← Акыда

Акыда · id 37719

شرح كتاب فضل الإسلام لمحمد بن عبد الوهاب - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (79 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شرح كتاب فضل الإسلام [١] لقد امتن الله تعالى علينا أمة الإسلام بهذا الدين العظيم دين الإسلام الذي رضيه لنا ديناً، وفضله على سائر الأديان، وجعله خاتماً لها ومهيمناً عليها، واختصه بفضائل عظيمة عما سواه، فقد جعله ديناً كاملاً، وأتم به النعمة على هذه الأمة، وجعله سبباً لمغفرة الذنوب وحصول التقوى والخشية لله، ولن يقبل الله تعالى من أحد ديناً سواه.

стр. 2

باب فضل الإسلام قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين. باب فضل الإسلام، وقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [يونس:١٠٤] الآية، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨]]. قبل أن ننتقل إلى الأحاديث نتأمل المعاني التي أشار إليها وإن لم يذكرها شيخ الإسلام في هذه الآيات، وتندرج تحت فضل الإسلام، وعندما تأملت هذه الآيات تذكرت ما اتسم به هذا الشيخ الإمام الجليل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب من دقة في الفقه واستنباط المعاني الشرعية من النصوص، سواء ما يتعلق بالعقيدة أو ما يتعلق بالأحكام، ولا يظن الناس أن مؤلفات الشيخ فيها شيء من العموم وعدم العمق، أو قد يقول قائل عن جهل بحقيقة هذا الإمام: إن الشيخ تميّزت مؤلفاته بشيء من السطحية! أقول: لا، إن إيراده للنصوص على هذا النحو يدل على فقه عظيم، ويذكرني فقهه واستنباطه وإشارته إلى المعاني بمنهج البخاري ﵀، فإنه يتميز بالعمق والمنهجية في استنباط المعاني الشرعية والقواعد العظمى من النصوص بأيسر أسلوب، والشيخ هنا لم يذكر الأمور التي استنبطها في فضل الإسلام من هذه النصوص بل تركها للقارئ، ولكن مجرد أن بوّب وجاء بها تحت باب فضل الإسلام فكأنه بذلك وجّه القارئ إلى استنباط فضل الإسلام من هذه النصوص، ولو تأملنا هذه الثلاث الآيات لوجدنا أكثر من ثنتي عشرة مسألة في فضل الإسلام:

стр. 3

فوائد ومعانٍ من آيات في فضل الإسلام الآية الأولى: استنبط الشيخ معاني كثيرة نأخذ منها ثلاث فوائد في فضل الإسلام: الفائدة الأولى: كمال هذا الدين، بحيث لا يحتاج الناس إلى مصادر أخرى ولا إلى ابتداع أمور ليثبتوها من عند أنفسهم؛ لأن الله قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، وهذا من أبرز خصائص الدين وفضل هذا الدين، والذي هو الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص إلى قيام الساعة، بخلاف الأديان السابقة فقد اعتراها النقص بتقصير أهلها، وبأن الله لم يتكفل بحفظها، فوقع فيها التغيير والتبديل ثم النسخ. الفائدة الثانية: يستنبط من قوله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣]، أن الله أتم بهذا الدين النعمة على العباد، وهذا من أبرز فضائل الدين، وهو أن الله أنعم على هذه الأمة، وأتم به النعمة، فتحقق بالإسلام تمام النعمة من الله على هذه الأمة. الفائدة الثالثة: أن من فضل الإسلام أنه يحقق رضا الله ، فالله رضيه لعباده، وأي شيء أعظم من دين رضيه الله لعباده؟ قال الله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. هذه ثلاث فوائد في فضل الإسلام في آية واحدة، مع عدم التعمّق والتطويل، ولو طوّلنا لأخذنا فوائد كثيرة، لا شك أن الشيخ يشير إليها؛ لأن كونه أدرج هذه الآية في فضل الإسلام دليل ظاهر على أنه أدرك بفقهه وبعمق فهمه ﵀ هذه المعاني. وفي الآية الثانية استنبط فوائد في فضل الإسلام: الأولى: أن هذا الدين هو الذي لا يقبل الله من الناس سواه، قال : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [يونس:١٠٤] فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ [يونس:١٠٤] دل على أن هذا الدين هو الذي يقبله الله، وأنه الذي لا شك فيه، ولا يمكن أن يتطرق الشك إلى شيء من هذا الدين. الثانية: أن من فضل الإسلام أنه يحقق التوحيد الخالص، قال الله تعالى: ﴿فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس:١٠٤] فهو يحقق التوحيد الخالص، وينفي الشرك، ويحقق العبادة الحقة والتوحيد والدين الذي رضيه الله للعباد، وهذا كله من فضائل هذا الدين. وفي الآية الثالثة ذكر عدة فوائد: الأولى: أن من فضل هذا الإسلام أنه يتحقق به التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحديد:٢٨]، ويتحقق به الإيمان بالرسول ﷺ ، وهذه من غايات الدين ومن أسباب السعادة في الدنيا والفلاح في الآخرة، فهي فضائل لهذا الدين. الثانية: أن الله وعد هذه الأمة بمضاعفة الأجر: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد:٢٨]. الثالثة: أن الله ينوّر به للعبد الطريق المستقيم، فينوّر به القلوب وينوّر به أحوال العبد في الدنيا والآخرة، حتى يمشي على مثل البيضاء في الوضوح والبيان لما تكفّل الله به من حفظه لهذا الدين وبيانه، وإقامة الحجة فيه، فلذلك فُضل هذا الدين بكونه نوراً يمشي به العباد ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد:٢٨]، وهو هذا الدين. الرابعة: أن الله يحقق لمن أسلم وحقق إسلامه المغفرة لذنوبه ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨]. هذه معان عظيمة مما يُستنبط من هذه الآيات في فضل الإسلام، ومسألة فضل الإسلام لها عدة اعتبارات، فضل الإسلام من حيث ذاته فالإسلام بذاته فاضل؛ لأن الله جعله خيار الأديان وخاتم الأديان وأفضل الأديان، وناسخاً للأديان ومهيمناً عليها، ثم فضل الإسلام بفضائل هذه الأمة بما منحه الله لهذه الأمة من الفضائل، ثم فضل الإسلام على الأفراد أيضاً، فالإسلام هو طريق النجاة، وهو طريق السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة، وليس المقصود بفضل الإسلام خصائصه فقط، بل المقصود الخصائص والسمات والميزات التي تميزه عن غيره، ثم الفضائل والأجور والخصائص التي يتميز بها أتباعه، ثم النتائج التي وعدها الله للمستمسكين بالإسلام في الدنيا والآخرة، ففضله في نفسه، وفضله على غيره، والفضل الذي يحصل به للعباد كل ذلك يدخل في معنى فضل الإسلام.

стр. 4

أحاديث في فضل الإسلام قال رحمه الله تعالى: [وفي الصحيح عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل من صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: ما لنا أكثر عملاً وأقل أجراً؟ قال: هل نقصتكم من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء). وفيه أيضاً عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة)، وفيه تعليقاً عن النبي ﷺ أنه قال: (أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة) انتهى]. في هذه الأحاديث أشار الشيخ إلى بعض ما ورد في الآيات، وإلى زيادة وردت في الأحاديث. ففي الحديث الأول: إشارة إلى أن من فضائل الإسلام مضاعفة الأجور، وهذا خاص لهذه الأمة في جميع أعمالها الصالحة، وهذا لم يكن موجوداً في الأمم الأخرى، ولذلك فإن اليهود والنصارى اعترضت، فبيّن الله أن ذلك من فضله، وفضل الله يؤتيه من يشاء. وفي الحديث الثاني: أشار إلى فضل الأجور وإلى أمر آخر وهو تقدم هذه الأمة على الأمم الأخرى، سبقاً في الفضل والهبات من الله ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. كما أن الإسلام تميز بفضائل أخرى ذكرها في الحديث الآخر المعلّق، وهي سماحة الإسلام ويسر الدين، فالإسلام أسمح الأديان في دفع المشقة عن العباد، وفي مضاعفة الأجور لهم، ومغفرة الذنوب، وفي جلب التيسير لجميع أحكام الدين، حتى عند غير الضرورات والحاجات، وحتى عند وجود مجرد المشقة، فإن الدين يسر، وهذا من فضل الإسلام كما أشار إليه الشيخ.

стр. 5

آثار في فضل الإسلام قال رحمه الله تعالى: [وعن أبي بن كعب ﵁ قال: عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ليس من عبد على سبيل وسنة ذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله فتمسه النار، وليس من عبد على سبيل وسنة ذكر الرحمن فاقشعر جلده من خشية الله إلا كان كمثل شجرة يبس ورقها، فبينما هي كذلك إذ أصابتها الريح فتحات عنها ورقها، إلا تحاتت عنه ذنوبه كما تحات عن هذه الشجرة ورقها، وإن اقتصاداً في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة، وعن أبي الدرداء ﵁ قال: يا حبذا نوم الأكياس وإفطارهم، كيف يغبنون سهر الحمقى وصومهم، مثقال ذرة من بر مع تقوى ويقين أعظم وأفضل وأرجح من عبادة المغترين]. تضمنت هذه الآثار المعاني السابقة التي منها مضاعفة الأجور وزيادة تكفير الخطايا والذنوب لهذه الأمة، وكذلك تضمنت هذه الآثار معانٍ أخرى وهي أن هذه الأمة يكثر فيها أهل الحزم ورجاحة العقل، كما قال: يا حبذا نوم الأكياس وإفطارهم كيف يغبنون سهر الحمقى وصومهم، بمعنى أن هذه الأمة فيها طوائف من العُبّاد الذين هم على السنة، وأهل السنة هم الظاهرون من العلماء والعُبّاد والقائمون بأمر الله وهؤلاء تميّزوا بالحزم والعقل -وهو الكيس- في أخذ هذا الدين والتوجه إلى الله بالعبادة والخشية والإنابة والزهد، فلذلك فُضّلت هذه الأمة بمضاعفة الأجور لوجود أمثال هؤلاء القدوة فيهم، وهذا من فضل الإسلام، ولذلك كان من وسائل حفظ هذا الدين الذي جعله الله من أسباب فضله وتميزه على الأديان الأخرى بقاء هذه الطائفة أهل الكيس والعقل والدين والقدوة، كما أنهم معتزون بهذا الدين وهم ظاهرون لا يضرهم من خذلهم ولا من عاداهم إلى أن تقوم الساعة، كل هذا من وسائل حفظ الدين وهو آخر الأديان وأفضلها وأبقاها حتى ولم يبق على الأرض أحد من البشر.

стр. 6

شرح كتاب فضل الإسلام [٢] لقد أوجب الله تعالى على الإنس والجن جميعاً أن يدخلوا في دين الإسلام، وذكر أن من ابتغى غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، والإسلام هو مجموع الشرائع والأحكام التي ذكرها الله تعالى في كتابه ونبيه ﷺ في سنته، ولذلك فاتباع الكتاب والسنة هو الالتزام الصحيح بالإسلام الذي أراده الله تعالى وأوجبه على عباده، ومن عدل عن ذلك إلى البدع والشبهات فقد ترك من الإسلام بقدر ما أخذ من بدعة وشبهة.

стр. 7

باب وجوب الإسلام قال رحمه الله تعالى: [باب وجوب الإسلام. وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] الآية. قال مجاهد: السبل: البدع والشبهات. وعن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أخرجاه، وفي لفظ: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). وللبخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى). وفي الصحيح عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغٍ في الإسلام سنة جاهلية، ومطّلب دم امرئ مسلم بغير حق ليهريق دمه) رواه البخاري. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قوله: (سنة جاهلية) يندرج فيها كل جاهلية مطلقة أو مقيدة، أي: في شخص دون شخص، كتابية أو وثنية أو غيرهما، من كل مخالفة لما جاء به المرسلون. وفي الصحيح عن حذيفة ﵁ قال: يا معشر القراء! استقيموا، فإن استقمتم فقد سبقتم سبقاً بعيداً, فإن أخذتم يميناً وشمالاً فقد ضللتم ضلالاً بعيداً. وعن محمد بن وضاح أنه كان يدخل المسجد، فيقف على الحلق فيقول: فذكره، وقال: أنبأنا سفيان بن عيينة عن مجالد عن الشعبي عن مسروق قال: قال عبد الله يعني ابن مسعود ﵁: ليس عام إلا والذي بعده شر منه، لا أقول: عام أمطر من عام، ولا عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير، لكن ذهاب علمائكم وخياركم، ثم يحدث أقوام يقيسون الأمور بآرائهم، فيُهدم الإسلام ويثلم].

стр. 8

بيان أن الإسلام الذي أوجبه الله تعالى هو السنة وأدلة ذلك أراد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن يبيّن أن الإسلام الذي أوجبه الله هو السنة كما سترون. فقوله: (باب وجوب الإسلام) أدرج تحته من النصوص والآثار ما يدل على أنه جعل الإسلام يتمثل بالسنة بعد ظهور البدع، وهذا حق، ولا يعني ذلك خروج المبتدعة والمبدّلين الذين لم يخرجوا من الملة، لا يعني خروجهم من الإسلام، لكن يعني بذلك أن الله كما أوجب الإسلام بالعموم فقد أوجب الاستمساك بحقيقة الإسلام عند اختلاف الناس وعند ظهور الأهواء والبدع، ولذلك فسّر الإسلام في النصوص التالية بالسنة، وهذا من عظيم فقهه؛ لأنه في جميع مؤلفاته كان يترسّم مناهج السلف بدقّة ويزن بها الواقع الذي كان عليه الناس، ولذلك أورد في الآية الأولى قوله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، وهنا قصد الإسلام العام والإسلام الخاص، والإسلام بمعناه العام هو الذي بعث الله به جميع المرسلين، فإن الآية لها عموم، ولها مفهوم خاص، أما الآية في عمومها فإنها تعني أن الله لا يقبل من أمة من الأمم إلا الإسلام الذي جاء به النبيون والمرسلون؛ ثم الآية خاصة بهذا الدين؛ لأن الأديان السابقة غُيّرت وبُدّلت ونسخت، فكان بالضرورة أن الآية أصبحت تتوجه إلى هذا الدين الذي جاء به النبي ﷺ ، فمنذ أن بُعث النبي ﷺ ومن بلغه الإسلام فإنه إن ابتغى غير الإسلام فلن يُقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين، والإسلام الذي هو هذا الدين الخاتم، وهذا ما قصد به الشيخ من وجوب الإسلام، وأن الإسلام واجب على جميع العباد، وأن الله لا يقبل غيره. ثم في الآية التالية كذلك قوله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] أي: أن الدين المقبول والدين الحق هو الإسلام، وهذه الآية لها عموم وخصوص، فهي عامة في جميع الديانات الشرعية التي أنزلها الله على رسله، فإن الله لا يقبل من جميع الأمم إلا الإسلام، وأنه لا يمكن أن يكون الدين بالمفهوم الشرعي المقبول عند الله حق إلا ما جاءت به الرسل، ثم الآية خاصة بهذا الدين بعد أن نسخ الله الأديان السابقة وختم الله الديانات بهذا الدين وبمحمد ﷺ ، فإن الدين عند الله هو الإسلام الذي هو السنة وما تستلزمه. ثم ذكر قوله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣] معناه: أن اتباع الإسلام واجب، وصراط الله المستقيم هو هذا الدين المتمثل بسنة النبي ﷺ ، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] وهذا تأكيد في وجوب التزام الإسلام المتمثّل بالسنة. ثم ذكر قول مجاهد بأن السبل: البدع والشبهات، وهذا هو ما فسّر به السلف معنى السبل، فالسبل ليست طرائق الناس في الحياة، ولا المناهج الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف، إنما السبل هي الاختلاف في الأصول، وهي البدع التي يخرج بها الناس عن السنة، جزئية كانت أو كلية فإنها سبل، وأغلب السبل هي أصول الفرق؛ لأنها بدأت من أمور صغيرة ثم انتهت إلى أصول ومناهج، فتمثّلت في سبل نعبّر عنها بالأصول والمناهج والطرائق. ثم ذكر حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، ولو نظرنا علاقة هذا الحديث بباب وجوب الإسلام لوجدنا أنها واضحة، لأن الإسلام الذي أمرنا بوجوب التزامه هو التزام السنة؛ لأن النبي ﷺ لما بلّغ الأمانة وأدى الرسالة قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) إذاً: يجب أن نلتزم بما جاء به النبي ﷺ ، ويجب أن نبتعد عما يخالفه، ولذلك فمن جاء بما يخالف الإسلام بأي أمر من الأمور وسواء كان صغيراً أو كبيراً فهو مردود على صاحبه، فيجب التزام الإسلام الذي هو نهج السنة. ثم ذكر للبخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى)، ثم ذكر أن من عصاه فقد أبى، وأن من أطاعه فقد دخل الجنة وارتباط هذا بوجوب الإسلام هو أن هذا الحديث يحقق فيه التزام طاعة الرسول ﷺ ، وأنه يتمثّل بها وجوب الإسلام، فالإسلام لا يتحقق إلا بطاعة النبي ﷺ ، فمن تحقيق وجوب الإسلام طاعة الرسول ﷺ . ثم ذكر الحديث الذي يليه: (أبغض الناس إلى الله ثلاثة)، وذكر منهم: (ومبتغٍ في الإسلام سنة جاهلية) فهنا يؤكد على أن الإسلام الذي يجب التزامه هو الأخذ بالسنة. وذكر تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك وهو قوله: (سنة جاهلية) أنه يندرج فيها كل جاهلية

стр. 9

شرح كتاب فضل الإسلام [٣] الإسلام هو الاستسلام والانقياد لله تعالى بالقلب والأعمال، وتسليم الظاهر والباطن بالتوحيد والطاعة، فهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، ويعني ذلك القيام بجميع فرائض وأركان الإسلام والإيمان العلمية والعملية، ومعاملة الناس بالأخلاق الحسنة التي أمر الله تعالى بها، هذا هو الدين الذي لن يقبل الله تعالى من أحد ديناً سواه.

стр. 10

باب تفسير الإسلام قال رحمه الله تعالى: [باب تفسير الإسلام. وقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران:٢٠] الآية. وفي الصحيح عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً). وفيه عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده). وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: (أنه سأل رسول الله ﷺ عن الإسلام؟ فقال: أن تسلم قلبك لله، وأن تولي وجهك إلى الله، وأن تصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة) رواه أحمد. وعن أبي قلابة عن رجل من أهل الشام عن أبيه: (أنه سأل رسول الله ﷺ : ما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله، ويسلم المسلمون من لسانك ويدك، قال: أي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان، قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت)]. تحت هذا العنوان بيّن الشيخ المعنى الشامل للإسلام والمعاني الأخرى المرادفة والتي تتفرع عنه، فمن خلال سياق الآية بيّن التفسير الشامل للإسلام الذي يُفهم من سياق الآية في قوله : ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران:٢٠] فإنه في الآية أشار إلى المعنى الشامل وهو أن الإسلام هنا يعني التسليم لله بالقلب والأعمال، وتسليم الظاهر والباطن بالتوحيد والطاعة، وهو التسليم المطلق فهذا المعنى الشامل للإسلام، وهو ما عرّفه بعض السلف: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك. وبعض الناس يظن أن هذا التعريف خاص بشيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا ليس بعيب، كما أن هذا التعريف قال به بعض السلف في القرون الفاضلة قبل شيخ الإسلام ابن تيمية، فهذا تعريف اصطلاحي أُخذ من معنى اللغة ومن المعنى الشرعي، الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلاص من الشرك كما أن هذا التعريف عرّف به شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيره من أئمة سلف الإسلام، لأن أول ما يُفسّر به هو هذا المعنى العام، وهو الذي تدل عليه الآية. ثم جاء بالمعاني الأخرى التي دلّت عليها الأحاديث، ومنها حديث عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ فسّر الإسلام بأركان الإسلام الخمسة، وهذا يعني القيام بفرائض الدين فالإسلام بمعناه الظاهر هو القيام بفرائض الدين، وهذا هو الإسلام فيما يظهر للناس، ومع أننا نقول: إن من شرط صحة الإسلام إذعان القلب، لكنه خفي، إذاً: يبقى المعنى الآخر للإسلام وهو تفسير الإسلام بالأعمال الظاهرة، وهذا هو الجانب العملي في الإسلام. ثم ذكر الشيخ ما هو أخص من ذلك في حديث أبي هريرة، وهو أن الإسلام لا بد أن يتمثل بثمرته في التعامل مع الناس، وأعظم ثمار الإسلام في سلوك المسلم بعد الفرائض هو منهج التعامل مع الآخرين، وقد رسم النبي ﷺ التعامل بمثال، وهو أن الإسلام لا يتحقق ولا يؤتي ثماره ولا يكون كاملاً صحيحاً مثمراً ينفع في الدنيا والآخرة إلا عندما يتمثّل المسلم بأخلاق الإسلام، ولذلك قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، والنبي ﷺ كان خلقه القرآن، فمقتضى القرآن ومقتضى السنة سلامة منهج التعامل عند المسلم المتمثّل بالأخلاق. ثم ذكر حديث بهز بن حكيم وهو أن الإسلام يعني تسليم القلب والجوارح وأداء الفرائض جميعاً، استسلام القلب والإذعان لله ، والاستعداد لقبول شرع الله، وتولي الوجهة إلى الله بالعبادة فلا تعبد إلا الله ولا تدعو إلا الله، وتخلص دينك وعبادتك لله، فهذا يعبّر عنه بتولية الوجه إلى الله، ثم يظهر ذلك بإقامة الفرائض وأن تصلي الصلاة، ثم يظهر ذلك بإقامة الفرائض التي فيها حقوق العباد، وهي: أن تؤدي الزكاة، وهذا رمز للتعامل، فإن من الحقوق المفروضة للمسلم على المسلم تأدية الزكاة من الغني للفقير، أو لمن يحتاج. ثم ذكر ما أورده أبو قلابة عن رجل من أهل الشام عن أبيه: (أنه سأل رسول الله ﷺ : ما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله، ويسلم المسلمون من لسانك ويدك) وهذا يعني إذعان القلب وتسليم القلب وتوجه القلب إلى الله ، كما يعني سلامة المنهج في التعامل وسلامة الأخلاق، وهذا هو ثمرة الإسلام؛ ولذلك نفى النبي ﷺ الإيمان ونفى الإسلام عن بعض من يعمل بعظائم الذنوب مثل الغش والزنا والسرقة ونحو ذلك. (ثم قال: أي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان، قا

стр. 11

باب قول الله: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه) قال رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تجيء الأعمال يوم القيامة، فتجيء الصلاة، فتقول: يا رب! أنا الصلاة، فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الصدقة، فتقول: يا رب! أنا الصدقة، فيقول: إنك على خير، ثم يجيء الصيام، فيقول: يا رب! أنا الصيام، فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الأعمال على ذلك، فيقول: إنك على خير، ثم يجيء الإسلام، فيقول: يا رب! أنت السلام، وأنا الإسلام، فيقول: إنك على خير، بك اليوم آخذ وبك أُعطي، قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]) رواه أحمد. وفي الصحيح عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ورواه أحمد]. هنا قرر الشيخ نتيجة أخرى وهي من لوازم ما سبق، وهذه النتيجة هي أنه لا يصح قبول أعمال العباد ولا رضا الله عن أعمال العباد إلا بشرط صحة الإسلام، وليس دعوى الإسلام، وإنما بشرط أن يكون الإسلام صحيحاً، ولذلك جعل النبي ﷺ في الحديث السابق صحة الإسلام شرطاً لصحة جميع الأعمال، فلذلك حينما جاءت الصلاة تريد أن تكون هي المعوّل في القبول عند الله والرضا، وكذلك جاء الصيام، وجاءت الصدقة، وجاءت أعمال البر، فجعل الله قبول هذه الأعمال وكونها هي الرأس في أعمال الجوارح أو أعمال القلوب أن ذلك راجع كله إلى صحة الإسلام، فهذه الأعمال من أعمال الإسلام، فلا تصح إلا إذا صح أصلها. وأيضاً فإن المقصود بالإسلام هو المعنى الشرعي لا الإسلام العام بمعناه اللغوي، والمقصود به أيضاً الدين الذي أرسله الله لجميع الرسل، ثم بعد ختم الرسالات برسالة محمد ﷺ صار الدين الذي لا يبتغي الله من العباد غيره هو هذا الإسلام الخاص، فلذلك لا يصح عمل إنسان إلا بصحة إسلامه، ولا يصح دين من الأديان بعد ظهور الإسلام، فالإسلام هو المهيمن، وكذلك قوله ﷺ في الحديث المتواتر: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) يرجع إلى أن كل الأعمال مردها إلى أمر الله الذي هو شرعه، فما لم تكن الأعمال مرتبطة بما شرعه الله وشرعه رسوله ﷺ فهي مردودة، وهذا يشمل الدين كله من باب الضرورة، فلا بد أن يكون الدين كله بناء على ما أمر الله به وأخبر وشرع، سواء أصول الإيمان أو أصول الإسلام، أو ما يتفرع عنهما من بقية فرائض الدين في العقيدة والأحكام كل ذلك الأصل فيه أن الله لا يقبل من أعمال العباد ولا من أفعالهم القلبية ولا أعمال الجوارح إلا ما تدينوا به لله على شرع الله الذي هو هذا الدين؛ ولذلك لا بد من استحضار عدة معانٍ في هذا المجال وهي: المعنى الأول: كمال الدين، وعلى هذا فلا يجوز لأحد أن يدّعي أن الناس بحاجة إلى أي أمر يقررونه في العقيدة أو الأحكام دون مصادر الدين الأصلية. المعنى الثاني: أن هذا الدين باقٍ وظاهر إلى قيام الساعة، فلا يجوز لأحد أن يدّعي أن هناك من أمور الدين وأصوله ما اندثر أو يحتاج إلى أن يبدّل، وقد تخفى بعض السنن لكن لا تخفى على عموم الأمة؛ لأنه لا تزال طائفة من الأمة على الحق جملة وتفصيلاً. المعنى الثالث: أنه لا يسوغ لأحد أن يدّعي أن الدين هو نصوص الكتاب والسنة؛ لأن النصوص لا تصح بدون تفسيرها، وتفسيرها هو عمل النبي ﷺ ، وعمل الصحابة وعمل التابعين وأئمة الهدى وذلك سبيل المؤمنين الذي توعد الله من خالفه.

стр. 12

شرح كتاب فضل الإسلام [٤] دين الله تعالى كامل لا نقص فيه بوجه من الوجوه، ولذلك فإنه يجب الأخذ به كله، والاستغناء به عما سواه من دين أو مذهب أو فكر أو غير ذلك، ولا يجوز الخروج عن دعوى الإسلام والانتساب إليه إلى غيره، فمن انتسب إلى نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة تديناً واعتقاداً فهو منتسب إلى الجاهلية، ومتعزٍّ بعزاء الجاهلية، فلا دين لنا إلا الإسلام، ولا انتساب لنا إلا إليه.

стр. 13

باب وجوب الاستغناء بمتابعة الكتاب عن كل ما سواه وما جاء في الخروج عن دعوى الإسلام قال رحمه الله تعالى: [باب وجوب الاستغناء بمتابعته الكتاب عن كل ما سواه. وقول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩] الآية. روى النسائي وغيره عن النبي ﷺ : (أنه رأى في يد عمر بن الخطاب ﵁ ورقة من التوراة، فقال: أمتهوكون يا ابن الخطاب؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حياً واتبعتموه وتركتموني ضللتم)، وفي رواية: (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي، فقال عمر: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً). باب ما جاء في الخروج عن دعوى الإسلام. وقوله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج:٧٨]. عن الحارث الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (آمركم بخمس الله أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم، فقال رجل: يا رسول الله وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين والمؤمنين عباد الله) رواه أحمد والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وفي الصحيح: (من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية)، وفيه: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟). قال أبو العباس: كل ما خرج عن دعوى الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة فهو من عزاء الجاهلية، بل (لما اختصم مهاجري وأنصاري، فقال المهاجري: يا للمهاجرين! وقال الأنصاري: يا للأنصار! قال ﷺ : أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟) وغضب لذلك غضباً شديداً. انتهى كلامه رحمه الله تعالى]. كلام الشيخ ﵀ واضح، لكن يحسن أن نقف بعض الوقفات لنعرف لماذا ساق هذه النصوص تحت هذه العناوين وتحت العنوان الأصل في فضل الإسلام.

стр. 14

كمال الإسلام ووجوب الاستغناء به عما سواه يشير الشيخ هنا إلى أن من فضل الإسلام الكمال، وأنه يغني عن أي حاجة أو مبدأ أو مذهب أو ما يتدين به الناس، فكأنه يشير بذلك إلى أن من فضل الإسلام أنه جاء كاملاً لا يمكن أن يحتاج الناس بعده لا إلى شرائع ولا مبادئ ولا مذاهب وانتماءات ولذلك استشهد بالآية وهي قوله : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩]، وهذا فيه إفادة العموم في أن الإسلام جاء كاملاً، ولا يمكن أن يحتاج الناس بعده إلى أي أمر من أمور الدين والتشريع في العقيدة ولا في الأحكام. ثم أكد ذلك بقول النبي ﷺ حينما رأى مع عمر ورقة من التوراة، فقال ﷺ : (لقد جئتكم بها بيضاء نقية) يعني: الملة والديانة التي جاء بها النبي ﷺ بيضاء نقية لا يشوبها شائب، ولا تخفى على أحد، فهي بيّنة كاملة نقية من أي شائبة، وهذا وصف للدين وللإسلام إلى قيام الساعة؛ لأن هذا مقتضى ختم النبوة وكمال الدين وحفظه، والنبي ﷺ غضب حينما رأى مع عمر هذه القطعة، إنما أراد سد ذريعة الحاجة إلى غير هذا الدين حتى وإن كان من الأديان التي جاء بها النبيون من قبل؛ لأن الله ختم هذه الأديان بهذا الدين وجعله ناسخاً لها، ولأن ما جاءت به الكتب السابقة التوراة والإنجيل قد حُرّف وبُدّل، وحتى لو لم يُحرّف ولم يُبدّل، فإن الله ختمها ونسخها بهذا الإسلام، ولذلك بيّن النبي ﷺ أنه لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباع النبي ﷺ ؛ لأن هذا هو مقتضى أمر الله، ويشهد لهذا أن عيسى ﵇ إذا نزل في آخر الزمان فإنه يحكم بشريعة محمد ﷺ .

стр. 15

حرمة الانتساب إلى غير الإسلام تديناً واعتقاداً ثم ذكر ما جاء في الخروج عن دعوى الإسلام ليبين أن الإسلام بكماله لا يحتاج الناس إلى أن ينتسبوا إلى غيره بأي نوع من الانتساب، ولا أن يستمدوا من غيرهم أي نوع من الاستمداد، ولا أن يحدثوا من أنفسهم شيئاً يزعمون أنه من الدين، فإن هذا كله خروج عن دعوى الإسلام، فذكر قول النبي ﷺ : (وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن) ثم ذكر: (السمع والطاعة) أي: لولاة الأمر، ولمن ولاه الله أمر المسلمين، والسمع والطاعة إنما هو في المعروف. ثم الجهاد وهو ذروة سنام الإسلام، وهو من مباني هذا الدين والجهاد باقٍ وماضٍ إلى يوم القيامة وليس من الشعائر التي انتهت كما يزعم كثير من المفتونين والجاهلين والمنهزمين الذين زعموا أن الجهاد مرحلة لم يعد لها تشريع الآن ولا مبرر، وهذا خلاف مقتضى قطعيات النصوص، فإن النبي ﷺ أخبر بالإجمال والتفصيل أن الجهاد باقٍ إلى قيام الساعة، وأن المسلمين سيجاهدون حتى أثناء قيام أشراط الساعة الكبرى، فيجاهدون الدجال وشيعة الدجال، ويجاهدون أهل الباطل حتى مع قيام علامات الساعة الكبرى، والمؤمنون والمسلمون أهل السنة لا يضرهم ولا يثنيهم قيام علامات الساعة الكبرى عن إقامة شرع الله ودينه ولا الجهاد. وكذلك الهجرة إذا جاء مقتضاها، وقد اختلف العلماء في الهجرة هل هي باقية أو انتهت؟ والصحيح أن الهجرة باقية إذا وجد مقتضاها بشروطها التي يعرفها الراسخون في العلم. والجماعة: هي اجتماع المسلمين على الحق والسنة، وهي من ضرورات الإسلام، فلا دين إلا بجماعة، ولا يتحقق الدين الأكمل كما رضيه الله للأمة إلا بالجماعة، وهذا لعموم الأمة، ولا يستثنى من ذلك إلا حالات الضرورة للأفراد لا للمجموعة كما ورد في حديث الفتن. وقوله: (فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع) فهذا من نصوص الوعيد، بمعنى أنه يخرج من مقتضى كمال الإسلام ومتطلبات الإسلام، والخروج عن الجماعة قد يقتضي الردة إذا تضمن أمراً من الأمور التي فيها ردة علمية أو عملية وأحياناً لا يقتضي الردة وهو الغالب، فإن مفارقة الجماعة قد تكون بالعصيان، وقد تكون بالتمرد، وقد تكون بالخروج، وقد تكون بتبني آراء خارجة عن آراء الجماعة كالعقيدة ونحوها، أو بالبدع ونحو ذلك كل ذلك يعد خروجاً عن الجماعة، لكن لا يقتضي الخروج من الملة إلا في حالات قليلة. وقوله: (ومن دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم) يعني: من أهلها أو من حطبها (فقال رجل: يا رسول الله! وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين والمؤمنين عباد الله) فدعوى المسلم هو أن يدّعي الانتساب لهذا الإسلام ولدين الله ، ويعتز بإيمانه بالله، ولا ينتسب إلا إلى جماعة المسلمين، إلى أهل السنة والجماعة. ثم ذكر الحديث وهو في الصحيح: (من فارق الجماعة شبراً فميتته جاهلية)، وهو عندي مختصر ويبدو أن عندي كلمات ساقطة، وفيه: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟). قال أبو العباس بن تيمية: (كل ما خرج عن دعوى الإسلام والقرآن) ويقصد بذلك دعوى السنة والجماعة (من نسب) يعني: من انتسب إلى نسبه أو قبيلته وذويه، وجعل ذلك شعاراً له يتدين به، فهذه دعوى جاهلية، أو انتسب إلى شخص وجعله هو معقد الولاء والبراء كمتعصبة المذاهب، وجعله معقد الولاء والبراء يوالي ويعادي على هذا الشخص، فهذا نوع من الانتساب، فهو من الجاهلية، أو بلد، وهو كذلك وهذا مما بدأ يظهر بين المسلمين، حيث بدأ كثير من المسلمين ينتسب إلى البلد ويعتز به، وإلى الوطن ويعتز به اعتزازاً دينياً، وهذا خلط عند الناس، لأن هناك فرقاً بين الانتماء للبلد من حيث الانتساب له؛ لأنه من أهله وساكنيه، وبين خدمة البلد خدمة تؤدي إلى نصر دين الله والتكافل بين المجتمع كما أمر الله، وبين العصبية التي تؤدي إلى المعاداة والموالاة على هذا البلد، أو التي تؤدي إلى تقديس الوطن فهذا من الجاهلية التي نهى عنها النبي ﷺ . (أو جنس) كذلك الجنس يرجع إلى جنس النسب أو إلى جنس الأفكار أو المذاهب أو الأقوال أو غير ذلك، لكن الغالب أن الجنس يقصد به القبيلة أو العجم أو العرب ونحو ذلك، أو مذاهب سواء كانت فقهية أو عقدية أو فكرية أو سياسية أو غيرها، أو طريقة كالطرق الصوفية، أو المناهج الخاصة للأفراد وللجماعات وللأشخاص، كل ذلك من عزاء الجاهلية، ويدخل في هذا ما يقع فيه كثير من المسلمين من الانتماءات والتحزبات والجماعات التي يكون لها ولاء وبراء وتفضل عليها غيرها من بقية المسلمين أو تحصر السنة بنفسها، أو تحصر الحق بنفسها وللمنتمين إليها، أو يكون للمنتمين إليها خصائص يختصون بها أو يتميزون عن غيرهم، كما هو حاصل في كثير من فئات المنتسبين للدعوات في عصرنا هذا، فإن هذا من عزاء الجاهلية، بل ويدخل في دعاوى الجاهلية والعزاء ا

стр. 16

الأسئلة

стр. 17

حقيقة الفكر الإسلامي السؤال هل يعتبر ما يطلقه بعض الكتاب من أنهم مفكرون إسلاميون، أو ما يطلق على بعض الكتابات بأنها فكر إسلامي، هل يعتبر ذلك من دعوى الجاهلية؟ الجواب إذا انتمى أحد إلى فكر وتعصب له، أو إلى مفكر إسلامي يتعصب له، فهذا يعتبر من الممنوع شرعاً ومن الدعاوى الجاهلية، ولكن كلمة (فكر إسلامي)، من الكلمات المتميعة التي لم تحدد بعد، وأغلب الفكر يدخل في باب المعلومات الشرعية غير المؤصلة على مقتضى الكتاب والسنة، وإنما هي آراء أناس يسمون بالمفكرين في القضايا المطروحة، فهذه الكلمة من الكلمات التي تحتاج إلى إعادة نظر؛ لأنه ليس هناك شيء اسمه فكر إسلامي، وإن كان المسلمون لهم أفكار وآراء، لكن أن تنسب أفكارهم إلى الإسلام، فهذا من الأخطاء التي ينبغي علاجها، وإن كان فيها صواب وفيها خطأ.

стр. 18

وصف بعض أهل السنة أنفسهم بأهل الحديث السؤال هناك أناس يتميزون ويصفون أنفسهم بأهل الحديث، فهل في هذا محذور؟ الجواب إذا كانوا فعلاً من أهل الحديث فلا حرج، ما لم يكن شعاراً يتميزون به عن بقية أهل السنة والجماعة، أما إذا كانت شعارات مؤسسية وعناوين مؤسسية، مثلاً: جمعية أهل الحديث، إذا كان المقصود بذلك المجموعة من الناس يشتغلون بنظم إدارية وعلمية على مفهوم الجمعية عندنا، ويخدمون السنة على وجه معين وتراضوا بينهم ويديرون أنفسهم عبر هذه المؤسسة، فالعمل المؤسسي إذا لم يكن على مناهج ولم يكن فيه ولاء وبراء ولا تميز عن بقية أهل السنة فلا حرج فيه، لأن هذا عمل مؤسسي دعوي، وسواء كان علمياً مثل جماعة أهل الحديث، أو دعوياً مثل مؤسسة أهل السنة أو مؤسسة الحرمين أو نحو ذلك، لأن هذه المؤسسات ليس المقصود بها الاختصاص بمكان أو بزمان أو بفئة، إنما المقصود أنها تكون عنواناً لنشاط معين يقوم به طائفة من أهل السنة والجماعة، فلا بأس أن يسموا أنفسهم جماعة أهل الحديث أو جمعية أهل الحديث. كذلك لا بأس أن يسموا أنفسهم جماعة الحديث إذا كانوا يتميزون بالاهتمام بالحديث، لكن لا يكون هذا شعاراً وانتماء يتميزون به عن بقية أهل السنة والجماعة بأي نوع من أنواع التميز.

стр. 19

الوطنية في الإسلام السؤال ما صحة مقولة: لا وطنية في الإسلام؟ الجواب مقولة لا وطنية في الإسلام هذه كلمة مجملة؛ لأن هذا راجع إلى مفهوم الوطنية، فإن كان المقصود بالوطنية بلد المسلمين أو بلدك الإسلامي الذي أنت فيه فلا شك أن بلدك له حقوق شرعية، فالحقوق المشروعة سواء سميت وطنية أو ما سميت وطنية هي سائغة شرعاً، إنما يأتي اللبس في تسميتها وطنية أنها قد تقترن بالوطنية القومية العصبية، فإذا كان المقصود بها: أن المسلم لابد أن يكون لبلده حق عليه بالدفاع عنه وفي نفع البلد وأهل البلد فهذا لا حرج فيه، وإن كان المقصود بالجوانب الممنوعة من العصبية المقيتة، من تفضيل بلد على بلاد المسلمين الأخرى تفضيلاً يؤدي إلى العصبية إلى آخره، فهذا من العصبية الممقوتة ومن دعاوى الجاهلية.

стр. 20

الاستغناء بالكتاب والسنة عما سواهما السؤال في كتاب فضل الإسلام: باب وجوب الاستغناء بمتابعته عن كل من سواه، وفي بعض النسخ: بمتابعة الكتاب، فهل هناك فرق بينهما؟ الجواب لا فرق، النبي ﷺ جاء بالكتاب والسنة.

стр. 21

مفهوم مقالة (سقط من عين الله) السؤال هذه عبارة: سقط من عين الله، عبارة استخدمها السلف أو وردت في أثر، أم أنها محدثة؟ الجواب ما أدري استعملها السلف أم لا، ما يحضرني الآن، وإن كان يترجح عندي أنها وردت في بعض الآثار، وعلى أي حال فهذه من العبارات التي لا حرج فيها إذا قصد بها معنى شرعياً صحيحاً. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 22

شرح كتاب فضل الإسلام [٥] يجب على العبد المؤمن أن يدخل في دين الإسلام كله وأن يترك ما سواه، وذلك بالإقرار والتسليم بكل ما ورد فيه، والعمل بفرائضه وواجباته بما يستطاع من ذلك، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، كما يجب ترك كل ما هو خارج عن الإسلام، كالبدع والانحرافات العقدية أو العملية، وترك التحاكم إلى غيره من الطواغيت ونحوهم، وترك التفرق والاختلاف؛ فإن ذلك خروج عن مقتضى هذا الدين العظيم، الذي أمر بالجماعة ونهى عن الفرقة.

стр. 23

باب وجوب الدخول في الإسلام كله وترك ما سواه قال رحمه الله تعالى: [باب وجوب الدخول في الإسلام كله وترك ما سواه. وقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء:٦٠]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] قال ابن عباس ﵁: تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدع والاختلاف. عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية كان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل افترقت على اثنتين وسبعين ملة تمام الحديث قوله: وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) يا لها من موعظة لو وافقت من القلوب حياة! رواه الترمذي. ورواه أيضاً من حديث معاوية عند أحمد وأبي داود وفيه: (إنه سيخرج من أمتي قوم تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله) وتقدم قوله: (ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية)].

стр. 24

وجوب الإقرار والتسليم بكل ما جاء في الدين والعمل بما يستطاع منه هذا الباب في بيان عموم الدين وضرورة التزام الدين كله من قبل المسلم ومن قبل عموم المسلمين أيضاً. فقوله: (باب: وجوب الدخول في الإسلام كله وترك ما سواه)، يفيد أن على المسلم التسليم الكامل لله تعالى ولرسوله ﷺ ، والإذعان المطلق، والإيمان بالدين كله دون الأخذ ببعض وترك بعض، وهذا من حيث الإقرار والتسليم، أما من حيث العمل فلا شك أنه لا يلزم المسلم إلا ما يستطيع: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وهذا أمر معلوم بالضرورة؛ وهو أن الأصل في المسلم أن يسلم لله ، ويقر بالدين كله، وكل ما يرد إلى المسلم مما جاء في كتاب الله وصح عن رسول الله ﷺ ، فالمسلم مقر به سلفاً، ولا يتردد إذا ورد له الدليل، فهذا أمر لا يمكن أن يدفعه أحد، التسليم المطلق جملة وتفصيلاً لكل ما يرد ويصح من الدين، فمن ورده أي أمر من أمور الدين وجب أن يقر به، لكن يبقى الجانب الآخر وهو العمل يجب عليه بعد ما يقر ويعلم أن يعمل بما يستطيع. وأحكام الإسلام على نوعين: الفرائض والأركان، فهذه باستطاعة كل إنسان في الجملة، إلا من عرض له عارض، ولا دخل لهذه المدارك والقدرة العقلية أو القدرة العلمية، فأركان الإسلام يعملها العالم ويعملها أبسط الناس وأجهل الناس وكذلك سائر فرائض الدين، إلا من عرض له عارض كإنسان ما استطاع الصيام لمرض عارض فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لكنه يجب أن يبقى إقراره بالصيام وأنه واجب وفرض، وأنه متى ما تمكن سيصوم على سبيل الوجوب. وأيضاً فما أشار إليه الشيخ أننا إذا قلنا: إنه يجب على المسلم الدخول في الإسلام كله، فمن هنا لا يسعه أن يخرج عن مقتضى الدين في أي أمر من الأمور معتقداً أنه يسعه الخروج عن هذا الأمر، سواء كان في الأمور العامة كالتشريع عموماً أو التقنين، أو كان في الأمور الجزئية، كمسائل الحلال القطعي أو الحرام القطعي، حتى الجزئيات منها، فمثلاً: لا يسع المسلم أن يقول: أنا أقر بالإسلام كله، لكن عندي شك في تحريم الربا، فهذه وإن كانت تسمى فرعية أو حكماً من الأحكام من جملة الدين إلا أنه ما قال: إن لم يقر به فقد خرج من مقتضى الإسلام، ولم يدخل في الدين كله، ولذلك أورد الشيخ الآيات الدالة على هذا المعنى؛ مثل قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، أي: ادخلوا في الدين جميعاً وأنتم جميعاً ادخلوا في الدين، فهذا خطاب من الله للمؤمنين بأن يدخلوا في الإسلام كله ويتركوا ما سواه، فالسلم هنا بمعنى الإسلام.

стр. 25

وجوب التحاكم إلى الإسلام وتحريم التحاكم إلى الطاغوت وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء:٦٠] وتمام الآية وهي محل الشاهد: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء:٦٠]، يعني: يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، ومع ذلك يلجئون إلى التحاكم إلى الطاغوت اختياراً من غير اضطرار وقد أمروا أن يكفروا به، فعد ذلك زعماً، وأنهم بهذا ما دخلوا في الدين، وأنهم بسبب هذا المبدأ بقوا من الكافرين الذين لم يدخلوا في الإسلام، وأن دعواهم ليست دعوى سليمة ولا صحيحة ولا مقبولة عند الله حينما ادعوا ادعاء ثم ناقضوه بتحاكمهم إلى الطاغوت، وهذا أمر خطير يجب التنبه له في هذا الأصل، وهو الذي يدور حوله النقاش الآن والكلام بين كثير من أهل العلم في مسألة التشريع والإيمان ونحو ذلك، وما حصل به من ميل بعض الناس إلى بعض المرجئة، وميل آخرين إلى بعض أقوال المكفرة، وأهل السنة أهل الحق بقوا على المنهج الحق الوسط. فهذه المسألة من المسائل الخطيرة، وهي مسألة التحاكم إلى الطاغوت، والتحاكم سواء كان جزئياً أو كلياً لابد أن يدخل فيه التفصيل فيمن حكم بغير ما أنزل الله، أو حكَّم غير ما أنزل الله، ولا فرق بين الحكم والتحاكم من حيث التنظير العام، وقد نفرق في الصور الفردية، أما من حيث الأصل فكلها عدول عن شرع الله ، وسواء كان في مسألة التشريع العام أو التقنين أو في مسائل جزئية كالربا أو الزنا أو نحو ذلك، فإن هذه الجزئية إن صح التعبير يحكمها ما يحكم الأمر الكلي في التحاكم، لكن كل هذه الأمور لابد من التفصيل فيها، ولا يلزم للخروج من الإسلام الاستحلال فقط، بل الإعراض الكلي وترك جنس العمل يعتبر عدم إذعان لدين الله ، فكلمة (استحلال) من الكلمات المجملة التي لم يتفق عليها المتنازعون في هذه المسألة التي أثيرت في الآونة الأخيرة، والتي قال فيها علماؤنا حفظهم الله والتي يجب الاجتماع عليها. ومن هنا أوصي إخواني طلاب العلم بقاعدة معلومة عند السلف وهي أنه إذا اختلف طلاب العلم في أمر من الأمور مهما كانت اجتهاداتهم، ثم وصل هذا الاختلاف إلى أهل الحل والعقد من العلماء الكبار مثل اللجنة الدائمة أو هيئة كبار العلماء أو غيرها من الهيئات المعتبرة أو العلماء المعتبرين ثم قالوا قولتهم، فيجب الاجتماع على هذه المقولة خوفاً من الفرقة والفتنة والشذوذ والتشرذم الذي وقع بين كثير ممن يدعون السلفية الآن، واستجابة لأمر الله ، ولنفترض أن أحد طلاب العلم له رأي آخر يرى أنه الرأي الراجح، فيفترض أنه في مثل هذه المسألة التي حسمها العلماء أن يتراجع مادامت المسألة خلافية، ويجب على المسلم أن يتهم نفسه وقدرته واستطاعته، مادام أن الأمر قد تكلم فيه العلماء، لكن إذا كان الأمر من باب التجوز وأنه قد يكون لبعض طلاب العلم رأي يخالف رأي هيئة كبار العلماء أو اللجنة الدائمة؛ فإنه يجب عليه أن يسكت عندما يصل النزاع إلى افتراق الناس، وأن يكون هذا مؤيداً وهذا معارضاً، فيجب على طالب العلم إذا تكلم العالم الكبير أن يسكت جمعاً للكلمة وخوفاً من الفرقة، والقاعدة التي اتفق عليها السلف في مثل هذه الأمور في مصالح الأمة العظمى أنه يجب الاجتماع على الرأي المرجوح وترك الرأي الراجح عند صاحبه، وإن كان يرى أنه هو الأحق وأن الدليل معه؛ لأن الآخرين معهم دليل كذلك، فالمسألة لم تكن قطعية، ولو كانت قطعية ما ورد فيها خلاف بين أهل العلم المعتبرين، وأشير بهذا إلى مسألة مثارة في الاستدلال وعدم الاستدلال، ومسألة الإيمان وما قيل في بعض مقولات الإرجاء ونحو ذلك، فالأدب الذي يجب أن يلتزمه طالب العلم؛ أنه إذا تكلم العلماء أن يسكت وإن كان يرى أنه محق أو مظلوم أو غير ذلك من العبارات التي قد يقتنع بها شخص أو أكثر، فلا يسعه أن يسكت ويثير الفتنة، ولا يرد على العلماء ولو بأدب؛ لأنه إذا وصل الأمر إلى أن رأس الأمة من العلماء الكبار يدخلون في الموضوع، فما دخلوا إلا لأن الأمر يجب أن تجتمع عليه الكلمة، وما دخلوا إلا لأنهم خافوا الفرقة. إذاً: يجب على طالب العلم أن يذعن ويتهم نفسه ويبدي رأيه في وقت آخر إذا كان له رأي عندما تهدأ الأمور، أما في مثل هذه الظروف فأرى أن مصادمة رأي أهل العلم أو الوقوف ضد رأيهم، أو الإصرار على رأي يخالف ما اتفقوا عليه وعلموه أنه نوع من عدم الصبر، ونوع مما قد يستغل في تفريق الأمة نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 26

لزوم جماعة المسلمين وبيان أن التفرق خروج عن مقتضى الدين ثم ذكر في الآية الأخرى الدلالة على عدم جواز الافتراق، وهو خروج من مقتضى أن تكون في الدين، قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩]، فالتفرق في الدين الذي عليه أهل الأهواء ينافي الدخول في الإسلام كله؛ لأن الإسلام مقتضاه لزوم الحق ولزوم الجماعة، والذين فرقوا دينهم لا شك أنهم حادوا عن الحق وخرجوا عن الجماعة، وكذلك قوله : ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦]، فالذين اسودت وجوههم هم أهل الأهواء كما ذكر ابن عباس، وهو مقتضى ظاهر الآية. فهؤلاء ما دخلوا في الإسلام كله، بل لجئوا إلى البدع والأهواء فخرجوا من مقتضى هذا الأصل. ثم ذكر حديث الافتراق وهو مثل هذه الآيات، لكن فيه بيان أن هناك من يخرج عن مقتضى كمال الإسلام، فيخل بالمنهج السليم، فإنه يكون خرج من مقتضى الإذعان الكامل وفارق السنة والجماعة، وإن لم يخرج من مسمى الإسلام. وعلى هذا فإن الذين خالفوا أصل الدخول في الإسلام كله هم على نوعين: منهم من خرج بمخالفته، وهم من ارتكب ما يوجب الردة. والنوع الثاني: من خرج عن مقتضى السنة، لكنه ما دخل في الإسلام وهم أهل الأهواء والبدع الذين فارقوا السنة والجماعة مفارقة تقتضي خروجهم من السنة.

стр. 27

الأسئلة

стр. 28

التمسك بقول كبار العلماء في جزئيات الدين السؤال ذكرت أنه لابد من التمسك بقول كبار العلماء وعدم مخالفتهم، فهل هذا يكون في الكليات أم يدخل في ذلك الجزئيات؟ الجواب المشايخ يفرقون في بياناتهم بين ما هو فتوى وبين ما هو رأي حاسم في العقيدة، حتى نحن ندرك ذلك الفرق، لكن مسألة الجزئيات إذا كان منها نزاع وشقاق -وليس في الدين جزئيات- فإذا تدخلت هيئة كبار العلماء أو اللجنة الدائمة فيما يسمى جزئية من الجزئيات، فيجب الوقوف على رأي العلماء لقطع النزاع، حتى ولو كانت في سنن الوضوء، فمثلاً: المشايخ وفقهم الله أصدروا بعض الفتاوى حول مسائل حلق اللحية، وصبغ الشعر بالسواد، وحول مسائل هي عند الناس جزئيات، ولكن لما رأوا أن بعض طلاب العلم قد يكون عنده جرأة، فيفرض رأيه وكأنه جاء بجديد على الأمة، ثم ينتصر لرأيه أناس، أو يخشى أن ينتصر لرأيه أناس، فعندما يخشى أن يحصل التفرق على المسألة الجزئية، أو يكون في مخالفة للفتوى العامة لأهل العلم، مما يوقع الناس في الفتنة، فمن هنا يصدر البيان، حتى وإن كان من عالم، فمثلاً: عندما صار عند بعض الناس لبس في فهم فتوى أحد المشايخ عن مسألة كشف العورة للمرأة، فاضطر المشايخ بعد مدة أن يوضحوا القضية بالتفصيل لا للرد على الشيخ، لكن لتصحيح فهم الناس. ونظراً لأن الفتوى لا يزال لها آثارها على سلوك كثير من النساء، فإنه يجب أن نفرق بين مسألة العورة وبين مسألة الحجاب، فالعورة ما كان بين السرة إلى الركبة، أما الحجاب فهو كما ورد في الشرع أنه يجب أن تحتجب المرأة عند الرجال وعند النساء، وإن كان عند الرجال بقدر وعند النساء بقدر، فعند الرجال الأجانب تحتجب كلها، وعند المحارم وعند النساء يجوز لها أن تخرج الوجه واليدين وما تحتاج ضرورة لإخراجه لعملها في البيت أو في العمل النسائي، أما اليوم فإن بعض النساء في المجتمعات النسائية تخرج شبه عارية، وتقول: هذه فتوى الشيخ، فتوى الشيخ في العورة لا في الحجاب، الحجاب واجب، وله قدر عند الرجال وله قدر عند محارم النساء. فينبغي أن ينبه طلاب العلم لهذه المسألة؛ لأنه صار بسببها فتنة نسأل الله العافية.

стр. 29

حكم اعتزال الجماعة بسبب روائح الجوارب السؤال مجموعة من الموظفين في دائرة عسكرية يتأذون كثيراً من رائحة الجوارب، فرأوا أن يصلوا في مجموعة صغيرة في مكان آخر ليسلموا من الأذى، علماً أنهم قد نصحوا إخوانهم كثيراً؟ الجواب الذي يظهر لي أن هذا ليس بمبرر لترك الجماعة، ولو أنهم يبحثون عن وسائل علمية لحجب أنوفهم عن الشم أولى من أن يتركوا الجماعة، يبحث عن وسيلة واقية تريحه من شم الرائحة الكريهة في المسجد، كما ينبغي أن تستمر المناصحة، وسوف يجدون من الحلول والبدائل ما يصرفهم عن عبث الشيطان بهم بأن ينفصلوا عن الجماعة. نسأل الله للجميع التوفيق والسداد. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 30

شرح كتاب فضل الإسلام [٦] البدعة في الدين شأنها خطير؛ ولذلك فقد ورد أنها أشد من كبائر الذنوب، ومما يدل على شناعتها أن الله تعالى قد لا يوفق صاحبها للتوبة منها؛ لأنه يعتقد أنه على هدى ودين فكيف يتركه؟! والبدعة أقسام منها المكفرة، ومنها المغلظة، ومنها البدع الصغيرة التي تقع من الجهلة والعوام من أهل البدع، وقد يقع فيها بعض جهلة أهل السنة، والواجب هو الحذر من البدع جميعها، ووجوب التوبة لمن وقع في شيء منها.

стр. 31

باب ما جاء أن البدعة أشد من الكبائر قال رحمه الله تعالى: [باب ما جاء أن البدعة أشد من الكبائر. وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٤٤]، وقوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥]. وفي الصحيح أنه ﷺ قال في الخوارج: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم، لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وفيه: (أنه ﷺ نهى عن قتل أمراء الجور ما صلوا)، عن جرير بن عبد الله ﵁: (أن رجلاً تصدق بصدقة، ثم تتابع الناس، فقال رسول الله ﷺ : من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) رواه مسلم، وله مثله من حديث أبي هريرة ولفظه: (من دعا إلى هدى، ثم قال: ومن دعا إلى ضلالة). باب ما جاء أن الله احتجز التوبة على صاحب البدعة. هذا مروي من حديث أنس ومن مراسيل الحسن، وذكر ابن وضاح عن أيوب قال: كان عندنا رجل يرى رأياً فتركه، فأتيت محمد بن سيرين فقلت: أشعرت أن فلاناً ترك رأيه؟ قال: انظر إلى ماذا يتحول؟ إن آخر الحديث أشد عليهم من أوله: (يمرقون من الإسلام ثم لا يعودون إليه). وسئل أحمد بن حنبل عن معنى ذلك فقال: لا يوفق للتوبة]. بين الشيخ في هذا الباب أموراً تخفى على كثير من الناس، وهي خطر البدعة وحكمها وأنها أشد من كبائر الذنوب، وأن صاحب البدعة غالباً لا يوفق للتوبة، وهذا فيه إشارة صريحة إلى فضل التمسك بالسنة، وأن المستمسك بالسنة بإذن الله موفق ومعان ومهتدٍ، حتى وإن وقع منه شيء من التقصير فإن الله سوف يوفقه للتوبة ويعينه عليها، بخلاف صاحب الكبيرة، فمن فضل السنة أن صاحبها يوفق للتوبة، وهذا داخل في عموم فضل الإسلام. ثم ذكر الشيخ الأدلة على أن البدعة أشد من الكبائر، فاستدل بقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وهذا فيه إشارة إلى أن أعظم البدع الشرك بالله.

стр. 32

أقسام البدع ولهذا فإن أقسام البدع ثلاثة: القسم الأول: البدع المكفرة، وهي بدع الشرك، والبدع التي تخل بأصول الإسلام الناقضة للدين، أو إنكار المعلوم من الدين بالضرورة، أو الإعراض عن الدين بالكلية، حتى ولو لم يكن في ذلك شيء من الشرك الصريح، فإنه يعد من البدع الكفرية. والقسم الثاني من البدع: البدع المغلظة التي هي من كبائر الذنوب بل من أعظم الكبائر، والبدع المغلظة هي الأكثر مما يقع فيه كثير من أهل البدع في العصور المتأخرة، والتي منها على سبيل المثال: الموالد البدعية والبناء على القبور، واتخاذ المزارات والمشاهد، والتبرك بما لم يرد الشرع ببركته ونحو ذلك، هذه بدع كبيرة ومغلظة. والقسم الثالث: بدع صغيرة، يقع فيها أكثر جهلة المنتسبين للبدع إذا لم يقعوا في كبائر البدع، وقد يقع فيها بعض المنتسبين للسنة، مثل: التزام السبحة عند التسبيح، أو التزام شعار معين، أو تقليد الأشخاص، ومثل بعض التصرفات التي تكون عند المآكل وفي الجنائز، فهذه غالباً من أنواع البدع الصغيرة. إذاً: الشرك هو أعظم أنواع البدع، ولذلك أدخله الشيخ هنا للاستدلال على أن البدع أشد من الكبائر، كذلك الكذب على الله وارد في قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٤٤]، وهو باب واسع يدخل فيه التشريع بما لم يشرعه الله ، والابتداع أي: إحداث البدع، ونسبة البدع إلى الشرع، والقول بأنها من شرع الله ودينه، كل هذا داخل في الافتراء والكذب على الله. ثم استدل بقوله : ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥]، فهذا أراد به أن صاحب البدعة مرتكب ذنباً عظيماً، ومما يتحمله صاحب البدعة أنه يتحمل أوزار الذين يقلدونه إلى يوم القيامة.

стр. 33

قتل الخوارج ثم ذكر قول النبي ﷺ في الخوارج: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم)، وهذا من أدلة دقة فقه الشيخ ﵀، والشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب فقهه قريب من فقه البخاري في عمق ودقة الاستنباط بعبارة وجيزة وإشارة وجيزة، فسياقه لهذا الحديث على هذا الوجه والاختصار يقصد به أن البدعة أغلظ من كبائر الذنوب، والدليل: أن النبي ﷺ أباح قتل الخوارج لبدعهم، ومع ذلك لم يجز قتل أمراء الجور؛ لأن عملهم من أنواع المعاصي وليس من أنواع البدع، فالجور عظيم والظلم عظيم، ومع ذلك أمرنا بألا نقاتل أمراء الجور والظالمين في حين أننا أمرنا أن نقاتل الخوارج؛ لأن الخوارج أصحاب بدعة، ولأن الظلمة وأئمة الجور أصحاب معاصٍ، وهذا دليل على أن البدعة أعظم من المعصية، ولذلك جاز قتل المبتدع ولم يجز قتل صاحب الكبيرة إلا لموجب شرعي.

стр. 34

السنة الحسنة والبدعة الحسنة ثم ذكر حديث جرير: (أن رجلاً تصدق بصدقة ثم تتابع الناس)، والحديث يمثل قاعدة عظيمة من قواعد الشرع: (أن من سن سنة حسنة)، أي: من عمل بسنة من سنن الإسلام؛ لأنه لا يمكن أن تكون سنة حسنة إلا والإسلام جاء بها؛ لأن الله أكمل الدين، والعكس: (من سن سنة سيئة)، يعني: ابتدع بدعة، (فعليه وزرها ووزر من عمل بها)، وهذا الحديث يقلبه أهل الأهواء بالاستدلال على مشروعية البدع، وقالوا: إن البدع الحسنة مشروعة، بدلالة هذا الحديث، وأنها تدخل في السنة الحسنة، فمن ابتدع صلاة أو تسبيحاً أو صدقة أو نحو ذلك مما لم يشرع فكل ذلك داخل في الحسن، فيكون ابتداعه من السنة الحسنة، ولا شك أن هذا قلب للحقائق؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لما فرق النبي ﷺ بين النوعين. وأيضاً: أن السنة الحسنة لا يمكن أن تكون حسنة إلا وقد أقرها الشرع، فإذا أقرها الشرع فالأصل أنها مشروعة، لكن الإنسان قد يبدع في الوسيلة، فمن سن سنة حسنة، أو وسيلة تؤدي إلى أمر مشروع، وعلى سبيل المثال: المؤسسات الخيرية كلها من السنة؛ لا بذاتها وإنما لأنها أدت إلى العمل بالسنة، والعمل بمقتضى الإسلام بتعاون المسلمين، ومن التعاون على البر والتقوى، ومن نشر المبرات والخيرات بين الناس، والعلم النافع والصدقات وتعاضد المسلمين بينهم. إذاً: الوسيلة المؤدية إلى تطبيق السنة تعتبر سنة حسنة، ولذلك فإن كل من أحدث مشروعاً خيرياً انتفع به المسلمون وصار فيه قدوة فقد سن سنة حسنة؛ لأنه جاء على مقتضى السنة. وأيضاً: قد يرد أن السنن تنسى أحياناً ويغفل عنها، فمن أحياها فقد سن سنة حسنة، والدليل على هذا ما في الحديث نفسه: (أن رجلاً تصدق بصدقة)، والصدقة من السنن التي سنها الله وسنها رسوله ﷺ . إذاً: هذا الرجل إنما عمل عملاً أدى إلى دفع الناس إلى العمل بالمشروع، فعمله الذي هو سنة حسنة من أداء الصدقة، وفعل الصدقة، فهو قام بوسيلة إلى عمل الخير، ولم يحدث عملاً جديداً، ولم يكن هو المشرع للصدقة، أو ابتدع حكماً شرعياً لا في العقيدة ولا في الشرع، إنما عمل بمقتضى ما أمر به الله وأمر به رسوله ﷺ على وسيلة أو بفعل كان فيه قدوة، وكذلك بقية النصوص: (من دعا إلى هدى)، ثم قال: (من دعا إلى ضلالة) والمعنى واحد.

стр. 35

احتجاز التوبة على صاحب البدعة أما المقطع الثاني فيما يتعلق باحتجاز التوبة على صاحب البدعة، فقد فسره الإمام أحمد وفسره سائر السلف، فلا يقصد بذلك أن صاحب البدعة لو تاب أن الله لا يتوب عليه، بل العكس فالله يتوب على المشرك وعلى من هو أعظم من صاحب البدعة ذنباً، لكن القصد بقول السلف: (إن الله احتجز التوبة)، أي: لا يوفقه للتوبة، ولذلك أسباب، منها: أن صاحب البدعة يزين له سوء عمله، فيتوهم أن عمله حسن وليس بحسن، والإنسان إذا توهم أن عمله حسن لا يتطلع إلى أن يخرج من هذا العمل أو يتوب منه، بل يتمسك به، كما قال الله : ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر:٨]، وهذا من عدم التوفيق من الله . إذاً: ليس المقصود كما يفهم بعض من أثار هذه الشبهة وقال: إنهم يزعمون أن صاحب البدعة لا تقبل له توبة، وهم ما قالوا: لا تقبل له توبة، وحتى لو قالوا هذه العبارة فلا يقصدون أنه لو تاب لا يتوب الله عليه، وإنما يقصدون أنه لا يوفق للتوبة، وهذا أمر مستفيض عند السلف، وليس من الأمور التي اخترعوها من عند أنفسهم، بل هذا هو مقتضى النصوص، ومقتضى استقراء الواقع، ويندر أن صاحب بدعة يتوب، خاصة دعاة البدع، أما الأتباع والهمج والرعاع فهؤلاء ليس لهم حكم؛ لأن قلوبهم ليست مؤصلة للبدعة، بل فطرهم وقلوبهم قابلة للحق، فمتى ما سمعوا بالحق رجعوا إلى الحق، وهذا لا يسمى أصالة صاحب بدعة، بل هذا تابع، لكن القصد هنا هم الزعماء والكبار والمنتفعون بالبدع أو رءوس البدع والدعاة إليها، فهؤلاء لا يوفقون، ولذلك لا نسمع في تاريخ الافتراق والأهواء والبدع بأن أحداً رجع من هؤلاء الرءوس إلا ما لا يتجاوز العشرات إذا بالغنا في التمحيص، وإلا فلا نعرف من مشاهير أهل البدع والأهواء الدعاة القائمين على البدع ما يزيد على أصابع اليد الكبار، مثل الأشعري والجويني والرازي والغزالي ومن يشابههم، فهؤلاء من كبار أئمة أهل الكلام، ومن دعاة البدع والمؤصلين للبدع، فهؤلاء تابوا ورجعوا لكنهم ندرة، ولهم من الفضل والعلم والفقه ما جعل الأمر يكون سبباً لتوبتهم؛ لأنهم ليسوا من أهل الإصرار الكامل، كانوا رواد حق، والله أعلم أن نياتهم صالحة رغم ما وقعوا فيه من أخطاء، وكانوا يعظمون العلم الشرعي والدين، ولهم من الفضائل ما يتوقع أنهم يوفقون للتوبة، لكن هؤلاء ندرة وقلة. أما قول النبي ﷺ : (يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون إليه)، فهذا أحسن وصف لأهل الأهواء، وهو من الدلالات الظاهرة على ما قال به السلف من أن الله احتجز التوبة على صاحب البدعة. إذاً: ليس قولهم -أي: قول السلف بأن صاحب البدعة لا يتوب- جاء من فراغ، إنما جاء من الاستدلال بمثل هذا النص، ومن استقراء الواقع.

стр. 36

الأسئلة

стр. 37

جنس البدع أعظم من جنس الكبائر السؤال قولك: إن البدعة أشد من الكبائر، هل تقصد جميع أنواع البدع؟ الجواب أقصد أن جنس البدع أعظم من جنس الكبائر، وإلا فقد يكون بعض مفردات البدع أهون من الكبائر، فالبدع الصغيرة صنف منها هي أهون من ارتكاب الفواحش والكذب ونحو ذلك، لكن القصد الجنس، وعموم البدع لا شك أنها أعظم من الكبائر؛ لأن من البدع ما هو شرك وكفر، والبدع المغلظة أيضاً أشد من الكبائر، حتى إن بدع أهل الافتراق الذين يدخلون في عموم الأمة وأهل القبلة بدعهم أشد من مخالفات أصحاب المعاصي والكبائر.

стр. 38

تكفير الخوارج السؤال بوب الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن البدعة أشد من الكبائر، ثم ذكر الخوارج، فهل يرى الشيخ تكفيرهم؟ الجواب لا، ما يلزم أنه يرى تكفيرهم، والذي أعرف أن الشيخ لا يرى تكفيرهم عموماً، والخوارج ليسوا كفاراً، ولكنهم من أهل البدع، ولا يلزم من قتال المبتدع أن يكون كافراً، ولذلك قاتلهم الصحابة وعلى رأس الصحابة علي بن أبي طالب ﵁، ولما سئل عنهم، قال: هم إخواننا بغوا علينا، ثم قيل له: أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا، فينبغي أن نفهم أنه لا يلزم من القتال الكفر، فقتال أهل البغي والخارجين عن الإمام وقد يكونون من الصالحين، لكنهم تأولوا ويقاتلون، ولذلك جاء عن النبي ﷺ كما في صحيح مسلم وغيره أن من خرج على إمام له بيعة وله عهد أو خرج عن الجماعة فإنه يقاتل كائناً من كان، وإن كان ظاهره الصلاح، فأمره إلى الله ، وأيضاً أهل الذنوب الذين تقتضي ذنوبهم قتلهم مثل المرجوم الزاني إذا استحق الرجم، فهذا لا يخرج من الملة وإن قتل في ظاهر الأمر قتلة فيها نوع من التعزير الشديد، لكن لله في ذلك حكمة بالغة. فهذا علي ﵁ والصحابة معه اجتهدوا في تنفيذ القتل متى يكون، وكأن الإمام علياً والله أعلم وتخصيص علي بالإمام دون بقية الصحابة هذا من سمات الرافضة والشيعة، فهو خليفة من الخلفاء الراشدين، والمهم أن علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة الذين قاتلوا الخوارج كانوا يرون أن قتالهم محل خلاف، لكن علي الذي هو إمام المسلمين في ذلك الوقت، كان لا يرى قتالهم حتى يحدثوا ويقاتلوا، وهذا ظن غالب عندي، أنه يقصد أننا لا نتحقق من بدعتهم حتى يعملوا بمقتضاها، لأننا لا نستطيع أن نلزمهم بأنهم ارتكبوا بدع التكفير، لأنه قد يكون قول بعضهم، أو لهم في التكفير معاذير لجهل أو تأويل نحو ذلك، فلما قاتلوا عليها تبين إصرارهم على بدعة التكفير التي هي فعلهم للقتال واستباحهم للدم، ودليل على أن هذه البدعة تعمقت فيهم، وأنها ليست مجرد عوارض أو قول البعض، بل هي إجماعهم وقد اتفقوا عليها، فمن هنا استباح علي قتالهم؛ لأن بدعتهم ظهرت وتأكدت من خلال أفعالهم، أما الأحاديث فهي مطلقة، فبعضها رد في الخوارج القدامى، وبعضها في الخوارج المتأخرين الذين ذكرهم النبي ﷺ في حديث البخاري وغيره: (سيخرج في آخر الزمان أناس حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، -ثم سرد صفاتهم والقول فيهم إلى أن قال:- فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن لمن قتلهم الجنة)، فهذا الذي جاء في سياق الحديث هو في خوارج يخرجون في آخر الزمان، وهم على القول الراجح في كلام كثير من المحققين من أهل العلم أنهم غير الخوارج الأولين؛ لأن هؤلاء جاءت فيهم نصوص، وهؤلاء جاءت فيهم نصوص، وكلهم خوارج. إذاً: قتل الخوارج لا يدل على خروجهم من الملة، ولا أن بدعتهم بدعة مكفرة.

стр. 39

الفرق بين الشرك والكفر السؤال ما الفرق بين الشرك الأكبر وبين الكفر الأكبر؟ الجواب الشرك الأكبر هو صنف من أصناف الكفر الأكبر، والكفر الأكبر أشمل من الشرك؛ لأن الكفر قد يكون بغير شرك مباشر، فقد يكون بترك أعمال الإسلام، أو بالإعراض عن الدين، أو الاستهزاء بالله ، أو الاستهزاء بالرسول ﷺ ، أو إنكار معلوم من الدين بالضرورة، فهذا كفر، لكن ليس له صورة الشرك، فعلى هذا يكون الشرك نوعاً من أنواع الكفر الأكبر، والكفر الأكبر يشمل الشرك وغيره. والله أعلم. أما الأمثلة على الشرك الأصغر، فمنها الرياء، والسمعة، وهذا من أوضح أمثلة الشرك الأصغر، والرياء هو الخلط في أمر يجب الإخلاص فيه للخالق ، وسواء كان قلبياً أو من أعمال الجوارح، فيجب أن يخلص لله ، وهذا الرياء فيما إذا كان لم يصل إلى صرف العبادة لغير الله، فإذا صرفت العبادة لغير الله صار شركاً، أما إذا كان مجرد مراعاة الخلط في عمل يجب أن يكون فيه الإخلاص لله ، فيكون من الرياء الأصغر، وصوره كثيرة، وأبرزها الرياء والسمعة، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 40

شرح كتاب فضل الإسلام [٧] دين الإسلام هو الحنيفية السمحة دين إبراهيم ﵇ ووصيته، فمن رغب عن هذه الملة فقد سفه نفسه، وهو دين اليسر والسماحة، فلا إفراط فيه ولا تفريط، ولا غلو ولا تنطع، ومن يسره وسماحته أن شرع الله تعالى الرخص لأهل الأعذار، ولم يكلف نفساً إلا ما تطيق وتستطيع، وهذا كله يدل على فضل الإسلام وهيمنته على سائر الأديان.
следующие страницы →