شفاعته للخلائق جميعاً بأن يفصل الله بينهم القضاء، ومنها شفاعته ﷺ لطوائف من أهل الجنة بأن تفتح لهم أبوابها بعد أن توصد أمامهم، ومنها شفاعته ﷺ لأهل الكبائر من أمته، ومنها شفاعة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين والملائكة، ومنها شفاعة القرآن، وشفاعة الصيام كل هذه شفاعات يأذن الله بها ووردت أيضاً في الحديث، ثم بعد ذلك ثبت الخبر أن الله حينما تحدث جميع هذه الشفاعات يقول الله : شفع الملائكة وشفع النبيون ولم تبق إلا رحمة أرحم الراحمين، فيقبض قبضة بيده من أهل النار، فيخرجهم منها، ومنهم من لم يعمل خيراً قط، والله فعال لما يريد، له في عباده شئون، ويفعل في خلقه ما يشاء، ورحمته وسعت كل شيء، وذلك كله إلى الله ، وفي ذلك إعلام للعباد بألا يتألوا على الله، وليعلموا أن الأمور بيد الله، وليس للعباد أن يحكموا بأحكام على غيرهم، وليس لهم بأن يحكموا أفعال الله بمقاييسهم، فالله فعال لما يريد، لو عذب الخلق جميعاً فله ذلك، ولو رحمهم جميعاً فله ذلك، لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه.
إذاً: بعد استنفاذ الشفاعات يحدث هذا الذي يحدث، وهو أن الله يخرج أقواماً من النار لم يعملوا خيراً قط.
وقوله: (لم يعملوا خيراً قط)، هذه كلمة مجملة، اختلف العلماء في تقريرها، وهل يشمل ذلك من لم يكن عنده إيمان ألبتة؛ لأن هذا ظاهر النصوص؛ لأنه ورد في الحديث نفسه، أنه قال: (أخرجوا من في قلبه مثقال شعيرة مثقال خردلة مثقال ذرة من النار)، والذرة هي الهباء التي لا يكاد يكون لها وزن، ثم بعد ذلك تأتي هذه القصة، فالله أعلم ما تفسير ذلك، وبعضهم فسره بتفسيرات ليس عليها دليل، منهم من قال: أن هؤلاء هم الذين أسلموا في آخر لحظة من حياتهم ولم يتمكنوا من أن يعملوا خيراً قط، لكن هذا يرد بأن الإسلام يجب ما قبله، وأن من أسلم بدل الله سيئاته حسنات، فتأتي كالجبال بإذن الله، لكن ومع ذلك تبقى المسألة محتملة، الله أعلم بمراده.
стр. 13
أدلة المنكرين للشفاعة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة:٤٨]، وبقوله: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:١٢٣]، وبقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤]، وبقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨]، وبقوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]].
стр. 14
سبب خطأ المبتدعة في رد الشفاعة
هذه النصوص لو أخذت بمفردها دون إرجاعها إلى النصوص الأخرى، لكان ظاهرها يؤيد هؤلاء المعارضين الذين أنكروا الشفاعة.
وبعبارة أخرى: لو أخذت هذه النصوص مجردة عن القواعد السليمة لتفسير النصوص؛ وهي: تفسير القرآن بالقرآن، تفسير القرآن بالسنة، تفسير القرآن بفهوم الصحابة العرب الأقحاح الذين نزل عليهم القرآن، لكان ظاهرها يدل على قولهم بإنكار الشفاعة، لكن الصحيح والذي عليه أهل الحق، أن هذه النصوص لابد أن تفسر بالنصوص الأخرى؛ التي تذكر شروط الشفاعة والتي تستثني، ثم إن هذه النصوص مفسرة بفهم النبي ﷺ وتقريره لها، ومفسرة بأقواله التي أثبتت الشفاعة على نحو آخر بشروط وضوابط، وهذا هو منهج السلف؛ أنهم لا يعرضون نصوص الوعد دون نصوص الوعيد، ولا يعرضون النصوص دون تحكيم القواعد الموضحة لها والمبينة والمفسرة، بل لا يضربون آيات الله بعضها ببعض، فإذا جاء نص ظاهره مثل هذا النص الذي يمنع الشفاعة مطلقاً، فلا يمكن تفسيره بمعزل عن النص الآخر الذي يثبت الشفاعة بشروطها.
وهذا المنهج هو الميزان الذي سلم به أهل السنة والجماعة في جميع نصوص الشرع، في الشفاعة وفي غيرها؛ وهو أنهم يأخذون بجميع النصوص، وهذا منهج اختل عند كثير من الناس في العصر الحاضر مع الأسف، لما قل علمهم وقل فقههم واعتمدوا على آرائهم وعقولهم، فصاروا يخبطون في فهمهم لنصوص الشرع وفي تفسيرهم لها، فيقعون فيما وقعت فيه الفرق أهل الأهواء والبدع.
стр. 15
جواب أهل السنة على أدلة المنكرين للشفاعة
قال رحمه الله تعالى: [وجواب أهل السنة أن هذا يراد به شيئان: أحدهما: أنها لا تنفع المشركين، كما قال تعالى في نعتهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٨] فهؤلاء نفى عنهم نفع شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفاراً.
والثاني: أنه يراد بذلك نفي الشفاعة التي يثبتها أهل الشرك، ومن شابههم من أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين، الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه، كما يشفع الناس بعضهم عند بعض فيقبل المشفوع إليه شفاعة الشافع لحاجته إليه رغبة ورهبة، وكما يعامل المخلوق المخلوق بالمعاوضة.
فالمشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء والصالحين، ويصورون تماثيلهم فيستشفعون بها ويقولون: هؤلاء خواص الله، فنحن نتوسل إلى الله بدعائهم وعبادتهم ليشفعوا لنا، كما يتوسل إلى الملوك بخواصهم لكونهم أقرب إلى الملوك من غيرهم، فيشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك، وقد يشفع أحدهم عند الملك فيما لا يختاره فيحتاج إلى إجابة شفاعته رغبة ورهبة، فأنكر الله هذه الشفاعة فقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦].
وقال عن الملائكة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٨].
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣].
وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨].
وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:٥١].
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة:٤].
وقال تعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤]، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٥].
وقال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٨ - ١٠٩].
وقال صاحب يس: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُو
стр. 16
الأسئلة
стр. 17
خلود أهل النار وعدم خروجهم منها
السؤال
هل أهل النار يخلدون فيها؟
الجواب
هذا هو ما ثبت في النصوص الشرعية، أن أهل النار الكفار مخلدون فيها.
стр. 18
بطلان القول بفناء الجنة والنار
السؤال
هل النار تفنى وكذلك الجنة؟
الجواب
هذا فرع عما سبق، فإذا قلنا: بأن أهل النار الخلص خالدون فيها، فكذلك من الضروري ألا تفنى النار، وكذلك بالضرورة الجنة، فنحن نعلم أن أهل الجنة مخلدون فيها، فمن الضروري أيضاً ألا تفنى الجنة، فهما رأيان متلازمان، أو قولان متلازمان، وهذا قول أهل السنة والجماعة.
والله أعلم.
стр. 19
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٣]
شفاعات النبي ﷺ في الآخرة متنوعة ومتعددة، وهي خاصة بالموحدين من هذه الأمة، أما المشرك ولو كان محباً ومعظماً للنبي ﷺ فهو محروم وممنوع من الشفاعة، ومهما توسل بالأنبياء أو الملائكة أو الصالحين واستشفع بهم فلا ينفعه شيء من ذلك.
стр. 20
أقسام التوسل بالنبي ﷺ
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: [فصل: ولفظ التوسل قد يراد به ثلاثة أمور: يراد به أمران متفق عليهما بين المسلمين].
الظاهر أنه يقصد التوسل بالنبي ﷺ ؛ لأن حديثه فيما بعد يتعلق أكثره بالتوسل بالنبي ﷺ ، ثم بعد ذلك استطرد إلى التوسل بالأنبياء والملائكة، لكن في هذا التقسيم الذي بين أيدينا، وهو أن لفظ التوسل قد يراد به ثلاثة أمور يعني به التوسل بالنبي ﷺ ، وغيره يقاس عليه، إلا أن التوسل بالنبي ﷺ له بعض الخصوصيات، لكن من حيث التنظير العام ما بعده يقاس عليه.
стр. 21
التوسل بالإيمان بالنبي ﷺ ودعائه وشفاعته
قال رحمه الله تعالى: [أحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام، وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته.
والثاني: دعاؤه وشفاعته، وهذا أيضاً نافع يتوسل به من دعا له وشفع فيه باتفاق المسلمين، ومن أنكر التوسل به بأحد هذين المعنيين فهو كافر مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتداً.
ولكن التوسل بالإيمان به وبطاعته هو أصل الدين، وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام للخاصة والعامة، فمن أنكر هذا المعنى فكفره ظاهر للخاصة والعامة.
وأما دعاؤه وشفاعته وانتفاع المسلمين بذلك فمن أنكره فهو أيضاً كافر، لكن هذا أخفى من الأول، فمن أنكره عن جهل عرف ذلك، فإن أصر على إنكاره فهو مرتد، أما دعاؤه وشفاعته في الدنيا فلم ينكره أحد من أهل القبلة].
هذا الكلام كله يتعلق بالأمرين الأولين من التوسل به ﷺ ، وهما من التوسل المشروع، وكله متعلق بالتوسل به ﷺ في حياته، فالشيخ لم يفصح عن النوع الثالث، لكنه ذكره ضمناً في الحديث عن الشفاعة يوم القيامة، أي: ذكر جزءاً من النوع الثالث.
стр. 22
التوسل بالنبي ﷺ بعد مماته
والنوع الثالث فيه ممنوع وفيه مشروع، وهو التوسل به ﷺ وهو ميت، فالتوسل به في الدنيا وهو ميت ممنوع قطعاً، فإنه ﷺ بعدما مات انقطع التوسل به، ولا يجوز دعاؤه، ولا يجوز نداؤه، فمن الشرك صرف أي نوع من أنواع العبادة له ودعاؤه ونحو ذلك، فهذا في الدنيا.
أما التوسل به وهو ميت -يعني: يوم القيامة- ففيه تفصيل: إن قصد به الشفاعة العظمى أو الشفاعة لأهل الكبائر فهذا يقر له بشروطه، وذلك أن النبي ﷺ يشفع الشفاعة التي وعده الله بها بشروطها.
إذاً: فالنوع الثالث: هو الاستشفاع به ﷺ وهو ميت، فأغلب صوره شركية وبدعية، وكلها فيما يتعلق بالاستشفاع به في الدنيا وهو ميت، فلم يعد الاستشفاع به جائزاً إطلاقاً، فهو إما بدعة مغلظة وإما شرك، وهو الغالب.
стр. 23
عقيدة أهل السنة في إثبات الشفاعة في الآخرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الشفاعة يوم القيامة فمذهب أهل السنة والجماعة وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم: أن له شفاعات يوم القيامة خاصة وعامة، وأنه يشفع فيمن يأذن الله له أن يشفع فيه من أمته من أهل الكبائر، ولا ينتفع بشفاعته إلا أهل التوحيد المؤمنون دون أهل الشرك، ولو كان المشرك محباً له معظماًَ له لم تنقذه شفاعته من النار، وإنما ينجيه من النار التوحيد والإيمان به، ولهذا لما كان أبو طالب وغيره يحبونه ولم يقروا بالتوحيد الذي جاء به لم يمكن أن يخرجوا من النار بشفاعته ولا بغيرها.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (قلت: يا رسول الله! أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه).
وعنه في صحيح مسلم أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً).
وفي السنن عن عوف بن مالك ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (أتاني آت من عند ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئاً) وفي لفظ قال: (ومن لقي الله لا يشرك به شيئاً فهو في شفاعتي).
وهذا الأصل -وهو التوحيد- هو أصل الدين الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين ديناً غيره، وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦].
وقد ذكر الله عن كل من المرسلين أنه افتتح دعوته بأن قال لقومه: ((اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)).
وفي المسند عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم).
والمشركون من قريش وغيرهم الذين أخبر القرآن بشركهم واستحل النبي ﷺ دماءهم وأموالهم وسبى حريمهم وأوجب لهم النار، كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السماوات والأرض كما قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان:٢٥]، وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت:٦١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٩١].
وكان المشركون الذين جعلوا معه آلهة أخرى مقرين بأن آلهتهم مخلوقة، ولكنهم كانوا يتخذونهم شفعاء ويتقربون بعبادتهم إليه، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨]، وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّه
стр. 24
أقسام الموصوفين بالشرك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بين سبحانه بالمثل الذي ضربه لهم: أنه لا ينبغي أن يجعل مملوكه شريكه فقال: هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم، فأنتم فيه سواء يخاف أحدكم مملوكه كما يخاف بعضكم بعضاً، فإذا كان أحدكم لا يرضى أن يكون مملوكه شريكه فكيف ترضونه لأنفسكم؟ وهذا كما كانوا يقولون: له بنات، فقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمْ الْحُسْنَى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل:٦٢]، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل:٥٨ - ٦٠].
والمشركون الذين وصفهم الله ورسوله بالشرك أصلهم صنفان: قوم نوح وقوم إبراهيم، فقوم نوح ﵇ كان أصل شركهم العكوف على قبور الصالحين، ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم، وقوم إبراهيم ﵇ كان أصل شركهم عبادة الكواكب والشمس والقمر، وكل من هؤلاء يعبدون الجن، فإن الشياطين قد تخاطبهم وتعينهم على أشياء وقد يعتقدون أنهم يعبدون الملائكة وإن كانوا في الحقيقة إنما يعبدون الجن؛ فإن الجن هم الذين يعينونهم ويرضون بشركهم، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١].
والملائكة لا تعينهم على الشرك لا في المحيا ولا في الممات ولا يرضون بذلك، ولكن الشياطين قد تعينهم وتتصور لهم في صور الآدميين، فيرونهم بأعينهم ويقول أحدهم: أنا إبراهيم، أنا المسيح، أنا محمد، أنا الخضر، أنا أبو بكر، أنا عمر، أنا عثمان، أنا علي، أنا الشيخ فلان وقد يقول بعضهم عن بعض: هذا هو النبي فلان، أو هذا هو الخضر، ويكون أولئك كلهم جناً يشهد بعضهم لبعض، والجن كالإنس، فمنهم الكافر ومنهم الفاسق ومنهم العاصي وفيهم العابد الجاهل، فمنهم من يحب شيخاً فيتزيا في صورته ويقول: أنا فلان، ويكون ذلك في برية ومكان قفر، فيطعم ذلك الشخص طعاماً ويسقيه شراباً أو يدله على الطريق، أو يخبره ببعض الأمور الواقعة الغائبة، فيظن ذلك الرجل أن نفس الشيخ الميت أو الحي فعل ذلك، وقد يقول: هذا سر الشيخ وهذه رقيقته وهذه حقيقته، أو هذا ملك جاء على صورته، وإنما يكون ذلك جنياً، فإن الملائكة لا تعين على الشرك والإفك والإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧].
قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء كالعزير والمسيح، فبين الله تعالى أن الملائكة والأنبياء عباد الله، كما أن الذين يعبدونهم عباد الله، وبين أنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه ويتقربون إليه كما يفعل سائر عباده الصالحين].
стр. 25
أنواع الاستشفاع بالملائكة والنبيين
قال رحمه الله تعالى: [والمشركون من هؤلاء قد يقولون: إنا نستشفع بهم أي نطلب من الملائكة والأنبياء أن يشفعوا، فإذا أتينا قبر أحدهم طلبنا منه أن يشفع لنا، فإذا صورنا تمثاله -والتماثيل إما مجسدة وإما تماثيل مصورة كما يصورها النصارى في كنائسهم- قالوا: فمقصودنا بهذه التماثيل تذكر أصحابها وسيرهم، ونحن نخاطب هذه التماثيل ومقصودنا خطاب أصحابها ليشفعوا لنا إلى الله، فيقول أحدهم: يا سيدي فلان، أو يا سيدي جرجس أو بطرس أو يا ستي الحنونة مريم، أو يا سيدي الخليل أو موسى بن عمران أو غير ذلك، اشفع لي إلى ربك، وقد يخاطبون الميت عند قبره: سل لي ربك، أو يخاطبون الحي وهو غائب كما يخاطبونه لو كان حاضراً حياً، وينشدون قصائد، يقول أحدهم فيها: يا سيدي فلان! أنا في حسبك أنا في جوارك، اشفع لي إلى الله، سل الله لنا أن ينصرنا على عدونا، سل الله أن يكشف عنا هذه الشدة، أشكو إليك كذا وكذا، فسل الله أن يكشف هذه الكربة.
أو يقول أحدهم: سل الله أن يغفر لي، ومنهم من يتأول قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤]، ويقولون: إذا طلبنا منه الاستغفار بعد موته كنا بمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصحابة، ويخالفون بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين، فإن أحداً منهم لم يطلب من النبي ﷺ بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئاً، ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم، وإنما ذكر ذلك من ذكره من متأخري الفقهاء، وحكوا حكاية مكذوبة على مالك ﵁ سيأتي ذكرها وبسط الكلام عليها إن شاء الله تعالى].
يقصد بذلك أن الصحابة ﵃ والتابعين وتابعيهم وأئمة السلف في القرون الثلاثة الفاضلة، لم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر النبي ﷺ فيسأله شيئاً ولا يطلب منه شيئاً لا لجلب نفع ولا لدفع ضر، هذا بإجماع أهل التحقيق من المسلمين، مع أن الصحابة تحدث لهم من الكروب والكوارث والمصائب الخاصة والعامة ما يستدعي أن يطلبوا لو كان ذلك مشروعاً من النبي ﷺ أن يدعو الله، والمعنى أن الصحابة لم يكونوا يطلبون من النبي ﷺ أن يدعو لهم، فهذه قاعدة عظيمة يجب استصحابها، وهي رد قاطع بين على جميع أهل الأهواء والبدع الذين يمارسون هذه الشركيات عند قبر النبي ﷺ ، فإنه لم يرد ولم ينقل عن أحد من الأئمة المعتبرين أنه كان يقف على قبر النبي ﷺ ، ولا يجيز الوقوف لدعائه أو يطلب منه شيئاً لا من أمر الدين ولا من أمر الدنيا، ولا يطلب منه أن يدعو الله له.
بعضهم يقول: نعم، أنا لا أطلب من النبي ﷺ شيئاً؛ لكن أطلب منه أن يدعو الله أن يفرج عن المسلمين مثلاً.
فنقول: هذا لم يحدث من الأئمة السابقين، بل كانوا إذا حدث أمر يتوجهون إلى القبلة ويدعون الله جماعة وأفراداً مع قربهم من القبر.
إذاً: هذا إجماع على أن السلف لم يكن عندهم شيء من هذه البدع بإطلاق، فضلاً عن أن يقروها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وفي مغيبهم، وخطاب تماثيلهم، هو من أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من غير أهل الكتاب، وفي مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك والعبادات ما لم يأذن به الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، فإن دعاء الملائكة والأنبياء بعد موتهم وفي مغيبهم وسؤالهم والاستغاثة بهم والاستشفاع بهم في هذه الحال، ونصب تماثيلهم بمعنى طلب الشفاعة منهم هو من الدين الذي لم يشرعه الله ولا ابتعث به رسولاً ولا أنزل به كتاباً، وليس هو واجباً ولا مستحباً باتفاق المسلمين، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين، وإن كان ذلك مما يفعله كثير من الناس ممن له عبادة وزهد، ويذكرون فيه حكايات ومنامات، فهذا كله من الشيطان، وفيهم من ينظم القصائد في دعاء الميت والاستشفاع به والاستغاثة، أو يذكر ذلك في ضمن مديح الأنبياء والصالحين، فهذا كله ليس بمشروع ولا واجب ولا مستحب باتفاق أئمة المسلمين، ومن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع بدعة سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة الدين، فإن الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو مستحب.
وكثير من الناس يذكرون في هذه الأنواع من الشرك منافع ومصالح، ويحتجون عليها بحجج من جهة الرأي أو الذوق، أو من جهة التقليد والمنامات ونحو ذلك.
وجواب هؤلاء من طريقين: أحدهما: الاحتجاج بالنص والإجماع.
والثاني: القياس والذوق والاعتبار ببيان ما في ذلك من الفساد، فإن فساد ذلك راجح على
стр. 26
الأسئلة
стр. 27
الحكم على الجماعات والأحزاب
السؤال
هذا سؤال يتكرر عن بعض الجماعات، وأحياناً يكون عن جماعات بأسمائها؟
الجواب
قد لا يكون لمثل هذا السؤال موجب لمثل هذا الدرس، لكن أحب أن أجيب بجواب مجمل يشمل جميع الجماعات القائمة في الساحة: أولاً: نحن نعلم أن السنة والجماعة ليست شعاراً ولا حزباً ولا مناهج ولا تنسب إلى أشخاص ولا تنسب إلى فئات، السنة والجماعة وصف لكل من كان على الحق واقتدى بأئمة الدين الأحياء والأموات، وليس للسنة والجماعة شعار ولا وصف إلا الأوصاف الشرعية؛ فمن رفع شعاراً غير السنة والجماعة وشعار الإسلام العام زعماً أنه هو شعار السنة والجماعة فليس معه دليل.
ويتفرع عن هذا القاعدة الأخرى، وهي أن أي انتماء لأي اسم أو وصف غير الإسلام في عمومه أو غير السلف والسنة على وجه الخصوص فإنما هو بدعة، أي: أن الانتماء لهذه الأوصاف والأسماء والأشكال والجماعات والرايات والأحزاب والشعارات فهو بدعة بحد ذاته، حتى وإن كان على الحق، لأن مجرد الانتساب لغير الإسلام والسنة والجماعة والسلف بدعة؛ لأنها أسماء شرعية وردت فيها النصوص والآثار وأجمع عليها سلف الأمة.
يرد إشكال وهو ما يعمله كثير من المسلمين الآن من مقتضى أحوال العصر ووسائله ومن الأعمال المؤسسية، كأن يعمل الإنسان في مؤسسة حكومية أو مؤسسة خيرية أو مؤسسة خاصة؛ فهذه مسألة لا تدخل في الشعارات إلا إذا تعصب لها وعادى ووالى، واعتبر مناهجها مناهج متميزة عن بقية السنة والجماعة، فإذا وجد التميز وجد الابتداع، وكذلك إذا وجد الولاء والبراء حتى وإن كان لمؤسسة تجارية، أما مجرد العمل المؤسسي فليس بدعة، كأن يعمل مثلاً في مؤسسة الحرمين أو في الرابطة أو في الندوة أو في إحدى المؤسسات التطوعية الخالصة أو الرسمية، أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو متعاون مع هيئة بطرق مشروعة أو نحو ذلك، فهذا مادام في حدود أعمال الخير المباحة المشروعة فليس من الانتماءات المبتدعة، لكن إذا كان الانتماء لجماعة أو حزب أو منهج أو شعار، أو اتجاه أو نحو ذلك، فالأصل فيه الابتداع، فإن وافق الحق فيكون أقرب إلى السنة، وإلا فيزداد ابتداعاً مع ابتداع.
أرجو أن تكون القاعدة واضحة، بصرف النظر عما سأل عنه السائل من تشخيص بعض الجماعات.
стр. 28
معنى قوله: (يوم لا ظل إلا ظله)
السؤال
ما معنى قوله ﷺ : (يوم لا ظل إلا ظله)؟
الجواب
يسأل عن الظل، هذه من الأخبار عن الله ، والأخبار يجب الإيمان بها كما جاءت، وأن الظل يثبت لله حقيقة على ما يليق بجلال الله، لكن هل يكون صفة أو لا يكون، هذه مسألة لا يلزم أن تكون صفة إنما هي خبر عن الله سبحانه.
стр. 29
مصادر العلم غير الصحيحة
السؤال
ذكرت مصادر العلم غير الصحيحة، فما هي مصادر العلم غير الصحيحة؟
الجواب
كأن السائل يشير إلى قولي بأن بعض طلاب العلم يأخذ العلم عن طريق القراءة الشخصية وعن الشريط، أقول: الاكتفاء بذلك خطر، أما أن تكون هذه من وسائل تحصيل العلم فنعم، فهي من الوسائل التي هيأها الله للأمة، وهي وسائل مباحة، لكن يجب أن يكون أصل طلب العلم على شيخ أو على طالب علم متمكن هذا هو الأصل، بمعنى: لا يستغني عن أن يتلقى العلم عن أهله، ومع ذلك إذا توفرت له مصادر أخرى رافدة تقوي علمه وتنشطه فهذا لا حرج فيه، فالسلف كانوا يأخذون عن العلماء ويقرءون الكتب، ولم يكن في ذلك حرج، لكن الاقتصار على الوسائل دون أخذ العلم عن مصادره الصحيحة أو مصدره الأصلي وهم العلماء، هذا في الغالب أنه يوجد في شخصية طالب العلم اضطراب وخلل.
стр. 30
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٤]
من المعلوم ضرورة من دين الإسلام وعليه إجماع المسلمين أن الأنبياء والرسل لم يدعوا أقوامهم وأممهم إلى دعاء الملائكة والأنبياء والصالحين، وإنما أمروهم بتحقيق العبودية لله وحده لا شريك له، فلا يدعى إلا الله، ولا يرجى إلا هو، ولا يستغاث إلا به جل وعلا، وقد جاءت النصوص ببيان هذا الأمر، وسدت جميع الذرائع والوسائل التي قد تفضي إلى أي نوع من أنواع الشرك.
стр. 31
استدلال المجيزين للتوسل الشركي بالرأي والذوق والرد عليهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكثير من الناس يذكرون في هذه الأنواع من الشرك منافع ومصالح، ويحتجون عليها بحجج من جهة الرأي أو الذوق، أو من جهة التقليد والمنامات ونحو ذلك].
يقصد ما يفعله المبتدعة والذين يقعون في البدع والشركيات من الاستعانة بغير الله والاستغاثة والاستشفاع بالأحياء وبالأموات وبالأشجار والأحجار والمشاهد والآثار، والذين يعولون في هذه الأمور على المنامات والأحلام، ويرون أن من مظاهر الزهد والورع والعبادة التعلق بالأولياء والصالحين، وبعضهم يعبد الملائكة إلى آخره، هذه الأنواع وهذه الشفاعات هي التي يتكلم فيها الشيخ، ويقول: أن بعض الناس يذكرون فيها منافع ومصالح تحدث لبعضهم، وهذا من الابتلاء والفتنة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وجواب هؤلاء من طريقين: أحدهما: الاحتجاج بالنص والإجماع، والثاني: القياس والذوق والاعتبار ببيان ما في ذلك من الفساد، فإن فساد ذلك راجح على ما يظن فيه من المصلحة.
أما الأول: فيقال: قد علم بالاضطرار والتواتر من دين الإسلام وبإجماع سلف الأمة وأئمتها أن ذلك ليس بواجب ولا مستحب، وعلم أنه لم يكن النبي ﷺ ، بل ولا أحد من الأنبياء قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين].
ستلاحظون أن الشيخ من أجل إحكام الاستدلال، سيذكر الاستدلال على باطلهم من وجهين، وهذا في الحقيقة يعتبر من أقوى وجوه الاستدلال، حيث يضيق على الخصم ويحكم الأمر حتى لا يستطيع أن يفر.
فالوجه الأول: أن كل عبادة من عباداتهم لا دليل عليها من الكتاب والسنة ولا من آثار السلف.
وسيرجع عليهم مرة ثانية ويقول: قد قام الدليل على ضد ما تقولون، فهو بعد أن فرغهم من الاستدلال، رجع عليهم مرة أخرى، فذكر أن الأدلة متواترة ومتضافرة على تبديع أعمالكم والقول بشركية ما كان منها شركاً.
هذه طريقة محكمة، لأنه كان كثير من الناس يبدأ بالاستدلال على منعها، ثم يذكر أنه ليس عندهم دليل، لكن الشيخ عكس من أجل أن يهيئ أذهانهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعلم أنه لم يكن النبي ﵌، بل ولا أحد من الأنبياء قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين، ولا يستشفعوا بهم، لا بعد مماتهم ولا في مغيبهم، فلا يقول أحد: يا ملائكة الله اشفعوا لي عند الله، سلوا الله لنا أن ينصرنا أو يرزقنا أو يهدينا.
وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين: يا نبي الله، يا رسول الله! ادع الله لي، سل الله لي، استغفر الله لي، سل الله لي أن يغفر لي أو يهديني أو ينصرني أو يعافيني.
ولا يقول: أشكو إليك ذنوبي، أو نقص رزقي، أو تسلط العدو علي، أو أشكو إليك فلاناً الذي ظلمني.
ولا يقول: أنا نزيلك، أنا ضيفك، أنا جارك، أو أنت تجير من يستجير، أو أنت خير معاذ يستعاذ به.
ولا يكتب أحد ورقة ويعلقها عند القبور، ولا يكتب أحد محضراً أنه استجار بفلان ويذهب بالمحضر إلى من يعمل بذلك المحضر، ونحو ذلك مما يفعله أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين، كما يفعله النصارى في كنائسهم، وكما يفعله المبتدعون من المسلمين عند قبور الأنبياء والصالحين أو في مغيبهم.
فهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام وبالنقل المتواتر وبإجماع المسلمين أن النبي صلى الله عليه، وآله وسلم لم يشرع هذا لأمته.
وكذلك الأنبياء قبله لم يشرعوا شيئاً من ذلك، بل أهل الكتاب ليس عندهم عن الأنبياء نقل بذلك، كما أن المسلمين ليس عندهم عن نبيهم ﷺ نقل بذلك، ولا فعل هذا أحد من أصحاب نبيهم والتابعين لهم بإحسان، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا ذكر أحد من الأئمة لا في مناسك الحج ولا غيرها: أنه يستحب لأحد أن يسأل النبي ﵌ عند قبره أن يشفع له، أو يدعو لأمته، أو يشكو إليه ما نزل بأمته من مصائب الدنيا والدين.
وكان أصحابه يبتلون بأنواع من البلاء بعد موته، فتارة بالجدب، وتارة بنقص الرزق، وتارة بالخوف وقوة العدو، وتارة بالذنوب والمعاصي، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول ﵌، ولا قبر الخليل، ولا قبر أحد من الأنبياء فيقول: نشكو إليك جدب الزمان، أو قوة العدو، أو كثرة الذنوب، ولا يقول: سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم.
بل هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، فليست واجبة ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين].
أصل هذا كله أن العبادة توقيفية، فما لم يرد به نص في أمور العبادة لا يجوز العمل به؛ لأنه لا يُعبد الله إلا بما شرع، ولذلك وصف الله المبتدعة والمشركين بأنهم شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، فلا يجوز أن يُعبد الله إلا بما أذن الله به مما شرعه وشرعه رسوله ﷺ .
стр. 32
ضابط البدعة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة، وهي ضلالة باتفاق المسلمين.
ومن قال في بعض البدع: إنها بدعة حسنة، فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي أنها مستحبة، فأما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين: إنها من الحسنات التي يتقرب بها إلى الله].
стр. 33
مسالك أهل البدع في تقرير البدع
أهل البدع قد يتمسكون أحياناً بالقشة، كالقول بأن هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة، مع أنه لم يرد فيها تفصيل عند السلف إلا في مثال واحد وهو: أن عمر بن الخطاب ﵁ حينما استأنف صلاة التراويح، أي أمر بها ولم تكن تُفعل بعد أن توقف عنها النبي ﷺ ، حينما استأنفها وعمل بها قال له أحد الصحابة أو أحد الناس: إن هذه بدعة، فقال عمر: نعمت البدعة هذه، وسبب ذلك ما أشار إليه الشيخ أنها ليست بدعة بإطلاق، بل هذا من باب التجوّز في إطلاق البدعة، لأنه هنا قام دليل شرعي على أنها مستحبة، فإذاً لها أصل ولها دليل فلا يقاس عليها غيرها، فهي أولاً مما عمل بها النبي ﷺ وتوقف عنها، وعلل توقفه بخوف أن تجب على الناس، فكأن هذا فيه إشارة إلى أنه حينما ينقطع الوحي بعد وفاته لا مانع من الرجوع إليها، هذا يُفهم من فحوى خطاب النبي ﷺ .
الأمر الثاني: أن الذي شرعها من الخلفاء الراشدين بناء على أن النبي ﷺ عمل بأصلها، فكانت من سنة الخلفاء الراشدين، فهنا سماها عمر بدعة حسنة من باب التجوز والمشاكلة والرد على اللفظ بالمثل، وهذا كثير في لغة العرب، ولم يقصد عمر أنها بدعة على المعنى الشرعي والاعتباري.
فعلى هذا هي مسألة فردية لها تفسيرات ولها ضوابط ولها أصول شرعية لا يقاس عليها غيرها إطلاقاً، حتى وإن فرضنا أنا سميناها بدعة حسنة، مع أن عمر ما قال: بدعة حسنة، وإنما قال: نعمت البدعة؛ فلو فرضنا أنا بقينا على هذا اللفظ فإن هذا لا يتجاوز هذه القضية -وهي صلاة التراويح- لأسباب شرعية معلومة، وهي كون النبي ﷺ صلاها ثم توقف عنها لتعليل انتهى بعد وفاته، وهو خشية أن تُفرض.
стр. 34
التقرب إلى الله بالبدع اتباع للشيطان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب فهو ضال متبع للشيطان، وسبيله من سبيل الشيطان.
كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: (خط لنا رسول الله ﵌ خطاً وخط خطوطاً عن يمينه وشماله، ثم قال: هذا سبيل الله، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]).
فهذا أصل جامع يجب على كل من آمن بالله ورسوله أن يتبعه، ولا يخالف السنة المعلومة، وسبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، باتباع من خالف السنة والإجماع القديم، لا سيما وليس معه في بدعته إمام من المسلمين، ولا مجتهد يُعتمد على قوله في الدين، ولا من يُعتبر قوله في مسائل الإجماع والنزاع، فلا ينخرم الإجماع بمخالفته، ولا يتوقف الإجماع على موافقته.
ولو قدر أنه نازع في ذلك عالم مجتهد لكان مخصوماً بما عليه السنة المتواترة وباتفاق الأئمة قبله، فكيف إذا كان المنازع ممن ليس من المجتهدين ولا معه دليل شرعي، وإنما اتبع من تكلم في الدين بلا علم، ويجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير؟ يقصد الشيخ بهذا أشياء مفيدة جداً أشار إليها بإيجاز، وهي أولاً: أن قوله: (ولو قدر أنه نازع في ذلك عالم) هنا يشير إلى زلّة العالم، وقال: (لو قُدّر)، أي أنه افتراض فلو قُدر أن عالماً من العلماء نازع أو خالف عموم أهل السنة في قضية من القضايا، فلا يكون هذا العالم حجة، لماذا؟ لأنه: أولاً: ليس بمعصوم.
ثانياً: تُحمل المخالفة على أنها زلة من العالم، والزلة من العالم لا تلغي اعتباره وعلمه وقدره، لكنه لا يُتبع على زلته، فهو مخصوم بالسنة المتواترة وبما عليه إجماع السلف.
ثالثاً: أنه لا يُعرف أن أحداً من أهل العلم المعتبرين صار على غير نهج السلف وخفي أمره على الأمة، لا بد أن يتميّز الحق عن الباطل بعموم العلماء، قد يزل منهم الواحد والاثنان لكن يتبين المنهج بالآخرين، هذا أمر.
رابعاً: إن من العلماء من وقع في زلات مفردة وليست مناهج، فقد يقول عالم من العلماء بقول من أقوال المرجئة؛ لكن لا يقول بجميع أقوال المرجئة، قد يقول عالم من العلماء بقول من أقوال الخوارج؛ لكن لا يقول بجميع أقوال الخوارج، قد يقول عالم من العلماء بقول من أقوال القدرية؛ لكن لا يقول بجميع أقوال القدرية وهكذا إذاً: معنى كلام الشيخ: فكيف إذا كان المنازع ممن ليس من المجتهدين! أي: كل من نازع السلف نزاعاً يتعلق بتأسيس ضلالة أو بأن يكون صاحب منهج من مناهج الفرق الكبرى التي ضلت عن السنة فليس من أهل العلم المعتبرين وليس من المجتهدين، ولا معه دليل حتى وإن أُعجب به أصحابه، ولنأخذ مثلاً رءوس الخوارج فليسوا مجتهدين، ورءوس الشيعة ليسوا من المجتهدين، نعم قد ينتحلون بعض الأئمة، فالشيعة مثلاً تنتحل الحسن والحسين وأئمة آل البيت، لكنه انتحال كاذب، وعلى حسب استقرائي المحدود وما ذكره أهل العلم المعتبرين أن أكثر ما يتبرأ آل البيت من الشيعة، وأكثر ما يتعوذون من الشيعة، وأكثر ما يتأذون من الشيعة إذاً فليسوا قدوة لهم، بل هم يكذبون، وهكذا تأتي بعدهم القدرية، مثلاً أنشأ القدرية معبد الجهني ذكر أن عنده شيئاً من العلم لكنه طويلب علم، توثب قبل أن ينضج فصار يماري ويجادل فاغتر، فصار من أئمة الضلالة نسأل الله العافية؛ لكن ليس بعالم.
وغيلان الدمشقي متحذلق وليس بعالم، ثم جاء بعده الجعد والجهم وواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وليسوا علماء، غاية ما يقال: إن بعضهم تميّز بالزهد فقط، ثم هكذا دواليك، وما من فرقة انتسبت إلى عالم إلا وتكذب عليه أو تزيد عليه، فالمرجئة انتسبت إلى أبي حنيفة لكن قالت بأكثر مما قال به، والأشاعرة انتسبت إلى الأشعري لكنها قالت بأكثر مما قال به، بل تعوّذت وتبرأت من عقيدة الأشعري الحقيقية، وهكذا بقية الفرق.
إذاً نخلص إلى أن قول الشيخ: (فكيف إذا كان المنازع ليس من المجتهدين)، بأن رءوس البدع ليس منهم قدوة في الدين، وما حدث من زلّات العلماء فهي أمور محدودة، وإذا تميّز الحق فلا يحسب زلّة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل النبي ﵌ مع كونه لم يشرع هذا فليس هو واجباً ولا مستحباً].
بدأ الشيخ بما نبهتكم عليه، انتهى من القول بأنه ليس عندهم دليل أهل البدع، فبدأ يرجع عليهم الآن ويهاجمهم بسلاح وهو يقول: الدليل على عكس ما تقولون، فهنا بدأ يستدل على أن بدعهم على الباطل جملة وتفصيلاً.
стр. 35
تحريم الشرع لوسائل الشرك
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [بل النبي ﵌ مع كونه لم يشرع هذا فليس هو واجباً ولا مستحباً، فإنه قد حرم ذلك وحرم ما يفضي إليه، كما حرم اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد].
تقدم شرح هذه الفقرة، وأن الشيخ يرد فيها على أصحاب التوسل البدعي، والذين زعموا أن بدعهم مشروعة فنسف مقولتهم من وجهين كما ذكرت لكم من قبل، الوجه الأول: التأكيد على أن أعمالهم هذه ليس عليها دليل إطلاقاً، وهي عبادة، والعبادة توقيفية لا تجوز إلا بدليل، ثم استدل عليهم من ناحية أخرى وقال: مع أنه لم يرد دليل ببدعكم هذه فإنه قد وردت الأدلة بالنهي عنها نهياً صريحاً، فهو الآن يقرر الجانب الثاني، وهو أن الله قد حرّم هذه البدع والوسائل إلى الشرك، ومنها التوسل البدعي الذي تعلق به هؤلاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ففي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال قبل أن يموت بخمس: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك).
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال قبل موته: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
يحذر ما فعلوا، قالت عائشة ﵂: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً).
واتخاذ المكان مسجداً هو أن يُتخذ للصلوات الخمس وغيرها كما تبنى المساجد لذلك، والمكان المتخذ مسجداً إنما يقصد فيه عبادة الله ودعاؤه لا دعاء المخلوقين.
فحرّم ﷺ أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلوات فيها كما تقصد المساجد، وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده؛ لأن ذلك ذريعة إلى أن يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه، والدعاء به، والدعاء عنده.
فنهى رسول الله ﷺ عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده؛ لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى الشرك بالله].
стр. 36
النهي عن التنفل في أوقات الكراهة
قال رحمه الله تعالى: [والفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة يُنهى عنه، كما نُهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة لما في ذلك من المفسدة الراجحة، وهو التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك، وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات مصلحة راجحة؛ لإمكان التطوع في غير ذلك من الأوقات.
ولهذا تنازع العلماء في ذوات الأسباب فسوغها كثير منهم في هذه الأوقات، وهو أظهر قولي العلماء؛ لأن النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه في هذه الأوقات ويفوت إذا لم يُفعل فيها فتفوت مصلحتها، فأبيحت لما فيها من المصلحة الراجحة، بخلاف ما لا سبب له فإنه يمكن فعله في غير هذا الوقت فلا تفوت بالنهي عنه مصلحة راجحة، وفيه مفسدة توجب النهي عنه].
هذه المسألة فصّلها شيخ الإسلام أكثر من مرة في كتبه، وهي مسألة أوقات النهي، والذي يحضرني أنه قسّمها في بعض المواضع إلى قسمين: فنحن نعرف أن أول أوقات النهي يبدأ من صلاة الفجر إلى ما بعد طلوع الشمس قيد رمح على الراجح، فـ شيخ الإسلام قال: إن هناك وقت تحريم قاطع ووقت نهي، وقت التحريم القاطع هو أثناء طلوع الشمس يعني مثلاً عشر دقائق التي تطلع فيه الشمس فهذه يرى أنها محرمة قطعاً حتى مع ذوات الأسباب؛ لأن الدقائق المعدودة التي يمكن التأني فيها، فمثلاً إنسان دخل المسجد وعرف أنه بقي على طلوع الشمس عشر دقائق فلينتظر قليلاً؛ لأن وقت الطلوع فيه نهي شديد، لأن النهي ورد على حالتين: أثناء الطلوع والنهي المطلق ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، أما وقت الزوال فكله وقت نهي، وهو قصير جداً ليس بطويل، فيبدو لي أن شيخ الإسلام يجعل الصلاة فيه محرمة حتى ذوات الأسباب، ومن صلاة العصر إلى غروب الشمس، لكن النهي عنها أثناء الغروب شديد وتعتبر الصلاة فيه محرمة؛ لأنه هو الوقت الذي تعلّق في نفوس المشركين وعباداتهم.
فإذاً النهي على نوعين: وقت النهي فيه مطلق، وفيه نهي شديد محرم، وهو أثناء الطلوع وأثناء الغروب وأثناء الزوال أما ما سوى ذلك من الأوقات التي هي أوقات نهي فالأمر فيها كما قال: يجوز فعل ذوات الأسباب، وإن كانت المسألة خلافية.
وبعض المشايخ يقولون: إن وقت الزوال عشر دقائق، وبعضهم يقول: ربع ساعة.
وقرص الشمس لا يستمر في الزوال ثلاث دقائق، كما أنه عندما يطلع جميع القرص لا يستغرق ثلاث دقائق ولكن أقل، وكذلك ما بين بداية ارتكاز قرص الشمس على المغيب إلى أن يغيب جميع القرص أقل من ثلاث دقائق، لكن ما قبل ذلك بدقائق وما بعده بدقائق محسوب؛ لأن المسألة نسبية، فقد سمعت من بعض مشايخنا أنه قال: إن وقت النهي الشديد ربع ساعة أو عشر دقائق، والأرجح أنه في حدود العشر، والمسألة نسبية.
وإذا أراد أن يتنفل الإنسان يوم الجمعة في أثناء الزوال فالأولى أن ينتظر دقائق حتى وإن كان في المسجد، ولكن لا يجلس بل ينتظر دقائق، هذا هو الأولى وإلا الصلاة أثناء الزوال فيها نهي شديد.
стр. 37
زيارة القبور للاعتبار لا للتوسل والتبرك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما ثبت في صحيح مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة أنه قال: (أتى رسول الله ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، فاستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة) فهذه الزيارة التي تنفع في تذكير الموت تُشرع ولو كان المقبور كافراً، بخلاف الزيارة التي يُقصد بها الدعاء للميت فتلك لا تُشرع إلا في حق المؤمنين.
وأما الزيارة البدعية؛ فهي التي يُقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج، أو يُطلب منه الدعاء والشفاعة، أو يُقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجوب للدعاء].
هنا ذكر الشيخ ثلاث صور من الزيارة البدعية، هذه الصور في الغالب أنها تدخل فيها كثيراً من صور الزيارات البدعية، سواء كانت شركية أو بدعية أو نحوه.
الصورة الأولى من الزيارة البدعية: أن يقصد الزائر طلب الحوائج من الأموات، وهذه منها ما هو شركي وهو الغالب، ومنها ما هو بدعي.
الصورة الثانية من الزيارة البدعية: طلب الدعاء والشفاعة كأن يطلب من الميت أن يدعو له، أو يطلب من الميت أن يشفع له، هذه صور أخرى أيضاً، وهي كثيرة عند أهل البدع اليوم، يطلبون من الأموات أن يدعوا لهم ويشفعوا لهم، وهذا أغلبه بدعي، وقد يكون منه صور شركية.
الصورة الثالثة: أن يقصد التبرك بالدعاء عند القبر، وهذا ينتظم أغلب صور الزيارات عند أهل البدع اليوم فقد لا يدعو الميت، وإنما يدعو الله عند القبر زعماً منه أن هذا المكان مبارك، أو أن ذات الشخص المذكور مباركة، أو أنه في هذا المكان تحل البركات، أو أن هذا من مواطن الإجابة أو غير ذلك من التوهمات والتلبيسات التي لبس الشيطان بها على هؤلاء، نسأل الله العافية.
стр. 38
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٥]
لقد تباينت تفسيرات وتأويلات الفرق والمذاهب للشفاعة والوسيلة، فالفلاسفة سوغوا الشرك بتأويلات وإشارات بل ووقائع تحصل عند القبور والمزارات باسم الشفاعة، وكل هذه التفسيرات من مسوغات الشرك وأدلته الكاشفة وهذا الفعل منهم تقريراً على الأتباع وتدليساً على الجهال.
стр. 39
تفسيرات الفلاسفة للشفاعة والوحي
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وقد أحدث قوم من ملاحدة الفلاسفة الدهرية للشرك شيئاً آخر ذكروه في زيارة القبور كما ذكر ذلك ابن سينا، ومن أخذ عنه كصاحب الكتب المضنون بها وغيره، ذكروا معنى الشفاعة على أصلهم، فإنهم لا يقرون بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، ولا أنه يعلم الجزئيات ويسمع أصوات عباده ويجيب دعاءهم].
كما أشرت في الدرس السابق يقصد الشيخ بصاحب الكتب المضنون بها الغزالي، فـ الغزالي في طوره الأول حينما كان على مذهب الفلاسفة كان يرى هذا الرأي، وكذلك عموم الفلاسفة الذين يسمون بالإسلاميين والإسلام منهم براء كـ ابن سينا والفارابي والسهروردي المقتول وابن سبعين وابن الفارض وابن عربي والقونوي ومن سلك سبيلهم هذه العصابة التالفة كلهم رأيهم في هذه الأمور على هذا النهج، فهم يستسيغون الشرك ويرون أنه من الصلة العقلية والروحية بقوى أخرى غيبية، ويستسيغون القول عن الله بقول الفلاسفة بأنه الوجود المطلق، وما يترتب على ذلك من إنكار أن يكون الله فعّالاً لما يريد، وأن يكون سبحانه عالماً بكل شيء، فهم يثبتون لله مجملات الصفات ومجملات الأسماء ومجملات الأحوال، فكل تصورهم عن الله يدور حول أنه تصور ذهني أو أنه الوجود المطلق أو نحو ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فشفاعة الأنبياء والصالحين على أصلهم ليست كما يعرفه أهل الإيمان من أنها دعاء يدعو به الرجل الصالح فيستجيب الله دعاءه.
كما أن ما يكون من إنزال المطر باستسقائهم ليس سببه عندهم إجابة دعائهم، بل هم يزعمون أن المؤثر في حوادث العالم هو قوى النفس أو الحركات الفلكية أو القوى الطبيعية.
فيقولون: إن الإنسان إذا أحب رجلاً صالحاً قد مات لا سيما إن زار قبره فإنه يحصل لروحه اتصال بروح ذلك الميت فيما يفيض على تلك الروح المفارقة من العقل الفعال عندهم أو النفس الفلكية، يفيض على هذه الروح الزائرة المستشفعة من غير أن يعلم الله بشيء من ذلك، بل وقد لا تعلم الروح المستشفع بها بذلك، ومثلوا ذلك بالشمس إذا قابلها مرآة فإنه يفيض على المرآة من شعاع الشمس، ثم إذا قابل المرآة مرآة أخرى فاض عليها من تلك المرآة، وإن قابل تلك المرآة حائط أو ماء فاض عليه من شعاع تلك المرآة، فهكذا الشفاعة عندهم، وعلى هذا الوجه ينتفع الزائر عندهم.
وفي هذا القول من أنواع الكفر ما لا يخفى على من تدبره].
هذه نزعة الاعتقاد عندهم، وهي أن كل ما جاء عن الله وما جاء عن رسوله ﷺ إنما هو تأثير من قوى غيبية، وهذه نزعة فلسفية توجد عند كثير من أصحاب المذاهب والاتجاهات، بل أرى أنها سادت الآن عند كثير من مثقفي المسلمين ومفكريهم في العصر الحاضر، ويتمثل هذا بعدة صور: أولاً: نجد أن كثيراً ممن قلد الغربيين في الدراسات الإنسانية يفسّرون كثيراً من المعاني الشرعية المؤثرة في الناس، سواء بالتأثير النفسي أو التأثير العقلي أو في أفعال الناس؛ يرون أنها مجرد عوامل نفسية أو وهمية، أو تأثيرات من قوى غيبية، فتجد مثلاً بعض علماء النفس يفسّر تأثير القرآن أنه مجرد شعور نفسي بين القارئ والمقروء عليه، ونجد هذه التفسيرات حتى عند بعض أطباء الأمراض النفسية من المسلمين.
وبدأت تشيع هذه القضية بين بعض مثقفينا، وهذا امتداد لمذاهب الفلاسفة وأوهامهم يعتقدون أن تأثير القرآن في شفاء الأمراض إنما هو مجرد شعور نفسي، ويفسّرونه بأن الإنسان إذا قرئ عليه القرآن وهو يعتقد أن للقرآن تأثيراً، وإذا قويت قاومت الأمراض، فوجد شيئاً من النشاط والاستعداد لمقاومة الأمراض، وهذا تفسير مادي وهو تفسير الفلاسفة للوحي ولما جاء به الأنبياء، بل بعضهم ربما ينزع إلى المؤثرات الشرعية على قلوب الناس، التي هي تؤدي إلى الهداية واليقين والتوكل على الله ، كثيراً من الناس يفسرها بأنها أوهام، وبعضهم يفسرها بأنها تأثير قوى غيبية أقول: إن هذه الأقوال التي قال بها الفلاسفة ناتجة على أنهم ليس عندهم منهج في تقرير قضايا الدين، إنما يقررون قضايا الدين بعقولهم، والعقول في قضايا الدين ليس عندها إلا التوهمات، ولذلك حكّموا عقولهم فغاصوا في الأوهام، فلما وجدوا تأثير الوحي في ضبط سلوك الناس بشرائع الله ودينه، ذهبوا يفكّرون عن أسباب هذا التأثير، ونظراً لأنهم لا يؤمنون حق الإيمان بكلام الله وبحقيقة النبوة والرسالة، ذهبوا يبحثون عن أسباب هذه المؤثرات بأوهامهم، فمن هنا فسّروا ما جاء به الأنبياء من الوحي والشرائع إنما هي امتداد أو انعكاس لمؤثرات خارجية توهموها هم، فبعضهم قال: قوى غيبية، وبعضهم قال: أرواح غيبية، وبعضهم قال: عقول غيبية، وبعضهم قال: أوهام، فصارت تفسيراتهم شتى، وكلها إنما هي أوهام وتخرصات بعيدة عن الحق كل البعد، وهذا أمر بيّن، لكن الخطير أن تفسير القضايا الشر
стр. 40
اغترار المبتدعين بتخييلات الشياطين
قال رحمه الله تعالى: [ولا ريب أن الأوثان يحصل عندها من الشياطين وخطابهم وتصرفهم ما هو من أسباب ضلال بني آدم، وجعل القبور أوثاناً هو أول الشرك.
ولهذا يحصل عند القبور لبعض الناس من خطاب يسمعه وشخص يراه وتصرف عجيب ما يظن أنه من الميت، وقد يكون من الجن والشياطين، مثل أن يرى القبر قد انشق وخرج منه الميت وكلمه وعانقه، وهذا يُرى عند قبور الأنبياء وغيرهم، وإنما هو شيطان؛ فإن الشيطان يتصور بصور الإنس ويدّعي أحدهم أنه النبي فلان أو الشيخ فلان ويكون كاذباً في ذلك].
следующие страницы →