Полный текст (315 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
شرح السنة [١]
كتاب شرح السنة للإمام البربهاري يعد من الكتب العظيمة الجامعة لعقائد أهل السنة والجماعة، فهو يقرر فيه ضرورة اتباع السنة، والوقوف على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من الأمر بلزوم الجماعة، وترك البدع والمحدثات، وترك الجدال والخصومات، والإيمان بالحشر والنشر والصراط والميزان والشفاعة والأنبياء والملائكة والجنة والنار، وغير ذلك مما يجب الإيمان به.
стр. 2
مقدمة في التعريف بالكتاب والمؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فنبدأ مستعينين بالله درسنا الجديد (شرح السنة) لإمام أهل السنة والجماعة في عصره أبي محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري المتوفى سنة (٣٢٩)، وكان من كبار أئمة السنة الذين اشتهروا بتقرير العقيدة والدفاع عنها، وكان قوياً صلباً في الحق، وعقيدته هذه من أقدم ما كتب في عقائد السلف، وهي تتميز بالشمول والإيجاز، كما أنه أيضاً تحرى فيها مذهب أهل السنة في كثير من أصولهم ومناهجهم، وإن كانت له بعض الآراء التي قد يخالفه فيها غيره، لكنها من الأمور التي لا تخرج عن مجال الاجتهاد السائغ أو مما قد يكون للعالم فيه قول قد يبالغ فيه أو يتجاوز ما عليه الأئمة عن اجتهاد، ولا يسلم البشر من مثل هذه الأمور، ومع ذلك فإن شرح السنة للبربهاري من عقائد السلف المعتمدة عند أئمة السنة.
ونبدأ الآن بأول هذه العقيدة، والنسخة التي بين يدي هي النسخة المحققة بتحقيق الردادي، وهناك نسخة سبقتها وهي نسخة الشيخ محمد سعيد القحطاني، وكلاهما جيدة ولا أفضل واحدة على الأخرى.
стр. 3
معاني السنة
قال الإمام أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [الحمد لله الذي هدانا للإسلام ومن علينا به، وأخرجنا في خير أمة، فنسأله التوفيق لما يحب ويرضى، والحفظ مما يكره ويسخط.
اعلموا أن الإسلام هو السنة والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر].
أحسن المحقق في ترقيم هذه الفقرات، وهذه هي الفقرة الأولى، فبدأ في الفقرة الأولى حسب ترقيم المحقق بشرح معنى السنة، وهذا مدخل طيب؛ ذلك أن موضوع الكتاب هو شرح السنة، فمن المناسب جداً أن يبين معنى السنة، وقد لخص معنى السنة بمفهوم شرعي موجز كعادة السلف في القرون الثلاثة الفاضلة في تعريفهم للمعاني الشرعية، وذلك أنهم يقتصرون على الألفاظ الشرعية ويوجزون بأبلغ عبارة، وما كانوا يتكلفون التشقيق والتفريع، وما جاء تشقيق العبارة وتفريعها إلا في القرن الرابع وما بعده.
فقوله: (اعلموا أن الإسلام هو السنة)، هذا أيضاً ينعكس فإن السنة هي الإسلام، وقصده أن الإسلام الذي أمر الله بالأخذ به هو ما سنه الرسول ﷺ ، من السنة بمعناها العام التي هي الإسلام.
إذاً نقول: كما أن الإسلام هو السنة، فكذلك السنة هي الإسلام، فهما مترادفان على هذا المعنى الشامل.
قوله: (ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر)، معناه: لا تستقيم السنة إلا بالتسليم والإذعان لله ، وكذلك لا تتم ثمرة الإذعان والتسليم إلا بالعمل بالسنة، وهذه من الكلمات الجوامع التي تجمع معاني الإسلام بألفاظ موجزة، وهذا المعنى -أي: شرح الإسلام بالسنة وشرح السنة بالإسلام- يجعلنا نقف قليلاً في شرح معاني السنة التي تتفرع عن هذا المعنى الإجمالي، فالسنة لها معان كثيرة أولها هذا المعنى الذي ذكره البربهاري، وهو أنها تعني الإسلام بجملته، أي: ما جاء به النبي ﷺ جملة وتفصيلاً فهو السنة.
ثانياً: تطلق السنة مقابل القرآن، أي المصدر الثاني للدين، كما كان النبي ﷺ يقول في وصيته: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي) فجعل السنة نوعاً آخر من مصادر الدين بعد القرآن.
والمعنى الثالث: التقرير والهدي، وهذا يدخل في قوله ﷺ : (من رغب عن سنتي فليس مني)، وكذلك قول النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) يعني: جملة ما جاء به النبي ﷺ من الأقوال والأفعال والتقريرات والهدي، وهذا المعنى يرادف المعنى الأول، لكن هذا أكثر تفصيلاً.
الرابع من معاني السنة: أنها تطلق في مقابل البدعة، يقال: هذه سنة وهذه بدعة، كما أنها تطلق مغايرة للبدعة، فالسنة خلاف البدعة، أي: ما شرع بدليل شرعي، ويقابل هذا ما جاء في بعض الآثار: ما أحدث الناس بدعة إلا تركوا من السنة مثلها، فهي تطلق مقابل البدعة.
المعنى الخامس: تطلق السنة على ما عليه السلف من العلم والعمل.
المعنى السادس: تطلق السنة مقابل الواجب، فتأتي بمعنى النافلة وبمعنى المستحب أو الأمر الشرعي غير المؤكد، وقد تطلق على المؤكد مما دون الفرض، وهذا في جانب التشريع والأحكام، وكثيراً ما يقال هذا سنة أي: ليس بفرض، أو يقال: هذه سنة أي: ليست بواجبة.
فالسنة ترادف الأمر المؤكد الذي لا يجب، أو الأمر المستحب مما دون المؤكد، كما ذكر النبي ﷺ في أحاديث كثيرة منها قوله ﷺ : (إن الله فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه)، فالفرض أعظم من السنة، والسنة دون الفرض.
وهذا كثير في ألفاظ الشرع وكثير أيضاً عن الأئمة والفقهاء، فقد يقولون: سنة يعني ليس بواجب وليس بمفروض، وكل هذه الإطلاقات صحيحة، لكن أشملها وأعظمها وأكثرها مدلولاً هو السنة بالمعنى الأول، أي: أنها الإسلام، وما جاء به النبي ﷺ من الاعتقاد والقول والعمل والهدي والتقرير وسائر الدين.
стр. 4
من ركائز السنة لزوم الجماعة
قال رحمه الله تعالى: [فمن السنة لزوم الجماعة، فمن رغب غير الجماعة وفارقها، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وكان ضالاً مضلاً].
وهذه هي الفقرة الثانية، ويمكن أن يعنون لها: بأساس السنة أو من ركائز السنة.
فمن ركائز السنة لزوم الجماعة، فهي من الأسس العظيمة للسنة، فالسنة لا تتحقق بمعناها الشامل، ولا يتحقق تطبيق الشرع كما أمر الله إلا بلزوم الجماعة بمعناها العام، أعني جماعة أهل الحق في الاعتقاد والقول والعمل، وفي مصالح الأمة العظمى.
الجماعة التي تجتمع على الإمام، وتجتمع على الحق، وتجتمع على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه من الهدى.
стр. 5
معاني الجماعة
والإشارة إلى أن أساس السنة لزوم الجماعة يجعلنا نقف قليلاً عند معاني الجماعة؛ لأن الشيخ سيذكر هذه المعاني كثيراً في الكتاب كما يذكرها السلف أيضاً كثيراً، فالجماعة ترد على معان مختلفة بعضها شاملة وبعضها دون ذلك، فهي في ذلك كالسنة.
стр. 6
جماعة النبي ﷺ وأصحابه
فأول ما تطلق الجماعة على جماعة النبي ﷺ والصحابة، وهم الذين مثل بهم النبي ﷺ لما أمر بالاستمساك بالجماعة قيل: (من هم الجماعة؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي)، فالجماعة تعني النموذج الأول لجماعة المسلمين وهم النبي ﷺ وصحابته، ولزومهم أي: باقتفاء أثرهم في الاعتقاد والقول والعمل.
стр. 7
أئمة الدين المقتدى بهم
المعنى الثاني: تطلق الجماعة على أئمة الدين المقتدى بهم، أئمة أهل السنة والجماعة، فهم أول من يندرج تحت مسمى الجماعة بعد الصحابة، في كل عصر بحسب حاله، فأئمة الدين الأحياء منهم والأموات هم الجماعة، وهم أئمة الهدى القدوات.
стр. 8
الاجتماع على السنة والمصالح الكبرى للأمة
المعنى الثالث: أن الجماعة قد تطلق على معنى الاجتماع على السنة والحق والمصالح الكبرى للأمة.
والاجتماع على السنة قد يكون معنى حسياً، وقد يكون حسياً واعتبارياً، وقد يكون اعتبارياً فقط، بمعنى أنه قد تتحقق الجماعة في زمن غربة الإسلام بمن يستمسك بها وإن تفاوتت أوطانهم وتباعدت أجسادهم؛ لأنهم يجتمعون على السنة، فقد تكون مجموعة منهم في هذه البلاد، وأخرى في الشام، وأخرى في أفريقيا، وثالثة في أقصى الدنيا، وقد يكون من الجماعة أفراد ولو في الصين، وقد يكون فرد على السنة والجماعة، فيدخل في مسمى الجماعة بهذا المفهوم الشرعي الأصيل.
إذاً: الجماعة هم الذين اجتمعوا على السنة وإن تفارقت أجسادهم، واجتمعوا على الحق وإن اختلفت أوطانهم وأزمانهم، وهم أيضاً من اجتمعوا على المصالح العظمى للأمة سواء في بلد معين أو في بلد مختلف.
стр. 9
عموم المسلمين
والمعنى الرابع للجماعة: هم عموم المسلمين الذين لا يزالون على أصل الإسلام.
قد يتمثل فيهم معنى الجماعة خاصة عندما تحيط بالأمة الأزمات والنكبات والمصائب العظمى، فإنه قد يجتمع شمل المسلمين على ما هم فيه من اختلاف في المذاهب الفقهية، وعلى ما هم فيه أحياناً من اختلاف في الآراء، فقد يتحقق فيهم المعنى العام لجماعة المسلمين ما داموا على الحق، بما في ذلك العامة وبما في ذلك الذين عندهم شيء من الأخطاء التي لا تصل إلى حد الخروج عن أهل السنة والجماعة خروجاً متعمداً، حتى من ارتكب بدعة من غير قصد يدخل في مسمى الجماعة ما لم تكن بدعته مكفرة، أما إذا قصد وصار داعية بدعة خرج من مسمى الجماعة.
إذاً: من إطلاقات الجماعة جماعة عموم المسلمين وهو ما يعبر عنه بالسواد الأعظم، وهذا مشروط بمن كان على الحق أئمتهم وولاتهم وعامتهم.
стр. 10
أهل الحل والعقد
الخامس من معاني الجماعة: تطلق الجماعة على أهل الحل والعقد، وهذا كثير خاصة فيما يتعلق بالوُلاية أو الوَلاية، ويتعلق بالسلطان.
فتطلق الجماعة على أهل الحل والعقد، وعلى رأسهم الولاة والعلماء، ثم من كان له أثر في الأمة بحكم مسئوليته وموقعه، فيدخل في ذلك أمراء وقواد الجيوش، ويدخل في ذلك الوزراء ورؤساء العشائر، والزعماء المطاعون في أقوامهم، ويدخل في ذلك أهل الرأي والمشورة الذين لرأيهم أثر في مصالح الأمة، وينتظم بهم معنى الجماعة عند الخطوب وإن لم يكونوا على الاستقامة.
وهذا أمر خالفت فيه جميع الفرق ولم يجتمع عليه إلا أهل السنة والجماعة، فإنهم لما نظروا إلى أحاديث النبي ﷺ وجدوا أنه أمر بالاجتماع على الأمراء والسلاطين، وعلى أهل الحل والعقد، وعدم الخروج عن الجماعة على هذا المعنى، حتى وإن كان في الأمراء والسلاطين تقصير وأثرة وظلم؛ لأن الاجتماع يتحقق به الخير وتندفع به المفاسد، وبالفرقة يحصل الفساد في الدنيا والدين، وهذا يخالف قواعد الدين وغايات الشرع.
إذاً: أهل الحل والعقد يدخلون في مفهوم الجماعة في كثير من الحالات، وليس في كل الحالات، إذا استغنت الأمة بإمامة راشدة وبالعلماء الراسخين فقد يجتمع فيهم جميع هذه المعاني، أما إذا تخلفت شروط الولاية، أو وجد في الأمة نقص وتقصير، فإنه لا بد أن ترجع الأمة إلى أدنى من يمكن أن يجتمع عليه، فمن اجتمعت عليه الأمة من أهل الحل والعقل فهو داخل في مفهوم الجماعة، ومن خالفهم فهو داخل في الوعيد الوارد في الخروج على الجماعة، وهذا المعنى أكثر المعاني غموضاً عند كثير من الناس، وهي التي يكون فيها الخلاف والنزاع بين أهل السنة ومخالفيهم.
стр. 11
الاجتماع على مصالح الناس
المعنى الأخير للجماعة: هم الفريق من الناس الذين يجتمعون على مصلحة الناس، سواء كانت دينية وهو الأولى مثل جماعة المسجد، جماعة الحي، جماعة الحسبة، جماعة الجهاد، فهؤلاء جماعة ولهم حقوق شرعية مرعية، فجماعة المسجد لها حقوق فلا تصح الصلاة للرجل إلا في المسجد، والمسجد أيضاً ينبغي أن يكون منطلق شورى لأهل الحي وجماعة المسلمين، وكثير من قضايا الأمة وعقودها الضرورية تعقد في المسجد.
فالفريق من الناس الذين يجتمعون على عمل ما سواء المصالح الدينية كما ذكرت، أو اجتماعات دنيوية كالجماعة الذين في سفر يتحقق فيهم معنى الجماعة، وقد يكون الشذوذ عنهم إثماً، حتى وإن كانت المصلحة دنيوية، لكن يتفاوت هذا الإثم، فالإثم في الخروج على الجماعة الدنيوية ليس كإثم الخروج عن الجماعة التي يتحقق بها معنى الدين ومصالح الأمة الكبرى.
إذاً: كل هذه المعاني تدخل في قول الشارح: (فمن السنة لزوم الجماعة، فمن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وكان ضالاً مضلاً)، وقد تكون بعض صور الجماعة لا يقتضي الخروج عنها الخروج من الملة، لكن الصور الكبرى التي ذكرتها وهي الأولى والثانية والثالثة وكذلك الرابعة، فهذه الغالب أنها تكون فيها المعاني الكبرى للجماعة.
стр. 12
تبنى الجماعة على أساس التزام السنة والاتباع
قال رحمه الله تعالى: [والأساس الذي تبنى عليه الجماعة هم أصحاب محمد ﷺ ، ورحمهم الله أجمعين، وهم أهل السنة والجماعة، فمن لم يأخذ عنهم فقد ضل وابتدع، وكل بدعة ضلالة، والضلالة وأهلها في النار].
هذه أيضاً قاعدة عظيمة، وهي تنبني على الأساس في الجماعة، والأساس في الجماعة ذكره الشيخ هنا ضمناً، فلذلك أرى أن تعلقوا بعد قوله: (والأساس الذي تبنى عليه الجماعة)، أن تضعوا كلمة: التزام السنة والاتباع، أي: (الأساس الذي تبنى عليه الجماعة هو التزام السنة والاتباع).
إذاً: لا تكون الجماعة مجرد دعوى، بل لا بد من التزام السنة واتباع الأئمة المهتدين.
стр. 13
قيام الحجة بظهور السنة
قال رحمه الله تعالى: [وقال عمر بن الخطاب ﵁: لا عذر لأحد في ضلالة ركبها حسبها هدى، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة، فقد بينت الأمور، وثبتت الحجة، وانقطع العذر].
أيضاً هذا تقرير أصل عظيم من أصول السنة، وهو أنه بظهور السنة قامت الحجة، هذا ملخص هذه الفقرة.
فالنبي ﷺ أظهر السنة وبقيت بعده ظاهرة إلى قيام الساعة، كما أخبر النبي ﷺ بخبر الصدق: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ومن عاداهم إلى قيام الساعة) فهذا الظهور تقوم به الحجة.
إذاً: تقوم الحجة بظهور السنة؛ لأن الحق ظاهر بأهله، وهم القدوات، وما دامت القدوة موجودة، ولن تزال موجودة إلى قيام الساعة، ولن تزول القدوة إلا بآخر لحظة من الدنيا، حينما تأتي الريح التي تقبض المؤمنين مع عيسى بن مريم في آخر الزمان، وما ورد من أحاديث عن النبي ﷺ : (أنه عند قيام الساعة لا يبقى من يقول: الله الله)، فهذا بعد انفراط أشراط الساعة الكبرى، وقتل الدجال، وبعد أن يحكم المهدي في المسلمين حكماً راشداً، فبعد ذلك كله لا يبقى في الأرض إلا شرار الخلق يتهارشون تهارش الحمر، وهم الذين لا يبقى فيهم من يقول: الله الله.
أما قبل ذلك فلا يظن ظان أن تخلو الأرض من أهل السنة، فضلاً عن عموم أهل الحق، فضلاً عن عموم المسلمين، هذا وعد من الله ، أقول هذا لأني لاحظت من بعض الذين تناولوا هذه المسألة أنهم أخطئوا في الفهم، وظنوا أنه يمكن أن يأتي زمان قبل ظهور علامات الساعة الكبرى ينعدم فيه الحق أو يزول فيه الحق، ولا يبقى في الأرض من يقول: الله الله، وهذا القول خلاف النصوص، فمقتضى النصوص أنه لا بد أن يبقى الحق ظاهراً إلى أن يأذن الله .
قال رحمه الله تعالى: [وذلك أن السنة والجماعة قد أحكما أمر الدين كله، وتبين للناس، فعلى الناس الاتباع].
طبعاً الذي يرتكب ضلالة يظن أنها هدى قد لا يخرج من الملة أو لا يكفر، لكنه لا يعذر مع وجود القدرة؛ لأنه لا يكفي مجرد الظن، والحق يتميز بأهله.
إذاً: قصده هنا ظاناً أن أكثر الذين بدأت البدع عندهم كانوا يظنون أنهم على هدى، وأن منهم من يتعمد، لكن ليس المقصود المتعمد، المقصود أن من يزل ظاناً أنه على هدى، ليس له في ذلك حجة، إنما يختلف حكمه عن حكم المتعمد فقط.
стр. 14
مصادر الدين
قال رحمه الله تعالى: [واعلم رحمك الله أن الدين إنما جاء من قبل الله ﵎، لم يوضع على عقول الرجال وآرائهم، وعلمه عند الله وعند رسوله، فلا تتبع شيئاً بهواك، فتمرق من الدين فتخرج من الإسلام، فإنه لا حجة لك، فقد بين رسول الله ﷺ لأمته السنة وأوضحها لأصحابه وهم الجماعة، وهم السواد الأعظم، والسواد الأعظم الحق وأهله، فمن خالف أصحاب رسول الله ﷺ في شيء من أمر الدين فقد كفر].
هذه الفقرة كلها في مصادر الدين، وقد ذكر أن الأصل في الدين الوحي، أي: ما جاء عن الله تعالى، وما جاء عن رسوله ﷺ .
فقوله: (إنما جاء من قبل الله ﵎ يعني بذلك الوحي، والوحي يشمل القرآن وما صح عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير.
ثم ذكر مصادر الضلالة التي عولت عليها الفرق وأهل الأهواء والديانات الباطلة، وهي التعويل على عقول الرجال، وهذا يشمل أغلب مصادر التلقي عند أهل الأهواء؛ لأن التعويل على العقول يشمل الفلسفات ومناهج المتكلمين، ويشمل أيضاً تقديم العقل على النقل، ويشمل تحكيم الأهواء، كما يشمل مصادر التلقي عن الأشخاص، مثلما يسميه الصوفية الكشف والذوق والتلقي عن الولي أو ما يسمونه الإلهام أحياناً، والكرامات وغير ذلك، والكرامات في الأصل حق، لكنهم يسمون دجل الشياطين كرامات، فكل ذلك راجع إلى عموم التعويل على عقول الرجال.
ثم ذكر أن ذلك كله جامعه الهوى فقوله: (فلا تتبع شيئاً بهواك فتمرق من الدين فتخرج من الإسلام)، يقصد بذلك أن من استمد الدين من غير الكتاب والسنة فلا شك أنه يمرق من الدين، خاصة من لم يتأول، أما المتأول فقد التبس عليه الحق بالباطل فظن أنه اعتمد على مصادر الدين، في حين أنه جعل عقله أو مقرراته التي يدين بها هي الأصل، ثم راح يلتمس لها الأدلة من النصوص، لكن مع ذلك فإن المتأول لا يخرج من الملة إلا بعد إقامة الحجة بشروطها، وأما من تعمد أخذ الدين عن غير مصادره الأصلية فلا شك أنه ينطبق عليه حكم المؤلف وهو الخروج من الإسلام.
وذكر أن سبب ذلك أن النبي ﷺ بين الدين كله، ولم يعد لأحد حجة، ولا له أن يدعي أن الدين يحتاج إلى بيان أو تقرير أو إلى استمداد من غير الكتاب والسنة.
стр. 15
أهل السنة والجماعة هم السواد الأعظم
ثم أشار إلى الجماعة وأنهم السواد الأعظم، وهذه العبارة لها عدة معان، فالسواد الأعظم عبارة وردت في بعض الآثار، وإن كانت لا يصح إطلاقها على عموم المسلمين.
فالمقصود بالسواد الأعظم هنا من وصفهم المؤلف بقوله: (الحق وأهله)، بصرف النظر عن العدد والكثرة، وإن كان مفهوم السواد الأعظم قد يقصد به الأكثرية، لكن مع ذلك فإن كثيراً من المفاهيم اللغوية تحددها المفاهيم الشرعية، فالمعنى الشرعي عن السلف للسواد الأعظم أنهم الأعظم قدراً، وهم أئمة الدين ومن تبعهم من عامة المسلمين، ذلك أن العامة الذين على الفطرة هم الأكثر عدداً، فربما يطلق على عموم المسلمين على هذا الوجه ما لم يتلبسوا ببدعة ظاهرة، هذا أمر.
والأمر الآخر: أنه يطلق على الصحابة ﵃ والتابعين وتابعيهم في القرون الفاضلة السواد الأعظم، من باب أنهم هم الأكثر عدداً وهم الأقوى، وهم الأكثر اعتباراً، فالأمة في تلك العصور الفاضلة إنما تدين لأهل السنة والجماعة، أئمة الدين، وعامة المسلمين تبع لهم حتى الولاة.
فمن هنا يكون السواد الأعظم في القرون الثلاثة الفاضلة هم أئمة السنة ومن تبعهم، وهم الأكثر من المسلمين؛ لكن بعد كثرة الفرق عدداً خاصة بعد القرون الفاضلة من القرن الرابع وما بعده، كانت تسود الفرق ويكثر عدد أتباعها، ويكثر سوادهم، فمن هنا لا بد من حصر السواد الأعظم على من كان على مذهب السنة والجماعة، أي: السواد الأعظم في العصور الفاضلة، أي: فلا بد من حصر السواد الأعظم بعد أكثرية الفرق بالحق وأهله وإن قلوا.
إذاً: السواد الأعظم لا بد من تحديده بمفهوم اصطلاحي شرعي، فلا يخضع للمفهوم اللغوي وهو اعتبار الأكثرية؛ لأن الأكثرية لا اعتبار بها، إنما الاعتبار للحق وأتباعه.
стр. 16
من أسباب البدع ترك السنة
قال رحمه الله تعالى: [واعلم أن الناس لم يبتدعوا بدعة قط حتى تركوا من السنة مثلها، فاحذر المحدثات من الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، والضلالة وأهلها في النار].
وعلى هذا فإن من أسباب البدعة ترك السنة، يعني: أن الذين وقعوا في البدعة قديماً وحديثاً نجد أن من أعظم أسباب وقوعهم في البدعة جهلهم بالسنة، وتركها عمداً أو جهلها بغير عمد، فالخوارج مثلاً هم أول من أظهر البدع ودعا إليها وقننها، وإذا تأملنا حالهم وجدنا أن وقوعهم في البدعة سببه الرئيس والأول هو جهلهم بالسنة؛ لأنهم لم يكن عندهم علم وليس عندهم قدرة على التفقه في الدين، لأن مداركهم فيها بساطة وفيها ضعف، ثم إنهم لم يتلقوا الدين، ومن تلقى منهم شيئاً قليلاً لم يتلقه على منهج سليم، فهم لم يأخذوا الدين عن الصحابة -أعني: الخوارج الأوائل- ولم يأخذوه من مصادره الأصلية بأسلوب منهجي علمي صحيح، بل أخذوا العلم على غير قواعده.
ثم إن بضاعتهم من العلم والنصوص قليلة جداً، فأدى بهم هذا إلى الجهل من حيث يشعرون أو لا يشعرون، فلما جهلوا ابتدعوا.
وهكذا من جاء بعدهم، كالسبئية الشيعة ومن تفرع عنهم، ثم القدرية، ثم الجهمية والمعتزلة إلى آخره، ولذلك نجد أن أهل السنة وصفوا رءوس البدع بأنهم جهلة، قالوا بأن الجهم جاهل، وقالوا بأن معبد الجهني عنده شيء من الاستعجال وعدم التثبت في العلم، وقالوا عن غيلان بأنه يجهل وهكذا.
فإن رءوس البدع كان من أعظم أسباب وقوعهم في البدعة أنهم يجهلون السنة، مع ما هم فيه من جرأة وما هم فيه من استعلاء وغرور، فيكون عند الواحد منهم شيء من التهور فيقع في البدعة لجهله بالسنة.
ثم من لوازم الوقوع في البدعة ما ذكره الشيخ: الوقوع في المحدثات، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، فأدى هذا إلى انتشار الضلالات بين أهل الأهواء، ويظنون أنهم على الحق، وهذا طريق إلى النار، نسأل الله السلامة.
ثم في الفقرة التالية سيتكلم عن نشأة البدع وأنها تبدأ صغاراً.
стр. 17
نشأت البدع صغاراً ثم صارت كباراً
قال رحمه الله تعالى: [واحذر صغار المحدثات من الأمور؛ فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيراً، وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيراً يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع الخروج منها، فعظمت وصارت ديناً يدان بها، فخالف الصراط المستقيم، فخرج من الإسلام].
هذه أيضاً فائدة عظيمة ينبغي أن يرعاها طلاب العلم ويعوها جيداً، وأن يحذروا من أن تتكرر مثل هذه الغلطات التي وقعت من أهل البدع أو تساهل فيها بعض المنتسبين للعلم، وهو أن صغار البدع والمحدثات طريق إلى الأمور الكبار، أولاً: أن صغار المحدثات إذا تساهل فيها أهل العلم هي طريق إلى الوقوع في الأمور الكبار.
الأمر الثاني: أن كل الفرق التي ظهرت في التاريخ تبدأ بدعها بأمور صغار، أو ببدع محدودة، ثم كما وصفهم النبي ﷺ : (تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه) يعني: تمضي بهم الأهواء كما يمضي المرض الخطير بصاحبه يأخذه رويداً رويداً حتى يهلكه، وقد يبدأ دون أن يشعر به صاحبه أو يشعر به الناس، ثم إذا ظهرت مظاهر المرض ولم تعالج بسرعة، فإنها تفتك بالإنسان حتى يهلك.
ومصداق ذلك واقع في كل الفرق التي أصبحت الآن فرقاً كباراً، فرقت الأمة وأنهكتها ولا تزال تفرق وتتشعب على الأمة إلى يومنا هذا، فالفرق الكبرى أولها الخوارج، ومشكلتهم الأولى في مرتكب الكبيرة، حينما زعموا أن علي بن أبي طالب ومعاوية ﵄ حكما الرجال، وقالوا: تحكيم الرجال كبيرة أو كفر، وهذا الكفر عندهم مخرج من الملة، فجعلوا الكبيرة كفراً، ثم حكموا على صاحب الكبيرة بأحكام الكافر.
فالخوارج لم يكونوا يتكلمون عن غير هذه المسألة لمدة عقود من السنين، وما بدأت بهم الأهواء الأخرى إلا بعد منتصف القرن الأول الهجري، فقد ظهروا سنة (٣٦هـ أو ٣٧هـ) فظلوا إلى ما بعد سنة (٦٠هـ) وهم لا يعرف عنهم أنهم تكلموا إلا في مسائل محدودات تتعلق بمرتكب الكبيرة، ثم بعد ذلك أصبحوا معطلة؛ لأن قولهم بالحكم على مرتكب الكبيرة بالكفر أدى بهم إلى القول بخلوده في النار، وأدى بهم إلى أن يعتقدوا في المسلمين أنهم من المشركين والكفار، ثم أدى بهم هذا إلى إنكار الشفاعة، ثم أدى بهم هذا إلى إنكار الرؤية، ثم أدى بهم هذا إلى إنكار الصفات، ثم أصبحوا الآن جهمية ومعتزلة.
ثم بعد ذلك يأتي القدرية، فالقدرية جاءت بكلمة واحدة، وهي قولهم: لا قدر والأمر أنف، يعني: لم يقدر الله أفعال العباد، وهي مستأنفة، ليس لها سابق تقدير، ثم تجارت بهم الأهواء حتى صارت القدرية مذاهب، وحتى اندمجت القدرية مع المعطلة المعتزلة اندماجاً كاملاً، ففي القرن الثاني لا تعرف القدرية إلا أنها معتزلة.
وبدأت الجهمية بإنكار الاستواء ثم تكلموا بعد ذلك في مسألة كلام الله ، ثم جاء الجعد وتكلم في ثلاث مسائل: الاستواء والخلة والتكليم فقط، وجاء بعده الجهم فأعلن إنكار الأسماء، ثم بعد ذلك لم يقف الجهمية على مسألة الأسماء فقالوا بالجبر، وقالوا بالإرجاء الغالي إلى آخره.
وهكذا بقية الفرق، فالأشاعرة على سبيل المثال وهم من المعاصرين، كانت مشكلتهم الأولى في مسألة كلام الله ؛ وذلك أنهم جعلوا الكلام من لوازم ذات الله ، وقالوا: بأن الكلام قديم النوع، وليس حادث الآحاد، وقالوا بأن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، ولم يزيدوا عن هذا الأمر في عهد الأشعري، ثم تجارت بهم الأهواء حتى أصبحوا في عهد الشهرستاني والجويني والبغدادي والرازي جهمية، والآن أكثر مذاهب الجهمية موجودة في متكلمة الأشاعرة والماتريدية.
فهكذا تنسحب القاعدة حتى في العصور المتأخرة، فكثير من الفرق أو الجماعات أو الأحزاب أو أصحاب الشعارات التي ظهرت الآن صارت أقرب إلى الافتراق، وكانت بداياتهم عن حسن نية، وفي مسائل معدودة خالفوا فيها أهل العلم، ثم تجارت بهم الأهواء، حتى قرروا مناهج ووضعوا لأنفسهم أصولاً وشعارات، وصاروا يوالون عليها ويعادون وهكذا.
فينبغي لطلاب العلم أن يعوا جيداً هذه المسألة، وألا يستهينوا بصغار المسائل والمخالفات لأهل العلم، أما أن يكون في الناس خلاف، أو يوجد خلافات في الأمور الخلافية السائغة فهذا لا حرج فيه، وإنما المشكلة الإصرار على أمر يكون فيه خروج عن المنهج حتى في المسائل الصغار، فمن خرج عن مناهج أهل العلم في وقته، فيخشى أن يكون ممن بذر بذرة الافتراق وهو لا يشعر، وما أظن -والله أعلم- أن أكثر الذين أسسوا الفرق يظنونها تصل إلى هذا المستوى من الافتراق عن السنة، لكن المسألة خرجت عن حد ما أرادوا.
стр. 18
التثبت في الدين
قال رحمه الله تعالى: [فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر، هل تكلم به أصحاب رسول الله ﷺ أو أحد من العلماء، فإن وجدت فيه أثراً عنهم فتمسك به ولا تجاوزه لشيء، ولا تغتر عليه شيئاً فتسقط في النار].
هذه الفقرة متعلقة بالتثبت في الدين، وهذه المسألة أحوج ما يكون إليها طلاب العلم في هذا العصر، فمن الظواهر الملفتة في أيامنا هذه بالذات قلة تثبت كثير من طلاب العلم في الأمور، سواء فيما يتعلق بقضايا الدين، أو قضايا العلم، أو الأخبار والشائعات، أو النقل عن الآخرين، أو الحكم على الأشخاص، فهناك بعض الخصال أو السمات التي يستغربها الذين عاشوا زمناً مع أهل العلم وسبروا أحوال العلماء وعايشوهم.
نلاحظ في الآونة الأخيرة ظواهر تحتاج إلى وقفة، وهي تسرع كثير من طلاب العلم في الأحكام والمواقف تجاه الأحداث والأشخاص، وهذا يحتاج إلى شيء من التأمل والمراجعة، فلعل مرد ذلك والله أعلم أن أغلب طلاب العلم في العصر الحاضر لم يعودوا يلتزمون مناهج العلماء في التلقي، وأغلبهم أخذ العلم عن غير الأصول الصحيحة السليمة، أعني أن أغلب مصادر العلم الآن القراءة الفردية، أو من خلال وسائل الإعلام، أو من خلال الأشرطة، أو المجالسة غير المركزة، مجالسة القيل والقال والهذر وهذه كلها لا تعطي طالب العلم الشخصية المنضبطة المتزنة، والغالب أن يكون عنده شيء من الاستقلالية التي تجعله لا يستفيد من مناهج العلماء العملية التطبيقية في التثبت وعدم التسرع والاستعجال، وإلا فما معنى أن تشغل هذه الظاهرة بال كثير من المصلحين والعلماء الراسخين وأئمة الدين؟ لقد أصبحت من الأمور التي جعلت كثيراً من العلماء يتحفظ ويتردد في نشر العلم خاصة في القضايا الخطيرة الحساسة، فمن هنا كان التثبت في الدين أمراً ضرورياً، ولذلك قال المؤلف ﵀ في هذه الفقرة: (فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة فلا تعجلن، ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر).
وقد ذكرنا أن هذا يتعلق بالتثبت في أمر الدين، ويتبعه التثبت في الأحكام على الأشياء والأحكام على الأشخاص، حتى في الأمور الصغيرة.
بالأمس اتصل بي أحد الشباب في الصباح الباكر يتثبت من خبر لو ثبت فهو مزعج جداً، لكن وقع في قلبي طمأنينة من أنها نفخة شيطان؛ فدفعت خبره ثم تعوذت من الشيطان الرجيم، فوجدت أن الأمر لا يعدو أن يكون نفخة من الشيطان.
هذا الرجل فيه غيرة، وأنا أشكره على تثبته وأعتبره نموذجاً لطالب العلم المتثبت الذي ينبغي أن نقتدي به، لكن كيف وصله هذا النبأ المزعج، وكيف أزعجه وجعله يتصل مبكراً ليتأكد؟ فهذا أنموذج لما يدور من كثرة الشائعات وتقبل بعض طلاب العلم لها أو استعدادهم لها، فلا ينبغي لطالب العلم أن يكون مستعجلاً في أحكامه فضلاً عن علمه وفتواه ونحو ذلك.
стр. 19
الخروج من السنة إلى البدعة بإحدى طريقين
قال رحمه الله تعالى: [واعلم أن الخروج من الطريق على وجهين: أما أحدهما: فرجل قد زل عن الطريق وهو لا يريد إلا الخير، فلا يقتدى بزلته فإنه هالك.
وآخر عاند الحق وخالف من كان قبله من المتقين، فهو ضال مضل شيطان مريد في هذه الأمة، حقيق على من يعرفه أن يحذر الناس منه ويبين للناس قصته؛ لئلا يقع في بدعته أحد فيهلك].
стр. 20
زلة العالم
هذه الفقرة تتعلق بزلة العالم، فالخروج عن طريق الحق والسنة في الاستقراء لا يعدو أن يكون على أحد هذين الطريقين: إما أن يكون الخروج عن السنة والجماعة والوقوع في البدعة بسبب اجتهاد عالم زل أو طالب علم زل يظن أنه على حق، أراد الخير لكن لم يصبه، فهذا يعبر عنه بزلة العالم، فلا يتابع في زلته، وإن كانت قد لا تقدح في دينه وذمته، ولا تنقص من قدره وعلمه، وكم وقع كبار من الأئمة قديماً وحديثاً في زلات، لكن الله قيض للحق من ينصره ويبينه وينفي عن الدين هذه الزلة، فيتضح أنها كبوة من عالم، وهذه الكبوة لا يتابع عليها، وهذا كثير سبق ضرب الأمثلة عليه، مثلما حدث من بعض الذين قالوا بالقدر، وبعض الذين قالوا بالإرجاء كـ أبي حنيفة وشيخه حماد وغيره، فهؤلاء أئمة كبار يعترف لهم بالفضل والسبق والدين والعلم، لكنهم في هذه المسألة زلوا عن طريق الحق فوقعوا في البدعة، فصاروا فتنة للآخرين، فما افتتنت المرجئة بالإرجاء إلا لأنه قال به أبو حنيفة وشيخه وبعض تلاميذه، ففتن عدد كبير من الفقهاء، بل مذهب من المذاهب الفقهية الأربعة التي تنسب إلى السنة، وقع سائر أهلها في الإرجاء؛ وهم الأحناف؛ لأنهم فتنوا بزلة العالم، وظنوا أنه لما كان إماماً من أئمة السنة فإنه معصوم، وهذا غلط، والصواب أن يوزن كلامه بميزان الكتاب والسنة.
стр. 21
معاندة المبتدع للحق
أما النوع الثاني: فيكون في الغالب من تبييت مبتدع غره الشيطان، وهو الواقع من أكثر رءوس البدع الذين شجعوها بعدما قامت عليه الحجة، فبعدما تقوم الحجة لا يصر على الوقوع في الافتراق والبدعة إلا معاند للحق، خالف من قبله من المتقين الصالحين، فهو ضال مضل شيطان مريد، حتى وإن التبس بالصالحين، بل سبق أن ذكر أهل العلم أن أغلب أهل الأهواء يكون ظاهرهم الصلاح والاستقامة، ولذلك اغترت بهم الغوغاء، ومن هنا لا ينبغي أن يكون الصلاح الظاهر هو الدليل على الحق، بل الدليل على الحق اتباع الكتاب والسنة.
والله أعلم.
стр. 22
شرح السنة [٢]
لا يتم إيمان عبد حتى يكون مصدقاً مسلّماً متبعاً لما جاء في الكتاب والسنة، ومن ذلك الإيمان والتسليم بما جاء في الكتاب والسنة من صفات الرب سبحانه، والإيمان برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، والإيمان بالميزان، والحوض، والشفاعة، والصراط، والملائكة، والجنة والنار، إيماناً جازماً لاشك فيه ولا مراء ولا جدال ولا خصومة.
стр. 23
مستلزمات الإسلام
قال أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [واعلم رحمك الله أنه لا يتم إسلام عبد حتى يكون متبعاً مصدقاً مسلماً، فمن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفوناه أصحاب رسول الله ﷺ فقد كذبهم، وكفى به فرقة وطعناً عليهم، وهو مبتدع ضال مضل محدث في الإسلام ما ليس فيه].
هنا ذكر مستلزمات الإسلام، الأصول التي يستلزمها الإسلام: الأصل الأول: التصديق، والشيخ لم يذكرها مرتبة.
الأصل الثاني: التسليم؛ لأن التسليم معنى زائد عن التصديق؛ ذلك أن كثيراً من البشر قد يصدقون الأنبياء في الجملة، لكن لا يسلمون لهم في الجانب العملي، أو لا يخضعون خضوعاً قلبياً ولا خضوعاً عملياً.
إذاً: المستلزم الأول للإسلام هو تصديق ما جاء به الرسل عموماً، وما جاء به الرسول ﷺ على وجه الخصوص من قول أو فعل أو تقرير، وأول ذلك التصديق بالقرآن الذي جاء عن الله .
ثانياً: التسليم، ومعناه: تسليم القلب وتسليم الجوارح.
ثالثاً: الاتباع، وهو ما نعبر عنه بالتطبيق، أي: العمل بمقتضى الدين، والاتباع للطريق المستقيم، واتباع الرسول ﷺ في الاعتقاد والقول والعمل، ثم اتباع سبيل المؤمنين الذي هو صراط الله المستقيم.
إذاً: فهذه المستلزمات الثلاثة لا يصح الإسلام إلا بها جميعاً: التصديق فالتسليم فالاتباع.
стр. 24
منع القياس في العقائد
قال رحمه الله تعالى: [واعلم رحمك الله أنه ليس في السنة قياس ولا يضرب لها الأمثال، ولا تتبع فيها الأهواء، وإنما هو التصديق بآثار رسول الله ﷺ بلا كيف ولا شرح، لا يقال: لم؟ وكيف؟].
المقصود بالقياس الممنوع: القياس في أمور الاعتقاد ومناهج السنة وأصول الدين؛ لأنها توقيفية، والموضوع هنا موضوع العقيدة، فالسنة المقصود بها العقيدة كما عنون لها الشيخ هنا، ولا قياس فيها؛ لأنها تنبني على الأصول القطعية وعلى مناهج الدين العلمية والعملية، ومناهج الدين أصول توقيفية، مأخوذة عما جاء عن الله تعالى وثبت عن رسوله ﷺ ، وما أجمع عليه السلف من سنة الخلفاء الراشدين وما اتفقوا عليه بعد ذلك، فهذه أمور لا قياس فيها.
أما القياس الفقهي، القائم على قاعدة شرعية مستمدة من النصوص، وهو قياس النوازل الحادثة في تصرفات البشر على ما سبق مما هو من سنن الهدى أو مما تقرر في النصوص، فهذا لا يدخل في مفهوم القياس الوارد في العقيدة، فيجوز أن تقاس قضية اجتهادية على قضية سبقت، وعليه عمل المسلمين.
إذاً: فينبغي أن نفهم معنى القياس الممنوع، وهو القياس في أصول الدين وفي قضايا العقيدة، فلا قياس فيها لأنها توقيفية لا زيادة فيها ولا نقص.
стр. 25
ذم الكلام والخصومة والمراء في الدين
قال رحمه الله تعالى: [والكلام والخصومة والجدال والمراء محدث، يقدح الشك في القلب، وإن أصاب صاحبه الحق والسنة].
وهذه قاعدة عظيمة من القواعد المقررة في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ واتفق عليها السلف، وهي: أن الكلام والخصومة في الدين وما يستتبعهما من المراء والجدل كل ذلك حرام، وما حدث من المراء منذ نهاية القرن الأول أمر محدث لم يكن عليه سلف الأمة، وإنما أحدثته الفرق، ومع ذلك بقي الصحابة والتابعون والسلف وأئمة الدين يتفادون الوقوع في المراء والجدل إلا في حالات ضرورية يضطرون فيها لنصر الدين بالجدال بالتي هي أحسن، كما حدث من ابن عباس وعلي بن أبي طالب مع الخوارج، وكما حدث من بعض أئمة السلف كـ الأوزاعي والثوري وغيرهم مع القدرية والجهمية.
ثم بعد ذلك لما كثرت الفرق صارت للسلف بعض المواقف لجئوا فيها إلى الجدال لكن بدون مراء، فما كانوا يلجئون إلى المراء، وكان هذا مما يستفز الخصوم، كما حدث من الإمام أحمد ﵀، حيث كان لا يجادل بأكثر من إقامة الدليل، وإذا وجد أن خصمه يماري سكت، وكان سكوته مما يغضب عليه بعض الخلفاء والرءوس الذين حضروا المجادلة أو حضروا المناظرة؛ لأن السلف يرون أن القصد بالجدل هو إقامة الحجة، وما عدا ذلك إذا تبين أن الخصم يماري فيكرر القضية بأكثر مما يحتاج الناس، فهذا لا ينبغي أن يتمادى معه صاحب الحق.
إذاً: الجدال والمراء محدث؛ لأن مبنى الدين على التسليم، كما أن من ثمرات المراء أنه يقدح الشك في القلب، وذلك أن الدين مبناه على التسليم والتثبيت واليقين، فأي سؤال ينشأ ولو على سبيل الافتراض فإنه يحدث في النفس شيئاً، سواء لمن أنشأه أو لمن سمعه شاء الإنسان أم أبى، ولذلك نجد أن نصوص الشرع التي وردت في الرد على أهل الأهواء جاءت مختصرة لا تثير الشكوك، إنما تبني اليقين بالبدهيات الفطرية والعقلية، كما هو ظاهر من الردود التي ذكرها الله في كتابه على الكفار والمشركين، فالبرهان العقلي الذي استدل به القرآن يتكون غالباً من كلمتين أو ثلاث، وهذا هو الذي قد يحتاجه من يجادل أهل الباطل، لكن إثارة الشكوك أو الافتراضات أو حتى التمادي في الإجابة على شكوك المشككين لا يستقيم على المنهج الحق ومنهج أهل السنة والجماعة.
ولذلك فإن عجوز نيسابور لما رأت الرازي مع تلاميذه بالعشرات وهم يكتبون ما يتلفظ به من الأوهام والخيالات وسفاسف الأمور؛ ومن إعجابهم به كانوا يحيطون به كإحاطة الناس بالزعماء والملوك والسلاطين، فلما رأتهم تعجبت وقالت لأحد تلاميذ الرازي: من هذا الرجل، أهو السلطان؟ قال: لا، قالت: أهو نائب السلطان؟ قال: لا، قالت: أهو القائد فلان؟ قال: لا قالت: إذاً فمن يكون؟ قال: هذا العالم فلان الذي يملك على وجود الله ألف دليل، قالت: لقد والله تعس وخسر وخاب، أفي الله شك؟ إن كان الأمر كما تقول، فإن في قلبه ألف شك.
﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠]، هذا هو مقتضى الفطرة، ولذلك فإن الشك سواء كان على سبيل الافتراض أو كان حقيقياً أو أحدثه السؤال أو أنشأه المراء والجدال، فإنه باب ضلالة وفتنة، وينبغي لطالب العلم ألا يعرض نفسه ولا غيره لأي نوع من أنواع الشك بقصده، أما إذا حدث من غير قصد، فينبغي أن يعالج الشك بأقصى درجات الكتمان، وألا يوسع دائرة الجواب على الشكوك في الدروس العامة والمنابر والمناظرات.
стр. 26
الكلام في الله تعالى بغير ما ورد بدعة وضلالة
قال رحمه الله تعالى: [واعلم رحمك الله أن الكلام في الرب تعالى محدث، وهو بدعة وضلالة، ولا يتكلم في الرب إلا بما وصف به نفسه في القرآن، وما بين رسول الله ﷺ لأصحابه، فهو جل ثناؤه واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير].
هذا تفصيل للإجمال السابق، حينما ذكر أن الكلام والخصومات والجدال والمراء محدثات، ذكر أعظم وأخطر الكلام والخصومات، وهي الخصومات في الله ، فذكر أن الكلام في الرب محدث؛ لأن الأصل في الناس التسليم بالعقل والفطرة فيما يتعلق بالله على جهة الإجلال، ثم التسليم المطلق فيما ثبت عن الله تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته على سبيل التفصيل، ولا طاقة للعقول في أن تتكلم عن الله ، وذلك ورد الإرشاد إلى التفكر في خلق الله وآلائه وما يدل على اليقين بحقوقه ، ولا يكون التفكر في ذات الله؛ لأنه مما لا طاقة للعقول به، ولأن الإيمان بالله ينبني على التسليم، هذا أمر.
الأمر الآخر: أن الكلام في الرب لا شك أنه سوء أدب؛ لأن الله كفانا كل ما يتعلق بذاته وأسمائه وصفاته، فقد ذكر الله لنا من صفات الكمال له ما لا يمكن أن يخطر على بال بشر، ولو تكلم البشر بجميع ألسنتهم ولغاتهم وبجميع قواهم العقلية ليأتوا بصفة لله أعظم مما وصف به نفسه ما استطاعوا أبداً، بل كثير مما وصف الله به نفسه في كتابه مما لا يمكن أن يدرك بالعقول.
فإذاً: لا حاجة للناس أن يتكلموا في الرب وقد نهوا عن ذلك، وهو تطاول على الله ورجم بالغيب.
ومن هنا ندرك خطورة مناهج المتكلمين، أما الجهمية والمعتزلة فعوار منهجهم واضح، لكن البلوى عمت بمن جاء بعدهم من المتكلمين الذين هم أقرب إلى السنة، كمتكلمة الأشاعرة والماتريدية، هؤلاء لا يعرفون غالباً من التوحيد إلا الثرثرة في أسماء الله وصفاته وأفعاله وتوحيد الربوبية، وارتقوا مرتقى صعباً لا طاقة لهم فيه، فأخذوا يقررون توحيد الربوبية ويتكلمون في الأسماء والصفات بقواعد عقلية لم ترد في كتاب ولا سنة، إنما هي أوهام ما زادت على أن أوقعت فيهم الشك في أسماء الله وصفاته، فوقعوا في التأويل، حتى أنهم لم يثبتوا لله إلا سبع صفات وابتدعت الماتريدية صفة ثامنة أيضاً، وأنكروا بقية الصفات؛ لأنهم خاضوا في الله وفي ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله بغير ما ورد في الكتاب والسنة، ثم لم يسلموا بما ورد في الكتاب والسنة، وكان هذا لهم جزاءً وفاقاً، فكل من عدل عن شيء من السنة ابتلي بالبدعة، فلما عدلوا عن الإقرار بأسماء الله وصفاته وصفوا الله بما لم يصف به نفسه، تورعوا عن أن يصفوا الله بصفاته الواردة في الكتاب والسنة تورعاً كاذباً، فوقعوا في أن وصفوا الله بالأوصاف البدعية، فقالوا: ليس بعرض ولا جوهر ولا بجهة ولا مباين ولا مفاصل ولا داخل العالم ولا خارجه ولا ولا، من اللاءات التي تجعل الله على صورة المعدوم، تعالى الله عما يزعمون.
إذاً: كل ذلك منشؤه ما أحدثته الجهمية تبعاً للفلاسفة من الكلام في الرب ، وهو بدعة وضلالة كما قال الشيخ، فلا يُتكلم في الرب إلا بما وصف به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ ، مع إثبات جميع وصفه به، ونفي المشابهة على قاعدة قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
стр. 27
رؤية الله يوم القيامة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ربنا أول بلا متى، وآخر بلا منتهى، يعلم السر وأخفى، وعلى عرشه استوى، وعلمه بكل مكان، لا يخلو من علمه مكان، ولا يقول في صفات الرب: كيف ولم إلا شاك في الله ﵎.
والقرآن كلام الله وتنزيله ونوره؛ ليس بمخلوق، لأن القرآن من الله، وما كان من الله فليس بمخلوق، وهكذا قال مالك بن أنس وأحمد بن حنبل والفقهاء قبلهما وبعدهما، والمراء فيه كفر.
والإيمان بالرؤية يوم القيامة؛ يرون الله بأبصار رءوسهم، وهو يحاسبهم بلا حاجب ولا ترجمان.
والإيمان بالميزان يوم القيامة].
стр. 28
الرؤية العامة ومراحلها
الكلام هنا فيما يتعلق بالرؤية مجمل، والرؤية على نوعين: الرؤية العامة والرؤية الخاصة كما ورد في النصوص، فالرؤية العامة هي التي وردت في حق أهل المحشر، وهي أن الناس جميعاً يرون ربهم يوم القيامة في المحشر على مراحل: المرحلة الأولى: يراه جميع البشر، لكنها رؤية مجملة، ليس عندنا يقين بأنها بصرية، فربما تكون رؤية قلبية.
وهي رؤية تليق بجلاله ، وتكون بحسب أحوالهم، فالمؤمنون يتمتعون بهذه الرؤية -نسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم- والمنافقون والكفار لا يتمتعون بها، بل يرونه رؤية المذنب المنكسر الحسير الذي لا يمكن أن يتمتع بهذه الرؤية، بل يعذب بها؛ لأنه عاص لربه.
المرحلة الثانية: وهي في المحشر أيضاً، وهي أن يراه المؤمنون دون المنافقين ودون الكفار، حيث يحتجب عن الكفار والمنافقين.
وبعضهم قسمها إلى ثلاث: الرؤية العامة لجميع البشر، والرؤية الثانية يراه المؤمنون ومعهم منافقون؛ لأنهم كانوا يزعمون في الدنيا أنهم مع المؤمنين فيطمعون في هذه الرؤية، مما يجعل العذاب عليهم بعد ذلك أشد، فيطمعهم برؤية ثانية، ثم في رؤية ثالثة يحتجب الله عن المنافقين كما احتجب عن الكفار ولا يراه إلا المؤمنون، وهذا وردت فيه الروايات بإجمال.
стр. 29
الرؤية الخاصة في الجنة
فعلى هذا تكون الرؤية العامة بهذا التفصيل رؤية مجملة ليست مفسرة، أما ما ذكره الشيخ، فهو يقصد به النوع الثاني، وهو رؤية المؤمنين لربهم في الجنة نسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم وأن يمتعنا بهذه الرؤية.
فهذه رؤية تكون بالأبصار بعيون رءوسهم، أما رؤيتهم وهو يحاسبهم فهي الرؤية العامة، ولا شك أنها بلا حجاب ولا ترجمان، أما رؤية في الجنة فهي بعين رءوسهم، أما الرؤية العامة فهي مجملة ليس عندنا عليها قطع بأنها عينية.
стр. 30
الإيمان بالميزان والحوض
قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بالميزان يوم القيامة يوزن فيه الخير والشر، له كفتان وله لسان، والإيمان بعذاب القبر ومنكر ونكير، والإيمان بحوض رسول الله ﷺ ، ولكل نبي حوض إلا صالح النبي ﷺ ، فإن حوضه ضرع ناقته].
هذا الكلام ليس عليه دليل، بل ربما يكون من الأمور التي لا أصل لها، حتى ما ورد فيه من حديث فهو موضوع؛ أعني القول بأن صالحاً النبي ﷺ حوضه ضرع ناقته، فإن ثبت أن لكل الأنبياء حوض يوم القيامة، فكذلك نبي الله صالح فهو ضمن الأنبياء.
إذاً: الأصل الإيمان بحوض النبي ﷺ ، وقد ورد مفصلاً بعرضه وطوله وشكله وهيئته وما يدور حوله من مشاهد القيامة، وأن لكل نبي حوضاً، كذلك ثبت في آثار وأحاديث، ويدخل في ذلك صالح ﵇، وما قيل من أن حوضه ضرع ناقته لا يصح.
стр. 31
الإيمان بالشفاعات
قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بشفاعة رسول الله ﷺ للمذنبين الخاطئين في يوم القيامة وعلى الصراط].
هذه الشفاعة تسمى الشفاعة لأهل الكبائر، المذنبين الخاطئين، وليس الكفار، فالكفار الخلص ليس لهم شفاعة ولا تنفعهم شفاعة الشافعين.
قال رحمه الله تعالى: [ويخرجهم من جوف جهنم، وما من نبي إلا له شفاعة، كذلك الصديقين والشهداء والصالحين].
وورد أن للقرآن أيضاً شفاعة وللصيام شفاعة، والراجح أنها صحيحة.
قال رحمه الله تعالى: [ولله بعد ذلك تفضل كثير فيمن يشاء، والخروج من النار بعدما احترقوا وصاروا فحماً].
ثبت في الصحيح أن الله حينما يأذن للشفعاء يشفع نبينا محمد ﷺ ويشفع النبيون ﵈، ويشفع الصديقون والشهداء والصالحون ومن أذن الله لهم بالشفاعة، ثم بعد ذلك يقول الله : لم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين، فيخرج من شاء، فيقبض قبضة بيده ممن لم يعملوا خيراً قط، ولله الأمر من قبل ومن بعد يفعل في خلقه ما يشاء، لا معقب لحكمه.
стр. 32
الإيمان بالصراط والأنبياء والملائكة والجنة والنار
قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بالصراط على جهنم، يأخذ الصراط من شاء الله، ويجوز من شاء الله، ويسقط في جهنم من شاء الله، ولهم أنوار على قدر إيمانهم.
والإيمان بالأنبياء والملائكة، والإيمان بأن الجنة حق، والنار حق مخلوقتان؛ الجنة في السماء السابعة وسقفها العرش، والنار تحت الأرض السابعة السفلى وهما مخلوقتان، قد علم الله تعالى عدد أهل الجنة ومن يدخلها، وعدد أهل النار ومن يدخلها، لا تفنيان أبداً، بقاؤهما مع بقاء الله ﵎ أبد الآبدين في دهر الداهرين].
على أي حال أبدية الجنة والنار لا شك فيها، وهي رأي جمهور السلف، أما أبدية الجنة ونعيم الجنة فلا جدال فيه، وهو محل إجماع معلوم من الدين بالضرورة، وكذلك القول بأبدية النار هو الأصل، وإن نازع فيه بعض المجتهدين فنزاعهم محمول لا على فناء النار، إنما على انقطاع العذاب عند بعضهم، ومع ذلك فهذا رأي مرجوح لا ينبغي أن يخرج عن الأصل.
أما عبارة: (هما مع بقاء الله ﵎ فيظهر لي أنها غير لائقة؛ لأنه لا يجوز أن نقرن شيئاً من خلق الله مع صفات الله ، فنقول: هما باقيتان لا تفنيان أبداً، فالذي يظهر لي أن العبارة ينبغي أن نتورع عنها؛ لأن الله له الكمال المطلق، فهو الآخر الذي ليس بعده شيء.
والله أعلم.
стр. 33
الأسئلة
стр. 34
محاسبة الله لكل واحد من عباده بلا حجاب ولا ترجمان
السؤال
الأخ يسأل عن قوله: (بلا حجاب ولا ترجمان).
الجواب
أولاً: كلمة (بلا حجاب) لأن الله يتبدى لعباده بلا حجاب بينهم وبينه على ما يليق بجلاله ، حتى أنه ورد في حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري وغيرهما قضية الصورة، أنهم يرونه في غير الصورة التي يعرفونها، ثم يرونه في الصورة التي يعرفونها، ففي الأولى يقولون: لست ربنا، وفي الثانية: يقولون: أنت ربنا، فهذا يدل على أنه ليس بينه وبينهم حجاب وهذا كلام مجمل أيضاً.
فأما المؤمنون فيحاسبون حساباً يسيراً، وأما العصاة والكفار فيحاسبون حساباً عسيراً، فالله يكلم كل واحد من عباده كلاماً خاصاً بواحاً ليس بينه وبينه ترجمان، ويقول له: ألم تفعل كذا، ألم أستر عليك كذا إلى آخره، حتى أنه ورد في النص أن الله يحاسبهم جميعاً في وقت واحد، وكل واحد يظن أن الله لا يحاسب غيره ولا يكلم غيره.
فالمقصود بالإشارة إلى الترجمان: أن الله يكلم عباده أفراداً كما يكلمهم جميعاً.
стр. 35
ترتيب مواقف القيامة
السؤال
الرجاء ترتيب هذه المشاهد يوم القيامة؛ لأنه كثر فيها الخلاف؟
الجواب
قصده المشاهد التي مرت، وليس هناك خلاف في ترتيب المشاهد إلا فيما يتعلق بالحوض، مشاهد القيامة أولها البعث ثم النشور ثم الحشر، ثم بعد الحشر يكون الحساب، وأثناء الحساب تكون أمور مثل الصحف والميزان والكتب، ثم بعد ذلك يكون الصراط، وبقي الخلاف في الحوض، هل هو قبل الصراط أو بعده؟ هذه مسألة خلافية، ذكرت كمثال من الأمثلة التي أشكلت فيها الآثار.
стр. 36
معنى المراء في الدين
السؤال
ما معنى المراء في الدين؟
الجواب
المراء في الدين هو الجدل في أمر الدين، والأصل في الدين هو إقرار الحق بدليله، أو السؤال عن الحق بدليله، لكن لا يكون هناك جدال، بمعنى أنه لو كان لك وجهة نظر مع دليلها فإنك تقولها ولا تزيد، فلا تكرر حجة، ثم تثير الشبه وترد على الشبه، ثم ترد على الرد، والآخر يرد على الرد وهكذا، كما يحدث في مجالس الناس الآن إذا أثيرت قضية شرعية تجد اللغط فيها والكلام ورفع الأصوات، وأحياناً التشابك بالأيدي، فهذا نموذج من المراء المحرم، بل من كبائر الذنوب، فلا يجوز للناس أن يتجادلوا، وإذا بحثوا قضية شرعية فينبغي أن يقفوا فيها على مجرد ما يوجد عند الحاضرين معلومة بدليلها.
ولا داعي لإثارة إشكالات أو التعصب للرأي، والجزم بما يراه أحد الحاضرين، فالمراء هو ما يزيد عن مجرد ذكر القضية ودليلها.
والمحاورات والمناظرات التي تحدث في وسائل الإعلام خاصة في القنوات الفضائية الأصل فيها المنع، إلا في حالات استثنائية بشروطها؛ لكن لما عمت بها البلوى فأرى أنه لا مانع من أن يتصدى طالب العلم لأهل الباطل الذين يعرضون آراءهم في هذه القنوات، لكن بشرط أن يكون ملماً بالقضية التي سيناقش فيها وبأدلتها، وأن يكون ملماً بشبهة الخصم قبل أن يتعرض لها، وأن يكون عنده القدرة والجدارة، وأن يلتزم بشروط المناظرة، ويلزم خصمه بأن يضع شروطاً وضوابط في بداية المناظرة وبداية النقاش، فيشترط لنفسه؛ لئلا ينهزم فيظن أن الحق انهزم بسببه، وذلك من الآثار السيئة لوجود النقاش غير المتكافئ، وهو المحرم الذي حرمه السلف.
ومن آثار النقاش غير المتكافئ أن بعض شبابنا فتنوا ببعض آراء الفرق، وفعلاً جاءني الآن بعض الشباب، يقول: إني أعرف من زملائي من اقتنع برأي فرقة من الفرق الضالة الكبرى بسبب مناظرة رآها في إحدى القنوات الفضائية، فصار المناظر في سبيل الباطل من العتاة المفتنين، والآخر ادعى السنة وهو لا يعرف كوعه من كرسوعه، فجلس ضعيفاً ذليلاً منهزماً يردد كلامه لا يكاد يبدي ولا يعيد، فظهر وكأن الحق انهزم، هذا شيء.
الشيء الآخر أن أغلب القائمين على القنوات الفضائية، والقائمين على هذه البرامج فيهم خبث، فهم يتصيدون الشياطين من أصحاب الفرق، ويتصيدون الضعفة ممن ينتسبون للسنة، وربما ليسوا سنة أصلاً، فحسب ما سمعت من أسمائهم أصلاً لا يمثلون السنة مع الأسف، فهم بحاجة إلى أن يناظروا وأن تصحح عقائدهم، فكيف يمثلون السنة؟ فالوقوع في مثل هذه الحبائل حرام إلا بشروطه وضوابطه، ولذلك ينبغي لكل طالب علم يريد أن يتصدى لمثل هذه الأمور أن يستشير المختصين، وأن يتعرف على مؤهلاته هو، وما ينبغي أن يقول وما ينبغي أن يفعل ومؤهلات خصمه.
стр. 37
شرح السنة [٣]
يعتقد أهل السنة والجماعة أن الجنة مخلوقة الآن وهي الباقية إلى يوم القيامة، ويومنون بنزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، ويعتقدون أن خير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ صحابته الكرام، وأفضلهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين، ويحفظون لهم حقهم، ويثنون عليهم، ويترحمون عليهم، ويمسكون عما شجر بينهم، ومن منهجهم السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين في طاعة الله ورسوله، فإذا أمروا بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
стр. 38
الجنة التي أخرج منها آدم هي جنة الآخرة
قال أبو محمد الحسن بن علي البربهاري ﵀: [وآدم ﵇ كان في الجنة الباقية المخلوقة فأخرج منها بعدما عصى الله ].
قوله: (المخلوقة) فيه إشارة إلى خلاف بعض الفرق الذين زعموا أن الجنة التي خرج منها آدم ليست هي الجنة التي وعد الله المتقين، وهناك من زعم أن جنة الآخرة لم تخلق ولم توجد بعد، وهذه كلها مذاهب خاطئة، فالجنة هي الجنة الأولى والباقية اليوم وإلى ما شاء الله، وهي أيضاً جنة الآخرة الأبدية، فالجنة واحدة، ومخلوقة وموجودة، وهي في السماء، عرضها كعرض السماوات والأرض أعدت للمتقين، نسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم.
стр. 39
الإيمان بالمسيح الدجال ونزول عيسى ﵇
قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بـ المسيح الدجال، والإيمان بنزول عيسى بن مريم ﵇ ينزل فيقتل الدجال، ويتزوج ويصلي خلف القائم من آل محمد ﷺ ، ويموت ويدفنه المسلمون].
يقصد بالقائم المهدي الذي وردت به الآثار، وهو أيضاً من آل محمد ﷺ ، يصلحه الله في ليلة كما ورد في الآثار، وتكون على يده آخر الملاحم، ثم ينزل عيسى ﵇ عليه وعلى المؤمنين، ويقيم بينهم حتى يتوفاه الله ، ثم يدفن عيسى ﵇، بل كل المؤمنين يحصل لهم بعد عيسى بقليل حياة ليست طويلة، ثم يقبض الله أرواحهم بريح طيبة، فلا يبقى في الأرض آخر الزمان إلا شرار الخلق نسأل الله العافية.
ونزول عيسى من علامات الساعة الكبرى، ويكون من الأشياء التي تصاحب عيسى آخر مراحل الدجال؛ لأن عيسى ينزل والمسلمون يقاتلون الدجال، فإذا رآه الدجال ذاب كما يذوب الملح الماء؛ لأنه عرف اليقين الذي وعد الله به، فيقتله عيسى ﵇، ثم أيضاً يحدث في وقت عيسى من الآيات الكبرى يأجوج ومأجوج، فهم يخرجون وعيسى في ظهراني المسلمين.
ويحدث أيضاً من العلامات الريح التي تقبض أرواح المؤمنين، لكن قيل إنها بعد وفاة عيسى، وهو الراجح.
стр. 40
الإيمان قول وعمل يزيد وينقص
قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الإيمان قول وعمل، وعمل وقول ونية وإصابة، يزيد وينقص، يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه شيء].
يبدو لي أن هذا من باب تنويع العبارة لتأكيدها قوله: (الإيمان بأن الإيمان قول) المقصود به قول القلب وقول اللسان، فاللسان معبر عن القلب.
(وعمل) يعني: عمل القلب وعمل الجوارح لا عمل الجوارح فقط؛ فعمل القلب هو المتمثل بالمحبة والرجاء والخوف واليقين والإنابة والتوكل، هذه كلها تسمى أعمال القلوب، فدخلت في العمل، وهي تزيد وتنقص، وكذلك عمل الجوارح يسمى عملاً، وأعمال الجوارح تزيد وتنقص، فيبدو لي أن التقديم والتأخير هنا لإحكام المسألة.
ثم قال بعد ذلك: و (نية) والمقصود بالنية الإخلاص، لأن النية هنا موجهة إلى العمل المطلوب، والصحيح أن: (لكل امرئ ما نوى)، فمن نوى وجه الله فله ذلك، ومن نوى غير وجه الله خسر دينه وإن كسب ما ينويه من أمور الدنيا، لكن المقصود هنا النية الخالصة، وذلك أن الإيمان لا يصح إلا بالإخلاص، فكما أنه قول وعمل فهو كذلك إخلاص لله .
قوله: (وإصابة) أي: موافقة للسنة، وهي أيضاً من شرائط صحة الإيمان.
ثم قال: (يزيد وينقص) أي: كل ذلك يزيد وينقص قول القلب عمل القلب وعمل الجوارح، فالزيادة والنقصان تشمل جميع هذه الأقوال.
كذلك النية، النية قد تكون خالصة وقد تكون مشوبة، فالنية الخالصة يزيد بها الإيمان والنية المشوبة ينقص بها الإيمان، وكذلك الإصابة الكاملة يكمل بها الإيمان، والإصابة المشوبة التي فيها شيء من الجهل أو نحو ذلك، أو الإصابة التي تكون خاطئة لكنها عن اجتهاد قد ينقص بها الإيمان، وليس كمالها ككمال الإصابة الكاملة.
إذاً: كل هذه الأمور تعتبر من الإيمان، وكل ذلك يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه شيء، فيزيد بقدر ما يسدد الله العبد من أعمال الآخرة والنيات والصدق والإخلاص في الأعمال الظاهرة.
قوله: (وينقص) أي: الإيمان (حتى لا يبقى منه شيء) أي: في حالة ما إذا خرج الإنسان من الإيمان بالكلية نسأل الله العافية، وهي الردة أو النفاق الخالص أو الشرك، فهذه لا يبقى معها من الإيمان شيء.
وكذلك قد لا يبقى من أثر الإيمان شيء في لحظات كما فسره بعض السلف في حديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، قال بعضهم: لا يبقى عنده من الإيمان شيء إلا الأصل، لكن ثمرة الإيمان تنمحي في ذلك الوقت من المؤمن.
следующие страницы →