← Акыда

Акыда · id 37720

شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية

ناصر العقل

Полный текст (186 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فصل جامع في أن جماع الحسنات العدل، وجماع السيئات الظلم قال رحمه الله تعالى: [فصل جامع: قد كتبت فيما تقدم في مواضع قبل بعض القواعد، وآخر مسودة الفقه: أن جماع الحسنات العدل، وجماع السيئات الظلم، وهذا أصل جامع عظيم]. يقصد الشيخ هنا العدل بمعناه العام، والظلم بمعناه العام؛ لأن العدل معناه واسع، وهو ضد الجور وضد الميل، والجهل كذلك ضد الاعتدال وضد الاستقامة، وأغلب ما يستعمل الناس العدل فيما هو ضد الجور وضد الميل، لكن معناه الواسع قد يغفل عنه كثير من الناس، والشيخ هنا قصد المعنى الواسع، فالعدل هو الاعتدال، وهو صراط الله المستقيم الذي فيه جميع الشرع، العقيدة والشريعة، وكل ذلك هو العدل وهو مقتضى العدل، وليس فقط العدل مع الناس أو العدل في الحكم أو العدل ضد الجور أو ضد الميل، وإنما العدل الاستقامة على دين الله . ولذلك نجد هذا المعنى العام موجود حتى عند العوام، فيقولون: هذا الطريق عدال، أي: مستقيم، وهو معنى جيد لمفهوم العدل، وكذلك الظلم ليس فقط معناه هنا مجرد ظلم الآخرين، بل ظلم النفس وظلم الآخرين، وكذلك من الظلم الجور عن الحق، والميل عنه. قال رحمه الله تعالى: [وتفصيل ذلك: أن الله خلق الخلق لعبادته، فهذا هو المقصود المطلوب لجميع الحسنات، وهو إخلاص الدين كله لله، وما لم يحصل فيه هذا المقصود فليس حسنة مطلقة مستوجبة لثواب الله في الآخرة، وإن كان حسنة من بعض الوجوه له ثواب في الدنيا، وكلما نهى عنه فهو زيغ وانحراف عن الاستقامة، ووضع للشيء في غير موضعه فهو ظلم]. الشيخ هنا فسر الظلم بمعناه العام فقال: (وكل ما نهى عنه -الشرع- فهو زيغ وانحراف عن الاستقامة، ووضع للشيء في غير موضعه فهو ظلم). قال رحمه الله تعالى: [ولهذا جمع بينهما سبحانه في قوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف:٢٩]، فهذه الآية في سورة الأعراف المشتملة على أصول الدين، والاعتصام بالكتاب، وذم الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، كالشرك وتحريم الطيبات، أو خالفوا ما شرعه الله من أمور دينهم، كإبليس ومخالفي الرسل من قوم نوح إلى قوم فرعون، والذين بدلوا الكتاب من أهل الكتاب، فاشتملت السورة على ذم من أتى بدين باطل ككفار العرب، ومن خالف الدين الحق كله كالكفار بالأنبياء، أو بعضه ككفار أهل الكتاب. وقد جمع سبحانه في هذه السورة وفي الأنعام وفي غيرهما ذنوب المشركين في نوعين: أحدهما: أمر بما لم يأمر الله به كالشرك، ونهي عما لم ينه الله عنه كتحريم الطيبات، فالأول شرع من الدين ما لم يأذن به الله. والثاني: تحريم لما لم يحرمه الله. وكذلك في الحديث الصحيح حديث عياض بن حمار، عن النبي ﷺ ، عن الله تعالى: (إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، فحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً). ولهذا كان ابتداع العبادات الباطلة من الشرك ونحوه هو الغالب على النصارى ومن ضاهاهم من منحرفة المتعبدة والمتصوفة، وابتداع التحريمات الباطلة هو الغالب على اليهود ومن ضاهاهم من منحرفة المتفقهة، بل أصل دين اليهود فيه آصار وأغلال من التحريمات، ولهذا قال لهم المسيح ﵇: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠]، وأصل دين النصارى فيه تأله بألفاظ متشابهة، وأفعال مجملة، فالذين في قلوبهم زيغ اتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما قررته في غير هذا الموضع: بأن توحيد الله الذي هو إخلاص الدين له، والعدل الذي نفعله نحن هو جماع الدين يرجع إلى ذلك، فإن إخلاص الدين لله أصل العدل، كما أن الشرك بالله ظلم عظيم]. والنتيجة أو الخلاصة لهذا الحديث كله: هي أنه قصد في هذا الفصل الجامع أن العدل هو إخلاص الدين لله جملة وتفصيلاً، ويدخل في ذلك إخلاص الدين لله في العبادة والأحكام، وفي المستحبات والواجبات والفرائض. كما قصد ﵀ أن الظلم هو الشرك بالله جملة وتفصيلاً، ويدخل في ذلك الشرك الأكبر والشرك الأصغر وظلم النفس وظلم الغير، وهذه من الأمور والقواعد الجيدة التي ينبغي لطلاب العلم دائماً أن يعوها ويستفيدوا منها؛ لأن مثل هذه القواعد في الغالب أنها تصبح بمثابة الموازين، حيث إنه إذا استوعبها طالب العلم ففي الغالب بإذن الله أنه يوفق ويسدد إذا التزم قواعد الاستدلال ونهج السلف في ذلك، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 107

شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [٩] الشرك بالله تعالى أعظم ذنب عصي الله به؛ فمن جعل لله نداً من خلقه فيما يستحقه من الإلهية المتضمنة للخوف والرجاء والمحبة والتوكل والاستعانة، وكذلك الربوبية المتضمنة للخلق والإيجاد والتدبير والرزق؛ فقد كفر بإجماع المسلمين؛ لأن الله تعالى وحده هو المستحق للعبادة دون غيره.

стр. 108

فصل الشرك بالله أعظم الذنوب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فبعون الله وتوفيقه نواصل درسنا في الفتاوى، ولا زلنا في الحديث عن موضوع حقيقة العبودية، وفي هذا الدرس سنذكر بعض الصور التي تنافي توحيد الإلهية والربوبية. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [اعلم رحمك الله! أن الشرك بالله أعظم ذنب عصي الله به، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وفي الصحيحين أنه ﷺ : (سئل أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك)، والند: المثل. قال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر:٨]، فمن جعل لله نداً من خلقه فيما يستحقه من الإلهية والربوبية فقد كفر بإجماع الأمة. فإن الله سبحانه هو المستحق للعبادة لذاته؛ لأنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب، وترغب إليه وتفزع إليه عند الشدائد، وما سواه فهو مفتقر مقهور بالعبودية، فكيف يصلح أن يكون إلهاً، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:١٥]، وقال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]، وقال الله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء:١٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:١١]. فالله سبحانه هو المستحق أن يعبد لذاته، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، فذكر (الحمد) بالألف واللام التي تقتضى الاستغراق لجميع المحامد، فدل على أن الحمد كله لله، ثم حصره في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فهذا تفصيل لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، فهذا يدل على أنه لا معبود إلا الله، وأنه لا يستحق أن يعبد أحد سواه، فقوله: ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ)) إشارة إلى عبادته بما اقتضته إلهيته من المحبة والخوف والرجاء والأمر والنهى. ((وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) إشارة إلى ما اقتضته الربوبية من التوكل والتفويض والتسليم؛ لأن الرب هو المالك وفيه أيضاً معنى الربوبية والإصلاح، والمالك الذي يتصرف في ملكه كما يشاء]. قوله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] شملت تحقيق أنواع التوحيد جميعاً، لا سيما وأنها سبقت بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، والحمد للمحمود الذي يستحق الحمد لكماله وجلاله ، والحمد متضمن لمعاني الكمال ومعاني الألوهية والربوبية؛ لأنه لا يستحق الحمد إلا الكامل في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي ربوبيته وإلهيته، خاصة أيضاً إذا أضيف لها رب العالمين، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، الحمد هو للمحمود سبحانه، ثم قوله: (لله) تشمل الألوهية بالضرورة وتشمل الربوبية بالاستلزام، (رب العالمين) تدخل فيها الربوبية بالضرورة والإلهية بالاستلزام أو بالتضمن. ثم بعد ذلك أعقبها بقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، وبين الشيخ أن هذه الآية قد جمعت جميع الدين؛ لأن ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ)) تعني: جميع العبودية لله ، وتحقيق توحيد الإلهية، ((وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) جمعت الأمرين، أي: توحيد الإلهية والربوبية؛ لأن الاستعانة لا تكون إلا بالمعين، والإعانة فعل الله ، وهو الذي يملك الإعانة مطلقاً، ولا يملك غيره أن يعين العباد من كل وجه، فهو سبحانه له التصرف في الخلق، وبيده مقاليد السماوات والأرض. فإذاً: هو المعين في ربوبيته وإلهيته، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فجمعت جميع أنواع التوحيد.

стр. 109

معاينة القلب لحقيقة الربوبية والإلهية عند تحقيق معنى الربوبية والألوهية قال رحمه الله تعالى: [فإذا ظهر للعبد من سر الربوبية أن الملك والتدبير كله بيد الله تعالى، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١]، فلا يرى نفعاً ولا ضراً ولا حركة ولا سكوناً ولا قبضاً ولا بسطاً ولا خفضاً ولا رفعاً إلا والله فاعله وخالقه وقابضه وباسطه ورافعه وخافضه، فهذا الشهود هو سر الكلمات الكونيات، وهو علم صفة الربوبية، والأول هو علم صفة الإلهية، وهو كشف سر الكلمات التكليفيات]. هذه العبارة الدقيقة فيها استعمال المصطلحات ذات التصور، وكثيراً ما يستعمل شيخ الإسلام ﵀ هذه المصطلحات خاصة عندما يتحدث عن الأعمال القلبية أو عن بعض الأمور المتعلقة بالإلهية والربوبية، ويبدو لي والله أعلم أنه أراد أن يقرب أهل زمانه الذين ابتلوا بالتصوف أو أكثرهم إلى معاني التوحيد الحقيقية من خلال مصطلحاتهم، فاستعمل ﵀ هذه المصطلحات استعمالاً صحيحاً، ووجهها توجيهاً صحيحاً بالآيات والنصوص، فكلمة: (الشهود) لم تكن من الكلمات التي يستعملها خلص السلف، وإنما استعملها بعض السلف الذين عندهم نزعة تعبد، لكنهم لم يكونوا من الأئمة الكبار، لكن لما عمت بها البلوى في عهد شيخ الإسلام أراد أن يجر المتصوفة وعامة الناس الذين ينزعون إلى التصوف، والذين انطبعت في أذهانهم هذه المصطلحات إلى فهم المصطلحات الشرعية الحقيقية من خلال استعمال هذه الكلمات، فقوله: (فهذا الشهود) قصده: معاينة الحقيقة معاينة قلبية؛ لأن القلب إذا اكتملت فيه معاني الربوبية فكأنه يشهد الحقيقة ببصيرته، أو هو فعلاً يشهد حقيقة الربوبية ثم الإلهية ببصيرته، فهو قصد بالشهود تحقيق التوكل والتسليم، بحيث إن الإنسان يكون توكله وتسليمه وإذعانه لله ، وكأنه يشهد هذه الحقيقة على مبدأ الإحسان الذي وصفه النبي ﷺ : بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذا لا يكون إلا لتحقيق معنى الإلهية والربوبية في وقت واحد. وكذلك قوله: (هو سر الكلمات الكونيات)، فالكلمات الكونيات هي التي يكون بها تدبير الكون من الله ، فيدبر الكون سبحانه بكلماته، وكلماته تكون فيها الربوبية، كما أن من كلماته ما يكون به الوحي والأمر والتشويق. والكلمات تشمل الكلمات الكونية والكلمات الشرعية، والكلمات الكونية قد تكون بالوحي وقد تكون بما يدبر الله به الكون ومثل: (كن)، فهي من كلام الله ، لكن ليست من نوع الوحي، فكل ذلك كلمات الله الكونيات التي يكون بها تحقيق التوكل والتسليم؛ لأنها تعني الإذعان بالربوبية لله . وكذا قوله: (وهو كشف سر الكلمات التكليفيات)، فالكلمات التكليفيات هي كلمات الله التي فيها الأمر والنهي والخبر، وهي كلماته بالوحي إلى رسله ومن خلال الكتب المنزلة، فهذا هو النوع الثاني: وهو توحيد الإلهية الذي يتمثل بكشف سر الكلمات التكليفيات التي يكلف الله بها عباده. إذاً: فتوحيد الربوبية متعلق بالتدبير بالله وبكلمات الله الكونية، وتوحيد الألوهية متعلق بالأمر الشرعي والخبر وكلماته التي هي الوحي. قال رحمه الله تعالى: [فالتحقيق بالأمر والنهي والمحبة والخوف والرجاء يكون عن كشف علم الإلهية، والتحقيق بالتوكل والتفويض والتسليم]. قوله: (والتحقيق بالتوكل والتفويض والتسليم) شرح لمعنى كلمة: (الشهود) الذي هو سر الكلمات الكونيات، أعني: توحيد الربوبية. قال رحمه الله تعالى: [والتحقيق بالتوكل والتفويض والتسليم يكون بعد كشف علم الربوبية، وهو علم التدبير الساري في الأكوان، كما قال : ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]، فإذا تحقق العبد لهذا المشهد ووفقه لذلك، بحيث لا يحجبه هذا المشهد عن المشهد الأول فهو الفقيه في عبوديته، فإن هذين المشهدين عليهما مدار الدين، فإن جميع مشاهد الرحمة واللطف والكرم والجمال داخل في مشهد الربوبية. ولهذا قيل: إن هذه الآية جمعت جميع أسرار القرآن: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]؛ لأن أولها اقتضى عبادته بالأمر والنهي، والمحبة والخوف والرجاء كما ذكرنا، وآخرها اقتضى عبوديته بالتفويض والتسليم وترك الاختيار، وجميع العبوديات داخلة في ذلك].

стр. 110

خلاصة مذهب الصوفية في الألوهية والربوبية وحقيقة ضلالهم وسببه قال رحمه الله تعالى: [ومن غاب عن هذا المشهد وعن المشهد الأول، ورأى قيام الله على جميع الأشياء، وهو القيام على كل نفس بما كسبت، وتصرفه فيها وحكمه عليها]. قوله: (ومن غاب عن هذا المشهد) أي: الربوبية، ثم قال: (وعن المشهد الأول) يقصد الإلهية. والشيخ يشير بذلك إلى ضلال المتصوفة وجهلهم، وهو رحمه الله تعالى كثيراً ما يبحث لهم عن معاذير؛ لأنه يرى أنهم وقعوا في الضلالة عن جهل. وخلاصة مذهب هؤلاء أنهم يزعمون أن غاية مطلوبهم الانهماك في توحيد الربوبية، ولذلك استهانوا بتوحيد الإلهية، واستهانوا بالأمر والنهي، حتى زعم كثير منهم أنهم استغنوا بالمشهد الأول عن المشهد الثاني، بمعنى: أنهم حينما وصلوا إلى مرحلة معينة زعموا أنها انكشفت لهم أسرار الكون وانصهروا في القدر والربوبية، ولم يعودوا بحاجة إلى امتثال الأمر والنهي، فتركوا العمل بالشرع، وزعموا أن العمل بالشرع إنما يحتاجه أولئك الذين لم تصل قلوبهم إلى حد هذا المستوى من العبادة والسنة، أو من الانصهار في الربوبية، والعبادات والأوامر والنواهي والتكليفات الشرعية إنما هي للعوام الذين لم يصلوا في العبادة إلى حد انكشاف الأسرار الكونية لهم، أو الانصهار في الربوبية والقدر، وهذا مذهب فلسفي قديم في الديانات الفلسفية، كالديانات الهندية وغيرها، فغاية الواحد أن يصل إلى الانصهار في الربوبية، وأن تتحد مشاعره -بزعمه- بل حتى حركاته الإرادية واللاإرادية بالحركات الكونية، ويكون جزءاً من ذرات الكون، وكأنه صار بذلك إلى مستوى ربما يزعم فيه أنه ارتقى عن مستوى الأنبياء، بل أحياناً يزعم فيه أنه اتحد بالخالق تعالى الله عما يزعمون؛ لأن هذا المذهب وصل بهم إلى الاتحاد والحلول ووحدة الوجود، ومن هنا احتقروا دين الأنبياء واحتقروا الشرائع، واحتقروا الأخذ عن الرسول ﷺ ، ومن هنا زعم رءوسهم وفلاسفتهم أنهم استغنوا عن الشرع، وأن غاية من يصل إلى هذا المستوى هو أن يكون حقق مشهد الربوبية والانصهار في القدر، فلذلك قالوا: بالجبر، ولذلك قالوا: بالاستغناء عن الشرع، ولذلك احتقروا دين الأنبياء، ولذلك تركوا الأوامر والنواهي واستباحوا لأنفسهم ترك فرائض الله، والإعراض عن دين الله ، فالشيخ يقول: (ومن غاب عن هذا المشهد)، يعني: الربوبية، (وعن المشهد الأول)، يعني: الإلهية. ثم أكمل الكلام واتضح بعد ذلك. قال ﵀: [ومن غاب عن هذا المشهد وعن المشهد الأول، ورأى قيام الله على جميع الأشياء، وهو القيام على كل نفس بما كسبت، وتصرفه فيها وحكمه عليها، فرأى الأشياء كلها منه صادرة عن نفاذ حكمه، وإرادته القدرية، فغاب بما لاحظ عن التمييز والفرق، وعطل الأمر والنهى والنبوات، ومرق من الإسلام مروق السهم من الرمية]. قوله: (فغاب بما لاحظ) هذا أيضاً من تعبيرات الصوفية، لكنه رد عليهم بعبارات يفهموها، ومعنى العبارة: فغاب بما لاحظ عن التمييز والفرق بين الربوبية والإلهية، وبين ما هو مطلوب من العبد وما ليس بمطلوب، وبين ما أمر الله به وما لم يأمر به، وأهم ذلك التفريق بين حقيقة الربوبية وحقيقة الإلهية، ولذلك لما لم يلاحظ التمييز والفرق تعطل الأمر والنهي؛ لأنه بزعمه أنه بالتحنث أو بالإقرار بالربوبية والمبالغة فيها لم يعد يحتاج إلى اعتبار الأمر والنهي والنبوات. ثم قال: (ومرق من الإسلام مروق السهم من الرمية) يقصد بذلك غلاة المتصوفة الفلاسفة، وغلاة المتصوفة فلاسفة، كما أن غلاة الفلاسفة متصوفة، فالتلازم بينهم هو الغالب أمثال: الحلاج والكندي وابن الفارض والفارابي وابن رشد الأول، لكن ابن رشد لم يصل إلى هذه الدرجة إنما مال إليها ثم تركها، وكذلك ابن سبعين والسهروردي المقتول وابن عربي الطائي ومن سلك سبيلهم. وكل هؤلاء قد ادعى هذه الدرجة، لكنهم يتفاوتون في التعبير عنها، ويتفاوتون في النزعة الفلسفية التي وصلوا بها -بزعمهم- إلى هذه المرحلة، ثم بعد ذلك منهم من استغنى عن العمل بالأمر والنهي، وأنهم ليسوا بحاجة لما جاء عن الأنبياء، ولذلك ادعى كثير منهم لنفسه أو لغيره -كل هؤلاء الذين ذكرتهم- أنه فاق مستوى الأنبياء كما صرح ابن عربي وغيره.

стр. 111

اعتذار شيخ الإسلام لهفوات بعض رموز الصوفية قال رحمه الله تعالى: [وإن كان ذلك المشهد]، يعني: مشهد الربوبية. ثم قال ﵀: [قد أدهشه وغيب عقله؛ لقوة سلطانه الوارد، وضعف قوة البصيرة أن يجمع بين المشهدين، فهذا معذور منقوص إلا من جمع بين المشهدين: الأمر الشرعي، ومشهد الأمر الكوني الإرادي، وقد زلت في هذا المشهد أقدام كثير من السالكين، لقلة معرفتهم بما بعث الله به المرسلين]. قوله: (فهذا معذور منقوص) كثيراً ما يقولها ﵀ في طوائف من هؤلاء، وأحياناً يشير بها إلى أشخاص معينين، أمثال التستري والبسطامي وابن أبي الحواري وأمثالهم، والجنيد وإن كان ليس له صفحات كبيرة، لكنه قد مال إلى هذا الاتجاه، بينما التستري والبسطامي وابن أبي الحواري ومن سلك سبيلهم أصحاب هفوات كبيرة، وهؤلاء هم الذين يعبر عنهم الشيخ أحياناً بأن فيهم معذوراً منقوصاً، والشيخ ﵀ يفسر ما يحدث منهم من ترهات؛ لأنهم يدعون هذا الدعاوى، يدعون أنهم يستغنون بالربوبية عن الإلهية، لكن من حيث العمل فإنهم يعملون بالشرع، ولا أدري هل هذه حقيقة فقهية؟ الله أعلم بحالها، لكن الشاهد هنا أو الذي يهمنا هو عندما نتأمل فيما أسند إليهم من أقوال وأفعال نجد فيها كفراً تتعلق بهذا المفهوم الذي ذكره الشيخ، وهو أنهم يسعون إلى شهود الربوبية ويبالغون فيها، ويستهينون معها بكثير من الشرائع، كالجماعات والجمعات، واستهانوا بالجهاد، واستهانوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخذلوا عن طلب العلم وعن طلب الحديث، وجاءت منهم كلمات تدل على أنهم قد يتلقون من مصادر غير المصادر الشرعية، وعن أهل الكتاب وعن غيرهم، أو عن مجاهيل أو عن أنفسهم، أو أنه بالتأمل ترد إليهم خواطر يصفونها بما لا يوصف به إلا الوحي. فالشيخ ﵀ يقول في مثل هؤلاء: بأنهم معذورون! ولا أدري ما وجه اعتذار الشيخ لهم؟! وإن كان قد فسره أحياناً فقال: بأنه تعتريهم حالات معينة وهو ما نصفها الآن بالهستيريا، من شدة الانقطاع والتعبد، ومن شدة الجوع والسهر، فيكون الواحد منهم عنده شيء من الاضطراب والهسترة، فيتكلم بما لا يعلم، بل قد يتكلم أحياناً بالكفريات، مع أن كلهم قد تكلموا بالكفريات، كأن يقول أحدهم: إنه لا يبالي بالنار! أو يقول لليهود: لا عليكم سأحجبكم من النار! أو أمنعكم من النار! أو أعطيكم إياها! أو يقول: النار ما هي إلا أن أنصب عليها خيمة فتنطفئ، ومثل هذه الكلمات الكفرية. فـ شيخ الإسلام يعتذر لهؤلاء، وهذا معنى قوله: فهذا معذور لجهله فيما يبدو، أو لأنه غلبت عليه العبادة حتى قال هذا أو تكلم الشيطان على لسانه، ثم قال: إنه منقوص، يعني: إن في كلامه ضلالة، النقص هنا نقص الضلالة. وأعتذر عن استكمال الفائدة، وهذا مما ينبغي أن يعنى به الباحثون؛ لأنه زلات أقدام، وهؤلاء العباد المتأخرون في القرن الثالث وما بعده الذي نزع عنده هذه النزعات يكون عندهم -أحياناً- نوع من الخروج عن مقتضى الشريعة بكلمات صعبة، وأيضاً أحياناً قد تصدر منهم أعمال وتصرفات هي أقرب إلى الكفر والإلحاد، فهل يعقل أنه بمجرد اختلال العقل يجعل هذا الشخص يتكلم بكفر مقنن معروف مشهود عند اليونان والصابئة والفرس والمجوس، كفرياتهم التي قالوا بها هي مظاهر موجودة في الأمم الضالة، فكيف وصلت إليهم، ثم تكلموا بها في حالات يزعمون أنهم لا يسيطرون على عقولهم، وأنه قد ضاعت عنهم عقولهم، ولذلك عذروا أمام القضاء وأمام بعض الولاة؛ لأن ظاهر الأمر في ذلك الوقت أن هؤلاء لا يتكلمون إلا في حالات تعتريهم فيها الهسترة. أقول: قد يكون هذا، وقد يتكلم الشيطان على ألسنتهم، لكن هل يعقل أن يأتي بأصول مقننة راقية على مستوى فيه التفكير والتعبيرات الفلسفية والمذهبية المعروفة عند الأمم؟ هذا أمر قد لا يتأتى إلا لمن أشرب في قلبه -والله أعلم- هذه الأمور ثم أعلنها. أيضاً هذه من المسائل التي تحتاج إلى بحث، وأظن أني أكثر من مرة أعرض هذا الموضوع، وأرى أنه من الواجب التثبت والبحث فيه؛ لأن موضوع العباد من الموضوعات الخطيرة التي يرتكز عليها أهل البدع إلى يومنا هذا، بل أعظم شبهة عند أصحاب الطرق الصوفية وأصحاب المذاهب الفلسفية والإلحادية أن هؤلاء سلف لهم، وأن هؤلاء رضي عنهم السلف، هذه تحتاج إلى تحقيق. لكن يبقى أيضاً أمر آخر أنبه عليه لمن يريد أن يبحث، ألا وهو أن كثيراً من المبتدعين قد يكون من المكذوب عليهم، وهذا مما أشار إليه شيخ الإسلام أكثر من مرة، يعني: عندما يجد أن المسألة ليس فيها مجال للدفاع، يقول: ونشك أن هذا مما ينسب إلى فلان، أو لعله لا يثبت عنه، فهذه أمور عن أمة سلفت، والمفروض أننا لا نفتش عن مصائر هؤلاء العباد وأمرهم إلى الله ، لكن لما كانت مناهجهم وزلاتهم هذه ركائز ومرتكزات لأهل البدع والأهواء إلى يومنا هذا يتكئون عليها كان لابد من بحثها وتحقيقها، بصرف النظر عمن قالوا بها، وبغض النظر هل يجرّمون أو لا

стр. 112

أنواع الشرك الذي يكفر به صاحبه قال رحمه الله تعالى: [فإذا تقرر هذا فالشرك إن كان شركاً يكفر به صاحبه وهو نوعان: شرك في الإلهية، وشرك في الربوبية فأما الشرك في الإلهية فهو أن يجعل لله نداً، أي: مثلاً في عبادته أو محبته أو خوفه أو رجائه أو إنابته، فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، وهذا هو الذي قاتل عليه رسول الله ﷺ مشركي العرب؛ لأنهم أشركوا في الإلهية، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] الآية، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، وقال تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق:٢٤] إلى قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [ق:٢٦]. وقال النبي ﷺ لـ حصين: (كم تعبد؟ قال: ستة في الأرض، وواحداً في السماء، قال: فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء، قال: ألا تسلم فأعلمك كلمات؟ فأسلم، فقال النبي ﷺ : قل: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي). وأما الربوبية فكانوا مقرين بها، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، وقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٥] إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٩]، وما اعتقد أحد منهم قط أن الأصنام هي التي تنزل الغيث، وترزق العالم وتدبره، وإنما كان شركهم كما ذكرنا، اتخذوا من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله، وهذا المعنى يدل على أن من أحب شيئاً من دون الله كما يحب الله تعالى فقد أشرك، وهذا كقوله: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨]، وكذا من خاف أحداً كما يخاف الله، أو رجاه كما يرجو الله وما أشبه ذلك. وأما النوع الثاني: فالشرك في الربوبية، فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر، المعطي المانع، الضار النافع، الخافض الرافع، المعز المذل، فمن شهد أن المعطي أو المانع، أو الضار أو النافع، أو المعز أو المذل غيره، فقد أشرك بربوبيته]. الشركان متلازمان في أفعال العباد؛ لأن الذي يشرك في الإلهية لابد أن يقع منه شرك في الربوبية، فإذا عبدوا غير الله طلبوا من غير الله واستمدوا العون من غير الله، فهم توهموا أنه قد يكون للمعبود من دون الله منع أو إعطاء وهكذا، ولذا فإذا حدث الشرك في الإلهية فالغالب أنه يجر إلى الشرك في الربوبية، وكذلك العكس، فهما متلازمان، والفروق بين الأمرين إنما هي فروق علمية، وأما من الناحية العملية فيندر أن من يشرك بالربوبية يسلم من شرك الإلهية، وكذلك العكس، بل لا يمكن أن يكون شرك في الإلهية إلا ويستتبعه شرك في الربوبية. لكن الفارق بينهما: أن موضوع الربوبية متعلق بالتدبير وأفعال الله ، أي: أن كل ما يتعلق بأفعال الله وتدبيره يسمى ربوبية، ومن ذلك أن أسماءه وصفاته وغير ذلك مما يتعلق بالأفعال والتدبير هي أقرب إلى الربوبية، ومع ذلك قد يكون فيها جوانب الربوبية، وأما الإلهية فهو كل ما يتعلق بتوجه القلب والجوارح إلى الله ، وهذا بالنسبة للمسلم، وأما الشرك فيتوجه إلى الأصنام. إذاً: فالتوجه في التعبد هو توحيد الإلهية، أي: توجه العباد إلى الغني هو توحيد الإلهية، فإن ألهوا الله فقد حققوا التوحيد، وإن توجهوا إلى غير الله وعبدوا غير الله فقد طلبوا من غير الله، ويكون ذلك شرك في الإلهية.

стр. 113

كيفية التخلص من الشرك في الربوبية قال رحمه الله تعالى: [ولكن إذا أراد التخلص من هذا الشرك، فلينظر إلى المعطي الأول مثلاً، فيشكره على ما أولاه من النعم، وينظر إلى من أسدى إليه المعروف فيكافئه عليه؛ لقوله ﵊: (من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه)؛ لأن النعم كلها لله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، وقال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء:٢٠]، فالله سبحانه هو المعطي على الحقيقة، فإنه هو الذي خلق الأرزاق وقدرها وساقها إلى من يشاء من عباده، فالمعطي هو الذي أعطاه وحرك قلبه لعطاء غيره، فهو الأول والآخر. ومما يقوي هذا المعنى قوله ﷺ لـ ابن عباس ﵄: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، قال الترمذي: هذا حديث صحيح. فهذا يدل على أنه لا ينفع في الحقيقة إلا الله، ولا يضر غيره، وكذا جميع ما ذكرنا في مقتضى الربوبية. فمن سلك هذا المسلك العظيم استراح من عبودية الخلق ونظره إليهم، وأراح الناس من لومه وذمه إياهم، وتجرد التوحيد في قلبه، فقوي إيمانه، وانشرح صدره، وتنور قلبه، ومن توكل على الله فهو حسبه، ولهذا قال الفضيل بن عياض ﵀: من عرف الناس استراح. يريد والله أعلم: أنهم لا ينفعون ولا يضرون].

стр. 114

كيفية التخلص من الشرك الخفي قال رحمه الله تعالى: [وأما الشرك الخفي: فهو الذي لا يكاد أحد أن يسلم منه، مثل: أن يحب مع الله غيره فإن كانت محبته لله مثل حب النبيين والصالحين، والأعمال الصالحة فليست من هذا الباب؛ لأن هذه تدل على حقيقة المحبة؛ لأن حقيقة المحبة أن يحب المحبوب وما أحبه، ويكره ما يكرهه، ومن صحت محبته امتنعت مخالفته؛ لأن المخالفة إنما تقع لنقص المتابعة، ويدل على نقص المحبة قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] الآية، فليس الكلام في هذا، إنما الكلام في محبة تتعلق بالنفوس لغير الله تعالى، فهذا لا شك أنه نقص في توحيد المحبة لله، وهو دليل على نقص محبة الله تعالى، إذ لو كملت محبته لم يحب سواه. ولا يرد علينا الباب الأول؛ لأن ذلك داخل في محبته، وهذا ميزان لم يجر عليك، كلما قويت محبة العبد لمولاه، صغرت عنده المحبوبات وقلّت، وكلما ضعفت كثرت محبوباته وانتشرت. وكذا الخوف والرجاء وما أشبه ذلك، فإن كمل خوف العبد من ربه لم يخف شيئاً سواه، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩]، وإذا نقص خوفه خاف من المخلوق، وعلى قدر نقص الخوف وزيادته يكون الخوف كما ذكرنا في المحبة، وكذا الرجاء وغيره، فهذا هو الشرك الخفي الذي لا يكاد أحد أن يسلم منه إلا من عصمه الله تعالى، وقد روي: (أن الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل). وطريق التخلص من هذه الآفات كلها: الإخلاص لله ، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، ولا يحصل الإخلاص إلا بعد الزهد، ولا زهد إلا بالتقوى، والتقوى متابعة الأمر والنهى]. هذه في الحقيقة نصيحة ذهبية جليلة وعظيمة، وقد أوجزها الشيخ في أربع كلمات، وحبذا لو تأملناها وتأملنا أيضاً لوازمها، قال ﵀: (ولا يحصل الإخلاص إلا بالزهد) هذه حقيقة نسيها كثير من الناس خاصة في عصرنا الذي تكاثرت فيه على الناس أسباب الدنيا وبهرجها، حتى أعمت أبصارهم وبصائرهم عن الزهد، وإن المتأمل يجد أن حقيقة الزهد في العباد نادر وعزيز جداً، ومن هنا نفسر أسباب وكثرة شكاوى الناس من قسوة القلوب، وعدم التأثر بآيات الله المقروءة والمنظورة والمسموعة، كما نفسر ما يحدث لكثير من الناس من سرعة التفلت، وسرعة التغير في أحوال الناس فيما بينهم، وقبل ذلك مع ربهم . والذي نخصه هو ما يحدث كثيراً بين الناس من الشحناء، وسرعة المنازعة بين أهل الخير، وسرعة الخلاف والفرقة، وما يحدث من تباعد بين الناس في مذاهبهم وفي مقاصدهم وفي غاياتهم وفي اتجاهاتهم؛ لأن الناس كثير منهم يتوخى الإخلاص، لكن ما فعل السبب وهو الزهد، والزهد الذي يعين على الورع يحتاج إلى مجاهدة عظيمة في هذه الدنيا، يعني: كثير من الناس قد يتحرى الزهد، ويجاهد للحصول عليه، لكن عندما يأتي الدنيا وبهرجها، وضغوط المجتمع على الإنسان -أعني: على سمعه وبصره- يشده ذلك إلى عدم الزهد وعدم الورع، ثم إن الزهد يوجب على كل واحد منا أن يفتش عن نفسه إذا كان فعلاً ينشد الزهد والورع، وليعرف أنه لا يحصل على الزهد والورع إلا بالتقوى والمراقبة لله ، وألا يعمل شيئاً حتى يعلم أنه مما يرضي الله ، وليتحرى كل التحري من كل ما يغضب الله ، وليتحرى من المشتبهات التي كثرت على الناس، ويظهر لي أن المشتبهات الآن على المسلمين أكثر من أي زمن مضى في كل الأمور، وليس فقط في الأكل والشرب، بل حتى في الأفكار والمفاهيم والمعاملات، حتى فيما يتعلق بتعامل المسلمين مع غيرهم، وكتعاملهم مع الأشياء والمناهج والأصول والأفكار والأكل والشرب ووسائل الدنيا ووسائل الحياة وغيرها، هذا وقد أصبحت المشتبهات أكثر بكثير من الأمور المحررة بالبينة، وهذه بحد ذاتها فتنة عظيمة، ولأن أعظم أسبابها: انفتاح المسلمين على غيرهم، واختلاط الدنيا بعضها ببعض فهيمنت مناهج ووسائل الكفار على وسائل المسلمين، وجعلت المشتبه هو الأكثر، فلذلك الزهد عزيز، والزهد صعب، لكن من يتق الله يجعل له مخرجاً. ثم قال: (والتقوى متابعة الأمر النهي)، أي: أن التقوى لابد أن تكون تابعة للأمر والنهي. إذاً: فهذه في الحقيقة وصايا وقواعد تهدف من توخاها وفهمها بأصولها الشرعية وبأدلتها، وعمل مخلصاً جاهداً إلى أن يتوصل إلى الإخلاص لله .

стр. 115

فصل في محركات القلوب إلى الله [فصل: ولابد من التنبيه على قاعدة تحرك القلوب إلى الله ، فتعتصم به، فتقل آفاتها، أو تذهب عنها بالكلية، بحول الله وقوته]. كأن هذه وصية من الشيخ عما تكلم عنه قبل ذلك بقليل، يعني: تفصيل لمن سأل، وكيف نصل إلى هذه الأمور؟ الشيخ ﵀ بدأ بتفصيل وصية ونصيحة عظيمة أرجو تأملها.

стр. 116

أنواع محركات القلوب إلى الله قال رحمه الله تعالى: [فنقول: اعلم أن محركات القلوب إلى الله ثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، وأقواها المحبة]. بعض أهل العلم من المتأخرين يسمون هذه الثلاثة بأركان العبادة، وليس في ذلك نص من آية أو حديث، وإنما قالوا ذلك بالاستقراء، كما استقرءوا أنواع التوحيد وبعض المسائل العلمية والعقدية من خلال قواعد الشرع ونصوصه، فكذلك بالاستقراء ثبت فعلاً أن العبادة تقوم على هذه الأركان الثلاثة، وغيرها يتبعها. فالأول: المحبة، أي: محبة الله ومحبة ما يحبه الله. والثاني: الرجاء، أي: أن يرجو الإنسان ربه، فيرجو ثوابه، ويرجو ما وعد الله به. الثالث: الخوف، أي: خشية الله وخشية عقابه. وبقية الأعمال القلبية ترجع إلى هذه الأركان الثلاثة، ولذلك سماها بعض السلف بأركان العبادة. قال رحمه الله تعالى: [وأقواها المحبة، وهي مقصودة تراد لذاتها؛ لأنها تراد في الدنيا والآخرة، بخلاف الخوف فإنه يزول في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]، والخوف المقصود: منه الزجر والمنع من الخروج عن الطريق، فالمحبة تلقي العبد في السير إلى محبوبه]. قوله: (تلقي)، هذه مجاراة من الشيخ ﵀ لمصطلحات القوم، وهي لغة سليمة وجائزة. قال رحمه الله تعالى: [وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده، فهذا أصل عظيم يجب على كل عبد أن يتنبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبداً لله لا لغيره].

стр. 117

محركات القلوب عند عدم المحبة الباعثة على طلب المحبوب وكذلك الخوف والرجاء قال رحمه الله تعالى: [فإن قيل: فالعبد في بعض الأحيان قد لا تكون عنده محبة تبعثه على طلب محبوبه، فأي شيء يحرك القلوب؟ قلنا: يحركها شيئان: أحدهما: كثرة الذكر للمحبوب؛ لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به، ولهذا أمر الله بالذكر الكثير، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢]. والثاني: مطالعة آلائه ونعمائه، قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان:٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]. فإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه، من تسخير السماء والأرض، وما فيها من الأشجار والحيوان، وما أسبغ عليه من النعم الباطنة، من الإيمان وغيره، فلابد أن يثير ذلك عنده باعثاً. وكذلك الخوف، تحركه مطالعة آيات الوعيد والزجر والعرض والحساب ونحوه. وكذلك الرجاء، يحركه مطالعة الكرم والحلم والعفو. وما ورد في الرجاء والكلام في التوحيد واسع، وإنما الغرض التنبيه على تضمنه الاستغناء بأدنى إشارة والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم].

стр. 118

الأسئلة

стр. 119

وجه اعتذار شيخ الإسلام عن بعض رموز الصوفية السؤال نستغرب اعتذار الشيخ ﵀ عن بعض رموز الصوفية كـ التستري والقشيري والبسطامي، مع أنه في بعض كلام هؤلاء ما يدل مقتضاه على أنهم يقفون عند الأوامر والنواهي، كقول أبي يزيد: إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء لا تغتروا به حتى تروه عند الأمر والنهي؟ الجواب كلام الأخ صحيح، لكن مع ذلك وجدت عندهم المتناقضات، وهذا مما يحير، هؤلاء العجيب أن كلامهم في التوحيد درر، ولا أقول هذا مبالغة، كلام هؤلاء: أبي يزيد البسطامي والتستري وابن أبي الحواري والجنيد ومن سبقهم ومن جاء بعدهم قبل وجود الطرقية، بعد وجود الطرقية اختلف الحال في الحقيقة إلا القليل، فكان كلامهم في الدفاع عن العقيدة وفي تقريرها وفي تجلية معانيها درر تكتب بماء الذهب، وكنت أتمنى لو يتفرغ بعض طلاب العلم لالتقاط درر من كلام هؤلاء في العقيدة، تؤصل منهج السلف بأساليب واضحة وموجزة وبأصالة شرعية، لكن مع ذلك عندهم متناقضات، كيف يكون هذا؟ الله أعلم، فهم أذكياء وأصحاب قدرات عقلية كبيرة جداً، لكن كانت عندهم بدع فلسفية، ونوع من الجهل ببعض أصول السنة جعل عندهم هذه المتناقضات، ومع ذلك فأنا لا أحكم فيهم، بالرغم أني قد قرأت وبحثت في هذا الموضوع، ولم أستطع أن أصل إلى نتيجة بينة، والأمر محير يحتاج إلى مزيد بحث لمن هم أقدر وأفضل.

стр. 120

حكم تعارض الزهد في الوقت الحاضر مع التجارة السؤال هل يتعارض الزهد في الوقت الحاضر مع التجارة؟ الجواب في الحقيقة الأمر يحتاج إلى تفصيل؛ لأنه مما يلتبس على البعض، والأصل أن الزهد لا يتنافى غالباً مع التجارة، لكن قد يتنافى مع التجارة عند بعض الناس، وهذا أمر. الأمر الآخر: ما هو مفهوم التجارة؟ هل هي التجارة التي تعني تحصيل الدنيا وجمعها على غير أصول شرعية، وبأي طريق كان، ثم عدم القيام بحق المال؟! لا، فليست هذه تجارة مباحة أو تجارة سليمة، وإنما التجارة هي التي هيأها الله للعبد بدون تكلف كبير، وبدون أن يغفل عن ذكر الله وشكره، وتؤدي إلى أن يؤدي للمال حقه، فهذه تجارة يهبها الله لمن يشاء، وهي نادرة في العباد والزهاد الكبار على مدار التاريخ، لكن في الغالب أن الذين يجمعون بين التجارة والزهد هم الأكمل من خلقه، فهذا أبو بكر ﵁ تاجر وزاهد، وأفضل الخلق بعد النبيين، بل أغلب العشرة المبشرين بالجنة قد اشتغلوا بالدنيا والعبادة والزهد، مع أنه لا ينبغي لكل مسلم أن يقيس نفسه على هؤلاء، فهؤلاء أصحاب مواهب عالية، وأين نحن منهم؟ نحن مساكين يستهوينا الدرهم والدينار والريال، فتضحك لنا الدنيا فنضحك ونجري وراءها؛ لأننا لسنا كأولئك القوم، لكن إن وجد من العباد من هو مثل هؤلاء ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ولكن ثق أنه لا يكون من الذين بيتوا قصد التجارة، لكنهم عملوا بمقتضى ما أمر الله به من السعي في الدنيا، فسعوا فجاءتهم طائعة، وجاءهم الزهد بما وفقهم الله به. ومن المناسب أن أنبه إلى ما يحدث عند بعض طلاب العلم من الانجراف إلى الدنيا، وهي في الحقيقة من الأشياء والظواهر التي كثرت في الآونة الأخيرة، وهي فلسفة قال بها بعض الناس، ولذا فالذي ينبغي لطلاب العلم أن تكون الدنيا بأيديهم؛ لئلا يكونوا عالة على غيرهم، لكن لا تكون الدنيا هي همهم العظيم، فذلك خطير، فطالب العلم الآن إذا فرغ نفسه للعلم والدعوة سخر الله له الدنيا وأهل الدنيا، وأنا أخشى إذا تفرغ للدنيا أن يخسر العلم والدنيا والدين، أو يخسر على الأقل أكثرها، وأقول هذا وأنا أكاد أجزم به: أن مما أخافه على طلاب العلم والدعاة أن ينجرفوا في أعمال الدنيا، والكفاف يكفيهم، أما أن يدخلوا في مشاريع تستحوذ على جهودهم وطاقاتهم وأعصابهم فهذا مسلك خطير، ودعوى: أنه ينبغي أن يكون بيد أهل الخير المال، أقول: هذه ساقطة، اللهم إلا النادر القليل؛ لأن طالب العلم والداعي إلى الله إذا ملك قلوب الناس بعلمه ودعوته ملك الدنيا وأصحاب الدنيا، فهذا النبي ﷺ ملك الدنيا وأصحاب الدنيا، فكان ﵊ يعطى المائة من الإبل فيصرفها في وقت واحد، وما مات ﵊ إلا والأمة المسلمة تملك الدنيا من حولها، وكان النبي ﷺ يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وما سعى ﷺ يوماً في تجارة، وإنما جاءته الدنيا طائعة، فدانت له القبائل بما تملك من المال، ثم بعد ذلك دانت الدنيا كلها للمسلمين، حتى فارس والروم اللتان تملكان أغلى الكنوز سخرهما الله للمسلمين، لا بسعيهم للتجارة وإنما بجهادهم في سبيل الله وبتعليمهم العلم، وهكذا ينبغي أن يكون هذا المبدأ، وأنا أقول: لا حرج على طالب العلم أن يسعى في الدنيا، لكن لا يكون هذا التوجه لطلاب العلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 121

شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [١٠] الشرك في هذه الأمة باعتبار أعمال الناس وأحوالهم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: شرك في العبادة والتأله، وشرك في الطاعة والانقياد، وشرك في الإيمان والقبول، وينطبق هذا التقسيم على مسالك أكثر الذين ضلوا في التوحيد من هذه الأمة.

стр. 122

أنواع الشرك الثلاثة باعتبار أعمال الناس وأحوالهم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فلا زلنا مع الفتاوى لـ شيخ الإسلام وفي مسألة العبودية وحقيقتها وأنواعها، وسيكون درسنا لهذا اليوم مخصص في الفصل الذي خصصه شيخ الإسلام في مسألة الخشية والخوف، وله ﵀ في هذا الفصل وقفات عظيمة جداً، وفقه ينبغي أن نستفيد منه. ولذلك يحسن أن نقف عند بعض المسائل الدقيقة لعنصرتها، وبيان ما بينها من ترابط؛ لأنها مجملة ومركزة كما سترون. قال شيخ الإسلام ﵀: [فصل: ذكر الله عن إمامنا إبراهيم خليل الله أنه قال لمناظريه من المشركين الظالمين: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨١ - ٨٢]. وفي الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود (أن النبي ﷺ فسر الظلم بالشرك وقال: ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣])، فأنكر أن نخاف ما أشركوهم بالله من جميع المخلوقات العُلْويات والسفليات، وعدم خوفهم من إشراكهم بالله شريكاً لم ينزل الله به سلطاناً، وبين أن القسم الذي لم يشرك هو الآمن المهتدي. وهذه آية عظيمة تنفع المؤمن الحنيف في مواضع، فإن الإشراك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، دع جليله، وهو شرك في العبادة والتأله، وشرك في الطاعة والانقياد وشرك في الإيمان والقبول]. هذه ثلاثة أنواع من الشرك سيفصل فيها شيخ الإسلام بعد قليل ويضرب لها أمثلة، وهي في الحقيقة من أدق الفهوم التي قرأتها في مفهوم الشرك، وفي تطبيق أنواع الشرك وأقسامه على أنواع أعمال البشر القلبية والعملية، ويستفيد منها من تأملها؛ لأنها تنظم جميع أنواع الشرك التي تحدث من الناس، سواء من ذلك الشرك الأصغر والشرك الخفي، أو الشرك الأكبر؛ يدخل في هذا أنواع الشرك الأكبر والأصغر. وهذا التقسيم تقسيم بحسب أحوال أعمال الناس، وينطبق هذا التقسيم الذي سيأتي على مسالك أكثر الذين ضلوا في التوحيد من هذه الأمة، أو من فرق هذه الأمة التي فارقت السنة والجماعة كما سيأتي.

стр. 123

النوع الأول: شرك العبادة والتأله قال رحمه الله تعالى: [فالغالية من النصارى والرافضة وضلال الصوفية والفقراء والعامة يشركون بدعاء غير الله تارة، وبنوع من عبادته أخرى، وبهما جميعاً تارة، ومن أشرك هذا الشرك أشرك في الطاعة]. أقسام الشرك التي أشار إليها الشيخ هي: الأول: شرك في العبادة والتأله. الثاني: شرك في الطاعة والانقياد. الثالث: شرك في الإيمان والقبول، ويعني بذلك الشرك في التصديق، أي: أن يصدق في دين الله ، أو فيما يتعبد به من أقوال وأفعال. وإما أن يصدق غير النبي ﷺ فهذه مسألة خفية تحتاج إلى تأمل وتدبر؛ لأنها تقع في الناس كثيراً، ولا ينتبهون أنها من أنواع الشرك، وسيشرحها الشيخ بعد قليل. وأعود فأقول: ينبغي أن نتأمل هذه الأنواع الثلاثة؛ لأن الشيخ سيمثل لها ويعيدها مرة أخرى. والأول قد تكلم عنه وضرب له مثلاً في غالية النصارى، ثم غالية الرافضة والتصوف، والفقراء: وهم طائفة من الصوفية العباد النساك، وليس المقصود بهم فقراء المال. إذاً: فهم طائفة من العباد والنسَّاك الذين عندهم مبالغة في التنسك إلى حد ترك طلب العيش، والعيش على الكفاف أو على التسول. والعامة، أي: عوام الناس الذين يخطئون في مفهوم هذا التوحيد. وأما قوله: (ومن أشرك هذا الشرك أشرك في الطاعة)، أي: أنه يستلزمه، فمن أشرك شرك التأله والعبادة وقع في الشرك الثاني، أي: شرك الطاعة، وهذا بالضرورة.

стр. 124

النوع الثاني: شرك الطاعة والانقياد لغير الله وأما النوع الثاني: فهو شرك الطاعة والانقياد لغير الله . قال رحمه الله تعالى: [وكثير من المتفقهة وأجناد الملوك]. هذا هو النوع الثاني. قال رحمه الله تعالى: [وأتباع القضاة والعامة المتبعة لهؤلاء يشركون شرك الطاعة، وقد (قال النبي ﷺ لـ عدي بن حاتم ﵁ لما قرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١]، فقال: يا رسول الله! ما عبدوهم، فقال: ما عبدوهم، ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم). فتجد أحد المنحرفين يجعل الواجب ما أوجبه متبوعه، والحرام ما حرمه، والحلال ما حلله، والدين ما شرعه، إما ديناً وإما دنيا، وإما دنيا وديناً، ثم يخوف من امتنع من هذا الشرك، وهو لا يخاف أنه أشرك به شيئاً في طاعته بغير سلطان من الله، وبهذا يخرج من أوجب الله طاعته من رسول وأمير وعالم ووالد وشيخ وغير ذلك]. يعني بذلك: أنه يخرج من الطاعة الممنوعة من أوجب الله طاعته، وهؤلاء لا تعد طاعتهم من الطاعة الممنوعة كالرسل، وطاعة الأمراء بالمعروف، وطاعة العالم أيضاً بالاهتداء والاقتداء، وطاعة الوالد بالمعروف، واتباع الشيخ بالمعروف، أي: على نهج سليم أو مع الدليل. فهذه الأمور مما أمر الله به، أي: طاعة هؤلاء بشروطها، إذ هي من الطاعة التي أمر الله بها.

стр. 125

النوع الثالث: شرك التصديق وأما الشرك الثالث، أعني: شرك التصديق، فهو أخذ الخبر وتصديقه في أمر الدين أو في أمر التشريع، وفيما يتعبد به عن غير الكتاب والسنة، وهذا يفعله كثير من عوام الفرق، فيصدقون شيوخهم الذين يكذبون على رسول الله ﷺ ، ويضعون في الدين أشياء من عندهم، فيصدقونهم بمجرد دعاوى لا أصل لها، وليس عندهم على ذلك برهان ودليل. قال رحمه الله تعالى: [وأما الشرك الثالث فكثير من أتباع المتكلمة والمتفلسفة، بل وبعض المتفقهة والمتصوفة، بل وبعض أتباع الملوك والقضاة يقبل قول متبوعه فيما يخبر به من الاعتقادات الخبرية، ومن تصحيح بعض المقالات وإفساد بعضها، ومدح بعضها وبعض القائلين، وذم بعض بلا سلطان من الله، ويخاف ما أشركه في الإيمان والقبول، ولا يخاف إشراكه بالله شخصاً في الإيمان به، وقبول قوله بغير سلطان من الله. وبهذا يخرج من شرع الله تصديقه من المرسلين والعلماء المبلغين، والشهداء الصادقين وغير ذلك]. لأن طاعة هؤلاء واتباعهم إنما هي بأمر الله ، فطاعة المرسلين بأمر الله، وطاعة العلماء الراسخين في العلم فيما عليه دليل أو برهان، وكذلك الشهداء والصادقين، أي: الذين أخلصوا الدين لله، وصدقوا في نقلهم عن الله ، فهؤلاء يصدقون. إذاً: فقوله: (وبهذا يخرج)، أي: يخرج من المنع الذي يوقع في الشرك، أي: شرك التصديق.

стр. 126

أقسام الطاعة والتصديق قال رحمه الله تعالى: [فباب الطاعة والتصديق ينقسم إلى مشروع في حق البشر وغير مشروع]. قوله: (وأما) تفصيل لغير المشروع.

стр. 127

غير المشروع في باب الطاعة والتصديق قال رحمه الله تعالى: [وأما العبادة والاستعانة والتأله فلا حق فيها للبشر بحال، فإنه كما قال القائل: ما وضعت يدي في قصعة أحد إلا ذللت له. ولا ريب أن من نصرك ورزقك كان له سلطان عليك]. هذه معان دقيقة أرجو تأملها؛ لأن كثيراً من الناس يغفل عنها في مسألة الاستعانة بالخلق، وفي مسألة مد اليد إليهم والطمع بما عندهم، إذ إنها من أعظم أسباب ضعف الورع في النفس، ومن أعظم أسباب قسوة القلوب، ومن أعظم أسباب عدم الانصياع لأوامر الله ، وربما يكون هذا أيضاً من الأمور التي جرت إلى أشياء كثيرة في عبادات الناس وأعمالهم وتعاملهم مع بعضهم، لذا فأرجو تأملها جيداً؛ لأنها غالبة في أحوال الناس اليوم وخاصة فيما يتعلق بالمصالح والمنافع، وعلاقات الناس التي تبنى على ذلك. إذاً: ففيها معان دقيقة ذكرها الشيخ من فقهه في هذه العقيدة، فأرجو تأملها وتطبيقها على أحوال الناس؛ لعلنا نستفيد منها. قال رحمه الله تعالى: [فالمؤمن يريد ألا يكون عليه سلطان إلا لله ولرسوله، ولمن أطاع الله ورسوله، وقبول مال الناس فيه سلطان لهم عليه، فإذا قصد دفع هذا السلطان]. أي: إذا قصد بالاستغناء عن مالهم دفع هذا السلطان كان حسناً، والعبارة تحتاج إلى تفصيل، وكأن هذا استثناء منه.

стр. 128

المقاصد الحسنة والفاسدة في ترك قبول أموال الناس قال رحمه الله تعالى: [فإذا قصد دفع هذا السلطان وهذا القهر عن نفسه كان حسناً محموداً يصح له دينه بذلك، وإن قصد الترفع عليهم والترؤس والمراءاة بالحال الأولى كان مذموماً، وقد يقصد بترك الأخذ غنى نفسه عنهم ويترك أموالهم لهم. فهذه أربع مقاصد صالحة: غنى نفسه، وعزتها حتى لا تفتقر إلى الخلق ولا تذل لهم، وسلامة مالهم ودينهم عليهم حتى لا تنقص عليهم أموالهم]. ذكر الشيخ ﵀ أربعة مقاصد صالحة، أي: في عدم الانتفاع من الناس: أولاً: غنى نفسه. ثانياً: عزتها؛ حتى لا تفتقر إلى الخلق ولا تذل لهم. ثالثاً: سلامة مالهم. رابعاً: سلامة دينهم. قال رحمه الله تعالى: [وسلامة مالهم ودينهم عليهم حتى لا تنقص عليهم أموالهم، فلا يذهبها عنهم، ولا يوقعهم بأخذها منهم فيما يكره لهم من الاستيلاء عليه، ففي ذلك منفعة له ألا يذل ولا يفتقر إليهم، ومنفعة لهم أن يبقي لهم مالهم ودينهم، وقد يكون في ذلك منفعة بتأليف قلوبهم بإبقاء أموالهم لهم حتى يقبلوا منه، ويتألفون بالعطاء لهم، فكذلك في إبقاء أموالهم لهم، وقد يكون في ذلك أيضاً حفظ دينهم، فإنهم إذا قبل منهم المال قد يطمعون هم أيضاً في أنواع من المعاصي، ويتركون أنواعاً من الطاعات، فلا يقبلون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي ذلك منافع ومقاصد أخر صالحة. وأما إذا كان الأخذ يفضي إلى طمع فيه حتى يستعان به في معصية أو يمنع من طاعة، فتلك مفاسد أخر، وهي كثيرة ترجع إلى ذله وفقره لهم، فإنهم لا يتمكنون من منعه من طاعة إلا إذا كان ذليلاً أو فقيراً إليهم، ولا يتمكنون هم من استعماله في المعصية إلا مع ذله أو فقره، فإن العطاء يحتاج إلى جزاء ومقابلة، فإذا لم تحصل مكافأة دنيوية من مال أو نفع، لم يبق إلا ما ينتظر من المنفعة الصادرة منه إليهم. وللرد وجوه مكروهة مذمومة، منها: الرد مراءاة بالتشبه بمن يريد غنى وعزة ورحمة للناس في دينهم ودنياهم]. كما ذكر الشيخ هناك أربعة مقاصد حسنة، سيذكر هنا الوجوه المذمومة، أو أربعة مقاصد فاسدة. قال رحمه الله تعالى: [ومنها: التكبر عليهم والاستعلاء حتى يستعبدهم ويستعلي عليهم بذلك، فهذا مذموم أيضاً. ومنها: البخل عليهم، فإنه إذا أخذ منهم احتاج أن ينفعهم ويقضي حوائجهم، فقد يترك الأخذ بخلاً عليهم بالمنافع. ومنها: الكسل عن الإحسان إليهم، فهذه أربع مقاصد فاسدة في الرد للعطاء: الكبر والرياء والبخل والكسل]. هنا قد حدد الأربعة المقاصد الفاسدة في الرد للعطاء، لكن قد تكون غير متميزة.

стр. 129

حال السلف في ترك قبول المال من الآخرين وقبول أخذه قال رحمه الله تعالى: [فالحاصل: أنه قد يترك قبول المال لجلب المنفعة لنفسه، أو لدفع المضرة عنها، أو لجلب المنفعة للناس، أو دفع المضرة عنهم، فإن في ترك أخذه غنى نفسه وعزها، وهو منفعة لها، وسلامة دينه ودنياه مما يترتب على القبول من أنواع المفاسد، وفيه نفع الناس بإبقاء أموالهم ودينهم لهم، ودفع الضرر المتولد عليهم إذا بذلوا بذلاً قد يضرهم، وقد يتركه لمضرة الناس، أو لترك منفعتهم، فهذا مذموم كما تقدم، وقد يكون في الترك أيضاً مضرة نفسه أو ترك منفعتها، إما بأن يكون محتاجاً إليه فيضره تركه، أو يكون في أخذه وصرفه منفعة له في الدين والدنيا، فيتركها من غير معارض مقاوم، فلهذا فصلنا هذه المسألة، فإنها مسألة عظيمة، وبإزائها مسألة القبول أيضاً، وفيها التفصيل، لكن الأغلب أن ترك الأخذ كان أجود من القبول، ولهذا يعظِّم الناس هذا الجنس أكثر، وإذا صح الأخذ كان أفضل، أعني: الأخذ والصرف إلى الناس]. كما كان يفعل الإمام أحمد ﵀، إذ كان من دأبه رد هدايا الأمراء والسلاطين، لكنه مرة أخذها ووزعها على الناس، أو أكثر من مرة فيما أذكر، وعلل ذلك في بعض المواقف التي أخذ فيها المال أنه خشية سوء الظن من السلطان به، أو أن يبني على ذلك أحكاماً تضر بأهل العلم، فأخذ المال ووزعه والناس يرون ويشاهدون. فهذه صورة من الصور، وهذا من فقه السلف، فقد كانوا يتورعون عن أخذ الهدايا والعطايا، لكنه ليس ذلك دائماً، بل إذا رأوا أن في رد الهدية مضرة، أو رأوا أن في أخذ الهدية مصلحة لأناس آخرين، كأن يكون هناك فقراء محتاجون، وفي أخذ الهدية لإعطائها إياهم مصلحة؛ فإن هذا أمر معتبر. وبالمناسبة أحب أن أطبق بعض ما ذكره الشيخ على حالنا اليوم، وذلك فيما يتعلق بمسألة المنافع المتبادلة بين الناس، إذ أصبحت العلاقة بين الناس الآن في الغالب مبنية على تبادل المنافع، فتجد أكثر الناس يحرص على أن يعطي ليأخذ، أو أن ينفع ليكسب، أو أن يساعد احتياطاً لحاجته في المستقبل، أو أن يسعى لتحسين علاقاته بالآخرين؛ لأنه يرى أن هذا سينفعه عند الحاجة في الحال أو المآل، وهذه كلها مقاصد أحياناً تضعف الإيمان في القلب، وتقسي القلوب، وتضعف المعاني القلبية التي ذكرها الشيخ، بل إن هذه مقاصد شر، والطامة أنها أصبحت من الأعراف والعادات، بل وغفل عنها كثير من طلاب العلم والوعاظ، مما أدى إلى ضياع بعض المعاني الشرعية، أو فقدناها إلا نادراً. ومن ذلك فقدان الزيارة في الله ، فالآن أكثر الناس إذا زاره أحد من إخوانه أو أصدقائه أو جيرانه، أو ممن يعرفه أو لا يعرفه، فإن أول ما يرِدُ في ذهنه أن له حاجة؛ لأن الزيارة في الله قد انعدمت، وما كان ينبغي أن يكون ذلك، بل ينبغي لطلاب العلم الذين يعرفون هذه المعاني أن يكونوا قدوة للناس في هذا الأمر، وأن يكثروا من الزيارات في الله ، فإن الزيارة في الله كادت أن تفقد، مع أنها في السابق كان لها معنى عظيم، وكانت تمارس بشكل ظاهر بين الناس يعرفها الصغير والكبير، والجاهل والعالم. والأعجب أننا اليوم إذا تحدثنا عن مسألة الزيارة في الله فكأنها مسألة تاريخية تُذكر للصالحين سابقاً، وهذا هو الواقع. أيضاًَ من الظواهر السيئة الموجودة عندنا بسبب ذلك: قلة المجالسة على مبدأ الجلساء الصالحين، فتجد المجالسة والمخالطة بيننا أحياناً، أو اختيار الأصدقاء والجلساء للشخص قد لا تكون مبنية على اختيار الجلساء الصالحين بالمعنى الدقيق، وإنما مبنية على الحاجة، والتحسب للطوارئ ونحو ذلك، وهذه مسألة تضعف الأعمال القلبية. ومن ذلك أيضاً: ضعف الحسبة في تبادل المنافع بين الناس، فتجد أكثر ما يعمله الناس حتى من أعمال الخير أحياناً لا يكون فيه شيء من الحسبة، أو الأمر مختلط فيه بين المقاصد وبين الاحتساب، حتى إن أكثر الناس الآن يفسرون أعمال البر بأن المقصود بها تحسين العلاقة بين الطرفين، وهذه مسألة يجب أن يتنبه لها، ثم إن هذا يؤدي إلى ضعف المقاصد الشرعية في قلوب الناس، وفي علاقاتهم مع بعضهم البعض، وفي تبادل المنافع بينهم. فضعف الحب في الله، وضعفت معاني الألفة والاجتماع والجماعة؛ لأن الناس قد تنافرت قلوبهم بسبب أن أكثرهم يظن أن ما يأتيه من إخوانه من منافع -حتى في أعمال الحسبة وغيرها- غالباً تكون لمقاصد دنيوية. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 130

شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [١١] الاستغاثة التي لا تكون إلا بالله لا يجوز صرفها لغيره سبحانه، لا لنبي مرسل ولا لملك مقرب ولا لصالح من الصالحين، كل ذلك حفاظاً لجناب التوحيد، وبعداً عن الشرك بالله الذي هو أعظم الذنوب، فينبغي على المسلم البعد عن كل ما يخدش توحيده وإيمانه بالله تعالى.

стр. 131

شبهات القائلين بجواز الاستغاثة بالنبي ﵊ وسائر الأنبياء والصالحين إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فبعون الله وتوفيقه نستأنف دروسنا في مجموع الفتاوى المجلد الأول، وسيكون موضوع هذا الدرس متعلق بنوع من أنواع العبودية، ألا وهو الاستعانة وعلاقتها بالاستغاثة، وهل بين الاستعانة والاستغاثة فرق أم لا؟ وبيان ما ينافي التوحيد أو ما ينافي كمال التوحيد في صورتي الاستغاثة والاستعانة بغير الله . ومنشأ جواب شيخ الإسلام عن سؤال طويل تضمَّن بعض الإشكالات والجواب عليها، والعجيب أن السؤال يبدو أنه من عالم أو طالب علم متمكن كما سترون، ولذلك كان أحياناً يعرض السؤال عرض الفاهم، وأحياناً عرض المستفهم، وأحياناً يتضمَّن السؤال بعض الجواب. قال رحمه الله تعالى: [سئل الشيخ ﵀ عمن قال: يجوز الاستغاثة بالنبي ﷺ في كل ما يستغاث الله تعالى فيه، على معنى أنه وسيلة من وسائل الله تعالى في طلب الغوث، وكذلك يستغاث بسائر الأنبياء والصالحين في كل ما يستغاث الله تعالى فيه]. هذه الفقرة قد تضمَّنت شبهة فيها غموض أثرت في مفهوم كثير من الناس قديماً وحديثاً بعد القرون الثلاثة الفاضلة، بينما قبل القرون الثلاثة لم يكن هذا من الإشكالات، حتى إن بعض العلماء التبس عليه الأمر، فأجاب بما يخل بالتوحيد، وهذه المسألة هي الاستعانة والاستغاثة بالمخلوق عموماً، وبالنبي ﷺ على وجه الخصوص، فهل هي وسيلة مباحة أو غير مباحة؟ أو اتخاذ النبي ﷺ وسيطاً في دعاء الرب ، ويسمونه: الوسيلة. لذا فأقول: إن هذه المسألة عند التحقيق -بصرف النظر عن جزئياتها وفروعها- نجد أنها من الشركيات الصريحة في أصلها، لكن قد يختلف الناس في المفاهيم، وقد يجهل بعض الناس أنها شركية، وربما يبدع هذا النوع، أعني: اتخاذ الواسطة بين الله وبين المخلوق، أياً كانت هذه الواسطة من المخلوقات، فإن ذلك شرك. والصورة المباحة منه لا تسمى في الحقيقة واسطة بالمخلوق، وأعني بالصورة: كون الإنسان يتخذ أعماله الصالحة وسيلة عند الله ، فهذا في الحقيقة هو محض العبادة الحقة، والأعمال الصالحة وسيلة عند الله ؛ وهي بذاتها مطلوبة من الله، وهي بذاتها موجهة إلى الله . ودعوى بعض الناس: أن الدعاء صار واسطة أو وسيلة هو في الحقيقة عبث بالألفاظ، أو أنها أعمال صالحة قصد بها وجه الله، فالأعمال الصالحة التي يعملها الإنسان لوجه الله هي من الوسيلة؛ لأنها في حد ذاتها عبادة، لكن لم يتخذ المخلوق فيها واسطة بينه وبين الله، وإنما عبد الله بنفسه، أعني: عبده بدعائه، عبده بالعمل الصالح المخلص، عبده بالنية الصالحة، فهذه هي العبادة في الحقيقة. وتسميتها الوسيلة فيها نوع من العبث كذلك ما أبيح من طلب دعاء الرجل الصالح، وهو أكثر إشكالاً، وهو الذي اتخذه كثير من المبتدعة ذريعة للشرك، إذ إن طلب الدعاء من الرجل الصالح من الوسيلة المباحة، ولم يكن في هذه الصورة عند التحقيق اتخاذ العبد ذلك الإنسان الصالح واسطة بينه وبين الله. فالعبد الصالح ليس هو بذاته واسطة، وإنما هذا الإنسان طلب من رجل صالح آخر أن يدعو له، فكانت الصورة الحقيقية أن ذلك الرجل الداعي طلب من الله مباشرة، وعلى هذا فيكون طالب الدعاء توجه بقلبه إلى الله ليستجيب دعاء ذلك الرجل الآخر. وهذه لولا أنها توقيفية لكانت على القياس العام لا تصح؛ لكن نظراً لأنها جاءت عن النبي ﷺ وأقرها، وعمل بها وعمل بها الصحابة، لكانت من المتشابهات على الأقل، لكن لما أقرت شرعاً عرفنا وجه إقرارها، وهو: أن الإنسان الذي طلب من الرجل الصالح لم يطلبه بذاته، وإنما طلب دعاءه، فصارت الوسيلة هي أن ذلك الداعي دعا الله مباشرة، والطالب للدعاء طلب من الله أن يستجيب دعاء ذلك الداعي، أو رجا من الله وتعلق قلبه بالله في أن يستجيب دعاء ذلك الرجل الصالح، فهذه صورة تختلف عن بقية الصور المشتبهة التي ستأتي من خلال هذا السؤال. لذا فينبغي تحرير هذه المسألة والرجوع فيها إلى كتب أهل العلم، خاصة (التوسل والوسيلة) لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد حرر هذه المسألة تحريراً قوياً، وحشد لها الأدلة من القرآن والسنة وأقوال السلف وأعمالهم وتقريراتهم، فكان تفسيرها أشبه بالإجماع الذي لا ينبغي أن يحاد عنه. قال رحمه الله تعالى: [وأما من توسل إلى الله تعالى بنبيه في تفريج كربة فقد استغاث به، سواء كان ذلك بلفظ الاستغاثة أو التوسل أو غيرهما مما هو في معناهما، وقول القائل: أتوسل إليك يا إلهي برسولك! أو أستغيث برسولك عندك أن تغفر لي استغاثةٌ بالرسول حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم]. هذا الجزء من السؤال يقصد به السائل: أن هناك أناساً يزعمون أنه لا فرق بين الاستغاثة والاستعانة، أو الاستغاثة والتوسل، وأنها كل

стр. 132

جواب شيخ الإسلام عن شبهات القائلين بجواز الاستغاثة بالنبي ﷺ وغيره بدأ شيخ الإسلام ﵀ في الجواب عن هذا السؤال، فجمع هذه القضايا أو الصور الأربع عشرة في أصول فند بعضها مع بعض، كما نجد أن بعض المسائل -ثلاث أو أربع مسائل- جوابها واحد، وبعض المسائل قد فصل في جوابها على أكثر من وجه، لأن السؤال في الحقيقة فيه خلط، وقد اجتمع الخلط فيه من وجهين: الوجه الأول: من جهة السائل، فقد كان يظهر أنه من أهل الحق، فيذكر مداخلاته على السؤال، وهذا مما جعل السؤال متشتتاً. الوجه الثاني: أنه قد جمع شبهات المبتدعة وهي متفرقة ومتفاوتة، وليس بينها نظام ينظمها؛ ولذلك جاء السؤال من أشتات مسائل متفرقة ومن مداخلات السائل؛ لأن السائل نفسه يظهر أن عنده شيئاً من الفقه في الدين، بدليل أنه كان يوجه أحياناً الأسئلة ويجب عليها ضمناً. فالشيخ ﵀ وضع قواعد تنظم جميع الأمور السابقة بصرف النظر عن مفرداتها، كما أنه قد أجاب على بعض رءوس المسائل، وأدخل البعض الآخر في هذه الرءوس. قال رحمه الله تعالى: [ الجواب الحمد لله رب العالمين. لم يقل أحد من علماء المسلمين: إنه يستغاث بشيء من المخلوقات في كل ما يستغاث فيه بالله تعالى، لا بنبي ولا بملك ولا بصالح ولا غير ذلك]. هذا في الحقيقة جواب مجمل محكم، وقاعدة عامة لا يجوز الاستثناء منها إلا بدليل، وسيذكر الاستثناء منها على سبيل التجوز، فيسمى توسلاً، وهو ما حدث من توسل الأعمى بدعاء النبي ﷺ ، وكذلك توسل الصحابة بدعاء العباس والأسود بن يزيد ﵄، وهو توسل بدعائهم جزماً؛ لأن القصة حدثت على هذا الوجه. فالشيخ قعد هذه القاعدة، ولا يستثنى منها إلا صوراً تسمى توسلاً تجوزاً، أو بشرط مفهومها المعلوم بالضرورة؛ لأنها واقعة حدثت وفسرت بنوع معين من التوسل. قال رحمه الله تعالى: [بل هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاقه. ولم يقل أحد: إن التوسل بنبي هو استغاثة به، بل العامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بأمور كقول أحدهم: أتوسل إليك بحق الشيخ فلان]. جواب الشيخ تضمن عدة مسائل: المسألة الأولى: قوله: (لم يقل أحد من علماء المسلمين)، فهذه القاعدة العامة الأولى. القاعدة الثانية: قوله: (بل هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام). أي: أنه لا يستغاث بأحد من المخلوقين فيما لا يستغاث به إلا الله، فجعل ذلك من المعلوم بالضرورة، وليس الأمر فقط اتفق عليه العلماء، وبهذا يكون قد نفى أن يقول أحد من علماء المسلمين المعتبرين بهذا القول.

стр. 133

الفرق بين التوسل بالنبي ﵊ والاستغاثة به قال رحمه الله تعالى: [ولم يقل أحد: إن التوسل بنبي هو استغاثة به، بل العامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بأمور كقول أحدهم: أتوسل إليك بحق الشيخ فلان، أو بحرمته، أو أتوسل إليك باللوح والقلم، أو بالكعبة أو غير ذلك مما يقولونه في أدعيتهم، يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور، فإن المستغيث بالنبي ﷺ طالب منه وسائل له، والمتوسل به لا يدعى ولا يطلب منه ولا يسأل، وإنما يطلب به، وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به]. قوله: (وإنما يطلب به)، أي: يطلب من الله أن يستجيب دعاءه في ذلك المطلوب، وهذا وجه مشروع، وعلى هذا فإنه لم يرد دليل من الشرع، أو أن أحداً من أهل العلم أجاز الاستغاثة بالمخلوق، لا بنبي ولا بصالح ولا غيره، وأن هذا النوع -أي: الاستغاثة بالمخلوق- داخل في عموم الشركيات، وأنه داخل دخولاً أولياً في نوع من أنواع شرك المشركين الذين ذكرهم الله في كتابه بقولهم في شبهتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فكلمة: (ما نعبدهم) عامة يدرج تحتها التوسل والدعاء والتعظيم والتقديس، كما يندرج تحتها ادعاء أن هؤلاء لهم تصريف فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ وكل ذلك لأن العبادة معناها واسع، وأول العبادة هو الدعاء الذي هو محل الإشكال، ولذلك العرب الأوائل الذين تنزل عليهم القرآن فقهوا معنى هذه الآية، ولم يضيع معناها إلا بعد القرون الثلاثة الفاضلة، وذلك حينما كثرت العجمة وقل فقه الناس بالعربية، وحتى العرب ضعف فقههم العربي، وإلا فالآية صريحة في اتخاذ الوسائط والوسائل وما عليه المبتدعون في قوله عن طائفة من المشركين بأنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فجعلوا الغاية التقرب إلى الله، لكنهم أشركوا باتخاذهم هذه الوسائط، والآية صريحة، فهي تضم كل نوع من أنواع اتخاذ الوسائط أياً كان هذا التبرير.

стр. 134

معنى الاستغاثة والاستعانة والنصرة والفرق بينهما وما يجوز طلبه من المخلوق قال رحمه الله تعالى: [والاستغاثة: طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار: طلب النصر، والاستعانة طلب العون، والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه منها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ﴾ [الأنفال:٧٢]، وكما قال: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥]]. هذه الفروق تعتبر وجهاً رابعاً من الجواب، والاستغاثة ليست بمعنى الاستعانة من كل وجه، وعليه فهذه الفروق تبين أن بين الحالتين فروقاً في المعنى والحكم. قال ﵀: [وكما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]. وأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يطلب إلا من الله، ولهذا كان المسلمون لا يستغيثون بالنبي ﷺ ويستسقون به ويتوسلون به، كما في صحيح البخاري: (أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بـ العباس وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا؛ فيسقون). وفي سنن أبي داود: (أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إنا نستشفع بالله عليك، ونستشفع بك على الله، فقال: شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه)، فأقره على قوله: (نستشفع بك على الله) وأنكر عليه قوله: نستشفع بالله عليك]. وهذه صورة خامسة من صور هذا الموضع، ولها حكمها بالتفصيل.

стр. 135

الفرق بين الشفاعة في الآخرة والشفاعة في الدنيا وحكم الشفاعة عند الوعيدية وهذا السادس من صور الفروق. قال رحمه الله تعالى: [وقد اتفق المسلمون على أن نبينا شفيع يوم القيامة، وأن الخلق يطلبون منه الشفاعة، لكن عند أهل السنة أنه يشفع في أهل الكبائر، وأما عند الوعيدية فإنما يشفع في زيادة الثواب]. الشفاعة أولاً توقيفية. والأمر الآخر: أنها يوم القيامة بشروطها المعروفة، وقد ذكرها الله فهي قاطعة، وذلك حينما لا يكون هناك أعمال، ولا تسحب أحكام الشفاعة في الآخرة على أحكام الشفاعة في الدنيا، أو العكس، فلا تسحب أحكام الشفاعة في الدنيا على أحكام الشفاعة في الآخرة؛ لأنها توقيفية، والشفاعة إنما تكون بعد أن تنتهي الأعمال، وأنها أيضاً لها شروط في الشافع والمشفوع له. وأما المقصود بالوعيدية فهم المعتزلة والخوارج؛ وسموا بالوعيدية لأنهم جعلوا الوعيد هو الأصل ولم يستثنوا فيه، ولم يعولوا على الوعد، مع أن الله ورسوله ﷺ قد استثنيا، والوعيد أمر راجع إلى اختيار الله وتقديره ورحمته بعباده، فإن شاء أنفذ وعيده، وإن شاء لم ينفذه، فإن أنفذه فذلك بعدله سبحانه، وإن لم ينفذه فذلك برحمته سبحانه. فهم قد حكموا على الله كما يحكمون على الخلق، فقالوا: بأنه لا يجوز له أن يفعل ذلك، بل حكموا على الله بأسوأ مما يحكمون على الخلق؛ لأن هؤلاء المعتزلة والخوارج لو قال لهم إنسان: إن فلاناً من الناس سلطاناً أو أميراً أو والياً أو والداً هدد واحداً من رعيته ثم عفا عنه. لقالوا: هذا والله كرم وكمال، لكن لما عرفوا وسمعوا أن الله يعفو عمن يشاء من عباده ضاقوا بذلك، وحكموا بالوعيد، وقالوا: أبداً، بل يجب على الله أن ينفذ وعيده، فسمى المعتزلة والخوارج هذا الأمر: إنفاذ الوعيد، فلذا سموا: الوعيدية، وقالوا: لا يجوز لله -تعالى الله عن ذلك، وهذا سوء أدب مع الله ، ولولا أنهم حكوه ما حكيناه، لكن الله قد حكى أقوال أهل الكفر للتنفير منها، ونحن نحكي أقوال أهل البدع للتنفير منها- ولا ينبغي له أن يغفر أو يعذب، فيخرج من النار بعد العذاب إلخ، وقالوا: بوجوب إنفاذ الوعيد على الله سبحانه، وكأنهم أوجبوا على الله ما لم يوجبه على نفسه.

стр. 136

الرد على من قال: إن التوسل إلى الله بنبي يعتبر استغاثة حقيقية بذلك النبي المتوسل به هذا الجزء السابع من الجواب. قال رحمه الله تعالى: [وقول القائل: (إن من توسل إلى الله بنبي فقال: أتوسل إليك برسولك، فقد استغاث برسوله حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم) قد كذب عليهم، فما يعرف هذا في لغة أحد من بني آدم، بل الجميع يعلمون أن المستغاث مسئول به مدعو، ويفرقون بين المسئول والمسئول به، سواء استغاث بالخالق أو بالمخلوق، فإنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على النصر فيه، والنبي ﷺ أفضل مخلوق يستغاث به في مثل ذلك. ولو قال قائل لمن يستغيث به: أسألك بفلان أو بحق فلان، لم يقل أحد: إنه استغاث بما توسل به، بل إنما استغاث بمن دعاه وسأله]. يمكن أن يكون هذا الوجه الثامن من الجواب؛ لأنه قد فرعه على الأول، لكن له استقلالية في المعنى. قال رحمه الله تعالى: [ولهذا قال المصنفون في شرح أسماء الله الحسنى: إن المغيث بمعنى المجيب، لكن الإغاثة أخص بالأفعال، والإجابة أخص بالأقوال].

стр. 137

حكم التوسل بغير نبينا ﷺ هذا الوجه التاسع من الجواب. قال رحمه الله تعالى: [والتوسل إلى الله بغير نبينا ﷺ -سواء سمي استغاثة أو لم يسم- لا نعلم أحداً من السلف فعله، ولا روى فيه أثراً، ولا نعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ من المنع]. يقصد بالشيخ: العز بن عبد السلام، فقد حصر الاستغاثة والاستعانة بالنبي ﷺ ، لكن هل يقصد بشرطها عند السلف أم لا؟ الله أعلم، ما تحققت من هذا بعد. وهل يقصد الصور المشروعة في عهد النبي ﷺ ؟ وذلك حينما كان الصحابة يستغيثون به، يعني: بدعائه ﷺ ، أو يقصد معنى أوسع وهو الظاهر؛ لأن العز بن عبد السلام قد عتب عليه بعض السلف بسبب توسعه في هذا الجانب، لكنه ما أجاز التوسل بغير النبي ﷺ ؛ لوجود الشبهة في حقه ﵊ بالنسبة لمن لم يفهموا حديث استشفاع الأعمى واستشفاع العباس، واستشفاع الصحابة بـ العباس وبـ الأسود وغيرهم. قال رحمه الله تعالى: [ولا نعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ من المنع].

стр. 138

حكم التوسل بالنبي ﷺ شرع الشيخ ﵀ في الوجه العاشر فقال ﵀: [وأما التوسل بالنبي ﷺ ففيه حديث في السنن رواه النسائي والترمذي وغيرهما: (أن أعرابياً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أصبت في بصري فادع الله لي، فقال له النبي ﷺ : توضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد، يا محمد! إني أتشفع بك في رد بصري، اللهم شفع نبيك فيَّ، وقال: فإن كانت لك حاجة فمثل ذلك، فرد الله بصره)، فلأجل هذا الحديث استثنى الشيخ التوسل به]. مع أن هذا الحديث تفسره الروايات الأخرى لكنه مجمل، ولذلك من خصائص منهج السلف ﵏ -وهذا ما ينبغي أن نستمسك به، ونعود طلاب العلم على الاستمساك به-: أنهم في الأمور الغيبية والتوقيفية وأمور العقيدة لا يجوز أخذ نص واحد بدون أن يفسر، فالنص الواحد قد يفسره فهم الصحابة له، وهذا أمر يغفل عنه كثير من الناس، وقد يفسره سياق آخر للحديث؛ لأن الأحاديث أحياناً تساق بإجمال وأحياناً تساق بتفصيل، كما ورد في قصة استشفاع الصحابة بـ العباس، فإنه ورد في الحديث الصحيح أنهم قصدوا بذلك أن يدعو العباس ويؤمنوا وراءه. وكما في قصة الأعمى، فإنه ورد في بعض رواياتها: أن النبي ﷺ دعا له، فكان استشفاعه بمعنى أنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له، فدعا له النبي ﷺ ، لكنه طلب منه قبل ذلك أن يتهيأ بأن يكون قلبه مقبلاً على الله ، وذلك حتى يكون على حال ترضي الله ، بأن يتوضأ ويصلي ركعتين لاجئاً فيها إلى الله بأن يقبل دعاء نبيه محمد ﷺ ، فتأمل كيف فعل ﵊؟ فقد وجهه إلى العبادة المخلصة، ولم يوجهه إلى ذاته ﵊ أو وكله عليه. إذاً: فهذه هي الصورة الصحيحة، ولذلك تميز منهج السلف بمثل هذا التوجيه دائماً، وتميزوا بأن يأخذوا بالنصوص بعمومها، وأن يرجعوها إلى القواعد العامة القاطعة الضرورية، وأن يرجعوها إلى فهم الصحابة أيضاً، وإلا لو فهم الصحابة ذلك الفهم الذي فهمه أهل البدع من أن المقصود بالتوسل بذاته ﷺ فيما لا يقدر عليه إلا الله لفعلوه، وهم بحاجة إليه، لكنهم ما فعلوه، إلا أن يطلبوا من النبي ﷺ الدعاء، وطلب الدعاء منه ﵊ كان على صور: منها: ما يكون بصورة التوسل الظاهر به. ومنها: ما يكون بمجرد طلب الدعاء. ومنها: ما يكون على نحو غيبي، فقد يطلبون في بعض أمورهم أن يقبل الله دعاء نبيه فيهم، وهذا أمر مشروع ولا يزال مشروعاً، لكن هذه الصورة ليست من باب التوسل بمعناه عند أهل البدع. ثم قسم السلف التوسل إلى ثلاثة أقسام: توسل شركي. وتوسل بدعي. وتوسل مشروع. وبناءً على هذه النصوص، فأهل البدع لا يفرقون في ذلك، بل كل أنواع التوسل عندهم مشروعة، فلم يفرقوا بين الممنوع وبين الجائز، ولا بين البدعي وبين الجائز.

стр. 139

أقوال الناس في معنى التوسل بالنبي ﷺ قال رحمه الله تعالى: [وللناس في معنى هذا قولان: أحدهما: أن هذا التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب ﵁ لما قال: (كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)، فقد ذكر عمر ﵁: أنهم كانوا يتوسلون به في حياته في الاستسقاء، ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته، وتوسلهم به هو استسقاؤهم به، بحيث يدعو ويدعون معه، فيكون هو وسيلتهم إلى الله، وهذا لم يفعله الصحابة بعد موته ولا في مغيبه، والنبي ﷺ كان في مثل هذا شافعاً لهم داعياً لهم، ولهذا قال في حديث الأعمى: (اللهم فشفعه فيَّ). فعلم أن النبي ﷺ شفع له، فسأل الله أن يشفعه فيه]. لذلك كثير من أهل البدع أُتوا من قبل العجمة كما ذكر أئمة السلف، ومعنى: العجمة: أنهم لم يفقهوا معاني العربية، فلذلك لم يفرقوا بين معنى قوله: (شفعه فيَّ) وبين المعنى البدعي الذي ظنوه. وقوله: (شفعه فيَّ) معناها: اقبل دعاءه في حقي، أو في طلبي، ولا تأتي بمعنى: (شفع) إلا إذا كانت بمعنى: أن يوجد جهد من النبي ﷺ يبذله، وهذا الجهد هو دعاؤه، ولو كان توسلاً بذات النبي ﷺ ما قال: (شفعه)؛ لأنه لو اعتبر الذات هي النافعة ما اعتبر هذا تشفيعاً، ولا اعتبر هذا توجهاً إلى الذات أو توجهاً إلى الشخص. قال رحمه الله تعالى: [والثاني: أن التوسل يكون في حياته وبعد موته، وفي مغيبه وحضرته، ولم يقل أحد: إن من قال بالقول الأول فقد كفر، ولا وجه لتكفيره، فإن هذه مسألة خفية ليست أدلتها جلية ظاهرة، والكفر إنما يكون بإنكار ما علم من الدين ضرورة، أو بإنكار الأحكام المتواترة والمجمع عليها ونحو ذلك]. هذا الوجه الحادي عشر من جواب الشبهات في السابق، وما سبق فهو تفصيل للوجه العاشر. قال رحمه الله تعالى: [واختلاف الناس فيما يشرع من الدعاء وما لا يشرع، كاختلافهم هل تشرع الصلاة عليه عند الذبح؟ وليس هو من مسائل السب عند أحد من المسلمين. وأما من قال: (إن من نفى التوسل الذي سماه استغاثة بغيره كفر)، وتكفير من قال بقول الشيخ عز الدين]. هذا الوجه الثاني عشر. قال رحمه الله تعالى: [وتكفير من قال بقول الشيخ عز الدين وأمثاله، فأظهر من أن يحتاج إلى جواب، بل المكفر بمثل هذه الأمور يستحق من غليظ العقوبة والتعزير ما يستحقه أمثاله من المفترين على الدين، لا سيما مع قول النبي ﷺ : (من قال لأخيه: كافر، فقد باء بها أحدهما)]. هذا الوجه الثالث عشر. قال رحمه الله تعالى: [وأما من قال: (ما لا يقدر عليه إلا الله لا يستغاث فيه إلا به)، فقد قال الحق، بل لو قال كما قال أبو يزيد: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وكما قال الشيخ أبو عبد الله القرشي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون لكان قد أحسن، فإن مطلق هذا الكلام يفهم الاستغاثة المطلقة، كما قال النبي ﷺ لـ ابن عباس ﵄: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)]. كلام أبي يزيد وهو البسطامي كلام جيد، وتقعيد عظيم، وهذا مما يجعل الباحث يتوقف في نسبة بعض الأشياء التي تعد من خوارم العقيدة التي نسبت إلى أبي يزيد؛ لأنه في الحقيقة يصعب ويبعد أن يكون هذا الكلام الجيد، والذي هو من درر الكلام أن يصدر عن إنسان تنسب له تلك المقالات أو تلك الشطحات التي ذكرها عنه مؤرخة التصوف؛ ولذلك كما قلت -كلما تأتي لي هذه المناسبة أكرر ذلك؛ لأن الإخوان الحاضرين أحسبهم من خيرة طلاب العلم، ومن ذوي المقدرة على البحث-: بأنه لابد من ضرورة تحرير مثل هذه المسائل التي تنسب إلى أبي يزيد البسطامي وابن أبي الحواري والجنيد والتستري وأمثالهم من شطحات أحياناً كفرية. في حين أنه تنسب إليهم مثل هذه الدرر التي تدل على صفاء التوحيد، وتدل على قوة يقين في قضايا العقيدة، وهي في الحقيقة من درر الكلام التي فيها رد مباشر على الذين ينتسبون إلى أبي يزيد البسطامي الآن، ويزعمون أنه أصل بدعهم. ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -في الحقيقة- تحرز وتوقف فيما قاله الناس عن هؤلاء من شطحات، وكذلك قول القرشي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون هي بمعنى قول أبي يزيد البسطامي. إذاً: فهذا التصور صاف في التوحيد، ولا يتأتى معه ما ذكر عن هؤلاء من خوارم، فأرجو من أحد الإخوان أن يبحث هذه المسائل، ولو على الأقل في شخص واحد ليكون أنموذجاً، كـ أبي يزيد أو ابن أبي الحواري أو التستري أو

стр. 140

الأسئلة

стр. 141

الفرق بين التوسل البدعي والتوسل الشركي السؤال نرجو توضيح الفرق بين صورة التوسل البدعي والتوسل الشركي؟ الجواب هذا سيأتي إن شاء الله في درس قادم، لكن الفارق الأولي: هو أن التوسل الشركي هو الذي يكون فيه إشراك مع الله ، سواء في العبادة أو الدعاء أو التوجه إلخ. وأما التوسل البدعي فهو التوسل إلى الله مع إحداث شيء في التوسل لم يكن له أصل في الشرع، كالتوسل ودعاء الله عند القبر، فإذا قصد دعاء صاحب القبر فهو توسل شركي، وإذا جعل الميت أو الحي وسيلة إلى الله ، بمعنى: أنه جعله بذاته وسيلة فهي وسيلة شرك، لكن إذا دعا في هذا المكان أو عند هذا الشخص زاعماً أن هذا المكان مبارك، وأن للدعاء فيه خصوصية، فهذا يسمى توسلاً بدعياً. إذاً: إذا دعا صاحب القبر، أو صرف له نوعاً من أنواع العبادة، فهذا توسل شركي، وإذا قصد المحل أو الشخص، ظاناً أن ذلك من أسباب إجابة الدعاء، أو ظاناً أن ذلك من وسائل إجابة الدعاء، فهذا توسل بدعي، وهذه صورة من صوره.

стр. 142

حكم طلب الدعاء والاستغفار من أهل العلم والفضل السؤال ما رأيكم فيمن يطلب من أهل الفضل والعلم بأن يدعوا له أو يستغفروا له؟ الجواب كون الإنسان يطلب من رجل آخر أن يدعو له لا حرج فيه، لكن بشرط ألا يكثر، وألا يعتمد على دعاء الشخص، وأن يطلب من الله أن يستجيب دعاء الداعي له، وأن يعرف أن هذا الشخص ليس بذاته هو الوسيلة أو الواسطة، وإنما هذا الشخص طُلِب منه فقط أن يدعو الله، فكان الرجاء في أن يقبل الله دعاءه، ويتعلق القلب بالله؛ لعل الله يقبل دعاء ذلك الشخص. أما إذا تعلقت النفس بالشخص نفسه، أو ببركته، أو بالاعتقاد فيه، فذلك إما أن يكون بدعياً أو شركياً.

стр. 143

حكم من أوصى بأن يدفن في مقابر الصالحين السؤال ما حكم إذا أوصى الإنسان بأن يدفن في مقابر الصالحين، كما طلب بعض السلف في الوصية بدفنهم في قبور الصالحين، كما في جبل قاسيون وغير ذلك؟ الجواب هذه مسائل سهلة، كون الإنسان يطلب أن يدفن في مقابر يرجو أن يكون أهلها أقرب إلى الصلاح، فإن شاء الله لا حرج في ذلك، إلا إذا كان يعتقد أن لها شفاعة عند الله ، أو أن الله سيدفع عنه العذاب بسببهم، فهذا لا يجوز، لكن يستأنس بقربهم، ويرجو من الله أن يكون في بيئتهم التي خصهم الله بها، مع أن بعض أهل العلم قال: إذا أوصى أن يقبر في مقبرة فلا تنفذ هذه الوصية إذا كان فيها سفراً أو كانت بعيدة؛ لأن هذا من التكلف في الدين، وهذا هو الأقرب.

стр. 144

حكم دفن موتى المسلمين في مقابر الكفار السؤال ما حكم دفن الموتى من المسلمين في مقابر الكفار؟ الجواب ينبغي للمسلمين أن يدفنوا موتاهم في مقابر المسلمين، ولا يدفنوا موتاهم في مقابر الكفار، وهنا قد يرد إشكال وهو: إذا مات المسلم في بلاد الكفار فما حكم ذلك؟ يجب أن يبحث له عن مقابر للمسلمين، أو ينقل إلى بلاده إذا أمكن ذلك، وبحمد الله قد علمت أن في كثير من البلاد الغربية وغيرها استطاع المسلمون أن يتخذوا لهم مقابر خاصة، وهذا مما يجب على من يموت له قريب أن يدفنه في مقابر المسلمين، ولا يدفنه منفرداً إلا إذا لم يجد له مقبرة لموتى المسلمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 145

شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [١٢] الاستغاثة والاستعانة نوعان: استعانة واستغاثة في شيء لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فلا تطلب من غيره أبداً، واستغاثة واستعانة في شيء يقدر عليه المخلوق، فيجوز طلبها من المخلوق القادر الحي، أما من الميت فلا يطلب منه ذلك أبداً، ومن عرف ذلك وضبطه واجتنب المحذور فيه عصم من تلبيسات وشبه أهل الأهواء والبدع.
следующие страницы →