← Акыда

Акыда · id 37718

التعليق على شرح السنة للبربهاري - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (315 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

معنى الهرولة وقول الله للعبد: (إن مشيت إلي هرولت إليك)، الهرولة هنا غير مفسرة بالمعروف عند البشر، وقد اختلف أهل العلم هل الهرولة تثبت لله على أنها فعل أو صفة أو مجرد خبر؟ هذه مسألة خلافية بين أهل العلم، لكن هذا النص يثبت لله على ما يليق بجلاله والله أعلم بمراده به؛ لكن يختلف هذا النص وأمثاله من النصوص التي جاءت على سبيل المشاكلة والمجازاة عن النصوص الأخرى، فإنها مربوطة بأفعال البشر، فالله ذكر عن العبد أنه إن مشى إليه مشى إليه، فقرن فعل الله بفعل العبد، فإذا اقترن فعل الله بفعل العبد فهمت منه المجازاة، وهذا يشمل الهرولة ويشمل الاستهزاء والمكر، فهي من باب الأخبار. فإثبات الهرولة لله قد يكون من باب الصفة، وهي على ما يليق بجلال الله كما أثبتنا الأصبع وأثبتنا النزول على ما يليق بجلال الله، والهرولة المفهومة عند المخلوق ليست مثبتة لله بل تثبت لله على وجه الكمال، هذا إن قلنا صفة، وإن قلنا إنه مجرد فعل من الأفعال فكذلك. أفعال الله لا حصر لها وتحمل على وجه الكمال مع الابتعاد عن تشبيهها بأفعال المخلوقين وكذلك إن كانت لمجرد الخبر فهي حق على ما يليق بجلال الله. المهم أن الهرولة ليست محل اتفاق في إثباتها كصفة، إنما تثبت كخبر عن فعل من أفعال الله . وقوله: (إن الله ينزل يوم عرفة)، مكرر.

стр. 72

إثبات الصورة (وخلق الله آدم على صورته) أي: صورة الرحمن، وهذا هو قول جمهور السلف وإن شذ عنهم بعض الأئمة لاشتباه عندهم، وإلا فالضمير في قوله: (على صورته) يرجع إلى الله في الراجح، وهذا أمر غير مفسر الكيفية لكن معناه المجمل مفهوم عند عامة المخاطبين بأن الله له الكمال المطلق في ذاته وأسمائه وأفعاله، والله جعل عند المخلوق شيئاً من الكمالات المحدودة التي لا توصله إلى القداسة والكمال المطلق؛ لكنها كمالات محدودة وصفات حميدة. كذلك الصورة ثبتت لله بنصوص أخرى، وهي كسائر الصفات ليس هناك ما يبرر التكلف في تأويلها أو نفيها، فهي كسائر الأخبار عن الله وكسائر الصفات، كقوله ﷺ : (رأيت ربي في أحسن صورة). قال: (فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض). ولا يقصد التفويض بمعنى عدم إثبات الحقيقة، أو الهروب من الإثبات، ولا يقصد بالتفويض أيضاً اعتقاد أن ليس لها معنى أو أن معناها غير مفهوم عند المخاطبين أو نحو ذلك، إنما يقصد بالتفويض تفويض الكيفية، يعني: أن ما نعلمه بإجمال نثبته، وما لا ندركه ولا نعلمه من الكيفيات نفوضه إلى الله ؛ لأننا ما أمرنا بالكلام فيه، بل نهينا. والتفويض من الكلمات الحساسة التي ينبغي لطالب العلم أن يتفادى إطلاقها، وليست من الأمور الضرورية في تقرير العقيدة وإن أطلقها بعض السلف كما أطلقها الشيخ هنا، فإنما أطلقها على معنى صحيح لكنه غير شائع وغير مستعمل ويؤدي إلى حرج في إطلاق الصفات، فليس في الصفات ما يفوض على المعنى المفهوم عند المفوضة، إنما تفوض للكيفية؛ إطلاقها في الأمور الغيبية إلا مفسرة، بمعنى أن نقول: إن المفوض هو ما لا نعلمه وما لم نخاطب به، أما ما خوطبنا به فلا نفوضه وهو المعاني والحقائق. وكذلك الحقائق تنقسم إلى قسمين حقائق بمعنى المعاني، هذه معلومة وحقائق بمعنى الكيفيات لا نفسر شيئاً منها بالرأي، بل إن تفسير هذه الأمور بالرأي يعتبر من كبائر الذنوب ومن البدع المغلظة، فإن الإيمان بها واجب، فمن فسر شيئاً منها بهواه أو رده فهو جهمي؛ لأن هذا هو منهج الجهمية الأوائل كانوا يردون النصوص ولا يبالون، فلما رأوا أن هذا المنهج فيه نوع مغالطة وأنه يصادم عقائد المسلمين وصار ينفر منه حتى العوام، سلكوا مسلكاً آخر وهو مسلك التأويل، وهو التفسير بالهوى.

стр. 73

النهي عن التفكر في الله قال رحمه الله تعالى: [ومن زعم أنه يرى ربه في دار الدنيا فهو كافر بالله . والفكرة في الله ﵎ بدعة لقول رسول الله ﷺ : (تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الله، فإن الفكرة في الرب تقدح الشك في القلب)]. المقصود بالفكرة هو أن يسرح الإنسان بفكره وخيالاته إلى التفكر في كيفيات الغيب، والفكرة في الله هي التفكر أو إعمال الذهن والعقل والقلب في التفكير في كيفيات ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فإن هذا هو منهج المتكلمين والفلاسفة بمعناهم الاصطلاحي البحت أو الخاص، لا بالمعنى المتوسع فيه الآن. الفلاسفة الذين يتكلمون في الإلهيات بآرائهم هم خصوم الأنبياء في كل عصر، ومنهجهم يقوم على التفكر في ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله بما لم يرد في النصوص؛ لأن التفكر قد يقصد به معنى سليم، وهو أن يتفكر الإنسان في حقوق الله ، وفي أسمائه وصفاته وإثبات الحقائق لله سبحانه، فهذا أمر مطلوب، ولا يتم فهم خطاب الله وكلامه وخبره إلا بهذا التفكر. لكن تفكر بما لا يتجاوز حدود العقل، وبما لا يتجاوز معاني النصوص المجملة التي تحت مدارك البشر، أما ما تجاوز مدارك البشر فهو ممنوع؛ لأنه خوض فيما لا يعلمه الناس، فمثلاً: إعمال الفكر في إثبات ما لم يثبت لله الصفات التي ليس فيها كمال لاشك أنه من التفكر، ومن التفكر إمعان الفكر في محاولة التطلع إلى الكيفيات. فالفكرة في الله -أي: التفكر في كيفية ذاته وأسمائه وصفاته- بدعة إلا ما يخطر على الإنسان رغماً عنه، فإن الخاطر إذا طرده الإنسان وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم زال عنه، لكن القصد اتخاذ التفكر في ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله منهجاً، وكذلك أمور الغيب الأخرى. أما منهج الفلاسفة والمتكلمين فيقوم على تقرير العقيدة على هذا الأساس، فهم يسرحون في الخيالات والأوهام ثم يقررون أوهامهم وخيالاتهم، ثم يجعلونها قواعد عقلية، فإذا جاء في القرآن ما يعارضها ردوا القرآن أو أولوه وإذا صح في السنة ما يعارض هذه الأمور ردوه أو أولوه. قوله: (لقول رسول الله ﷺ : (تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الله)) الحديث فيما أعلم ضعيف، لكن ربما يرقى بمجموع طرقه إلى درجة الحسن، وبعض أهل الحديث صححوا الحديث.

стр. 74

سائر المخلوقات مأمورة مسيرة بما قدره الله لها قال رحمه الله تعالى: [واعلم أن الهوام والسباع والدواب نحو الذر والنمل والذباب كلها مأمورة، لا يعلمون شيئاً إلا بإذن الله ﵎]. قصده بذلك أن هذه المخلوقات مسيرة بما قدره الله لها، فالله خلقها وجعل فيها الغرائز وجعل فيها الحركة وأنها ليس لها استقلال عن تدبير الله ، وعما جعله الله في هذا الكون من السنن التي تسير فيها الحياة، فهي سائرة على سنن الله وبأقدار الله فلا تسير نفسها ولا يسيرها أحد من الخلق وحركاتها كلها مبنية على تقدير الله لها وعلى ما جعله الله لها من السنن التي بها تتحرك وتعيش وتحيا وتموت كسائر المخلوقات، وهذه أمثلة لمجموع الخلق كله فإنه تحت تدبير الله وتحت ربوبية الله وتصريفه: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ:٣] سبحانه.

стр. 75

إدخال السلف لبعض المسائل الفقهية ضمن كتب العقائد قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الله ﵎ قد علم ما كان من أول الدهر وما لم يكن وما هو كائن، أحصاه الله وعده عداً، ومن قال إنه لا يعلم إلا ما كان وما هو كائن فقد كفر بالله العظيم. ولا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وصداق قل أو كثر، ومن لم يكن لها ولي فالسلطان ولي من لا ولي له، وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً فقد حرمت عليه ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. ولا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا اله إلا الله ويشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا بإحدى ثلاث: زان بعد إحصان، أو مرتد بعد إيمان، أو قتل نفس مؤمنة بغير حق فيقتل به، وما سوى ذلك فدم المسلم على المسلم حرام أبداً حتى تقوم الساعة]. أدرج الشيخ هنا بعض الأحكام الفقهية كعادة السلف في الأمور التي يكون عند بعض الفرق المعاصرة لهم شيء من الخلاف والخروج عن مقتضى السنة، وكلما خرج الناس بأمر يكون فيه مخالفة صريحة للسنة نوه السلف عن الحق فيه وبينوا القاعدة فيه، كما تقدم في الدرس السابق أن السلف أدخلوا المسح على الخفين ووجوب غسل الرجلين. في باب العقائد مع أنها في باب الأحكام، لأن هناك من خالف فيها وهي من الأحكام الظاهرة المعلومة، فهي إما أن تكون قطعية متواترة أو مجمعاً عليها، أو تكون من السنن الظاهرة أو الرأي الراجح، أو يكون المخالف فيها لم يقصد مجرد المخالفة إنما قصد الحكم تديناً، بمعنى أنه يبدّع غيره فقد تشتهر المخالفة في مثل هذه الأمور عند بعض الفرق وإن كانت من باب الأحكام، لكنها لم تجعلها خلافية، بل جعلتها من الحق الذي لا يمكن أن يُسمح فيه بالاجتهاد، ويبدّع من خالفها ويوالى ويعادى عليها، فمن هنا يذكر السلف مثل هذه الأمور من باب أنها من الأمور التي تقررت على هذا الوجه عند جمهور السلف أو عند أكثرهم، أو تكون هي الراجح أو نحو ذلك.

стр. 76

الأسئلة

стр. 77

بيان مرجع الضمير في قول المؤلف: (وأمة محمد فيها مؤمنون) السؤال يقول المؤلف: (واعلم بأن الدنيا دار إيمان وإسلام، وأمة محمد ﷺ فيها مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم وذبائحهم والصلاة عليهم). العطف يقتضي تشابك الفقرتين معنى ولفظاً، وجه الإشكال أن الظاهر أن الضمير في قوله: (فيها)، راجع إلى الأمة، في حين أن الصحيح أن الضمير راجع إلى الدنيا؟ الجواب قوله: (وأمة محمد ﷺ فيها) أي في الدنيا، (مؤمنون في أحكامهم) وهذا هو الصحيح.

стр. 78

الكلام على خبر الهرولة ونحوه السؤال ما هو الراجح في صفة الهرولة ونحوها؛ لكي لا يجد أهل البدع على أهل السنة مستمسكاً؟ الجواب بعض الذين أثبتوا هذه الصفات قالوا: إننا لابد أن نعمم القاعدة بأن كل ما أخبر الله به عن نفسه فلا بد من إثباته وأنه صفة، ويدخل في ذلك الملل: (إن الله لا يمل حتى تملوا) كما ورد في حديث صحيح، والهرولة كما في هذا الحديث، والمشي، والاستهزاء والمكر ونحو ذلك وهذه النصوص لها ما يميزها عن باقي الصفات، وهي أنها كلها جاءت من باب مشاكلة أفعال العباد، ففيها مجانسة ومشاكلة وفيها مجازاة، وغالب النصوص التي تربط الخبر عن الله بشيء من عالم الشهادة وأحوال المخلوقين تقيد بهذا التفسير، فمثلاً نحن نعلم أن الاستهزاء جاء ذكره مقابل وعيد المنافقين بأن الله سيفعل لهم ما يجازيهم على استهزائهم في الآخرة، أي: بفعل حاصل من المخلوق، وقرن بمعنى معلوم لدى المخاطبين وهو أن هذه المجازاة ستكون من جنس العمل، فرُبط الحال بحال المخلوق. كذلك الهرولة نحن نعلم أنها جاءت مقابل المشي إلى الله ، ونحن نعلم أن عبادة الله لا تكون بمشي فعلي إليه، إنما يكون المشي على منهجه والسير على الطريق الحق، فإذا كان المشي لا يقصد به المشي الفعلي من العبد فكذلك الهرولة لا يقصد بها الهرولة الفعلية من الله لوجود القرينة المعلومة. أما بقية الصفات فليس عندنا قرينة معلومة، فلما وجدت القرينة المعلومة فسّرنا النص بمعناه الذي جاء به، أما الأمور التي هي غيبية بحتة فلا نفسرها إلا كما جاءت. فمن هنا أثبت بعض السلف هذه الأمور على أنها صفات. وبعضهم قال: إنها أفعال مطلقة وليست من باب الصفات الذاتية أو الفعلية. وبعضهم قال: أفعال، وهي صفات فعلية. وبعضهم قال: هذا مجرد خبر نمره كما جاء لأنه يُشكل، وأي أمر يُشكل نمره كما جاء، أما بقية الصفات الأخرى فلا تشكل؛ لأنها تثبت على قاعدة (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير). فإذاً: ربط فعل الله بفعل العبد جعل بعض أهل العلم يقول: إن هذا الربط قصد به معنى معلوم عند المخاطب وهو المشاكلة أو المجازاة، ومع ذلك تبقى المسألة خلافية لا حرج فيها.

стр. 79

معنى أن الله خلق آدم على صورته السؤال ما معنى أن الله خلق آدم على صورته؟ الجواب اختلف فيه أهل العلم كثيراً، والراجح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن، يعني في الكمالات التي تليق بالعباد وليست كمالات مطلقة، بمعنى أنه يوجد اشتراك لفظي بين صفات الخالق وصفات المخلوق، هذا الاشتراك اللفظي يوجد فيه اشتراك في بعض المعاني وليس في كل المعاني، فهذه المعاني المشتركة عُبِّر عنها على أنها نوع من الصورة، ومع ذلك فإن بعض أهل العلم أرجع الضمير إلى غير الله ، لكن هذا فيه تكلف؛ لأنه ورد في نص آخر صحيح: (على صورة الرحمن)، فيفسّر هذا بذاك.

стр. 80

وجه تخصيص المؤلف للهوام والدواب بأنها مأمورة السؤال لماذا خص هذا الكتاب شرح السنة تلك الهوام والدواب بالعلم دون غيره؟ الجواب هذا من باب ضرب المثل فقط.

стр. 81

حكم حكاية بعض صفات الله مع تحريك اليد أو غيرها السؤال حديث: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن ما رأيك فيمن يقرؤه ثم يحرك إصبعيه؟ الجواب النبي ﷺ أحياناً يحرك يده أو إصبعه في حكاية بعض الصفات، ولذلك كان بعض رواة الحديث يفعلون ما كان يفعله النبي ﷺ ، وكان هذا هو المعهود عند السلف قبل أن تظهر الجهمية والمعتزلة وأهل الكلام، فلما ظهرت بدع الجهمية والمعتزلة وأهل الكلام أشكل على بعض الناس مثل هذه الأمور، وصار في الإشارة شيء من الفتنة، فلذا بعض السلف يشير إذا أمن الفتنة، وبعضهم لا يشير، وبعضهم يمنع فالقاعدة فيما أعرف أنه إذا كان راوي الحديث أو المتكلم عنه بين طلاب علم يفقهون الأمور وليس فيهم عوام أو أناس توجد عندهم إشكالات في الصفات، فلا مانع من فعل ما كان يفعله النبي ﷺ بشرط البيان دفعاً للإشكال، أما إذا كان المجلس ليس فيه من يدركون هذه الأمور فالأولى عدم الإشارة دفعاً للفتنة والتوهم؛ لأن الناس تحدثوا في هذه الأمور وصارت مما عمت به البلوى، وأصبح التأويل هو الأصل عند كثير من المسلمين، وفي مثل هذا الفعل فتنة على بعضهم.

стр. 82

حكم تفسير اليد بالقدرة السؤال يقول السائل: إنه سمع في الإذاعة أحد الذين يتكلمون يفسر قول الله : ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] بأن المقصود به القدرة والهيمنة، وأن الذين يفسّرون هذه الآية بأن لله يداً جانبوا الصواب؛ لأنهم يفسّرون الآية بظاهرها، وكيف يقولون في قوله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] يقول: هل يفسّرون ذلك أنه سيهلك ويبقى وجهه إلى آخره؟ الجواب هذا جهل مركب، فالذين يثبتون لله اليد هم السلف، وهو القول الحق، فيثبتونها لأنها وردت في الكتاب والسنة ويثبتون ما ذكره من القدرة والهيمنة؛ ولأن اليد وردت كما تعلمون بسياقات كثيرة، منها أنها وردت مثناة ومفردة ووردت بدلالات كثيرة مختلفة فكلها تدل على إثبات الصفة وإثبات ما يلزم منها من القدرة والنعمة والكرم والسخاء إلى آخر ما يلزم من الكمالات، وأن إثبات اليد ليس من الأمور التي هي رأي أو وجهة نظر لبعض الناس، ولا يفسّرون الآية بظاهرها على المعنى الذي يريده هو إذا قصد بظاهرها التشبيه، إنما يفسّرونها بالمعنى الحق. أما استدلاله بقول الله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] فإن هذا استدلال ناقص؛ لأن ثبوت الوجه لله ثابت في عدة نصوص، وفي هذه الآية، ومعلوم عند العرب أنهم يعبّرون بالوجه عن الكل، فالله لا يقال يفنى كله إلا الوجه؛ لأنه لا شك أن المقصود بذلك ذات الله ، وأن التعبير بالوجه عن الذات أمر معهود تقتضيه اللغة ويقتضيه السياق ومفهوم بالضرورة، فهذا دليل على جهل من قال بمثل هذا الكلام نسأل الله العافية.

стр. 83

شرح السنة [٦] يعتقد أهل السنة أن الناس يبعثون يوم القيامة على ما ماتوا عليه من خير أو شر، ويقتص لكل أحد ممن ظلمه، ويؤمنون بالقضاء والقدر، وأن الله علم مقادير الخلائق قبل وجودها، ثم كتبها في اللوح المحفوظ، ثم أرادها وشاءها ثم خلقها، ويعتقدون بأن الأموات يسمعون كلام الأحياء على ما جاءت به النصوص.

стр. 84

يبعث الناس على ما ماتوا عليه قال الإمام الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [وكل شيء مما أوجب الله عليه الفناء يفنى إلا الجنة والنار، والعرش، والكرسي، والصور، والقلم، واللوح، ليس يفنى شيء من هذا أبداً، ثم يبعث الله الخلق على ما ماتوا عليه يوم القيامة، ويحاسبهم بما شاء فريق في الجنة وفريق في السعير، ويقول لسائر الخلق ممن لم يُخلق للبقاء: كونوا تراباً]. في هذا المقطع عدة مسائل: المسألة الأولى: فيما يتعلق بفناء المخلوقات ما عدا الأمور المذكورة، هذه مسألة تحتاج إلى بحث مستوفى، أرجو أن نتمكن من عرضه في الدرس القادم أو الذي بعده إن شاء الله؛ لأن المسألة طويلة وفيها وجوه كثيرة من الاستدلال وأقوال العلماء. قوله: (ثم يبعث الله الخلق على ما ماتوا عليه يوم القيامة)، يعني على ما ماتوا عليه من أعمال، فيبعثهم الله على حالهم التي كانوا عليها في الدنيا، مثل ما ذُكر من أن الحاج الذي يموت وهو محرم يبعث بإحرامه، وكذلك الشهيد يبعث وجرحه يثعب دماً إلى غيرهم. (ويحاسبهم) الله (بما شاء)، يعني على ما يشاء من وجوه الحساب، (فريق في الجنة وفريق في السعير)، ونحن نعرف أن أهل الجنة على نوعين كما ورد في النصوص: فريق في الجنة منذ وقت النشر والحساب، بمعنى أنهم يُعطون صحائفهم في اليمين من أول وهلة، وفريق آخر وهم أهل الكبائر، إذا لم يغفر الله لهم ابتداءً يعذبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون من النار فهذا الفريق الذين يدخلون الجنة بعد تطهيرهم من الكبائر بالنار، ويخرجون من النار بأسباب كثيرة: أولها برحمة الله لطوائف منهم، ثم بالشفاعات التي يهيئها الله لهم بشروطها وأعظمها شفاعة نبينا محمد ﷺ في أهل الكبائر من أمته، وشفاعات أخرى. وهؤلاء عند الإجمال يُعدّون من أهل الجنة، أما عند التفصيل فيقال إنهم يعذبون بالنار ثم يُخرجون إلى الجنة. قوله: (ويقول لسائر الخلق ممن لم يُخلق للبقاء: كونوا تراباً)، يعني غير المكلفين، وهم غير الجن والإنس، فإنهم يصيرون إلى التراب إلا من يخلقهم الله ممن كُلّف بأعمال أخرى كالملائكة وخدم أهل الجنة.

стр. 85

القصاص بين الخلق يوم القيامة قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بالقصاص يوم القيامة بين الخلق كلهم: بني آدم والسباع والهوام حتى للذرة من الذرة]. نعم حتى الجن يدخلون في ذلك. قال رحمه الله تعالى: [حتى يأخذ الله لبعضهم من بعض: لأهل الجنة من أهل النار، وأهل النار من أهل الجنة، وأهل الجنة بعضهم من بعض، وأهل النار بعضهم من بعض].

стр. 86

قواعد في باب القدر قال رحمه الله تعالى: [وإخلاص العمل لله، والرضا بقضاء الله، والصبر على حكم الله، والإيمان بما قال الله ، والإيمان بأقدار الله كلها خيرها وشرها وحلوها ومرها، قد علم الله ما العباد عاملون وإلى ما هم صائرون، لا يخرجون من علم الله، ولا يكون في الأرضين ولا في السماوات إلا ما علم الله ، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولا خالق مع الله ].

стр. 87

الرضا بقضاء الله في هذه الفقرات إشارة إلى قواعد القدر، كما أن فيها إشارة إلى الرد على كثير ممن ضلوا في القدر، سواء القدرية النفاة أو الجبرية الغلاة، ففي قوله: (الرضا بقضاء الله)، فهذا فيه رد على عموم الخلق الذين يضيقون بقضاء الله وقدره، وكذلك قوله: (والصبر على حكم الله)، فهذا أمر عام يجب فيه على العبد أن يصبر على ما حكم الله وقضى، وهذا فيه إشارة أيضاً إلى نزعة في عموم الخلق الذين يضعف إيمانهم، فضعف الرضا بقضاء الله والصبر على حكمه نزعة توجد متى ضعف إيمان الإنسان حتى لو لم يكن من أصحاب الأهواء والبدع والافتراء، بل قد يكون ممن ينتسب إلى السنة من يتبرم بقضاء الله، وقد لا يصبر الصبر الكافي على حكم الله، فهذا التقرير هو تذكير لأهل الإيمان والتقوى والصلاح والاستقامة ولغيرهم بأن يروضوا أنفسهم على الرضا بقضاء الله والصبر على حكم الله. قوله: (والإيمان بما قال الله ، يعني في القدر وغيره، لكن الغالب أنه هنا يقصد ما قال الله في أمر القدر.

стр. 88

مراتب القدر ووجوب الإيمان بها قوله: (والإيمان بأقدار الله كلها خيرها وشرها)، هذا فيه رد على عموم القدرية، فإن منهم من ينكر أقدار الله في الخير والشر، وهؤلاء القدرية الغلاة، ومنهم من ينكر أن يكون الشر من تقدير الله، وهذا هو قول القدرية الأولى قدرية معبد الجهني وغيلان الدمشقي، وكذلك قول طوائف من القدرية الثانية وهم المعتزلة، فهم يقولون بأن الخير من تقدير الله لكن ينفون أن يكون الشر من تقدير الله، وبعضهم ينفي القدر مطلقاً، ويقول: لا قدر والأمر أنف، يعني أن الله لم يقدر أفعال المكلّفين. فالقدرية الأولى أو ما بدأ قولهم بإنكار القدر إطلاقاً ثم خففت من قولها حتى حصرت إنكار القدر في الشر فقط، زعماً منهم أن نسبتها إلى الله لا تليق! مع أننا نعلم أن نسبتها إلى الله تقديراً غير نسبتها إلى الله في الإرادة الدينية أو في الحب والرضا، فإن الله لا يحب الشر ولا يرضاه، لكنه قدره على العباد ابتلاء وجزاء لأعمالهم. وقوله: (وحلوها ومرها) داخلة في خيرها وشرها. الشاهد أن القدرية بداية أمرها كانت تُنكر أن يكون الله قدّر أفعال المكلفين إطلاقاً، وهذا معنى شعارهم: لا قدر والأمر أنف، أي أن أفعال العباد مستأنفة لم يكن لله فيها تقدير ولا علم حتى حدثت، فلما حدثت دخلت في علم الله، ثم تدرجوا في التخفيف فأثبتوا العلم وبقوا على إنكار أقدار المكلفين، ثم أثبتوا أن يكون الخير من تقدير الله والشر ليس من تقدير الله، لكنهم أيضاً بفلسفة مخففة. قوله: (قد علم الله ما العباد عاملون)، هذا فيه إثبات العلم المطلق لله ، وإثبات المرتبة الأولى من مراتب القدر. ومراتب القدر أربع لا بد من الإيمان بها مجملة كلها، ثم لا بد من الإيمان بها مرتبة: فأول مراتب القدر العلم، ومعناه أن الله علم ما كان وما يكون، وما سيكون كيف يكون. ثم بعد ذلك الكتابة، فإن الله كتب كل شيء، فلما خلق القلم قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء، فكل شيء في كتاب بما في ذلك أفعال العباد، بل أفعال العباد هي الأهم؛ لأنها خلقت من أجل هذه الأمانة التي تحملها العباد، وخُلقت من أجلها السماوات والأرضين. ثم الدرجة الثالثة وهي المشيئة والإرادة: فإن الله أراد كل شيء إرادة كونية وشاءه مشيئة عامة. ثم بعد ذلك الخلق، أي أن آخر مراتب القدر الخلق وهي المرتبة الرابعة، فالله خالق كل شيء فعلم كل شيء، وكتبه، وشاءه، وخلقه ومن هنا تنتظم جميع صور الموجودات في علمها وكتابتها ومشيئتها وتقديرها وخلقها، ومقاديرها التفصيلية كلها داخلة في علم الله ، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة سبحانه.

стр. 89

علم الله بكل شيء قوله: (ولا يكون في الأرضين ولا في السماوات إلا ما علم الله ، يعني لا يحدث شيء من دون علمه، وهذا أيضاً فيه إشارة إلى الرد على القدرية الذين يزعمون أن العباد يفعلون أشياء ليست في علم الله . قوله: (وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك)، بمعنى أن تعلم أنه إذا حدث لك شيء من خير أو شر فإنه مقدر، وقبل أن يحدث كان بإمكانك أن تفعل الأسباب في درء الشر وجلب الخير؛ لأن الله علّق الأقدار بالأسباب في سابق علمه لكن إذا حدث الشيء فيجب ألا تفكّر في أنه بإمكانك أن تدفعه، ولا تدخل في حسابك للأمور السابقة كلمة (لو)، فتقول: لو أني فعلت كذا لحصلت على كذا من الخير، ولو أني فعلت كذا لما أصابني كذا؛ لأن ما أصابك من خير أو شر لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. قوله: (ولا خالق مع الله ، هذا أيضاً فيه رد على المعتزلة أو طوائف من المعتزلة الذين يزعمون أن المكلف هو الذي يخلق أفعاله الاختيارية.

стр. 90

التكبير على الجنازة قال رحمه الله تعالى: [والتكبير على الجنائز أربع، وهو قول مالك بن أنس وسفيان الثوري والحسن بن صالح وأحمد بن حنبل والفقهاء، وهكذا قال رسول الله ﷺ ]. الشيخ هنا يرجّح أن مسألة التكبير أربع، وهو قول الجمهور، لكن لا يعني أنه هو الصورة الوحيدة للتكبير، فللتكبير صور عديدة فعلها النبي ﷺ لا ينبغي لأحد أن يُنكر على فاعلها، وكل ما ثبت عن النبي ﷺ من صور الأفعال إذا لم يرد له فيها خصوصية أو يرد النسخ فإنها تبقى من صور الفعل الجائزة، مثل صلاة الخوف فلها عدة صور كلها جائزة، وصلاة الكسوف والخسوف لها عدة صور كلها جائزة، وصلاة الاستسقاء لها عدة صور كلها جائزة، وكذلك صلاة الجنازة في تكبيراتها، فالذي عليه جمهور السلف أنها أربع؛ لكن النبي ﷺ فعل غير ذلك فمن زاد فلا حرج عليه.

стр. 91

سماع الأموات للأحياء قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن مع كل قطرة ملك ينزل من السماء حتى يضعها حيث أمره الله . والإيمان بأن النبي ﷺ حين كلم أهل القليب يوم بدر -أي المشركين- كانوا يسمعون كلامه]. هذه مسألة سماع الأموات لكلام الأحياء، وهي مهمة، ولذلك سنقف فنقول: اختلف العلماء في مسألة سماع الأموات لكلام الأحياء، هل يسمعون مطلقاً، أو يسمعون في حال دون حال؟ وماذا يسمعون؟ وإذا قيل بسماعهم مطلقاً فهل يسمعون كل شيء، أو لا يسمعون إلا أشياء ورد تحديدها في الشرع؟ ثم إذا سمعوا هل يجيبون مطلقاً، أو يجيبون في بعض الأمور دون بعض؟

стр. 92

تنبيهات في مسائل سماع الأموات لكلام الأحياء هذه مسألة خلافية لكن فيها بعض النقاط القول فيها ضعيف، وبعض المسائل القول فيها لا أصل له. فأولاً: القول بأن الأموات يسمعون مطلقاً مرجوح، فهم لا يسمعون مطلقاً إنما سماعهم مقيد بأمور. ثانياً: القول بأن الأموات يجيبون الأحياء لا يصح، فإنهم لا يجيبون إلا في أمور محددة جداً سيرد ذكرها بعد قليل مثل رد السلام. ثالثاً: القول بأنهم ينفعون أو يضرون، قول باطل قطعاً، فالنفع والضر للأحياء من الأموات غير وارد، ومن هنا لا يستجيبون دعاء الداعين. الخلاف بين السلف في مسألة سماع الأمور المشروعة:

стр. 93

أدلة القائلين بسماع الموتى لكلام الأحياء فالذين أثبتوا سماع الأموات لكلام الأحياء استدلوا بأمور ظنوا أنها مطلقة مع أن فيها تقييداً في بعض دلالاتها استدلوا أولاً بقصة أصحاب القليب التي ثبتت عن النبي ﷺ في يوم بدر، وهي أن أصحاب القليب من المشركين بعدما دفنوا جاء النبي ﷺ يخاطبهم فكان يقول: (إني وجدت ما وعدني ربي حقاً، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ فاستنكر الصحابة هذا الأمر وقالوا: أو يسمعون ما تقول؟ فقال النبي ﷺ : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، قالوا: فهذا دليل على أن الأموات يسمعون، فإذا كان المشركون يسمعون فالمؤمنون من باب أولى. وسنبين أن هذه الدلالة مقيدة. واستدلوا أيضاً بأن النبي ﷺ خاطب أصحاب أحد، وذكر أنهم أحياء، وذكر أنه ما من أحد يسلّم عليهم إلا ردوا عليه إلى يوم القيامة. وكذلك مشروعية زيارة القبور والسلام عليها، قالوا: لو لم يكونوا يسمعون لما كان لزيارتهم معنى. وأيضاً نداؤهم وخطابهم بالسلام عليكم، وأحياناً ينادون كما ورد في بعض ألفاظ الحديث بياء النداء: يا أصحاب القبور، أو يا أهل القبور، فهذا دليل على أن الأموات يسمعون، ولو لم يسمعوا لما شرع خطابهم، وقد شرع النبي ﷺ خطابهم فخاطبهم بنفسه وأمرنا بزيارتهم والسلام عليهم. واستدلوا بعد ذلك بآثار منها قصة عمرو بن العاص ﵁؛ أنه حينما جاءت المنية أمر بألا يستعجل عنه الناس، وأن يبقوا عنده قدر ما تنحر الجزور، وقال: إني أستأنس بكم حتى أراجع ربي، وهو صحابي، والصحابة الذين سمعوا قصته لم ينكروا عليه. قالوا: فهذا دليل على أنهم يسمعون وأنهم يستأنسون بمن حولهم من الأحياء. مجمل هذه الأدلة دلت عند كثيرين من العلماء على أن الأموات يسمعون وأنهم يردون بعض الجواب ولا يردون كل الجواب.

стр. 94

أدلة النافين لسماع الأموات كلام الأحياء سوى ما ورد وهناك من نفى سماع الأموات مطلقاً، وقال: إن الأموات يُبلّغون من قبل الملائكة، والملائكة لا شك أنها تعاشر الأحياء والأموات، وأن ما يحدث منا لهم من السلام وغيره يكون بواسطة الملائكة واستدلوا بعمومات النصوص، مثل قوله : ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠] قالوا: هذا دليل قاطع على أن الموتى لا يسمعون، وإذا كان النبي ﷺ لا يسمع الموتى فغيره من باب أولى. وحملوا النصوص المثبتة على أنها إما خاصة فقالوا: قصة أصحاب القليب خاصة بتلك الحادثة، وكذلك أصحاب أحد الذين سلّم عليهم النبي ﷺ وخاطبهم من الصحابة الشهداء أن هذا خاص بهم. وقالوا: إن الباقي يكون عن طريق تبليغ الملائكة، أي: السلام على بقية أموات المسلمين. وقال بعضهم: إن إسماع السلام للموتى خاص بهذه الحالة فقط، أي أن الموتى لا يسمعون في قبورهم إلا ما ورد الشرع بفعله معهم، وأن ما حدث من النبي ﷺ خاص به، وما أمر به من السلام على الأموات عموماً فهو خاص بحالة السلام وأنهم يردون السلام ويسمعونه ولا يسمعون باقي الأمور. وكذلك استدل النافون بنفس قصة أصحاب القليب على وجه آخر، قالوا: إن القصة وهي أن النبي ﷺ خاطبهم فيها بما يدل على أنهم لا يسمعون إلا في حالة معينة وهي تلك الحالة التي حدثت للنبي ﷺ ، قالوا: والدليل على ذلك أن الصحابة لما رأوا النبي ﷺ يخاطب أصحاب القليب أنكروا، قالوا: أويسمعون؟ والنبي ﷺ ما أنكر عليهم إنكارهم، بل أقرهم على أن الموتى لا يسمعون، وأخبرهم أن هؤلاء سمعوه ﷺ بصفة خاصة، وأن الحدث لا يحدث لغيره، فقالوا: القصة دليل على منع سماع الأموات لا على ثبوته.

стр. 95

الترجيح في مسألة سماع الموتى لكلام الأحياء والقول الراجح الذي عليه المحققون من أهل العلم قديماً وحديثاً أن الموتى لا يسمعون مطلقاً إلا ما ورد النص به، فهم يسمعون السلام، ويحسّون بالزائر لهم الزيارة الشرعية، وأيضاً يسمع الميت قرع نعال الناس حينما ينصرفون من دفنه لكن لا يسمع غير ذلك. وأيضاً فإن الميت قد يستأنس أول دفنه بمن حوله من الناس بناء على قصة عمرو بن العاص التي لم يُنكرها الصحابة، وهذه أمور توقيفية، وهذا هو الراجح أن الأمور التوقيفية يُثبت سماع الأموات فيها كما وردت بالنصوص، وما عداها لا يُثبت لأنه يحتاج إلى دليل، فالنصوص التي نفت تنفي أن يكون للموتى سمع تبقى دلالتها كقوله : ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠] تبقى دلالتها على أن الموتى لا يسمعون إلا ما ورد استثناءه في النصوص عن النبي ﷺ وصح. فلو أن إنساناً جاء إلى المقبرة وأخذ يُنشد شعراً أو يرثي وينوح، فالدليل قائم على أن الأموات لا يسمعونه، ومن باب أولى إذا جاء يطلب حوائج أو غيرها، ولو سمعوا ما استجابوا له، لكن الصحيح أنهم لا يسمعون. إذاً فالحاصل أن سماع الموتى محصور فيما ورد به النص، وما عداه يحتاج إلى دليل، وهذا أمر غيبي لا دليل عندنا فيه، ولا يقاس ما لم يرد بما ورد؛ لأن هذه أمور غيبية بحتة لا يصح فيها القياس، وما حدث للنبي ﷺ من إسماعه بعض الموتى إما خاص وإما يدخل في عموم ما ثبت لجميع المسلمين أو لجميع الخلق.

стр. 96

سماع النبي ﷺ لمن يسلم عليه من بعيد وهناك أيضاً مسألة متفرعة وهي ما يتعلق بالنبي ﷺ ، وأنه يسمع السلام البعيد والقريب، وهذا ورد به نصوص، لكن لا شك أنه يسمع من يسلم عليه من قريب كغيره من الأموات ويرد السلام، لكن ورد أن النبي ﷺ يرد السلام لمن سلّم عليه في أي مكان كان، وأنه يبلغه سلام المسلّمين عليه في أي بقعة من بقاع الأرض، فهل هذا يعني أنه يسمع سلام جميع الناس أم أنه يُبلّغ به من قبل الملائكة؟ الراجح والله أعلم أنه يبلّغ به؛ لأن النبي ﷺ ذكر أن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغونه السلام. فسماع النبي ﷺ لسلام المسلمين عن طريق الملائكة، وما ورد من النصوص المطلقة في هذا يُحمل على هذا اللفظ المقيد بتبليغ الملائكة، ومع ذلك تبقى المسألة خلافية، هل النبي ﷺ يسمع كل من سلّم عليه ويرد عليه في أي مكان كان؟ هذا ورد في نصوص، لكنها مجملة غير صريحة، وورد الحديث المفصّل المبيّن أن لله ملائكة يبلّغونه عن أمته السلام أينما كانوا. وسماع السلام من بعيد خاص بالنبي ﷺ ، أما بقية الأموات فلا يسمعون إلا من يسلّم عليهم عند القبور، والله أعلم.

стр. 97

الأسئلة

стр. 98

الفرق بين سلام القريب والبعيد السؤال هل الفرق بين سلام القريب والبعيد، أن البعيد يصلي الله عليه بها عشراً، والقريب يرد الله على الرسول ﵊ روحه فيرد ﵇؟ الجواب أن القريب لا شك أنه يرد الله على الميت روحه، ومن باب أولى النبي ﷺ ، أما الصلاة عشراً فوعد مطلق للبعيد والقريب، فكل من صلى على النبي ﷺ يصلي الله عليه بها عشراً، لكن القصد السلام الخاص بالنبي ﷺ الذي هو كالسلام على الميت، هل يسمعه النبي ﷺ من بعيد أو يبلّغ به؟

стр. 99

ما يراه الأحياء من اهتمام الأموات وتحسسهم السؤال ما رأيك في الخلاف في سماع الموتى وعدم سماعهم؟ الجواب في الحقيقة هي مما ليس له ثمرة في أعمال الأحياء تجاه الأموات؛ لأن الأحياء يجب ألا تخرج تصرفاتهم تجاه الأموات عما ورد في السنة، سواء قلنا بأنهم يسمعون أو يبلّغون لا فرق، لكن من باب العلم. أما هذه الأرواح فالله أعلم، فالآن يحدث من الناس الأحياء رؤى تشعر بأن الأموات يهتمون ويتحسسون بأحوال الأحياء سلباً وإيجاباً، لكن هذه المسائل ليست من عالم الشهادة، بل تدخل في عالم الغيب، فالله أعلم بها فإنها ليست مفسّرة عندنا وليس لها تفسير، إلا إنها أمور روحية وليست أموراً عملية جسدية ولا تدخل في باب السلام ورد السلام، فهي من الأمثال التي تُضرب للعباد، قد يكون لقاء أرواح والأرواح لا يحدها شيء والله أعلم.

стр. 100

حدود الولاء والبراء مع غير المسلمين السؤال أرجو توضيح حدود الولاء والبراء مع غير المسلمين؟ الجواب غير المسلمين ليس معهم ولاء، فمن حيث الاعتقاد والدين والشعور تجاههم البراء الكامل، أما من حيث التعامل فهذا يرجع لجلب المصالح ودفع المفاسد، ويرجع لما يترتب على التصرف من خير أو شر، فبعض الناس يخلط بين مسألة التعامل الدنيوي والبراء القلبي، فالبراء القلبي والبراء الديني والعقدي من غير المسلمين براء كامل وعداء كامل، لكن من حيث التعامل لا بد من تحكيم قواعد الشرع بحسب الزمان والمكان والمصلحة والمفسدة وبحسب الحال والشخص، وبحسب نوع التصرف، فمثلاً المنادمة والمجالسة والتبسط مع الكافر لا تجوز، لكن العمل معه فيما تقتضيه مصلحة عامة للمسلمين أو مصلحة خاصة هذا أمر آخر.

стр. 101

رؤية الأموات أعمال الأحياء السؤال هل يرى الأموات أعمال الأحياء؟ الجواب الله أعلم، ليس عندنا لهذا دليل ما عدا الرؤى، والرؤى ليست أدلة، إن هي إلا أمثال تُضرب للخلق، فقد يوجد من الناس الأحياء من يرون أحوال الأموات، وأن الأموات يُشعرون الأحياء بأنهم يتفقدون أحوالهم وأنهم يُسرّون بما يسر، ويتألمون بما يضر إلى آخره، لكن هل هذا على الحقيقة من كل وجه؟ الله أعلم ليس عندنا على هذا دليل.

стр. 102

القصاص بين الإنس والجن يوم القيامة السؤال هل يقتص الإنس من الجن يوم القيامة؟ الجواب الظاهر أن الإنس يقتصون من الجن والجن يقتصون من الإنس، وأغلب ما يكون الأذى من الجن للإنس؛ لأن الجن يرون الإنس ويشعرون بهم والإنس لا يرون الجن ولا يشعرون بهم، فكان الأذى من الجن على الإنس أكثر، ولذلك سيكون القصاص بينهم يوم القيامة كسائر المخلوقات.

стр. 103

وصية الأموات عن طريق الأحياء السؤال هل يوصي أموات الأحياء عن طريق بعض الأحياء؟ الجواب لا أعرف أنه مشروع، بل لا أصل له، أعني كون الحي يوصي الميت يقول: كلّم لي فلاناً، أو ابحث لي عن فلان عند القبر أو عندما يموت الميت.

стр. 104

الخلاف في حديث خلق آدم على صورة الرحمن السؤال ذكرتم في الأسبوع الماضي حديث: (إن الله خلق آدم على صورته)، وأنه جاء في حديث آخر: (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن)، وقد سمعنا في شريط للإمام الألباني يقول: هذا الحديث باطل لا يثبت، والصحيح أن الضمير عائد إلى آدم كما جاء في صحيح مسلم: (إن الله خلق آدم على صورته ستون ذراعاً)، وهذا دليل واضح في هذه المسألة؟ الجواب المسألة خلافية بين أهل العلم المعتبرين قديماً وحديثاً، أما حديث (على صورة الرحمن) فصححه كثير من أهل العلم المعتبرين، ومع ذلك قد يجتهد مجتهد من العلماء فيرى ضعفه أو يرى أنه باطل، فهذه مسألة لا تدخل فيما أتكلم فيه أنا، أنا أتكلم فيما أعلم وفيما أرى أنه هو الأرجح عند جمهور السلف من أهل الحديث، ومع ذلك فهذه الأمور هي محل خلاف، سواء تصحيح الحديث، فإن قبل الألباني ابن خزيمة ﵀ ضعّف الحديث، وهو إمام الأئمة في الحديث والعقيدة، لكن قبِله غيره من الأئمة، فالمسألة كما قلت لا تعدو أن تكون خلافية وليس فيها جزم؛ لأن هذه ليست من الأمور القطعية والله أعلم.

стр. 105

شرح السنة [٧] من رحمة الله تعالى أنه يدخل أهل الجنة الجنة برحمته وعفوه، ويعذب من يستحق العذاب بعدله، ولا يظلم ربك أحداً، ولا يعترض على ذلك وعلى ما ورد من نصوص الكتاب والسنة ولا يقبلها ويطعن فيها إلا صاحب هوى وبدعة وضلالة، وهو متهم في دينه وإسلامه.

стр. 106

الجزاء على الأعمال قال أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الرجل إذا مرض يأجره الله على مرضه، والشهيد يأجره الله على شهادته. والإيمان بأن الأطفال إذا أصابهم شيء في دار الدنيا يألمون، وذلك أن بكر ابن أخت عبد الواحد قال: لا يألمون. وكذب! واعلم أنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، ولا يعذّب الله أحداً إلا بقدر ذنوبه، ولو عذّب أهل السماوات وأهل الأرضين برهم وفاجرهم عذّبهم غير ظالم لهم، لا يجوز أن يقال لله إنه ظالم، وإنما يظلم من يأخذ ما ليس له، والله جل ثناؤه له الخلق والأمر، والخلق خلقه والدار داره، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ولا يقال لم؟ وكيف؟ لا يدخل أحد بين الله وبين خلقه].

стр. 107

دخول الجنة برحمة الله لا بالأعمال هذه الفقرة (٦٨) ذكر قواعد هامة من قواعد العقيدة عند السلف فيما يتعلق بالجزاء على الأعمال وفيما يتعلق بالقدر. أما ما يتعلق بالجزاء على الأعمال فإن الله لا يُدخل الجنة أحداً إلا برحمته سبحانه، لأن أعمال العباد مهما بلغت من الكمال والوفاء فإنها لا تكافئ نعم الله على العبد، ولنأخذ هذا بمثال واضح بيّن تقتضيه الفطرة، وهو أن الأعمال الصالحة بحد ذاتها لم تكن إلا بتوفيق الله، فهذا التوفيق نعمة كبرى لا يكافئها العمل، لأن العبد بنفسه ضعيف فقير إلى الله والله هو الغني القوي، والعبد لا يملك لنفسه شيئاً فالله هو الذي خلقه، ثم هداه، وبالهداية وفقه للعمل، ثم جعل الله له على عمله ثواباً، وذلك بفضل الله ورحمته. فمن هنا فإن أعماله لا تكافئ شيئاً من نعم الله عليه.

стр. 108

لا يوصف الله تعالى بالظلم ثم بعد ذلك قال: (ولو عذّب أهل السماوات وأهل الأرضين) هذا على سبيل الافتراض؛ لأن (لو) حرف امتناع لامتناع، فإنه يمتنع في وعد الله وعدله أن يعذّب أهل السماوات وأهل الأرضين البر والفاجر، فإن الله وعد الأبرار بالخير والنعمة، وتوعد الفُجّار جزاء أعمالهم، لكن من باب الافتراض بأن الله مالك الملك وكل شيء بيده، وهو الذي خلق الخلق وهم ملكه، فيفعل بملكه ما يشاء، فلو عذّبهم بمشيئته فإن ذلك راجع إليه سبحانه، لكن هذا ممتنع بما ذكره الله وبما وعد الله به عباده، وامتنع أن يعذّبهم كلهم، وأن من يُعذّبون إنما يُعذّبون بذنوبهم. كما أنه لا يُنسب إلى الله الظلم، وهذا أمر بدهي ولا يحتاج إلى تقرير، ولذلك لا ينبغي لطالب العلم أن يفصّل في هذه الأمور؛ لأن الإجمال فيها هو مقتضى الفطرة، يقال: إن الله لا يظلم أحداً ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، ويقال: إن الله يفعل في خلقه ما يشاء، ويقال: إن الله ينعم على الطائعين برحمته إلى آخر الأمور الإجمالية؛ لأن التفصيل في هذه الأمور يوقع في الشبهات والشكوك، ثم إنه أيضاً خلاف الأدب مع الله ، فلا ينبغي أن نبالغ في نفي الظلم عن الله؛ لأن ذلك أمر تقتضيه العقول السليمة والفطر المستقيمة، ولا نبالغ في القول بأن الله لو عذّب العباد كلهم لكان له ذلك، لكن نذكرها على سبيل الإجمال من باب الرد على الفرق، ولذلك لم يكن السلف يذكرون هذه الأمور حتى تكلم فيها الناس، فلما تكلم فيها الناس بغير حق وقالوا على الله بغير علم، وعمّت به البلوى وسمعها العامة والخاصة تكلم السلف عنها من باب تقرير الحق ونفي الباطل، والرد على الشبهات. وهذه قاعدة عظيمة في الدين، وهي أن الشبهة إذا لم تشتهر ولم تنتشر فلا يجوز الكلام فيها إلا في حدود ضيقة جداً، وإذا اشتهرت وانتشرت فلا بد من الكلام فيها، ولذلك نجد أن الله في كتابه الكريم ما تكلم في أمر من الأمور التي تتعلق بذاته وأسمائه وصفاته مما يوجب نفي النقص تفصيلاً إلا بما تكلم به أهل الضلال، فالله إنما نفى عنه الصاحبة لأن هناك من قال بذلك القول العظيم الشنيع، ونفى عن نفسه الولد لأن هناك من قال بذلك، ونفى عن نفسه النصب واللغو لأن هناك من قال بذلك، لكن لا نجد أن مذهباً من المذاهب ذُكر تفنيده في القرآن وهو ليس له وجود ولا شهرة، فالمذاهب المغمورة ينبغي ألا نفصّل عنها وألا نتكلم عنها. المهم أن الشيخ في تقرير نفي الظلم عن الله ونحو ذلك إنما أراد أن ينفي ما قالته بعض الفرق أو تكلموا فيه بغير حق.

стр. 109

ألم الأطفال لما يصيبهم قوله: (والإيمان بأن الأطفال إذا أصابهم شيء في دار الدنيا يألمون)، يعني أنهم يحسّون بالألم، وذلك أن بكر ابن أخت عبد الواحد، وعبد الواحد هذا ابن زيد من أصحاب عبد الله بن مسعود وابن أخته هذا بكر مشهور بأنه من أصحاب الأهواء قال: (لا يألمون)، وكذب. وهذا كلام أشار إليه الشيخ لأنه اشتهر في وقته أو بمناسبة معينة، أو لأنه اطّلع عليه، فإن مفردات أقوال أهل الأهواء لا حصر لها، وأغلبها مما لا يُعقل، فأقول: ربما قصد الشيخ أن هناك قولاً في هذا الأمر، وأن هذا الأمر غريب فأراد الرد عليه؛ لأن أهل الأهواء تكلموا في كل شيء يرد على أذهانهم وخيالاتهم، فهناك من زعم أن الأطفال لا يحسّون بالألم، زعماً منه بأن إحساسهم بالألم ينافي رحمة الله ، وأنه لو تألّم الأطفال لكان ظلماً من الله لهم، وهذا ضلال لأن الله له في خلقه شئون وله في فعله حكم، فحينما يتألم الحيوان أو الإنسان غير المتسبب كالطفل أو الشيخ الكبير أو المريض فذلك راجع لحكمة يعلمها الله . والأطفال أو غيرهم ممن ليسوا مكلفين آلامهم لا بد أن ترجع في المآل إلى مصالح لهم أو لذويهم، ولا تذهب سدى، لأن الله ليس بظلام للعبيد. لكن كيف تكون هذه المصالح؟ ربما يكون الألم للطفل وهو صغير في مصالح يدّخرها الله له بعد كبره أو يوم القيامة، أو مصالح ترجع إلى منفعة لوالديه أو لذويه، والله أعلم بالحال. فالقصد أن ابن أخت عبد الواحد أو غيره ممن أنكروا ذلك أنكروه زعماً منهم أن هذا ينافي الرحمة. وقد يقال إن الألم للطفل يجعل الوالدين يهتمان فيكون لهما الأجر في هذا الهم، وهذا جانب، لكن أيضاً ألم الطفل قد لا يظهر، لكن المهم أن ذلك راجع لحكمة علمها الله نحن لا نعلمها، وأن ذلك من الله ليس بظلم؛ لأنه إذا استشعرنا كمال الله وكمال حكمته وكمال رحمته، نعرف أن ما يوقعه الله على غير المكلّفين من الآلام وغيرها راجع لحكمة ومصلحة غائبة لا ندركها، والله أعلم بها. قوله: (وإنما يظلم من يأخذ ما ليس له)، يعني أن الله حينما يفعل في العباد شيئاً بما في ذلك تعذيبهم فإن ذلك له ، لذلك لا يوصف عمله بالظلم لأنه مالك الملك يفعل في ملكه ما يشاء، إنما يوصف بالظلم من يأخذ ما ليس له، أو يفعل ما ليس له حق أن يفعله، والله له أن يفعل في ملكه ما يشاء.

стр. 110

الطعن في الآثار من سيما أهل الأهواء قال رحمه الله تعالى: [وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها أو ينكر شيئاً من أخبار رسول الله ﷺ ، فاتهمه على الإسلام، فإنه رجل رديء القول والمذهب، وإنما طعن على رسول الله ﷺ وأصحابه؛ لأنه إنما عرفنا الله وعرفنا رسول الله ﷺ ، وعرفنا القرآن، وعرفنا الخير والشر، والدنيا والآخرة بالآثار، وأن القرآن إلى السنة أحوج من السنة إلى القرآن]. قوله: (وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار)، أقول: هذا يتعلق بمنهج شامل وعام لجميع أهل الأهواء والافتراق، وسمة عامة من سماتهم وأصل من أصولهم وهو الطعن في الآثار، والمقصود بالآثار نصوص القرآن والسنة، وأقوال السلف، فالآثار إذا أُطلقت في مثل هذا المقام فيقصد بها كل ما أُثر من نصوص الوحي، وأحياناً تُطلق ويراد بها السنة وآثار السلف، وأحياناً تُطلق ويُراد بها أقوال السلف فقط حسب السياق، لكن المقصود بالآثار هنا الوحي كله القرآن والسنة وما نُقل عن السلف من أقوال وأفعال ومناهج وتقريرات، فالطعن في الآثار أياً كان يعتبر من أصول أهل الأهواء، والرجل إذا طعن في الآثار فإنه مغموز في دينه، صاحب هوى سواء شعر أو لم يشعر.
следующие страницы →