← Акыда

Акыда · id 37718

التعليق على شرح السنة للبربهاري - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (315 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الطعن على الآثار أو ردها من سمات أهل الأهواء والبدع قال رحمه الله تعالى: [وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار أو يرد الآثار أو يريد غير الآثار فاتهمه على الإسلام، ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع]. هذا حق، والمقصود بالآثار النصوص الشرعية وما ورد عن السلف من مناهج الدين وأصول الاعتقاد والاجتهادات والتطبيقات وغيرها. فكل ما نقل عن السلف من هديهم في القول والعلم والسلوك والمناهج، بما في ذلك مناهج تلقي الدين وطرق الاستدلال ومصادره، وبما في ذلك تناول قضايا الاعتقاد وأصول الدين، ومناهجهم في الاجتهاد وحفظ آثار رسول الله ﷺ . فمن طعن على الآثار فقد طعن على أهلها، وأهلها هم أهل السنة والجماعة، وهم المؤمنون الذين توعد الله من خالف سبيلهم؛ لأن من طعن على الآثار فقد طعن على رواتها وطعن على الدين نفسه؛ لأن الدين إنما نقله الله إلينا من خلال العدول الثقات الذين ورثوه عن النبي ﷺ ، وهم العلماء الذين بهم يبقى الدين محفوظاً إلى قيام الساعة، فإن الطعن على الآثار طعن في الدين نفسه، وكذلك رد الآثار يدخل في الطعن فيها، بل هو أشد. فالطعن على الآثار من مثل فرق المرجئة وأهل الكلام المتأخرين، أما رد الآثار فقد حدث من الخوارج وبعض المعتزلة، وحدث من الجهمية والرافضة والباطنية. قوله: (فمن أراد غير الآثار) يعني: تلقى الدين من غير مصادره الصحيحة كما مر (فهو متهم على الإسلام، ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع) سواء علم أو لم يعلم؛ لأن كثيراً من أصحاب الأهواء يقعون في الهوى بسبب تفريطهم في دين الله وهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً، لكنهم أثموا من حيث إنهم تركوا الاتباع وتركوا الاقتداء بمن يجب القدوة بهم وهم رسول الله ﷺ ثم الصحابة والتابعون.

стр. 247

جور السلطان لا ينقص فريضة من فرائض الله قال رحمه الله تعالى: [واعلم أن جور السلطان لا ينقص فريضة من فرائض الله التي افترضها على لسان نبيه ﷺ ، جوره على نفسه، وتطوعك وبرك معه تام لك إن شاء الله تعالى، يعني: الجماعة والجمعة معهم والجهاد معهم وكل شيء من الطاعات فشاركه فيه فلك نيتك]. الشيخ فسر القاعدة يقول: إن جور السلطان وهو كونه ظالماً أو فاسقاً أو فاجراً أو تحدث منه تجاوزات في حقوق العباد، وتعد عليهم في أموالهم وأنفسهم، كل ذلك لا ينبغي أن ينقص من فرائض الإسلام التي يقوم بها شيئاً مادام مسلماً له بيعة، فلابد أن يصلي خلفه وخلف خلفائه وأئمته الذين يعينهم، ولابد أن يقام معه الجهاد، سواء جهاد دفاع أو جهاد نشر لدين الله ، ولابد أن تؤدى بقراراته وبولايته شعائر الدين كالحج، والحج يوم يحج الناس مع إمامهم. وكذلك فرائض الدين كالصيام والأعياد وغيرها لابد أن يسير الناس على ما يسير عليه السلطان، فلا يتركون الجمعة والجماعة، ولا شعائر الإسلام الأخرى مثل صلاة الاستسقاء، وعند النوائب لابد من جمع الكلمة عليه وعدم الفرقة، ولابد من السمع والطاعة له بالمعروف والدعاء له كما سيذكر الشيخ فيما بعد. إذاً: جور السلطان لا ينقض فريضة، سواء من حق السلطان نفسه أو من شعائر الدين أو من أركان أو مصالح الأمة العظمى؛ لأنها واجبات لا يمكن تأديتها إلا مع السلطان سواء كان براً أو فاجراً.

стр. 248

الدعاء للسلطان من السنة قال رحمه الله تعالى: [وإذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله. يقول فضيل بن عياض: لو كانت لي دعوة ما جعلتها إلا في السلطان؛ أخبرنا أحمد بن كامل قال: حدثنا الحسين بن محمد الطبري حدثنا مردويه الصائغ قال: سمعت فضيلاً يقول: لو أن لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في السلطان، قيل له: يا أبا علي فسر لنا هذا، قال: إذا جعلتها في نفسي لم تعدني، وإذا جعلتها في السلطان صلح فصلح بصلاحه العباد والبلاد. فأمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم، وإن ظلموا وجاروا؛ لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين].

стр. 249

الدعاء للسلطان مصلحة للأمة هذا أيضاً من الأصول الشرعية التي قررها السلف، ولذلك أقروا كلام الفضيل ونقلوه واستحسنوه، وجعلوه قاعدة من قواعد الدين، وأصلاً من أصول العقيدة يتناقلونه إلى يومنا هذا؛ لأنه مبني على النصوص الشرعية التي وردت عن النبي ﷺ ، فإن من أعظم صور المناصحة الدعاء لولي الأمر بأن يهديه الله ويصلحه ويوفقه ويسدده ويعينه وييسر له الأعوان الصالحين، هذا من الأمور التي ترجع فائدتها لدين الناس ودنياهم لا لذات السلطان فقط، مع أنه يجب أن ندعو للمسلم بالصلاح وإن لم يكن سلطاناً، فكيف إذا كان سلطان.

стр. 250

الدعاء على السلطان من علامات الهوى والبدعة إذا تأملت مقتضى النصوص الشرعية والمصالح الدينية والدنيوية تجد أنه لا يدعو على السلطان إلا أحد اثنين: إما صاحب هوى وهو الغالب، بمعنى أن عنده هوى سواء كان هذا الهوى هوى القلب أو ما يسمى هوى الاتجاه الذي هو اتباع الفرق. بعض الناس قد يكون سبب دعائه على السلطان مبني على أمر شذ به عن جماعة المسلمين، إما اتجاه وإما حزب وإما فكر، فيكون عنده توجه معين يجعله يقف من السلطان الظالم والفاجر موقفاً يصل إلى الدعاء عليه، فلذلك لا يدعو على السلطان إلا متهور جاهل أو صاحب هوى؛ هذا في نظري، ولا أجد هناك صوراً أخرى، إلا أن يجتهد مجتهد فيقع في مثل هذا لكنه مع ذلك مخطئ، لأن من استساغ الدعاء على السلطان فهو مخالف لقواعد الشرع ولمقتضى العقل السليم، فإن العاقل لا يمكن أن يفعل مثل ذلك ما لم يكن يوجهه عن هذا أمر آخر صارف، وإلا فالهوى قد يصرف حتى العاقل عن مقتضى العقل. فإذاً: هذا أمر مهم، بل العكس هو المطلوب شرعاً، وهو الدعاء للسلطان بأن يهديه الله وليس الدعاء عليه يعني: الذين استساغوا الدعاء على السلطان لم يقعوا في الهوى وخلاف السنة، بل وقعوا في مصادمة الأصل الشرعي تماماً، فبدلاً من أن يعملوا بالمشروع وهو الدعاء للسلطان أن الله يهديه ويوفقه ويصلحه دعوا عليه، ولو سكتوا لكان الأمر أسهل؛ لأن بعض الناس قد يجهل الأمر فيسعه السكوت، لكن أن يخالف القاعدة مخالفة صريحة فيدعو على السلطان هذه مسألة لا تستساغ شرعاً ولا عقلاً، وإن وقع فيها بعض المجتهدين فهذا زلل ينبغي أن ينبه عليه، وإلا فقد يجتهد طالب علم أو إنسان له حظه من الفقه، وقد يكون ممن يعرف بالإخلاص والصدق، لكن إذا وقع في هذا فهو مخطئ يجب أن ينبه على زلته ويرجع إلى الأصل.

стр. 251

الأسئلة

стр. 252

حكم التزام الدعاء للإمام في الخطبة السؤال ما حكم التزام الدعاء للإمام في الخطبة؟ الجواب التزام الدعاء للسلطان في الخطبة من الأمور التي فيها خلاف، والتزامه باعتقاد أنه من سنن الخطبة -كما يظن بعض الناس- ليس بمشروع، لكن من التزمه من باب القيام بالأمر المشروع لا من باب أنه واجب ولا من باب أنه من أركان الخطبة فلا حرج عليه، ولذلك ينبغي لطالب العلم أن يغفله أحياناً لئلا يظن الناس أنه من واجبات الخطبة؛ لأن هذا الأمر قد يحدث، أعني أنه إذا التزمه الناس فمع كثرة طرقها يظن عامة المسلمين أنه من شروط الخطبة، لكن الأصل أنه مشروع وينبغي أن يؤدى بالطريق المناسب، يعني: يدعو كثيراً ويتركه أحياناً؛ لأن حاجة المسلمين اليوم قائمة وملحة إلى الدعاء لولاة أمورهم بأن الله يهديهم ويصلح حالهم، فينبغي لطالب العلم أن يدعو لهم؛ لكن لا مانع أن يتركه ما بين وقت وآخر لئلا يشعر الناس بأنه من الشروط والواجبات.

стр. 253

حكم طاعة السلطان الذي يحارب الإسلام ويلاحق الدعاة السؤال إذا ابتلي المسلمون بحاكم يحارب الإسلام ويعادي الدعاة ويلاحقهم، فهل تجب طاعته والدعاء له؟ الجواب محاربة الإسلام والمسلمين أمر نسبي قد يختلف عليه الناس، فما معنى محاربة الإسلام والمسلمين، هذه مسألة. وعلى أي حال فعند تقرير قواعد الشرع لا ينظر للشذوذات، فالقواعد المتعلقة بولي الأمر والسلطان تنطبق على السلطان المسلم الذي في عنق الناس له بيعة، هذا هو الأصل، وإذا ابتلي المسلمون بسلطان غير مسلم فلابد أن يعالجوا أمرهم على قواعد الشرع، ونحن في عافية بحمد الله، ونسأل الله أن يعافينا دائماً، وأن ييسر لجميع المسلمين أمورهم، وأن يولي عليهم خيارهم. فنحن بعافية في بلدنا هذا من مثل هذا الأمر لكن من ابتلي فينبغي أن يعالج الأمر على ضوء قواعد الشرع، وتصبح أموره أمور ضرورة يعالجونها بالحد الأدنى الذي يستطيعونه، ومع ذلك قواعد الشرع لا يمكن ترك جميعها إذا انتقض بعضها، فتبقى المصالح معتبرة وكذا درء المفاسد. في القرن السابع الهجري انفلتت أحوال الأمة وضاعت الخلافة وقضي على سلطان المسلمين في كثير من بلاد المسلمين وغلب عليهم التتار، وكانوا في أول أمرهم جاءوا بالشرك والوثنية والفلسفة ضد الإسلام، وغلبت الباطنية وسيطرت الرافضة وصارت تلدغ المسلمين من كل وجه، فحصل على الناس حرج في دينهم، ومع ذلك ما فتئ العلماء يحلون مشكلات الناس بقدر ما يستطيعون. فيبقى الحد الأدنى من ضرورة حفظ أمن الناس، ويبقى حد أدنى من الطاعة للوالي وإن كان أحياناً ليس عنده من الإسلام إلا الاسم، فاجتمع المسلمون على ولايات أصحابها من أفجر الفجار، وربما نقول: من أكفر الكفار ممن يدعون الإسلام من الباطنية وغيرهم، بل ممن لا يدعون الإسلام. هذه بلوى يجب أن نسأل ربنا العافية، فإذا ابتلي بلد من بلاد المسلمين بسلطان لا يقيم حدود الله أو يحارب الإسلام، يجب أن يتقوا الله ما استطاعوا، ولابد أن يبقى عندهم حد أدنى من الطاعة لا للسلطان؛ لكن لأن الناس لابد من أن يجتمعوا ولو اجتماعاً رمزياً يحفظ الحد الأدنى من أموالهم وأعراضهم وحقوقهم، ولو انتهك الكثير منها، أي أننا نرجع إلى تطبيق قواعد الشرع. لأن بعض الناس يعيش خيالات فيقول: إذا كان البلد المسلم فيه حاكم غير مسلم لا يقيم شعائر الله فمعناه لا سمع له ولا طاعة، فيفعل ما يشاء ويبيح للناس أن يفعلوا ما يشاءون، ونحن نقول: هذا غير صحيح، فإن المسلمين ابتلوا في بعض عصورهم بأن سيطر عليهم المحتلون من الكفار يهود ونصارى، ومع ذلك بقي العلماء يفتون الناس بالبقاء والاستمساك بمصالح معينة، لا لأنها طاعة للسلطان لكن لأنها الحد الأدنى الذي به تستقيم حياة الناس، فكانوا يصلون ويقيمون الجمعة والجماعات، وأحياناً يعملون أشياء ربما تكون من أعمال السلطان كالحسبة؛ لأنه لا يوجد سلطان، فيديرون أمورهم بقدر ما يستطيعون. فالشاهد أن مثل هذا البلوى بحاكم غير مسلم وليس له بيعة لابد من الرجوع فيها إلى العلماء وإلى قواعد الشرع، ولا تترك للاجتهادات الفردية كل يقول فيها ما يشاء، فتكون الدنيا فوضى، والناس إذا نزعت من قلوبهم الطاعة انفلت الأمن عندهم، فلابد من قدر معين من النظام تقوم به المصالح وتدفع به المفاسد، والله أعلم.

стр. 254

حكم استباحة أموال الكفار في بلاد الكفر السؤال بعض الناس يعيش في بلاد الكفار، فيستبيح أخذ أموالهم وسرقتها باعتبار أنهم حربيون، فما الحكم؟ الجواب هذا حرام، فمثلاً إنسان عاش في بريطانيا أو أمريكا أو أوروبا أو أي بلد كافر خالص هل يستبيح الأموال أو لا يدفع القيمة إذا اشترى سلعة بدعوى أنها أموال كفار؟! هذا لا يجوز، ومن قال إنه يباح مال الكافر بهذه الطريقة؟! فليس هذا بحال حرب فيقول غنمت أموال الكفار، وعلى ذلك إذا غنمها لو أخذ منها قيمة قشة بدون وجهها الشرعي فهي غلول، فكيف بأموال الناس. كذلك استباحة الأنظمة التي تقوم بها حياة الناس حتى في بلاد الكفار ما لم تكن أنظمة تحل حراماً أو تحرم حلالاً، لكن أكثر الأنظمة المادية العادية التي فيها بيع وشراء أو فيها اعتبار مصالح وتنظيم لحياة الناس هذه لا بد أن تُحترم وتُعتبر وإن كانت في بلاد الكفار، وإلا فلن تستقيم حياة الناس، فلولا الأنظمة في بلاد الكفار ما استطاع المسلمون أن يقيموا شعائر الدين في بلاد الكفار، ولا أن يكون لهم ممتلكات ومساجد ويدعون إلى الله ، كثير من بلاد الكفار الدعوة فيها أكثر حرية من بلاد المسلمين، ولا يعني ذلك أنا نفضّل أنظمة الكفار؛ لكن نقول: الضرورات لها أحكامها، ولا ينبغي للمسلم أن يتجاوز الأصول الشرعية إذا فقد السلطان المسلم، ولا يستحل ما لا يجوز له، فلا بد من اعتبار جلب المصالح ودرء المفاسد على قدر ما يجتهد فيه أهل الاجتهاد.

стр. 255

حكم التحذير ممن ينشر مخالفاته في الكتب السؤال إذا نشر الرجل أقواله في كتبه وهي تخالف ما عليه السلف، فهل يشهّر به ويحذّر منه؟ الجواب إذا كان الرجل ممن يقرأ له ويُتبع فهذا نوع من المجاهرة، فلا بد من الرد عليه وبيان حاله، أما إذا كانت كتبه مغمورة ومدفونة ولا تقرأ فربما يكون من المصلحة معالجة الأمر بغير التشهير.

стр. 256

حكم عدم التأمين عند الدعاء لولي الأمر السؤال ما الواجب على الإنسان إذا علم أن بعض الناس في الدعاء لولاة الأمر يسكت ولا يؤمّن على الدعاء في القنوت؟ وما حكم فعل ذلك الشخص؟ الجواب هذا هو خلاف السنة، فلعله اشتبه عليه الأمر أو قلّد غيره، فينبغي أن يُنصح ويبيّن له، ولا أدري ما الذي يضيّق صدر المسلم في أن يهتدي الوالي؟ فهذا من تحجير ما وسع الله تعالى، فينبغي أن ينصح وينبه أنه وقع في الهوى وهو لا يدري. ومعنى الهوى أن في نفسه على الحاكم شيئاً فيصعب عليه أن يؤمن إذا دُعي للحاكم. وهذا ما قدّم دين الله على رغبة نفسه، فيجب أن يفتش عن حاله وينصح في هذا الأمر، وليست هذه مجرد وجهة نظر، بل هذه من سنن الهدى، فقد نختلف في مسألة استمرار الدعاء، لكن إذا دعا مسلم أو دعا إمام لولي الأمر بأن الله يهديه ويصلحه فلا يسعك إلا أن تقول: آمين، فليفكر العاقل، ومع ذلك قد يكون هذا الحال عن غفلة وهو الغالب، أي أنه قد يكون بعض الناس غافلاً أثناء الدعاء حتى لو دعا بدعاء آخر، فأرجو أن يتثبت الذي يجد مثل هذه الظاهرة من حال الذي يحدث منه ذلك؛ لأنه في الغالب أنه لا يسع مسلم يتقي الله ويريد مصالح المسلمين إلا أن يؤمّن في الدعاء لولي الأمر.

стр. 257

الخلل الذي طرأ للعز بن عبد السلام في العقيدة السؤال ذكرت أن العز بن عبد السلام عنده بعض الخلل في العقيدة؟ الجواب هذا صحيح، والعز بن عبد السلام ﵀ من أئمة الإسلام وأئمة الهدى وله مواقف محمودة في نشر السنة ورد البدع، لكنه في جانب العقيدة تابع الأشاعرة في بعض الأمور وخالف أهل السنة، وهناك ردود عليه معروفة في وقته وبعد وقته، لكن لعلها تكون من زلّات العلماء، فهو مما يظهر أنه لا يقصد البدعة، لكن مع ذلك عنده أمور واضحة مثل تقسيمه البدعة التقسيم الذي صار يتكئ عليه الآن أهل البدع، فهو يرى أن هناك بدعة حسنة وغير حسنة، وأن البدعة تجري عليها الأحكام الخمسة، فهذا لا شك أنه خلاف منهج أهل السنة والجماعة، بل يعد خللاً في منهج أهل السنة في هذا الجانب، كذلك موقفه من الصفات، لكن يغفر الله لنا وله، وهو ممن يتأول وصاحب التأوّل يجب ألا نبدّعه أو نخرجه من السنة بالجملة، لكن فيما خالف فيه أهل السنة نبيّن ذلك.

стр. 258

شرح السنة [١٩] من علامات أهل السنة أنهم يعرفون لأمهات المؤمنين أزواج الرسول الكريم فضلهن وحقهن، ويترضون عنهن، ولا يذكرونهن إلا بخير، ومن علاماتهم أنهم يتعاهدون الفرائض مع جماعة المسلمين، ومن علامات أهل البدع أنهم ينبزون أهل السنة بما ليس فيهم، ويطعنون فيهم بما هم منه براء، فمن كان كذلك فهو مبتدع يجب الحذر منه، ولا يجوز الأخذ أو التلقي عنه في أمور العقيدة وأصول الدين.

стр. 259

عقيدة أهل السنة في أمهات المؤمنين قال إمام أهل السنة في عصره أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [ولا تذكر أحداً من أمهات المؤمنين إلا بخير]. كما يقال في الصحابة ﵃ عموماً، وكما يقال أيضاً في حق العشرة المبشرين بالجنة، وكما يقال في حق آل البيت، وكما يقال في حق الخلفاء الأربعة؛ كذلك يقال في حق أمهات المؤمنين أزواج رسول الله ﷺ ، فلا يذكرن إلا بخير لأن الطعن أو اللمز في أزواج النبي ﷺ ينعكس على حق النبي ﷺ لأنه استنقاص لحقه، فإنه لا يليق أن يقال في أزواج النبي ﷺ ما يسيء إليه هو وما يسيء إليهن أيضاً بصفتهن أزواج النبي ﷺ ، وبصفتهن مؤمنات مسلمات زكّاهن الله في كتابه، فهن يدخلن في عموم الصحابة في عدم جواز السب لهم وعدم جواز اللمز والطعن فيهم، ولهن حق أخص بصفتهن أزواج رسول الله ﷺ . وهذه إشارة إلى ما وقع عند أهل الأهواء، فإن المسلم المستقيم الذي على الفطرة مهما كان عنده من الفسق والفجور، فإنه إذا استقامت عقيدته لا يمكن أن يجرؤ على القول في أزواج النبي ﷺ أو في إحداهن كما فعلت الرافضة فعلى هذا فإنه لا يقدح فيهن إلا صاحب هوى، ولذلك لم يحدث شيء مما ذكره هو وأشار إليه من ذكر أمهات المؤمنين بغير الخير إلا من أهل الشر والبدع والأهواء وعلى رأسهم الرافضة، فالرافضة هم أول من تولى كبره في ذلك، وكذلك بعض الخوارج.

стр. 260

تعاهد الفرائض في جماعة علامة على السنة قال رحمه الله تعالى: [وإذا رأيت الرجل يتعاهد الفرائض في جماعة مع السلطان وغيره، فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله تعالى، وإذا رأيت الرجل يتهاون بالفرائض في جماعة وإن كان مع السلطان فاعلم أنه صاحب هوى]. هذه من شعائر الدين ومن علامات السنة الظاهرة التي تميز أهل السنة وأهل الحق عمن سواهم من أهل الأهواء والبدع والافتراء، وأصحاب النزعات الفردية أو النزعات الجماعية الذين خالفوا السنة والجماعة، ذلك أن أكبر برهان ظاهر على التزام السنة الذي أمر الله به وأمر به رسوله ﷺ هو التزام جماعة المسلمين في الصلاة، لأنها هي المظهر الأول والبيّن الذي يتكرر في حياة المسلم ويتميّز به عن غيره، فيتعاهد الفرائض في جماعة مع السلطان، يعني مع ولي الأمر أو من ينيبه ولي الأمر، لأن أئمة المساجد يقومون بإمامة المساجد بتعيين الولاية لهم أو برضا الجماعة عنهم، فيكون هذا الأمر حاصلاً في حق الإمام الأكبر أو فيمن ينوّبهم من أئمة المساجد وفي كل جماعة تقوم لها صفة الجماعة وإن قلّت في الحي، وفي العمل، وفي السفر أو الحضر، فالمهم أن شعار المسلم المستمسك بالسنة الحفاظ على جماعة المسجد، والجماعة في مصالح الأمة الأخرى أيضاً، لكن كما قلت: الفرائض هي أكبر شعار يتبين به من يلتزم الجماعة ومن لا يلتزم. إذاً: فالذي يلتزم الجماعة ويواظب عليها يكون ظاهره من أهل السنة ما لم يكن هناك قرائن أخرى تصرفه عن ذلك، وكذلك العكس، إذا كان هناك رجل يتهاون بالصلاة ولا يحضر الجماعة فهو مغموز في دينه، فهو إما صاحب هوى يقدح في الجماعة ويشذ عنها بهواه وببدعته، وإما أن يكون ممن غُمز بالفسق والفجور والتهاون في دين الله . قال: (وإن كان مع السلطان)، بمعنى أنه إذا ترك الجماعة وإن كان مبايعاً للسلطان يسمع ويطيع، أو وإن كان من أعوان السلطان وحاشيته فإنه إذا ترك الجماعة فإن هذه علامة سوء ومغمز يغمز به ويعتبر ممن أخطأ في حق الجماعة ووقع في المحذور الشرعي.

стр. 261

ضوابط معرفة الحلال والحرام والشبهة قال رحمه الله تعالى: [والحلال ما شهدت عليه وحلفت عليه أنه حلال، وكذلك الحرام، وما حاك في صدرك فهو شبهة]. الشيخ هنا يقرر القاعدة الفطرية لا القاعدة الشرعية؛ لأن مسألة الحلال والحرام تتبين بأمور: أولها: النصوص، فالحلال ما أحلّه الله والحرام ما حرمه الله، وقد جاءت النصوص في بيان أن الأصل في الأمور الحل، وأن الحرام ما نُص عليه أو دخل في قاعدة من القواعد التي يتبين بها الحرام من خلال النصوص الشرعية أو الإجماع، هذا أمر. الأمر الآخر: أن هناك درجة أخرى للتمييز بين الحلال والحرام بعد النصوص الشرعية، وهو الفطرة والعقل السليم، فإن الفطرة والعقل السليم رُكّبت على أنها توافق الشرع في الإقرار بما أحله الله والنفور مما حرمه الله. وهو هنا يشير إلى المعنى الفطري في المسلمين الذين هم على الاستقامة، وهم عامة المسلمين الذين لم تدخلهم الشبهات ولا الشهوات، أما إذا دخلت على الإنسان الشبهات والشهوات فإنه قد يحلف على الحلال بأنه حرام والعكس كذلك، لأنه مسخت فطرته، وفسد عقله، وتبع هواه. إذاً: فكلام الشيخ هنا ينطبق على المسلم العادي الذي هو على الفطرة في الأصل ولم ينجرف بالشهوات ولم ينحرف بالشبهات، فهذا يجد أن الحلال بيّن ويحلف عليه أنه حلال بمقتضى أنه يفقه دين الله ، وكذلك الحرام. ثم قال: (وما حاك في صدرك فهو شبهة)، وهذا أيضاً للمسلم الذي لم تعتره الصوارف التي تصرفه عن مقتضى الفطرة من الشبهات في الشهوات، فإنه إذا بقي على الفطرة فإنه ينطبق عليه قول النبي ﷺ : (الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطّلع عليه الناس).

стр. 262

المستور والمهتوك قال رحمه الله تعالى: [والمستور من بان ستره، والمهتوك من بان هتكه]. وهذا أيضاً راجع إلى قاعدة الحكم بالظاهر، فالناس ليس لهم إلا الظاهر ما لم تتوافر قرائن على الشخص في تزكيته أو في تجريحه، فالمستور من ستره الله ، لا ينبغي أن نحكم على الناس بالظن، ولا بالشبهات التي لا تقوم بها حجج وأدلة، ولا بمجرد القرائن التي لا تقوى على إخراج الإنسان من حكمه الأصلي، فبعض الشبهات أو القرائن القليلة لا تكفي في أن إخراج الإنسان عن الستر، فالأصل التبيّن والتثبّت. وكذلك العكس: فإذا ظهر في الإنسان الفجور وجاهر بالبدعة فقد خرج من كونه في عافية كما ثبت عن النبي ﷺ ، فهذا لا يقال إن الأصل فيه الستر، إنما الستر على من لم يظهر منه شيء.

стр. 263

من علامات أهل الأهواء أنهم ينبزون أهل السنة قال رحمه الله تعالى: [وإن سمعت الرجل يقول: فلان مشبّه، وفلان يتكلم في التشبيه، فاتهمه واعلم أنه جهمي، وإذا سمعت الرجل يقول: فلان ناصبي فاعلم أنه رافضي، وإذا سمعت الرجل يقول: تكلم بالتوحيد واشرح لي التوحيد، فاعلم أنه خارجي معتزلي، أو يقول: فلان مجبر أو يتكلم بالإجبار أو يتكلم بالعدل فاعلم أنه قدري؛ لأن هذه الأسماء محدثة أحدثها أهل الأهواء]. هذه أيضاً قواعد جيدة، وهي على التغليب، ذلك أن الأصل في المسلمين الإسلام والسنة، ما عدا من خرجوا وتميزوا بالبدعة، فالخوارج مثلاً تميّزوا ببدعتهم، والرافضة والشيعة تميّزوا ببدعتهم، والجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة تميزوا ببدعتهم، فيبقى عامة المسلمين هم الذين لهم هذا الحكم، بمعنى أننا نعرف أن الأصل في المسلمين الذين على السنة أنهم ليسوا مشبّهة ولا ناصبة ولا مرجئة ولا مجبرة ولا مكفّرة ولا غير ذلك.

стр. 264

من ينبز السني بالتشبيه فهو جهمي إذاً فإذا سمعت من يطلق على المسلم المستقيم أنه مشبّه فاعلم أن هذا الذي أطلق التشبيه على المسلم عنده نزعة تجهّم؛ لأن المشبهة انقطعت ولم تعد موجودة الآن، ولأن التشبيه أمر بيّن لا يمكن ألا يعلم به إلا مثل هذا الشخص الذي يلمز الناس ويغمزهم ويشير إليهم بأصابع الاتهام، وهو صاحب الهوى. إذاً فمن أطلق هذه الكلمة على أخيه المسلم فينبغي أن تتثبت من حاله، فالغالب أنه جهمي أو معتزلي أو مؤول، وهذه كلها يشملها مسمى جهمي كما ذكرت في دروس سابقة، وهو منهج السلف في الآونة الأخيرة، فإنهم يسمون كل من أوّل وعطّل، وكل من لمز السلف أو عاب منهجهم، أو تكلم في الصفات، أو قرر الدين بغير مناهج السلف جهمياً، وهذه هي التسمية الحقيقية؛ لأن كل أصول الفرق ترجع إلى منهج الجهمية السابقة لها واللاحقة، فعلى هذا كل من وصف مسلماً بأنه مشبّه فهو جهمي إلا إذا ثبت أنه مشبه فعلاً وهذا نادر، والنادر لا حكم له.

стр. 265

من ينبز السني بالنصب فهو رافضي وكذلك من قال فلان ناصبي، والناصبة هم الخوارج، فإذا أطلق كلمة ناصبي على غير الخوارج فهو رافضي، أو عنده نزعة تشيّع.

стр. 266

من يبالغ في الكلام على التوحيد فهو قدري وكذلك إذا سمعت الرجل يتكلم بالتوحيد، يعني يبالغ، فهو قدري، وفي عهد الشيخ لم تشتهر كلمة التوحيد في إطلاقها على العقيدة، وإنما كانت العقيدة تسمى السنة، ويندر استعمال كلمة توحيد، وأكثر ما اشتهرت في القرن الرابع في عهد الإمام ابن خزيمة ومن جاء بعده، مع أنه ما أطلق التوحيد على عموم العقيدة، وإنما أطلق التوحيد على الصفات في كتابه التوحيد، فإذاً الكلمة كانت في مرحلة من مراحل الاصطلاح التي مرت بها، فكان في عهد البربهاري إطلاق العقيدة تحت وصف السنة لا التوحيد، فكان الذين يرفعون مسمى التوحيد هم المعتزلة والجهمية وبعض الرافضة وبعض الخوارج، ويقصدون بالتوحيد إنكار الصفات. ثم بعد ذلك الاصطلاح تحول حتى صار شائعاً عند أهل السنة أنهم يطلقون على العقيدة توحيداً، خاصة في القرن السادس والسابع والثامن والتاسع، ثم في عهد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ومن جاء بعده صاروا يطلقون على العقيدة كلها توحيداً من باب أن أكثر ما وجد الإخلال في الأمة في العصور المتأخرة في جانب التوحيد من الناحية العملية، حيث وقعت كثير من الأمم في البدع والشركيات والتوسلات، فصار التركيز على إظهار العقيدة بمسمى التوحيد هو المناسب للعصور المتأخرة، ولا مشاحة في الاصطلاح. فالشاهد أنه في عهد الشيخ البربهاري كان الذي يبالغ في مسألة التوحيد أكثر من اللزوم في الغالب أنه يقصد بها نفي الصفات وهذا هو الحاصل، هذا هو الحاصل إذا استقرأنا كتب ومناظرات ومؤلفات وأعمال الجهمية في ذلك الوقت، فيسمون تعطيلهم توحيداً. ثم قال: (فاعلم أنه خارجي معتزلي)، لأن الخوارج والمعتزلة في وقته بدءوا يعتنقون مذهب الجهمية، فكلهم يطلقون على التأويل والتعطيل والتحريف توحيداً. (أو يقول: فلان مجبر أو يتكلم بالإجبار أو يتكلم بالعدل فاعلم أنه قدري)، أي: أو جهمي؛ لأن الأصل في عموم المسلمين أنهم يقولون مذهب أهل السنة والجماعة بأن القدر من الله بخيره وشره، فمن بالغ في هذا الأمر وقال بأن فلاناً مجبر فهو قدري، والذي يطلقها هو القدري المعتزلي الذي يصف من يخالفه بالجبر.

стр. 267

من يتهم أهل السنة اليوم بالإرجاء أو التكفير كذلك يمكن أن يقاس على هذا ما يناسبه أو ما يقابله، فمن أطلق على أئمة أهل السنة وعلمائهم وطلاب العلم منهم بأنهم مكفّرة فهو مرجئ، وهذا كثير في عصرنا هذا، والعكس كذلك من أطلق على بعض علماء المسلمين الذين يقولون بقول من أقوال السلف في الإيمان أو في الأحكام والأسماء بأنهم مرجئة ففي الغالب أن عنده نزعة تكفير ولا أقول: دائماً، ولذلك كثر ذلك الآن عند الذين عندهم شيء من الغلو ونزعة التكفير وإن لم يكونوا خوارج، فتجدهم يطلقون على بعض أقوال أهل السنة بأنها إرجاء، ويطلقون على كثير من علمائنا المعاصرين وطلاب العلم بأنهم مرجئة، وهذه أيضاً كثرت فيجب التنبه لها؛ لأن أقوال السلف في مسائل الإيمان وفي الأسماء والأحكام فيها تفاوت في الحقيقة، وبعضها قد يكون قريباً من قول المرجئة لكن لا يعني أن من قال بها فهو مرجئ، وبعضها قريب من قول المكفّرة لكن لا يعني أن من قال بها فهو مكفّر. فأقوال أهل السنة والجماعة تتفاوت لكن لا تصل إلى القول بالتكفير المحض ولا القول بالإرجاء المحض ولا حتى إرجاء الفقهاء، لكن هناك توافق في بعض فتاوى السلف وأقوالهم مع بعض أقوال المرجئة، بل أقول إن كثيراً من السلف تتوافق فتاواهم مع كثير من أقوال المرجئة في مسألة الأسماء والأحكام، والعكس كذلك يوجد كثير من السلف تتوافق فتاواهم مع بعض أقوال الذين عندهم شيء من التشدد، لكن ليس من كل وجه، فهم لا يوافقونهم على لوازم الحكم، ولا يوافقونهم على أحكام المعيّن، إنما في الأحكام العامة. فالسلف في تفاصيل الأسماء والأحكام ليس بينهم اتفاق، إنما اتفاقهم في أصول مسائل الإيمان وحده وحقيقته، ودخول الأعمال في مسمى الإيمان، والاستثناء في الإيمان أيضاً في الجملة، وإن كان بعضهم يرى أنه واجب وبعضهم يرى أنه جائز، وبعضهم يرى أنه مكروه، ومع ذلك كلهم يقولون بمشروعية الاستثناء في الإيمان، وكذلك ما يتعلق بمجملات الأسماء والأحكام، مثل حد الكافر والمنافق والفاسق والفاجر لكن عند التفاصيل وعند التطبيق على المعيّن، وعند بعض الأحكام التي تستنبط من النصوص بين الوعد والوعيد، نجد أن السلف منهم من يميل إلى تغليب الوعد ومنهم من يميل إلى تغليب الوعيد، ولا يخرجون إلى مذهب المرجئة ولا إلى مذهب الخوارج، فيكون هناك مسافة معينة في الخلاف بين أهل السنة، فمن لم يخرج عن نطاق هذه المسافة فلا يجوز وصفه بمرجئ ولا بمكفّر. وليت واحداً ينبري لهذه المسألة يقعّد فيها حتى يسهم في إصلاح ذات البين الحاصلة الآن بين كثير من طلاب العلم من أهل السنة والجماعة، لأن الأمر إذا لم يعالج قد يصل إلى حد الفرقة، نسأل الله السلامة.

стр. 268

عدم جواز الأخذ والتلقي عن أهل البدع في بدعهم قال رحمه الله تعالى: [قال عبد الله بن المبارك: لا تأخذوا عن أهل الكوفة في الرفض شيئاً، ولا عن أهل الشام في السيف شيئاً، ولا عن أهل البصرة في القدر شيئاً، ولا عن أهل خراسان في الإرجاء شيئاً، ولا عن أهل مكة في الصرف، ولا عن أهل المدينة في الغناء، لا تأخذوا عنهم في هذه الأشياء شيئاً]. هذا كلام جيد، وهذا ليس بأحكام، بل هو من باب الخصائص والسمات. ولا شك أن المتأمل لأحوال الافتراق والفرق منذ نشأتها وإلى يومنا هذا يجد أن لها علاقة بالبيئات والمواطن، ولها علاقة بالأجواء السياسية والاجتماعية، فالأحداث والفتن في بقعة ما قد تتسبب في ظهور بدعة أو فرقة في هذه البقعة أو في هذا المكان أو في هذا الزمان، فهذه الخصائص موجودة في الحقيقة لكن ليست لازمة في كل الأزمنة، فهذا الذي ذكره كان في عهد عبد الله بن المبارك، وقد يكون هو الغالب في الأقاليم على وجه الاستمرار، لكن لا يعني أن هذه أحكام قطعية، إنما هذه ظروف أو أحوال عرفت من خلال الاستقراء التاريخي، فنجد أن الرفض بدأ في الكوفة، وهو الغلو في علي ﵁ وفي آل البيت، والرفض صنعة مجوسية فارسية يهودية خالصة، والدليل على هذا أن الرافضة تعلقوا في أول نشأتهم بآل البيت، لكنهم أول من أساء وخذل آل البيت، وذلك حين انخدع بهم الحسين حتى خذلوه وقتل على أيديهم، وانخدع بهم علي بن أبي طالب قبله وأقبل إليهم لينصروه فخذلوه، ولجأ إليهم كثير من أئمة أهل البيت فخذلوهم، فهم من أرذل الناس وأخذلهم، وهذا مما يدل على أنهم ليسوا صادقين إذاً: الذي ليس بصادق يرجع إلى أصوله وعليه فإن الأصول العقدية للرفض راجعة إلى المجوس والفرس، والموطن موطن المجوس والفرس، وإن كانت الكوفة إنما أنشئت في عهد عمر بن الخطاب لكن أكثر من استوطنها طوائف من شذاذ الأمم والقبائل المختلفة، فبذرت بينهم بذور الرفض، فكانت البيئة جغرافياً وعقدياً واجتماعياً بيئة مناسبة للزنادقة الذين أنشئوا هذه العقيدة، وذلك قدر من أقدار الله، لكن مع ذلك يكون للبشر الذين جعل الله فيهم فتنة وابتلاء على العباد أثر في اختيار البيئات المناسبة لمثل هذه الأفكار، فالرفض فعلاً نشأ في الكوفة ولا يزال إلى يومنا هذا أقوى ما يكون في الكوفة أو ما حولها. ثم قال: (ولا عن أهل الشام في السيف شيئاً)، يظهر من كلامه أنه يقصد أن أهل الشام منهم طوائف عندهم طاعة عمياء يطيعون في المعروف والمنكر، ولذلك كان في بعضهم غلو حتى زكّوا الفجار والظالمين، فمن هنا قد يكون رأيهم في هذا الأمر ليس معتبراً، لأنه لا يعرف أن أهل الشام أهل خروج، بل العكس كانوا أهل تعصب مع الحاكم. (ولا عن أهل البصرة في القدر شيئاً) قدرية المعتزلة نشأت في البصرة، وترعرعت ونمت وعشعشت وفرّخت في البصرة، ثم انتقلت إلى بقية العالم الإسلامي. (ولا عن أهل خراسان في الإرجاء شيئاً) أهل خراسان أغلبهم من أتباع أبي حنيفة ﵀، وأبو حنيفة مرجئ، فتعلق الأحناف بمذهب الإرجاء لأنه مذهب إمامهم، وأكثر ما تمكن في العصور الأولى في خراسان مذهب الأحناف، فتعلق المذهبان بعضهما ببعض من هذه الناحية، فكان أهل خراسان مرجئة غالباً لأنهم أحناف، والأحناف متعصبة في الإرجاء. (ولا عن أهل مكة في الصرف شيئاً)، للصرف احتمالان: الاحتمال الأول الذي ذكره المحقق هو صرف العملات؛ لأن مكة تفد إليها جميع فئات المسلمين من كل بلد، وكل فئة معها عملة، فكانت الضرورة تلجئهم إلى أن يتساهلوا في الصرف، يأتي مغربي معه عملته فيضطر إلى أن يصرف بطريقة قد يكون فيها شيء من المعاملات التي فيها لبس، فالذي يظهر لي أن أهل مكة يوجد في تجارهم التساهل في مسألة صرف العملات لكثرة وفود الحجاج الذين تكثر عملاتهم وتتنوع فلا يكون هناك ضبط، والله أعلم. الاحتمال الثاني: أن المقصود به الصرف السحري، ولا يعني هذا أن هذه الصفة غالبة على أهل مكة، لكن نظراً لأن مكة موئل لكثير من المسلمين، فيأتي إلى مكة من عندهم شيء من الشعوذة والدجل، ويقتنصون الناس هناك نظر لأنهم أكثر حاجة في مكة بسبب الغربة، وهذه الغربة يكتنفها شيء من الجهل وقلة الفقه في دين الله ، فربما تكثر الشعوذة والدجل على أيدي الدهماء والعوام الذين يردون إلى مكة، والله أعلم. (ولا عن أهل المدينة في الغناء)، كذلك لا يعني هذا أن المدينة اشتهرت بالغناء، لكن يعني ذلك أنه في فترة من الفترات وجد من تساهلوا في الغناء، لكن هؤلاء لا يكونون من علية القوم، والغالب أنهم من السفلة الذين يعيشون في أجواء معينة، وقد يشتهر تبتلى مدينة من المدن بشهرة اثنين أو ثلاثة ممن يعرفون بهذا، فيكون علماً بارزاً أو سمة بارزة في وقت من الأوقات وفي ظرف من الظروف، لا سيما بعد خروج أهل المدينة على يزيد بن معاوية حيث انتهكت المدينة وحصل فيها شيء من ضعف أهل الحل والعقد، وربما أدى هذا إلى ظهور الفجور في بعض الفترات، فكانت هذ

стр. 269

الأسئلة

стр. 270

تعليل عدم سؤال أهل مكة عن الصرف بفتوى ابن عباس في الربا السؤال أليس سبب عدم سؤال أهل مكة عن الصرف والأخذ عنهم هو بسبب أن ابن عباس ﵄ كان لا يرى الربا إلا في النسيئة؟ الجواب هذا قد علل به بعض أهل العلم، وأنا في الحقيقة نسيت ذلك وإلا فقد ورد عن كثير من أهل العلم القول بذلك، ومع هذا قد لا يكون هو السبب الوحيد، لا سيما أن ابن المبارك ﵀ كان في القرن الثاني الهجري، فقد طال الزمن بين عهد ابن عباس وهذه الفترة، ومع هذا يبقى هذا سبباً وجيهاً.

стр. 271

حكم الألعاب السحرية السؤال هل يعد فعل أمور غريبة أمام الناس إما لكونها تعتمد على الحيلة وخفة اليد، وإما لاستخدام مواد كيميائية فيها تمويه وليس فيه استخدام شياطين من المحذور الشرعي، وما حكم الذهاب إلى من يفعله؟ الجواب أي شيء يوقع الناس في شيء من الخدعة، أو يوقع في أنفسهم شيئاً من الاعتقادات الباطلة أو التوهمات فلا ينبغي سلوكه، ولذلك كان السلف ينكرون ويزجرون الكيميائيين الذين يستعملون أعمالاً علمية، مع أن أهل العلم الراسخين يعرفون أن هذا علم كيميائي، لكن كان يختلط هذا بالقمار ويختلط بالدجل والشعوذة، فكان السلف ينهون عنه أشد النهي؛ لأنه لا ينبغي لأحد أن يستعمل ما عنده من علم أو تجربة أو تمرينات في خداع الناس ولفت أنظارهم إليه أو التمويه عليهم، فهو نوع من أنواع الدجل؛ لكنه ليس كالدجل بفعل الشياطين والجن، إنما يدخل في المشتبهات، بل أحياناً يصل إلى حد التحريم إذا ترتب عليه أكل أموال الناس بالباطل أو ترتب عليه التمويه على الناس.

стр. 272

تفسير غناء أهل المدينة بغناء الصوفية غير صحيح السؤال ألا يفسّر قول ابن المبارك: (ولا عن أهل المدينة في الغناء شيئاً)، بغناء الصوفية المعروف عندهم، ولا سيما أن المدينة موطن صوفية؟ الجواب لا، ففي عهد ابن المبارك كانت المدينة نظيفة من التصوف وليس فيها أدنى شيء مما يوجد الآن، بل المشهور أنه يوجد فيها بعض أهل المجون والغناء الذين اشتهرت قصائدهم وبعض أفعالهم، لكن هذه من سفلة الناس، وربما بعض أهل العلم لعموم البلوى في مثل هذه الأمور يكون عندهم بعض الفتاوى في الترخيص.

стр. 273

حكم تعليق الصور على الحائط السؤال ما حكم تعليق الصور على الحائط، مثل تعليقها في الفصول الدراسية كوسيلة لفهم التلاميذ؟ الجواب إذا كانت المادة التي تدرس تقتضي الاستفادة من الصورة في شرح شيء علمي مفيد فهذا مما لا حرج فيه، لكن إذا زال السبب ينبغي أن تزول الوسيلة.

стр. 274

شرح السنة [٢٠] أهل السنة يحبون بعضهم بعضاً، خاصة كبارهم وعلماءهم ومن لهم سبق قدم في الإسلام، وأهل البدع يجالسون من هم على شاكلتهم، ويحبون ويعظمون رءوس البدع والأهواء، ويردون الأثر من الكتاب والسنة، ويدعون الناس إلى السيف، وإلى التعطيل والزندقة، ويطعنون في الصحابة ليؤذوا رسول الله بذلك، فيجب الحذر منهم ومن بدعهم وأهوائهم؛ لأن البدعة أشد خطراً من المعصية.

стр. 275

من سمات أهل السنة محبة علماء السنة قال إمام أهل السنة والجماعة في عصره أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [وإذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة وأنس بن مالك وأسيد بن حضير فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله. وإذا رأيت الرجل يحب أيوباً وابن عون ويونس بن عبيد وعبد الله بن إدريس الأودي والشعبي ومالك بن مغول ويزيد بن زريع ومعاذ بن معاذ ووهب بن جرير وحماد بن سلمة وحماد بن زيد ومالك بن أنس والأوزاعي وزائدة بن قدامة فاعلم أنه صاحب سنة. وإذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل والحجاج بن المنهال وأحمد بن نصر وذكرهم بخير وقال قولهم فاعلم أنه صاحب سنة]. هذا من الأصول والسمات في أهل السنة والجماعة، فمن أبرز السمات بين أهل السنة حبهم لبعضهم، ذلك أنهم يعرفون بالسنة وتعرف السنة أيضاً بعملهم وتطبيقهم، فهم أئمة الهدى، والمرء مع من أحب، ومن أحب قوماً حُشر معهم، والمرء على دين خليله. ومحبة أئمة السنة دليل على محبة السنة نفسها، فمن أحب النبي ﷺ فيجب أن يتبعه، ومن أحب أصحاب رسول الله ﷺ واقتدى بهم فهو منهم، ومن أحب بعد ذلك أئمة الهدى من التابعين وتابعيهم فإن هذا دليل خير، ويقصد بذلك المحبة التي يعقبها الاتباع؛ لأن كل دعوى دليلها العمل، وإلا فكل يدّعي وصلاً بليلى، لكن العبرة بالعمل والتطبيق والاتباع، فإن من أحب أئمة السنة عمل بمقتضى ما هم عليه. وعدد الشيخ هؤلاء الأئمة لأنهم عرفوا بالسنة، فهم أئمة الهدى علماً وقدوة، ولا يعني ذلك أنهم معصومون، لكن يعني بذلك أنهم شهدت لهم الأمة بالفضل والفقه في دين الله ، والعبادة والجهاد والزهد والحرص على مصالح المسلمين ونشر الخير والدعوة إليه، وتحقيق معاني الولاية والبراءة هؤلاء كلهم أئمة هدى، فمن أحبهم ومال إلى نهجهم فهو صاحب سنة، والعكس بالعكس كما سيذكر الشيخ.

стр. 276

التحذير من مجالسة أهل الأهواء قال رحمه الله تعالى: [وإذا رأيت الرجل يجلس مع أهل الأهواء فحذّره وعرّفه، فإن جلس معه بعدما علم فاتقه فإنه صاحب هوى]. أي إذا رأيت الرجل ليس على النهج السابق، بمعنى أنه يجالس أهل الأهواء فهو صاحب هوى، ولو جالس رجلاً واحداً كما ذكر الشيخ؛ لأن المرء مع خليله، والمرء مع جليسه، فإذا رأيت الرجل يجالس آخر من أهل الأهواء وينادمه فالغالب أنه صاحب هوى مثله. لكن قد يرد في حالات نادرة أن يكون جاهلاً، فيبصّر ويبلّغ ويقال: هذا صاحب بدعة، صاحب هوى، دعه ولا خير لك في مجالسته، فلا تجالس إلا صاحب سنة، فإن أصر فهو -كما ذكر الشيخ- صاحب هوى، لأنه ما جالسه إلا لأنه يوافقه في هواه، أو له ميل ورغبة في الجلوس إليه، وهذه ذريعة إلى البدعة، والذريعة إلى الشيء تأخذ حكم الشيء.

стр. 277

من علامات الزندقة رد الأثر تذرعاً بأن القرآن كافٍ قال رحمه الله تعالى: [وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن، فلا شك أنه رجل قد احتوى على الزندقة، فقم من عنده ودعه]. هذا من مناهج أهل الأهواء، فإن أهل الأهواء يردون ما يخالف أصولهم من السنة والآثار، وهذه سمة في جميع أهل الأهواء سواء كانوا أفراداً أو فرقاً، فإن صاحب الهوى لا يريد الدليل الذي يخالف هواه، ونظراً لأن القرآن مجمل ولا يستطيع أحد أن ينكره، ولا أن يقدح فيه أو يتكلم لأنه كلام الله ، وأهل الأهواء يدّعون أنهم لا يأخذون إلا بالقرآن، فإذا جاءهم الحديث إن أعجبهم أخذوا به، وإن خالف هواهم ردوه، وكذلك آثار السلف، ويزعمون أنهم إنما يريدون القرآن، وهذا لا شك أنه خلاف منهج الحق؛ لأن الله أمرنا في كتابه بالأخذ عن رسول الله ﷺ وباتباع سبيل المؤمنين، فهذا يعني أن من ادّعى أنه يأخذ بالقرآن ثم إذا جاءته السنة والأثر رده، لا شك أنه صاحب هوى وبدعة، سواء كانت هذه النزعة فردية شخصية أو كانت نزعة فرقية ترجع إلى أصل بدعة أو أصل فرقة، فالأمر سواء.

стр. 278

الأهواء كلها ردية تدعو إلى السيف وإلى التعطيل قال رحمه الله تعالى: [واعلم أن الأهواء كلها ردية تدعو كلها إلى السيف، وأردؤها وأكفرها الروافض والمعتزلة والجهمية، فإنهم يريدون الناس على التعطيل والزندقة]. هذا أيضاً أصل من الأصول المهمة، وهو قاعدة لا خلاف عليها عند أهل الحق، وهو أن الأهواء كلها ردية، سواء الخفيف منها أو المغلّظ فلا خير فيها، مع أنه من المعلوم أنه ليس هناك بدعة غير مغلظة عند أهل الأهواء، اللهم إلا ما يقال عن بعض الفرق التي هي على منهج السنة في عموم الدين لكنها خالفت في أصل كمرجئة الفقهاء، ولا يوجد غيرها مثلها في قربها من السنة. أما من عداهم من الجهمية والروافض والمعتزلة فهؤلاء أصحاب مناهج وأصول فاسدة، وغيرهم تبع لهم، فالقدرية صارت هي المعتزلة، ومتكلمة الأشاعرة والماتريدية والكلابية والسالمية ومن سلك سبيلهم على أصول المعتزلة والجهمية، فهؤلاء في مناهجهم لا في أفرادهم يريدون الناس على التعطيل، بمعنى أن مآل مناهجهم تعطيل صفات الله وأسمائه وأفعاله، وتعطيل الغيبيات، أي إبقاؤها بلا حقيقة، بمعنى أنهم يعتقدون أن أصول الصفات ليست لها حقيقة، وكذلك بقية الغيبيات. والزندقة تشمل إنكار أصول الدين، وتشمل الفجور في الأعمال الظاهرة، وهي تعني النفاق، وتعني الخروج من مقتضى الدين، وتعني الإعراض عن دين الله فهؤلاء سواء قصدوا أو لم يقصدوا -أي الروافض والمعتزلة والجهمية- مآل مذاهبهم التعطيل والزندقة، وهذا الحاصل فعلاً. أما قوله: (وتدعو كلها إلى السيف)، فهذه أيضاً سمة سبق الإشارة إليها، فمن العلامات الظاهرة الفارقة بين أهل السنة والجماعة وبين مخالفيهم من أهل الأهواء أن أهل الأهواء كلهم إلا القليل النادر الذي لا حكم له يرون السيف، حتى المرجئة كثير منهم يرون السيف، وهذا أمر عجيب، والمفترض في أهل الإرجاء التساهل، لكن نظراً لأنهم خالفوا أصول السنة صار كثير منهم يرون السيف، وهذا بسبب المخالفة للسنة. ومعنى السيف الخروج على أئمة المسلمين وولاتهم، والخروج على جماعة المسلمين، وتدعو إلى السيف بمعنى أنها تراه وتعتقده سواء فعلته أو لم تفعل. وهذه مسألة مهمة؛ لأن كثيراً من الفرق تجد في كتبها وأصولها ومناهجها وما أجمع عليه السلف عنها أنها ترى الخروج ولا تعتقد لأئمة المسلمين ولاية، لكن قد لا تخرج، فكم كانت الرافضة ترى السيف في فترات من التاريخ طويلة والغالب أنها لا تستطيع الخروج فلا تخرج، والمعتزلة كذلك ما خرجت بالسيف إلا في حالات نادرة جداً، والجهمية كذلك لكنهم يعتقدون السيف ويرون السيف ويدعون إليه ما أمكنهم ذلك. إذاً: المسألة تدور على أنه اعتقاد عند جميع أهل الأهواء، لا يرون أئمة المسلمين وولاتهم طاعة ولا يرون لهم بيعة، هذا هو الأصل عند عموم أهل الأهواء. المرجئة في الحقيقة لا نستطيع أن نثبّت عنهم موقفاً واحداً خلال تاريخ الإسلام، لكن من خلال حوادث التاريخ كان غالب أئمة المرجئة من الفقهاء وأهل العلم يميلون إلى الفتوى بجواز الخروج على الظلمة، أما أنه منهج يدعون إليه فلا. ومرجئة الفقهاء يقررون غالباً منهج أهل السنة في العموم، لكن إذا تأملنا بعض أئمة الدين من الفقهاء الذين خالفوا عموم أهل السنة بجواز الخروج لتعللات معينة نجد أغلبهم من المرجئة، هذا هو قصدي، أما أنه مذهب يعلنونه فلا، فهم في عموم أصول الدين على السنة ما عدا مسألة الإيمان.

стр. 279

الطعن في الصحابة إيذاء للرسول ﷺ قال رحمه الله تعالى: [واعلم أنه من تناول أحداً من أصحاب محمد ﷺ فاعلم أنه إنما أراد محمداً ﷺ وقد آذاه في قبره]. هذا حق، فإن الإنسان يقاس بأصحابه، ولذلك النبي ﷺ ذكر أن من البر الذي يبقى من الابن لأبيه إذا مات صلة أحبابه، كأن تبر صديق أبيك وهو ميت، وهذا يعني بالضرورة أنك إذا لم تبر بأصدقاء أبيك فقد أسأت إلى أبيك وهو ميت، وهو نوع من العقوق. فإذا كان عدم بر أصدقاء الأب عقوق بالأب وهو ميت، فمن باب أولى أن يكون الطعن في أصحاب رسول الله ﷺ من عدم البر بحقه، والرسول ﷺ قد زكّى أصحابه ونهى عن سبهم، وتوفي ﷺ وهو عنهم راض، فالقدح فيهم قدح في حق النبي ﷺ وانتقاص لحقه، وإساءة إليه بالضرورة، فمن تناول أحداً من الصحابة فإنما أراد النبي ﷺ حتى ولو ادعى أنه يحبه، إذ كيف يدّعي أنه يحب الرسول ﷺ ثم يطعن في أصدقائه وصحابته وإخوانه الذين زكّاهم، بل وأوصى وصية مؤكدة بحفظ ورعاية حقوقهم والترضي عنهم وعدم القدح فيهم، فهو مخالفة صريحة للسنة، ثم إنه عود على حق الرسول ﷺ بالارتداد، بمعنى أن من طعن في أي من أصحاب الرسول ﷺ فإنما طعن في حق الرسول ﷺ وآذاه في قبره.

стр. 280

البدعة أخطر من المعصية قال رحمه الله تعالى: [وإذا ظهر لك من إنسان شيء من البدع فاحذره، فإن الذي أخفى عنك أكثر مما أظهره، وإذا رأيت الرجل رديء الطريق والمذهب فاسقاً فاجراً صاحب معاص ضالاً وهو على السنة فاصحبه واجلس معه، فإنه ليس يضرك معصيته، وإذا رأيت الرجل مجتهداً في العبادة متقشفاً محترفاً بالعبادة صاحب هوى، فلا تجالسه ولا تقعد معه ولا تسمع كلامه ولا تمش معه في طريق، فإني لا آمن أن تستحلي طريقته فتهلك معه!].

стр. 281

سبب التحذير من المبتدع أشد منه من العاصي الفاجر هذا الكلام في أصله صحيح، لكن في تفصيلاته مبالغة، وربما قصد الشيخ معنى آخر فخانته العبارة فهو بشر، وكان الصواب أن يقول: إذا رأيت الرجل من أهل السنة فاحمد له ذلك، وإن كان واقعاً في المعاصي والفجور فاكره فيه معاصيه وفجوره وتجنبه للمعصية وللفجور، لكن لا تتبرأ منه كتبرئك من صاحب البدعة، فإن صاحب البدعة انطوى على البدعة، أما هذا العاصي فإنه يرجى له التوبة والمعصية، وهو أقل خطراً على الإنسان في دينه وعقيدته من البدعة! ومن هنا يكون التعامل مع صاحب البدعة أكثر حذراً وأشد ذنباً من التعامل مع صاحب الذنب والمعصية؛ لأن صاحب الذنب والمعصية إذا لم تظهر منه بدعة فالأصل بقاؤه على السنة والعقيدة السليمة، لكنه غالباً يدري أنه على معصية فيرجى له يوماً أن يتوب. ثم إن أثر المعصية في انتقالها إلى الشخص الآخر أخف وأقل احتمالاً من أثر البدعة، لأن البدعة فيها تلبيس وتدخل على الإنسان من حيث لا يشعر، وفاعلها يفعلها وهو يظن أنه على حق، أما الفاجر الفاسق فإن فجوره ظاهر ينفر منه الطبع والعقل السليم وينهى عنه الشرع، وكل إنسان مهما كان ينبذ الفجور، فلذلك تكون عنده حصانة ذاتية من الفجور؛ لأنه ممقوت بالطبع عند أهله وعند الناس. وتستطيع أن تميز بوضوح خطأ الفجور والفسق، لكن لا تميّز خطأ البدعة، فمن هنا كانت مصاحبة صاحب البدعة لا تجوز؛ لأنه ربما يحسنها لك حتى تظن أنها الحق والسنة، ومصاحبة صاحب الفجور إثم رغم أن فجوره واضح لكن ليس كإثم مصاحبة صاحب البدعة لهذه الاعتبارات

стр. 282

معنى قول المؤلف في الفاجر: (فاصحبه واجلس معه) إذاً ليست مصاحبة صاحب الفجور من الأمور المطلوبة، وقوله: (فاصحبه) بمعنى: أن الفجور لا يمنع من أن تصاحبه عند الحاجة في سفر أو حج أو نحو ذلك لعلك تستصلحه، بخلاف صاحب البدعة. فلعله قصد بالصحبة الصحبة عند الضرورة أو الحاجة التي تقتضي ذلك. والجلوس معه أيضاً في غير فسقه، أي في غير مجال الفسق، كأن تصاحبه في الطريق إلى المسجد، أو تصاحبه في الوليمة، أو في الزيارة الشرعية، أو في جنازة، أو تتحدث معه في الأمور العامة وفيما يصلح حاله، وتجيب دعوته وهو في غير حال فجور وتدعوه هذه من الأمور التي تشرع لا سيما مع حسن النية والنصح، أما صاحب البدعة فهذه الأمور تتجنبها إطلاقاً. فمن هنا لعل الفرق هو الذي جعل الشيخ يقول هذا الكلام، أما مصاحبة صاحب الفجور مصاحبة منادمة ورضا، ومصاحبة محبة لما هو عليه، بمعنى أن تعطيه نفسك في الصداقة والولاء والمودة فهذا غير صحيح، بل يجتمع فيه الولاء والبراء، فتبرأ من فسقه وفجوره، ومن مجالسته حالة فسقه وفجوره، وتواليه بما فيه من الخير وبقاء الفطرة وتناصحه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوى فقال: يا بني من أين جئت؟ قال: من عند فلان، قال: يا بني لأن أراك خرجت من بيت خنثى أحب إلي من أن أراك تخرج من بيت فلان وفلان؛ ولأن تلقى الله يا بني زانياً فاسقاً سارقاً خائناً أحب إلي من أن تلقاه بقول فلان وفلان. ألا ترى أن يونس بن عبيد قد علم أن الخنثى لا يضل ابنه عن دينه، وأن صاحب البدعة يضله حتى يكفره]. قصد الشيخ أيضاً ما ذكرنا في السابق فليس القصد من كلامه أن تصاحب الخائن والفاسق والزاني وتجلس معه في بيته وتنادمه وتجالسه، لكن يقول: إذا خير الإنسان بين مفسدتين في المصاحبة والمجالسة، فكونه يصاحب العاصي الذي يرجى له التوبة ومعصيته ظاهرة وخطره أقل على الدين، أسهل من الوقوع في مصاحبة صاحب البدعة. فهذه المقارنة كسابقتها. وقوله: (خرجت من بيت خنثى)، يقصد البيوت المشبوهة، وإن كان الخنثى له مفهومان: مفهوم يقصد به من لديه آلة الذكر والأنثى، وقد يقصد به أيضاً من عنده شيء من الفساد الخلقي، وقد يقع فيه كثيراً هذا الصنف من الناس، فالمقصود المشبوه، يعني: لأن أراك خرجت من بيت مشبوه أحب إلي من أن أراك تخرج من بيت فلان وفلان، ممن هم من أهل البدع. قد يكون الشيخ تساهل في التعبير فإنه لا هذا ولا ذاك مطلوب، فالمسلم عليه أن يجتنب مواطن الخنا والشبهة، وأهل الخنا والشبهة في المجالسة والمنادمة وفي دخول بيوتهم وغير ذلك، لكن كما قال عند المقارنة لا شك أن هذا أسهل وأقل خطراً من ذاك، أي من صاحب البدعة مهما كان.

стр. 283

غربة السنة قال رحمه الله تعالى: [واحذر ثم احذر أهل زمانك خاصة، وانظر من تجالس وممن تسمع ومن تصحب، فإن الخلق كأنهم في ردة إلا من عصمه الله منهم]. الشيخ ﵀ يتكلم عن أهل زمانه في القرن الرابع؛ لأنه لو قارناه بما قبله وجدنا الفارق كبيراً، فإن الناس كثرت فيهم الأهواء والبدع، وظهرت الباطنية بشكل سافر، وظهرت الرافضة وتمكنت من كثير من بلاد المسلمين، وضعفت الخلافة الإسلامية، ووجدت أمور كثرت فيها الأهواء وكثر إعراض الناس عن دين الله وكثر الجهل، فهذا أمر نسبي مع أن زمانه أفضل من كثير الأزمنة التي تلت فيما بعد، لكن هذا من باب النصح والبيان للناس، ولا يعني أن الزمان فسد كله وأنه لا يوجد أهل الخير والسنة، لكن الحذر من أن يتساهل المسلم فيمن يجالس ومن يسمع ومن يصحب. وقوله: (فإن الخلق كأنهم في ردة)، بمعنى أنه بدأت الغربة في السنة، فكأن الناس يعملون غير أعمال الإسلام، فلم يبق منهم إلا بعض الشعائر الظاهرة، قد استولى عليهم الجهل والبدع والهوى، نسأل الله السلامة.

стр. 284

قاعدة التعامل مع رءوس أهل الأهواء قال رحمه الله تعالى: [وانظر إذا سمعت الرجل يذكر ابن أبي دؤاد وبشر المريسي أو ثمامة أو أبا الهذيل وهشام الفوطي أو واحداً من أتباعهم وأشياعهم، فاحذره فإنه صاحب بدعة، فإن هؤلاء كانوا على الردة، واترك هذا الرجل الذي ذكرهم بخير ومن ذكر منهم]. هذه قاعدة أيضاً في الحكم والتعامل مع رءوس أهل الأهواء الذين اشتهروا ببدعة أو ببدع، فلا ينبغي للمسلم أن يتعلق بهم أو يثني عليهم في جانب الدين، ولا ينبغي أيضاً أن نتساهل في إظهار هؤلاء الرءوس عند ناشئة المسلمين؛ لأنه يوجد عندهم من الخصال البشرية ما يعتبر إما من باب الفضائل مثل الكرم والحلم وغيرهما، كما عند ابن أبي دؤاد، وإما من باب العلم والذكاء كما عند ثمامة وبشر المريسي وأبي الهذيل وهشام الفوطي هؤلاء كلهم اشتهروا بخصال موجودة في عموم البشر بالذكاء والعبقرية والقدرة على النقاش، وقد تكون من باب رجاحة العقل والقدرة على الحجاج مع الفلاسفة أو مع الملاحدة، كل هذه موجودة عند بعضهم، لكن هذه خصال لا ينبغي أن تتخذ ذريعة للثناء عليهم فيتعلق بهم ناشئة المسلمين، ويفتنون بهم فإن من فتن بهم فتن بمذاهبهم، ولا شك أن الناشئ إذا أُعجب بإنسان تعلق بفكره وبعمله، وهو يشعر أو لا يشعر. وأيضاً ربما يدافع عنه ويكون في قلبه ولاء له، ومن هنا صار التعلق برأس من رءوس البدعة قديماً وحديثاً من علامات الهوى والبدعة وأي إنسان تجده يثني على هؤلاء ويدافع عنهم أو أمثالهم قديماً وحديثاً، ويحاول إبراز فضائلهم دون أن يبين شرورهم، ويحاول أن يجعل منهم قدوة وأن يعتذر لهم، فهو رافع راية بدعة، كما يفعل كثير من الأدباء الآن وبعض الكُتّاب الإسلاميين والحداثيون وغيرهم، فهؤلاء الآن يعتبرون رافعي راية البدع وأهلها وتنبيش القبور، ومحاولة رد الناس إلى الإعجاب بهذه المذاهب والمناهج والأشخاص، وهذا كله خلاف السنة مخالفة صريحة، فلا ينبغي للمسلم فضلاً عن طالب علم أن يجاري هذا الاتجاه. قد يقول قائل: لماذا لا نثني عليهم بما هم فيه؟ فنقول: نعم نثني عليهم عند اقتضاء الحاجة؛ لأن الناس لا تتعلق نفوسهم بالشيء الذي يشارك فيه هؤلاء غيرهم من عموم الناس، إنما تتعلق نفوس البشر بالشيء الذي خالفوا فيه، وهذه طبيعة فطرية ونزعة يحركها الشيطان في بني آدم، هذا أمر. الأمر الآخر: فرق بين أن نتكلم عن سيرهم في التراجم مثلاً وعندما نتكلم عنهم في أمور عارضة أو في دروس أو في مناهج، فإن الناس لا مصلحة لهم من ذكر خصال يشترك فيها عموم البشر، في حين أن عليهم ضرراً ومفسدة في ذكر خصال هؤلاء دون التحذير منهم. وفرق أيضاً بين الكلام الذي يخرج عند عامة الناس وبين الكلام الذي يكون بين خاصة أهل العلم أو يكون في بطون الكتب، فإنه لا مانع عندما أتكلم بكلام في السير أن أقول: ابن أبي دؤاد مثلاً رأس البدعة، داعية القول بخلق القرآن، آذى الإمام أحمد وأئمة الدين وآذى السلف، ومع ذلك فإنه عُرف بالكرم وعُرف بالحلم وسعة الصدر هذا أمر آخر. فعند ذكر ما على الإنسان من خير وشر لا مانع أن تذكر جانب الفضائل، ولكن بشرط أمن الفتنة على الناس وبكلام لا يطير في الآفاق عند أناس لا يميّزون بين الحق والباطل، كأن يكون في صحف أو في كتب شهيرة أو في مناهج أو نحوها فهذا لا يجوز، لكن عند اقتضاء الحال أو عندما تتكلم عند أهل العلم أو تكتب كتاباً تريد أن تسطر فيه أخلاق الرجال عموماً بما فيها من خير أو شر، فلا مانع من هذا بضوابطه وشروطه.

стр. 285

الأسئلة
следующие страницы →