Полный текст (413 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
النهي عن التنفل في أوقات الكراهة
قال رحمه الله تعالى: [والفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة يُنهى عنه، كما نُهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة لما في ذلك من المفسدة الراجحة، وهو التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك، وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات مصلحة راجحة؛ لإمكان التطوع في غير ذلك من الأوقات.
ولهذا تنازع العلماء في ذوات الأسباب فسوغها كثير منهم في هذه الأوقات، وهو أظهر قولي العلماء؛ لأن النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه في هذه الأوقات ويفوت إذا لم يُفعل فيها فتفوت مصلحتها، فأبيحت لما فيها من المصلحة الراجحة، بخلاف ما لا سبب له فإنه يمكن فعله في غير هذا الوقت فلا تفوت بالنهي عنه مصلحة راجحة، وفيه مفسدة توجب النهي عنه].
هذه المسألة فصّلها شيخ الإسلام أكثر من مرة في كتبه، وهي مسألة أوقات النهي، والذي يحضرني أنه قسّمها في بعض المواضع إلى قسمين: فنحن نعرف أن أول أوقات النهي يبدأ من صلاة الفجر إلى ما بعد طلوع الشمس قيد رمح على الراجح، فـ شيخ الإسلام قال: إن هناك وقت تحريم قاطع ووقت نهي، وقت التحريم القاطع هو أثناء طلوع الشمس يعني مثلاً عشر دقائق التي تطلع فيه الشمس فهذه يرى أنها محرمة قطعاً حتى مع ذوات الأسباب؛ لأن الدقائق المعدودة التي يمكن التأني فيها، فمثلاً إنسان دخل المسجد وعرف أنه بقي على طلوع الشمس عشر دقائق فلينتظر قليلاً؛ لأن وقت الطلوع فيه نهي شديد، لأن النهي ورد على حالتين: أثناء الطلوع والنهي المطلق ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، أما وقت الزوال فكله وقت نهي، وهو قصير جداً ليس بطويل، فيبدو لي أن شيخ الإسلام يجعل الصلاة فيه محرمة حتى ذوات الأسباب، ومن صلاة العصر إلى غروب الشمس، لكن النهي عنها أثناء الغروب شديد وتعتبر الصلاة فيه محرمة؛ لأنه هو الوقت الذي تعلّق في نفوس المشركين وعباداتهم.
فإذاً النهي على نوعين: وقت النهي فيه مطلق، وفيه نهي شديد محرم، وهو أثناء الطلوع وأثناء الغروب وأثناء الزوال أما ما سوى ذلك من الأوقات التي هي أوقات نهي فالأمر فيها كما قال: يجوز فعل ذوات الأسباب، وإن كانت المسألة خلافية.
وبعض المشايخ يقولون: إن وقت الزوال عشر دقائق، وبعضهم يقول: ربع ساعة.
وقرص الشمس لا يستمر في الزوال ثلاث دقائق، كما أنه عندما يطلع جميع القرص لا يستغرق ثلاث دقائق ولكن أقل، وكذلك ما بين بداية ارتكاز قرص الشمس على المغيب إلى أن يغيب جميع القرص أقل من ثلاث دقائق، لكن ما قبل ذلك بدقائق وما بعده بدقائق محسوب؛ لأن المسألة نسبية، فقد سمعت من بعض مشايخنا أنه قال: إن وقت النهي الشديد ربع ساعة أو عشر دقائق، والأرجح أنه في حدود العشر، والمسألة نسبية.
وإذا أراد أن يتنفل الإنسان يوم الجمعة في أثناء الزوال فالأولى أن ينتظر دقائق حتى وإن كان في المسجد، ولكن لا يجلس بل ينتظر دقائق، هذا هو الأولى وإلا الصلاة أثناء الزوال فيها نهي شديد.
стр. 37
زيارة القبور للاعتبار لا للتوسل والتبرك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما ثبت في صحيح مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة أنه قال: (أتى رسول الله ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، فاستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة) فهذه الزيارة التي تنفع في تذكير الموت تُشرع ولو كان المقبور كافراً، بخلاف الزيارة التي يُقصد بها الدعاء للميت فتلك لا تُشرع إلا في حق المؤمنين.
وأما الزيارة البدعية؛ فهي التي يُقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج، أو يُطلب منه الدعاء والشفاعة، أو يُقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجوب للدعاء].
هنا ذكر الشيخ ثلاث صور من الزيارة البدعية، هذه الصور في الغالب أنها تدخل فيها كثيراً من صور الزيارات البدعية، سواء كانت شركية أو بدعية أو نحوه.
الصورة الأولى من الزيارة البدعية: أن يقصد الزائر طلب الحوائج من الأموات، وهذه منها ما هو شركي وهو الغالب، ومنها ما هو بدعي.
الصورة الثانية من الزيارة البدعية: طلب الدعاء والشفاعة كأن يطلب من الميت أن يدعو له، أو يطلب من الميت أن يشفع له، هذه صور أخرى أيضاً، وهي كثيرة عند أهل البدع اليوم، يطلبون من الأموات أن يدعوا لهم ويشفعوا لهم، وهذا أغلبه بدعي، وقد يكون منه صور شركية.
الصورة الثالثة: أن يقصد التبرك بالدعاء عند القبر، وهذا ينتظم أغلب صور الزيارات عند أهل البدع اليوم فقد لا يدعو الميت، وإنما يدعو الله عند القبر زعماً منه أن هذا المكان مبارك، أو أن ذات الشخص المذكور مباركة، أو أنه في هذا المكان تحل البركات، أو أن هذا من مواطن الإجابة أو غير ذلك من التوهمات والتلبيسات التي لبس الشيطان بها على هؤلاء، نسأل الله العافية.
стр. 38
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٥]
لقد تباينت تفسيرات وتأويلات الفرق والمذاهب للشفاعة والوسيلة، فالفلاسفة سوغوا الشرك بتأويلات وإشارات بل ووقائع تحصل عند القبور والمزارات باسم الشفاعة، وكل هذه التفسيرات من مسوغات الشرك وأدلته الكاشفة وهذا الفعل منهم تقريراً على الأتباع وتدليساً على الجهال.
стр. 39
تفسيرات الفلاسفة للشفاعة والوحي
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وقد أحدث قوم من ملاحدة الفلاسفة الدهرية للشرك شيئاً آخر ذكروه في زيارة القبور كما ذكر ذلك ابن سينا، ومن أخذ عنه كصاحب الكتب المضنون بها وغيره، ذكروا معنى الشفاعة على أصلهم، فإنهم لا يقرون بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، ولا أنه يعلم الجزئيات ويسمع أصوات عباده ويجيب دعاءهم].
كما أشرت في الدرس السابق يقصد الشيخ بصاحب الكتب المضنون بها الغزالي، فـ الغزالي في طوره الأول حينما كان على مذهب الفلاسفة كان يرى هذا الرأي، وكذلك عموم الفلاسفة الذين يسمون بالإسلاميين والإسلام منهم براء كـ ابن سينا والفارابي والسهروردي المقتول وابن سبعين وابن الفارض وابن عربي والقونوي ومن سلك سبيلهم هذه العصابة التالفة كلهم رأيهم في هذه الأمور على هذا النهج، فهم يستسيغون الشرك ويرون أنه من الصلة العقلية والروحية بقوى أخرى غيبية، ويستسيغون القول عن الله بقول الفلاسفة بأنه الوجود المطلق، وما يترتب على ذلك من إنكار أن يكون الله فعّالاً لما يريد، وأن يكون سبحانه عالماً بكل شيء، فهم يثبتون لله مجملات الصفات ومجملات الأسماء ومجملات الأحوال، فكل تصورهم عن الله يدور حول أنه تصور ذهني أو أنه الوجود المطلق أو نحو ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فشفاعة الأنبياء والصالحين على أصلهم ليست كما يعرفه أهل الإيمان من أنها دعاء يدعو به الرجل الصالح فيستجيب الله دعاءه.
كما أن ما يكون من إنزال المطر باستسقائهم ليس سببه عندهم إجابة دعائهم، بل هم يزعمون أن المؤثر في حوادث العالم هو قوى النفس أو الحركات الفلكية أو القوى الطبيعية.
فيقولون: إن الإنسان إذا أحب رجلاً صالحاً قد مات لا سيما إن زار قبره فإنه يحصل لروحه اتصال بروح ذلك الميت فيما يفيض على تلك الروح المفارقة من العقل الفعال عندهم أو النفس الفلكية، يفيض على هذه الروح الزائرة المستشفعة من غير أن يعلم الله بشيء من ذلك، بل وقد لا تعلم الروح المستشفع بها بذلك، ومثلوا ذلك بالشمس إذا قابلها مرآة فإنه يفيض على المرآة من شعاع الشمس، ثم إذا قابل المرآة مرآة أخرى فاض عليها من تلك المرآة، وإن قابل تلك المرآة حائط أو ماء فاض عليه من شعاع تلك المرآة، فهكذا الشفاعة عندهم، وعلى هذا الوجه ينتفع الزائر عندهم.
وفي هذا القول من أنواع الكفر ما لا يخفى على من تدبره].
هذه نزعة الاعتقاد عندهم، وهي أن كل ما جاء عن الله وما جاء عن رسوله ﷺ إنما هو تأثير من قوى غيبية، وهذه نزعة فلسفية توجد عند كثير من أصحاب المذاهب والاتجاهات، بل أرى أنها سادت الآن عند كثير من مثقفي المسلمين ومفكريهم في العصر الحاضر، ويتمثل هذا بعدة صور: أولاً: نجد أن كثيراً ممن قلد الغربيين في الدراسات الإنسانية يفسّرون كثيراً من المعاني الشرعية المؤثرة في الناس، سواء بالتأثير النفسي أو التأثير العقلي أو في أفعال الناس؛ يرون أنها مجرد عوامل نفسية أو وهمية، أو تأثيرات من قوى غيبية، فتجد مثلاً بعض علماء النفس يفسّر تأثير القرآن أنه مجرد شعور نفسي بين القارئ والمقروء عليه، ونجد هذه التفسيرات حتى عند بعض أطباء الأمراض النفسية من المسلمين.
وبدأت تشيع هذه القضية بين بعض مثقفينا، وهذا امتداد لمذاهب الفلاسفة وأوهامهم يعتقدون أن تأثير القرآن في شفاء الأمراض إنما هو مجرد شعور نفسي، ويفسّرونه بأن الإنسان إذا قرئ عليه القرآن وهو يعتقد أن للقرآن تأثيراً، وإذا قويت قاومت الأمراض، فوجد شيئاً من النشاط والاستعداد لمقاومة الأمراض، وهذا تفسير مادي وهو تفسير الفلاسفة للوحي ولما جاء به الأنبياء، بل بعضهم ربما ينزع إلى المؤثرات الشرعية على قلوب الناس، التي هي تؤدي إلى الهداية واليقين والتوكل على الله ، كثيراً من الناس يفسرها بأنها أوهام، وبعضهم يفسرها بأنها تأثير قوى غيبية أقول: إن هذه الأقوال التي قال بها الفلاسفة ناتجة على أنهم ليس عندهم منهج في تقرير قضايا الدين، إنما يقررون قضايا الدين بعقولهم، والعقول في قضايا الدين ليس عندها إلا التوهمات، ولذلك حكّموا عقولهم فغاصوا في الأوهام، فلما وجدوا تأثير الوحي في ضبط سلوك الناس بشرائع الله ودينه، ذهبوا يفكّرون عن أسباب هذا التأثير، ونظراً لأنهم لا يؤمنون حق الإيمان بكلام الله وبحقيقة النبوة والرسالة، ذهبوا يبحثون عن أسباب هذه المؤثرات بأوهامهم، فمن هنا فسّروا ما جاء به الأنبياء من الوحي والشرائع إنما هي امتداد أو انعكاس لمؤثرات خارجية توهموها هم، فبعضهم قال: قوى غيبية، وبعضهم قال: أرواح غيبية، وبعضهم قال: عقول غيبية، وبعضهم قال: أوهام، فصارت تفسيراتهم شتى، وكلها إنما هي أوهام وتخرصات بعيدة عن الحق كل البعد، وهذا أمر بيّن، لكن الخطير أن تفسير القضايا الشر
стр. 40
اغترار المبتدعين بتخييلات الشياطين
قال رحمه الله تعالى: [ولا ريب أن الأوثان يحصل عندها من الشياطين وخطابهم وتصرفهم ما هو من أسباب ضلال بني آدم، وجعل القبور أوثاناً هو أول الشرك.
ولهذا يحصل عند القبور لبعض الناس من خطاب يسمعه وشخص يراه وتصرف عجيب ما يظن أنه من الميت، وقد يكون من الجن والشياطين، مثل أن يرى القبر قد انشق وخرج منه الميت وكلمه وعانقه، وهذا يُرى عند قبور الأنبياء وغيرهم، وإنما هو شيطان؛ فإن الشيطان يتصور بصور الإنس ويدّعي أحدهم أنه النبي فلان أو الشيخ فلان ويكون كاذباً في ذلك].
стр. 41
ما يحصل من تصور الجن بصور الأنبياء والصالحين
هذه أيضاً قضية جديدة بدأها الشيخ، وهي من أخطر القضايا التي ينبغي التنبه لها في هذا العصر، وهي أيضاً من المسائل التي لا تزال قائمة عند المقابريين وعند أصحاب بدع المشاهد والآثار، والذين يرتادون المزارات ويتعلقون بالأشخاص أحياءً كانوا أو أمواتاً، وكذلك الذين يعوّلون على الخوارق ويسمونها الكرامات، ينظمهم هذا الكلام الذي يذكره الشيخ، وهو كلام جيد مؤصّل يوضح أن أغلب ما يعوّل عليه أهل الأهواء والبدع من دعاواهم أنهم يكلّمون الموتى ويكلمونهم، وأنهم يرون الخضر وغيره من الأنبياء، وأنهم يحدث لهم أن يخرج لهم أصحاب القبور، أو يحضر لهم البعيدون من ذويهم أو ممن يحبونهم من الأولياء، أو أنهم يرون ويشاهدون من الأمور الغيبية ما يدعونه كل هذه من فعل الشياطين.
ومن هنا نجد أن هذه المسألة تختلط فيها الكرامة بالمخرقة، وبهذا نفسّر اغترار كثير من الناس بأحوال أهل البدع من المعاصرين؛ لأنهم يقولون: نرى منهم كرامات، وفلان حدث على يده أن جاء الولي فلان وأسدى له الخدمة، وفلان كلّم فلاناً في قبره، وفلان حدث له أن جاءه قريبه أو والده فأنقذه من ذلك الموقف الحرج، وفلان نزلت له مثلاً مسألة فرجّت عنه كربة إلى آخره! كل هذه قضايا ينظمها أمر واحد وهي: أن أغلبها من باب الفتن وعبث الشياطين، حتى وإن حدثت على يد رجل صالح؛ لأن الشياطين يتشبهون بالصالحين ويتصورون بالصالحين.
فعلى أي حال كما قال الشيخ: لا ريب أن هذه المشاهد والأوثان والقبور والمزارات يتصور عندها من الشياطين ما يكون في جميع صور أفعال البشر، بما في ذلك تصور الشياطين بصور الأنبياء، أو تصور الشياطين بصور الصالحين، بل يحدث أن شياطين يتصورون لبعض أوليائهم على أنهم ربهم، كما حدث في عهد النبي ﷺ في قصة ابن صياد قال للنبي ﷺ : (ماذا ترى؟ قال: أرى عرشاً على الماء) يتوهم أنه ربه أو يزعم أنه ربه، تبدى له الشيطان على عرش فوق الماء، فقال النبي ﷺ : (ذاك عرش الشيطان).
فإذاً: هذه القضية تنسحب على كل أصحاب البدع، حتى وإن كان ظاهرهم الصلاح، بل بعض الصالحين الأولياء المتقين قد يحدث لهم ابتلاء بأن يعرض لهم الشيطان في مثل هذه الأحوال ابتلاء وفتنة، بل تعرّض الشيطان للنبي ﷺ ، لكن الله أمكنه منه، وتعرّض الشيطان للنبي ﷺ فقبض عليه كما سيأتي، وتعرّض الشيطان للنبي ﷺ في بعض الأحوال، وأتاه بالشهب ليحرقه فاستعاذ منه وأتاه جبريل فعلمه كيف يستعيذ بالله منهم فاستعاذ النبي ﷺ .
فالنبي ﷺ حدث له مثل ذلك؛ لكن النبي ﷺ عصمه الله من أن تضره الشياطين، ولا يمكن أيضاً أن يحدث للنبي ﷺ أن يوهموه أنهم أهل حق، لكن أقول بناء على ذلك، فإن هذه الأحوال قد تحدث حتى للصالحين من باب الابتلاء والفتنة، وسيأتي ذكر المقاييس التي تعرف بها المخارق الباطلة وتميّز عن كرامات الأولياء أو الكرامات الصالحة بمقاييس دقيقة سيأتي الكلام عنها فيما بعد إن شاء الله.
стр. 42
كيفية تمييز أن المتصور بصورة نبي أو ولي شيطان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي هذا الباب من الوقائع ما يضيق هذا الموضع عن ذكره، وهي كثيرة جداً، والجاهل يظن أن ذلك الذي رآه قد خرج من القبر وعانقه أو كلمه هو المقبور أو النبي أو الصالح وغيرهما، والمؤمن العظيم يعلم أنه شيطان ويتبين ذلك بأمور: أحدها: أن يقرأ آية الكرسي بصدق، فإذا قرأها تغيب ذلك الشخص أو ساخ في الأرض أو احتجب، ولو كان رجلاً صالحاً أو ملكاً أو جنياً مؤمناً لم تضره آية الكرسي، وإنما تضر الشياطين، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ لما قال له الجني: (اقرأ آية الكرسي إذا أويت إلى فراشك فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح)، فقال النبي ﷺ : (صدقك وهو كذوب).
ومنها: أن يستعيذ بالله من الشياطين.
ومنها: أن يستعيذ بالمعوذة الشرعية، فإن الشياطين كانت تعرض للأنبياء في حياتهم وتريد أن تؤذيهم وتفسد عبادتهم.
كما جاءت الجن إلى النبي ﷺ بشعلة من النار تريد أن تحرقه، فأتاه جبريل بالمعوذة المعروفة التي تضمنها الحديث المروي عن أبي التياح أنه قال: (سأل رجل عبد الرحمن بن حبيش وكان شيخاً كبيراً قد أدرك النبي ﷺ : كيف صنع رسول الله ﷺ حين كادته الشياطين؟ قال: تحدرت عليه من الشعاب والأودية، وفيهم شيطان معه شعلة من نار يريد أن يحرق بها رسول الله ﷺ ، قال: فرُعب رسول الله ﷺ فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا محمد! قل، قال: ما أقول؟ قال: قل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما يخرج من الأرض ومن شر ما ينزل فيها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق يطرق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن، قال: فطفئت نارهم وهزمهم الله .
وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن عفريتاً من الجن جاء يفتك بي البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه فذَعَتُّه أردت أن آخذه فأربطه إلى سارية من المسجد حتى تصبحوا فتنظروا إليه، ثم ذكرت قول سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥] فرده الله تعالى خاسئاً)].
الحديث هنا وردت فيه عبارة قوله: (فذعته) وقد فسّر أهل العلم الكلمة بمعنى قبضته أو خنقته، أو قبضته وخنقته.
وذكر النووي أنها وردت بالدال المهملة فدعته بمعنى: دفعته بقوة، والمعنى واحد.
ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد والرشاد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
стр. 43
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٦]
التساهل والتفريط في قضايا العقيدة وأمور الدين مدخل للشياطين على الإنسان، فيتلاعبون به على قدر موالاته وتقربه لهم، فالكفار والمشركون يكونون أكثر ولاءً للشياطين بسبب الكفر والشرك، وما يقع من المبتدعة من التوسلات البدعية يكون مدخلاً كذلك للشياطين أن يلبسوا على الإنسان ويستحوذوا عليه، والمخرج من هذا كله هو لزوم الهدى والصراط والسنة، والمحافظة على الأذكار والتعوذات الشرعية التي تحمي الإنسان من شياطين الإنس والجن.
стр. 44
محاولة الشياطين إيذاء رسول الله وعصمة الله له منهم
موضوع ما سيذكره الشيخ هنا هو ما يتعلق باستحواذ الشياطين على أهل البدع والأهواء، وببذل الأسباب الشرعية التي تعين المسلم على الاستعانة بالله والتوكل عليه، وتبعد عنه الشياطين وآثار الشياطين.
وكذلك سيذكر الشيخ في هذا المقطع وما بعده مدى تلاعب شياطين الجن والإنس ببني آدم بسبب تفريطهم في أمور الدين والعقيدة، وهذا التلاعب أول ما يكون على الكفار والمشركين، ثم على أهل البدع الذين وقعوا في التوسلات البدعية.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وعن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يصلي فأتاه الشيطان فأخذه ﷺ فصرعه فخنقه، قال رسول الله ﷺ : حتى وجدت برد لسانه على يدي، ولولا دعوة سليمان لأصبح ذلك موثقاً حتى يراه الناس).
أخرجه النسائي وإسناده على شرط البخاري كما ذكر ذلك أبو عبد الله المقدسي في مختاره الذي هو خير من صحيح الحاكم.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان يصلي صلاة الصبح وهو خلفه، فالتبست عليه القراءة فلما فرغ من صلاته قال: لو رأيتموني وإبليس، فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعي هاتين -الإبهام والتي تليها- ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطاً بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل) رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه.
وفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: (قام رسول الله ﷺ يصلي، فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك، ثم قال: ألعنك بلعنة الله ثلاثاً وبسط يده كأنه يتناول شيئاً، فلما فرغ من صلاته قلنا: يا رسول الله! سمعناك تقول شيئاً في الصلاة لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك.
قال: إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة فاستأخر، ثم أردت أن آخذه، ولولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان المدينة).
فإذا كانت الشياطين تأتي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لتؤذيهم وتفسد عبادتهم، فيدفعهم الله تعالى بما يؤيد به الأنبياء من الدعاء والذكر والعبادة ومن الجهاد باليد، فكيف من هو دون الأنبياء؟ فالنبي ﷺ قمع شياطين الإنس والجن بما أيده الله تعالى من أنواع العلوم والأعمال، ومن أعظمها الصلاة والجهاد، وأكثر أحاديث النبي ﷺ في الصلاة والجهاد.
فمن كان متبعاً للأنبياء نصره الله سبحانه بما نصر به الأنبياء، وأما من ابتدع ديناً لم يشرعوه، فترك ما أمروا به من عبادة الله وحده لا شريك له واتباع نبيه فيما شرعه لأمته، وابتدع الغلو في الأنبياء والصالحين والشرك بهم فإن هذا تتلعب به الشياطين، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢]].
стр. 45
الأسباب الإيمانية التي تبعد الشياطين عن العبد
قال رحمه الله تعالى: [ومنها].
أي: من الأسباب الإيمانية التي يتبين بها عبث الشيطان؛ لأنه حينما تكلم عما يحصل عند القبور من عبث الشياطين بكثير من الإنس، وأن ذلك يختلط أحياناً بالكرامات ويختلط بالأمور المحمودة، قال: (ويتبين هذا من ذاك)، أي: يتبين عبث الشياطين بالمقصرين من الإنس من غيره بأمور: وذكر منها أولاً أن يقرأ آية الكرسي بصدق، فالمسلم إذا قرأ آية الكرسي بصدق فإن الله يحميه من الشيطان.
وإن الشيطان ينكص.
وذكر منها أيضاً في صفحة (١٦٩): أن يستعيذ بالله من الشياطين، فالمسلم إذا أكثر من الاستعاذة بالله من الشياطين، فإن الشياطين لا تغويه ولا تضره ولا تستحوذ عليه، ولا تلبّس عليه كما تلبّس على الغافلين وعلى أهل البدع الذين اختلت عقائدهم.
ثم ذكر ثالثاً في نفس الصفحة: أن يستعيذ بالتعوذات الشرعية الأوراد والأذكار والأمور التي جعلها الله سبباً في طرد الشياطين وفي جلب الخير والملائكة للإنسان.
ثم ذكر بعد ذلك صفحة (١٧١) رابعاً: أن يدعو الرائي ربه ﵎ ليبين له الحال هل هو من الكرامات أو من عبث الشياطين؟ هل هو من الأمور المحمودة أو المذمومة شرعاً؟ هل هو من الأمور الحسنة أو السيئة؟ ثم ذكر بعد ذلك أمراً خامساً: وهو أن يقول لذلك الشخص: أأنت فلان؟ يعني أنه إذا اشتبه عليه صورة شخص يعرفه بعينه، أو يذكر أنه فلان، أو يدّعي أنه الميت أو الغائب، أو العالم فلان أو الرجل الصالح، ويكون الرائي ممن لا يعرف هذا الشخص، فمن هنا يسأله عن هذه الأمور التي يتميز بها هذا من ذاك، كما قال: [ومنها: أن يدعو الرائي بذلك ربه ﵎ ليبين له الحال.
ومنها: أن يقول لذلك الشخص: أأنت فلان؟ ويقسم عليه بالأقسام المعظّمة، ويقرأ عليه قوارع القرآن إلى غير ذلك من الأسباب التي تضر الشياطين.
وهذا كما كان كثير من العُبَّاد يرى الكعبة تطوف به، ويرى عرشاً عظيماً وعليه صورة عظيمة، ويرى أشخاصاً تصعد وتنزل فيظنها الملائكة، ويظن أن تلك الصورة هي الله تعالى وتقدس، ويكون ذلك شيطاناً].
وكما حصل أيضاً لـ ابن صياد على عهد النبي ﷺ ، وابن صياد كان عنده شيء من المخرقة والدجل، وخشي النبي ﷺ أن يفتن به الصحابة، فأراد أن يبين لهم أنه ممخرق كاذب دجال، فأتاه وكان مما جرى بينه وبين ابن صياد أن النبي ﷺ قال لـ ابن صياد: (ماذا ترى؟ قال: أرى عرشاً على الماء، قال النبي ﷺ : ذاك عرش الشيطان) طبعاً قوله: أرى عرشاً على الماء، يوهم بأنه يرى العرش قبّحه الله، فالنبي ﷺ قال: (ذاك عرش الشيطان) فإذاً: أهل الأهواء يرون مثل هذه الأمور، حتى أنهم قد يرون شيئاً على عرش ما فيظنونه الله ، وأحياناً يتوهمون أنهم يجلسون على العرش وهو عرش الشيطان، فإن الله أعظم وأجل من أن يصل أحد إلى إدراك شيء من عظمته.
стр. 46
تصور الشياطين لبعض العباد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد جرت هذه القصة لغير واحد من الناس، فمنهم من عصمه الله وعرف أنه الشيطان كالشيخ عبد القادر في حكايته المشهورة حيث قال: كنت مرة في العبادة فرأيت عرشاً عظيماً وعليه نور، فقال لي: يا عبد القادر! أنا ربك وقد حللت لك ما حرمت على غيرك، قال: فقلت له: أنت الله الذي لا إله إلا هو؟ اخسأ يا عدو الله، قال: فتمزق ذلك النور وصار ظلمة، وقال: يا عبد القادر، نجوت مني بفقهك في دينك وعلمك وبمنازلاتك في أحوالك، لقد فتنت بهذه القصة سبعين رجلاً، فقيل له: كيف علمت أنه الشيطان؟ قال: بقوله لي: حللت لك ما حرمت على غيرك، وقد علمت أن شريعة محمد ﷺ لا تنسخ ولا تبدّل؛ ولأنه قال: أنا ربك، ولم يقدر أن يقول: أنا الله الذي لا إله إلا أنا].
أي: لأن الربوبية تحتمل معانٍ كثيرة، بينما الألوهية لا تحتمل إلا معنى أنه المعبود، بينما الربوبية تعني المالك، وتعني الصاحب، وتعني معانٍ كثيرة في اللغة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن هؤلاء من اعتقد أن المرئي هو الله، وصار هو وأصحابه يعتقدون أنهم يرون الله تعالى في اليقظة، ومستندهم ما شاهدوه، وهم صادقون فيما يُخبرون به، ولكن لم يعلموا أن ذلك هو الشيطان.
وهذا قد وقع كثيراً لطوائف من جهال العباد، يظن أحدهم أنه يرى الله تعالى بعينه في الدنيا؛ لأن كثيراً منهم رأى ما ظن أنه الله وإنما هو شيطان.
وكثير منهم رأى من ظن أنه نبي أو رجل صالح أو الخضر وكان شيطاناً.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (من رآني في المنام فقد رآني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي).
فهذا في رؤيا المنام؛ لأن الرؤيا في المنام تكون حقاً وتكون من الشيطان، فمنعه الله أن يتمثل به في المنام، وأما في اليقظة فلا يراه أحد بعينه في الدنيا، فمن ظن أن المرئي هو الميت فإنما أتي من جهله، ولهذا لم يقع مثل هذا لأحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان].
لم يحدث أن أحداً من الصحابة ولا التابعين ولا أئمة الهدى رأى النبي ﷺ في اليقظة، أو أنه رأى الخضر أو أحداً من الأموات في اليقظة، لم يحدث لأحد من أئمة الهدى الذين هم على الاستقامة، والذين سبيلهم هو سبيل المؤمنين، وبهم القدوة والعبرة، ولذلك ما يحدث عند غلاة الصوفية من دعواهم أنهم يحضر عندهم النبي ﷺ يقظة في حفلاتهم الراقصة ومجونهم وأورادهم البدعية، هذا كله من عبث الشيطان بهم؛ لأنهم يدّعون أن النبي ﷺ يحضر لهم، ويسمون ذلك الحضرة، فمنهم من يدّعي أنه يراه، ومنهم من قد لا يدّعي أنه يراه لكن يتخيّل رؤيته ويفرشون له فراشاً أخضر أو نحو ذلك.
وقد تأتيهم أشباح أو خيالات، وقد لا تأتيهم، لكن منهم من يدّعي أنه يرى النبي ﷺ يقظة، وأنه يحضر هذه المحافل المشينة التي يربأ العاقل بنفسه أن يحضرها أو أن يراها ويسمعها، ففيها من الأمور الباطلة والسفاسف ما يترفع عنه عامة الناس، بل بعض الغوغاء من الناس لا يطيقون مثل هذه المشاهد، فكيف بالعقلاء؟ فكيف يدّعون أن النبي ﷺ يحضرهم؟ أما دعواهم حضور الخضر، فهذه دعوى متكاثرة جداً، لا يكاد صوفي إلا ويدّعي هذه الدعوى، حتى الذين لا يدّعون أنهم يرون الرسول ﷺ يقظة، لا يشكون أنهم يرون الخضر، وهذا لا شك أنه من الزعم الباطل، وأنه من عبث الشيطان بهم.
أما بالنسبة لدعواهم بأن الخضر يحضر؛ لأنه جاء فيه آثار مشكلة أنه حي وأنه لم يمت، فوجود مثل هذه الآثار وإن كانت لا تصح جعلتهم يتعلقون به، وقصته مع موسى قصة فيها غرابة، فإنه لم يكن معروفاً، وموسى عثر عليه في مكان لم يكن يتوقعه، وحدث له معه قصة تدل على أن الناس لا يعرفون هذا الرجل، وكأنه بزعمهم يتلون، فمن هنا صارت حكاية الخضر فيها مجال واسع لدعوى أنه من الممكن أن يظهر بمظاهر كثيرة وفي أماكن كثيرة وأزمان كثيرة، والله أعلم.
стр. 47
اعتقادات باطلة مخالفة للمعقول والمنقول
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبعض من رأى هذا أو صدق من قال: إنه رآه اعتقد أن الشخص الواحد يكون بمكانين في حالة واحدة فخالف صريح المعقول.
ومنهم من يقول: هذه رقيقة ذلك المرئي، أو هذه روحانيته، أو هذا معناه تشكل، ولا يعرفون أنه جني تصور بصورته.
ومنهم من يظن أنه ملك، والملك يتميز عن الجني بأمور كثيرة، والجن فيهم الكفار والفساق والجهال، وفيهم المؤمنون المتبعون لمحمد ﷺ تسليماً، فكثير ممن لم يعرف أن هؤلاء جن وشياطين يعتقدهم ملائكة.
وكذلك الذين يدعون الكواكب وغيرها من الأوثان تتنزل على أحدهم روح يقول: هي روحانية الكواكب، ويظن بعضهم أنه من الملائكة وإنما هو من الجن والشياطين يغوون المشركين].
أغلب ما يحدث التعلق بالكواكب من الصابئة ومن اليونان، ثم انتشر هذا في كثير من الديانات أو الفرق التي خرجت عن بعض الديانات، فالصابئة هم أكثر من يعتقد في الكواكب وأن لها أرواحاً حلّت فيها، وأن لها خصائص الألوهية إلى غير ذلك من الأمور، حتى علّقوا فيها مثل هذه الأوهام.
وهذا الأمر لا يزال موجوداً عند الصابئة المعاصرين وعند كثير من الفرق الضالة التي تأثرت بالصابئة مثل اليزيدية، فاليزيدية عبدة الشيطان عندهم مثل هذه الأوهام حتى الآن، وتذكر في كتبهم وفي أحوالهم وسيرهم، ويعتقدون في الكواكب مثل هذه الاعتقادات.
كذلك كثير من الأمم القائمة الآن سواء الأمم التي ورثت ديانات قديمة أو الأمم التي تعلقت بمبادئ جديدة، كلها لها نظرة للكواكب فيها نزعة شركية، فهم يزعمون أن للكواكب تأثيراً في الأرض، وفي أحوال البشر وفي طبائع الناس ومصائرهم وحظوظهم ونحو ذلك، ولذلك كثر تعلق هذه الفئات من الناس بالطوالع وربط مصائر الأفراد بها، وسرت هذه الظاهرة إلى كثير من المسلمين عن طريق الصحف والمجلات التي تضع لهذه البدعة أو لهذه الشركيات زوايا وصفحات وأعمدة تذكر فيها تأثير الكواكب والنجوم والطوالع على مجموعات الناس وأفرادهم، وعلى أحداث البشرية العامة والخاصة، وهذا لا شك أنه نزعة وثنية خطيرة وينبغي التنبيه عليها؛ لأني أرى من خلال قراءة هذه الأمور أن هناك من أبناء المسلمين من يكاتب هذه الصحف ويسأل عن مصيره وعن حظوظه ونحو ذلك، فيجيبونه بجواب الدجالين المشعوذين والكذابين، وهذا باب خطير إذا تعلقت به نفوس الأجيال ربما يتدرج كثير من الناس إلى الوثنية والشرك وهو لا يشعر.
стр. 48
موالاة الشياطين لمن يمارس الشرك والفسوق والعصيان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والشياطين يوالون من يفعل ما يحبونه من الشرك والفسوق والعصيان؛ فتارة يخبرونه ببعض الأمور الغائبة ليكاشف بها، وتارة يؤذون من يريد أذاه بقتل وتمريض ونحو ذلك، وتارة يجلبون له من يريده من الإنس، وتارة يسرقون له ما يسرقونه من أموال الناس من نقد وطعام وثياب وغير ذلك، فيعتقد أنه من كرامات الأولياء وإنما يكون مسروقاً].
قوله: (إن الشياطين يوالون من يفعل ما يحبونه من الشرك والفسوق والعصيان؛ فتارة يخبرونه ببعض الأمور الغائبة ليكاشف بها، وتارة يؤذون من يريد أذاه بقتل وتمريض ونحو ذلك).
هذه المسألة فتن بها كثير من الناس اليوم وهم لا يشعرون من خلال تساهل بعض الرقاة، وتعاونهم مع الجن، ومن خلال لجوء الناس إلى السحرة والدجالين والمشعوذين في علاج كثير من الأمراض التي تحدث الآن، خاصة الأمراض التي تنتج عن السحر والعين، وقد كثرت جداً في مجتمعنا اليوم بسبب غفلة الناس عن ذكر الله وعن الأوراد الشرعية، وبسبب قسوة القلوب واقتراف المعاصي والبعد عن شرع الله وهدي رسوله ﷺ ، كل ذلك تسبب في كثرة وجود الأمراض النفسية والعضوية التي تكون من أسباب السحر أو العين أو التوهمات ونحوها هذه الأمور ومع وجود ضعف الإيمان في الناس ألجأت الكثير من الناس إلى الذهاب إلى السحرة والدجالين والمشعوذين، والرقاة الذين أحياناً يجمعون بين الشعوذة والرقية، أو الرقاة الجهلة الذين تدخل عليهم هذه الظواهر والسمات من حيث لا يشعرون، فتدخل عليهم بعض الأحوال الشيطانية والاستعانة بالجن بحسن نية في كثير من الأحوال، فصار الناس يستعينون بالجن والشياطين في جلب النفع ودفع الضر بطرق غير مشروعة، وهذا نوع من استدراج الناس إلى أن تعبث بهم الشياطين، وأن تكثر هذه الأحوال والصور على الناس حتى تصبح من الأعمال الشركية الصريحة أحياناً، أما كونها من البدع والكبائر فهذا مما لا شك فيه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتارة يحملونه في الهواء فيذهبون به إلى مكان بعيد.
فمنهم من يذهبون به إلى مكة عشية عرفة ويعودون به فيعتقد هذا كرامة، مع أنه لم يحج حج المسلمين؛ لا أحرم ولا لبى ولا طاف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، ومعلوم أن هذا من أعظم الضلال.
ومنهم من يذهب إلى مكة ليطوف بالبيت من غير عمرة شرعية، فلا يحرم إذا حاذى الميقات.
ومعلوم أن من أراد نسكاً بمكة لم يكن له أن يجاوز الميقات إلا محرماً، ولو قصدها لتجارة أو لزيارة قريب له أو طلب علم كان مأموراً أيضاً بالإحرام من الميقات، وهل ذلك واجب أو مستحب؟ فيه قولان مشهوران للعلماء.
وهذا باب واسع، ومنه السحر والكهانة، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع].
стр. 49
الأسئلة
стр. 50
عدم رؤية النبي ﷺ في المنام ليست من ضعف الإيمان
السؤال
ما رأيك فيمن يرى أن من لم ير النبي ﷺ في المنام فإن هذا دليل على ضعف إيمانه؟
الجواب
ليس هذا صحيحاً ولا يلزم، نعم رؤية النبي ﷺ في المنام تعتبر من الكرامات للمسلم، وأحياناً تكون من الزواجر، وذلك حسب الرؤيا، وأحياناً تكون من إقامة الحجة عليه، وأحياناً تكون موعظة، ولا يلزم أن تكون من كل وجه كرامة، لكنها دليل خير، ولا يلزم أن من لم ير النبي ﷺ أن هذا نقص في إيمانه، بل ربما يكون العكس.
ورؤية النبي ﷺ في المنام لها ضوابط، أهمها أن يراه بصفته الحقيقية، وأن لا يسمع منه إلا حقاً، أما في اليقظة فلا يتأتى.
الرؤيا أحياناً تكون صريحة وأحياناً يكون فيها نوع من الغبش، بعض الناس يقول: رأيت النبي ﷺ لكني لم أستطع أن أميّز الشبه أو الوصف، فهذا قد يتأرجح بين الأمرين، فلا نستطيع أن نجزم أنها الرؤيا التي أثبتها النبي ﷺ لمن رآه على صورته.
стр. 51
ما يدخل على الرقى من الحركات والإضافات غير المشروعة
السؤال
ما رأيكم فيمن يعالج بعض الأمراض بطريقة غريبة، على سبيل المثال فتاة أصيبت بالبهاق فذكر لها حليب العنز ولونها كذا من بعض المواد الموجودة عند العطّارين إلى آخره؟
الجواب
المشكلة أن كثيراً من الذين يعالجون بالأدوية الشعبية قد يستعملون أدوية صحيحة وأشياء صحيحة، لكن يضيفون لها أشياء لا أصل لها وهذا حظ الشيطان، قد يعالج الإنسان علاجاً صحيحاً برقية صحيحة وتتوافر فيها شروط الرقية الشرعية، لكن يدخل خلال هذه الرقية تصرف لا أصل له، كأن يقوم بحركة معيّنة يلتزمها، هذه في الحقيقة مشكلة ولا دليل عليها.
وقد يستدرجه الجن والشياطين إلى أن تكون هذه الحركة وسيلة إلى أن يستفيد فيبتلى بها، فأنا قد رأيت بعض القراء يقرءون قراءة صحيحة وهم من أهل التقوى والصلاح فيما نحسبهم والله حسيبهم، وليس عندهم أي مشكلات، لكنهم أثناء الرقية أجد كلاً منهم يقوم بحركة معينة تختلف عن حركة الآخر، ويرى أن هذه الحركة من أسباب التوفيق إلى اكتشاف المرض أو إلى إفادة المريض.
فالتزام الحركة مسألة إضافية، أضافت على الرقية شبهة إن لم تكن بدعة.
كذلك ما قاله السائل هنا من أن هذا الإنسان الذي وصف له بعلاج قد يكون هذا العلاج صحيحاً، لكن هناك شيء لا معنى له وهو أن يكون الحليب حليب عنز سوداء، فليس لهذا معنى عند العقلاء ولا عند الأطباء ولا عند المجربين، وإن ثبت فهو من الابتلاء؛ لأن السواد وعدم السواد في العنز ليس له معنى.
فهذا إذاً من مداخل الشيطان على الناس، ولذلك ينبغي من طلاب العلم أن يميزوا جيداً في هذه الأمور؛ لأنه قد يحدث من الرجل الصالح الذي يباشر علاج الناس مثل هذه الأمور وهو لا يشعر، فيستعمل حركة أو عملاً إضافياً على الرقية الشرعية أو على العلاج المادي، فهذا العمل الإضافي الذي لا يفسّر علمياً ولا يفسّر عقلاً ولا شرعاً يجب إبعاده، فأرجو التنبه لهذه المسألة لأنها كثرت جداً عند الرقاة والمعالجين، حتى أكاد أقول إن مشاهير الرقاة لكل واحد له ميزة من هذا النوع، إما حركة، وإما كلمة، وإما توهيم معين للمقروء عليه، والله قد أغنانا عنها بالأمور الواضحة البيّنة.
стр. 52
سؤال الراقي للمرقي عن بعض الأشياء
السؤال
هل يجوز للراقي أن يقول للمرقي عندما يقرأ عليه: هل ترى أحداً؟
الجواب
هذه من الأمور التي ينبغي التمييز فيها بين وجه الحق ووجه الباطل، وهو أن المرقي عليه إذا كان الأمر يشتبه بأن يكون ما أصابه بسبب عين فلا حرج أن يقال له: هل تتذكر أحد؟ هل تعرف أحداً تكلم فيك؟ أو تخيل إن كان حدث لك مواقف سابقة ربما تكون غبطت فيها، أو تكلم الناس بحقك أو أثنوا عليك بما قد يحسدك الآخرون أو نحو هذا فهذا لا حرج فيه؛ لأن النبي ﷺ قال: (من تتهمون؟) من باب استذكار الحوادث الفعلية التي حدثت للمريض لعله بذلك يكتشف العائن، هذا أمر مشروع، لكن أن نقول له إذا قرأنا عليه: تخيل أي صورة، فأنا متأكد أن الشيطان والجني يصور له أعز الناس عليه، ثم يتهم هذا العزيز وتقع فتنة، وهذا الحاصل أنا أعرف وقائع حدثت منها مشكلات بين أسر كثيرة، وحدثت مقاطعات، ومضاربات، وتشتيت الشمل، وطلاق بين الأزواج، وكل ذلك بسبب مثل هذه الأساليب، وهي أن يأتي القارئ فيقول للمقروء عليه: تخيل، ولا يصح أن تقول: تخيل؛ لأنه في نفسه سيتخيل الناس كلهم من حوله، وأيضاً يدخل عليه الجني والشيطان فيخيِّل له، وهذا الأمر غيب، وما دام غيباً فلا يأتيه إلا من خلال الشياطين والجن أو الأوهام والوساوس.
أما أن يقول: تذكّر، أو من تتهم؟ حتى وإن كان أثناء القراءة؛ لأن المريض أثناء القراءة قد يكون قلبه أقوى، وذاكرته أكثر شفافية، فربما يتذكر ما لا يتذكره قبل ذلك.
أما الأمور الأخرى التي ذكرتها وذكرها الناس من التخيلات والتصورات وكون الإنسان يُفتح له مجال بأن يتوهم فهذا مما لا يجوز شرعاً ولا أعرف له دليلاً، بل الدليل ضده والواقع أثبت أنه سبب فتنة وسبب دخول الشيطان، وأيضاً عبث الجن ببني آدم، وقد كثر جداً في الناس اليوم، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
стр. 53
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٧]
الابتداع وقلة الفقه في الدين يوقع العبد في مصائد الشياطين، فيتوهم الخوارق كرامات، وأنها تدل على التأييد والعون والنصر لمن حدث له ذلك، ولا يفرق بين ما هو كهانة وشعوذة ومخرقة، وما هو كرامة، فالكرامة لا تحصل إلا بالاستقامة، أما مع عدم الاستقامة والاتباع فكله من حيل الشياطين والملبسين من الكهنة والمشعوذين.
стр. 54
الفرق بين الكرامات والمخارق الشيطانية
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وعند المشركين عُبّاد الأوثان ومن ضاهاهم من النصارى ومبتدعة هذه الأمة في ذلك من الحكايات ما يطول وصفه، فإنه ما من أحد يعتاد دعاء الميت والاستغاثة به نبياً كان أو غير نبي إلا وقد بلغه من ذلك ما كان من أسباب ضلاله، كما أن الذين يدعونهم في مغيبهم ويستغيثون بهم فيرون من يكون في صورتهم، أو يظنون أنه في صورتهم ويقول: أنا فلان، ويكلمهم ويقضي بعض حوائجهم، فإنهم يظنون أن الميت المستغاث به هو الذي كلمهم وقضى مطلوبهم، وإنما هو من الجن والشياطين.
ومنهم من يقول: هو ملك من الملائكة، والملائكة لا تعين المشركين، وإنما هم شياطين أضلوهم عن سبيل الله.
وفي مواضع الشرك من الوقائع والحكايات التي يعرفها من هنالك ومن وقعت له ما يطول وصفه].
هذا الأمر إذا استصحبناه في مثل هذه الأمور نجد أن الحق فيه واضح، وأن اللبس الذي يحدث عند الجهلة وأهل البدع والذين يقعون في الشركيات ناتج عن عدم فقههم في دين الله ، وعن الجهل بهذه القاعدة، وهي قاعدة أنه ليس كل ما يحدث من الخوارق كرامات؛ هذا شيء.
الشيء الآخر: أن هذه الأمور الخارقة التي تحدث إذا حدثت وصاحبها متلبس ببدعة فلا يمكن أن تكون خيراً، فإن هذا اللبس لا يكون؛ لأن الدين مبني على البيان والوضوح والحق، فهذه الأمور الملتبسة التي تحدث لأصحاب الشركيات والبدعيات لا يمكن أن تكون من باب الكرامات ولا يمكن أن تكون من ملائكة، ولا يمكن أن تكون أيضاً من الصالحين، فلا أحد من الصالحين خرج على هؤلاء وتصور لهم، ولا أحد من الملائكة يحدث منه ذلك، فكل هذه الأفعال إذاً أفعال شياطين قد يقولون: لماذا؟ نقول لهم: أولاً: لأن هذه الأفعال مضادة لأصول التوحيد، وأصول العبادة لله .
وثانياً: أنها مبنية على تصرفات ليست من جنس أفعال الملائكة ولا من جنس أفعال الأولياء، ثم إنها لم تحدث لأهل الاستقامة الذين سلموا من البدع فإذاً: لا شك أنها من عمل الشياطين ومن عمل الجن وليست من عمل الملائكة، وهي من باب الابتلاء، وليس كل خارق للعادة يكون معناه التأييد والنصر، أو يكون معناه العون لمن حدث له، بل يكون ابتلاء ويكون من عبث الشياطين والجن.
أحياناً الكرامة تكون ابتداءً كرامة لكن يبدأ بها الابتلاء، فصاحب الكرامة قد تحدث له على وجه صحيح، لكنه إذا أدخل عليها ما لا أصل له في الشرع أو عمل تجاهها ما لا أصل له في الشرع كأن يغتر بها أو يظنها دليلاً على الصلاح في المآل، أو أنها بالضرورة تأييد لما عليه من عمل دون اعتبار لقواعد الشرع وأصوله؛ إذا حدث هذا فإن الإنسان قد يستدرج من الكرامة إلى المخرقة والخوارق، ثم إلى عبث الشياطين.
فالشاهد أن هذه الأمور التي ذكرها الشيخ مما يحدث عند قبور الأولياء والمشاهد والآثار، وفي تصرفات هؤلاء الممخرقين، ليست على الحق بالضرورة إلا إذا كانت على قواعد الشرع، وقواعد الشرع تقتضي ألا يحدث مثل هذا بشكل سافر ومتكرر يبتلى به الناس حتى يعتمدون عليه ولا يعتمدون على الله .
أقول هذا لأننا نسمع من كثير من الذين يقعون في هذه الأمور يجعلون هذه الخوارق دليلاً على أنهم على استقامة، وأنهم مؤيدون من قِبل الأنبياء والأولياء، وما دروا أن الذين يتصورون لهم بهذه الصور ليسوا أنبياء ولا أولياء إنما هم شياطين وجن فيحتاج الأمر إلى مزيد تجلية وتقعيد.
стр. 55
أقسام الناس تجاه الخوارق الشيطانية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأهل الجاهلية فيها نوعان: نوع يكذب بذلك كله، ونوع يعتقد ذلك كرامات لأولياء الله].
لا يزال الناس على هذا الانقسام تجاه الخوارق، سواء منها الخوارق التي من باب الكرامات، أو الخوارق التي من باب المخرقة والدجل، لا يزال أهل الجاهلية منذ قديم الزمان إلى يومنا هذا ينقسمون إلى قسمين:
стр. 56
القسم الأول من ينكر المخارق الشيطانية
قسم ينكر هذه الأمور ألبتة، وهؤلاء بعض الفلاسفة وبعض العقلانيين وبعض الجهمية، وطائفة من المتحذلقة المثقفين وما سواهم، هؤلاء ينكرون كل هذه الأمور، ويعتبرونها من باب التوهمات ومن باب الخيالات، وكثير من علماء النفس على هذا الاتجاه، خاصة الذين ليس عندهم إحاطة بالعقيدة، فينكرون كل الأمور التي تتعلق بتلبيس الجن بالإنس، والخوارق، والأمور التي يدّعيها الناس مما يحدث ويرون أنه كله من باب الخيالات والأوهام، وهذا خطأ، فهو موجود في أيام الجاهلية الأولى، والجاهلية القريبة، والجاهلية المعاصرة؛ فأكثر أصحاب النزعة العقلانية ممن يدعون الإسلام ينكرونها، مع أنها تقع لكن منها ما يقع على وجه حق ومنها ما يقع على وجه باطل، الأمور الخارقة للعادة إن كانت كرامات فهي على وجه حق ويجب أن نؤمن بها، وإن وقعت على وجه باطل فهي باطل لكنها تقع فعلاً.
فهذا المدعي المشرك الذي يستغيث بصاحب القبر يظهر له شكل إنسان وهو شيطان من الشياطين، لا ينكر أنه ظهر له ذلك؛ لأنه رآه وعاينه وربما يراه حتى بعض الصالحين من باب الابتلاء.
стр. 57
القسم الثاني من يعتقد المخارق الشيطانية كرامات
والقسم الثاني من يعتقد أن كل ذلك كرامات لا يفرق بين الكرامة والدجل، ولا بين الكرامة والكهانة والمخرقة والشعوذة، يجعلها من باب واحد، فكل ما كان خارقاً يعتقد أنه كرامة، ولذلك أتي كثير من أهل البدع خاصة العامة والسذج من هذا الباب، حيث يرون أو يزعمون أن كل ما يظهر من هذه الأمور الخارقة للعادة لا يظهر إلا بتأييد من الله وأنه دليل على رضا الله عن العبد وعن عمله، وهذا أيضاً خطأ.
والقول الثالث هو قول أهل الحق: وهو أن هذه الأمور منها ما هو حق ومنها ما هو باطل، والباطل يكون مما يرى ويعاين، فليس هناك ما يمنع أن يرى الناس شيطاناً ويتمثل بنبي أو ولي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالأول يقول: إنما هذا خيال في أنفسهم لا حقيقة له في الخارج، فإذا قالوا ذلك لجماعة بعد جماعة فمن رأى ذلك وعاينه موجوداً أو تواتر عنده ذلك عمن رآه موجوداً في الخارج وأخبره به من لا يرتاب في صدقه كان هذا من أعظم أسباب ثبات هؤلاء المشركين المبتدعين المشاهدين لذلك والعارفين به بالأخبار الصادقة.
ثم هؤلاء المكذبون لذلك متى عاينوا بعض ذلك خضعوا لمن حصل له ذلك وانقادوا له واعتقدوا أنه من أولياء الله، مع كونهم يعلمون أنه لا يؤدي فرائض الله حتى ولا الصلوات الخمس، ولا يجتنب محارم الله لا الفواحش ولا الظلم، بل يكون من أبعد الناس عن الإيمان والتقوى التي وصف الله بها أولياءه في قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]].
معنى هذا أنهم اختلت عندهم القواعد الشرعية التي يلزم بها الحق، ويفرق بها بين الحق والباطل، ومن أهم هذه القواعد أن يكون الإنسان الذي تحدث منه هذه الأمور على الاستقامة، والاستقامة لا تكفي فيها الدعوى، ولكن أن يكون مقيماً لدين الله مؤدياً شعائر الله، خالياً من البدع والخرافات.
فهؤلاء الذين يحكمون لأهل المخارق البدعية بأنهم أولياء الله يجهلون الموازين الشرعية فلا يفرقون بين حقيقة الولاية والعكس، وذلك إما لجهلهم، أو لأنهم اعتقدوا عقائد باطلة فخرجوا بها على الحق، أو للتقليد الأعمى، وأغلب ما يوقع العامة في هذه الأمور التسليم الأعمى لشيوخهم من المتصوفة، فلا يحكمون عقولهم فضلاً عن أن يحكموا الشرع، وإلا فكيف يوقن عاقل بأن الذي يرتكب كبيرة من الكبائر علناً أو يجاهر بالفواحش أن له كرامة ثم يصدق.
والصوفية في واقعهم وفي كتبهم التي يقرونها ويدافعون عنها ملئوا أخبارهم وأحوالهم بوجود أناس من شيوخهم يفعلون الفواحش ويرتكبون الموبقات، ثم يفسرها الأتباع بأنها كرامات، يتركون الفرائض علناً، ويهجرون الصلوات، ولا يصومون ولا يحجون ثم يفسر هذا بأنه كرامات.
فأقول: إن من أسباب وقوع الناس في مثل هذه الأمور التقليد الأعمى والتبعية بغير تبصر، هذا بالنسبة للعامة والغوغاء، أما الرءوس فلاشك أنه لا يقع في هذا إلا مبطل، يجني من مثل هذه الأعمال فوائد معنوية ومادية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فيرون من هو مِن أبعد الناس عن الإيمان والتقوى له من المكاشفات والتصرفات الخارقات ما يعتقدون أنه من كرامات أولياء الله المتقين.
فمنهم من يرتد عن الإسلام وينقلب على عقبيه، ويعتقد فيمن لا يصلي بل ولا يؤمن بالرسل، بل يسب الرسل ويتنقص بهم أنه من أعظم أولياء الله المتقين.
ومنهم من يبقى حائراً متردداً شاكاً مرتاباً، يقدم إلى الكفر رجلاً وإلى الإسلام أخرى، وربما كان إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان.
وسبب ذلك أنهم استدلوا على الولاية بما لا يدل عليها، فإن الكفار والمشركين والسحرة والكهان معهم من الشياطين من يفعل بهم أضعاف أضعاف ذلك قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء:٢٢١ - ٢٢٢].
وهؤلاء لابد أن يكون فيهم كذب وفيهم مخالفة للشرع، ففيهم من الإثم والإفك بحسب ما فارقوا أمر الله ونهيه الذي بعث به نبيه ﷺ ، وتلك الأحوال الشيطانية نتيجة ضلالهم وشركهم وبدعتهم وجهلهم وكفرهم وهي دلالة وعلامة على ذلك، والجاهل الضال يظن أنها نتيجة إيمانهم وولايتهم لله تعالى، وأنها علامة ودلالة على إيمانهم وولايتهم لله سبحانه.
وذلك أنه لم يكن عنده فرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان كما قد تكلمنا على ذلك في مسألة: الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ولم يعلم أن هذه الأحوال التي جعلها دليلاً على الولاية تكون للكفار من المشركين وأهل الكتاب أعظم مما تكون للمنتسبين إلى الإسلام، والدليل مستلزم للمدلول مختص به لا يوجد بدون مدلوله، فإذا وجدت للكفار والمشركين وأهل الكتاب لم تكن مستلزمة للإيمان فضلاً عن الولاية، ولا كانت مختصة بذلك، فامتنع أن تكون دليلاً عليه.
وأولياء الله هم المؤمنون المتقون، وكراماتهم ثمرة إيمانهم وتقواهم لا ثمرة الشرك والبدعة والفسق، وأكا
стр. 58
الأسئلة
стр. 59
المبالغة في ادعاء الكرامات
السؤال
ما رأيكم في بعض الكرامات التي يدعيها إخواننا من أهل التبليغ؟
الجواب
أنه قد يكون ممن ينتسبون للتبليغ أو لغير التبليغ بعض الجهلة وبعض المتعلقين بالبدع، فيكون عندهم مبالغات، أو تحدث عندهم بعض المخارق الشيطانية ويظنونها كرامات.
стр. 60
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٨]
من عوامل ضلال أهل البدع عند القبور تصويرهم ما يأتونه من خوارق ونحوها على أنها كرامات وفتوحات ربانية، ونسوا أن الشياطين التي تزين لهم أعمالهم الشركية والبدعية هي كذلك تصور لهم تلك الخوارق حتى يظنوا أن ما يأتون به من قربات أو أعمال تقربهم إلى الله زلفى، وكل هذا ناتج عن الابتداع في الدين والابتعاد عن هدي سنة سيد المرسلين، وعدم التفريق بين ما هو من خوارق الشياطين، أو كرامات من رب العالمين.
стр. 61
صور الشياطين من أسباب ضلال المشركين
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [والمقصود هنا أن من أعظم أسباب ضلال المشركين ما يرونه أو يسمعونه عند الأوثان، كإخبار عن غائب أو أمر يتضمن قضاء حاجة ونحو ذلك، فإذا شاهد أحدهم القبر انشق وخرج منه شيخ بهي عانقه أو كلمه، ظن أن ذلك هو النبي المقبور أو الشيخ المقبور، والقبر لم ينشق وإنما الشيطان مثل له ذلك، كما يمثل لأحدهم أن الحائط انشق وأنه خرج منه صورة إنسان، ويكون هو الشيطان تمثل له في صورة إنسان وأراه أنه خرج من الحائط.
ومن هؤلاء من يقول لذلك الشخص الذي رآه قد خرج من القبر: نحن لا نبقى في قبورنا، بل من حين يقبر أحدنا يخرج من قبره ويمشي بين الناس.
ومنهم من يرى ذلك الميت في الجنازة يمشي ويأخذه بيده إلى أنواع أخرى معروفة عند من يعرفها].
هذه صور عبدة شياطين الجن والإنس ونحوها، هذه الصور موجودة حتى الآن بين طوائف من أهل الضلال الطرقية، وهي في الطرقية أكثر من غيرهم من أصحاب المخرقات والشعوذة وأصحاب البدع، ولا يظن أحد أنها مقصورة على بعض العهود أو أنها اشتهرت في عهد شيخ الإسلام وقبله، أو أنها خفت الآن أو زالت، نعم قد تكون زالت في بعض البيئات، لكنها زادت في بيئات أخرى، وقد يترفع عنها الناس في بعض البلاد إما لقوة إيمانهم ورجوعهم إلى السنة، وإما لعدم تعلقهم بهذه الصور، وكثير من المثقفين وغيرهم قد لا يعرفون هذه الصور ويستنكرونها؛ لأنهم لا يباشرونها ولو باشروها لحدثت لهم؛ لأنهم ليس عندهم من الإيمان واليقين ما يعصمهم، ومع ذلك لا تزال هذه الصور موجودة وأمثلتها حية في أناس نسمع بهم ونسمع منهم، وفي كثير من البلاد تتعدى المسألة إلى أكثر من ذلك، قد تكون هناك البلاد التي تحدث فيها هذه البدع، حيث يكون هناك كثيرون من أهل التصوف والبدع لا تحدث منهم هذه الأمور الكبار؛ لكنهم يعتقدون في الأولياء الأحياء والأموات أن لهم نفعاً أو ضراً، وقد وصل الأمر إلى اعتقاد أنهم يرونهم يخرجون من قبورهم أو أنهم يكلمون فلاناً أو يحضرون الحضرات أو غيرها، قد يكون عامتهم أو جمهور الغوغاء من هذا النوع لا يصلون إلى هذا الحد من التصور، لكن مع ذلك لا يزالون يتعلقون بالأشخاص من حيث اعتقادهم أنهم ينفعون أو يضرون واعتقاد أن لهم تصرفاً بأحوال العباد، وقد حدثني ثقة ومعه من شهد له بذلك ممن تاب ورجع عن هذه الأمور يقول: كنا في بلاد ما من بلاد المسلمين ولا زال أصحابنا الذين لم يتوبوا من هذا المسلك، يقول: كنا نعتقد أن الولي يملك أن ينفع الإنسان في كثير من أموره أو يضره، وأنه يلزم له لجلب النفع أو دفع الضر أن يقدم أشياء ويعمل أشياء تجاه هذا الولي، فيقول مثلاً: كنا نزرع فلا نبذر البذر حتى نأتي إلى الولي نستأذنه ونقدم له صدقة، فإذا استأذناه بذرنا البذر ثم نأتي له لنضمن نبات الزرع فإذا نبت الزرع واستوى واشتد جئنا له لنضمن حصاده من غير آفة فقدمنا له مع العبارات والشركيات أشياء من أغلى ما نملك.
ويقول: والعجيب أن من لم يفعل ذلك من الأتباع والمريدين يتضرر زرعه، وتتضرر أنعامه وغنمه، ويتضرر ماله وتجارته قد وكلهم الله إلى ما اعتقدوه؛ يقول: إلا من تاب وتخلص فإن الله يحميه ويعصمه.
يقول: جربنا تجارب كثيرة أن من يكسل عن الذهاب للشيخ أو لا يواظب على هذه الطريقة بشكل منتظم يرضي الشيخ عنه تضرر ماله وتضررت أحواله وحصل له من العوائق والموانع ما يجعله يأتي راغماً إلى هذا الشيخ فيدعوه من دون الله، ويقدم له الضرائب.
стр. 62
اغترار أهل الضلال بدعاوى الكهان والمشعوذين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأهل الضلال إما أن يكذبوا بها وإما أن يظنوها من كرامات أولياء الله، ويظنون أن ذلك الشخص هو نفس النبي أو الرجل الصالح أو ملك على صورته.
وربما قالوا: هذا روحانيته أو رقيقته أو سره أو مثاله أو روحه تجسدت، حتى قد يكون من يرى ذلك الشخص في مكانين فيظن أن الجسم الواحد يكون في الساعة الواحدة في مكانين، ولا يعلم أن ذلك حين تصور بصورته ليس هو ذلك الإنسي.
وهذا ونحوه مما يبين أن الذين يدعون الأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وغير قبورهم هم من المشركين الذين يدعون غير الله، كالذين يدعون الكواكب، والذين اتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٧٩ - ٨٠].
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧].
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣].
ومثل هذا كثير في القرآن ينهى أن يدعى غير الله، لا من الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم، فإن هذا شرك أو ذريعة إلى الشرك بخلاف ما يطلب من أحدهم في حياته من الدعاء والشفاعة فإنه لا يفضي إلى ذلك].
ما يطلب من أحد العقلاء القادرين في حياته من الدعاء والشفاعة مستثنى لأمرين: الأمر الأول: أنه ورد في الشرع استثناؤه، فيجوز أن تطلب من آخر أن يدعو لك.
الأمر الثاني: أنه يقدر على ما تطلب منه، ولو لم يقدر لما جاز دعاؤه.
فأنت إذا قلت لأحد من الناس ادع الله لي فإنه قادر على الدعاء؛ لكن لو خاطبت غائباً وقلت: ادع لي وهو لا يسمعك دخل هذا في باب وسائل الشرك، وكذلك لو طلبت منه ما لا يقدر عليه.
إذاً: فالحي القادر إذا كان يسمعك فإنه يجوز أن تطلب منه الدعاء؛ لأنه يقدر على أن يدعو لك، ولأن ذلك مشروع بالنص الشرعي ولا يتعدى المشروع أو النص في ذلك.
стр. 63
دعاء الأنبياء في حياتهم وبعد موتهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن أحداً من الأنبياء والصالحين لم يعبد في حياته بحضرته، فإنه ينهى من يفعل ذلك بخلاف دعائهم بعد موتهم فإن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم، وكذلك دعاؤهم في مغيبهم هو ذريعة إلى الشرك].
هذه أيضاً فائدة عظيمة قد لا يتفطن لها كثير من الناس، وبخاصة الذين ابتلوا بمثل هذه البدع وهي: أنه لم يثبت ولن يثبت أن أحداً من الأنبياء أو الصالحين الذين تعلق بهم هؤلاء القوم عبد في حياته بحضرته، لكن هناك ممن يسمون صالحين ليسوا بصالحين، أما أهل الصلاح والاستقامة الذين تعلق بهم أهل البدع مثل عبد القادر الجيلاني فلا يعرف عنه أنه رضي أن يدعوه أحد وهو حي أو ميت، فإن الجيلاني ﵀ عنده بعض الشطحات في مسائل العقيدة لكنه في مسائل العبادة لم تعرف عنه زلة، بل يعتبر من الأئمة الكبار الذين لهم في تحصين الأمة في عقيدتها وفي جوانب العبادة جهود كبيرة.
فإذاً: لم يحدث أن أحداً من الأنبياء ولا من الصالحين عبد في حياته ورضي بذلك أو دعا إليه أو أقره، بل العكس هو الصحيح فإنهم نهوا عن هذا العمل وعن مثل هذا العمل، والنبي ﷺ حذر أمته من أن يتخذ قبره مسجداً؛ لأن ذلك ذريعة للبدعة فكيف بالبدعة نفسها مثل التمسح بقبره، ومثل الدعاء غير المشروع عنده والتوجه إليه من دون القبلة، والطواف به.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن رأى نبياً أو ملكاً من الملائكة وقال له: ادع لي لم يفض ذلك إلى الشرك به، بخلاف من دعاه في مغيبه، فإن ذلك يفضي إلى الشرك به كما قد وقع، فإن الغائب والميت لا ينهى من يشرك، بل إذا تعلقت القلوب بدعائه وشفاعته أفضى ذلك إلى الشرك به فدعي وقصد مكان قبره أو تمثاله أو غير ذلك، كما قد وقع فيه المشركون ومن ضاهاهم من أهل الكتاب ومبتدعة المسلمين.
ومعلوم أن الملائكة تدعو للمؤمنين وتستغفر لهم كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٧ - ٩]، وقال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى:٥ - ٦]، فالملائكة يستغفرون للمؤمنين من غير أن يسألهم أحد، وكذلك ما روي أن النبي ﷺ أو غيره من الأنبياء والصالحين يدعو ويشفع للأخيار من أمته هو من هذا الجنس، هم يفعلون ما أذن الله لهم فيه بدون سؤال أحد].
هذا المقطع نقف عنده، فالشاهد من هذا الكلام أن هذه الأمور التي ذكرت قد ورد في الشرع أنها مشروعة، مثل الاستغفار للمؤمنين، سواء من بعضهم لبعض، أو من النبي ﷺ لهم أو من الملائكة، وليس هذا ذريعة إلى دعاء من لا يقدرون أو دعاء من لا يجيبون أو دعاء من لا يشرع دعاؤهم من دون الله ، لكن ما زاد عن ذلك من دعاء الأموات أو طلب الدعاء ممن لا يقدرون أو طلب الدعاء مما لا يشرع طلب الدعاء منه يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه، بل الدليل على عكسه.
стр. 64
الأسئلة
стр. 65
حدود الولاء والبراء مع غير المسلمين
السؤال
أرجو توضيح حدود الولاء والبراء مع غير المسلمين؟
الجواب
غير المسلمين ليس معهم ولاء من حيث الدين، بل يكون منهم البراء الكامل، أما من حيث التعامل فهذا يرجع لجلب المصالح ودفع المفاسد ويرجع لما يترتب على التصرف من خير أو شر.
بعض الناس يخلط بين مسألة التعامل الدنيوي ومسألة التعامل القلبي والبراء القلبي، فالبراء القلبي والبراء الديني والعقدي من الكفار براء كامل، لكن من حيث التعامل فلابد من تحكيم قواعد الشرع بحسب الزمان والمكان والمصلحة والمفسدة، وبحسب الحال والشخص، وبحسب نوع التصرف، فمثلاً المنادمة والمجالسة لا تجوز للكافر في التبسط؛ لكن العمل معه فيما تقتضيه مصلحة عامة للمسلمين أو مصلحة خاصة.
стр. 66
رؤية الأموات أعمال الأحياء
السؤال
هل يرى الأموات أعمال الأحياء؟
الجواب
الله أعلم، فليس عندنا على هذا دليل إلا الرؤى، والرؤى ليست أدلة الرؤى، فما هي إلا أمثال تضرب للخلق.
قد يوجد عند كثير من الناس أن الأحياء يرون أحوال الأموات، وأن الأموات يشعرون الأحياء بأنهم يتفقدون أحوالهم، وأنهم يسرون بما يسر ويتألمون بما يضر إلى آخره لكن هل هذا على الحقيقة من كل وجه، الله أعلم.
стр. 67
القصاص بين الجن والإنس يوم القيامة
السؤال
هل يقتص الإنس من الجن يوم القيامة؟
الجواب
نعم، الظاهر أن الإنس يقتصون من الجن والجن من الإنس، وأغلب ما يكون الأذى من الجن للإنس؛ لأن الجن يرون الإنس ويشعرون بهم والإنس لا يرون الجن ولا يشعرون بهم فكان الأذى من الجن على الإنس أكثر، ولذلك القصاص سيكون بينهم يوم القيامة كسائر المخلوقات.
стр. 68
وصية الأموات للأحياء
السؤال
هل يوصي الأموات الأحياء عن طريق بعض الأحياء؟
الجواب
هذا لا أعرف أنه مشروع ولا أصل له.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 69
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٩]
سؤال الخلق ما ليس في مقدورهم لا يجوز شرعاً؛ لأنه يفضي إلى الشرك ونحوه، والرغبة والتوكل يكون على الله وحده لا شريك له، أما إذا سأل السائل شخصاً حياً عن شيء يقدر عليه فللحاجة يجوز له ذلك، وكمال التوكل هو أن يلجأ العبد في أحواله وشئونه وجميع أموره إلى الله تعالى ويسأله كل ما يريد ويحتاج.
стр. 70
موانع دعاء الأموات من الأنبياء والصالحين
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وإذا لم يشرع دعاء الملائكة لم يشرع دعاء من مات من الأنبياء والصالحين، ولا أن نطلب منهم الدعاء والشفاعة وإن كانوا يدعون ويشفعون].
أي: وإذا لم يشرع دعاء الملائكة وهم أحياء فغيرهم ممن مات من الأنبياء والصالحين من باب أولى.
قال رحمه الله تعالى: [لوجهين: أحدهما: أن ما أمر الله به من ذلك هم يفعلونه وإن لم يطلب منهم، وما لم يؤمروا به لا يفعلونه ولو طلب منهم، فلا فائدة في الطلب منهم.
الثاني: أن دعاءهم وطلب الشفاعة منهم في هذه الحال يفضي إلى الشرك بهم، ففيه هذه المفسدة].
قوله: (في هذه الحال) يعني: في حال موتهم.
قوله: (الثاني: أن دعاءهم) أي: دعاء الأنبياء والصالحين من الأموات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلو قدر أن فيه مصلحة لكانت هذه المفسدة راجحة، فكيف ولا مصلحة فيه، بخلاف الطلب منهم في حياتهم وحضورهم فإنه لا مفسدة فيه، فإنهم ينهون عن الشرك بهم بل فيه منفعة، وهو أنهم يثابون ويؤجرون على ما يفعلونه حينئذ من نفع الخلق كلهم؛ فإنهم في دار العمل والتكليف، وشفاعتهم في الآخرة فيها إظهار كرامة الله لهم يوم القيامة].
стр. 71
أنواع السؤال بين الناس
في المقطع التالي سيتكلم الشيخ في صفحتين أو ثلاث عن أنواع السؤال، وسأنبهكم الآن أو أملي عليكم الفقرات الرئيسية في هذه الأنواع حتى يتضح الكلام القادم بدل أن نقف عند كل مسألة، فالشيخ في المقطع التالي في قوله: (وأصل سؤال الخلق الحاجات الدنيوية) وما بعد هذا الكلام سيذكر أنواع السؤال الممنوعة والمشروعة والمباحة، فالممنوع هو سؤال الخلق ما ليس في مقدورهم، وسؤال الأموات.
ثم ذكر أن المشروع نوعين، سؤال الله ، وهذا هو الواجب على كل العباد، وهذا هو مقتضى العبادة، ونوع ثان من المشروع هو سؤال الحي القادر فيما يقدر عليه.
وهو يتفاوت، فمنه المكروه، ومنه المحرم لأمر عارض، ومنه الواجب، ومنه الجائز.
ونوع ثالث من السؤال المشروع وهو سؤال من يريد أن يتعلم، هذا أيضاً منه ما هو واجب وهو ما يتوقف عليه الدين، ومنه ما هو جائز وهو سؤال الاستزادة من العلم إذا لم يكن من المستحبات أو الواجبات، وكذلك من هذا النوع من السؤال ما قد يكون حراماً كالسؤال عن أمور القدر المعضلة أمام الملأ، أو السؤال عن أمر يدخل عليهم الشكوك إلى آخره، الشاهد أن هذا سؤال مشروع مباح، وأحياناً يكون واجباً.
النوع الرابع: وهو المطلق، وهو أن الأصل في السؤال الإباحة إذا توافرت فيه الشروط، فسؤال الخلق ما هو بمقدورهم الأصل فيه الإباحة.
هذا أمر، الأمر الآخر: سيبين الشيخ الفروق بين الحد المباح والحد المشروع والحد الممنوع، وسيركز على أن سؤال الخلق في الأمور المباحة من الأمور العادية وليس من أمور العبادات، ليقطع على المبتدعة حجتهم في أن الناس كانوا يسألون النبي ﷺ أسئلة متعددة في أمور دينهم ودنياهم، فيقول: إن هذا من الأمور المباحة وليس من باب العبادات، فالناس لم يتعبدوا بأن يسألوا الرسول ﷺ إلا في أمر الدين، أما في أمور الدنيا فغاية ما يقال: إن السؤال مباح، ومع ذلك قد يحرم أحياناً وقد يستحب أحياناً إلى آخره.
стр. 72
المخلوق مأمور بسؤال الله والرغبة إليه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأصل سؤال الخلق الحاجات الدنيوية التي لا يجب عليهم فعلها ليس واجباً على السائل ولا مستحباً، بل المأمور به سؤال الله تعالى والرغبة إليه والتوكل عليه.
وسؤال الخلق في الأصل محرم لكنه أبيح للضرورة، وتركه توكلاً على الله أفضل، قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨] أي: ارغب إلى الله تعالى لا إلى غيره.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩]، فجعل الإيتاء لله والرسول، لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، فأمرهم بإرضاء الله ورسوله.
وأما في الحسب فأمرهم أن يقولوا: حسبنا الله، لا يقولوا: حسبنا الله ورسوله].
الحسب هنا المقصود به التوكل والاعتماد، والتوكل لا يكون إلا على الله ، وكذا الاعتماد، وهذا يندرج على سائر الأعمال القلبية، فلا تصرف إلا إلى الله وإن كان بعضها قد يختلط بأعمال الجوارح العادية، وذلك مثل الاستعانة، فهي من الأمور التي لابد فيها من التفصيل لأن لها وجوهاً: فالاستعانة القلبية في أمر يتعلق بمستقبل الإنسان نوع من التوكل لا يجوز إلا على الله؛ لكن الاستعانة في الأمر العادي يجوز أن تكون بالمخلوق فيما يقدر عليه.
وكثير من الناس يخلط في الاستعانة، حتى أن بعض أهل العلم يضرب مثلاً يقول: لا يجوز لمسلم أن يستعين ولا يستغيث بغير الله ، ومن فعل ذلك فقد أشرك، وهو يقصد الاستغاثة القلبية التي هي تمام التوكل والاعتماد والحسب الذي لا يكون إلا على الله ، وصرفه لغير الله شرك، لكن الجانب الآخر وهو الاستعانة بالبشر فيما يقدرون عليه أمر آخر.
فالقلب يجب ألا يتعلق إلا بالله ، وألا يتوجه إلا إلى الله؛ لأن الأعمال القلبية أقرب إلى العبادة البحتة، أما أعمال الجوارح فهي في الغالب لا تدخل فيها العبادة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقولون: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩]، لم يأمرهم أن يقولوا: إنا لله ورسوله راغبون، فالرغبة إلى الله وحده كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢] فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده.
وقد قال النبي ﷺ لـ ابن عباس ﵄: (يا غلام! إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، جف القلم بما أنت لاق، فلو جهدت الخليقة على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك، فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً).
وهذا الحديث معروف مشهور، ولكن قد يروى مختصراً].
الحديث صحيح صححه الألباني وغيره من أئمة أهل العلم، ولكن الذي صححوه لا يدخل فيه قوله: (فإن استطعت أن تعمل لله إلى آخره) فهذا لفظ زائد في هذا النص، أما ما قبل ذلك فقد صححوه بألفاظ متعددة ومختلفة، وبعضه مختصر كما قال الشيخ وبعضه مطول.
стр. 73
التعلق بالله وحده وعدم التطلع إلى سؤال غيره من أسباب دخول الجنة بغير حساب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، هو من أصح ما روي عنه، وفي المسند لـ أحمد أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد: ناولني إياه، ويقول: إن خليلي أمرني ألا أسأل الناس شيئاً.
وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك (أن النبي ﷺ بايع طائفة من أصحابه وأسر إليهم كلمة خفية: ألا تسألوا الناس شيئاً، قال عوف: فقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد: ناولني إياه).
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً بغير حساب)، وقال: (هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون)، فمدح هؤلاء بأنهم لا يسترقون، أي: لا يطلبون من أحد أن يرقيهم، والرقية من جنس الدعاء فلا يطلبون من أحد ذلك].
على أي حال هذا الحديث كثيراً ما يتكلم عنه الناس قديماً وحديثاً ويخوضون في معنى: (لا يسترقون)، وهل من طلب الرقية يخرج من هذه الأوصاف، وكيف يكون عدم طلب الرقية؟ ولأهل العلم كلام غالبه وجيه؛ لكن من أوجه ما قرأت أن هذا الصنف من قوة توكلهم على الله لا تتطلع نفوسهم إلى طلب الرقية، لا أنهم يتصبرون عن طلب الرقية، بل قوة تعلقهم بالله وصلتهم به تجعلهم لا يتطلعون إلى طلب الرقية، فهم كلما أحسوا بالألم تعلقت قلوبهم بالله ورجوا من الله أن يشفيهم ورقوا أنفسهم، ثم إنهم يعلمون أن الرقية حق وشفاء، فلا يحتاجون إلى أن يرقيهم غيرهم وهم يملكون أن يرقوا أنفسهم فيرقوا أنفسهم.
ولذلك ينبغي تنبيه الناس على أن الرقية من الشخص لنفسه أنفع من أن يرقيه غيره، لكن قد يتخلف أثر الرقية لأسباب عارضة، وإلا فالإنسان المسلم مهما كان عنده شيء من التقصير والإعراض فإن رقيته لنفسه أفضل وأرجى من رقية غيره، ومن هذا الجانب كان هذا الصنف من السبعين ألفاً، فقد أدركوا أنهم لا يحتاجون إلى أن يطلبوا السبب من غيرهم والسبب معهم، إضافة إلى ما ذكرته من قوة اعتمادهم على الله ومن قوة تعلقهم به، لا أنهم لا يستبيحون الرقية أو لا يجيزونها؛ لأنها مشروعة، وليس من الفضل للإنسان أن يحرم على نفسه المشروع، لكنهم بقوة توكلهم نسوا أنهم يحتاجون إلى الرقية من الغير.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روي فيه (ولا يرقون) وهو غلط، فإن رقياهم لغيرهم ولأنفسهم حسنة.
وكان النبي ﷺ يرقي نفسه وغيره ولم يكن يسترقي، فإن رقيته نفسه وغيره من جنس الدعاء لنفسه ولغيره، وهذا مأمور به].
أيضاً هنا مسألة مهمة سمعت السؤال عنها أكثر من مرة، وهي أن بعض الناس يكون عنده شيء من التورع أو طلب هذه الخصلة، فلا يأذن لأحد بأن يرقيه، ولا أظن هذا وارداً؛ لأن الوارد أن الإنسان لا يطلب، لكن لو يسر الله له من يرقيه دون طلب منه فهذا فضل من الله ينبغي ألا يرده؛ لأن النبي ﷺ رقاه جبريل، وكانت عائشة ﵂ تقرأ وتنفث في يديه كما كان يفعل حال صحته، وتمسح بهما جسمه ووجهه، فكان النبي ﷺ يرقيه غيره لكنه لم يطلب الرقية، وكذلك كثير من الصالحين الذين عرفناهم وسمعنا بهم كانوا لا يطلبون الرقية طلباً لهذه المنزلة، وإذا رقاهم غيرهم لم يمنعوا ذلك، بل بعضهم يفرح؛ لأنها نعمة من الله وهدية أسديت إليه.
стр. 74
دعوات الأنبياء ﵈
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن الأنبياء كلهم سألوا الله ودعوه كما ذكر الله ذلك في قصة آدم وإبراهيم وموسى وغيرهم، وما يروى أن الخليل ﵇ لما ألقي في المنجنيق قال له جبريل: سل، قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي.
ليس له إسناد معروف وهو باطل.
بل الذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: حسبي الله ونعم الوكيل، قال ابن عباس: قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣].
وقد روي أن جبريل قال: (هل لك من حاجة؟ قال: أما إليك فلا)، وقد ذكر هذا الإمام أحمد وغيره.
وأما سؤال الخليل لربه فهذا مذكور في القرآن في غير موضع، فكيف يقول: حسبي من سؤالي علمه بحالي! والله بكل شيء عليم، وقد أمر العباد بأن يعبدوه ويتوكلوا عليه ويسألوه؛ لأنه سبحانه جعل هذه الأمور أسباباً لما يرتبه عليها من إثابة العابدين وإجابة السائلين.
وهو سبحانه يعلم الأشياء على ما هي عليه، فعلمه بأن هذا محتاج أو هذا مذنب لا ينافي أن يأمر هذا بالتوبة والاستغفار، ويأمر هذا بالدعاء وغيره من الأسباب التي تقضى بها حاجته، كما يأمر هذا بالعبادة والطاعة التي بها ينال كرامته.
ولكن العبد قد يكون مأموراً في بعض الأوقات بما هو أفضل من الدعاء، كما روي في الحديث: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين).
وفي الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: (من شغله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)، قال الترمذي: حديث حسن غريب.
وأفضل العبادات البدنية الصلاة، وفيها القراءة والذكر والدعاء، وكل واحد في موطنه مأمور به، ففي القيام بعد الاستفتاح يقرأ القرآن، وفي الركوع والسجود ينهى عن قراءة القرآن ويؤمر بالتسبيح والذكر، وفي آخرها يؤمر بالدعاء، كما كان النبي ﷺ يدعو في آخر الصلاة ويأمر بذلك، والدعاء في السجود حسن مأمور به، ويجوز الدعاء في القيام أيضاً وفي الركوع وإن كان جنس القراءة والذكر أفضل، فالمقصود أن سؤال العبد لربه السؤال المشروع حسن مأمور به.
وقد سأل الخليل وغيره، قال تعالى عنه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٣٧ - ٤١].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧ - ١٢٩].
وكذلك دعاء المسلم لأخيه حسن مأمور به، وقد ثبت في الصحيح عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا وكل الله به ملكاً كلما دعا لأخيه بدعوة، قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثله) أي: بمثل ما دعوت لأخيك به.
وأما سؤال المخلوق المخلوق أن يقضي حاجة نفسه أو يدعو له فلم يؤمر به، بخلاف سؤال العلم فإن الله أمر بسؤال العلم كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس:٩٤]، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥].
وهذا ل
стр. 75
الأسئلة
следующие страницы →