Полный текст (315 стр.). Показаны 281–315 · переход к 286.
стр. 281
سبب التحذير من المبتدع أشد منه من العاصي الفاجر
هذا الكلام في أصله صحيح، لكن في تفصيلاته مبالغة، وربما قصد الشيخ معنى آخر فخانته العبارة فهو بشر، وكان الصواب أن يقول: إذا رأيت الرجل من أهل السنة فاحمد له ذلك، وإن كان واقعاً في المعاصي والفجور فاكره فيه معاصيه وفجوره وتجنبه للمعصية وللفجور، لكن لا تتبرأ منه كتبرئك من صاحب البدعة، فإن صاحب البدعة انطوى على البدعة، أما هذا العاصي فإنه يرجى له التوبة والمعصية، وهو أقل خطراً على الإنسان في دينه وعقيدته من البدعة! ومن هنا يكون التعامل مع صاحب البدعة أكثر حذراً وأشد ذنباً من التعامل مع صاحب الذنب والمعصية؛ لأن صاحب الذنب والمعصية إذا لم تظهر منه بدعة فالأصل بقاؤه على السنة والعقيدة السليمة، لكنه غالباً يدري أنه على معصية فيرجى له يوماً أن يتوب.
ثم إن أثر المعصية في انتقالها إلى الشخص الآخر أخف وأقل احتمالاً من أثر البدعة، لأن البدعة فيها تلبيس وتدخل على الإنسان من حيث لا يشعر، وفاعلها يفعلها وهو يظن أنه على حق، أما الفاجر الفاسق فإن فجوره ظاهر ينفر منه الطبع والعقل السليم وينهى عنه الشرع، وكل إنسان مهما كان ينبذ الفجور، فلذلك تكون عنده حصانة ذاتية من الفجور؛ لأنه ممقوت بالطبع عند أهله وعند الناس.
وتستطيع أن تميز بوضوح خطأ الفجور والفسق، لكن لا تميّز خطأ البدعة، فمن هنا كانت مصاحبة صاحب البدعة لا تجوز؛ لأنه ربما يحسنها لك حتى تظن أنها الحق والسنة، ومصاحبة صاحب الفجور إثم رغم أن فجوره واضح لكن ليس كإثم مصاحبة صاحب البدعة لهذه الاعتبارات
стр. 282
معنى قول المؤلف في الفاجر: (فاصحبه واجلس معه)
إذاً ليست مصاحبة صاحب الفجور من الأمور المطلوبة، وقوله: (فاصحبه) بمعنى: أن الفجور لا يمنع من أن تصاحبه عند الحاجة في سفر أو حج أو نحو ذلك لعلك تستصلحه، بخلاف صاحب البدعة.
فلعله قصد بالصحبة الصحبة عند الضرورة أو الحاجة التي تقتضي ذلك.
والجلوس معه أيضاً في غير فسقه، أي في غير مجال الفسق، كأن تصاحبه في الطريق إلى المسجد، أو تصاحبه في الوليمة، أو في الزيارة الشرعية، أو في جنازة، أو تتحدث معه في الأمور العامة وفيما يصلح حاله، وتجيب دعوته وهو في غير حال فجور وتدعوه هذه من الأمور التي تشرع لا سيما مع حسن النية والنصح، أما صاحب البدعة فهذه الأمور تتجنبها إطلاقاً.
فمن هنا لعل الفرق هو الذي جعل الشيخ يقول هذا الكلام، أما مصاحبة صاحب الفجور مصاحبة منادمة ورضا، ومصاحبة محبة لما هو عليه، بمعنى أن تعطيه نفسك في الصداقة والولاء والمودة فهذا غير صحيح، بل يجتمع فيه الولاء والبراء، فتبرأ من فسقه وفجوره، ومن مجالسته حالة فسقه وفجوره، وتواليه بما فيه من الخير وبقاء الفطرة وتناصحه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوى فقال: يا بني من أين جئت؟ قال: من عند فلان، قال: يا بني لأن أراك خرجت من بيت خنثى أحب إلي من أن أراك تخرج من بيت فلان وفلان؛ ولأن تلقى الله يا بني زانياً فاسقاً سارقاً خائناً أحب إلي من أن تلقاه بقول فلان وفلان.
ألا ترى أن يونس بن عبيد قد علم أن الخنثى لا يضل ابنه عن دينه، وأن صاحب البدعة يضله حتى يكفره].
قصد الشيخ أيضاً ما ذكرنا في السابق فليس القصد من كلامه أن تصاحب الخائن والفاسق والزاني وتجلس معه في بيته وتنادمه وتجالسه، لكن يقول: إذا خير الإنسان بين مفسدتين في المصاحبة والمجالسة، فكونه يصاحب العاصي الذي يرجى له التوبة ومعصيته ظاهرة وخطره أقل على الدين، أسهل من الوقوع في مصاحبة صاحب البدعة.
فهذه المقارنة كسابقتها.
وقوله: (خرجت من بيت خنثى)، يقصد البيوت المشبوهة، وإن كان الخنثى له مفهومان: مفهوم يقصد به من لديه آلة الذكر والأنثى، وقد يقصد به أيضاً من عنده شيء من الفساد الخلقي، وقد يقع فيه كثيراً هذا الصنف من الناس، فالمقصود المشبوه، يعني: لأن أراك خرجت من بيت مشبوه أحب إلي من أن أراك تخرج من بيت فلان وفلان، ممن هم من أهل البدع.
قد يكون الشيخ تساهل في التعبير فإنه لا هذا ولا ذاك مطلوب، فالمسلم عليه أن يجتنب مواطن الخنا والشبهة، وأهل الخنا والشبهة في المجالسة والمنادمة وفي دخول بيوتهم وغير ذلك، لكن كما قال عند المقارنة لا شك أن هذا أسهل وأقل خطراً من ذاك، أي من صاحب البدعة مهما كان.
стр. 283
غربة السنة
قال رحمه الله تعالى: [واحذر ثم احذر أهل زمانك خاصة، وانظر من تجالس وممن تسمع ومن تصحب، فإن الخلق كأنهم في ردة إلا من عصمه الله منهم].
الشيخ ﵀ يتكلم عن أهل زمانه في القرن الرابع؛ لأنه لو قارناه بما قبله وجدنا الفارق كبيراً، فإن الناس كثرت فيهم الأهواء والبدع، وظهرت الباطنية بشكل سافر، وظهرت الرافضة وتمكنت من كثير من بلاد المسلمين، وضعفت الخلافة الإسلامية، ووجدت أمور كثرت فيها الأهواء وكثر إعراض الناس عن دين الله وكثر الجهل، فهذا أمر نسبي مع أن زمانه أفضل من كثير الأزمنة التي تلت فيما بعد، لكن هذا من باب النصح والبيان للناس، ولا يعني أن الزمان فسد كله وأنه لا يوجد أهل الخير والسنة، لكن الحذر من أن يتساهل المسلم فيمن يجالس ومن يسمع ومن يصحب.
وقوله: (فإن الخلق كأنهم في ردة)، بمعنى أنه بدأت الغربة في السنة، فكأن الناس يعملون غير أعمال الإسلام، فلم يبق منهم إلا بعض الشعائر الظاهرة، قد استولى عليهم الجهل والبدع والهوى، نسأل الله السلامة.
стр. 284
قاعدة التعامل مع رءوس أهل الأهواء
قال رحمه الله تعالى: [وانظر إذا سمعت الرجل يذكر ابن أبي دؤاد وبشر المريسي أو ثمامة أو أبا الهذيل وهشام الفوطي أو واحداً من أتباعهم وأشياعهم، فاحذره فإنه صاحب بدعة، فإن هؤلاء كانوا على الردة، واترك هذا الرجل الذي ذكرهم بخير ومن ذكر منهم].
هذه قاعدة أيضاً في الحكم والتعامل مع رءوس أهل الأهواء الذين اشتهروا ببدعة أو ببدع، فلا ينبغي للمسلم أن يتعلق بهم أو يثني عليهم في جانب الدين، ولا ينبغي أيضاً أن نتساهل في إظهار هؤلاء الرءوس عند ناشئة المسلمين؛ لأنه يوجد عندهم من الخصال البشرية ما يعتبر إما من باب الفضائل مثل الكرم والحلم وغيرهما، كما عند ابن أبي دؤاد، وإما من باب العلم والذكاء كما عند ثمامة وبشر المريسي وأبي الهذيل وهشام الفوطي هؤلاء كلهم اشتهروا بخصال موجودة في عموم البشر بالذكاء والعبقرية والقدرة على النقاش، وقد تكون من باب رجاحة العقل والقدرة على الحجاج مع الفلاسفة أو مع الملاحدة، كل هذه موجودة عند بعضهم، لكن هذه خصال لا ينبغي أن تتخذ ذريعة للثناء عليهم فيتعلق بهم ناشئة المسلمين، ويفتنون بهم فإن من فتن بهم فتن بمذاهبهم، ولا شك أن الناشئ إذا أُعجب بإنسان تعلق بفكره وبعمله، وهو يشعر أو لا يشعر.
وأيضاً ربما يدافع عنه ويكون في قلبه ولاء له، ومن هنا صار التعلق برأس من رءوس البدعة قديماً وحديثاً من علامات الهوى والبدعة وأي إنسان تجده يثني على هؤلاء ويدافع عنهم أو أمثالهم قديماً وحديثاً، ويحاول إبراز فضائلهم دون أن يبين شرورهم، ويحاول أن يجعل منهم قدوة وأن يعتذر لهم، فهو رافع راية بدعة، كما يفعل كثير من الأدباء الآن وبعض الكُتّاب الإسلاميين والحداثيون وغيرهم، فهؤلاء الآن يعتبرون رافعي راية البدع وأهلها وتنبيش القبور، ومحاولة رد الناس إلى الإعجاب بهذه المذاهب والمناهج والأشخاص، وهذا كله خلاف السنة مخالفة صريحة، فلا ينبغي للمسلم فضلاً عن طالب علم أن يجاري هذا الاتجاه.
قد يقول قائل: لماذا لا نثني عليهم بما هم فيه؟ فنقول: نعم نثني عليهم عند اقتضاء الحاجة؛ لأن الناس لا تتعلق نفوسهم بالشيء الذي يشارك فيه هؤلاء غيرهم من عموم الناس، إنما تتعلق نفوس البشر بالشيء الذي خالفوا فيه، وهذه طبيعة فطرية ونزعة يحركها الشيطان في بني آدم، هذا أمر.
الأمر الآخر: فرق بين أن نتكلم عن سيرهم في التراجم مثلاً وعندما نتكلم عنهم في أمور عارضة أو في دروس أو في مناهج، فإن الناس لا مصلحة لهم من ذكر خصال يشترك فيها عموم البشر، في حين أن عليهم ضرراً ومفسدة في ذكر خصال هؤلاء دون التحذير منهم.
وفرق أيضاً بين الكلام الذي يخرج عند عامة الناس وبين الكلام الذي يكون بين خاصة أهل العلم أو يكون في بطون الكتب، فإنه لا مانع عندما أتكلم بكلام في السير أن أقول: ابن أبي دؤاد مثلاً رأس البدعة، داعية القول بخلق القرآن، آذى الإمام أحمد وأئمة الدين وآذى السلف، ومع ذلك فإنه عُرف بالكرم وعُرف بالحلم وسعة الصدر هذا أمر آخر.
فعند ذكر ما على الإنسان من خير وشر لا مانع أن تذكر جانب الفضائل، ولكن بشرط أمن الفتنة على الناس وبكلام لا يطير في الآفاق عند أناس لا يميّزون بين الحق والباطل، كأن يكون في صحف أو في كتب شهيرة أو في مناهج أو نحوها فهذا لا يجوز، لكن عند اقتضاء الحال أو عندما تتكلم عند أهل العلم أو تكتب كتاباً تريد أن تسطر فيه أخلاق الرجال عموماً بما فيها من خير أو شر، فلا مانع من هذا بضوابطه وشروطه.
стр. 285
الأسئلة
стр. 286
توجيه قول أبي قلابة عن أهل الأهواء بأن مصيرهم إلى النار
السؤال
قال أبو قلابة: إن أهل الأهواء أهل الضلالة، ولا أرى مصيرهم إلا النار، فجرّبهم فليس أحد منهم ينتحل قولاً -أو قال حديثاً- فيتناهى به الأمر دون السيف، وإن النفاق كان ضروباً، ثم تلا قوله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة:٧٥] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:٥٨] ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة:٦١]، فلماذا قال إن مصيرهم إلى النار؟
الجواب
هذا من باب الوعيد؛ لأنه ما جزم، فالمعنى: أنهم يخشى عليهم من النار، وهذا الكلام لا يعدو أن يكون مثل نصوص الوعيد، ما دام لم يجزم فيكون الأمر سهلاً، وإلا فأهل الأهواء الذين لم يخرجوا من الملة داخلون في الوعيد وهم من أهل الوعيد.
стр. 287
شرح السنة [٢١]
الأصل في المسلمين الإسلام والعقيدة الصحيحة؛ ولذلك فلا يجوز امتحانهم؛ لأن ذلك من سمات أهل البدع، كما أن من سماتهم الخوض في الكلام والمراء والجدال والمناظرة في الدين بغير علم ولا بصيرة، فيجب الحذر من هذه المسالك الخطيرة، واتباع الأثر وأصحاب الأثر، والوقوف عند المتشابه، وترك الرأي والقياس الفاسد، فبذلك تكون النجاة والفوز في الدارين.
стр. 288
الامتحان في الإسلام والسنة
قال أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [والمحنة في الإسلام بدعة، وأما اليوم فيمتحن بالسنة لقوله: إن هذا العلم دين فانظروا ممن تأخذون دينكم، ولا تقبلوا الحديث إلا ممن تقبلون شهادته، فتنظر فإن كان صاحب سنة له معرفة صدوق كتبت عنه وإلا تركته].
هذه القاعدة أصل في الدين، وهو أن الأصل في المسلمين السلامة، والأصل فيهم الإسلام ما لم يظهر قرائن بيّنة على خلاف ذلك، ولذلك فإن امتحان الناس بسؤالهم عن عقائدهم بدون مبرر ولا موجب شرعي يعتبر من البدع، سواء كان ذلك الامتحان يقصد به كشف ما عند الشخص من قول أو اعتقاد، أو يقصد به التثبت، فإن التثبت غير مطلوب ما دامت السنة في الناس هي الظاهرة، والناس على الأصل، فالمسلم الذي يظهر الإسلام يشهد له بذلك في الجملة، ولا يجوز التفتيش عما وراء ذلك.
وسواء هذا في أمور جزئية أو كلية، بمعنى أنه لا يجوز أن نمتحن الناس أو نسألهم عن بعض قضايا العقيدة فضلاً عنها كلها، كما يفعل بعض الناس في سؤال بعض من يتعمقون عن بعض مسائل العقيدة كأن يقول: أين الله؟ أو يقول: ماذا تعتقد في الرؤية مثلاً، أو ماذا تعتقد في كلام الله ؟ فإن هذا فتنة للناس، وربما كان المسئول لا يعرف في ذلك شيئاً فيجيب بغير الحق وهو لا يدري، وهذا ما عليه غالب المسلمين أنهم لا يعرفون تفاصيل الاعتقاد، حتى في بعض الأصول القطعية المعلومة، وربما يعاند المسئول فيوقعه السائل في الإثم، فلذلك لا ينبغي أن يمتحن الناس في الأمور الباطنة أو الأمور غير الظاهرة.
أما إذا كان لذلك موجب كأن ظهرت في الشخص قرائن تدل على أنه يقول بالبدعة أو يعتقدها أو يفعلها، فلا مانع من سؤاله، أو كان الإنسان سيتعامل مع شخص تعاملاً يتعلق بالعقود، كتعامل تجاري دائم، أو تعامل علمي مستمر كأن تلقي العلم عنه أو يدرّسه، أو فيما يتعلق مثلاً بتزويجه أو نحو ذلك، فإذا توافرت قرائن معينة فلا مانع من السؤال.
أما قوله: (وأما اليوم فيمتحن بالسنة) فهو يقصد غلبة البدع في بعض البلاد وفي بعض الأزمان، فإذا كان الإنسان في بلد الغالب فيه البدعة فإنه يسأل؛ لأن القاعدة تنقلب وتنعكس سواء كانت بدعاً اعتقادية أو عملية أو هما معاً، والغالب أن البدع العملية والاعتقادية تتلازم خاصة في العصور المتأخرة، فما من أصحاب بدع اعتقادية إلا وعندهم بدع عملية، وما تنشأ البدع العملية أيضاً إلا عن بدع اعتقادية، فإذا كان الإنسان في موطن تكثر فيه البدع، أو هم الأصل فيه، فإنه يحتاج إلى السؤال؛ لأنه سيصلي خلف أئمتهم وسيتعامل معهم فيما يتعلق بدينه ويتلقى عنهم، وقد يضطر إلى أن يزكيهم أو يشهد لهم، فالسؤال مطلوب للتثبت من أهل السنة وتمييزهم عن أهل البدعة، لكن هذا ليس هو الغالب في المسلمين.
ثم قال: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم) هذا الحديث فيه ضعف كما تعلمون، ولكنها قاعدة سليمة صحيحة، بمعنى أن الإنسان إذا أراد أن يتلقى ويتعلم العقيدة والأحكام فينبغي أن يتأكد من سلامة من يتلقى عنهم.
إذا دخل الشخص بلداً يغلب عليها البدع، وأراد أن يصلي مع الناس في مسجد معين فالأصل السلامة ما لم يظهر له أن الإمام مبتدع، فالبلاد تختلف بيئتها، فمثلاً البلد التي يكثر فيها البدع تجد فيها قرى ومواطن هم أهل سنة، بل مساجد الحي الواحد تجد فيه مسجد سنة ومسجد أهل بدع، وهم يعرفون هذا ويعرفون هذا، فأنت إن ظهرت لك قرائن تدل على أنه من موطن بدع فلا حرج أن تسأل، وإلا فيبقى الأصل السلامة، ولا مانع أن يسأل الإنسان لكن لا يسأل الشخص نفسه، فأكثر الذين يأتونا الآن من بلاد الإسلام الأخرى يعرف بعضهم بعضاً، ويوجد منهم من أهل السنة والصالحين من نعرفهم بيننا، فيسأل من خلال الاسم ومن خلال الوصف والبلد فإذا غلب على موطنه وبيئته أنهم أهل بدع فالأولى أن يسأل ويتبين من أمره، وإذا بقي على الجهالة أو عرفت أن موطنه موطن سنة فالأولى ألا تسأل.
стр. 289
التحذير من الكلام وأهله
قال رحمه الله تعالى: [وإذا أردت الاستقامة على الحق وطريق أهل السنة قبلك فاحذر الكلام، وأصحاب الكلام، والجدال، والمراء، والقياس، والمناظرة في الدين، فإن استماعك منهم وإن لم تقبل منهم يقدح الشك في القلب، وكفى به قبولاً فتهلك، وما كانت زندقة قط ولا بدعة ولا هوى ولا ضلالة إلا من الكلام، والجدال، والمراء، والقياس، وهي أبواب البدعة والشكوك والزندقة].
الأصل الذي تقتضيه نصوص الكتاب والسنة والذي عليه الصحابة والتابعون وأئمة الهدى إلى يومنا هذا التحذير من الكلام ومن أهل الكلام، والجدال، والمراء في الدين، والقياس في أمور العقيدة والمناظرة في أمر الدين، فإن الأصل هو المنع، لكن إن جاز فباستثناءات وضرورات، فأهل السنة اضطروا للمناقشات واضطروا لقراءة كتب علم الكلام للرد على أهلها، لكن هذه حالات ضرورة لا يقوم بها إلا من تتوافر فيه الشروط.
وإذا وجد عالم اضطر لأن يستعمل هذه الأمور أو يلجأ إلى مناظرة أهل الكلام، أو أن يقرأ كتبهم ثم يرد عليهم فهذه من المحرمات التي جازت لضرورة الدفاع عن الحق؛ لأن هذه الأمور عمت بها البلوى، فلا يمكن أن تقام الحجة على الناس ويبين لهم الحق إلا من خلال هدم أصولها، ولا تهدم أصولها إلا بمعرفتها، لكن ليس هذا لكل إنسان بل وليس لكل طالب علم أن يستمع للمتكلمين، ولا أن يقرأ علم الكلام، ولا أن يوقع نفسه في المجادلات والمناظرات بغير استعداد.
بعض الناس يقول: أنا أجد أحياناً الساحة خالية -كما يفعل بعض من يشاركون في الفضائيات- وأنا لا بد أن أقوم ولو بجهد المقل، وهو غير مؤهّل هذا في الحقيقة ما عرف قاعدة المصالح والمفاسد، لأن الإنسان إذا انبرى لأمر من الأمور كأن يجادل أحد عتاة الضلالة من العقلانيين أو العصرانيين أو العلمانيين أو المتكلمين وهو من العتاة الكبار والمتمرّسين في هذا الأصل، ثم وقف له إنسان عن ضعف، بدعوى أنه يريد أن يدافع عن الحق لأن الساحة خالية، فإن هذا ما أدرك أنه سيؤدي إلى خذلان الحق، لأنه بظهوره بمظهر الضعف سيؤدي إلى افتتان الناس بالرجل الآخر صاحب الباطل.
وهذا الموقف ينبغي أن يسلك فيه المسلم مثل موقف جد النبي ﷺ حينما جاء إلى أبرهة يسأله إبله، قال: الآن بيتكم سيدك، ومقدّساتكم ستهدم وأنت تأتي تطلب الإبل؟ فقال: أنا رب إبلي وللبيت رب يحميه! فللدين رب يحميه فلا تدخل وأنت ضعيف، أو جاهل بأصول المناظرة وبمذهب الخصم، بل أنت جاهل بمذهبك نفسك.
وأغلب الذين وقفوا مع أهل الأهواء في المجادلات عبر الفضائيات في الآونة المتأخرة لم يفقهوا السنة فضلاً عن أن يفقهوا عقائد الخصم، فدخلوا بغير استعداد إلا مجرد الغرور والتعالي والظن بأنهم يعرفون الحق، وهم لا يعرفون السنة، بل ينتسبون إليها وهم ضدها، فقد يكون عندهم شيء من البدع في أنفسهم فيتصدون لهذه المواقف على أنهم أهل السنة، فهذا يوقع أهل الحق في حرج، ويوقع الحق في حرج، فلا ينبغي للمسلم أن يسلك هذه المسالك إلا عن استعداد.
ولذلك ينبغي لمن رأى مثل هذه الأمور أن يعرف أن الناس يبذلون وسعهم، وأن الدخول من غير مقدرة واستعداد خارج الوسع، والله تكفّل بحفظ الدين فلا نخاف على دين الله ، لكن يجب أن نعد أنفسنا لأنا قصرنا.
نعم، ينبغي أن تنبري طائفة من طلاب العلم الآن تعد نفسها للردود باستعداد جيد، وبفقه لدين الله ، وباستيعاب لعقيدة السلف ومناهج الدين، ثم بعد ذلك ندخل في هذه الحلبة ولو بعد سنين ولا يضر، أما الدخول من غير مقدرة فإنه يؤدي كما حصل إلى خذلان الحق والتباس الأمور على الناس.
стр. 290
الحث على اتباع الآثار وأصحابها
قال رحمه الله تعالى: [وقف عند المتشابه، فالله الله في نفسك، وعليك بالأثر وأصحاب الأثر والتقليد، فإن الدين إنما هو بالتقليد -يعني للنبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين- ومن قبلنا لم يدعونا في لبس فقلدهم واسترح ولا تجاوز الأثر وأهل الأثر].
يقصد بالتقليد هنا الاتباع، فبعض السلف يسمي الاتباع تقليداً، والتقليد الذي هو التبعية من غير بصيرة ولا تثبت لا يجوز.
قوله: (عليك بالأثر وأصحاب الأثر والتقليد)، العبارات يفسّر بعضها بعضاً، فالأثر هو آثار السلف الذين استمدوا مناهجهم من الكتاب والسنة؛ لأنه ليس لكل إنسان استطاعة ومقدرة بأن يستنبط أحكام الدين من الكتاب والسنة، هذا لا يكون إلا للراسخين أو للمتخصصين الذين تمكنوا من آلة الاجتهاد واستنباط الدين ومناهج الدين.
فإذاً: غالبية المسلمين في كل عصر حتى في العصور الأولى في عهد السلف الصالح لم يكونوا يستطيعون أن يستنبطوا أحكام الدين ويعرفوا أصول العقيدة بمجرد تلاوتهم لنصوص الكتاب والسنة، هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، ولذلك فلابد أن يكون للناس مرجع، والمرجع هو الكتاب والسنة، الكتاب والسنة لا بد للرجوع إليهما من أصول وضوابط، والذي يعرف هذه الأصول والضوابط هم أهل الذكر الذين سماهم الله وأمر باتباعهم فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، وهم الذين يستنبطونه كما وصفهم الله ، وإلا فلو فتحنا الباب لكل قارئ أن يستنبط من الكتاب والسنة لوقع من الناس مثل ما وقع من الخوارج والرافضة وأهل الأهواء، يستدلون كما يشاءون بأهوائهم من غير معرفة مقاييس الاستدلال وأصوله.
إذاً: الدين يؤخذ بالأثر الذي هو سبيل المؤمنين، وسبيل المؤمنين يتمثل بأقوالهم وأفعالهم وتقاريرهم وفهومهم وتطبيقاتهم للدين ومناهج التعامل، هذا هو الأثر، فإذاً غير المتخصص وغير العالم لا بد أن يتّبع، وهذا ما سماه الشيخ التقليد.
стр. 291
الوقوف عند المتشابه
قال رحمه الله تعالى: [وقف عند المتشابه ولا تقس شيئاً].
المقصود الذي يشتبه عليك، بمعنى لا تستوعبه أو لا تفهمه، فأول المتشابه هو كيفيات الغيب، فإنه متشابه على جميع الناس، فيجب أن تقف عنده ولا تخوض فيه.
ثم دونه الأمر الذي يصعب فهمه، فإنه متشابه على عموم المسلمين لكن يعرفه الراسخون، فالمسلم ما دام لا يفهم يقف عنده ويسأل، فإذا سأل وعرف فبها ونعمت! وإن لم يعرف يصبح الأمر متشابه عند أهل العلم ويسلم، بمعنى أن يقول: صدق الله وصدق رسول الله ﷺ ، آمنت بالله وبما جاء عن الله، وبما جاء عن رسول الله ﷺ ، ويذعن بقلبه وجوارحه ولسانه ويسلّم ويقف عند المتشابه.
إذاً المتشابه نسبي، وهو ما لم يتضح لك بعد بذل الجهد، فقد يكون أغلب الدين عند بعض عوام الناس متشابهاً، وتقل نسبة المتشابه عند العالم الراسخ إلى أن قد يكون لا يخفى عليه إلا النادر من الأمور التي تقع تحت طائلة الاجتهاد من كيفيات الغيب التي لا يعلمها إلا الله .
قوله: (ولا تقس شيئاً) أي: في الدين، فالقياس في أصول الدين لا يجوز، أي: فلا تقس الغائب على الشاهد، ولا أسماء الله وصفاته وأفعاله على ما عند المخلوقين، ولا أصول الدين القطعية على ما دونها، بل الأصل في كل أصول الدين وأمور العقيدة عدم القياس لأنها ثوابت، أما في الأحكام فلا شك أن قياس حكم على حكم يرجع إلى دليل شرعي فهو من الأمور التي تقتضيها ضرورة الاجتهاد.
стр. 292
لا يرد على أهل البدع إلا من كان متمكناً وإلا فليسكت
قال رحمه الله تعالى: [ولا تطلب من عندك حيلة ترد بها على أهل البدع، فإنك أُمرت بالسكوت عنهم، ولا تمكنهم من نفسك، أما علمت أن محمد بن سيرين في فضله لم يُجب رجلاً من أهل البدع في مسألة واحدة ولا سمع منه آية من كتاب الله ، فقيل له فقال: أخاف أن يحرفها فيقع في قلبي شيء].
هذا هو الصحيح، والمعنى: لا تأخذك العاطفة إذا سمعت شبهات أو رأيت ما لا يليق من الكلام في الدين، فإذا رأيت عند المبطلين شيئاً مما يخالف الحق أو سمعت بشبهات أو نحوها فلا ترد بتكلف، وإذا لم يكن ردك عن يقين فيسعك أن تسكت ولا تقل على الله بغير علم، فينبغي ألا تدفعك العاطفة والغيرة على أن تتصدى لأمر لست من أهله، أو لم تستعد له، أو لم تتمكن منه، أو تتوقع من الخصم أن يحرجك فتخذل الحق وأنت لا تدري، وهذا مما يقع في كثير من الذين يجادلون أهل الأهواء الآن، تجده يرد بتكلف أو من غير تبصّر فيضربه الخصم بداهية لا يتخلص منها، فيظن السامعون أن هذا ضعف في الحق الذي معك.
وكذلك لا تفرط بأن توقع نفسك في مواقع الشبهات أو في المجالس التي تثار فيها الفتن والشبهات، فإذا سمعت بمجلس تُطرح فيه بعض القضايا الخطيرة فعليك أن تعتزل هذا المجلس ولا تستهويك هذه الأمور أو يدفعك حب الاستطلاع إلى أن تجلس هذه المجالس فيقع في قلبك الأمر فيمرضك وأنت لا تدري، أو ربما تتشّرب بعض البدع وأنت تظن أنها هي الحق، ولذلك لا ينبغي أن يحضر مثل هذه المجالس التي تثار فيها قضايا شائكة إلا طالب علم مستعد ومتمكن.
وبعض الشباب قد يحضر بعض المجالس التي اشتهر فيها ذكر مناهج الباطل وذكر الشبهات حول الحق وأهله بدافع أنه يريد أن ينقل هذه الشبهات إلى أهل الحق ليردوا عليها، أقول: ما دمت تشعر أن على نفسك فتنة فلا تحضر، ولا تأسف على الناس، لكن طالب العلم المتمكن قد يجب عليه أحياناً معرفة وجوه الباطل عند أهلها للرد عليها ونقلها إلى أهل العلم ليردوا عليها، لكن صغار الشباب المبتدئين منهم الذين لم يتمكن العلم في نفوسهم ولم يفقهوا الفقه الكافي لا ينبغي أن يعرّضوا أنفسهم لمثل هذه اللقاءات بدافع الغيرة؛ لأنهم قد يهلكون، بل إنه قد هلك عدد من الشباب في مثل هذه الأمور ووقعوا في الشبهات، وبعضهم صرّح بما يدل على تأثره، وبعضهم وقع في صراع نفسي كما عرفت في الآونة الأخيرة من بعض الذين تعرضوا لمثل هذه المجالس، فهو لا يستطيع أن يصرح بأن الشبهة أثّرت فيه، لكنه لم يتخلص منها وتأتينا أسئلة محررة من مثل هذا النوع الآن بشكل ملفت للنظر.
стр. 293
من سمات المبتدعة التعطيل بذريعة التنزيه
قال رحمه الله تعالى: [وإذا سمعت الرجل يقول: إنا نحن نعظّم الله إذا سمع آثار رسول الله ﷺ ، فاعلم أنه جهمي يريد أن يرد أثر رسول الله ﷺ ويدفعه بهذه الكلمة، وهو يزعم أنه يعظّم الله وينزهه، إذا سمع حديث الرؤية وحديث النزول وغيره، أفليس قد يرد أثر رسول الله ﷺ ؟ وإذا قال: إنا نحن نعظّم الله أن يزول من موضع إلى موضع فقد زعم أنه أعلم بالله من غيره، فاحذر هؤلاء، فإن جمهور الناس من السوقة وغيرهم على هذا الحال، وحذّر الناس منهم].
يشير هنا إلى علامة من علامات الجهمية والمعتزلة وأهل الكلام عموماً، خاصة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته وبعض السمعيات التوقيفية، فإن من شبهاتهم أنهم إذا وردت النصوص التي فيها إثبات لأسماء الله وصفاته وأفعاله أو بعض السمعيات قالوا: إن هذا يُشعر بالتشبيه، أو يشعر بالأمور المعروفة المعهودة في عالم الشهادة، وقالوا: إنه يجب إذا شعرنا بهذا الأمر أن نعظّم الله ، يقصدون بذلك ألا يثبتوا له شيئاً، فجعلوا تعظيم الله ذريعة للتعطيل.
وهذه الشبهة موجودة في أذهان أكثرهم، بمعنى أنهم لم ينكروا أسماء الله وصفاته والسمعيات إلا حينما انقدح في أذهانهم المشابهة والمماثلة، فلما انقدحت في أذهانهم المماثلة فروا منها لكن لا إلى الإثبات اللائق أو إلى إثبات المعاني اللائقة، إنما فروا منها إلى التعطيل فصارت سمة لهم، بمعنى أنهم إذا سمعوا بآيات الله التي فيها أسماء الله وصفاته وأفعاله، أو سمعوها في الأحاديث استشعروا أن هذا يوهم التشبيه، فانتقلوا من التشبيه إلى التعطيل وقالوا: إنما فعلنا ذلك لنعظّم الله .
فإذا سمع المعطّل قول الله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] قال: أنا أعظّم الله، يقصد بذلك نفي صفته، زعماً منه أن إثبات اليد يقتضي المشابهة، وهكذا بقية الأمور، ولذلك ضرب الشيخ مثلاً لهذا بحديث الرؤية وحديث النزول، وأتى بنموذج لكلامهم فقال: (وإذا قال) أي: هذا المؤول المعطّل (إنا نحن نعظّم الله أن يزول من موضع إلى موضع، فإنه يقصد بذلك نفي النزول ونفي الاستواء)، فأشار إلى الشبهة وبنى عليها التعطيل فزعم أن إثبات النزول يعني إثبات الانتقال من موضع إلى موضع، أو زوال الله من موضع إلى موضع على الوضع المعهود في المخلوقات، وإلا فهذا الكلام مجمل -أعني زواله من موضع إلى موضع- فهو مجمل لا ننفيه ولا نثبته، لكنا نثبت النزول؛ لأنه صريح كلام الله وكلام رسوله ﷺ والنزول في حق الله لا يلزم منه ما يلزم في نزول الخلق.
فالمهم أن هذا منهج لأهل الكلام، يدخلون به على العوام وأشباه العوام، فيثيرون الشبهات حول النصوص ويزعمون أن من مقتضى تعظيم الله إثارة هذه الشبهات، فيبنون عليه التعطيل والنفي، ويسمون النفي تعظيماً لله ، ويسمون التأويل تعظيماً لله لأنه ناتج عن شبهات في أذهانهم، وهذه الشبهات لو التزمت قد تكون باطلاً، لكن ليست هي معاني النصوص، وهم فسّروا النصوص بتفسير خاطئ وجعلوا هذا التفسير الخاطئ ذريعة إلى الإنكار وإلى التحريف والتعطيل في أسماء الله وصفاته.
стр. 294
الأسئلة
стр. 295
الاستعداد لمناظرة المبتدعة عبر الفضائيات
السؤال
ما مدى الاستعداد للوقوف في المناظرات عبر الفضائيات حتى لو بعد عشر سنوات، أم أن نقول السائد هو أن للبيت رباً يحميه؟
الجواب
هذا القول ليس هو الأصل، الأصل أن نستعد لا شك، ويجب على الأمة أن تستعد وبخاصة طلاب العلم الشرعي يجب أن يستعدوا للدفاع عن الحق وللتصدي للشبهات والردود عليها، ولا يلزم أن تكون هناك سنوات للانتظار، لكن أنا ضربت مثلاً، وواقعنا ليس حجة لنا بل هو حجة علينا، نعم التقصير موجود فيجب أن نسعى لأن نؤهّل أنفسنا أو تتأهل طائفة من طلاب العلم لمثل هذه الأمور، لكن مع ذلك يبقى ما قلته في رأيي هو المنهج، أنه ما دمنا لم نستعد فعلينا أن نتحمل مسئولية عملنا، ولا يعني ذلك أنا معذورون أمام الله ، لكن أيضاً لا نخذل الحق بأن نقف موقف المنهزم، وأن نتصدى لأمر لم نستعد له.
إذاً الواجب علينا الاستعداد، ومتى يكون ذلك؟ قد يكون بعض طلاب العلم الآن مؤهّلاً ويحتاج فقط إلى أن يستكمل بعض الجوانب في الاستعداد لذلك، وبعضهم يحتاج إلى سنوات هذه الأمور في نظري لا يلزم أن نخطط لها في برامج مرسومة، وإن حدث في المؤسسات الرسمية وغير الرسمية فلا بأس.
والجامعات ومراكز العلم عليها أن تخطط لهذا تخطيطاً جيداً وتؤهّل، لكن لا يلزم أن نقف حتى ندرس ما دام الأمر واجباً، وعندنا من طلاب العلم من عندهم المقدرة إذا استعدوا، فيجب أن يستعدوا.
стр. 296
الكلام على ما كان من سؤال العلماء للناس عن الأصول الثلاثة
السؤال
ما قولكم في عمل علماء نجد السابقين ﵏ حينما كانوا يسألون الناس عن الأصول الثلاثة؟
الجواب
ذاك سؤال تعليم وليس سؤال امتحان، ومن أحسن طرق التعليم السؤال، فهو أحسن وسيلة لتثبت المعلومة، والسؤال يفيد المسئول ويفيد السامعين، وكنت أتمنى لو يرجع لها أئمة المساجد بأسلوب يناسب الناس اليوم، حتى يذكروا الناس بأصول دينهم، فمثلاً يحدد إمام المسجد وقتاً معيّناً وليكن بين الأذان والإقامة فيعرض قضايا الدين الأساسية بأساليب متعددة، وليكن منها الأسلوب القديم، حيث يأتي بطالب علم متمكن فيحاوره: ما رأيك بكذا؟ وهو يجيب ومن هنا يتعلم الناس ويسمعون.
فهذا أسلوب جيد يثبت المعلومة في عقول الناس، فليتنا استعملنا هذا الأسلوب الذي أصبحنا الآن نظن أنه عيب، والعكس هو الصحيح، فهم يستعملون هذه الطريقة بما يناسب وقتهم ويناسب الناس، ونحن يجب أن نستعملها الآن أيضاً بما يناسب.
نعم، الناس الآن عندهم من الكبر والتعالي والغرور بحيث يأنف الواحد أن تسأله أمام الناس، فنحن نشكو إلى الله من ذلك، أما المجتمع من قبل فقد كان يتقبّل وكان عنده استعداد، وكان العامي يفرح أنه يسأل عن دينه؛ لأنه يعرف أن هذا من مصلحته، لكن ما دام قد وجد هذا الشعور بالتعالي والغرور فلا مانع من أن نغير الأساليب.
стр. 297
شرح السنة [٢٢]
ختم الإمام البربهاري ﵀ كتابه شرح السنة بذكر جملة من الأصول التي يجب التزامها والعمل بها، وكلها تصب في باب التزام السنة والعمل بها في جميع مسائل الدين، وفي التحذير من البدعة وأصحابها بجميع صورها، فمن كان كذلك ملتزماً بالسنة ظاهراً وباطناً فهو سني، ومن خالف في شيء من تلك الأصول فقد وقع في البدعة بحسب مخالفته وبدعته.
стр. 298
آداب مناظرة أهل البدع والتعامل معهم
قال أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [وإذا سألك الرجل عن مسألة في هذا الكتاب وهو مسترشد فكلمه وأرشده، وإذا جاءك يناظرك فاحذره، فإن في المناظرة المراء، والجدال، والمغالبة، والخصومة، والغضب، وقد نهيت عن جميع هذا جداً، وهو يزيل عن طريق الحق، ولم يبلغنا عن أحد من فقهائنا وعلمائنا أنه جادل أو ناظر أو خاصم.
قال الحسن البصري: الحكيم لا يماري ولا يداري في حكمته أن ينشرها، إن قبلت حمد الله وإن ردت حمد الله].
стр. 299
التفريق بين من يسأل مسترشداً ومن يسأل متعنتاً
قول الشيخ ﵀: (وإذا سألك الرجل عن مسألة في هذا الكتاب)، ورد في الهامش أنه في نسخة: (في هذا الباب)، ومع ذلك يبدو أن (هذا الكتاب) هي الأرجح وهي المقصودة، ويقصد محتويات الكتاب، وهذا سيأتي مثله بعد قليل أيضاً.
ويقصد الشيخ محتويات هذا الكتاب؛ لأن هذا الكتاب يعرض أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، والمعنى: إذا جاءك أحد يجادلك أو يسألك عن مسألة مما ورد في هذا الكتاب، من أصول السنة، وهو مسترشد؛ فأصغ له سمعك وأرشده وبيّن له، حتى وإن كان سؤاله يتضمن شبهة أو نحو ذلك، أما إذا جاء يناظر فاحذره، وهذه المسألة أيضاً فيها تفصيل، فقوله: (فاحذره)، يقصد أن عموم القراء ينبغي أن يحذروا من يريد أن يناظرهم في أصول دينهم؛ لأنهم ما استعدوا للمناظرة، ثم إن على الإنسان أن يجيب بالإجابة الحكيمة، يقول: أنا ليس عندي شك في ديني، فأنت إن كان عندك شك فابحث عن غيري، هذا هو الأصل، لكن إذا كان من يطلب المناظرة جاداً ومن طلبت منه المناظرة من أهل السنة متمكناً، فلا بد أن يستجيب لإقامة الحجة والبيان، لكن هذا عزيز جداً، قلَّ أن يوجد من أهل الأهواء من هو في طلبه للمناظرة جاد، وقل أن يوجد من أهل السنة الآن من هو متمكن مستوفية فيه شروط المناظرة والجدل.
стр. 300
الأصل النهي عن الجدال
قال رحمه الله تعالى: [وجاء رجل إلى الحسن فقال: أنا أناظرك في الدين فقال الحسن: أنا عرفت ديني، فإن ضل دينك فاذهب فاطلبه].
هذا هو الأصل، وهو النهي عن الجدال، وفتح باب الجدال يبقى استثناء، وهذا أدب الحسن البصري ﵀، وهو إمام السنة في ذلك الوقت، وهو من أكابر العلماء ومن أقدرهم على المناظرة، لكن يظهر لي أنه توسم فيمن سيناظر أنه من أهل الأهواء والبدع الذين أرادوا الاستظهار والتعالي والغرور، وإلا فكان الإمام الحسن يفتح صدره ويتسع صدره لمناظرة من يريد الحق.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(وسمع رسول الله ﷺ قوماً على باب حجرته يقول أحدهم: ألم يقل الله كذا، وقال الآخر: ألم يقل الله كذا، فخرج مغضباً فقال: أبهذا أمرتم أم بهذا بعثت إليكم؛ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟)].
الحديث صحيح، ومفاده أن الأصل عدم المجادلة، ولذلك حينما أذن الله بمجادلة أهل الكتاب كان الإذن بعد النهي: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦] فالنهي هو الأصل، والاستثناء مشروط بأن يكون ((بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) وهي تعني استيفاء شروط الجدل التي سبق الكلام عنها في درس ماض، وهذا هو الذي تدل عليه أحاديث النبي ﷺ ، فقد كان ينهى عن الجدل والمراء في الدين؛ لأن قضايا الدين القطعية غيبية توقيفية، والجدل في الغالب ليس تقريراً، لأن التقرير لا يحتاج إلى جدل، واستشكال المسلم ثم سؤاله للعالم لا يعتبر جدلاً، لأن الجدل هو ما زاد عن مجرد السؤال والجواب، أما إذا اقتصر الأمر على سؤال ثم جواب من قبل عالم فلا بأس، لكن إذا قصد السائل المحاجة وأشعرك بأنه سيرد ما معك من الحق، وأنه مستعد أن يناقشك، فهو جدال.
والمعنى اللغوي للمجادلة هو: المماحكة والأخذ والرد أكثر من مرة، هذا هو أصل المجادلة، وهو الذي وردت النصوص بالنهي عنه.
стр. 301
كراهة السلف للجدال
قال رحمه الله تعالى: [فنهى عن الجدال، وكان ابن عمر يكره المناظرة، ومالك بن أنس، ومن فوقه ومن دونه إلى يومنا هذا، وقول الله أكبر من قول الخلق، قال الله ﵎: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر:٤].
وسأل رجل عمر بن الخطاب فقال: ما الناشطات نشطاً؟ فقال: لو كنت محلوقاً لضربت عنقك].
معروف أن الذي أثار هذه المشكلات هو صبيغ بن عسل التميمي، وصبيغ قصته مشهورة وصحيحة، وهو أنه كان يثير هذه القضايا على شكل شبهات وإشكالات، ويجادل فيها أيضاً، ولما بدأت منه هذه البادرة نهاه أهل العلم فلم ينته، وظل يثيرها بين عامة الناس والأجناد الذين ليس عندهم علم، فلما أصر على هذا رُفع أمره إلى عمر بن الخطاب ﵁، فلما رآه يصر على مثل هذه الأمور جلده، وقال: (لو كنت محلوقاً لضربت عنقك)، يشير بذلك إلى الخوارج، والله أعلم؛ لأن النبي ﷺ أمر بقتل الخوارج.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال النبي ﷺ : (المؤمن لا يماري، ولا أشفع للمماري يوم القيامة، فدعوا المراء لقلة خيره)].
الظاهر أن الحديث ضعيف جداً، وعبارته تدل على ذلك، فإن فيها ركاكة تدل على أنه موضوع، لكن النهي عن المماراة لا شك أنه ثابت بغير هذا الحديث.
стр. 302
متى يكون المرء صاحب سنة
قال رحمه الله تعالى: [ولا يحل لرجل مسلم أن يقول: فلان صاحب سنة حتى يعلم أنه قد اجتمعت فيه خصال السنة، لا يقال له: صاحب سنة حتى تجتمع فيه السنة كلها].
يقصد اجتماع السنة بالجملة، وإلا فالمسلم قد لا تجتمع فيه السنة كلها، لكن يقصد المنهج، وكثير من تعبيرات السلف المجملة في هذه الأمور يقصدون بها المنهج، بمعنى أن يكون نهجه على السنة، وإلا فقد يقع في معاص وقد يقع في بعض الأمور المخالفة، وقد يكون عنده بعض البدع الصغيرة غير المخرجة من السنة.
فقوله: (حتى تجتمع فيه السنة كلها) بمعنى أن يلتزم أصول السنة، ويلتزم نهج أهل السنة والجماعة، ولذلك من كان على السنة في المنهج إجمالاً فهو صاحب سنة وإن خالف في بعض الأمور، سواء كانت معاصي أو من البدع الصغيرة، فلا يخرج من السنة إلا إذا عمل ببدعة مغلظة، أو خالف أهل السنة والجماعة في الأصول والمنهج، أو تكاثرت عنده البدع الصغيرة حتى صارت هي الأصل، فإنه بذلك يخرج عن السنة وإن ادعى أنه على السنة.
قال رحمه الله تعالى: [وقال عبد الله بن المبارك: أصل اثنين وسبعين هوى أربعة أهواء، فمن هذه الأربعة الأهواء انشعبت هذه الاثنان وسبعون هوى القدرية، والمرجئة، والشيعة، والخوارج].
هذا الكلام اجتهاد من الإمام عبد الله بن المبارك، وقال بمثله يوسف بن أسباط، وأصل قولهم في ذلك أنهم سبروا الأهواء في وقتهم، وذلك في نهاية القرن الثاني الهجري، فوجدوها كذلك.
فبعد الإمام عبد الله بن المبارك والإمام يوسف بن أسباط زادت الفرق، ولذلك فالذي عليه جمهور السلف أنا لا نستطيع أن نحدد الفرق بأعيانها، ولا أن نحدد الأصول على وجه الجزم؛ لأنه لا يزال إلى اليوم تخرج فرق بأصول جديدة، لكن يمكن أن تكون هذه أصول الفرق في ذلك الوقت.
والقدرية تشمل المعتزلة؛ لأن المعتزلة قدرية.
والمرجئة تشمل مرجئة الفقهاء، والمرجئة الغلاة، ما عدا المرجئة الجهمية، لأن الجهمية تخرج من الملة.
والشيعة تشمل الشيعة الرافضة والشيعة الزيدية، وهذا قبل أن تقول الرافضة بالعصمة والمهدية وغير ذلك، لأن الرافضة في ذلك الوقت لم تكن عند جميعها أصول الكفر، وإن كانت موجودة عند بعض فرقهم، فالشيعة هي المفضّلة والمفترية، أما الرافضة فالغالب أنها لا تدخل في هذه الأربع؛ لأنها تخرج من الملة.
والخوارج تشمل إلى أصنافاً كثيرة.
ففي ذلك الوقت كانت هذه الفرق الأربع هي أصول الفرق، أما بعد ذلك فقد جاءت الفرق الكلامية مثل الصوفية أصحاب الطرق، وجاءت مذاهب الفلاسفة الذين يسمون بالفلاسفة الإسلاميين، ومذاهبهم إلى الآن تحتذى.
وفي الحديث: (كلها في النار إلا واحدة) يعني أنها من أهل الوعيد، أما الخارجة من الملة منها فليست من فرق المسلمين، فالتوعد بالنار هنا ما دامت مسلمة، فهي مثل أصحاب المعاصي؛ لكن البدع أشد من المعاصي العملية.
إذاً فقوله: (كلها في النار) من أحاديث الوعيد باتفاق السلف، ولا يدل على خروجهم من الملة.
стр. 303
الأصول التي من قال بها واعتقدها فهو سني
قال رحمه الله تعالى: [فمن قدم أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً على جميع أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يتكلم في الباقين إلا بخير ودعا لهم، فقد خرج من التشيع أوله وآخره، ومن قال: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فقد خرج من الإرجاء أوله وآخره، ومن قال: الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد مع كل خليفة ولم ير الخروج على السلطان بالسيف، ودعا لهم بالصلاح فقد خرج من قول الخوارج أوله وآخره، ومن قال: المقادير كلها من الله خيرها وشرها يُضل من يشاء ويهدي من يشاء، فقد خرج من قول القدرية أوله وآخره، وهو صاحب سنة].
هذه الضوابط صحيحة نقية واضحة جداً، ذكر فيها أبرز سمات أهم الفرق في ذلك الوقت، وإلى اليوم نستطيع أن نقول بمثل قوله، بمعنى أن من قدّم أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً على جميع أصحاب رسول الله ﷺ فهو صاحب سنة، وقد برئ من التشيع، وكذلك من قال الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فقد برئ من الإرجاء المذموم، وهكذا بقية الأصول، ويمكن أن نضيف إليها أصلاً واحد ينتظم جميع أصول الفرق في القرون الثلاثة الفاضلة، وهو: من أثبت لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من غير تمثيل، ونفى ما نفاه الله عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ من غير تأويل ولا تعطيل، فقد برئ من التجهم أوله وآخره، ثم نستطيع أيضاً أن ندرج قواعد تخرج الصوفية، وقواعد تخرج الفلاسفة، وقواعد تخرج بعض الفرق التي ظهرت بعد ذلك.
стр. 304
أصول الرافضة التي خرجت بها من الملة
قال رحمه الله تعالى: [وبدعة ظهرت هي كفر بالله العظيم، ومن قال بها فهو كافر بالله لا شك فيه، من يؤمن بالرجعة ويقول: علي بن أبي طالب حي وسيرجع قبل يوم القيامة، ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر ويتكلمون في الإمامة، وأنهم يعلمون الغيب فاحذرهم فإنهم كفار بالله العظيم ومن قال بهذا القول].
هذه إشارة إلى الرافضة، وهنا أخرج الرافضة من الفرق، وعلى هذا فإنها لا تدخل في الشيعة في أول الكلام الذي ذكره عن ابن المبارك في الفرق الأربع، لأن الرافضة خرجت من الملة بعدة أمور منها القول بالرجعة، ومنها كذبها على الرسول ﷺ كذباً صريحاً، وخرجت من الملة بنسبتها البهتان إلى أزواج رسول الله ﷺ ، لأنه قدح في عرض النبي ﷺ ، ثم إنها خرجت من الملة بتكفيرها للصحابة، وبردها للسنة رداً مطلقاً، وهي المصدر الثاني من مصادر الدين.
ثم خرجت الرافضة بزعمها العصمة للأئمة وأنهم فوق الأنبياء، ثم بموقفها العام من المسلمين، فإن الرافضة تتفق على أنها على غير دين المسلمين، ويعدون المخالفة من دينهم، وهم يسمون أنفسهم المسلمين، ويسمون أهل السنة الناصبة، ويسمونهم بأسماء أخرى، فهم بكل صراحة قد أخرجوا أنفسهم من الملة.
ولذلك أنا أعجب من تردد بعض طلاب العلم في مسألة الرافضة الآن! أناس لا يريدون الإسلام الذي نريده ونتعبد الله به، فلماذا يقحمهم بعض الناس فيه؟ وأنا وجدت في الآونة الأخيرة نصاً لأحد علمائهم يقرءونه ولا ينكرونه، يقول ما معناه: إن الرب الذي يدّعي الناصبة أنه أباح للنبي ﷺ الزواج بـ عائشة هو غير ربهم، فهذا كلام نعمة الله الجزائري إمام الأئمة، وله كتاب آخر يدّعي فيه أن القرآن محرّف، وهو كتاب مشهور عندهم، وبعضهم ينكر ذلك، ولكن أنا لا أستبعد أن إنكار الكتاب من باب التقية.
فإذاً: الرافضة كما قال الشيخ كفروا بالله العظيم، وذكر أصلاً واحداً من الأصول التي كفروا بها، وهي كثيرة، وكل واحد منها فيما أعلم وحسب كلام الأئمة المجتهدين كاف للقول بأنهم رافضة، ومن أخفاها على الناس القول بالبدا، حيث يرون أن الله يبدو له أمر آخر فينكشف له ما لم يعلمه من قبل، ولذلك فسّروا كثيراً من الأشياء التي هي معضلة عليهم بذلك، مثل: جعل عائشة بنت أبي بكر تحت النبي ﷺ ، وأيضاً حفصة بنت عمر، ولماذا كان الصحابة أصحاب رسول الله ﷺ ثم بعد ذلك كفروهم وقالوا: لا يليقون بأنهم أصحاب النبي ﷺ كل هذا يفسّرونه بأنه بدا الله، أي انكشف له أن الصحابة لا يستحقون ذلك، فهذا واحد من الأصول المغمورة عند الرافضة، فكيف بالعقائد الشهيرة! ومن ذلك: قولهم بنقص القرآن وتحريفه، ويعتقدون عقيدة المهدية والرجعة، وأنه سيظهر قرآن آخر غير الذي نتلوه، وهو مصحف فاطمة، وكلهم يعتقدون هذا، صحيح أن بعضهم يموّه على أهل السنة ويقول: نحن نعرف أن هذا القرآن الذي بين أيدينا غير محرف، لكن يعتقدون أن هناك قرآناً آخر، وغالبيتهم يرون أن هذا القرآن نفسه محرّف ومنقوص ومزيد، لكن بعضهم يموّه على بعض.
وبعض الناس يسأل عن عوامهم، فنقول: عوامهم مثل عوام المشركين، لكن الله أعلم بحال الأشخاص بأعيانهم، وقد يكون بعض الناس مسلماً مستضعفاً، والعامي الخالص منهم قد يكون يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولا يعرف إلا مجملات الدين، لكن ما نسبة هذا إلى عوام الرافضة؟ لا ندري، قصدي أن الغالب أن هذا نادر جداً؛ لأن عموم الرافضة حتى العوام منهم يشركون بالله في العبادة، فيدعون علياً ويدعون عباساً، ولا يستغني رافضي عن الأضرحة والمشاهد التي تمارس فيها الكفريات، هذا هو دين الرافضة الذي هم عليه الآن إلا النادر، والنادر لا حكم له، بل الحكم على العموم.
أما أن يفترض أن يوجد رافضي عامي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيم أركان الإسلام، ولا يعرف الشركيات، فهذا محتمل عقلاً، لكن الواقع غير ذلك، فلا نلغي الأحكام لمجرد احتمالات نادرة وقليلة، فيبقى الأصل هو أن هؤلاء القوم ليسوا من المسلمين، بل هم ديانة فارسية مجوسية، فلا علاقة لها بالإسلام إلا مجرد الاسم، والله أعلم.
стр. 305
الفارق بين السني والشيعي والرافضي
قال رحمه الله تعالى: [قال طعمة بن عمرو وسفيان بن عيينة: من وقف عند عثمان وعلي فهو شيعي لا يُعدّل ولا يكلم ولا يجالس، ومن قدّم علياً على عثمان فهو رافضي قد رفض آثار أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن قدّم الثلاثة على جماعتهم وترحم على الباقين، وكف عن زللهم فهو على طريق الاستقامة والهدى في هذا الباب].
قوله: (من وقف عند عثمان وعلي)، عبارة محتملة لعدة أمور، لكن حين قال فهو شيعي فكأنه يقصد من توقف في فضل عثمان على علي؛ لأنه قال: (لا يُعدّل ولا يكلم)، ثم ذكر كلاماً آخر وهو: (من قدّم علياً على عثمان)، وهذا هو التشيع التفضيلي، فقوله فيه: (فهو رافضي)، فيه نظر؛ لأن الرافضي هو الذي يسب أبا بكر وعمر، والشيعي هو الذي يفضّل علياً على عثمان، هذه قاعدة عليها جمهور السلف.
فالرافضي هو الذي يسب أبا بكر وعمر، ومن البديهي أن من سب أبا بكر وعمر سيسب بقية الصحابة، وهم لا يدينون ولا يعترفون بالفضل إلا لثلاثة، وبعضهم يرفعهم إلى خمسة، وبعضهم إلى سبعة من الصحابة: علي ﵁ والحسن والحسين، وسلمان الفارسي والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر، وأبو ذر.
والمهم أن كلام الشيخ في هذه الفقرة فيه اضطراب ولا أدري ما سبب هذا الاضطراب، هل هو خلل في الأصول أو عند الشيخ وهم؟ الله أعلم.
قوله: (ومن قدّم الثلاثة على جماعتهم وترحم على الباقين، وكف عن زللهم فهو على طريق الاستقامة).
يقصد من قدّم أبا بكر وعمر وعثمان، ولا يعني ذلك أن يقدح في علي، لكن كما قلت لكم في وقت سابق وكما ذكر المحققون من أهل العلم: أنه لما كثر كلام الناس في تفضيل علي على عثمان، وفي الثلاثة ومن هم أفضل؟ وهل علي يدخل في الخلفاء الراشدين أو لا يدخل؟ استقر مذهب السلف على التالي: أولاً: النصوص التي وردت في الفضل أكثر ما وردت في أبي بكر ﵁ وحده، ثم في عمر وحده، ثم في أبي بكر وعمر، ثم ذكر عثمان مع الشيخين أبي بكر وعمر ثم ذكر الأربعة، فبعض السلف نظراً لكثرة النصوص التي تجمع بين الثلاثة على لسان النبي ﷺ أو على لسان الصحابة، حين كانوا كثيراً ما يقرنون أفعال النبي ﷺ وأحواله وأقواله بالثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان فوقفوا عند الثلاثة لا للغض من قدر علي ﵁؛ لكن للوقوف على قدر معين من النصوص، وترحموا على الباقين.
وفي بعض النسخ: (الأربعة)، وهذا جيد لا بأس، ولكن كلمة (الثلاثة) واردة على لسان السلف وليست غلطاً.
стр. 306
اعتقاد أهل السنة في العشرة المبشرين بالجنة
قال رحمه الله تعالى: [والسنة أن تشهد أن العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة أنهم في الجنة لا شك فيه].
هذا أيضاً تخالف فيه الرافضة، وليس العجيب من كلامهم، العجيب من خفاء أمرهم على طلاب العلم، والعجيب أنهم في الوقت الذي يكفّرون فيه من شهد لهم النبي ﷺ بالجنة يشهدون بالجنة للمشركين من أهل الجاهلية، وهذا من عباداتهم الأساسية.
стр. 307
الجمع بين الصلاة والسلام خاص بالنبي ﷺ
قال رحمه الله تعالى: [ولا تفرد بالصلاة على أحد إلا لرسول الله ﷺ ، وعلى آله فقط].
بمعنى أن لا تقول: اللهم صل وسلم على فلان، إلا للنبي ﷺ ، وآله، أما بقية الناس فلا، مثلاً بقية الأنبياء يقال: ﵈، ومع ذلك ورد في النصوص جواز ذكر الصلاة والسلام لبقية الأنبياء، لكن الأصل أن الجمع بين الصلاة والسلام لنبينا محمد ﷺ وآله أمر واجب، ولبقية الأنبياء غير واجب، فإذا ذكرت محمداً ﷺ فلا تقل: ﵇ فقط، فهذا إخلال بحقه وترك للواجب، أما إذا قلت في حق الأنبياء ﵈ أو عليهم الصلاة والسلام فالأمر لا حرج فيه.
стр. 308
قتل عثمان بن عفان مظلوماً
قال رحمه الله تعالى: [وتعلم أن عثمان بن عفان قُتل مظلوماً، ومن قتله كان ظالماً].
هذا موجب النصوص الواردة في حق عثمان ﵁.
стр. 309
إطراء المؤلف لكتابه
قال رحمه الله تعالى: [فمن أقر بما في هذا الكتاب وآمن به، واتخذه إماماً، ولم يشك في حرف منه، ولم يجحد حرفاً واحداً؛ فهو صاحب سنة وجماعة كامل قد اكتملت فيه السنة، ومن جحد حرفاً مما في هذا الكتاب، أو شك في حرف منه، أو شك أو وقف فهو صاحب هوى].
هذا من الأمور الحقيقة التي تشكل عند البربهاري ﵀ في ظاهر العبارة، وإن كان لها محامل صحيحة، ومع ذلك فالعبارة فيها إشكال ينبغي أن نتوقف عند هذا الإشكال.
يقول: (فمن أقر بما في هذا الكتاب)، الظاهر أنه يقصد الكتاب الذي بين أيدينا.
(وآمن به واتخذه إماماً)، هذا كله كلام جيد؛ لأنه يقصد أن هذا الكتاب عرض أصول السلف ومناهج السلف، ولا شك أن أصول السلف ومناهج السلف على العين والرأس، ولذلك درسناه ويدرسه غيرنا ويعتبر من كتب أهل السنة، فاتخاذه إماماً أمر حسن؛ لأنه ليس رأي شخص أو فرد، إنما هو منهج أهل السنة وأصولهم أجملها بقدر اجتهاده، لكن قوله بعد ذلك: (ولم يشك في حرف منه)، يبدو لي أنه خانته العبارة، أو عبّر بتعبير مجازي للحرف، وهذا جائز تسعه اللغة، فكأنه قصد بالحرف الأصل، وهذا يستعمل عند كثير من أهل العلم، فلا يقصد الحرف المعهود، لكن يقصد بالحرف الأصل، والمعنى: ومن لم يشك في أصل من الأصول القطعية التي وردت في هذا الكتاب، (ولم يجحد حرفاً)، يعني أصلاً من هذه الأصول (فهو صاحب سنة وجماعة كامل قد اكتملت فيه السنة).
أما إن قصد الحرف بمعناه الدقيق ففي هذا نظر، وهذه زلة، لكن أنا أستبعد هذا.
وقوله: (ومن جحد حرفاً مما في هذا الكتاب أو شك في حرف منه، أو شك أو وقف فهو صاحب هوى) والتوجيه في هذا كسابقه، يعني أنه يقصد بذلك أصلاً أو منهجاً أو قاعدة من القواعد التي سردها والتي هي محل اتفاق عند أهل السنة والجماعة.
стр. 310
حكم من جحد حرفاً من القرآن أو السنة أو شك فيه
قال رحمه الله تعالى: [ومن جحد أو شك في حرف من القرآن أو في شيء جاء عن رسول الله ﷺ لقي الله تعالى مكذباً، فاتق الله واحذر وتعاهد إيمانك].
يعني الأولى أن تكون هذه الفقرة قبل التي قبلها، لأن تقديم القرآن أولى فيما يتعلق؛ لأن القرآن هو الأصل الذي أخذ منه السلف ما سماه الشيخ حرفاً، أي الأصول.
стр. 311
من السنة عدم الإعانة على معصية
قال رحمه الله تعالى: [ومن السنة أن لا تعين أحداً على معصية الله، ولا أولي الخير ولا الخلق أجمعين، ولا طاعة لبشر في معصية الله، ولا يُحب عليه أحداً، واكره ذلك كله لله ﵎].
هذا أمر معلوم ظاهر، فلا شك أنه ينبغي للمسلم ألا يعين أحداً على معصية أو على ظلم، وكذلك لا يعين أحداً على أولي الخير، فلا يقف في صف الظالمين المعتدين، ولا في صف أهل البدع ضد أهل الخير، فهذا من الأمور المخالفة لأصل السنة.
قوله: (ولا طاعة لبشر في معصية الله)، هذه قاعدة شرعية أيضاً.
(ولا يحب عليه أحداً، واكره ذلك كله لله ﵎، يقصد في العموم.
стр. 312
أهمية التطبيق العملي وحسن التعامل عند أهل السنة
والسلف كثيراً ما يذكرون في آخر كتبهم ما يسمى بمناهج أهل السنة وخصائصهم، أو ما يسمى بالقواعد التطبيقية لقضايا العقيدة، وكأنه يريد بذلك أن يشير إلى أن منهج المسلم في سلوكه وتعامله من ضمن العقيدة، وأن من حقيقة الاستمساك بالسنة أن يكون المسلم على الأخلاق الفاضلة بعيداً عن الأخلاق السيئة، فيكون مع العدل وضد الظلم، ومع الإحسان ضد الإساءة، أن يحب الفضائل ويكره الرذائل فهذا بالإجمال يدخل في أصول السنة، حتى وإن سماها الناس أخلاقيات، لأن الأخلاقيات هي الثمرة العملية لتطبيق السنة.
ولذلك نجد من أكثر ما يسبب الحرج على أهل السنة أن كثيراً من المنتسبين للسنة يكون تعاملهم مع الآخرين على غير السنة، وهذه إساءة إلى العقيدة نفسها؛ لأن أغلب الناس ليس عندهم مدارك يفرقون بها بين المعاني والأعمال، وإنما يقيسون أهل السنة بتصرفاتهم ومواقفهم تجاه الآخرين، وكثير من المنتسبين للسنة خاصة طلاب العلم المبتدئين وبعض الدعاة غير المتفقهين في الدين لا يهتمون باستقامة التعامل، ومن هنا يسيئون إساءة عظيمة إلى السنة وأهل السنة، ولو سلمت السنة الآن من هؤلاء لكانت استجابة الناس إلى السنة ودخولهم فيها أكثر مما هو حاصل بكثير.
فمن هنا ندرك أن أهل العلم حينما يضعون مثل هذه القواعد في آخر كتب العقيدة، يقصدون بذلك أنه لابد من المنهج العملي مع المنهج النظري، فنأخذ العقيدة كقضايا نظرية، ومن ناحية التطبيق لا بد من العمل بمقتضى السنة في تعامل الإنسان أولاً مع ربه ، ثم في موقفه من الرسول ﷺ ومن سنته، ثم موقفه من الآخرين ابتداء من الحقوق الخاصة كالوالدين والأقربين والجيران والضيوف وغيرهم، وأصحاب الحق العام كالولاة والعلماء وأهل الاعتبار والطاعة والمشورة، ثم مع المخالفين من المسلمين ومع المخالفين من الكفار.
فلا بد من مسلم يكون عنده منهج مميز واضح ظاهر يتمثل في سلوكه مع الآخرين، وهذا مما أخل به كثير من المنتسبين للسنة اليوم، ولذلك فأكثر الذين يرقبون أعمال المسلمين كبعض المفكرين والمثقفين يحسبون تصرفات بعض الذين ينتسبون للسلفية على السنة والجماعة، ولو قرأت مثلاً بعض الكتب الشهيرة التي تمثل موقف العقلانيين أو العصرانيين من السنة والجماعة لوجدت أنهم يحكمون على السنة والجماعة من خلال تصرفات بعض الذين ينتسبون للسلفية وهم يسيئون إليها.
стр. 313
وجوب التوبة
قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن التوبة فريضة على العباد أن يتوبوا إلى الله من كبير المعاصي وصغيرها.
ومن لم يشهد لمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة فهو صاحب بدعة وضلالة، شاك فيما قال رسول الله ﷺ ].
نعم هذه قاعدة واضحة.
стр. 314
حث السلف على التزام السنة
قال رحمه الله تعالى: [قال مالك بن أنس: من لزم السنة وسلم منه أصحاب رسول الله ﷺ ثم مات، كان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وإن كان له تقصير في العمل.
وقال بشر بن الحارث: الإسلام هو السنة والسنة هي الإسلام].
نرجع إلى قول مالك فقول مالك واضح أنه يقصد به أن الإنسان إذا حسنت عقيدته واستقامت، وسلم من الكلام في السابقين الأولين من أصحاب رسول الله ﷺ وأئمة الهدى، فلم يطعن فيهم ولم يكن في قلبه عليهم شيء ولا تكلم عليهم بلسانه، فإن مصيره إلى الجنة ومصيره إلى الخير وإن وقع في بعض المعاصي، وهو يقصد التفريق بين البدع الاعتقادية وبين المعاصي، فالعاصي يرجى له الخير وإن مات على معصيته، أما الذي يقع في خلاف السنة فهو أشد وعيداً.
قال رحمه الله تعالى: [وقال الفضيل بن عياض: إذا رأيت رجلاً من أهل السنة فكأنما أرى رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ ، وإذا رأيت رجلاً من أهل البدع فكأنما أرى رجلاً من المنافقين].
هذه النصوص والتي ستليها كلها تندرج تحت موضوع واحد، فلذلك يكفي التعليق عليها الآن.
وذلك أنها تدخل في عبارات السلف في النهي عن البدع والتحذير منها على سبيل الوعيد والردع وحماية السنة والوقاية من البدعة، فهي أشبه بنصوص الوعيد التي يراد بها الزجر، وليست على وجهها من كل جانب، والمعنى أن بعض العبارات فيها قسوة أو فيها حكم مغلّظ، وهذا كله على سبيل الزجر؛ لأن السلف يجعلون هذا من وسائل حماية الأمة من البدع.
فإذاً الآثار الآتية عن السلف التي في النهي عن البدع ووصف أهلها ببعض الأوصاف الصعبة جاءت على سبيل الردع والحماية والوقاية وعلى سبيل الوعيد.
قال رحمه الله تعالى: [وقال يونس بن عبيد: العجب ممن يدعو اليوم إلى السنة، وأعجب منه من يجيب إلى السنة فيُقبل.
وكان ابن عون يقول عند الموت: السنة السنة وإياكم والبدع! حتى مات.
وقال أحمد بن حنبل: مات رجل من أصحابي فرئي في المنام فقال: قولوا لـ أبي عبد الله: عليك بالسنة، فإن أول ما سألني الله سألني عن السنة.
وقال أبو العالية: من مات على السنة مستوراً فهو صديق، ويقال: الاعتصام بالسنة نجاة].
стр. 315
تحذير السلف من البدع والتشديد على المبتدعة
قال رحمه الله تعالى: [وقال سفيان الثوري: من أصغى بأذنه إلى صاحب بدعة خرج من عصمة الله ووكل إليها، يعني إلى البدع.
وقال داود بن أبي هند: أوحى الله ﵎ إلى موسى بن عمران: لا تجالس أهل البدع، فإن جالستهم فحاك في صدرك شيء مما يقولون أكببتك في نار جهنم.
وقال الفضيل بن عياض: من جالس صاحب بدعة لم يُعط الحكمة.
وقال الفضيل بن عياض: لا تجلس مع صاحب بدعة فإني أخاف أن تنزل عليك اللعنة.
وقال الفضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه.
وقال الفضيل بن عياض: من جلس مع أصحاب بدعة في طريق فجز في طريق غيره.
وقال الفضيل بن عياض: من عظّم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام، ومن تبسّم في وجه مبتدع فقد استخف بما أنزل الله على محمد ﷺ ، ومن زوّج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها، ومن تبع جنازة مبتدع لم يزل في سخط الله حتى يرجع.
وقال الفضيل بن عياض: آكل مع يهودي ونصراني ولا آكل مع مبتدع، وأحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة حصن من حديد.
وقال الفضيل بن عياض: إذا علم الله من الرجل أنه مبغض لصاحب بدعة غفر له وإن قل عمله، ولا يكون صاحب سنة يمالئ صاحب بدعة إلا نفاقاً، ومن أعرض بوجهه عن صاحب بدعة ملأ الله قلبه إيماناً، ومن انتهر صاحب بدعة آمنه الله يوم الفزع الأكبر، ومن أهان صاحب بدعة رفعه الله في الجنة مائة درجة فلا تكن صاحب بدعة في الله أبداً].
ينبغي التنبه لمثل هذه العبارات وإن وردت عن مثل الفضيل ﵀، ففيها نظر، مثل قوله: (ومن انتهر صاحب بدعة آمنه الله يوم الفزع الأكبر)، كان المفروض أن يقال: أرجو أن يؤمّنه الله من الفزع الأكبر، من باب الرجاء، وكذلك قوله: (من أهان صاحب بدعة رفعه الله في الجنة مائة درجة) فتحديد المائة فيه نظر، وهو لا ينبغي في الحقيقة، وهذا من التساهل عند بعض العبّاد أمثال الفضيل ﵀.
(فلا تكن صاحب بدعة في الله أبداً)، بمعنى: لا تقع في البدعة، لكن العبارة فيها ركاكة واضطراب.
المهم أن تحديد هذه الأمور توقيفي لا ينبغي أن نأخذ الكلام فيها على التسليم، بل لا بد أن نناقشها، ونقول: هذا شيء يحتاج إلى دليل شرعي، وليس عندنا دليل شرعي، فنتوقف في مثل هذه الأمور، وقد ذكر لها العلماء قواعد كثيرة فيما يتعلق بالاستدلال، وكونها صدرت من الفضيل أو أمثال الفضيل لا يعني أنها تُقبل من كل وجه، فهي زلة.
نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد والرشاد.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.