Полный текст (186 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الفرق بين التوسل البدعي والتوسل الشركي
السؤال
نرجو توضيح الفرق بين صورة التوسل البدعي والتوسل الشركي؟
الجواب
هذا سيأتي إن شاء الله في درس قادم، لكن الفارق الأولي: هو أن التوسل الشركي هو الذي يكون فيه إشراك مع الله ، سواء في العبادة أو الدعاء أو التوجه إلخ.
وأما التوسل البدعي فهو التوسل إلى الله مع إحداث شيء في التوسل لم يكن له أصل في الشرع، كالتوسل ودعاء الله عند القبر، فإذا قصد دعاء صاحب القبر فهو توسل شركي، وإذا جعل الميت أو الحي وسيلة إلى الله ، بمعنى: أنه جعله بذاته وسيلة فهي وسيلة شرك، لكن إذا دعا في هذا المكان أو عند هذا الشخص زاعماً أن هذا المكان مبارك، وأن للدعاء فيه خصوصية، فهذا يسمى توسلاً بدعياً.
إذاً: إذا دعا صاحب القبر، أو صرف له نوعاً من أنواع العبادة، فهذا توسل شركي، وإذا قصد المحل أو الشخص، ظاناً أن ذلك من أسباب إجابة الدعاء، أو ظاناً أن ذلك من وسائل إجابة الدعاء، فهذا توسل بدعي، وهذه صورة من صوره.
стр. 142
حكم طلب الدعاء والاستغفار من أهل العلم والفضل
السؤال
ما رأيكم فيمن يطلب من أهل الفضل والعلم بأن يدعوا له أو يستغفروا له؟
الجواب
كون الإنسان يطلب من رجل آخر أن يدعو له لا حرج فيه، لكن بشرط ألا يكثر، وألا يعتمد على دعاء الشخص، وأن يطلب من الله أن يستجيب دعاء الداعي له، وأن يعرف أن هذا الشخص ليس بذاته هو الوسيلة أو الواسطة، وإنما هذا الشخص طُلِب منه فقط أن يدعو الله، فكان الرجاء في أن يقبل الله دعاءه، ويتعلق القلب بالله؛ لعل الله يقبل دعاء ذلك الشخص.
أما إذا تعلقت النفس بالشخص نفسه، أو ببركته، أو بالاعتقاد فيه، فذلك إما أن يكون بدعياً أو شركياً.
стр. 143
حكم من أوصى بأن يدفن في مقابر الصالحين
السؤال
ما حكم إذا أوصى الإنسان بأن يدفن في مقابر الصالحين، كما طلب بعض السلف في الوصية بدفنهم في قبور الصالحين، كما في جبل قاسيون وغير ذلك؟
الجواب
هذه مسائل سهلة، كون الإنسان يطلب أن يدفن في مقابر يرجو أن يكون أهلها أقرب إلى الصلاح، فإن شاء الله لا حرج في ذلك، إلا إذا كان يعتقد أن لها شفاعة عند الله ، أو أن الله سيدفع عنه العذاب بسببهم، فهذا لا يجوز، لكن يستأنس بقربهم، ويرجو من الله أن يكون في بيئتهم التي خصهم الله بها، مع أن بعض أهل العلم قال: إذا أوصى أن يقبر في مقبرة فلا تنفذ هذه الوصية إذا كان فيها سفراً أو كانت بعيدة؛ لأن هذا من التكلف في الدين، وهذا هو الأقرب.
стр. 144
حكم دفن موتى المسلمين في مقابر الكفار
السؤال
ما حكم دفن الموتى من المسلمين في مقابر الكفار؟
الجواب
ينبغي للمسلمين أن يدفنوا موتاهم في مقابر المسلمين، ولا يدفنوا موتاهم في مقابر الكفار، وهنا قد يرد إشكال وهو: إذا مات المسلم في بلاد الكفار فما حكم ذلك؟ يجب أن يبحث له عن مقابر للمسلمين، أو ينقل إلى بلاده إذا أمكن ذلك، وبحمد الله قد علمت أن في كثير من البلاد الغربية وغيرها استطاع المسلمون أن يتخذوا لهم مقابر خاصة، وهذا مما يجب على من يموت له قريب أن يدفنه في مقابر المسلمين، ولا يدفنه منفرداً إلا إذا لم يجد له مقبرة لموتى المسلمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 145
شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [١٢]
الاستغاثة والاستعانة نوعان: استعانة واستغاثة في شيء لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فلا تطلب من غيره أبداً، واستغاثة واستعانة في شيء يقدر عليه المخلوق، فيجوز طلبها من المخلوق القادر الحي، أما من الميت فلا يطلب منه ذلك أبداً، ومن عرف ذلك وضبطه واجتنب المحذور فيه عصم من تلبيسات وشبه أهل الأهواء والبدع.
стр. 146
القائلون بمنع الاستغاثة بالنبي ﵊ وغيره وأدلتهم
стр. 147
الأدب مع العلماء وغيرهم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فلا زلنا في موضوع الاستغاثة والاستعانة والاستشفاع ومعانيها الشرعية، وما ينافي المعاني الشرعية من المفاهيم والمعاني البدعية.
قال رحمه الله تعالى: سئل شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ﵁: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين، وفقهم الله لطاعته فيمن يقول].
من الأشياء التي ينبغي على طلاب العلم أن يتفطنوا لها التنبيه على ما كان عليه سلف هذه الأمة من التأدب مع كل من له قدر، فتلاحظون في صيغة السؤال ما هو سائد عند المسلمين في جميع الأعصار والأمصار إلى وقت قريب، ولا يزال على هذا كثير من طلاب العلم، لكن ظهرت عند بعض الناس مظاهر الجفوة؛ لأسباب كثيرة لسنا بصدد ذكرها، لكن أحب أن أنبه إلى أن مثل هذه الصياغة التي قدم بها السائل لشيخ الإسلام ابن تيمية هي مقتضى الأدب، وينبغي أن ننبه على ذلك، بل يجب على طلاب العلم أمثالكم أن ينبهوا على تربية أبناء المسلمين في هذا العصر على مثل هذا الأدب مع كل مَن مِن حقه الأدب: كالأدب مع الوالدين، والأدب مع الإخوة، والأدب مع طالب العلم، والأدب مع العالم، والأدب مع المسئول ومع الوالي، والأدب مع كل من كان له اعتبار في المجتمع، أو له اعتبار يستحق به أن يكون من أصحاب المقامات، سواء كانت مقامات شرعية، أو مقامات اعتبارية، أو مقامات اجتماعية لها وزنها في العرف العام وغيرها.
لذا كان أصحاب المقامات لا بد أن نخاطبهم بقدر مقاماتهم، ولذلك كان خطاب الأنبياء لكبراء القوم فيه شيء من اللين، وشيء من اعتبار المقام كما أرشد الله نبيه موسى ﵇ في خطابه لفرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ [طه:٤٤]، فكان توجيه الله لأنبيائه ورسله أن يخاطبوا الناس بقدر عقولهم، وأن يخاطبوا الملوك والعظماء بقدر مقاماتهم؛ لأن هذا أدعى للين القلوب ورقتها وقبولها للحق.
ثم بعد ذلك نجد أن هذا من هدي النبي ﷺ ، فكان يقدر للناس أقدارهم، ولذلك كان يخص المؤلفة قلوبهم بما لا يخص غيرهم من الامتيازات، حتى كبار الصحابة، الامتيازات المادية والاعتبارات والجاه وغير ذلك، وخير مثال على ذلك: أن النبي ﷺ لما أراد أن يؤلف قلب أبي سفيان ﵁ في أول إسلامه قال: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)، وكان يمكن لو كان على فكر بعض الناس اليوم لقال: هذا صعلوك، إن شاء أسلم، وإن شاء لم يسلم.
يمكن أن يقول بعض الناس هذه المقالة على مبدأ كثير من الناس، أو كثير من المتعالمين اليوم.
ولذا نجد هذا أيضاً في صور كثيرة من كبار الصحابة والتابعين ومن تبعهم من أئمة الهدى، أعني: التأدب واعتبار المقامات للناس.
مع أن هذا السؤال ليس غريباً، فهو لشيخ الإسلام ابن تيمية، لكن مع ذلك أقول: إنه قاعدة لكل من أراد أن يتعامل مع الآخر بأن يقدر له قدره.
стр. 148
عدم جواز الاستغاثة والاستعانة بالمخلوق في باب الدعاء وفيما لا يقدر عليه إلا الله
قال رحمه الله تعالى: [ما تقول السادة العلماء أئمة الدين، وفقهم الله لطاعته فيمن يقول: لا يستغاث برسول الله ﷺ ، هل يحرم عليه هذا القول؟ وهل هو كفر أم لا؟ وإن استدل بآيات من كتاب الله وأحاديث رسوله ﷺ هل ينفعه دليله أم لا؟ وإذا قام الدليل من الكتاب والسنة فما يجب على من يخالف ذلك، أفتونا مأجورين؟].
قد تلاحظون من السؤال شدة التباس الأمر على السائل، وهذا يدل على أن تلبيس أهل الأهواء والبدع على المسلمين قد وقع موقعه في قلوب كثير من العامة في ذلك العصر، فكيف بعصورنا المتأخرة؟! إذاً: تلبيس أهل الأهواء والبدع على الناس، وقلبهم للحقائق حتى جعلوا الحق باطلاً والباطل حقاً.
والسؤال هنا يجعل القارئ يتردد: هل القصد بالحكم بالكفر على من قال السنة أو على من قال البدعة؟ وعلى أي حال فالسؤال يتعلق بالاستغاثة بالمخلوق، ويدل السؤال على أنه قد وجد في عهد شيخ الإسلام ابن تيمية من أهل الأهواء والبدع والطرق والفرق والجماعات من جعل الاستغاثة برسول الله ﷺ من دون الله من أساسيات الدين، وجعل الاستغاثة بالمخلوق من أعظم العبادة، حتى إنهم ظنوا أن من أنكر هذا فهو كافر، ولذلك تجد السؤال فعلاً يظهر من خلال سياقه اللبس.
وكما أنه معلوم -كما يقرره الشيخ- أنه لا يجوز الاستغاثة والاستعانة بغير الله من باب الدعاء، أو فيما لا يقدر عليه إلا الله.
والسؤال فيما يظهر أنه ليس فيما يقدر عليه المخلوق؛ لأن ما يقدر عليه المخلوق أمر لا يحتاج إلى سؤال، وليس هو محل إشكال؛ لأنه بدهي فطري، فلا معنى أن تقول لأخيك: ناولني القلم، فهذه استعانة، لكن استعانة بما يقدر عليه، وليس فيها أي حرج، ولا يرد فيها أي إشكال، وإنما ورد الإشكال في الأمور البدعية والشركية، والاستعانة بغير الله ، والاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وصرف العبادة لغير الله.
إذاً أقول: هذا الأمر الصريح الشركي في خروجه عن العقيدة والدين قد صار محل إشكال؛ بسبب تلبيس الملبسين من أهل البدع والأهواء.
стр. 149
ثبوت شفاعات الرسول ﷺ في الآخرة
قال رحمه الله تعالى: [فأجاب: الحمد لله، قد ثبت بالسنة المستفيضة، بل المتواترة واتفاق الأمة أن نبينا ﷺ الشافع المشفَّع، وأنه يشفع في الخلائق يوم القيامة، وأن الناس يستشفعون به، يطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم، وأنه يشفع لهم.
ثم اتفق أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر، وأنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد.
وأما الخوارج والمعتزلة فأنكروا شفاعته لأهل الكبائر، ولم ينكروا شفاعته للمؤمنين، وهؤلاء مبتدعة ضلال، وفي تكفيرهم نزاع وتفصيل].
هذا الكلام كله في الشفاعة يوم القيامة، ولا شك أن الشفاعة للنبي ﷺ يوم القيامة ثابتة بشروطها، بل له ﵊ عدة شفاعات ثابتة بشروطها، وبعضها متواتر، كشفاعته لأهل الكبائر، والذي من أنكره فقد أنكر معلوماً من الدين بالضرورة.
قال ﵀: [وأما من أنكر ما ثبت بالتواتر والإجماع فهو كافر بعد قيام الحجة، وسواء سمى هذا المعنى استغاثة أو لم يسمه].
стр. 150
حكم الاستشفاع والتوسل به ﵊ في حياته وبعد مماته
ثم قال ﵀: [وأما من أقر بشفاعته وأنكر ما كان الصحابة يفعلونه من التوسل به والاستشفاع به، كما رواه البخاري في صحيحه عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بـ العباس بن عبد المطلب، وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون.
وفي سنن أبي داود وغيره: (أن أعرابياً قال للنبي ﷺ : جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال، فادع الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فسبح رسول الله ﷺ حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، وقال: ويحك! إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك)، وذكر تمام الحديث فأنكر قوله: (نستشفع بالله عليك)، ولم ينكر قوله: (نستشفع بك على الله)، بل أقره عليه، فعلم جوازه، فمن أنكر هذا فهو ضال مخطئ مبتدع، وفي تكفيره نزاع وتفصيل.
وأما من أقر بما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع من شفاعته والتوسل به ونحو ذلك، ولكن قال: لا يدعى إلا الله، وأن الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله لا تطلب إلا منه، مثل غفران الذنوب، وهداية القلوب، وإنزال المطر، وإنبات النبات ونحو ذلك، فهذا مصيب في ذلك، بل هذا مما لا نزاع فيه بين المسلمين أيضاً، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]، وقال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، وكما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:٣]، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦]، وقال: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]].
قبل أن يقول الشيخ القول الفصل في موضوع مقدمات الشفاعة هنا، فإنه سيتكلم عن هذا في فصول قادمة كثيرة، وسيأتي قريباً إن شاء الله كل كتاب (التوسل والوسيلة).
لكن أحب أن أنبه على أن الشيخ هنا لم يفصح عن مسألة قد ينساها بعض الناس من خلال قراءة هذا المقطع، ألا وهي: أنه حينما ذكر استشفاع الصحابة بالنبي ﷺ لا شك أنه يقصد استشفاعهم به وهو حي، وهذا أمر معلوم بالضرورة؛ لأن الصحابة ﵃ ما كانوا يستشفعون به وهو ميت، والاستشفاع بالنبي ﷺ أنواع كثيرة، لكن أهمها: طلب الشفاعة منه يوم القيامة، وهذا أمر يحدث بشروطه وفي وقته، ولا يحدث قبل القيامة، وكون الخلائق يطلبون منه ﷺ الشفاعة لهم عند الله حتى يفصل بينهم، وكون أهل الجنة -نسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم- يطلبون منه أن يشفع لهم عند ربهم حتى يفتح لهم الجنة، وكونه ﷺ يشفع لأهل الكبائر من أمته بأن يخرجوا من النار، فكل ذلك من الشفاعات في الآخرة التي لا تحدث في الدنيا، وإنما تحدث يوم القيامة، لكن بشروطها، ولا مزيد عما ورد فيها.
وأما الشفاعة به ﷺ في الدنيا فهي على نوعين: الأول: الاستشفاع به ﵊ وهو حي، بمعنى: أن يطلب منه أن يدعو الله ، سواء لإنسان بذاته أو للمسلمين عموماً في نفع عام أو نفع خاص، فهذا جائز ومشروع، والصحابة كانوا يفعلونه.
الثانية: الاستشفاع به أو بدعائه وهو ميت، وهذا لا شك أنه من أبواب الشرك؛ لأن النبي ﷺ مات ولم يعد يستجيب لأحد، وهو كغيره من سائر الأموات، وإن كان النبي ﷺ قد خص ببعض الخصائص، كأن يرد السلام على من سلَّم عليه في أي مكان، فهذه الخصيصة لا دخل لها في مسألة استجابة الدعاء، وإنما هذه خاصة برد السلام فقط.
فإذاً: لا يجوز ولا يشرع، بل من البدع المغلظة وأحياناً من الشرك دعاء النبي ﷺ والاستشفاع به وهو ميت، سواء عند قبره، أو بعيداً عن قبره.
стр. 151
المعاني والعبارات الواردة في الكتاب والسنة وغيرهما نفياً وإثباتاً
قال رحمه الله تعالى: [فالمعاني الثابتة بالكتاب والسنة يجب إثباتها، والمعاني المنفية بالكتاب والسنة يجب نفيها، والعبارة الدالة على المعاني نفياً وإثباتاً إن وجدت في كلام الله ورسوله ﷺ وجب إقرارها، وإن وجدت في كلام أحد وظهر مراده من ذلك رتب عليه حكمه، وإلا رُجع فيه إليه].
هذه في الحقيقة قاعدة عظيمة، لكن فيها غموض، وهي قوله: (فالمعاني الثابتة في الكتاب والسنة يجب إثباتها) فقصده بالمعاني: المعاني العامة المجملة التي إما أن يفهمها عامة الناس، أو يفهمها أهل العلم ويستنبطوها بقواعد وبأصول، وهذه المعاني الثابتة في الكتاب والسنة يجب إثباتها، بمعنى: يجب أن تكون هي المرجع وهي قواعد الدين؛ لأنه ليس المقصود هنا مجرد المعاني اللفظية الفردية؛ لأن هذه قد يتنازع عليها الناس، ولذلك ينبغي أن يتعود طلاب العلم في تبصير الناس في دينهم أن يبصّروهم بمجملات الدين، ولا يدخلون عليهم التفاصيل وتفصّل لهم، ومن هنا أحب أن أنبه كثيراً من أهل العلم الذين يخطئون في تعليم الناس، سواء في المساجد أو في الدروس الخاصة أو في المدارس أو غيرها، فيدخلون في تفاصيل قضايا الدين، وهذا في الغالب يكون فيه فتنة على الناس، لذا ينبغي على طلاب العلم أن يُعلّموا الناس الدين بقدر مداركهم، وإذا كانت المجالس فيها العامة والخاصة فينبغي أن تراعى العامة قبل الخاصة، وإذا كانت المجالس فيها طلاب علم وعوام فينبغي أن يراعى العوام قبل طلاب العلم، ولا تتحدث بحديث قد تدخل الآخرين في عماية وشك وحيرة، ولذلك كان السلف يطردون القُصّاص من المساجد؛ لأنهم يحدثون الناس بما لا يعرفون، مع أن أكثر ما يحدثون به قد يكون حقاً.
ومن هنا فهذه الجملة جملة عظيمة جداً، أعني: جملة: (المعاني الثابتة بالكتاب والسنة يجب إثباتها، والمعاني المنفية بالكتاب والسنة يجب نفيها في الجملة) أما إذا دخل التفصيل فقد يكون فيه نزاع، وقد يكون فيه خلاف، وقد يختلف الناس في فهمه إلى آخره.
ثم قال: (والعبارة الدالة على المعاني نفياً وإثباتاً إن وجدت في كلام الله ورسوله ﷺ وجب إقرارها) يعني: إقرارها كما جاءت، فإن فُهمت فبها ونعمت، وإن لم تفهم فيجب الالتزام بلفظها والتسليم، ولا تكون محل نزاع أو محل نظر ولا ترد عليها الإشكالات؛ لأن إيراد الإشكالات على معاني ألفاظ الكتاب والسنة إنما هو في الغالب فيه نوع من المشاقّة لله تعالى ولرسوله ﷺ .
стр. 152
قاعدة في الحكم على الناس أو لهم
قال: (وإن وجدت في كلام أحد وظهر مراده من ذلك رتب عليه حكمه، وإلا رُجع فيه إليه) هذه أيضاً قاعدة مهمة في الحكم على الناس أو لهم، فإذا حكمت على أحد أو لأحد بكلامك، فإن كان كلامه بيناً واضحاً فلك ذلك، وإذا لم يكن بيناً فلا تحمله على ما لا يحتمل، ويبقى المحمل الحسن هو الأصل، ثم إذا ظهر مراد الشخص من كلامه رُتّب عليه الحكم، يعني: سواء بالتخطئة أو التصويب أو ما يترتب على التخطئة أو التصويب، ولذلك ينبغي أن يحذر الناس من التكلّف في معاني ما يصدر عن الآخرين، ويجب أن يستصحب في الأصل حال الناس العامة، فقد يكون المتكلم له حال خاصة، كأن يكون متمذهباً أو متحزّباً، أو يكون صاحب سنة، فلا مانع من استصحاب حاله في هذا الأمر إذا ثبت موجب هذا الاستصحاب.
إذاً أقول: هذه قواعد عظيمة في الحقيقة ينبغي أن نستفيد منها، وأن نعرف ما يترتب عليها من فروع جيدة ومفيدة لنا في حياتنا العلمية والعملية.
стр. 153
معنى الغياث والمغيث وهل هو من أسماء الله
قال رحمه الله تعالى: [وقد يكون في كلام الله ورسوله ﷺ عبارة لها معنى صحيح، لكن بعض الناس يفهم من تلك غير مراد الله ورسوله ﷺ ، فهذا يرد عليه فهمه، كما روى الطبراني في معجمه الكبير (أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال أبو بكر الصديق ﵁: قوموا بنا لنستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : إنه لا يُستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله)، فهذا إنما أراد به النبي ﷺ المعنى الثاني، وهو أن يُطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، وإلا فالصحابة كانوا يطلبون منه الدعاء ويستسقون به كما في صحيح البخاري عن ابن عمر قال: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ يستسقي، فما ينزل حتى يجيش له ميزاب.
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل وهو قول أبي طالب؛ ولهذا قال العلماء المصنفون في أسماء الله تعالى: يجب على كل مكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله، وأن كل غوث فمن عنده، وإن كان جعل ذلك على يدي غيره فالحقيقة له ولغيره مجاز.
قالوا: من أسمائه تعالى المغيث والغياث، وجاء ذكر المغيث في حديث أبي هريرة قالوا: واجتمعت الأمة على ذلك.
وقال أبو عبد الله الحليمي: الغياث هو المغيث، وأكثر ما يقال: غياث المستغيثين، ومعناه: المدرك عباده في الشدائد إذا دعوه ومجيبهم ومخلّصهم، وفي خبر الاستسقاء في الصحيحين: (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا).
يقال: أغاثه إغاثة وغياثاً وغوثاً، وهذا الاسم في معنى المجيب والمستجيب، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩]، إلا أن الإغاثة أحق بالأفعال، والاستجابة أحق بالأقوال، وقد يقع كل منهما موقع الآخر].
стр. 154
الفرق بين المستغيث والداعي وحكم الاستغاثة والاستعانة بصفات الله تعالى
قال رحمه الله تعالى: [قالوا: الفرق بين المستغيث والداعي: أن المستغيث ينادي بالغوث، والداعي ينادي بالمدعو والمغيث.
وهذا فيه نظر، فإن من صيغة الاستغاثة: يا لله للمسلمين، وقد روي عن معروف الكرخي أنه كان يكثر أن يقول: وا غوثاه، ويقول: إني سمعت الله يقول: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩]، وفي الدعاء المأثور: (يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك).
والاستغاثة برحمته استغاثة به في الحقيقة، كما أن الاستعاذة بصفاته استعاذة به في الحقيقة، وكما أن القسم بصفاته قسم به في الحقيقة، ففي الحديث: (أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق)، وفيه (أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك).
ولهذا استدل الأئمة فيما استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق بقوله: (أعوذ بكلمات الله التامة).
قالوا: والاستعاذة لا تصلح بالمخلوق].
يقصد الشيخ أن كلمات الله من كلامه الذي هو صفته، وعلى هذا فإن كلام الله غير مخلوق؛ لأن صفات الله غير مخلوقة جزماً، ولذلك ورد الاستعاذة بكلمات الله التامة، ولا يجوز الاستعاذة بالمخلوق، فلو كانت كلمات الله مخلوقة ما استعاذ بها النبي ﷺ ولا جازت الاستعاذة بها، ولو كانت كلمات الله مخلوقة بما فيها القرآن أو شيء من كلمات الله مخلوق ما جاز الاستعاذة بها؛ لأنه لا يجوز الاستعاذة إلا بالله أو بصفاته، فدل ذلك دلالة قاطعة على أن كلمات الله هي صفته وليست مخلوقة.
قال رحمه الله تعالى: [وكذلك القسم، قد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، وفي لفظ: (من حلف بغير الله فقد أشرك) رواه الترمذي وصححه، ثم قد ثبت في الصحيح: الحلف بعزة الله، ولعمر الله ونحو ذلك مما اتفق المسلمون على أنه ليس من الحلف بغير الله الذي نهي عنه].
стр. 155
معنى الاستغاثة المثبتة والاستغاثة المنفية عن الرسول ﷺ
قال رحمه الله تعالى: [والاستغاثة بمعنى: أن يُطلب من الرسول ﷺ ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم، ومن نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به، وإما مخطئ ضال.
وأما بالمعنى الذي نفاه رسول الله ﷺ فهو أيضاً مما يجب نفيها، ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضاً كافر إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها.
ومن هذا الباب قول أبي يزيد البسطامي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق.
وقول الشيخ أبي عبد الله القرشي المشهور بالديار المصرية: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون.
وفي دعاء موسى ﵇: اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك.
ولما كان هذا المعنى هو المفهوم منها عند الإطلاق، وكان مختصاً بالله، صح إطلاق نفيه عما سواه، ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوّز مطلق الاستغاثة بغير الله، ولا أنكر على من نفى مطلق الاستغاثة عن غير الله.
وكذلك الاستغاثة أيضاً فيها ما لا يصلح إلا لله، وهي المشار إليها بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فإنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله، وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه، وكذلك الاستنصار، قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال:٧٢]، والنصر المطلق: هو خلق ما به يُغلب العدو ولا يقدر عليه إلا الله.
ومن خالف ما ثبت بالكتاب والسنة فإنه يكون إما كافراً، وإما فاسقاً، وإما عاصياً، إلا أن يكون مؤمناً مجتهداً مخطئاً فيثاب على اجتهاده، ويُغفر له خطؤه، وكذلك إن كان لم يبلغه العلم الذي تقوم عليه به الحجة، فإن الله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وأما إذا قامت عليه الحجة الثابتة بالكتاب والسنة فخالفها، فإنه يُعاقب بحسب ذلك، إما بالقتل، وإما بدونه، والله أعلم.
стр. 156
فصل مسميات ما يعبد من دون الله
стр. 157
الرد على أهل البدع القائلين بجواز اتخاذ الوسائط بكل مسمياتها بينهم وبين الله
قال رحمه الله تعالى: [فصل سمى الله آلهتهم التي عبدوها من دونه شفعاء كما سماها شركاء في غير موضع].
يريد الشيخ هنا أن يقرر قضية التبست على كثير من أهل البدع والأهواء والافتراق، وخاصة أصحاب التوسلات البدعية، ألا وهي أنهم زعموا أن هناك فرقاً بين عبادة من يقدّسونهم وبين جعلهم وساطة بينهم وبين الله، فجعلوا الوساطة جائزة، والعبادة المباشرة ممنوعة، فهو ﵀ يريد أن يقرر أن مسألة اتخاذ الشفعاء من دون الله بجميع الأسماء، سواء سمّيت وساطة أو سمّيت شفاعة أو سمّيت وجاهة أو سمّيت ولاية أو سمّيت بأي اسم من الأسماء، وما دام دخل فيها اتخاذ العبد من دون الله وسيلة فهذه هي البدعة وهو المحرم، وقد يكون شركاً، وهذا هو الذي رده الله على طائفة المشركين قولهم فيه، وهم الذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
إذاً: الشرك الذي وقع فيه المشركون قديماً وحديثاً على نوعين: منه شرك مباشر وهو عبادة غير الله بقصد العبادة والتقديس والتعظيم.
والآخر وهو الملبس والذي وقع فيه أكثر الذين وقعوا في الشرك من هذه الأمة، وهو: اتخاذ الوسائط من دون الله، سواء من الأولياء الأحياء أو الأموات، أو الأشخاص أو الأشجار أو الأحجار أو المشاهد أو العباد، فكل هذه الوسائل أو الوسائط سواء كان على سبيل التقديس أو على سبيل التوسط أو على سبيل التبرك البدعي أو نحو ذلك، فكله يدخل في الوسائط الممنوعة، وأغلبها من الصور الشركية، وقد يكون من الصور البدعية المغلّظة.
واتخاذ الشفعاء بزعم أنهم ليسوا هم المعبودين من دون الله غير صحيح؛ لأنهم في الحقيقة قد وجهوا لهم العبادة من حيث ظنوا أنهم سيشفعون لهم عند الله ، والشفاعة كما هو معلوم لا تجوز إلا بشروطها وضوابطها، وليست على نحو ما يفعله أهل البدعة، وليس في الدنيا الآن شفاعة تدخل في باب الشفاعة في الآخرة أو تكون وسيلة أو ممهدة للشفاعة في الآخرة، وإنما الشفاعة لا تأتي إلا في وقتها، أي: يوم القيامة.
فإذاً: كل ما سموه شفاعة أو وساطة أو غيره إنما هو نوع من الشرك.
قال رحمه الله تعالى: [سمى الله آلهتهم التي عبدوها من دونه شفعاء، كما سماها شركاء في غير موضع، فقال في يونس: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨]، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤]، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ [الروم:١٢ - ١٣].
وجمع بين الشرك والشفاعة في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣].
فهذه الأربعة هي التي يمكن أن يكون لهم بها تعلق: الأول: ملك شيء ولو قل.
الثاني: شركهم في شيء من الملك، فلا ملك ولا شركة ولا معاونة يصير بها نداً، فإذا انتفت الثلاثة بقيت الشفاعة فعلقها بالمشيئة.
وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [النجم:٢٦]، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء:٥٦]، وقال في اتخاذهم قرباناً: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، وقال: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف:٢٨]].
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 158
شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [١٣]
الشفاعة نوعان: شفاعة صحيحة وهي الشفاعة المثبتة بشروطها، وشفاعة غير صحيحة وهي الشفاعة المنفية عن الذين لم يحققوا أصلي الإيمان: الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، التوحيد والمعاد، أما أهل الكبائر من هذه الأمة فقد ثبتت الشفاعة في حقهم بالنص خلافاً لمن أنكرها من الخوارج والمعتزلة وغيرهم.
стр. 159
فصل في الشفاعة المنفية في القرآن
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد.
فبعون الله وتوفيقه نستأنف دروسنا في الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقد وصلنا إلى موضوع الشفاعة، والحديث عن الشفاعة هو استكمال للحديث عن الاستغاثة والاستعانة، وكما تلاحظون أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في حديثه عن العبودية قد ركّز في هذه الفصول والتي تليها على أعظم وأكثر أنواع العبادة استعمالاً من العباد، وهي مسألة الاستعانة عموماً، والتي يتجزأ منها ويدخل فيها الاستغاثة، كما تدخل فيها أيضاً الشفاعة، والاستعانة بابها واسع تشمل جميع أنواع الدعاء التي فيها استعانة واستغاثة ونحو ذلك، بينما الاستغاثة جزء من الاستعانة، وكذلك الشفاعة هي جزء من الاستعانة.
وقد تكلم الشيخ في الفصلين السابقين عن موضوع الاستغاثة ومال إلى التفريق بين الاستغاثة وعموم الاستعانة، وذكر صوراً من الاستغاثة.
ولعلي أذكّر بخلاصة في موضوع الاستغاثة فأقول: إن الاستغاثة هي الاستعانة التي يصحبها شيء من الإلحاح، وطلب العون العاجل، وعلى هذا فهي أخص من عموم الاستعانة.
أما الشفاعة فلها لون آخر من الاستعانة، وهي اتخاذ الوسيط مع أصل للانتفاع بهذا الاتخاذ، والشفاعة قد تكون صحيحة وهي الشفاعة المثبتة بشروطها، وقد تكون غير صحيحة وهي الشفاعة المنفية، وهذا ما سيتحدث عنه شيخ الإسلام في هذا الفصل والذي يليه.
قال رحمه الله تعالى: [فصل: في الشفاعة المنفية في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة:٤٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:١٢٣]، وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤]، وقوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١]، وقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨]، وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف:٥٣] وأمثال ذلك].
стр. 160
سبب فساد احتجاج الخوارج والمعتزلة وغيرهم على نفي الشفاعة لأهل الكبائر وغير ذلك
قال رحمه الله تعالى: [واحتج بكثير منه الخوارج والمعتزلة على منع الشفاعة لأهل الكبائر، إذ منعوا أن يُشفع لمن يستحق العذاب، أو أن يخرج من النار من يدخلها، ولم ينفوا الشفاعة لأهل الثواب في زيادة الثواب].
هذا تناقض، وعلى أي حال فمسألة احتجاج الخوارج والمعتزلة ومن سلك سبيلهم بظاهر هذه الآيات على منع الشفاعة مطلقاً، رغم أنهم تناقضوا فيما بعد فأثبتوا نوعاً من الشفاعة، أقول: إن هذا يعد من المناهج التي ضلت بها الفرق عموماً في الاستدلال، والتي حادوا بها عن الحق، فوقعوا في الخلط والخبط والتناقض والاضطراب، ورد الحق البيّن، بل رد المتواتر من النصوص، هذا المنهج المعوج يتمثل في الاستدلال ببعض النصوص دون الرجوع إلى القواعد الحاكمة لها، أو إلى النصوص الأخرى الحاكمة عليها، ذلك أن نصوص الشرع بعضها للقياس في القواعد العامة الحاكمة، وبعضها جزئياً لا بد أن يرد إلى القواعد الحاكمة، ثم إن نصوص الشرع لا بد أن يؤخذ بجملتها، ذلك أن المستدل إذا أراد أن يستدل على قضية معينة لا بد أن يستقرئ النصوص الثابتة كلها من القرآن والسنة، ثم يجمع النصوص الواردة في مسألة معينة وينظر فيها، فقد يجد فيها العام الذي له مخصص، وقد يجد فيها المطلق الذي له ما يقيده، وقد يجد فيها المجمل الذي له ما يفسره ويبينه، وقد يجد فيها الناسخ والمنسوخ إلى آخر ذلك.
وهذه القاعدة، أعني: رد النصوص بعضها إلى بعض، والاستدلال بمجموع النصوص، قاعدة قد اختلت عند الخوارج والمعتزلة، فصاروا يضربون النصوص بعضها ببعض، ولا يرجعون النصوص إلى النصوص الأخرى، وعلى سبيل المثال: نصوص الشفاعة هذه التي أوردها المؤلف ﵀، فتُشعر بأنه لا شفاعة مطلقاً، وذلك دون النظر إلى النصوص الأخرى، مثل قوله : ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] وغيرها من النصوص التي تضع للشفاعة المثبتة شروطاً وضوابط، وتضع لمنع الشفاعة استثناءات، وهذه الاستثناءات هي التي تعرف بشروط الشفاعة المثبتة.
وعليه فأقول: إن هذا منهج تسلكه كثير من الفرق، فيستدلون ببعض النصوص دون النظر في البعض الآخر، وهذا الخلل قد يوجد عند الفرق، وقد يوجد عند أفراد ممن يقل فقههم في الدين، بمعنى: لا يظن ظان أنه لا يقع في هذا الانحراف في الاستدلال إلا الفرق، أو من كان على سبيل الفرق، بل قد يقع المتعالي المغرور وقليل الفقه وقليل العلم، ومن لم يتورع ومن لم يرجع إلى العلماء، ومن لم يأخذ العلم على أصوله الصحيحة، ولذلك ترون من يقع في نزعات الخوارج والمعتزلة وغيرهم من أفراد قد لا يكونون من أهل هذه الفرق، لكنهم سلكوا هذا المسلك، وهو عدم الأخذ بأصول الاستدلال، وعدم فقه منهج الاستدلال الذي عليه السلف، فترد النصوص بعضها إلى بعض، والنظر إلى النصوص بمجموعها، ولذلك يشترط النظر في القواعد العامة وفي مناهج الدين الرسوخ في العلم، وأهم ضوابط وشروط الرسوخ في العلم بعد الأمور القلبية من إخلاص وصدق وغيرها: الإحاطة بالنصوص، ولذلك ندرك خطورة المسالك الحديثة التي سلكها كثير من طلاب العلم، عندما حرصوا على التخصصات دون العلم الشمولي، فتجد الواحد منهم يتخصص في التفسير حتى يكون بارعاً فيه، لكنه يجهل الحديث، وهذه كارثة، وقد يتخصص في الفقه لكنه يجهل التفسير والحديث، وقد يتخصص في العقيدة لكنه يجهل الحديث والتفسير وهكذا.
ولذا فإن هذا المنهج المنحرف قد يوجد عند غير الفرق، فيوجد عند أفراد لم يكتمل علمهم، ولم يفقهوا قواعد الدين وقواعد الاستدلال، ويوجد عند الذين مالوا إلى التخصصات الجزئية في علوم الدين، وغفلوا عن أن علوم الدين متكاملة لا يستغني بعضها عن بعض، وإن كنا قد لا نقول: إنه يجب على طالب العلم أن يتبحر في كل علم من العلوم الشرعية، وقد يتخصص في علم من العلوم، لكن يجب عليه أن يلم بأصول العلوم الشرعية الأخرى، أعني: الأصول الضرورية التي لا بد أن يلم بها، فإذا كان متخصصاً في علوم الحديث مثلاً فيجب عليه أن يلم بقواعد التفسير وعلوم القرآن والعقيدة، وإذا كان متخصصاً في العقيدة فلا بد أن يلم إلماماً جيداً بأصول العلوم الأخرى بما في ذلك اللغة العربية، إذ إن اللغة العربية شرط لجميع العلوم الشرعية، شرط لاستيعابها وفقهها والنظر والاستدلال، ولذلك قال كثير من السلف: إن كثيراً من الفرق قد أتيت في عدم فهمها لقواعد الاستدلال ومناهج الدين من العجمة، فلم يفقهوا العربية، فنظروا في النصوص بعجمتهم وبعدم فقههم العربية، فضلوا فيما انتزعوه من أحكام ومواقف وأقوال ومقالات، فضلوا بها عن السنة وأهلها.
والشاهد هنا: أن هذه النصوص والآيات ظاهرها منع الشفاعة مطلقاً لمن لم يرد هذه النصوص إلى النصوص الأخرى التي فيها الاستثناء، وهو أن الله يقبل الشفاعة بشروط وبأحوال لأناس معينين يرتضيهم الله ويرضى عنهم، وهذا الاستثناء لا يخل بالقاعدة، لاسيما وأن الذين تشملهم الشفاعة إلى مجموع الكفار عددهم قليل جداً، فيكون الأصل في الذين لا يستحقون الشفاعة منع الشفاعة م
стр. 161
مذهب السلف في الشفاعة لأهل الكبائر وغيرهم وبيان ضابطها
قال رحمه الله تعالى: [ومذهب سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، والقول بأنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
وأيضاً فالأحاديث المستفيضة عن النبي ﷺ في الشفاعة، فيها استشفاع أهل الموقف ليقضى بينهم، وفيهم المؤمن والكافر، وهذا فيه نوع شفاعة للكفار، وأيضاً ففي الصحيح (عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك.
قال: نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)، وعن عبد الله بن الحارث قال: (سمعت العباس يقول: قلت: يا رسول الله! إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: نعم، وجدته في غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: (أن رسول الله ﷺ ذُكر عنده عمه أبو طالب فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار، يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه).
فهذا نص صحيح صريح لشفاعته في بعض الكفار أن يخفف عنه العذاب، بل في أن يجعل أهون أهل النار عذاباً، كما في الصحيح أيضاً عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (إن أدنى أهل النار عذاباً منتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه)، وعن النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه)، وعنه قال: قال رسول الله ﷺ (إن أهون أهل النار عذاباً من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً، وإنه لأهونهم عذاباً).
وهذا السؤال الثاني يضعف جواب من تأول نفي الشفاعة على الشفاعة للكفار، وإن الظالمين هم الكافرون.
فيقال: الشفاعة المنفية هي الشفاعة المعروفة عند الناس عند الإطلاق، وهي أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته، فأما إذا أذن له في أن يشفع فشفع لم يكن مستقلاً بالشفاعة، بل يكون مطيعاً له، أي: تابعاً له في الشفاعة، وتكون شفاعته مقبولة ويكون الأمر كله للآمر المسئول].
стр. 162
عدم شفاعة الشافعين يوم القيامة إلا بإذن ورضا الله
قال رحمه الله تعالى: [وقد ثبت بنص القرآن في غير آية أن أحداً لا يشفع عنده إلا بإذنه، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣]، وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] وأمثال ذلك.
والذي يبين أن هذه هي الشفاعة المنفية: أنه قال: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:٥١]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [السجدة:٤] فأخبر أنه ليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع.
وأما نفي الشفاعة بدون إذنه، فإن الشفاعة إذا كانت بإذنه لم تكن من دونه، كما أن الولاية التي بإذنه ليست من دونه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦].
وأيضاً فقد قال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤] فذم الذين اتخذوا من دون الله شفعاء، وأخبر أن لله الشفاعة جميعاً، فعُلم أن الشفاعة منتفية عن غيره، إذ لا يشفع أحد إلا بإذنه، وتلك فهي له.
وقد قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨].
ومما يوضح ذلك: أنه نفى يومئذ الخلة بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]، ومعلوم أنه إنما نفى الخلة المعروفة ونفعها المعروف، كما ينفع الصديق الصديق في الدنيا، كما قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٧ - ١٩]، وقال: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٥ - ١٦]، لم ينف أن يكون في الآخرة خلة نافعة بإذنه، فإنه قد قال: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٧ - ٦٨]، وقد قال النبي ﷺ : (يقول الله تعالى: حقت محبتي للمتحابين فيَّ)، و (يقول الله تعالى: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي).
فتعين أن الأمر كله عائد إلى تحقيق التوحيد، وأنه لا ينفع أحد ولا يضر إلا بإذن الله، وأنه لا يجوز أن يعبد أحد غير الله، ولا يُستعان به من دون الله، وأنه يوم القيامة يظهر لجميع الخلق أن الأمر كله لله ويتبرأ كل مدع من دعواه الباطلة، فلا يبقى من يدعي لنفسه معه شركاً في ربوبيته أو إلهيته، ولا من يدعي ذلك لغيره بخلاف الدنيا، فإنه وإن لم يكن رب ولا إله إلا هو فقد اتخذ غيره رباً وإلهاً وادعى ذلك مدعون.
وفي الدنيا يشفع الشافع عند غيره، وينتفع بشفاعته وإن لم يكن أذن له في الشفاعة، ويكون خليله فيعينه ويفتدي نفسه من الشر، فقد ينتفع بالنفوس والأموال في الدنيا، النفوس ينتفع بها تارة بالاستقلال، وتارة بالإعانة وهي الشفاعة، والأموال بالفداء، فنفى الله هذه الأقسام الثلاثة، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة:٤٨]، وقال: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤]، كما قال: ﴿لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا
стр. 163
شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [١٤]
الواسطة بين الله وبين خلقه نوعان: واسطة ممنوعة، وواسطة مشروعة، فالواسطة الممنوعة هي الشريك الذي يتخذ مع الله في العبادة وغير ذلك، أما المشروعة فهي واسطة الأنبياء والمرسلين وذلك بتبليغ شرع الله إلى من أرسلوا إليهم، وبيان ما ينفعهم، والتحذير مما يضرهم في دينهم ودنياهم، ويتبعهم العلماء فهم ورثة الأنبياء.
стр. 164
المفهوم الصحيح والسليم للواسطة بين الله وبين خلقه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فبعون الله وتوفيقه نستأنف دروسنا، وقد وصلنا في الفتاوى إلى فقرة: جواب شيخ الإسلام على سؤال يتعلق بمفهوم الواسطة، وهذه المسألة في الحقيقة مهمة جداً؛ لأن فيها بياناً لوجوه الفرق بين الواسطة المشروعة والواسطة الممنوعة في عبادة الله ، وبيان مفهوم الواسطة أو الوسيلة التي اختلف فيها الناس، وذلك أن كثيراً ممن يقع في البدع في مسألة الوسيلة، والذين ابتدعوا وسائط ووسائل في عبادة الله لم تُشرع، كثيراً منهم يكون من أسباب بدعته ووقوعه في الممنوع أنه لم يفهم المفهوم الشرعي للواسطة أو الوسيلة، وعلى هذا لم يميزوا بين الوسيلة المشروعة والوسيلة الممنوعة، والشيخ هنا أراد أن يبين الفرق بين الواسطة المشروعة وغير المشروعة، فالواسطة المشروعة بين الله وبين خلقه هو الذي يبلّغ عن الله ، وهذه الوساطة هي وساطة تبليغ فحسب، ولا يمكن أن ترتقي إلى أن يصرف لها أي نوع من أنواع العبادة، وكون النبي واسطة بين الله وبين الخلق، يعني: أنه مبلّغ عن الله فحسب، ولا يعني هذا أنه قد امتاز بسبب هذا التبليغ أو هذا الاصطفاء بأي خصيصة من خصائص الألوهية التي تقتضي اتخاذه معبوداً، أو وسيطاً في العبادة بين الله والخلق، وإنما هو وسيط في التبليغ.
وأما الواسطة الممنوعة فهي الشريك الذي يتخذ مع الله، سواء كان هذا الشريك في العبادة أو وسيط فيما لم يشرعه الله ، كمن يتبرك به، لكنها وساطة أخف من وساطة العبادة، والمهم أن الشيخ سيبين في هذا الفصل المفهوم الصحيح للواسطة بين الله وبين الخلق، والمفهوم البدعي والشركي للواسطة.
قال ﵀: [سُئل شيخ الإسلام قدس الله روحه: عن رجلين تناظرا فقال أحدهما: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله، فإنا لا نقدر أن نصل إليه بغير ذلك؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين، إن أراد بذلك أنه لا بد من واسطة تبلغنا أمر الله فهذا حق، فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر به وما نهى عنه، وما أعده لأوليائه من كرامته وما وعد به أعداءه من عذابه، ولا يعرفون ما يستحقه الله تعالى من أسمائه الحسنى وصفاته العليا التي تعجز العقول عن معرفتها وأمثال ذلك إلا بالرسل، الذين أرسلهم الله إلى عباده].
إذاً: هذا هو المفهوم الصحيح والسليم للواسطة بين الله وبين الخلق، وهو ما يبعثه الله ويصطفي من عباده من الأنبياء والرسل يبلغون رسالات الله، وما أمر به العباد من عبادته وطاعته، فحسب، مع أن هؤلاء في جانب التوجه إلى الله ليس لهم أي دخل إلا أن يبلغونا كيف نعبد الله فقط، وهم بذواتهم ليسوا واسطة بين الله وبين الخلق.
قال رحمه الله تعالى: [فالمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم المهتدون الذين يقربهم لديه زلفى ويرفع درجاتهم، ويكرمهم في الدنيا والآخرة، وأما المخالفون للرسل فإنهم ملعونون، وهم عن ربهم ضالون محجوبون، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف:٣٥ - ٣٦]، وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٦]، قال ابن عباس ﵄: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
وقال تعالى عن أهل النار: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك:٨ - ٩]، وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَل
стр. 165
حقيقة الوسائط المجمع على إثباتها بين الله وبين عباده وحكم من أنكرها
قال رحمه الله تعالى: [وهذا مما أجمع عليه جميع أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده].
يعني: أن جميع أصحاب هذه الملل -المسلمين واليهود والنصارى- كلهم يقرون بأن النبوات تعني وجود أناس من البشر اصطفاهم الله ليبلغوا رسالات الله، وهذا في الجملة، وإلا فهناك عند التفصيل أمور في تفاصيل الإيمان بالأنبياء ضل فيها أقوام، فمثلاً: اليهود والنصارى رغم أنهم يؤمنون بمبدأ النبوات، وأن هناك وسائط وهم الأنبياء يبلغون عن الله، إلا أنهم رفعوا بعض الأنبياء إلى مقام الألوهية، وهذا ضلال طارئ عليهم، لكن لا يزالون يعترفون بمبدأ النبوات.
قال رحمه الله تعالى: [وهذا مما أجمع عليه جميع أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده، وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أمره وخبره، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل.
والسور التي أنزلها الله بمكة مثل: الأنعام، والأعراف، وذوات: ((الر)) و ((حم)) و ((طس)) ونحو ذلك، هي متضمنة لأصول الدين، كالإيمان بالله ورسله واليوم الآخر.
وقد قص الله قصص الكفار الذين كذبوا الرسل، وكيف أهلكهم ونصر رسله والذين آمنوا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، وقال: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١].
فهذه الوسائط تُطاع وتتبع ويُقتدى بها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]].
стр. 166
المفهوم الخاطئ للواسطة بين الله وبين عباده
هنا أتى الشيخ بالنوع الثاني من الواسطة، أعني: الواسطة الممنوعة والمحرمة، وقد سبق الواسطة المبلغة عن الله المتمثلة في الرسل، فهنا أراد أن يبيّن الفهم الخاطئ أو المفهوم الخاطئ للواسطة من أولئك الذين زعموا أن الواسطة تعني: اتخاذ هذا الوسيط من دون الله ، أو صرف شيء من العبادة لغيره، أو أن يُطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا المفهوم هو مفهوم كثير من أهل البدع، بل كل أهل البدع الذين صرفوا شيئاً من أنواع العبادة لغير الله .
قال رحمه الله تعالى: [وإن أراد بالواسطة: أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار، مثل: أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم، يسألونه ذلك ويرجون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء، يجتلبون بهم المنافع ويجتنبون المضار].
стр. 167
ضرورة التميز بين الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية ومعرفة زمان ومكان وقوعهما
قال رحمه الله تعالى: [لكن الشفاعة لمن يأذن الله له فيها].
الإذن في الشفاعة لا يكون إلا يوم القيامة، وعلى هذا فينبغي أن نميّز بين مسألة شروط الشفاعة والاستثناءات فيها، بين الشفاعة المثبتة والمنفية، وأن المنفية تقع في الدنيا وفي الآخرة، بمعنى: أن هناك من يطلب الشفاعة بغير وجهها في الدنيا وفي الآخرة، لكنها لا تُقبل، بينما الشفاعة المثبتة لا تكون إلا في الآخرة؛ لأن الدنيا دار ابتلاء وامتحان، وكل إنسان ينبغي أن يعمل لنفسه، وليس بينه وبين الله واسطة، لكن في الآخرة في بعض الأمور قد يأذن الله لبعض العباد بأن يشفعوا، بل الله يسخّر الشفعاء ثم يستأذنون فيؤذن لهم بشروط أيضاً، والشروط ستأتي فيما بعد مفصّلة.
المهم أن وجود الواسطة التي هي الشفاعة المثبتة في الآخرة بشروطها لا تعني وجود أي نوع من أنواع الشفاعة المشروعة في الدنيا، بل الشفاعة التي هي عند الله في مصائر العباد، أو فيما لا يقدر عليه إلا الله ، لكن هناك أمور قد تسمى شفاعة أو قد تشتبه بالشفاعة، مثل: الاستشفاع بدعاء الصالحين، أو بدعاء النبي ﷺ وهو حي، فهذا في الحقيقة لا يعد من اتخاذ الشفيع عند الله ، وإنما هو من باب طلب الإنسان بأن يدعو الله ، وهذا الداعي الذي طلب منه الدعاء سواء كان النبي ﷺ أو غيره لا يعتبر شفيعاً من دون الله ، بل هو طالب من الله جلب نفع أو دفع ضر أو نحو ذلك، لكنه لم يتخذ بذاته واسطة، كما سيأتي في مفهوم الشفاعة في الدعاء.
والشفاعة المنفية تكون في الدنيا والآخرة، لكن الآن أهل البدع يطلبون الشفاعة المنفية حتى في الدنيا والآخرة؛ لأن بعض الناس قد يطلب شفاعة ولا يقبل منه، فالمثبتة تكون في الآخرة إلا بعض صور الوسيلة، أو في بعض صور الشفاعة، لكن معناها ليس على المعنى الشرعي أو المفهوم الشرعي للشفاعة التي لها شروطها؛ لأن بعض الناس قد يدخل صورة طلب الدعاء من أنواع الشفاعات، وهي ليست حقيقة من أنواع الشفاعات، وإنما هي نوع من أنواع صرف العبادة لله من جهة عبد من عباده دعاه، فكون الإنسان المطلوب منه الدعاء قد طلب من الله أن ينفع آخرين، فهذا لا يعني أنه هو بذاته اتخذ واسطة، والدليل أن الداعي لم يتخذ بينه وبين الله واسطة، وإنما طلب تعدي النفع إلى الآخرين، وهذا مطلوب حتى ممن لم يطلب الدعاء، فأنت إذا دعوت ينبغي أن تدعو لعموم المسلمين حتى ولو لم يطلبوا منك ذلك، وصورته واحدة ليس من أنواع الشفاعة التي عليها النزاع، ولا من أنواع التوسل الذي عليه النزاع، لكن أهل الأهواء لبّسوا على الناس، فأدخلوا هذه الصورة على أنها صورة تنطبق عليها جميع صور الشفاعات الممنوعة، وعلى أي حال فلا نستعجل الأمر؛ لأن هذا سيأتي في (التوسل والوسيلة) عندما نبدأ به إن شاء الله مفصلاً.
قال رحمه الله تعالى: [حتى قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة:٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:٥١]، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣].
وقالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة: فبيّن الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلاً، وأنهم يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه].
стр. 168
كفر من جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم
قال رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٧٩ - ٨٠]].
هذه الآيات من أوضح الأدلة على رد شبهات أهل البدع في مسألة الشفاعة وطلب الشفعاء، أو دعواهم أنهم إنما تعلقوا بالأحياء أو الأموات أو الأشجار أو الأحجار أو غيرها من معبوداتهم إنما ذلك لأن لها مكانة عند الله، أو لأنها وسائط وليست شفعاء، فيجادل بعضهم فيقول: نحن لا نتخذها وسيطاً، وإنما هي شفعاء، فهذه الآية محكمة في الرد على هذه الفئة كما سيأتي الاستدلال بها تفصيلاً فيما بعد إن شاء الله.
قال رحمه الله تعالى: [فبيّن سبحانه: أن اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً كفر].
أشار الشيخ هنا إلى منع الله أن تكون الملائكة أو الأنبياء وسائط، ومن باب أولى دونهم من المخلوقات، من الصالحين وغير الصالحين، والأشجار، والأحجار، والمشاهد، والآثار وغيرها، فمن جعل هذه المخلوقات وسائط من دون الله فقد أشرك من باب أولى؛ لأنه إذا كان اتخاذ الملائكة والرسل وهم مقربون وسائط من دون الله شركاً، إذاً فاتخاذ الوسائط من غير هؤلاء شركاً من باب أولى.
قال رحمه الله تعالى: [فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل: أن يسألهم غفران الذنب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين.
وقد قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٩]، وقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧]، وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]، ومثل هذا كثير في القرآن].
هذه الآيات المحكمات البينات فيها رد على الشفاعة والوسيلة الممنوعة، بل إن كل آية بحد ذاتها ترد رداً صريحاً ظاهراً على الذين اتخذوا الو
стр. 169
الواسطة المشروعة بين الرسول ﷺ وبين أمته
قال رحمه الله تعالى: [ومن سوى الأنبياء -من مشايخ العلم والدين- فمن أثبتهم وسائط بين الرسول وأمته، يبلغونهم ويعلمونهم ويؤدبونهم ويقتدون بهم فقد أصاب في ذلك].
هذه المسألة متفرعة عن النوع الأول، فالشيخ عندما ذكر أن الواسطة على نوعين، ذكر أن الواسطة الصحيحة هي واسطة الأنبياء الذين يبلغون عن الله ، وأن وساطتهم إنما هي في التبليغ فقط، وأن الله أيضاً أوصى لهم بحقوق من المحبة والاتباع، وهي واجبة على المسلم، إذاً فهذه الواسطة مشروعة، لكن ليست في باب العبادة ولا التبرك ولا غير ذلك من البدع التي يعملها المبتدعون.
ثم جاء بالنوع الثاني وهو الواسطة الممنوعة، وهي اتخاذ الوسائط من دون الله في صرف العبادة لغيره أو التقديس أو التوجه أو غير ذلك.
ثم فرّع هذه المسألة الأخيرة على المسألة الأولى، وهي أنه كما أنا نقول: بأن الأنبياء مبلّغون عن الله ، فكذلك بعد وفاة النبي ﷺ العلماء يبلّغون عن الرسول ﷺ ؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء، لكنهم لا يأتون بتشريع من عند الله، وليس لهم في ذلك عصمة ولا قداسة، وإنما يطاعون بطاعة الله ، وبتبليغ ما أمر الله به ورسوله ﷺ ، فهم ورثة الأنبياء فيما ورثوا من الحق.
ثم رتب على هذه المسألة نتيجة أو قاعدة عظيمة جداً، فقال ﵀: [وهؤلاء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة قاطعة، لا يجتمعون على ضلالة].
هذه قاعدة مهمة جداً ينبغي أن يفهمها طلاب العلم؛ لأن من المسائل التي خفيت على كثير من الناس اليوم أنه إذا قلنا: بأن العلماء هم المبلّغون عن الرسول ﷺ ، وهم ورثة النبي ﷺ في نقل العلم، فلا يعني ذلك أنهم معصومون، لكن أيضاً لا يمكن أن يجمعوا على ضلالة لأسباب: أولها: أن الله قد تكفّل بحفظ الدين، ولو أجمعوا على ضلالة فقد انخرمت هذه القاعدة.
ثانيها: أن الله جعل الكتاب المحفوظ والسنة بينة واضحة، وما دامت السنة بيّنة واضحة فلا يمكن أن يقع إجماع العلماء على الضلال؛ لأن الإجماع على الضلال لا يكون إلا عن جهل، ومع بيان الحق لا يمكن أن يتأتى الجهل على الجميع.
فإذاً: هذه ضمانة من الله بأن أهل العلم إذا أجمعوا فإن إجماعهم حجة قاطعة؛ لأنهم لا يجمعون على ضلالة، لكن قد يخالفهم بعضهم، وهذه مسألة واردة جداً، وقد تقول الأكثرية أحياناً بغير الحق، وأحياناً قلة جداً لا تحدث إلا عند الفتن ونحو ذلك، لكن لا يكون الإجماع، وأحياناً قد يخفى الحق على الأكثرين ويتبين لقليلين، فهذه ينبغي أن نفهمها جيداً، لكن لا يقع الإجماع؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لن يجمع الله أمتي على ضلالة)، فأهل العلم الذين يمثلون الأمة لا يجتمعون على ضلالة، وغيرهم من بقية الأمة تبع لهم، وبحمد الله هذه القاعدة مستمرة وإلى أن تقوم الساعة واضحة جلية، ولم يحدث إجماع في يوم من الأيام على ضلالة، أو تبيّن أن الأمة في يوم من الأيام، أو في عصر من العصور قد اجتمع علماؤها على ضلالة، لم يحدث هذا أبداً ولن يحدث.
والعصمة ليست لأفرادهم، وإنما العصمة للدين ولمجموع العلماء إذا أجمعوا لا لذواتهم؛ لكن لأنهم استندوا على الحق، فبه يقع الإجماع.
لكن بعد توزع الأمة ووجود المسلمين في أمكنة كثيرة مختلفة، ووجود البلاد على شكل دول، فيبدو لي والله أعلم أنه لا يعتبر إلا في حالات نادرة لا أتصورها الآن، فلو افترضنا أن البلاد تشمل أهل السنة والجماعة مثلاً، وأن فيها أغلبية العلماء فربما لا يقع الإجماع، لكن لا ينطبق على القاعدة، فالقاعدة تعني عموم الأمة؛ لأنا إذا خضنا في التفصيلات فقد نقع في شبهات ليس لنا فيها دليل، والمقصود العموم، والعموم يحدث بعموم الأمة.
قال رحمه الله تعالى: [وإن تنازعوا في شيء ردوه إلى الله والرسول، إذ الواحد منهم ليس بمعصوم على الإطلاق، بل كل أحد من الناس يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله ﷺ ، وقد قال النبي ﷺ : (العلماء ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر)].
стр. 170
بعض صور المفهوم الخاطئ السائد عند أهل البدع في الواسطة بين الله وبين خلقه
سيقرر الشيخ هنا صورة من صور المفهوم الخاطئ للوسيلة عند غالب أهل البدع، وليست هي مجموعة، لكنها صورة من صور المفهوم الخاطئ، وسيقررها الشيخ الآن ويبينها، ويبين وجه الخطأ فيها.
قال رحمه الله تعالى: [وإن أثبتم وسائط بين الله وبين خلقه -كالحجاب الذين بين الملك ورعيته- بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فالله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس؛ لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك؛ لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون لله، شبهوا المخلوق بالخالق، وجعلوا لله أنداداً، وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لم تتسع له هذه الفتوى.
فإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس يكونون على أحد وجوه ثلاثة: إما لإخبارهم من أحوال الناس بما لا يعرفونه.
ومن قال: إن الله لا يعلم أحوال عباده حتى يخبره بتلك بعض الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم فهو كافر، بل هو سبحانه يعلم السر وأخفى، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وهو السميع البصير، يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين.
الوجه الثاني: أن يكون الملك عاجزاً عن تدبير رعيته، ودفع أعدائه -إلا بأعوان يعينونه- فلا بد له من أنصار وأعوان لذله وعجزه، والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١].
وكل ما في الوجود من الأسباب فهو خالقه وربه ومليكه، فهو الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم -في الحقيقة- شركاؤهم في الملك.
والله تعالى ليس له شريك في الملك، بل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
والوجه الثالث: أن يكون الملك ليس مريداً لنفع رعيته والإحسان إليهم ورحمتهم، إلا بمحرك يحركه من خارج، فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعظّمه أو من يدل عليه، بحيث يكون يرجوه ويخافه، تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته، إما لما حصل في قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير، وإما لما يحصل من الرغبة أو الرهبة من كلام المدل عليه.
والله تعالى هو رب كل شيء ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وكل الأشياء إنما تكون بمشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو إذا أجرى نفع العباد بعضهم على بعض، فجعل هذا يحسن إلى هذا ويدعو له ويشفع فيه ونحو ذلك، فهو الذي خلق ذلك كله، وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن الداعي الشافع إرادة الإحسان والدعاء والشفاعة، ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده، أو يعلمه ما لم يكن يعلم، أو من يرجوه الرب ويخافه.
ولهذا قال النبي ﷺ : (لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإنه لا مكره له)].
لا يزال الشيخ يسترسل في رد الشبهة، أعني: شبهة قياس الواسطة عند الله على الواسطة عند المخلوق، مع أن هذا قياس تنفر منه النفوس؛ لأن الله هو الغني، ولا يجوز أن يتخذ ما اعتاده الناس من اتخاذ الوسطاء عند الوجهاء والملوك ذريعة لاتخاذ الوسطاء عند الله ، لأن الله هو الغني، وهو الذي أمر عباده بأن يدعوه دون غيره، وهو الذي أيضاً يحب أن يدعوه العباد، ولا يمل من دعائه ولا يستكثر، بينما العبد لو دعي مرة أو مرتين أو كرر عليه الطلب سئم مهما كان عنده من القوة والسلطان.
إذاً: فقياسهم هذا قياس فاسد تنفر منه النفوس والعقول السليمة فضلاً عن أن يعرف ذلك بالشرع، لكن الشيخ ﵀ كان يستطرد في دفع مثل هذه الشبهات؛ لأنها كانت شبهات قد ملأت عقول وقلوب العامة والدهماء الذين يتبعون رءوسهم في هذه البدع، نسأل الله العافية.
وأما الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: (أستشفع بالله عليك).
أليس هذا من الشفاعة المثبتة في الدنيا؟
و
الجواب
أن النبي ﷺ قد أنكر بمن استشفع بالله عليه؛ لأن الله هو صاحب الغنى المطلق، وهذه من الشفاعة المثبتة في الدنيا، والمعروف أن النبي ﷺ قد استشفع به أناس كثيرون، لكن استشفعوا بدعائه ﵊، وم
стр. 171
الفرق بين الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية
قال رحمه الله تعالى: [والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلا بإذنه، كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣]].
إذن الله للشفعاء يفسّر بأمرين: بمقتضى النصوص الأخرى، ومقتضى سياق نصوص الشفاعة وأحاديث الشفاعة.
فالأمر الأول: الشفاعة المشروعة، بمعنى: أن تكون الشفاعة مشروعة على أمر مشروع، والإذن بمعنى: أن الله يفتح الشفاعة لهذا العبد، بمعنى: أنه يرخّص له بهذه الشفاعة، فقوله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فتتضمن الأمرين: بما شرعه من شروط الشفاعة المثبتة، ويجب أن يباشر، أي: بإعطائه الفرصة للشفيع بأن يشفع، أو بصدور الإذن من الله بكلامه وبأمره.
ولذلك يعتبر الإذن من ضمن شروط الشفاعة، وليس الشرط الوحيد بأن يرضى الله عن الشفيع والشافع، وألا يكون المشفوع له من أهل النار الخُلّص إلى آخره، فهذه شروط يتضمنها معنى الإذن، بمعنى: أنه لا يكون الإذن إلا بتوافر الشروط.
ومن هنا الإذن يشمل الأمرين: توافر الشروط، ثم صدور الأمر من الله بالشفاعة.
قال رحمه الله تعالى: [فبيّن أن كل من دُعي من دونه ليس له ملك ولا شرك في الملك، ولا هو ظهير، وأن شفاعتهم لا تنفع إلا لمن أذن له.
وهذا بخلاف الملوك، فإن الشافع عندهم قد يكون له ملك، وقد يكون شريكاً لهم في الملك، وقد يكون مظاهراً لهم معاوناً لهم على ملكهم، وهؤلاء يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك هم وغيرهم، والملك يقبل شفاعتهم تارة بحاجته إليهم، وتارة لخوفه منهم، وتارة لجزاء إحسانهم إليه ومكافأتهم ولإنعامهم عليه، حتى إنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك، فإنه محتاج إلى الزوجة وإلى الولد، حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك، ويقبل شفاعة مملوكه، فإذا لم يقبل شفاعته يخاف ألا يطيعه، أو أن يسعى في ضرره، وشفاعة العباد بعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس، فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو رهبة.
والله تعالى لا يرجو أحداً ولا يخافه ولا يحتاج إلى أحد، بل هو الغني، قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس:٦٦] إلى قوله: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:٦٨]].
من أوضح الفوارق بين الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية، ومسألة قياس الشفاعة عند الله بالشفاعة عند الملوك والبشر: هو أن الشافع بين البشر أنفسهم كالشفاعة عند العظماء وعند العلماء وعند الملوك والسلاطين وعند التجار وغيرهم تكون فيها الشفاعة مؤثرة في الشافع والمشفوع له، يعني: مؤثرة بأي نوع من الشفيع، ولنفرض أن المشفوع عنده والتي طلبت منه الشفاعة، أو الذي يطلب منه الشافع العمل، ولنفرض أنه ممن لا يحتاج البشر حاجة ظاهرة، لكن لا يمكن أن يؤدي خدمة للمشفوع له بناء على شفاعة الشافعين، إلا لأمر أثّر عليه، إما رحمة، وإما رجاء، وإما خوف، وإما حب التسلط، ولنفرض أن هذا المشفوع عنده ممن لا يرجو الناس ولا يخافهم، لكن لا بد حينما أطاع، وحينما عمل بمقتضى الشفاعة لا بد أن يكون هناك مؤثر فيه، ولو على الأقل إثبات الجبروت، أو إثبات أن له نعمة على الناس، ومعنى هذا: أنه لا بد أن يكون تأثر بالشفاعة، ولكن الله هو الغني الغنى المطلق، فالشافع غير مؤثر في الله إطلاقاً بأي نوع من التأثير، من هنا لا يجوز قياس المشركين الذين قاسوا به بأن الشفاعة عند الله تماثل الشفاعة عند أصحاب السلطان وأصحاب الجاه وغيرها؛ لأن الشفاعة هذه فعلاً مؤثرة، والشافع المخلوق عند المخلوق لا بد أن يؤثر وإن كان المشفوع عنده أكبر وأعظم سلطاناً، فلا بد أن يكون مؤثراً بأي نوع، بينما الشفاعة عند الله لا يكون الشافع فيها مؤثراً بأي نوع من التأثير، وإنما هي بإذن الله وبرحمته لعباده، والله هو الغني الغنى المطلق لا يؤثر فيه شيء، ولا يرجو العباد ولا يخشاهم.
стр. 172
حكم الشفاعة للمشركين وعدم جدوى شفعائهم
قال رحمه الله تعالى: [والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨]، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف:٢٨].
وأخبر عن المشركين أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٨٠]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧].
فأخبر أن ما يُدعى من دونه لا يملك كشف ضر ولا تحويله، وأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه ويتقربون إليه، فهو سبحانه قد نفى ما من الملائكة والأنبياء، إلا من الشفاعة بإذنه، والشفاعة هي الدعاء.
ولا ريب أن دعاء الخلق بعضهم لبعض نافع، والله قد أمر بذلك، لكن الداعي الشافع ليس له أن يدعو ويشفع إلا بإذن الله له في ذلك، فلا يشفع شفاعة نهي عنها، كالشفاعة للمشركين والدعاء لهم بالمغفرة، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة:١١٣ - ١١٤]، وقال تعالى في حق المنافقين: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون:٦].
وقد ثبت في الصحيح أن الله نهى نبيه عن الاستغفار للمشركين والمنافقين، وأخبر أنه لا يغفر لهم، كما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وقوله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤]، وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]-في الدعاء- ومن الاعتداء في الدعاء: أن يسأل العبد ما لم يكن الرب ليفعله، مثل: أن يسأله منازل الأنبياء وليس منهم، أو المغفرة للمشركين ونحو ذلك، أو يسأله ما فيه معصية الله، كإعانته على الكفر والفسوق والعصيان.
فالشفيع الذي أذن الله له في الشفاعة، شفاعته في الدعاء الذي ليس فيه عدوان.
ولو سأل أحدهم دعاء لا يصلح له لا يقر عليه، فإنهم معصومون أن يقروا على ذلك، كما قال نوح: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود:٤٥] قال تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٦ - ٤٧].
وكل داع شافع دعا الله وشُفّع فلا يكون دعاؤه وشفاعته إلا بقضاء الله وقدره ومشيئته، وهو الذي يجيب الدعاء ويقبل الشفاعة، فهو الذي خلق السبب والمسبب، والدعاء من جملة الأسباب التي قدرها الله ].
نقف هنا، والمسألة التالية: مسألة الالتفات إلى الأسباب، مسألة مستقلة تحتاج إلى شرح مستقل.
أيضاً: نحب أن نقول خلاصة ما سبق، أعني: الخلاصة في مسألة دعاء الغير والدعاء للغير، ودخول هذه في الشفاعة المطلوبة من عدم دخولها: يجب أن نفرق بين الدعاء للإنسان ودعائه، أو الدعاء للغير ودعاء الغير.
فالدعاء للغير مشروع، لكن بشرط، ودعاء الغير من دون الله ممنوع مطلقاً
стр. 173
شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [١٥]
الالتفات إلى الأسباب والاعتماد عليها من دون الله شرك في التوحيد، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، ومحو الأسباب وتعطيل آثارها نقص في العقل، فينبغي للعبد أن يكون توكله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله ، والله هو المقدر للأسباب وخالقها.
стр. 174
حكم الالتفات إلى الأسباب أو محو سببيتها أو الإعراض عنها بالكلية
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول: ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وكل داع شافع دعا الله وشفع فلا يكون دعاؤه وشفاعته إلا بقضاء الله وقدره ومشيئته، وهو الذي يجيب الدعاء ويقبل الشفاعة، وهو الذي خلق السبب والمسبب، والدعاء من جملة الأسباب التي قدرها الله ، وإذا كان كذلك: فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، بل العبد يجب أن يكون توكله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله ، والله يقدر له من الأسباب من دعاء الخلق وغيرهم ما شاء].
في الحقيقة هذه قاعدة عظيمة قد تضمنت عدة فروع، منها: الأسباب والاعتماد عليها أو عدم الاعتماد عليها، والشيخ هنا قد ذكر الشق الأول من القاعدة، فقال ﵀: فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد.
وهذا كلام مجمل في الحقيقة يحتاج إلى بيان؛ لأن الالتفات للأسباب يطلق على معنيين: فعل الأسباب مع وجود التوكل والاعتماد على الله ، وهذا مشروع، لكن الشيخ لا يقصد هذا المعنى، وإنما يقصد بقوله ذاك: الاعتماد على الأسباب من دون الله ، وجعلها هي النافعة والضارة والمؤثرة من دون الله، دون أن يكون لله في ذلك تقدير ولا خلق، وهذا كما يفعله كثير من أهل الشرك، بل الآن أكثر الكفار يظنون أن الأسباب هي الفاعلة، ولا يعولون على تقدير الله ، بل لا يعرفون هذا أصلاً في عقائدهم، ويظنون أن الأسباب هي التي أوجدت، ولذلك نجدهم -مثلاً- في تعبيراتهم الأدبية خاصة ينسبون الخلق إلى غير الله ، فيقولون: إن الطبيعة خلقت كذا، والإنسان خلاق، وكذا خلق، وهذه التعبيرات انتقلت إلى بعض المثقفين المسلمين مع الأسف؛ بسبب التقليد الأعمى وبعدم إدراك العقيدة ينسبون الخلق إلى غير الله كما ذكرنا؛ لأنهم يرون الأسباب هي المؤثرة، فالتفتوا إليها ولم يعولوا على الاعتماد على الله ، وهذه سمة عامة في جميع الكفار في هذا العصر.
إذاً: الالتفات إلى الأسباب على نوعين: الأول: فعل الأسباب كما شرع الله مع الاعتماد على الله، وهذا مشروع، الثاني: الاعتماد على الأسباب من دون الله، وهذا شرك مع الله ، وهذه هي القاعدة الأولى.
وأما القاعدة الثانية فقال ﵀: (ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل).
يقصد بهذا نظريات بعض المتكلمين وخاصة غلاة الأشاعرة، فهم يزعمون أن الأسباب ما هي إلا قرائن على الأفعال على الناس فقط، وليست أسباباً حقيقية، حتى إن منهم من زعم أن السحاب ليس سبباً مباشراً للمطر، وأن المطر ليس سبباً في الإنبات، وزعموا أن هذه مجرد قرائن، فإذا رأينا السحاب فقد يكون هناك مطر، لكن ليس بسبب السحاب.
وهذه مغالطة، ولذلك قال الشيخ: (نقص في العقل).
أي: لاشك أن الله هو الخالق، وأن الأسباب من خلقه، لكن الله جعل للكون نظاماً، وجعل من نظام خلقه أن الأسباب بالفعل مؤثرة بمسبباتها، وكل ذلك يرجع إلى تقدير الله وخلقه.
وعليه فالأسباب ومسبباتها من خلق الله ، لكن عندما بالغ هؤلاء في إثبات الأمور إلى الله ألغوا الأسباب، حتى جعلوها مجرد قرائن على وجود الأشياء، فقالوا: إن الله جعل الأسباب مجرد قرائن وليس لها تأثير أبداً، وهذا لاشك أنه نقص في العقل.
والقاعدة الثالثة قوله: (والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع) وهذا رأي كثير من غلاة المتصوفة وغلاة العباد والنساك الذين زعموا أن التعلق بالأسباب نقص في الإيمان، وهذا خطأ؛ لأن التعلق بالأسباب على وجه شرعي مع الاعتماد والتوكل على الله -بشرط ألا يعتقد الإنسان أو الفاعل أن السبب هو المؤثر من دون الله- أمر مطلوب شرعاً، وفعل الأسباب من مقتضيات الدين ومن ضروراته؛ لأن الله أمر بفعل الأسباب في كل شيء، بل أركان الدين وواجباته لا تقوم إلا بفعل الأسباب، وعلى هذا فهؤلاء الذين أعرضوا عن الأسباب بالكلية، وزعموا أنه يسع المسلم أن يقعد عن العمل ويأتيه رزقه، ويقعد عن الجهاد ويأتيه النصر، ويقعد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويأتيه الأمن، كل هذا باطل، فالمسلم لابد أن يفعل الأسباب في نفسه وفي نصر دينه، وفي معاشه وفي دينه ودنياه، ولذلك هؤلاء الذين سلكوا هذا المسلك ظهرت منهم هذه المذاهب المخذلة التي كانت من أعظم أسباب خذلان المسلمين وقعودهم عن الأخذ بأسباب الحياة في العصور المتأخرة، وذلك عندما هيمن التصوف في العالم الإسلامي في القرون المتأخرة، وهيمن الذل والهوان والقعود عن فعل الأسباب، ووجد الركون والخمول بسبب هذه العقيدة الفاسدة، وهي عقيدة ترك الأسباب.
إذاً: ترك الأسباب بالكلية قدح في الشرع؛ لأنه إعراض عن أمر الله وسنة رسوله ﷺ .
ومن هذا الباب: الرقية الشرعية، فهي تعتبر من الأسباب التي أذن الله بها.
قال كثير م
стр. 175
حكم الدعاء للآخرين أو طلبه منهم
قال رحمه الله تعالى: [والدعاء مشروع أن يدعو الأعلى للأدنى والأدنى للأعلى، فطلب الشفاعة والدعاء من الأنبياء كما كان المسلمون يستشفعون بالنبي ﷺ في الاستسقاء، ويطلبون منه الدعاء، بل وكذلك بعده استسقى عمر والمسلمون بـ العباس عمه ﵁، والناس يطلبون الشفاعة يوم القيامة من الأنبياء، ومحمد ﷺ وهو سيد الشفعاء، وله شفاعات يختص بها، ومع هذا فقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة)، وقد (قال لـ عمر: لما أراد أن يعتمر وودعه: يا أخي! لا تنسني من دعائك)].
هذا الحديث ضعيف، لكن مع ذلك معنى الحديث له شواهد كثيرة من نصوص الشرع ومن أعمال النبي ﷺ ومن أعمال السلف، وطلب الدعاء من الغير دون اعتداء ودون توكل أو اتكال على هذا الدعاء أمر مشروع لا حرج فيه، لكن قد يحرم حيناً، وقد يكره حيناً، وقد يجوز حيناً، وقد يستحب أحياناً، فإذا وجدت المبررات لطلب الدعاء من الغير، كأن يكون عند الإنسان مرض، أو نزل به ضر، أو كان في مكان فاضل، أو في زمان فاضل، فهذا من الأمور التي يشرع فيها، بل وربما يستحب في حالات نادرة، لكن يبقى الأصل فيه المشروعية، لكن إن فعل الإنسان هذا الأمر على سبيل الدوام، كما يفعل بعض جهلة المتصوفة عندما يلقى أي مسلم يطلب منه أن يدعو له، حتى يكاد يتكل على دعاء الناس، ويكون همه كلما التقى بإنسان يقول له: ادع الله لي، حتى صار دائماً يتطلع إلى نتيجة دعاء الناس، ويضعف توكله على الله، فهذا قد يحرم أحياناً، بل قد يكون بدعة إذا داوم عليه الإنسان وصار من سماته.
ولذا عندما ننظر إلى حال السلف نجد أنهم كانوا يفعلون ذلك، لكن في حالات نادرة لها مبرراتها وموجباتها، والإنسان ينبغي أن يكون دائم التوكل والاعتماد على الله ، ولا يكون بينه وبين الله وسائط، ولا يطلب من الغير العون، والباب بينه وبين ربه مفتوح دائماً، والله يسخط على عبده إذا لم يدعه، وعلى هذا لا ينبغي أن يكون هذا الأمر على سبيل المداومة، وإنما لا بد أن يكون باعتدال وفي حدود الضرورة أو الحاجة، فيبقى مشروعاً بما ورد من الأدلة الشرعية، لأنه يخضع لقاعدة أخرى، وسيأتي أيضاً التمييز بين هذا النوع والأنواع الأخرى من الشفاعات، هذا داخل في معنى الشفاعة الجائزة.
стр. 176
وجه طلب الرسول ﷺ من الأمة أن تدعو له
قال رحمه الله تعالى: [فالنبي ﷺ قد طلب من أمته أن يدعوا له، ولكن ليس ذلك من باب سؤالهم، بل أمره بذلك لهم كأمره لهم بسائر الطاعات].
يقصد الشيخ هنا من قوله: (فالنبي ﷺ قد طلب من أمته أن يدعو له) أي: أن يصلوا ويسلموا عليه، فإذا قلنا: ﷺ .
فهذا دعاء له، وطلب النبي ﷺ ذلك هو طلب من الأعلى إلى الأدنى، فالنبي ﷺ أعلى من غيره، وهذا بتشريع من الله ، فهو الذي أمرنا، والنبي ﷺ أيضاً أعلمنا بما أمرنا الله به كما ورد في القرآن وأيضاً في صحيح السنة، من الأمر بالصلاة على النبي ﷺ والوعد في ذلك.
وأما بالنسبة لحديث عمر السابق فهو حديث ضعيف لا يعول عليه في تأسيس القاعدة، لكن الآثار قد توافرت في جواز هذا الأمر من غير هذا الحديث.
قال رحمه الله تعالى: [بل أمره بذلك لهم كأمره لهم بسائر الطاعات التي يثابون عليها، مع أنه ﷺ له مثل أجورهم في كل ما يعملونه، فإنه قد صح عنه أنه قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً)، وهو داعي الأمة إلى كل هدى، فله مثل أجورهم في كل ما اتبعوه فيه.
وكذلك إذا صلوا عليه، فإن الله يصلي على أحدهم عشراً، وله مثل أجورهم مع ما يستجيبه من دعائهم له، فذلك الدعاء قد أعطاهم الله أجرهم عليه، وصار ما حصل له به من النفع نعمة من الله عليه، وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: (ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكاً، كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به: آمين، ولك مثل ذلك)، وفي حديث آخر: (أسرع الدعاء دعوة غائب لغائب)].
стр. 177
فوائد الدعاء للغير وثماره
قال رحمه الله تعالى: [فالدعاء للغير ينتفع به الداعي والمدعو له، وإن كان الداعي دون المدعو له، فدعاء المؤمن لأخيه ينتفع به الداعي والمدعو له، فمن قال لغيره: ادع لي وقصد انتفاعهما جميعاً بذلك كان هو وأخوه متعاونين على البر والتقوى، فهو نبه المسئول وأشار عليه بما ينفعهما، والمسئول فعل ما ينفعهما بمنزلة من يأمر غيره ببر وتقوى، فيثاب المأمور على فعله، والآمر أيضاً يثاب مثل ثوابه؛ لكونه دعا إليه، لاسيما ومن الأدعية ما يؤمر بها العبد، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩]، فأمره بالاستغفار، ثم قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤].
فذكر سبحانه استغفارهم، واستغفار الرسول لهم إذ ذاك مما أمر به الرسول، حيث أمره أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، ولم يأمر الله مخلوقاً أن يسأل مخلوقاً شيئاً لم يأمر الله المخلوق به، بل ما أمر الله العبد أمر إيجاب أو استحباب ففعله هو عبادة لله وطاعة وقربة إلى الله، وصلاح لفاعله وحسنة فيه، وإذا فعل ذلك كان أعظم لإحسان الله إليه، وإنعامه عليه، بل أجل نعمة أنعم الله بها على عباده أن هداهم للإيمان].
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 178
شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [١٦]
الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأعظم نعمة أنعم الله بها على الإنسان هي نعمة الدين والإيمان، فهو الذي أنعم على العبد بفعل الخير ووفقه لذلك، خلافاً للقدرية الذين ينكرون ذلك، ويقولون بأن العبد خالق فعل نفسه.
стр. 179
عقيدة السلف في الإيمان
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [والإيمان قول وعمل يزيد بالطاعات والحسنات].
هذا مجمل اعتقاد السلف في الإيمان، وكما ترون عادة السلف ﵏ أنهم يوجزون في التعبير عن العقيدة، ولذلك جاءت عقيدتهم -بحمد الله- سهلة واضحة لا لبس فيها ولا غموض، وقول السلف: (الإيمان قول وعمل) يقصدون به: أن الإيمان يشمل الأمور القلبية والقولية والعملية، وهذه المعاني كلها تجتمع في كلمتين: (قول وعمل) فالقول يشمل ما يصدر عن القلب وعمل اللسان الذي هو حركة اللسان ونطقه.
وكذلك العمل يشمل عمل القلب، من الرجاء والخوف واليقين والصدق والخشية والإنابة إلى الله ، وهذا يسمى: عمل القلب، وهو من أعمال القلوب باتفاق السلف، كما يشمل عمل الجوارح، وعلى هذا تكون هاتان الكلمتان من أوجز الكلمات التي تعبر عن مذهب السلف.
стр. 180
زيادة الإيمان بالطاعات ووجه كون الدنيا نعمة أم لا
قال رحمه الله تعالى: [وكلما ازداد العبد عملاً للخير ازداد إيمانه، هذا هو الإنعام الحقيقي المذكور في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧]، وفي قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦٩]، بل نعم الدنيا بدون الدين هل هي من نعمه أم لا؟ فيه قولان مشهوران للعلماء من أصحابنا وغيرهم].
كما هو معلوم أن كل شيء من نعم الله ، لكن يقصد الشيخ بسؤاله: هل هي نعمة أم نقمة؟ أي: هل هذه الدنيا من النعم التي امتن الله بها على عباده، أم هي نقمة؟ الدنيا ظاهرها نعمة، يعني: شهوات الدنيا ورغباتها وأولادها وغير ذلك من مكاسب الدنيا ظاهرها أنها نعمة، لكن قد تكون نقمة في المآل.
ولذلك سيذكر الشيخ المذهب الحق بعد قليل.
قال رحمه الله تعالى: [والتحقيق أنها نعمة من وجه وإن لم تكن نعمة تامة من وجه].
قوله: (أنها نعمة من وجه) يعني: أن هذه الخيرات التي تفضل الله بها على العباد هي في حد ذاتها نعمة، لكنها قد تكون نقمة إذا استعملت في غير ما يرضي الله ، كأن تلهي الإنسان عن ذكر الله، أو تلهيه عن واجباته الأساسية.
إذاً: هي في أصلها نعمة إن استخدمت فيما يرضي الله ، فتبقى نعمة للعبد في الدنيا والآخرة، وإذا استخدمت على غير ما يرضي الله ، أي: على غير وجه شرعي، صارت نقمة على العبد في مآلها لا في أصلها؛ لأن جميع أمور الدنيا هي بصدورها عن الله من نعم الله ، ولذلك امتن الله على العباد حتى بخلق السماوات والأرض، لكن الكلام هنا هو عن المآل، أعني: مآل هذه الخيرات في الدنيا، هل هي نعمة لهذا الإنسان أم نقمة عليه في المآل؟
следующие страницы →