← Акыда

Акыда · id 37718

التعليق على شرح السنة للبربهاري - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (315 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

معنى المراء في الدين السؤال ما معنى المراء في الدين؟ الجواب المراء في الدين هو الجدل في أمر الدين، والأصل في الدين هو إقرار الحق بدليله، أو السؤال عن الحق بدليله، لكن لا يكون هناك جدال، بمعنى أنه لو كان لك وجهة نظر مع دليلها فإنك تقولها ولا تزيد، فلا تكرر حجة، ثم تثير الشبه وترد على الشبه، ثم ترد على الرد، والآخر يرد على الرد وهكذا، كما يحدث في مجالس الناس الآن إذا أثيرت قضية شرعية تجد اللغط فيها والكلام ورفع الأصوات، وأحياناً التشابك بالأيدي، فهذا نموذج من المراء المحرم، بل من كبائر الذنوب، فلا يجوز للناس أن يتجادلوا، وإذا بحثوا قضية شرعية فينبغي أن يقفوا فيها على مجرد ما يوجد عند الحاضرين معلومة بدليلها. ولا داعي لإثارة إشكالات أو التعصب للرأي، والجزم بما يراه أحد الحاضرين، فالمراء هو ما يزيد عن مجرد ذكر القضية ودليلها. والمحاورات والمناظرات التي تحدث في وسائل الإعلام خاصة في القنوات الفضائية الأصل فيها المنع، إلا في حالات استثنائية بشروطها؛ لكن لما عمت بها البلوى فأرى أنه لا مانع من أن يتصدى طالب العلم لأهل الباطل الذين يعرضون آراءهم في هذه القنوات، لكن بشرط أن يكون ملماً بالقضية التي سيناقش فيها وبأدلتها، وأن يكون ملماً بشبهة الخصم قبل أن يتعرض لها، وأن يكون عنده القدرة والجدارة، وأن يلتزم بشروط المناظرة، ويلزم خصمه بأن يضع شروطاً وضوابط في بداية المناظرة وبداية النقاش، فيشترط لنفسه؛ لئلا ينهزم فيظن أن الحق انهزم بسببه، وذلك من الآثار السيئة لوجود النقاش غير المتكافئ، وهو المحرم الذي حرمه السلف. ومن آثار النقاش غير المتكافئ أن بعض شبابنا فتنوا ببعض آراء الفرق، وفعلاً جاءني الآن بعض الشباب، يقول: إني أعرف من زملائي من اقتنع برأي فرقة من الفرق الضالة الكبرى بسبب مناظرة رآها في إحدى القنوات الفضائية، فصار المناظر في سبيل الباطل من العتاة المفتنين، والآخر ادعى السنة وهو لا يعرف كوعه من كرسوعه، فجلس ضعيفاً ذليلاً منهزماً يردد كلامه لا يكاد يبدي ولا يعيد، فظهر وكأن الحق انهزم، هذا شيء. الشيء الآخر أن أغلب القائمين على القنوات الفضائية، والقائمين على هذه البرامج فيهم خبث، فهم يتصيدون الشياطين من أصحاب الفرق، ويتصيدون الضعفة ممن ينتسبون للسنة، وربما ليسوا سنة أصلاً، فحسب ما سمعت من أسمائهم أصلاً لا يمثلون السنة مع الأسف، فهم بحاجة إلى أن يناظروا وأن تصحح عقائدهم، فكيف يمثلون السنة؟ فالوقوع في مثل هذه الحبائل حرام إلا بشروطه وضوابطه، ولذلك ينبغي لكل طالب علم يريد أن يتصدى لمثل هذه الأمور أن يستشير المختصين، وأن يتعرف على مؤهلاته هو، وما ينبغي أن يقول وما ينبغي أن يفعل ومؤهلات خصمه.

стр. 37

شرح السنة [٣] يعتقد أهل السنة والجماعة أن الجنة مخلوقة الآن وهي الباقية إلى يوم القيامة، ويومنون بنزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، ويعتقدون أن خير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ صحابته الكرام، وأفضلهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين، ويحفظون لهم حقهم، ويثنون عليهم، ويترحمون عليهم، ويمسكون عما شجر بينهم، ومن منهجهم السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين في طاعة الله ورسوله، فإذا أمروا بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

стр. 38

الجنة التي أخرج منها آدم هي جنة الآخرة قال أبو محمد الحسن بن علي البربهاري ﵀: [وآدم ﵇ كان في الجنة الباقية المخلوقة فأخرج منها بعدما عصى الله ]. قوله: (المخلوقة) فيه إشارة إلى خلاف بعض الفرق الذين زعموا أن الجنة التي خرج منها آدم ليست هي الجنة التي وعد الله المتقين، وهناك من زعم أن جنة الآخرة لم تخلق ولم توجد بعد، وهذه كلها مذاهب خاطئة، فالجنة هي الجنة الأولى والباقية اليوم وإلى ما شاء الله، وهي أيضاً جنة الآخرة الأبدية، فالجنة واحدة، ومخلوقة وموجودة، وهي في السماء، عرضها كعرض السماوات والأرض أعدت للمتقين، نسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم.

стр. 39

الإيمان بالمسيح الدجال ونزول عيسى ﵇ قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بـ المسيح الدجال، والإيمان بنزول عيسى بن مريم ﵇ ينزل فيقتل الدجال، ويتزوج ويصلي خلف القائم من آل محمد ﷺ ، ويموت ويدفنه المسلمون]. يقصد بالقائم المهدي الذي وردت به الآثار، وهو أيضاً من آل محمد ﷺ ، يصلحه الله في ليلة كما ورد في الآثار، وتكون على يده آخر الملاحم، ثم ينزل عيسى ﵇ عليه وعلى المؤمنين، ويقيم بينهم حتى يتوفاه الله ، ثم يدفن عيسى ﵇، بل كل المؤمنين يحصل لهم بعد عيسى بقليل حياة ليست طويلة، ثم يقبض الله أرواحهم بريح طيبة، فلا يبقى في الأرض آخر الزمان إلا شرار الخلق نسأل الله العافية. ونزول عيسى من علامات الساعة الكبرى، ويكون من الأشياء التي تصاحب عيسى آخر مراحل الدجال؛ لأن عيسى ينزل والمسلمون يقاتلون الدجال، فإذا رآه الدجال ذاب كما يذوب الملح الماء؛ لأنه عرف اليقين الذي وعد الله به، فيقتله عيسى ﵇، ثم أيضاً يحدث في وقت عيسى من الآيات الكبرى يأجوج ومأجوج، فهم يخرجون وعيسى في ظهراني المسلمين. ويحدث أيضاً من العلامات الريح التي تقبض أرواح المؤمنين، لكن قيل إنها بعد وفاة عيسى، وهو الراجح.

стр. 40

الإيمان قول وعمل يزيد وينقص قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الإيمان قول وعمل، وعمل وقول ونية وإصابة، يزيد وينقص، يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه شيء]. يبدو لي أن هذا من باب تنويع العبارة لتأكيدها قوله: (الإيمان بأن الإيمان قول) المقصود به قول القلب وقول اللسان، فاللسان معبر عن القلب. (وعمل) يعني: عمل القلب وعمل الجوارح لا عمل الجوارح فقط؛ فعمل القلب هو المتمثل بالمحبة والرجاء والخوف واليقين والإنابة والتوكل، هذه كلها تسمى أعمال القلوب، فدخلت في العمل، وهي تزيد وتنقص، وكذلك عمل الجوارح يسمى عملاً، وأعمال الجوارح تزيد وتنقص، فيبدو لي أن التقديم والتأخير هنا لإحكام المسألة. ثم قال بعد ذلك: و (نية) والمقصود بالنية الإخلاص، لأن النية هنا موجهة إلى العمل المطلوب، والصحيح أن: (لكل امرئ ما نوى)، فمن نوى وجه الله فله ذلك، ومن نوى غير وجه الله خسر دينه وإن كسب ما ينويه من أمور الدنيا، لكن المقصود هنا النية الخالصة، وذلك أن الإيمان لا يصح إلا بالإخلاص، فكما أنه قول وعمل فهو كذلك إخلاص لله . قوله: (وإصابة) أي: موافقة للسنة، وهي أيضاً من شرائط صحة الإيمان. ثم قال: (يزيد وينقص) أي: كل ذلك يزيد وينقص قول القلب عمل القلب وعمل الجوارح، فالزيادة والنقصان تشمل جميع هذه الأقوال. كذلك النية، النية قد تكون خالصة وقد تكون مشوبة، فالنية الخالصة يزيد بها الإيمان والنية المشوبة ينقص بها الإيمان، وكذلك الإصابة الكاملة يكمل بها الإيمان، والإصابة المشوبة التي فيها شيء من الجهل أو نحو ذلك، أو الإصابة التي تكون خاطئة لكنها عن اجتهاد قد ينقص بها الإيمان، وليس كمالها ككمال الإصابة الكاملة. إذاً: كل هذه الأمور تعتبر من الإيمان، وكل ذلك يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه شيء، فيزيد بقدر ما يسدد الله العبد من أعمال الآخرة والنيات والصدق والإخلاص في الأعمال الظاهرة. قوله: (وينقص) أي: الإيمان (حتى لا يبقى منه شيء) أي: في حالة ما إذا خرج الإنسان من الإيمان بالكلية نسأل الله العافية، وهي الردة أو النفاق الخالص أو الشرك، فهذه لا يبقى معها من الإيمان شيء. وكذلك قد لا يبقى من أثر الإيمان شيء في لحظات كما فسره بعض السلف في حديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، قال بعضهم: لا يبقى عنده من الإيمان شيء إلا الأصل، لكن ثمرة الإيمان تنمحي في ذلك الوقت من المؤمن.

стр. 41

اعتقاد أهل السنة في الصحابة

стр. 42

أفضل الصحابة الثلاثة الخلفاء قال رحمه الله تعالى: [وخير هذه الأمة بعد وفاة نبيها أبو بكر وعمر وعثمان، هكذا روي لنا عن ابن عمر قال: (كنا نقول ورسول الله ﷺ بين أظهرنا: إن خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان ويسمع النبي ﷺ بذلك فلا ينكره)]. النصوص في ترتيب أفضلية الصحابة وردت متدرجة في ذكر أفضلية الصحابة في نوعها وفي حجمها، فأكثر الفضائل فضائل أبي بكر ﵁، ثم ذكر فضائل أبي بكر مع عمر في الدرجة الثانية، ثم الدرجة الثالثة: ذكر الثلاثة، وكثيراً ما ترد نصوص فيها الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان، ثم الدرجة الرابعة في الأربعة بإضافة علي ﵁، وهذه أقلها. ولذلك يذكر بعض السلف الثلاثة ولا يذكر علياً، لا استنقاصاً لـ علي ﵁؛ لكن لبيان أن الثلاثة ورد ذكرهم منفردين في نصوص كثيرة عن النبي ﷺ وعن الصحابة كذلك، ولأن الثلاثة من الخلفاء الراشدين لم يختلف عليهم الناس، واختلفوا على علي ﵁ ولا يعني هذا أن الاختلاف عليه سائغ؛ لكنه وقع من قبل أهل الأهواء أو المجتهدين الذين ما أصابوا في اجتهادهم، وإلا فالأولى عند ترتيب مقامات الصحابة أن يذكر الأربعة بما فيهم علي ﵁ دفعاً للبس، ومع ذلك وردت أحاديث مستفيضة في ذكر أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ أجمعين، ووردت بعدها في الدرجة الرابعة ذكر علي مع هؤلاء الثلاثة فيكونون أربعة. ولذلك كثيراً ما ينص عليهم بأنهم الأربعة الخلفاء، وأن أفضل الصحابة الأربعة، وهكذا.

стр. 43

أفضل الناس بعد الثلاثة بقية العشرة ثم بقية الصحابة قال رحمه الله تعالى: [ثم أفضل الناس بعد هؤلاء علي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة عامر بن الجراح وكلهم يصلح للخلافة]. هنا عد بقية العشرة المبشرين بالجنة، فمنهم الأربعة الخلفاء الراشدون ثم طلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة، هؤلاء الستة مع الأربعة هم المبشرون بالجنة، وقد ورد إفرادهم في حديث ذكره الشيخ. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ ، القرن الأول الذي بعث فيهم المهاجرون الأولون والأنصار، وهم من صلى إلى القبلتين، ثم أفضل الناس بعد هؤلاء من صحب رسول الله ﷺ يوماً أو شهراً أو سنة أو أقل من ذلك أو أكثر]. بمعنى أن كل من صحب الرسول ﷺ فهو من الصحابة ولو يوماً، والأولى أن يقال: من صحب رسول الله ﷺ سنة أو شهراً أو يوماً.

стр. 44

واجبنا نحو الصحابة قال رحمه الله تعالى: [ترحم عليه، وتذكر فضله، وتكف عن زلته، ولا نذكر أحداً منهم إلا بخير، لقول رسول الله ﷺ : (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا)]. الشيخ: هذا الحديث صحيح، وأوضح منه الحديث الذي رواه عدد من أصحاب السنن وأحمد في المسند وغيرهم، وهو قوله ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، هذا الحديث صحيح صححه الألباني وغيره. أما الحديث التالي الذي سيذكره فهو موضوع. قال رحمه الله تعالى: [وقال سفيان بن عيينة: (من نطق في أصحاب رسول الله ﷺ بكلمة فهو صاحب هوى). وقال النبي ﷺ : (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)]. هذا الحديث لا أصل له والله أعلم.

стр. 45

مسألة الإمامة والسمع والطاعة للولاة قال رحمه الله تعالى: [والسمع والطاعة للأئمة فيما يحب الله ويرضى، ومن ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به فهو أمير المؤمنين]. مسألة السمع والطاعة والولاية وما يستتبعها من أصول وقواعد، السمع والطاعة للأئمة طبعاً بالمعروف، لذلك قال: (فيما يحب الله ويرضى) وسيقرر هذا في قاعدة مستقلة فيما بعد. قوله: (السمع والطاعة للأئمة) يعني: من ولاه الله أمر المسلمين.

стр. 46

صور نصب الولاة والأئمة ثم ذكر صورة من صور الولاية وهي: (ومن ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به فهو أمير المؤمنين). الصورة المثلى لقيام الخلافة أو الولاية، هي أن تكون الخلافة بإجماع الناس، وإجماع الناس يتحقق بصور شتى، فغالباً ما يكون باتفاق أهل الحل والعقد؛ لأن الناس في شعائر الدين الكبرى مثل الحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي مصالح الدنيا العظمى مثل البيعة والسمع والطاعة وغيرها، لا يتم أمرهم إلا بأهل الحل والعقد منهم، ومن سوى أهل الحل والعقد تبع لأهل الحل والعقد بالضرورة؛ لأن الدهماء والعامة والغوغاء والسواد الأعظم لا يمكن تحقيق رغبتهم جميعاً أو التعرف على آرائهم بطريق سليم، ولا يمكن أيضاً أن يكون عندهم من الفقه والرشد ما يجعلهم يعرفون المصالح العظمى للأمة كما يريد الله ، وكما هو على قواعد الشرع. فعلى هذا فالإجماع ينعقد في مسألة الولاية والخلافة ببيعة أهل الحل والعقد، وهذه صورة من صور الولاية تتبعها أو تأتي دونها صور أخرى كالتغلب، فهو صورة من صور إقامة الإمامة في الدين، أما إمامة الناس في دينهم ودنياهم وهي الإمارة التي لها السمع والطاعة فقد تكون بالغلبة أيضاً، حتى لو لم يكن الأمر برضا أهل الحل والعقد، وبين الصورتين صور كثيرة. ثم قال: [ولا يحل لأحد أن يبيت ليلة ولا يرى أن ليس عليه إمام]. بمعنى أنه لا يحل لمسلم أن يبقى ليلة ليس في عنقه بيعة ما دام أمر المسلمين قائماً، سواء كانت الولاية على الشروط الشرعية أو تخلفت فيها الشروط الشرعية، فيجب أن يكون في عنق المسلم بيعة للإمام الواقع أو للإمامة الحاصلة في وقته، سواء كان هذا الإمام متوفرة فيه شروط الإمامة أو لا تتوفر، فيجب على كل مسلم أن يكون في عنقه بيعة وألا يبيت ليلة إلا وعليه إمام براً كان أو فاجراً كما ذكر أهل العلم، بناء على الأحاديث الواردة الثابتة عن النبي ﷺ .

стр. 47

بيان من هم أهل الحل والعقد أما من هم أهل الحل والعقد فإنهم يكونون بحسب حال المسلمين في أي زمان وفي أي مكان، وأساليب تحقيق الحل والعقد في الناس تختلف من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان، ومن أمة إلى أمة، فالعرب يختلفون عن العجم مثلاً في تحقيق وجود أهل الحل والعقد، لكن الصور المثلى أو الصور الظاهرة لأهل الحل والعقد على مدار التاريخ سواء منها ما ذكرته النصوص الشرعية أو ما عرف بالاستقراء كما يلي: أولاً: أهل الحل والعقد هم العلماء أهل الفقه في الدين الذين يهمهم أمر المسلمين، كما حدث بعد النبي ﷺ من أئمة الصحابة، فهم أدركوا أن أهل الحل والعقد الجديرين بأن يكونوا هم أهل اختيار الولاية هم الذين تميزوا بالعلم الراسخ والفقه في دين الله مع الرأي والمشورة، أي: تميزوا بصفات القيادة الشرعية والدنيوية، وهم أهل الشورى من الصحابة، وهذا هو الأمثل على مدار التاريخ. فأول أهل الحل والعقد هم أهل العلم الذين يتوفر فيهم الفقه والرأي، ثم يليهم من دونهم ممن لهم اعتبار في الحل والعقد. أحياناً أهل الحل والعقد يكون منهم الفاسق والفاجر لكنه مطاع في قومه، ولا يستتب أمر المسلمين إلا باعتباره، كرؤساء العشائر وقواد الجيوش وأمراء الأقاليم ونحو ذلك ممن له اعتبار في مصائر الناس بحيث يطاع وله رأي رشيد، فيدخل في عموم أهل الحل والعقد بحسب حال المسلمين. وهذه الصور تكررت على مدار تاريخ الإسلام في القرون الأولى الفاضلة، فقد كان يعتبر من أهل الرأي من كان له اعتبار حتى لو لم يكن معروفاً بالفضل والاستقامة ما دام مطاعاً في قومه أو صاحب رأي سديد، وما دام له كيان كما نعبر في أسلوبنا المعاصر.

стр. 48

حكم الانتخابات الانتخابات لها صورتان: الصورة الأولى: انتخابات أهل الحل والعقد الذين تتوافر فيهم الشروط الشرعية والشروط الاعتبارية، فهذه واردة؛ لأن الصحابة كانوا يعملون ذلك، وعبد الرحمن بن عوف ﵁ استعمل هذه الطريقة لكن مع النخبة من فقهاء الصحابة، فلما أعلن ترشيح عثمان قال: إني أرى الناس لا يعدلون بـ عثمان، ومعناه أنه استقرأ رأي أهل الحل، حتى كان يطرق الأبواب يستشيرهم. فهذه صورة من الصور الشرعية الصحيحة التي هي اعتبار التصويت والانتخابات في نخبة ممن تتوافر فيهم الشروط الشرعية. الصورة الثانية: اعتبار التصويت لعموم الناس، وهذا يؤدي في الغالب إلى الغوغائية والفتنة ويؤدي إلى الخروج من مقتضى الدين؛ لأنه إذا استفتى عامة الناس والغوغاء وغير أهل الحل والعقد أو غير أهل الاعتبار والاستقامة، وأخذ تصويتهم في قضايا الأمة في دينها ودنياها، ففي الغالب أنهم يختارون ما يحقق أهواءهم بصرف النظر عن المصالح الشرعية، حتى وإن كانوا من المتدينين ما داموا لا يفقهون. فهذا باب خطير يؤدي إلى الإعراض عن دين الله ، وهو من مسالك الجاهلية والأمم الضالة، ومن مسالك العلمنة، ولا اعتبار لهذا التصويت، فلو استفتي الناس اليوم في بعض المعاصي لاختاروها رغم أننا في مجتمع يعتبر من أفضل المجتمعات؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦].

стр. 49

الحج والغزو والصلاة مع الإمام

стр. 50

الاجتماع على الأئمة في الحج والغزو قال رحمه الله تعالى: [والحج والغزو مع الإمام ماض، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة، ويصلى بعدها ست ركعات يفصل بين كل ركعتين، هكذا قال أحمد بن حنبل]. هاتان قضيتان منفصلتان، أما المسألة الأولى فهي قوله: (الحج والغزو مع الإمام وصلاة الجمعة خلفهم جائزة) وهذا حق، فمن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يرون وجوب الحج مع إمام المسلمين أو من ينيبه، ولا يجوز للناس أن يخالفوه سواء كان براً أو فاجراً. وكذلك الغزو مع إمام المسلمين أو قواد الجيوش الذين يوليهم، وهو من شعائر الدين الظاهرة. وكذلك صلاة الجمعة خلف إمام المسلمين أو من يعينهم من أئمة المساجد، ولا يجوز لأحد أن يسوغ لنفسه الشذوذ عن الناس في الحج، أو الشذوذ عن الناس في الغزو، أو الشذوذ عن الناس في الجمعة؛ لأن هذه شعائر الدين. والشيخ ضرب مثلاً بأمرين: الحج؛ لأنه يمثل شعائر الدين التي هي من الشعائر الظاهرة التي يجتمع عليها الناس، فالناس في شعائر الدين يجب أن يجتمعوا على أئمتهم. والغزو من مصالح الأمة العظمى، ويدخل فيه قتال الدفاع عن البلد، فهذا من مصالح الأمة العظمى التي يجب أن يجتمع فيها المسلمون على أئمتهم مهما كان هناك شيء من الجور والظلم أو الاختلاف في الرأي، فيجب أن تجمع الكلمة على شعائر الدين العظمى وعلى مصالح الأمة العظمى.

стр. 51

الكلام على صلاة الجمعة ونافلتها القضية الثانية: قضية ليس لها علاقة بموضوع الحج والغزو، إنما جاءت بمناسبة الكلام على صلاة الجمعة وليس لها مدخل في مسألة الإمامة، لكن أقحمها الشيخ إقحاماً، وهي قوله: (ويصلي بعدها) أي بعد صلاة الجمعة (ست ركعات يفصل بين كل ركعتين، هكذا قال الإمام أحمد). الإمام أحمد ﵀ لم يأت بشيء من عنده كما هو معروف، فهذه السنة مأثورة عن النبي ﷺ وربما أتى بها الشيخ هنا؛ لأنه كان في وقته من خالف السنة. وصلاة النافلة بعد صلاة الجمعة لها عدة صور بعضها واردة عن النبي ﷺ ، وبعضها لم ترد عن النبي ﷺ لكن كان الصحابة يفعلونها دون أن ينكر بعضهم على بعض، فصلاة الركعتين بعد صلاة الجمعة وردت في السنة، وصلاة أربع وردت في السنة، وثبتت كلها في البخاري ومسلم وغيرهما. وكذلك صلاة ست ركعات في البخاري ومسلم وغيرهما، سواء صلى ركعتين ركعتين أو صلى ركعتين ثم أربعاً كما ورد في بعض ألفاظ الحديث، فكل هذه الصور جائزة، ولو لم يصل فقد ورد عن بعض الصحابة أنهم كانوا لا يصلون بعد الجمعة، وقد ذكر كثير من أهل العلم أن النبي ﷺ أثرت عنه جميع هذه الأحوال، فليس على أحد حرج أن يفعل هذا أو ذاك. وهذه من المسائل الخلافية التي لا ينبغي أن تدخل في مسائل الاعتقاد إلا من باب التنبيه على أنها من السنن النوافل. مداخلة: شيخ، هل كان السلف يفرقون في الصلاة خلف الفاجر في صلاة الجمعة عن غيرها من الصلوات؟ الشيخ: يفرق في الصلاة خلف البر أو الفاجر في صلاة الجمعة عن غيرها؛ لأن صلاة الجمعة آكد، ولا يسع أحداً تركها؛ هذا أمر. الأمر الآخر أن الذي يتولى صلاة الجمعة غالباً هم الولاة، أما الصلاة العادية فتنعقد بين المسلمين حتى ممن لم يوله الأمير صلاة الجماعة، والغالب أن أمراء الأمة في تاريخ الإسلام لا يهتمون بتعيين كل إمام في الفرائض، لكنهم يعنون بأئمة الجمعة؛ لأن الجمعة أظهر شعاراً؛ ولأن الجمعة كان يتولاها الولاة كما في القرن الأول والثاني والثالث وما بعدها، فكان اجتماع الكلمة عليهم على هذه الصورة هو المقصود هنا. أما إمامة المساجد فيتولاها الأمراء وغير الأمراء، ويتولاها من ولي ومن لم يول ممن يصلح للإمامة، فمن هنا كان الأمر فيها أخف، أما الجمعة فالأمر فيها أشد.

стр. 52

الخلافة في قريش قال رحمه الله تعالى: [والخلافة في قريش إلى أن ينزل عيسى بن مريم ﵇]. هذه المسألة أيضاً فيها خلاف، وقد ورد في الأحاديث: (الأئمة من قريش)، وكان جمهور السلف يرون أن هذا شرط من شروط الإمامة إذا أمكن، أما إذا لم يمكن فإنهم يجيزون التحول عن شرط الكمال إلى شرط الإجزاء، والدليل حديث النبي ﷺ : (ولو عبداً حبشياً)، وغيره من الأحاديث التي أمرت بطاعة الوالي مطلقاً قرشياً وغير قرشي. فإذاً هذه المسألة تقرر على عدة صور: الصورة الأولى: إذا كان المجال مجال الاختيار المحض فيجب أن يكون قرشياً إن وجد، يعني: إن وجد قرشي فيه كفاءة؛ لأنه ورد في بعض الأحاديث أن قريشاً تضمحل في آخر الزمان، فقد لا يجد الناس في فئة من الفئات أو في مكان من الأمكنة الكفء من قريش فيولون من تتوفر فيه الصفات ولو لم يكن قرشياً. إذاً: هذا في الغالب أنه شرط كمال. الأمر الثاني: هل قول النبي ﷺ : (الأئمة من قريش)، من باب الأمر أو من باب الخبر؟ هذه مسألة لا تزال محل خلاف، فإن قول النبي ﷺ : (الأئمة من قريش)، قد يكون من باب الخبر؛ لأن أغلب الخلافة الكبرى التي قامت على مدى تاريخ الإسلام الطويل كانت في بني أمية وبني العباس، ثم إن الولايات التي قامت في تاريخ الإسلام أغلبها من قريش حتى افترقت الأمة الإسلامية وصارت دويلات متفرقة متمزقة، فمن هنا قد لا تتحقق القرشية في بعض البلاد فتكون الولاية فيمن تتوفر فيه شروط الولاية أو تتحقق له الإمامة ولو بالغلبة بمقتضى الأحاديث الأخرى. فعلى هذا فالظاهر أنه يمكن أن يحمل الحديث على أنه من باب الخبر، أو أنه من باب الأمر لكن من باب الأمر فيما إذا تمكن المسلمون، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وفيما إذا وجد القرشي الكفء الذي يختاره أهل الحل والعقد، ولا تحدث بسببه فتنة، وهي الصورة الثانية. هناك صورة ثالثة للخلافة: وهي فيما إذا كان الإمام أو الوالي غالباً على الناس، فتجب طاعته بصرف النظر عن كونه قرشياً أو غير قرشي، وقد حدث هذا في طيلة تاريخ التاريخ الإسلامي، بل حدثت دول كبرى في تاريخ الإسلام ليس الإمام فيها قرشياً، فلا يعني ذلك أنه يتحقق ذلك في كل الأزمان وكل الأمكنة بل ربما لا يتحقق.

стр. 53

حكم الخروج على الأئمة قال رحمه الله تعالى: [ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين فهو خارجي، وقد شق عصا المسلمين، وخالف الآثار، وميتته ميتة جاهلية]. وهذه أيضاً مسألة مهمة يجهلها كثير من الناس، فالمعروف عن أئمة السلف قديماً وحديثاً أنهم يطلقون كلمة الخوارج على الإطلاق الأول، وهي الفرقة المعروفة بالحرورية ومن جاء بعدها على منهجها، هذا الإطلاق الأول. الإطلاق الثاني: كان السلف بل والأحاديث أيضاً تشير إلى إطلاق كلمة (الخوارج) على كل من نازع ولاة المسلمين وخرج عن الطاعة، فيسمى خارجياً حتى لو لم يكن على مذهب الخوارج في الأصول الأخرى، ولذلك كان السلف يطلقون على جميع أهل البدع كالمعتزلة والشيعة خوارج؛ لأنهم لا يرون لأئمة المسلمين بيعة. فإذاً: الخوارج تطلق على الإطلاقين: الإطلاق الأول: الفرق التي تتمثل فيها أصول الخوارج وعقائد الخوارج والإطلاق الثاني: كل من خرج على أئمة المسلمين أو على إمام من أئمة المسلمين له بيعة، فهذا يسمى خارجياً حتى لو كان يظهر السنة.

стр. 54

تحريم الخروج على السلطان أو قتاله قال رحمه الله تعالى: [ولا يحل قتال السلطان والخروج عليه وإن جار، وذلك لقول رسول الله ﷺ لـ أبي ذر الغفاري ﵁: (اصبر وإن كان عبداً حبشياً)، وقوله للأنصار: (اصبروا حتى تلقوني على الحوض)، وليس في السنة قتال السلطان فإن فيه فساد الدين الدنيا]. وهذه قاعدة عظيمة وهو قوله: (ليس في السنة قتال السلطان)، والمستقرئ لأحاديث النبي ﷺ أولاً، ثم لمنهج السلف الذي استقر عليه الأمر بعد الفتن التي حصلت في آخر الخلافة الراشدة إلى وقت فتنة ابن الأشعث وما وقع بين هذين العهدين من فتن بعد ذلك كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من المحققين، استقر مذهب السلف على أنه ليس في السنة قتال السلطان وإن جار. والمقصود هنا السلطان المسلم؛ لأنه لا يتصور السلف أن يكون على المسلمين وال كافر، ولو حدث ذلك فلأهل الحل والعقد أن ينظروا في الأمر على قواعد الشرع. فلو ابتلي المسلمون بسلطان كافر فليس معنى ذلك أن كل إنسان يعلن الخروج، فإن هذا معلق بدرء المفاسد وجلب المصالح ودرأ الفتنة التي تؤدي إلى ما هو أعظم، لكن ليس للكافر على المسلم ولاية، لا على قلبه ولا على أعماله إلا فيما يحقق المصالح المشتركة بين الناس. الإنسان يحترم النظام حتى في ولاية الكافر؛ لأن احترام النظام إقامة لدين الناس ودنياهم، لكن ليس في قلب المسلم ولاء ولا اعتقاد بولاية الكافر أما السلطان المسلم حتى وإن كان ظالماً جائراً أو عنده شيء من الأثرة ونحو هذا فيجب ألا يقاتل. قد يقول قائل: حدثت صور من قتال الأمراء والسلاطين من بعض المسلمين. و الجواب أن هذه الصور قد قرر العلماء أنها زلات من أناس اجتهدوا ممن ينتسبون للسنة، ينتسبون بالسنة كما حدث من أهل الحرة، وكما حدث من الذين قاتلوا الحجاج، وكما حدث من فعل الشيعة مع الحسين واستنهاضهم له ضد الخلافة. كل هذه الصور تعتبر اجتهاداً من أناس خالفهم غيرهم مخالفة صريحة واضحة من أئمة الدين الذين هم أكبر وأعلم وأفقه، فغاية ما يقال فيها إنها اجتهادات خاطئة من أناس إما لم تبلغهم النصوص وهو الغالب، أو تأولوا، ويغفر الله لنا ولهم، وليس هذا هو المنهج، ولذلك ذكر شيح الإسلام ابن تيمية أنه بعد فتنة ابن الأشعث وخروجه على الحجاج وتورط بعض الفقهاء معه ندموا كلهم وأعلنوا أنهم كانوا مخطئين، مثل الشعبي وسعيد بن جبير. لكن نفترض أن هذا أمر حدث من هؤلاء الأئمة فأقول: إنه قد استقر عند السلف أنه خطأ، وأن الذين شاركوا فيه من أهل الفقه شاركوا عن تأول وأدركوا أنهم أخطئوا، ولعله من فضل الله ونعمته على أهل السنة أن أغلب الفقهاء الذين شاركوا في قتال الحجاج مع ابن الأشعث أعلن أنه كان مخطئاً في اجتهاده، فحسمت القضية على هذا الوجه.

стр. 55

شرط طاعة الولاة وقتال الخوارج قال رحمه الله تعالى: [ويحل قتال الخوارج إذا عرضوا للمسلمين في أموالهم وأنفسهم وأهليهم، وليس له إذا فارقوه أن يطلبهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يأخذ فيئهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يتبع مدبرهم. واعلم رحمك الله أنه لا طاعة لبشر في معصية الله ].

стр. 56

شرط طاعة الأئمة أن تكون في غير معصية هذا استدراك حسن، فبعد ذكر القواعد في لزوم الطاعة والصبر على الأثرة وعدم جواز الخروج والقتال ذكر الشرط الأساس للطاعة، وهو أن تكون في غير معصية، وإذا أمر الإنسان بمعصية فلا يعني ذلك أن يجوز له الخروج، غاية ما في الأمر أنه لا يطيع في المعصية إنما يطيع بالمعروف. وهذه مسألة ربما يقف عندها بعض الناس من غير تبصر، وهي أن هناك أشياء قد يأمر بها الوالي المسلم فتكون معصية عند المأمور، لكن هي محل خلاف عند الآخرين، فهذه القضية يرجع فيها إلى أهل العلم، لأنك قد تؤمر بأمر تظن أنه معصية فتعصي الوالي فيترتب على هذا فتنة، في حين أن هذا الأمر قد يكون جائزاً عند آخرين من أهل العلم، فيجب في مثل هذه القضايا أن يرجع إلى أهل العلم ولا يجتهد فيها الفرد برأيه. أما المعاصي المجمع عليها كما لو قال لك: اسرق أو كل الربا، فلا يجوز أن يطاع الوالي في معصية الله ، هذا أمر.

стр. 57

شرط قتال الخوارج أن يعرضوا للمسلمين الأمر الآخر في قوله: (ويحل قتال الخوارج إذا عرضوا للمسلمين) هذا يعني قتال كل من رفع السيف على السلطان أو رفع السيف على الأمة، حتى قطاع الطريق يسمون خوارج وإن لم يكونوا على مذهب الخوارج، فمن رفع السيف على الأمة المسلمة أو على البلد المسلم وإمامه فهو خارجي يجب قتاله وإن كان مسلماً. وأيضاً إذا قوتل لا يعامل معاملة الكفار، فلا يطلب إذا هرب، ولا يقتل إذا استسلم، ولا يجهز على الجريح إلى آخر الأحكام المعروفة، والله أعلم.

стр. 58

شرح السنة [٤] أهل السنة والجماعة متبعون للكتاب والسنة في جميع أمورهم، ومن ذلك أنهم لا يشهدون لأحد بجنة ولا نار، ولكنهم يرجون للمحسن ويخافون على المسيء، ويعتقدون أنه ما من ذنب إلا وللعبد منه توبة، ويقيمون الحدود ومنها الرجم، ويمسحون على الخفين، ويقصرون ويفطرون في السفر، ويصلون على من مات من أهل القبلة وإن كان عاصياً، ولا يخرجون أحداً من أهل القبلة من الإسلام إلا إذا ارتكب ما يخرجه منه.

стр. 59

عدم القطع بالجنة أو النار لأحد قال أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [ومن كان من أهل الإسلام فلا تشهد له بعمل خير ولا شر، فإنك لا تدري بما يختم له عند الموت، ترجو له رحمة الله، وتخاف عليه ذنوبه، ولا تدري ما سبق له عند الموت إلى الله من الندم، وما أحدث الله في ذلك الوقت إذا مات على الإسلام، ترجو له رحمة الله وتخاف عليه ذنوبه]. هذه القاعدة معروفة، وهي أن من كان مسلماً من أهل القبلة فلا نجزم له أنه من أهل الخير؛ فكلمة (لا نشهد) هنا لا يقصد بها مجرد الشهادة الظاهرة، لأن الشهادة الظاهرة مطلوبة، لكنه يقصد الجزم بما في القلب أو الجزم بالمصير بعد الموت؛ لأن الشهادة للحي تختلف عن الشهادة للميت. الشهادة للحي شهادة عامة على ظواهر أعماله، فلك أن تشهد للإنسان بظاهر عمله لكن لا تشهد بما في قلبه؛ لأنه لا يعلم ما في القلوب إلا علام الغيوب سبحانه. إذاً: لابد من تفصيل: فالمسلم الذي تظهر عليه شعائر الإسلام وتظهر عليه الأعمال الصالحة نشهد له بالخير، وإن ظهر منه خلاف ذلك كذلك نشهد له بما يظهر منه من الخير ونشهد عليه بما ظهر عليه من خلاف ذلك من المعاصي والفسوق وهذا يتعلق بالشهادة وبالولاء وبالحب والبغض. فإذاً: المسلم الذي يظهر شعائر الدين نشهد له بالخير شهادة عامة من غير جزم، ونشهد على الظاهر لا على القلب، ومن هنا نحب فيه هذه الأمور ونحبه في الله ونواليه بقدر ما فيه من الخير، والعكس إذا ظهر منه ما يخالف ذلك، فنشهد بما ظهر لنا لكن لا نجزم بما في قلبه، وأيضاً إذا ظهر لنا شيء من الفسوق والعصيان نكره منه ذلك، وله من الولاء بقدر ما فيه من الخير، ومن البراء بقدر ما عليه من المخالفة. أما بعد الموت فإننا أيضاً نشهد للإنسان شهادة عامة ولا نجزم بمصيره، كما أننا لم نجزم في الدنيا بما في قلبه لكن نرجو للمحسن الخير والجنة، ونخاف على المسيء وهذه قاعدة: ينبغي أن تكون واضحة؛ لأنها مهمة عند التطبيق وعند التعامل مع المسلمين.

стр. 60

كل ذنب وله توبة قال رحمه الله تعالى: [وما من ذنب إلا وللعبد منه توبة]. حتى الشرك إذا تاب صاحبه ودخل الإسلام تاب الله عليه، فباب التوبة مفتوح لجميع البشر إلى قيام الساعة ولكل إنسان حتى تغرغر هذه الروح، أي: حتى يصل إلى الحالة التي يكون فيها قد انقطع من الدنيا، فعند ذلك لا ينفعه إيمانه وتوبته؛ لأنه لا فضل له في التوبة بعد معاينة الحقيقة كما فعل فرعون عندما رأى الموت! ومن كتب الله عليه الشقاء والضلالة فلا شك أنه لا يوفق للتوبة لكن لا ندري من هو بعينه، فأعتى الناس وأبعدهم عن الله ربما يوفقه الله للتوبة فيتوب، والعكس صحيح. وكذلك مما عرف من قواعد الشرع أن صاحب الهوى إذا أصر على هواه بعد قيام الحجة فالغالب أنه لا يوفق في التوبة، ومن هنا كاد السلف أن يتفقوا على أن صاحب البدعة لا يوفق للتوبة، وهم لا يقصدون صاحب الزلة أو الجاهل أو المتأول، فهذا قد يوفقه الله ويتوب عليه، لكنهم يقصدون بصاحب البدعة المصر على بدعته بعد إقامة الحجة وظهور الدليل. ومصداق ذلك أن كثيراً ممن عرفوا بالعناد بعد إقامة الحجة لا نعرف أنهم تابوا، هذا أمر. الأمر الآخر: أنهم حتى لو رجعوا عن هذا الباطل وهم أصحاب هوى فإنهم لا يوفقون للسنة، إنما ينتقلون من باطل إلى باطل، ومن بدعة إلى بدعة، يتقلبون في الهوى -نسأل الله العافية- لأن الله كتب عليهم الضلالة ولأنهم لم يريدوا الحق، ولو أرادوه لوفقوا إليه.

стр. 61

الرجم والمسح على الخفين قال رحمه الله تعالى: [والرجم حق والمسح على الخفين سنة]. ذكر الرجم إشارة إلى جميع الحدود التي تقررت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكأن الشيخ أشار إليه لأنه من الحدود النادرة الوقوع، ولأن نفوس بعض الناس تنفر منه، وتكلم أهل الأهواء في الرجم وجحده الخوارج، وسخر منه الفلاسفة كما سخروا من شرائع الأنبياء. كذلك ذكر المسح على الخفين إشارة إلى الأحكام التي علمت بالقواطع الشرعية أو بالنصوص القطعية ثم أنكرها، من أنكرها فكل حكم من الأحكام الشرعية وإن لم يدخل في العقيدة، كل حكم من الأحكام الشرعية تواترت به النصوص أو أجمع عليه السلف أو كان دليله صحيحاً ولو لم يتواتر فإن جحده يعتبر من مخالفة العقيدة، فلذلك ذكر السلف المسح على الخفين، وقد خالفت فيه الرافضة، كما خالفت في تجويز مسح الرجل بدل الغسل، فردوا السنة وعملوا بعكسها في مقام واحد، وهذا دليل انتكاس عندهم في العقول والأصول، ففي الوقت الذي أنكروا فيه المسح على الخفين أجازوا المسح بدون خفين. وهناك طوائف من الخوارج وطوائف من الجهمية وغيرهم أنكروا المسح على الخفين.

стр. 62

الصلاة في السراويل قال رحمه الله تعالى: [وتقصير الصلاة في السفر سنة، والصوم في السفر من شاء صام ومن شاء أفطر، ولا بأس بالصلاة في سراويل]. يشترط في السراويل أن تكون ساترة وأن تكون واسعة وألا يكون فيها تشبه، وينطبق هذا الحكم على الألبسة الحديثة كالبنطلونات، فالبنطلون هو نوع من السراويل لكنه ضيق، ولذلك إذا كان واسعاً فلا حرج فيه، أما إذا لم يكن واسعاً فلا تنبغي الصلاة فيه.

стр. 63

الأصل أن الدنيا دار إيمان وإسلام قال رحمه الله تعالى: [والنفاق أن يظهر الإسلام ويخفي الكفر، واعلم بأن الدنيا دار إيمان وإسلام]. الأصل في الدنيا أنها دار إيمان وإسلام، لكن مع ذلك قد تنقلب الدار إلى دار كفر إذا غلب عليها الكفار وصار غير الإسلام هو المهيمن فيها، لكن الأصل في أرض الله الواسعة أنها دار إسلام؛ لأن الله أنزل البشر فيها ليعبدوه سبحانه، وسخرها لهم ليستغلوها ويستثمروها في عبادته، فالكفر والشرك طارئ على الأرض. قال رحمه الله تعالى: [وأمة محمد ﷺ فيها مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم وذبائحهم والصلاة عليهم، ولا نشهد لأحد بحقيقة الإيمان حتى يأتي بجميع شرائع الإسلام، فإن قصر في شيء من ذلك كان ناقص الإيمان حتى يتوب، واعلم أن إيمانه إلى الله تعالى تام الإيمان أو ناقص الإيمان إلا ما أظهر لك من تضييع شرائع الإسلام]. لا نشهد لأحد بكمال الإيمان حتى نرى منه أنه وفى بجميع شرائع الإسلام فيما يظهر لنا، ومع ذلك فإن الكمال المطلق مما لا يعلمه إلا الله ، إلا إذا ثبت لشخص بدليل كما ثبت للنبي ﷺ ، وكما ثبت لجبريل، وكما ثبت للنبيين والذين أثنى الله عليهم ثناء مطلقاً؛ لأن الله وفقهم وكملهم أما من عداهم فيشهد له بالكمال دون الجزم، فالموفي بما أمر الله والعامل بسنة النبي ﷺ إيمانه كامل فيما يظهر لنا لكن لا نجزم بذلك، ومن قصر في شيء من أعمال الإسلام نقص إيمانه بقدر تقصيره. إذاً فالإيمان يزيد وينقص ولا يزول، ولا يزول عن المسلم مسمى الإيمان ما لم يرتد.

стр. 64

الصلاة على من مات من أهل القبلة قال رحمه الله تعالى: [والصلاة على من مات من أهل القبلة سنة، والمرجوم والزاني والزانية والذي يقتل نفسه وغيره من أهل القبلة والسكران وغيره الصلاة عليهم سنة]. إذاً: فأهل الكبائر من المسلمين يبقون على الأصل في حقوقهم حتى أهل البدع الذين بدعهم غير شركية هم من أهل الكبائر، فهم مثل المرجوم والزاني والذي يقتل نفسه، لهم حقوق المسلمين من حيث الصلاة والتوارث والدفن والدعاء لهم؛ لكن قد يحدث أحياناً أن يعمل من له إمامة في الدين على هجر المسلم في حياته أو ترك بعض حقوقه بعد مماته، كأن لا يصلي عليه أو لا يحضر جنازته من باب الردع وإنكار المنكر والبيان للناس، لكن لا يعني أنه يمنع الناس من الصلاة عليه، بل ينبغي أن يأمر الناس أن يصلوا عليه وأن يدفنوه وأن يقيموا شعائر الدين في حقه. إذاً: فهذا الهجر الذي يحدث من بعض الأئمة ومن لهم اعتبارهم من أجل بيان عظم المعصية التي كان عليها الشخص والردع عنها والتغليظ فيها وتنبيه الناس إلى أنها منكر، وهذا من أساليب تفهيم الناس وردعهم، وهي من أساليب الهجر أيضاً، فالهجر يكون في الحياة ويكون بعد الممات، فقد يهجر بهجر جنازته أو نحو ذلك؛ لكن لا يكون هذا من عامي أو من طالب علم لا يطاع أو ليس له اعتبار، فإن هذا يحدث الفتنة.

стр. 65

حكم إخراج شخص من أهل القبلة من الإسلام قال رحمه الله تعالى: [ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله أو يرد شيئاً من آثار رسول الله ﷺ ، أو يذبح لغير الله أو يصلي لغير الله، وإذا فعل شيئاً من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام، وإذا لم يفعل شيئاً من ذلك فهو مؤمن مسلم بالاسم لا بالحقيقة]. هذه الفقرة مهمة، فقوله: (ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله ، يعني: يرد آية أو مقتضى آية؛ لأن الآية لها حقيقة ولها تفسير، فمن أنكر نص آية حتى لو لم ينكر معانيها فهو كافر؛ وأيضاً إذا أنكر معانيها المعلومة بالضرورة وما يترتب عليها من عقائد وأحكام فقد أنكر الآية وإن لم ينكر لفظها. إذاً: هذا الإنكار يشمل إنكار لفظ الآية وإنكار المعنى المقطوع به، فكل من أنكر شيئاً من ضرورات الدين ومن أصول الدين القطعية فإنه يخرج من مسمى المسلمين ومن أهل القبلة. ثم ذكر الذبح والصلاة لغير الله ، والذبح لغير الله لم يكن معروفاً قبل عصر المؤلف لكنه وجد في عصره من غلاة ومبتدعة الصوفية والرافضة والباطنية، ففي آخر القرن الثالث وأول القرن الرابع بدأت البدع المغلظة تظهر على أيدي غلاة المتصوفة والمبتدعة والرافضة والباطنية، فوجد الذبح لغير الله، فلذلك ذكر هذا النموذج، مع أننا لو قرأنا كتب السلف في القرن الأول وأول القرن الثاني لم نجد الكلام في هذه الأمور؛ لأنها لا يمارسها الناس. وهذا فيه إشارة مهمة إلى منهج ضروري من مناهج الدين، وهو أنه بقدر ما تشيع البدع يجب الكلام عنه، وهذا فيه رد على بعض الذين يضيقون على طلاب العلم والدعاة وغيرهم إذا تحدثوا عن بعض الظواهر المعاصرة، فيقولون: هذا لم يتحدث عنه السلف، ونحن نجزم أن كثيراً من الظواهر المعاصرة في البدع والمعاصي والفسوق والفجور والكبائر والشركيات التي استجدت لو وجدت في عهد السلف لتكلموا عنها، وهذا من ضرورات بيان الدين وحماية الأمة. وإذا لم يفعل شيئاً من ذلك فهو مؤمن مسلم يعني: وإن ابتدع بدعة غير مغلظة أو غير شركية أو غير كفرية، وإن ارتكب المعاصي والآثام فهو مؤمن مسلم بالاسم لا بالحقيقة يعني: نشهد له ظاهراً، أما الحقيقة الغيبية فمما لا يعلمه إلا الله .

стр. 66

شرح السنة [٥] يجب على المؤمن أن يثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله ﷺ في سنته من صفات وأفعال، ولا يرد شيئاً من ذلك أو يفسره بهواه، ولا يجوز له أن يتفكر في الله أو في صفاته بما لم يرد به الدليل؛ فإن الله تعالى أعظم وأكبر وأجل من كل ما يتخيله المتخيلون سبحانه جل في علاه.

стр. 67

الإثبات والنفي فيما يتعلق بصفات الله وأفعاله قال أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [وكل ما سمعت من الآثار مما لم يبلغه عقلك نحو قول رسول الله ﷺ : (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن ، وقوله: (إن الله ﵎ ينزل إلى السماء الدنيا) و (ينزل يوم عرفة) و (ينزل يوم القيامة) و (جهنم لا يزال يطرح فيها حتى يضع عليها قدمه جل ثناؤه)، وقول الله تعالى للعبد: (إن مشيت إلي هرولت إليك)، وقوله: (إن الله ﵎ ينزل يوم عرفة)، وقوله: (خلق الله آدم على صورته)، وقول النبي ﷺ : (رأيت ربي في أحسن صورة). وأشباه هذه الأحاديث، فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض لا تفسر شيئاً من هذه بهواك، فإن الإيمان بهذا واجب، فمن فسر شيئاً من هذا بهواه أو رده فهو جهمي].

стр. 68

قواعد في الأسماء والصفات هذه الفقرة تتعلق بقاعدة الإثبات والنفي فيما يتعلق بالله في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهذه القاعدة أشار الشيخ إلى شيء منها ثم ضرب لها أمثلة، ومن خلال كلامه أشار إلى بعض المناهج والقواعد عند السلف تجاه هذه الأمور الغيبية، ويمكن أن نلخص القواعد في هذا قبل أن نستعرض هذه الأمثلة التي ذكرها. أولاً: أن كل ما جاء في القرآن أو ثبت عن النبي ﷺ من الأخبار عن الله تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، يجب أن يسلم به المسلم، ويثبت لله على الحقيقة كما يليق بجلال الله سبحانه. ثانياً: لابد من التصديق والتسليم لهذه الأخبار؛ لأنها أخبار غيب ولأنها جاءت عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، ولأنها جاءت بلسان عربي مبين، ولأننا خوطبنا بها ولا يمكن أن نخاطب بها إلا إذا كانت معانيها وحقائقها تحت مدارك البشر. ثالثاً: لابد من الجزم بنفي المماثلة، أي عندما نثبت هذه الأمور لله في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله فإننا نعتقد أن الله ليس كمثله شيء، وأن المعنى معلوم لكن الكيفية غير معلومة، ولاشك أن هذه الأسماء والصفات والأفعال تشتمل على معاني الكمال لله ، والكمال يلزم منه نفي المماثلة ونفي توهم ما يرد في الخاطر أو ما يرد في القلب من تصور وتوهمات. رابعاً: هذه الأمور كلها وغيرها مما ثبت عن الله تعالى فإن الله خاطبنا به؛ لأننا نعرف حقيقته على المعنى الذي يليق بالله من وجه، وهو أنه حق وأن له معاني حقيقية، وأن هذه المعاني مدركة في الجملة، ولا نعرفه من وجه وهو الكيفيات، وهذا مما لم نطالب به أصلاً في مجرد التصور، فضلاً عن البحث والتنقيب والسؤال والشك والجدل والمراء والتقرير، فكل ذلك محرم علينا، بل من كبائر الذنوب أن نخوض فيما لا يدخل في مداركنا من كيفيات الأمور الغيبية، وأعلاها وأجلها ما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وقد ورد النهي الشديد عن الخوض في هذه الأمور.

стр. 69

إثبات الأصبع لله تعالى والشيخ ضرب لهذه الأمور أمثلة منها ما يتعلق بالأفعال، ومنها ما يتعلق بالصفات الذاتية، ومنها ما يجمع بين هذا وذاك، ومنها ما يمكن أن يسمى صفات ومنها ما يمكن أن يكون من باب الأخبار عن الله ، والقاعدة في الأخبار كالقاعدة في الأسماء والصفات والأفعال لا فرق. والمثال الأول قوله: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن)، هذا ثبت به الحديث عن النبي ﷺ ، ولابد أن نؤمن به على الحقيقة، لأننا خوطبنا به وأمرنا بأن نتدبره وأن نثبت الكمال لله وأن لا نخوض في أكثر مما ورد؛ لأن الخوض في أكثر مما ورد محاولة للاطلاع على الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله ، ولأنه إساءة أدب مع الله، لكن نؤمن به كما جاء وأنه على حقيقته على ما يليق بجلال الله، فإثبات الأصبعين والأصبع لله ثابت لكن مع نفي الكيفية قطعاً؛ لأن الله ليس كمثله شيء.

стр. 70

إثبات النزول لله تعالى وكذلك قول النبي ﷺ : (إن الله ﵎ ينزل إلى سماء الدنيا)، هذا حق، والنزول لله سبحانه نزول حقيقي؛ لأن الله لا يخبرنا إلا بالحق ولا يتكلم عن نفسه ولا عن غيره إلا بالحق، فيلزم إثبات ذلك على معناه اللائق بجلال الله، والنزول يستلزم الكمال لله ولا يستلزم معاني النقص، فإذا كان للنزول لوازم تشعر بالنقص فهي منفية قطعاً، ولا يجوز العدول عن إثبات صفة النزول لمجرد وجود لوازم؛ لأن اللوازم إنما هي مأخوذة من واقع تصورات البشر، وهي لا تحكم في صفات الله في شيء. والتكلم في لوازم صفة النزول التي يرى أهل التأويل أنها لوازم باطلة مثل قولهم يلزم من النزول الحركة، نقول: كلمة الحركة كلمة مجملة تشتمل على معنى حق يثبت به الكمال، وعلى معنى باطل لا يليق بالله . ثم يقولون: يلزم من النزول إخلاء مكان وشغور مكان آخر، أقول: إذا كان هذا يلزم في حق المخلوق فلأن المخلوق محدود محكوم ناقص والله منزه عن هذه الأمور، فاللوازم التي قلتم بها وأولتم النزول لوازم باطلة. قد يقولون: إننا نفهم من السياق أن الله ينزل الرحمة، نقول: نعم، من لوازم نزول الله الرحمة بالعباد، لكن لا يعني قصر الصفة على لازمها، فإنا نعرف أن كثيراً من الصفات لها لوازم إيجابية وهي كمال وأنها تثبت لله من الكمالات؛ لكن لا يعدل إليها عن إثبات الصفة، فالصفة تثبت لله كما جاءت في القرآن وكما ثبتت عن الرسول ﷺ ، وأن التشبيه والتمثيل منفي، وأن هذه الصفات تشتمل على معان صحيحة نثبتها، لكنا لا نحمل الصفة على بعض معانيها وبعض لوازمها. وكذلك قوله: (ينزل يوم عرفة) و (ينزل يوم القيامة) و (جهنم لا يزال يطرح فيها حتى يضع عليها قدمه) هذا فيه إثبات القدم لله على ما يليق بجلاله من غير معرفة للكيفية ولا تحكم بها.

стр. 71

معنى الهرولة وقول الله للعبد: (إن مشيت إلي هرولت إليك)، الهرولة هنا غير مفسرة بالمعروف عند البشر، وقد اختلف أهل العلم هل الهرولة تثبت لله على أنها فعل أو صفة أو مجرد خبر؟ هذه مسألة خلافية بين أهل العلم، لكن هذا النص يثبت لله على ما يليق بجلاله والله أعلم بمراده به؛ لكن يختلف هذا النص وأمثاله من النصوص التي جاءت على سبيل المشاكلة والمجازاة عن النصوص الأخرى، فإنها مربوطة بأفعال البشر، فالله ذكر عن العبد أنه إن مشى إليه مشى إليه، فقرن فعل الله بفعل العبد، فإذا اقترن فعل الله بفعل العبد فهمت منه المجازاة، وهذا يشمل الهرولة ويشمل الاستهزاء والمكر، فهي من باب الأخبار. فإثبات الهرولة لله قد يكون من باب الصفة، وهي على ما يليق بجلال الله كما أثبتنا الأصبع وأثبتنا النزول على ما يليق بجلال الله، والهرولة المفهومة عند المخلوق ليست مثبتة لله بل تثبت لله على وجه الكمال، هذا إن قلنا صفة، وإن قلنا إنه مجرد فعل من الأفعال فكذلك. أفعال الله لا حصر لها وتحمل على وجه الكمال مع الابتعاد عن تشبيهها بأفعال المخلوقين وكذلك إن كانت لمجرد الخبر فهي حق على ما يليق بجلال الله. المهم أن الهرولة ليست محل اتفاق في إثباتها كصفة، إنما تثبت كخبر عن فعل من أفعال الله . وقوله: (إن الله ينزل يوم عرفة)، مكرر.

стр. 72

إثبات الصورة (وخلق الله آدم على صورته) أي: صورة الرحمن، وهذا هو قول جمهور السلف وإن شذ عنهم بعض الأئمة لاشتباه عندهم، وإلا فالضمير في قوله: (على صورته) يرجع إلى الله في الراجح، وهذا أمر غير مفسر الكيفية لكن معناه المجمل مفهوم عند عامة المخاطبين بأن الله له الكمال المطلق في ذاته وأسمائه وأفعاله، والله جعل عند المخلوق شيئاً من الكمالات المحدودة التي لا توصله إلى القداسة والكمال المطلق؛ لكنها كمالات محدودة وصفات حميدة. كذلك الصورة ثبتت لله بنصوص أخرى، وهي كسائر الصفات ليس هناك ما يبرر التكلف في تأويلها أو نفيها، فهي كسائر الأخبار عن الله وكسائر الصفات، كقوله ﷺ : (رأيت ربي في أحسن صورة). قال: (فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض). ولا يقصد التفويض بمعنى عدم إثبات الحقيقة، أو الهروب من الإثبات، ولا يقصد بالتفويض أيضاً اعتقاد أن ليس لها معنى أو أن معناها غير مفهوم عند المخاطبين أو نحو ذلك، إنما يقصد بالتفويض تفويض الكيفية، يعني: أن ما نعلمه بإجمال نثبته، وما لا ندركه ولا نعلمه من الكيفيات نفوضه إلى الله ؛ لأننا ما أمرنا بالكلام فيه، بل نهينا. والتفويض من الكلمات الحساسة التي ينبغي لطالب العلم أن يتفادى إطلاقها، وليست من الأمور الضرورية في تقرير العقيدة وإن أطلقها بعض السلف كما أطلقها الشيخ هنا، فإنما أطلقها على معنى صحيح لكنه غير شائع وغير مستعمل ويؤدي إلى حرج في إطلاق الصفات، فليس في الصفات ما يفوض على المعنى المفهوم عند المفوضة، إنما تفوض للكيفية؛ إطلاقها في الأمور الغيبية إلا مفسرة، بمعنى أن نقول: إن المفوض هو ما لا نعلمه وما لم نخاطب به، أما ما خوطبنا به فلا نفوضه وهو المعاني والحقائق. وكذلك الحقائق تنقسم إلى قسمين حقائق بمعنى المعاني، هذه معلومة وحقائق بمعنى الكيفيات لا نفسر شيئاً منها بالرأي، بل إن تفسير هذه الأمور بالرأي يعتبر من كبائر الذنوب ومن البدع المغلظة، فإن الإيمان بها واجب، فمن فسر شيئاً منها بهواه أو رده فهو جهمي؛ لأن هذا هو منهج الجهمية الأوائل كانوا يردون النصوص ولا يبالون، فلما رأوا أن هذا المنهج فيه نوع مغالطة وأنه يصادم عقائد المسلمين وصار ينفر منه حتى العوام، سلكوا مسلكاً آخر وهو مسلك التأويل، وهو التفسير بالهوى.

стр. 73

النهي عن التفكر في الله قال رحمه الله تعالى: [ومن زعم أنه يرى ربه في دار الدنيا فهو كافر بالله . والفكرة في الله ﵎ بدعة لقول رسول الله ﷺ : (تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الله، فإن الفكرة في الرب تقدح الشك في القلب)]. المقصود بالفكرة هو أن يسرح الإنسان بفكره وخيالاته إلى التفكر في كيفيات الغيب، والفكرة في الله هي التفكر أو إعمال الذهن والعقل والقلب في التفكير في كيفيات ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فإن هذا هو منهج المتكلمين والفلاسفة بمعناهم الاصطلاحي البحت أو الخاص، لا بالمعنى المتوسع فيه الآن. الفلاسفة الذين يتكلمون في الإلهيات بآرائهم هم خصوم الأنبياء في كل عصر، ومنهجهم يقوم على التفكر في ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله بما لم يرد في النصوص؛ لأن التفكر قد يقصد به معنى سليم، وهو أن يتفكر الإنسان في حقوق الله ، وفي أسمائه وصفاته وإثبات الحقائق لله سبحانه، فهذا أمر مطلوب، ولا يتم فهم خطاب الله وكلامه وخبره إلا بهذا التفكر. لكن تفكر بما لا يتجاوز حدود العقل، وبما لا يتجاوز معاني النصوص المجملة التي تحت مدارك البشر، أما ما تجاوز مدارك البشر فهو ممنوع؛ لأنه خوض فيما لا يعلمه الناس، فمثلاً: إعمال الفكر في إثبات ما لم يثبت لله الصفات التي ليس فيها كمال لاشك أنه من التفكر، ومن التفكر إمعان الفكر في محاولة التطلع إلى الكيفيات. فالفكرة في الله -أي: التفكر في كيفية ذاته وأسمائه وصفاته- بدعة إلا ما يخطر على الإنسان رغماً عنه، فإن الخاطر إذا طرده الإنسان وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم زال عنه، لكن القصد اتخاذ التفكر في ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله منهجاً، وكذلك أمور الغيب الأخرى. أما منهج الفلاسفة والمتكلمين فيقوم على تقرير العقيدة على هذا الأساس، فهم يسرحون في الخيالات والأوهام ثم يقررون أوهامهم وخيالاتهم، ثم يجعلونها قواعد عقلية، فإذا جاء في القرآن ما يعارضها ردوا القرآن أو أولوه وإذا صح في السنة ما يعارض هذه الأمور ردوه أو أولوه. قوله: (لقول رسول الله ﷺ : (تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الله)) الحديث فيما أعلم ضعيف، لكن ربما يرقى بمجموع طرقه إلى درجة الحسن، وبعض أهل الحديث صححوا الحديث.

стр. 74

سائر المخلوقات مأمورة مسيرة بما قدره الله لها قال رحمه الله تعالى: [واعلم أن الهوام والسباع والدواب نحو الذر والنمل والذباب كلها مأمورة، لا يعلمون شيئاً إلا بإذن الله ﵎]. قصده بذلك أن هذه المخلوقات مسيرة بما قدره الله لها، فالله خلقها وجعل فيها الغرائز وجعل فيها الحركة وأنها ليس لها استقلال عن تدبير الله ، وعما جعله الله في هذا الكون من السنن التي تسير فيها الحياة، فهي سائرة على سنن الله وبأقدار الله فلا تسير نفسها ولا يسيرها أحد من الخلق وحركاتها كلها مبنية على تقدير الله لها وعلى ما جعله الله لها من السنن التي بها تتحرك وتعيش وتحيا وتموت كسائر المخلوقات، وهذه أمثلة لمجموع الخلق كله فإنه تحت تدبير الله وتحت ربوبية الله وتصريفه: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ:٣] سبحانه.

стр. 75

إدخال السلف لبعض المسائل الفقهية ضمن كتب العقائد قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الله ﵎ قد علم ما كان من أول الدهر وما لم يكن وما هو كائن، أحصاه الله وعده عداً، ومن قال إنه لا يعلم إلا ما كان وما هو كائن فقد كفر بالله العظيم. ولا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وصداق قل أو كثر، ومن لم يكن لها ولي فالسلطان ولي من لا ولي له، وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً فقد حرمت عليه ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. ولا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا اله إلا الله ويشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا بإحدى ثلاث: زان بعد إحصان، أو مرتد بعد إيمان، أو قتل نفس مؤمنة بغير حق فيقتل به، وما سوى ذلك فدم المسلم على المسلم حرام أبداً حتى تقوم الساعة]. أدرج الشيخ هنا بعض الأحكام الفقهية كعادة السلف في الأمور التي يكون عند بعض الفرق المعاصرة لهم شيء من الخلاف والخروج عن مقتضى السنة، وكلما خرج الناس بأمر يكون فيه مخالفة صريحة للسنة نوه السلف عن الحق فيه وبينوا القاعدة فيه، كما تقدم في الدرس السابق أن السلف أدخلوا المسح على الخفين ووجوب غسل الرجلين. في باب العقائد مع أنها في باب الأحكام، لأن هناك من خالف فيها وهي من الأحكام الظاهرة المعلومة، فهي إما أن تكون قطعية متواترة أو مجمعاً عليها، أو تكون من السنن الظاهرة أو الرأي الراجح، أو يكون المخالف فيها لم يقصد مجرد المخالفة إنما قصد الحكم تديناً، بمعنى أنه يبدّع غيره فقد تشتهر المخالفة في مثل هذه الأمور عند بعض الفرق وإن كانت من باب الأحكام، لكنها لم تجعلها خلافية، بل جعلتها من الحق الذي لا يمكن أن يُسمح فيه بالاجتهاد، ويبدّع من خالفها ويوالى ويعادى عليها، فمن هنا يذكر السلف مثل هذه الأمور من باب أنها من الأمور التي تقررت على هذا الوجه عند جمهور السلف أو عند أكثرهم، أو تكون هي الراجح أو نحو ذلك.
следующие страницы →