← Акыда

Акыда · id 37721

مجمل أصول أهل السنة

ناصر العقل

Полный текст (299 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

توسل الصحابة بدعاء العباس السؤال بعد وفاة النبي ﷺ توسل الناس إلى الله بدعاء العباس ﵁ عم الرسول ﷺ وذلك عند الدعاء لنزول المطر فهل مثل هذا يجوز الآن؟ الجواب هذا من الأدلة الواضحة التي تقلب على المبتدعة، فكثير من أدلة أهل البدع تكون دلالتها ضد ما يقولون، واستدلالهم بالحديث لا يخلو من جهل وتلبيس وتكلف، وأحياناً قد لا يوجد عند من يستدل بهذا الحديث شيء من ذلك وقد يكون غير جاهل ولكنه التبس عليه الأمر أو يكون قلد غيره، فحديث العباس مجمل ومفصل، واستدل به كثير من الذين يتذرعون به للبدع على وجه لا يستقيم، بل يختلف عن القصة الحقيقية التي حدثت فيها هذه الواقعة ويختلف عن فهم السلف لها بل عن سياقها، ونبدأ باستشفاع عمر ﵁ بـ العباس؛ لأن كثيراً من أهل البدع يظنون أن هذا دليل على جواز التبرك والتوسل البدعي بذوات الأشخاص، والصورة التي وقعت فيها قصة الاستشفاع بـ العباس واضحة بينة تدل على أن المقصود به قطعاً هو التوسل بدعاء العباس، وهذا مشروع إلى اليوم وإلى قيام الساعة، والواقعة أن الناس في عهد النبي ﷺ كانوا إذا أصابهم جدب أو شيء أتوا إلى النبي ﷺ يتوسلون به ويقولون: يا رسول الله! ادع الله لنا فيدعو لهم، كما في قصة الرجل الذي دخل المسجد والنبي ﷺ يخطب فطلب منه وتوسل به أن يدعو، فالنبي ﷺ دعا الله أن يغيث المسلمين فأغاثهم ثم بعدها بأسبوع استمر المطر حتى خشوا الغرق، فجاء ذلك الرجل ودخل على النبي ﷺ فتوسل به أن يدعو الله، فكان أن دعا النبي ﷺ ربه بأن يرفع المطر عن المسلمين، كذلك هذه الصورة الشرعية التي حدثت للعباس، وهو أن الصحابة ﵃ لما أصابهم الجدب في عهد عمر قال عمر: اللهم إنا كنا نستشفع بنبيك. يعني: يدعون الله بذلك أو يخاطبون ربهم ثم قال: وإنا نستشفع بعم نبيك وكان الاستشفاع بعم النبي ﷺ بأن وضعوه أمامهم فصار يدعو ويؤمنون بعده ولم يتمسحوا بثيابه ولا بجسده، وإنما التوسل بـ العباس أن جعلوه أمامهم يدعو وهم يؤمنون بعده، فأغاثهم الله وحدث هذا من معاوية ﵁ عندما استشفع بـ الأسود، وحدث من كثير من الصحابة، ويحدث في تاريخ الأمة قديماً وحديثاً أن الناس يقدمون الصالحين منهم يدعون والناس يؤمنون، وهذا من أسباب الإجابة بإذن الله فهذه الصورة ليس فيها بدعة بل فيها المشروع، ويجب أن نبقى على هذا المشروع ولكن أنى لهم أن يستدلوا بذلك على البدع التي يعملونها وهو التمسح والتبرك بالذوات ونحو ذلك، فهذا لم يحدث من الصحابة. وكذلك الأعمى جاء يطلب من النبي ﷺ أن يشفع له عند الله ويتوسل به عند الله أن يعيد له بصره، فالنبي ﷺ نصحه بأن يصبر لكنه آثر بأن يرد له بصره، فالنبي ﷺ أمره أن يتوضأ ويصلي ثم يدعو الله أن يستجيب دعاء النبي ﷺ فيه، فالنبي ﷺ دعا له مع أنه كان يتبرك حتى بذات النبي ﷺ ، ولكن نظراً لأن هذا تشريع للأمة؛ ولأن هذه من خصوصيات النبي ﷺ فكان وجه الاستشفاع بالنبي ﷺ من الأعمى أن النبي ﷺ دعا له وأنه دعا الله بأن يستجيب دعاء نبيه فيه، فهذا الوجه مشروع. فأي دليل على ما يعمله أهل البدع من التمسح بالذوات والتبرك بالأشخاص ودعاء غير الله إما بمعنى الاستشفاع أو من باب الشرك، فإذاً الأدلة التي في هذا السياق عليهم وليست لهم؛ لأن سياقها ينبغي أن يكون بكمال القصة وبفعل الصحابة وتفسيرهم؛ لأن الصحابة هم الذين طبقوا تلكم الأحكام، وهم الذين حدثت على أيديهم تلك الأحداث، فينبغي أن نفهمها بعمل الصحابة وبفهمهم ﵃ ثم بعمل السلف وبفهمهم، فلم يكن أحد من السلف الصالح في القرون الفاضلة يستخدم التوسل إلا بهذه الطريقة وكذلك التوسل بالأشخاص وبالاستشفاع بهم بأن يطلبوا من الصالحين الدعاء وهم يؤمنون على دعائهم أو يطلبون منهم الدعاء حتى لو ما أمنوا. فصور الاستشفاع كثيرة لكن أبرزها الاستشفاع من أجل استنزال الغيث أو دفع الضرورات والمصائب العظمى عن الأمة، عندما تكون الضرورات والمصائب لا أن يتقدم رجل صالح ثم يدعو الله ويؤمن المسلمون من ورائه على دعائه، فهذه الصورة مشروعة بل من أعظم القربات إلى الله .

стр. 212

تفسير قول الله تعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة) السؤال ما هو تفسير قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥]؟ الجواب قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] أي: تقربوا إليه بما تتوسلون به، والوسيلة هي عبادته ودعاؤه والتقرب إليه بكل عمل صالح، فالوسيلة التي يتقرب بها إلى الله هي الوسيلة في عبادته والتقرب إليه بأنواع القربات، وهذا هو عين المشروع بل هو العبادة التي يجب أن نتقرب بها إلى الله .

стр. 213

حكم صيام يوم معين توسلاً به إلى الله السؤال هل يجوز لأحد أن يصوم يوماً توسلاً أو يتقرب به لدعاء الله ؟ الجواب نعم، إذا كان الصيام يوافق الأيام المشروعة، فلا تفرد الجمعة ولا العيد بصوم، إنما في الأيام التي يشرع فيها الصوم فلا مانع من هذا لقصد التقرب والدعاء إلى الله ، لأن الإنسان إذا شعر بضعف قلبه أو ضعف إيمانه وأراد أن يقوي قلبه بالصيام فإنه يكون أثناء الصيام يدعو الله بما يشاء فإذا تقصد هذا لا حرج؛ لأن الصيام عبادة، ومن مواطن إجابة الدعاء الصيام، خاصة الصائم عند فطره، فإن له دعوة مستجابة، فهذا القصد بهذا الحد مشروع بل هو مما يتقرب به إلى الله.

стр. 214

حكم ظن بعض الصالحين أنه بمجرد لمسه لعضو مريض يشفى بإذن الله السؤال يزعم أنه بمجرد لمسه لعضو مريض أو نفثه عليه يشفى بإذن الله، وقد يكون هذا الشخص من الصالحين أو من عامة المسلمين، فما حكم الشرع في ذلك؟ الجواب هذه من الأمور الخطيرة التي قد يبتلى بها بعض الرقاة وإن كانوا من الصالحين والمتدينين أو قد يعرفون بالحرص على التزام السنة، إلا أن أحياناً قد تأتيهم غفلات، والشيطان يضع للإنسان مصائد، ومن أعظم المصائد التي يصطاد بها الرقاة أو بعض الصالحين هي مثل هذه الأساليب، بأن يتوهم أنه إذا لمس شخصاً استفاد وأنه شفي، لكن إذا كان اللمس مبنياً على بركة القرآن بأن ينفث الراقي في يديه ثم يمسح جسده أو جسد غيره تبركاً بالقرآن الذي نفث، فالنبي ﷺ ثبت عنه أنه كان يقرأ شيئاً من القرآن والأدعية ثم يمسح جسمه بيديه، فهذا مشروع مع النفس ومع الغير بهذه الصورة، لكن إذا كان يعتقد أنه بمجرد اللمس تحصل فائدة فنقول: نعم قد تحصل فائدة لكنها ابتلاء، فالإنسان قد يستفيد الشفاء وهذا قد يستفيد بأنه يشفى على يده ناس لكن قد يخسر عقيدته وشيئاً من دينه. فليتق الله فإن مجرد هذه الأساليب اللمس أو النظرة أو الإشارة التي يجد فيها تغييراً لحال المريض دون سبب شرعي وهو القرآن أو الدعاء المشروع فهذا نوع من عبث الجن والشياطين بالإنسان. ويتبع ذلك استعمال حركات تزيد عن العرف المشروع، فيجب التنبه عندما يعمل الإنسان مع قراءة القرآن عملاً مشروعاً كالنفث في اليدين ومسح المريض أو لمس المريض برفق من أجل إدخال الطمأنينة على نفسه لا اعتقاد أن اللمسة تنفعه، لأن بعض الناس قد يكون عنده من رقة الطبع والتلطف مع المريض بحيث يربت على كتفه أو يلمس شيئاً من جسمه إذا كان لمس جسمه مشروعاً من باب طمأنته وإدخال السرور عليه لا من باب أن هذه اللمسة هي بحد ذاتها تنفعه، فينبغي أن نتنبه لما يعمله كثير من الرقاة وأنصح الرقاة أن يتنبهوا للتفريق بين الحركات المشروعة وبين الحركات غير المشروعة، وليعلموا أنه يكثر الابتلاء بالحركات غير المشروعة بحيث يستفيد منها المريض للحاجة، لكن أن يكون ذلك على سبيل دينه وعقيدته ويكون بالابتلاء والفتنة؛ لأن الله وكله إلى ما اعتقد ومجرد وجود الاستفادة لا تعني مشروعية العمل، بل الابتلاء والفتنة أقرب، فيجب التنبه لهذا والحذر من الأساليب التي تزيد عن المشروع. ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، كما نسأله تعالى الإخلاص في القول والعمل، وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى، وأن يهدي ضالهم ويرشدهم إلى طريق الصواب، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 215

مجمل أصول أهل السنة - الإيمان الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، والأعمال داخلة في مسمى الإيمان، والاستثناء في الإيمان من المسائل الحادثة التي يسوغ فيها الخلاف، وللإيمان نواقض إذا ارتكبها المسلم أو ارتكب واحداً منها بطل إيمانه، ولابد في تكفيره من توافر شروط وانتفاء موانع؛ فإنه لا يكفر كل من ارتكب ناقضاً من نواقض الإيمان إلا بذلك.

стр. 216

قواعد في الإيمان والكفر بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، ﷺ وآله، ورضي الله عن صحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: يقول المؤلف حفظه الله تعالى: [رابعاً: الإيمان: أولاً: الإيمان لغة: التصديق، وفي الشرع: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فهو قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، فقول القلب اعتقاده وتصديقه، وقول اللسان إقراره، وعمل القلب تسليمه وإخلاصه وإذعانه وحبه وإرادته للأعمال الصالحة، وعمل الجوارح: فعل المأمورات وترك المنهيات]. موضوع الإيمان من أهم المواضيع التي يجب أن يعنى بها كل مسلم؛ لأنه ينبني عليها دينه، والإيمان له مفهوم لغوي عام، وله مفهوم شرعي اصطلاحي، وهو المقصود بإطلاق الإيمان في الكتاب والسنة.

стр. 217

مفهوم الإيمان لفظ الإيمان من الألفاظ المجملة التي إذا جاء الشرع بتحديدها أو بوصفها على هيئة معينة فإنه يجب التزام هذا الوصف كسائر المصطلحات الشرعية، لأن الأمر لا يخص الإيمان فقط، بل أكثر المصطلحات الشرعية جاء الشرع في التوسع بدلالتها أو بتحديدها، وذلك بوضع مصطلح شرعي إما أن يكون أوسع من المصطلح اللغوي أو يحدده. مثال ذلك: الصلاة، فالصلاة لغة هي عموم الصلة، ويدخل فيها الدعاء، والتقرب إلى الله بأي عمل، ويدخل فيها كثير من الأعمال اللسانية والقلبية، وعمل الجوارح، وتسمى صلاة لغة، لكن حدد الشرع مفهوم الصلاة بركن الإسلام المعروف، فبين لنا في النصوص الشرعية لأنه يقصد بالصلاة هذه العبادة التي جاءت على هيئة معينة، بركوعها وسجودها ووقتها وشروطها وواجباتها. إذاً: الشرع حدد معنى الصلاة، فمن هنا إذا أطلق معنى الصلاة في الدين فإنه يعني ركن الإسلام المعروف، الذي جاء الشرع بتحديد هيئته وشروطه. وكذلك الإيمان له معنى لغوي عام، وهو: التصديق، لكن الشرع وضع للإيمان مفهوماً اصطلاحياً عظيماً يشمل الدين كله، فالإيمان في الشرع هو الدين بمجمله، كما قلنا: إن الإسلام هو الدين بمجمله، والسنة هي الدين بمجمله. ولكن نظراً لأن مفهوم الدين وردت فيه مصطلحات شرعية، تترادف أحياناً وتختلف أحياناً في بعض معانيها، وتجتمع في أمور، وتختلف في أمور، فالله ورسوله ﷺ سميا الدين الإسلام والإيمان إلى آخره. فالإيمان بالمصطلح الشرعي هو اعتقادات وأقوال وأعمال حددها الشرع، وهذا يشمل عامة الدين. والإيمان له تعريف موجز كما عبر عنه السلف وهو: قول وعمل. وتعريف مفصل وهو: اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الأركان والجوارح، والجوارح هي الأعضاء. وليس بين التعريفين تعارض، بل الأول المجمل يعتبر تعريفاً حدياً أقرب أو أدق في المعنى اللغوي، لكن نظراً لأن اللغة ضعفت في أذهان الناس، اضطر السلف للتفصيل، وإلا فإن الإيمان في أصل تعريفه هو قول وعمل، والقول يشمل قول اللسان، وقول القلب؛ لأن القلب يعبر عن قوله باللسان. كما أنه يشمل عمل القلوب الذي هو الأمور الإيمانية من التقوى والصلاح والاستقامة والإنابة والخوف والرجاء والمحبة، وكل هذا يسمى عمل القلب، وعمل القلب وعمل الجوارح هي الأعضاء التي تتمثل بأركان الإسلام الخمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ لأنها قول اللسان وهي عمل اللسان، ثم الصلاة والزكاة والحج وسائر أعمال الإسلام هي إيمان، ومن هنا تدخل في جزء من حقيقة الإيمان، وهي أنها عمل. وعلى هذا فحقيقة الإيمان الشرعية تشمل الأمرين: الأمور القلبية، والأمور العملية التي هي أعمال الجوارح كما جاء به الشرع، وعلى هذا فيمكن أن نحدد هذا المفهوم بلغة أبسط، وهي: أن الإيمان التزام شرع الله اعتقاداً وعملاً. إذاً: الإيمان أدخل فيه الاعتقاد والأعمال وهما لا ينفكان، ولا يجوز حصر الإيمان في نوع واحد كالأمور الاعتقادية فقط؛ لأن هذا يخرج الأعمال التي هي جزء من الإيمان، ولا تحصر أيضاً في الأمور العملية؛ لأن هذا يخرج الأمور القلبية من الإيمان، فعلى هذا فالإيمان لا يكتمل تعريفه وحقيقته شرعاً إلا بأن نجمع بين الاعتقاد والقول والعمل. ولذا فإن الإيمان يزيد وينقص، وهذه تسمى مسائل الإيمان؛ لأن الإيمان يتمثل بأركان هي أركان الإيمان الستة المعروفة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره من الله ، ويتمثل الإيمان كذلك بالأعمال التي هي أمور الإسلام. وينقسم الإيمان من حيث حقيقته إلى: أركان الإيمان وإلى مسائل الإيمان، فأركان الإيمان هي الستة المعروفة، وأما مسائل الإيمان فهي: أولاً: أن الإيمان قول وعمل، أو أن الإيمان اعتقاد القلب، ونطق اللسان بالحق، وكذلك عمل الجوارح على مقتضى شرع الله. ثانياً: أن الإيمان يزيد وينقص. ثالثاً: أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان. رابعاً: جواز الاستثناء في الإيمان؛ لأنه راجع إلى أعمال المكلفين، وأعمال المكلفين ليست معصومة، فالمسلم عندما يُسأل: هل أنت مؤمن؟ يجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، مع أنه لا يشرع السؤال أصلاً، ولا ينبغي الجواب أيضاً، لكن إذا ابتلي المؤمن بمثل هذا السؤال فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله، لا لأنه متشكك في تصديقه؛ لكن لأنه لا يدري عن مصيره، لأن المصير عند الله ، فهو يرجو ويعلق الأمر بمشيئة الله تفاؤلاً وتبركاً، ويعلق الأمر بمشيئة الله؛ لأن الأمر بيد الله من قبل ومن بعد، فلا يجوز التألي على الله.

стр. 218

دخول الأعمال في مسمى الإيمان المسألة الثانية: أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وهذا في الحقيقة أمر بدهي، على مقتضى قطعيات النصوص، من الآيات وأحاديث النبي ﷺ ، وأعمال الإسلام، وأعمال المسلمين كلها تدل دلالة قطعية على أن الأعمال من الإيمان، وأن الإيمان لا يمكن أن يتم ويكتمل إلا بالأعمال. وعلى هذا فإن هذه الحقيقة لم تكن محل خلاف في عهد الصحابة والتابعين إلى وقت تابعي التابعين نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني حين ظهرت فرقة يقال لها: المرجئة، وزعموا أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، وإن كانت الأعمال مطلوبة منهم شرعاً، فالأوائل منهم كانوا أهل ورع، ولا يستهينون بالأعمال، لكنهم لا يرون أنها تدخل في مسمى الإيمان. وهذه المقالة ناتجة عن عقدة فلسفية، وراجعة إلى خطأ في الاستدلال، وخطأ في الفهم أيضاً، وتجاوز منهج السلف، وحينما زعمت المرجئة بأن الإيمان هو التصديق، وأن التصديق لا يدخل فيه العمل، بمعنى أنهم أعادوا المصطلح الشرعي إلى المعنى اللغوي فقط، وما من أحد يحصر المصطلح الشرعي في المعنى اللغوي في أي أمر من أمور الشرع إلا ويقع في خطأ فادح، لأن الشرع جاء بإطلاق الألفاظ الشرعية على معانٍ شرعية محددة، ومنها الإيمان، ولو أخذنا الإيمان بمجرد معناه الذي هو التصديق، لأدى هذا إلى كارثة في الدين لأننا حصرنا الدين في مجرد التصديق وأخرجنا المعاني الأخرى من الإيمان، فاستهان الناس بالأعمال. وعلى هذا فالسلف اضطروا إلى أن يقرروا هذه القاعدة مع أنها بدهية، لأن هناك من شكك فيها. وأما الأدلة على ذلك فأنا أحصر هذا في دليلين: الدليل الأول من القرآن: فإن الصحابة ﵃ لما صرفت القبلة إلى الكعبة بعد بيت المقدس، خاف الذين صلوا من المسلمين في التاريخ الأول وماتوا قبل أن يدركوا صرف القبلة ألا تقبل أعمالهم، ولا إيمانهم، ولا دينهم، فقال الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] يعني: صلاتكم، والصلاة عمل، وسماها الله إيماناً. أما الدليل الثاني: فهو دليلٌ قاطعٌ وواضحٌ جداً عن النبي ﷺ وصريح لا يستطيع أحد أن يرده وهو يدل على أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وهو قول النبي ﷺ : (الإيمان بضع وستون -وفي رواية: بضع وسبعون- شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله) وشهادة أن لا إله إلا الله هي قول وعمل يعني: عمل اللسان، وعمل القلب، ثم قال: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) وإماطة الأذى عن الطريق عمل، وسماها إيماناً، وعدها من شعب الإيمان. فالأحاديث في هذا الباب متواترة، وهي تقرر صراحةً بأن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان بل لا تكاد تحصر، وتصل إلى حد التواتر، والمتواتر لابد من قبوله. إذاً: الأعمال تدخل في مسمى الإيمان؛ لأنها جزء من الدين، فالإيمان هو التزام شرع الله، عقيدة وقولاً وعملاً.

стр. 219

زيادة الإيمان ونقصانه المسألة الثانية: أن الإيمان يزيد وينقص، فإذا قلنا: إن الأعمال من الإيمان، فمن الطبيعي أن الإيمان يزيد وينقص، فهو يزيد الإيمان بزيادة فعل الخيرات، وبزيادة التقرب إلى الله ، سواء بالأحوال القلبية، أو بالذكر اللساني، أو بأعمال الجوارح والأعضاء، كما يزيد بالصلوات، وبالنوافل، وبالإحسان إلى الناس وبالبر، ويزيد بزيادة الصيام، إلى آخر الأعمال المشروعة. وينقص بنقص ذلك، كما ينقص نقصاً في الأعمال القلبية، فكلما ضعف إيمان الإنسان، وضعف يقينه ضعف إيمانه، وكلما ضعفت أحواله القلبية من المحبة والرجاء والخشية والتوكل والإنابة واليقين ضعف الإيمان، وكلما زاد ذلك زاد الإيمان. وكذلك الأعمال الظاهرة كلما كثر فعل الطاعات من المسلم زاد إيمانه إذا توفر عنده الإخلاص والاتباع؛ لأن زيادة الإيمان مشروطة بشرطين: الإخلاص لله والنية الصالحة، واتباع السنة، وإلا فإن بعض الناس قد يتعب في عمل خيرات لا يريد بها وجه الله فيحبط إيمانه، بعكس ما يتصور، فعلى ذلك فإن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالأعمال القلبية وينقص بها، ويزيد بأعمال الأعضاء وينقص بها، فالإنسان إذا توفر عنده الإخلاص واتباع النبي ﷺ واتباع السنة زاد إيمانه.

стр. 220

الاستثناء في الإيمان المسألة الثالثة: يجوز الاستثناء في الإيمان، وهل يعني ذلك أن الإنسان يلزمه دائماً أن يقول: إن شاء الله في كل قربة يعملها؟ لا يلزمه، والأصل في الاستثناء في الإيمان وسؤال الناس عن الإيمان أنه من الأمور الحادثة، ولذلك فإن السلف لما بدأت ظاهرة سؤال الناس عن الإيمان اعتبروه بدعة؛ لأن هذه من الأمور المحدثة في الدين، والناس يتركون على ظواهرهم، ويحمل المؤمنون والمسلمون على مجملات الدين وعلى ما هم عليه، ولا يجوز امتحانهم، ولكن إذا وقع السؤال بأن سُئلت أو سئل غيرك: هل أنت مؤمن؟ فالأولى أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو تقول: آمنت بالله وعليه توكلت، ونحو ذلك. فيجوز أن تقول: إن شاء الله، لكنها غير ملزمة، لكن يجب أن تعتقد أن حقيقة الإيمان مرتبطة بمشيئة الله ، وبتوفيق الله، فتحقق الإيمان في المؤمن راجع إلى توفيق الله له، فعلى هذا لابد أن يستثني، لا لأنه يشك، إنما يستثني لأنه لا يدري عن المصير؛ ولأنه يقول: إن شاء الله تفاؤلاً، واستعانة بالله، وتوكلاً على الله. وقوله: (فقول القلب اعتقاده وتصديقه) ويضاف إلى ذلك جميع الأحوال القلبية التي يكون بها الإيمان، مثل: محبة الله ورجائه وخوفه واليقين والإنابة والتوكل، إلى غير ذلك من الأعمال القلبية. والاعتقاد بأن يجزم المسلم بكل ما ثبت في الكتاب والسنة من أصول الدين وثوابته وأحكامه، ويدخل في هذا القلب. لكن لا بد أن يتعدى ذلك إلى قول اللسان، بأن يعترف الإنسان بلسانه بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبمعاني الإيمان والإسلام، وأيضاً يلتزم شرع الله فيما يجب من الذكر اللساني، والذكر اللساني في الصلوات وغيرها، وفي التلبية بل لا يكاد يحصر الذكر اللساني، وكله تعبير عن الإيمان باللسان. ثم قول اللسان يدخل فيه الإقرار، ويدخل فيه أيضاً الذكر، وعمل القلب كذلك تسليمه وإخلاصه، فمن عمل القلب: التسليم والرضا بشرع الله وحكمه، فهو داخل، بل هذا ثمرة الإيمان، التسليم والرضا والاستعداد للعمل أمر قلبي، لا بد أن تنتج عنه أعمال، ولذلك فإن الله جعل العمل امتحاناً لحقيقة الدعوى قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. فالاتباع هو اتباع النبي ﷺ في كل ما جاء به من الدين، ومحبة الله هي حقيقة الإيمان، وهي أول أركان العبادة، فمن ادعى أن حب الله هو مجرد دعوى في القلب، فلابد أن يظهر ذلك على أثر أعماله، ومن هنا يتبين لنا حقيقة الإيمان، وأنه قول وعمل، وأنه يدخل في أعمال القلب وأعمال الجوارح. قوله: (وإخلاصه) أي: صدق النية مع الله، والإخلاص هو صدق التوجه إلى الله، وأن لا يشرك مع الله أحداً في التوجه، والإخلاص هو إخلاص العبادة، وإخلاص الإذعان، وإخلاص اليقين، وإخلاص النية؛ لأن النية تدخل في الأمور القلبية وأمور الأعمال، وكذلك حبه وإرادته للأعمال الصالحة. وعمل الجوارح هي: أعضاء الإنسان ومنها القلب فهو يدخل مع الجوارح، لكن القلب قد يكون عمله باطنياً، بمعنى أعمال قلبية غير ظاهرة، لكن من البدهي أن الأعمال القلبية لا تصدق ولا تصح إلا إذا أثمرت أعمالاً، والتي هي مجموع الاستقامة على الدين. فعمل الجوارح هو فعل المأمورات وترك المنهيات، فعل ما أمر الله به من الصلاة وما دونها من جميع الأعمال إلى أقل الأعمال، ثم ترك المنهيات، وهي كل المحرمات والمكروهات وما دون ذلك من المشتبهات.

стр. 221

إخراج العمل عن الإيمان وإدخال ما ليس منه فيه قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ثانياً: من أخرج العمل عن الإيمان فهو مرجئ، ومن أدخل فيه ما ليس منه فهو مبتدع]. هذه قاعدة فرعية تابعة للقاعدة الأولى، فإذا عرفنا أن الإيمان قول وعمل، وأن الإيمان يشمل الأمور القلبية والاعتقادية والمعرفية وغيرها، كما يشمل الأعمال الظاهرة، فإن من ادعى أن العمل لا يدخل في الإيمان كما قالت المرجئة وهم أصناف، منهم: المرجئة الغلاة الذين أعرضوا عن شرع الله واستهانوا به، وزعموا أن مجرد المعرفة تكفي، وهذه فلسفة قد تصل بالإنسان إلى الخروج من الدين، إذا أعرض عن الدين بالكلية بدعوى أنه يكفيه المعرفة. والصنف الثاني قد لا يخرج من مقتضى الدين لكنه خرج عن السنة، وهم الذين ادعوا أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، فكل من ادعى أن الأعمال ليست من الإيمان فهو مرجئ. والمرجئ هو: من يعتقد أن الأعمال لا تدخل في الإيمان، وسمي مرجئاً؛ لأنه أخر الأعمال عن الإيمان، وهذا تسميه العرب في لغتها إرجاء؛ لأنهم جعلوا الأعمال متأخرة، وهذا هو الأصل في التسمية، أنهم أرجئوا الأعمال وأخروها وأبعدوها عن الإيمان وفصلوها عن حقيقته. إذاً: كل من أخرج الأعمال المطلوبة شرعاً من الإيمان وقال: إنها ليست من الإيمان فهو مرجئ، وكذلك العكس: من أدخل في الإيمان ما ليس منه فهو مبتدع. وهذا ينطبق على البدع التي أحدثها الناس وزعموا أنها من الدين، وزعموا أنها من الإيمان، فهذه لا تدخل في الإيمان، فكل ما أحدث باسم الدين من المحدثات فهو لا يدخل في مسمى الإيمان، وإن قصد به فاعله زيادة الإيمان. مثال ذلك: الاحتفالات البدعية التي يتدين بها الناس، ويقصدون بها أموراً إيمانية: محبة الرسول ﷺ ، أو محبة الصالحين، أو محبة الأولياء، ولا شك أن هذا من أعظم الإيمان؛ لكن نظراً لأن هذا غير مشروع فإدخالهم هذا العمل في مسمى الدين والإيمان خطأ بل هو بدعة. فمن أدخل في الدين أو في الإيمان ما ليس منه فهو مبتدع؛ لأنه شرع ما لم يشرعه الله ، والنبي ﷺ يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) و (أمره) أي: أمر النبي ﷺ وهو هذا الدين الذي يشمله مسمى الإيمان، (ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وهو أمر النبي ﷺ ، الذي هو هذا الدين الذي تمثل فيه الإيمان، كل من عمل عملاً ليس مشروعاً فلا يدخل عمله في مسمى الإيمان، فهو مردود، ثم تاج ذلك قول النبي ﷺ : (كل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة).

стр. 222

الأحكام المترتبة على من لم يقر بالشهادتين قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ثالثاً: من لم يقر بالشهادتين لا يثبت له اسم الإيمان ولا حكمه لا في الدنيا ولا في الآخرة]. الشرح: المقصود بهذا أن من لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، سواء من لم يكن مسلماً أصلاً، أو نشأ بين المسلمين، ثم لما بلغ وقامت عليه الحجة، لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله عمداً، لا غفلة؛ لأنه قد يغفل، لكن إذا لم يقر بالشهادتين، أو كان غير مسلم، ثم لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فلا يثبت له اسم الإيمان -أي: لا يقال: إنه مؤمن- ولا حكم الإيمان من حيث ما يترتب عليه الإيمان من الثواب في الدنيا والآخرة، فعلى هذا يبقى تحت مسمى غير المسلم أو مسمى الكافر. وقوله: (لا في الدنيا) بمعنى أنه لا يستحق أحكام المؤمنين؛ لأن أحكام المؤمنين معروفة في التعامل في جميع شئون الحياة، وفي الممات من حيث الصلاة عليه وميراثه وغير ذلك مما هو معلوم. وفي الآخرة ما بعد الموت: أي حسابه عند الله كما ثبت في قطعيات النصوص، أن من لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو من أهل النار، وليس له حكم الإسلام. والنبي ﷺ أكد ذلك كما في صحيح مسلم وغيره بقوله: (والله لا يسمع بي رجلٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار)، وإذا كان هذا في أهل الكتاب، فغيره من باب أولى، وهذا الحديث من جوامع كلم النبي ﷺ . إذاً: هذا يدخل فيه؛ لأن هؤلاء لم يقروا بالشهادتين، فلا يثبت لهم اسم الإيمان ولا حكمه، لا في الدنيا ولا في الآخرة.

стр. 223

بين الإسلام والإيمان عموم وخصوص قال المؤلف حفظه الله تعالى: [رابعاً: الإسلام والإيمان اسمان شرعيان بينهما عموم وخصوص من وجه، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن، ويسمى أهل القبلة مسلمين]. الشرح: المقصود بهذا أن الإسلام والإيمان من الألفاظ الشرعية التي تطلق على الدين، وتطلق على أفراد المسلمين، يقال: مسلم ومؤمن، لكن هذه الكلمات تشترك من وجه وتختلف من وجه، وهذا في عموم المصطلحات الشرعية، مثل الإسلام والإيمان، عبارات تتناوب، بأن تشترك في معانٍ وتختلف في معانٍ، فمثلاً: الإسلام في الأصل يطلق على أعمال الدين الظاهرة، وعلى ما يبدو من المسلم من تسليمه للدين، حينما يعترف بالإسلام، ويقيم شعائر الإسلام، فهذا يوصف بأنه مسلم، وحكمه أنه على الإسلام. والإيمان المقصود به: القطع واليقين في القضايا العقدية العلمية التي هي في القلب، ولذلك عد النبي ﷺ في حديث جبريل الإيمان بأركانه الستة، والأركان الستة كلها عقائد وليس فيها أعمال، بل كلها تصديق ويقين، لكن لا بد أن يثمر عنها العمل، ثم لما ذكر الإسلام في الحديث ذكره بأركان الإسلام الظاهرة، فهل يعني هذا -كما يظهر لبعض الناس الذين لا يأخذون بعموم الأدلة- أن الإيمان هو الأمور الاعتقادية فحسب ولا تدخل الأعمال؟ الجواب لا، لكن إذا اجتمع الوصفان، الإسلام والإيمان في عبارة واحدة وفي مقطع واحد وحديث واحد، فإن الإسلام غالباً يطلق على الأعمال الظاهرة، والإيمان يطلق على الأعمال العلمية اليقينية الاعتقادية الباطنة، وإذا انفرد كل واحد منهما شمل المعنى الآخر، فإذا قلنا: الإيمان من غير أن نذكر الإسلام فلابد أن يشمل الإسلام، وإذا قلنا: المؤمن فالأصل أن يكون مسلماً، وإذا قلنا: الإسلام فلابد أن يشمل الإيمان، والمسلم الأصل أن يكون مؤمناً، ولكنه غير لازم. فالإسلام والإيمان وصفان شرعيان بينهما عموم؛ لأنهما يشملان الدين، وبينهما خصوص إذا اجتمعا في سياق واحد، فكل واحد منهما يختص بمعنى، ويقترن مع معنى اللفظ الآخر بمعانٍ، والدليل على هذا: هل تصح أركان الإيمان من المسلم بلا أركان الإسلام؟ وهل تصح أركان الإسلام من المسلم بلا أركان الإيمان؟ فهما يلتقيان من وجوه ويختلفان من بعض الوجوه، فإذا انفردت كل لفظة لوحدها شملت اللفظة الأخرى، وإذا اجتمعت مع أختها فكل واحدة لها معنى يختص بها. أما مسمى الأشخاص: المسلم والمؤمن، فهذه تسمى الأسماء والأحكام، وهي تابعة للإيمان، فما نطلقه على الناس: مؤمن، مسلم، كافر، فاسق، فاجر، ظالم، منافق، هذه تسمى الأسماء والأحكام، وهي داخلة في مسميات الإسلام والإيمان، وكل مصطلح له معنى، والذي يهمنا هنا هو ما بين المسلم والمؤمن من وجوه الافتراق والاختلاف. فمثلاً: كل مؤمن لابد أن يكون مسلماً؛ لأنه لا يتصور أن أحداً يدعي الإيمان ثم لا يعمل بمقتضى الإسلام، بل لا يصح شرعاً أن نصف أحداً بأنه مؤمن ما لم يلتزم شرائع الإسلام، وليس كل مسلم مؤمن؛ لأن الإسلام هو الأمر الظاهر الذي نراه، والإيمان هو أمر قلبي، فقد يكون الإنسان يدعي الإسلام وفيما بينه وبين ربه لا يؤمن بحقائق الدين، كالمنافق الخالص. والمنافق الخالص يظهر الإسلام خوفاً على نفسه، لكن يكون في قلبه غير معترف بالله ، ولا بأركان الإيمان أو ببعضها، فهذا نسميه مسلماً، لكن لا نستطيع أن نجزم له بالإيمان. فمن توفر عنده وصف الإيمان فلابد أن يكون مسلماً، ولكن من توفر عنده وصف الإسلام فقد لا يكون مؤمناً عند الله ، وهذا فيما يتعلق بحقيقة الأمر وليس لنا إلا الظاهر. وأهل القبلة الذين يدعون الإسلام كلهم مسلمون، حتى من ارتكب معاص وفجوراً وفواحش وبدعاً، ما دامت أعماله لا تخرجه من الملة، فلا يزال له مسمى الإسلام، فهو من أهل القبلة، والنبي ﷺ ذكر أن المسلم هو (من صلى إلى قبلتنا، وأكل ذبيحتن) فهذا له حقوق المسلم، وإن احتاج إلى شيء من التأديب، أو التعزير، أو الهجر، أو الردع، فهذه أمور أخرى هي من مقتضيات التناصح بين المسلمين، وإقامة حدود الله وشرعه، ولا تعني إخراج الأفراد من الملة، أو من مسمى الإسلام. فمن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو مسلم، لكن لا نستطيع أن نجزم أنه مؤمن؛ لأن أمر الإيمان بينه وبين ربه، لكن إن تحققت له حقيقة الإيمان عند الله فلابد أن يكون مسلماً، ويسمى أهل القبلة جميعهم مسلمين. وليس كل مسلم في الظاهر يكون مؤمناً في الباطن؛ لأن الباطن لا يعلمه إلا الله ، وقد يدعي الإسلام وهو منافق.

стр. 224

حكم مرتكب الكبيرة في الدنيا والآخرة قال المؤلف حفظه الله تعالى: [خامساً: مرتكب الكبيرة التي دون الكفر والشرك لا يخرج من الإيمان، فهو في الدنيا مؤمن ناقص الإيمان، وفي الآخرة تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، والموحدون كلهم مصيرهم إلى الجنة وإن عذب منهم بالنار من عذب، ولا يخلد أحد منهم فيها قط]. الشرح: هذه القاعدة الحقيقة تضمنت مسائل عملية عظيمة في الدين يحتاجها المسلمون في حياتهم وفي تعاملهم مع الآخرين، ولاسيما في هذا الوقت الذي كثر فيه الخلط والالتباس، وكثرت فيه الشبهات والتشكيك في المسلمات، مما أدى إلى كثير من الفتن بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين المخالفين لهم. مسألة مرتكب الكبيرة متفرعة عن مسائل الإيمان، وتتعلق بما يسمى بالأسماء والأحكام، وأعني بذلك أن من يرتكب كبيرة، والكبائر هي أعظم المعاصي، وما دونها من باب أولى أن يكون حكم صاحبه حكم الإسلام والإيمان، فمن ارتكب كبيرة ولم يصل إلى الردة والشرك كأكل الربا أو الغيبة أو النميمة أو الكذب أو غيرها من كبائر الذنوب، فهذا المسلم يسمى مرتكب الكبيرة، يعني استهان بالدين وركب المعصية، وعمل الكبيرة التي دون الكفر والشرك، والكفر هنا هو الكفر المخرج من الملة، كل كبيرة لا تخرج من الملة ولا توقع في الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر؛ فإن صاحبها يبقى مسلماً، ويبقى مؤمناً، ولا يخرج من مسمى الإيمان. والنبي ﷺ أثبت ذلك حين ذكر أن المسلم يبقى على مسمى الإيمان، وإن زنى وإن سرق، وكان أبو ذر ﵁ عنده فكأنه استغرب مثل هذا الحكم، فقال: (يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق) فكررها مما يدل على أنه يبقى له مسمى الإيمان والإسلام وإن ارتكب كبيرة. ويشكل على هذا أحاديث أخرى مثل قول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) وهذا نفي للإيمان، وذاك السابق إثبات للإيمان، فيجب هنا أن نجمع بين النصوص؛ لأنها صحيحة كلها، والجمع بين النصوص أن يقال: هذا الذي ارتكب الكبيرة بقي على أصل إيمانه؛ لأنه ارتكبها ولم ينقض نواقض الدين الأخرى، وفي الحديث الآخر نفى عنه الإيمان، أي: نفي عنه كمال الإيمان لا أصل الإيمان، وهذا مثل الصلاة، فيها جزء مجزء وفيها جزء يؤجر عليه، والنبي ﷺ نفى أن تقبل الصلاة من الإنسان الذي يسهو في صلاته وليس له منها شيء، ولا يعني ذلك أنه لم يؤد الفرض لكن لا يعني ذلك أنه لا يقبل عمله قبولاً يكون له فيه أجر. ومثله الإيمان، فإنه ينفى عن بعض من يفعل الكبائر مقتضى الإيمان، وأقصد بمقتضى الإيمان؛ أن الإيمان لابد له من ثمرة، وهذا لم تتحقق عنده ثمرة الإيمان في هذه الجزئية. وربما يكون نفي الإيمان في أمر محدد تلك اللحظة ولا يعني نفي الإيمان مطلقاً، وأيضاً فإن من توجيه ذلك أن النبي ﷺ نفى الإيمان عن فاعل هذه الكبيرة حين يفعلها واختل إيمانه في هذه الجزئية لا في الدين كله، ولم يخرج عن مقتضى التصديق، وإنما أخل بالعمل. فعلى هذا فإن مرتكب الكبيرة التي هي دون الكفر والشرك لا يخرج صاحبها من الإيمان ولا الإسلام، فهو في الدنيا مؤمن ناقص الإيمان بقدر أفعاله التي اقتضته أو ذنوبه التي اقتضت النقص. وقوله: (وفي الآخرة) لأن المؤمن صاحب الكبيرة في الدنيا نقول: إنه مؤمن ناقص الإيمان، فإن تاب قبل موته تاب الله عليه إذا توفرت فيه شروط التوبة، لكن إذا مات وهو مصر على المعصية والكبيرة، فإن مصيره في الآخرة فيه تفصيل: أولاً: قبل أن يحكم على العباد بجنة أو نار هو تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له فيدخل الجنة والله غفور رحيم، ورحمته سبقت عذابه، ونرجو للمؤمنين الذين وقعوا في الكبائر أن يغفر الله لهم، وأيضاً قد لا يغفر الله له، ويستحق النار، بأن يعذب فيها بقدر كبيرته، ولابد أن يخرج من كان أصله مسلماً إذا مات على كبيرته، وقدر الله عليه أن يعذب في النار لابد أن يخرج منها. وخروجه يكون بعدة أسباب شرعية، منها: شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته، وشفاعات الأنبياء لأهل الكبائر من أممهم، وشفاعة الملائكة، وشفاعة المؤمنين والصالحين، وشفاعة القرآن، وشفاعات كثيرة. ومنها: رحمة الله ، حينما تنتهي الشفاعات فإن الله يتولى -رحمة بعباده- إخراج من يشاء من النار. ففي الآخرة العاصي تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، والموحدون كلهم مصيرهم إلى الجنة، وإن عذب منهم في النار من عذب، ولا يخلد أحد منهم فيها قط ومن كان عنده أدنى ذرة من إيمان فلن يخلد في النار.

стр. 225

القطع للمعين بالجنة أو النار قال المؤلف حفظه الله: [سادساً: لا يجوز القطع لمعين من أهل القبلة بالجنة أو النار إلا من ثبت النص في حقه]. هذه قاعدة متفرعة عن مسألة الإيمان، ويغلط فيها كثير من الناس قديماً وحديثاً، لأنها تحتاج إلى تفصيل: أولاً: نرجو لكل مسلم مؤمن أن يكون من أهل الجنة، وغير المسلم الأصل أنه من أهل النار، هذا هو الأصل. ثانياً: عموم المؤمنين هم من أجل الجنة، وعموم الكافرين هم من أهل النار، ومع ذلك فإن الإنسان المعين لا نستطيع أن نجزم له بأنه من أهل الجنة، وإن كان ظاهره الصلاح، ولا نجزم بأنه من أهل النار، وإن كان ظاهره الفساد؛ لأننا لا ندري ما يختم له، ولذلك فإن من قواعد السلف وتقريراتهم أننا لا ندري عن مصير الإنسان، ولا نجزم لأحد بعينه إلا ما جاء النص بأنه من أهل الجنة، أو جاء النص بأنه من أهل النار. أما بقية الخلق الذين يموتون فلا نستطيع أن نجزم لأحد منهم بأنه من أهل الجنة، وإن كان صالحاً مسلماً تقياً ورعاً ولا أنه من أهل النار؛ لأننا لا ندري على أي حال سبق عليه الكتاب، وهناك دليل واضح يبين هذه القاعدة وهو أن النبي ﷺ ذكر في الحديث الصحيح: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يظهر للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يظهر للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيدخل الجنة). والذراع ربما يكون في حساب الزمن لحظات والله أعلم، وهذا النص مجمل ومبهم، لكنه يدل على قصر المدة الزمنية التي يكون فيها تحول الشخص لحظة الموت عند الوفاة من حال إلى حال. فهذا أمر قلبي، والإنسان قد يكون فيما يظهر لنا على حال أهل النار، ولكن ربما يجدد الله له توبة لم يستطع أن يفصح عنها أو يبينها، أو لم يتمكن، ويموت على هذه التوبة، فما يدرينا وأحوال العباد عند الله ، والعكس كذلك قد يكون الإنسان فيما يظهر لنا من أخلص العباد، لكن ربما يحول الله حاله، والله هو مقلب القلوب، ولذلك قال النبي ﷺ : (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، وهكذا ينبغي للمؤمن دائماً أن يلجأ إلى الله ، وأن يثبته على الإيمان والإسلام حتى آخر لحظة. فينبغي أن نعتقد ونجزم أن مصائر العباد غيبية، فهذا الشخص الذي ظهر صلاحه، ربما يكون في آخر لحظة سبق عليه الكتاب فوقع في أمر يقتضي أن يكون من أهل النار، ومات على هذه الحال ونحن لا ندري، أليس هذا محتملاً؟ فالأمر لله من قبل ومن بعد، ومصائر العباد بيد الله، فلا نتألى على الله، ولكن نحسن الظن بالله، ونحسن الظن بالمسلمين، ونرجو للمحسنين ونخاف على المسيئين. ولذلك فإن من الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أنهم يجزمون على بعض المعينين بأنهم من أهل الجنة، أو يجزمون لهم بالشهادة، حتى وإن قتل في معركة مشروعة، ونحن لا نستطيع أن نجزم له بالشهادة، ولكن نرجو له الشهادة، حتى في عهد النبي ﷺ شهد الصحابة لأحد المقاتلين بأنه من أهل الجنة، فقال النبي ﷺ : (لا، هو من أهل النار)، فانقلبت الأمور عما يتصورون؛ لأنه أبلى بلاءً حسناً، وجاهد جهاداً عظيماً، وفتك في العدو فتكاً يدل ظاهره على أنه مأجور أعظم الأجر، وأنه من أعظم الشهداء، ومع ذلك فوجئوا بأن النبي ﷺ قال: (إنه من أهل النار)؛ لأنه غل، وتعلق قلبه بدنيا. فالمصائر بيد الله، فلا يجوز القطع لمعين لأن مصائر العباد بيد الله، لكن مع ذلك نثق بوعد الله ونحسن الظن، ونرجو للمحسنين، ونخاف على المسيئين.

стр. 226

قواعد في التكفير قال المؤلف حفظه الله تعالى: [سابعاً: الكفر الوارد ذكره في الألفاظ الشرعية قسمان: أكبر مخرج من الملة، وأصغر غير مخرج من الملة، ويسمى أحياناً بالكفر العملي. ثامناً: التكفير من الأحكام الشرعية التي مردها إلى الكتاب والسنة، فلا يجوز تكفير مسلم بقول أو فعل، ما لم يدل دليل شرعي على ذلك، ولا يلزم من إطلاق حكم الكفر على قول أو فعل ثبوت موجبه في حق المعين إلا إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع، والتكفير من أخطر الأحكام فيجب التثبت والحذر من تكفير المسلم]. أولاً: الكفر حكم إلهي من الله وليس إلى العباد. ثانياً: الكفر نوعان: النوع الأول: الكفر الخالص، وهذا ليس لنا فيه خيار، ولا يجوز لنا أن نخوض فيه، فمن لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهذا كفره متقرر بالكتاب والسنة، ولا يجوز أن يخوض الناس في مفردات هذه الأمور، بل الخوض فيها بدعة وإثم عظيم في الدين؛ لأن هذا حكم الله الذي لا يتبدل ولا يتغير وليس لنا فيه اجتهاد. النوع الثاني: وهو الذي يكون فيه الخطورة، ويخوض فيه الناس بشكل أدى إلى كثير من الأهواء والبدع قديماً وحديثاً، وهو الكفر دون كفر، أو الكفر الأصغر، أو تكفير المسلم، مع أننا نعلم أن في الشك في تكفير من كفرهم الله من الكفار الخلّص إثمٌ عظيم، وربما يكون ردة أو كفراً، لكن ومع ذلك قل من المسلمين من يقع في ذلك، إلا في الآونة الأخيرة عندما كثرت الشبهات، ومع ذلك نعتبر هذا لا يزال من البدهيات عند عامة المسلمين. فالأمر الذي يحتاج إلى تقعيد هو ما يقع فيه المسلم من الكفريات، وهو نوعان: كفر مخرج، وكفر لا يخرج من الملة، وهو الأكثر، وهذا يحتاج إلى قواعد مهمة: أولاً: الكفر هو حكم الله في العباد، وعلى هذا فإن أي قول فيه بلا دليل بين من الله وبدون برهان من الله ، فهو قول خطير على صاحبه. ثانياً: أن التكفير ورد فيه الوعيد عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما)، فولوج واقتحام الناس في التكفير خطر عليهم، وبعض الناس يظن أن هذا واجب عليه، وأنه ينظر في الخلق ماذا عملوا، وفي الناس ماذا ارتكبوا من الأقوال والاعتقادات والمواقف الكفرية فيحكم عليهم، ويظن أن هذا واجبه، مع أن المسألة عكسية، فيجب عليك أن تتورع، والله يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، ثم إن النبي ﷺ قد حذّر وجعل الكفر حكماً إلهياً، إذا لم يقع على من تكفره وقع عليك، وكيف تجزم بأنه يقع على من تكفره، فالأمر خطير. ثالثاً: أن تكفير الناس بأفعالهم من اختصاص الراسخين في العلم؛ لأنه خطير، وهو من قضايا الدين الكبرى؛ ولأنه حكم على العباد أشبه بالحكم القضائي الذي لا يصدر ألا من قاضٍ، تتوافر فيه شروط القضاء، بل التكفير أشد من الحكم القضائي؛ لأنه حكم بحكم الله على العباد، وهذا لا يمكن أن يتأتى إلا لعالم راسخ في العلم مستوعب لشروط التكفير وضوابطه وموانعه، ويكون ممن عنده القدرة على التثبت وإقامة الحجة على الأفراد والجماعات والهيئات التي يكفرها الناس، وأنى يتهيأ هذا إلا لقلة، وبعض الناس يظن أن التكفير في ذمته، فيجازف ويبدأ يحكم على الخلق. رابعاً: أن أغلب ما وصفه النبي ﷺ من أعمال المسلمين بالكفر هو الكفر الذي لا يخرج من الملة، بل يندر أن يكون مما وصفه النبي ﷺ من أعمال الكفر التي تقع من المسلمين من الكفر المخرج. فالنبي ﷺ وصف أشياء كثيرة بأنها كفر، أقوالاً وأفعالاً، وممارسات ومواقف، لكنها كلها -إلا النادر والنادر لا حكم له- من الكفر الذي لا يخرج من الملة. فمثلاً: الطعن في الأنساب سماه النبي ﷺ كفراً، والنياحة على الميت سماه كفراً، وقتال المسلم سماه كفراً، والنبي ﷺ قال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، فهل هذا كفر مخرج من الملة؟ وإتيان الكاهن سماه كفراً، وأشياء كثيرة من الأعمال سماها كفراً. بل نفى الإيمان أحياناً (لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه)، (من تشبه بقوم فهو منهم)، (من غشنا فليس منا)، نصوص عظيمة لو أخذنا بظاهرها لأخرجنا كثيراً من المسلمين من الملة، بل هذا الذي يكفر هو يقع في مكفرات لو هو حاسب نفسه. خامساً: أن التكفير له شروط ويقابلها الموانع، وهذه الشروط لو وعاها كثير من الذين وقعوا في غوائر التكفير لأحجموا، ولما اقتحموا هذا الباب الخطير، ولذلك فإن الذين اقتحموا هذا الباب الخطير بغير فقه، ولا علم، وما تورعوا، أوقعوا أنفسهم قبل غيرهم في حرج شديد في الدين، وكثير منهم يستبيح قتل نفسه؛ لأنه حينما كفر الآخر بنى على هذا أحكاماً في تعامله مع الآخر، وأراد أن يتخلص من هذه الأحكام بأن يقتل نفسه، لئلا ي

стр. 227

الأسئلة

стр. 228

الشكوك في الإيمان والاعتقاد السؤال هل من لديه شكوك في الإيمان والاعتقاد هل يدخل في مسألة النفاق أو أنه يكون منافقاً؟ الجواب مسألة الشكوك في الإيمان هذه لا بد أنه يفصل فيها، فالشكوك التي تستقر في القلب مرض يجب علاجه، لكن لا يعني أن الإنسان خرج من الإيمان، لأن الشكوك ابتلاء من الله ، فالشك العارض دليل قوة الإيمان إذا اندفع بما عند الإنسان من إيمان. فالخواطر التي ترد، والشبهات العارضة التي بمجرد ما ترد الإنسان ينكرها قلبه، ويجد النفور منها، ويجد أن الإيمان قوي يدفعها، فهذه شكوك عارضة لا تضر، لكن الشك الذي يستقر يكون على شكل خواطر مستمرة، أو بوادر وسواس، وهذا أمر يحتاج إلى علاج بالأسباب الشرعية، من كثرة التفقه في الدين، وحضور مجالس الذكر، وكثرة تلاوة القرآن، والأوراد ومجالسة الصالحين، ومع ذلك فإذا استمر الأمر فإنه يمكن أن يأخذ الإنسان علاجاً نفسياً. ولكن مهما بلغت الشكوك إلا أنها لا تعني أن الإنسان يخرج من الإيمان أبداً فليبق إن شاء الله متفائلاً، وربما يؤجر على مثل هذا الدفاع الذي دافع به عن نفسه وعن يقينه وعن إيمانه.

стр. 229

الإيمان المطلق ومطلق الإيمان السؤال ما حكم استخدام مصطلح الإيمان المطلق ومطلق الإيمان؟ الجواب مثل هذه الألفاظ الإيمان المطلق ومطلق الإيمان من الألفاظ الفلسفية التي لا طائل من ورائها، ولم يرد فيها الشرع، فبينها عموم وخصوص، فبعضها يتعلق في العمل، وبعضها يتعلق بالعمل والتصديق، فالإيمان المطلق أو مطلق الإيمان كله له لوازم، وكله يلزم منه العمل، فعلى هذا فإن العمل لا ينفك من الإيمان. فعلى هذا فإن الارتقاء في درجات الإيمان هو في الحقيقة سهل من جانب وصعب من جانب آخر، فهو سهل من حيث أنه يتناسب مع ما فطر الله عليه الإنسان، ويتناسب مع التركيبة النفسية والعقلية والقلبية لبني آدم، فإذا صدق الإنسان وصدق قلبه للارتقاء بالأعمال وجد ذلك سهلاً، لكن مع ذلك ونظراً إلى أن القلب والنفس والعقل يعتريها الأهواء والشبهات والعوارض والموانع والقواطع وما أكثرها، من وساوس الشيطان وجلساء السوء والبيئة والواقع الذي يدفع الإنسان إلى ما يضعف إيمانه، فهذه أمور تحتاج إلى جهاد، وفعلاً فإن الارتقاء بدرجة الإيمان ليس سهلاً. وهناك حكمة أقرها السلف وتنسب للحسن البصري يقول: (الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل) وهذه ليست مجرد دعوى، فإن ظهر العمل مصدقاً للدعوى، فإن الدعوى تكون صحيحة، وإلا فإنها تبقى مجرد دعوى. ومن هنا فهناك دعوى لبعض الناس وهي: أنه إذا قيل له: لم تفعل ولم لا تفعل، إذا أمر بمعروف أو نهى عن منكر، ضرب صدره بيده، وقال: التقوى هاهنا، وهذه مقولة خطيرة، ودعوى أن التقوى هاهنا تحتاج إلى تطبيق، والله يحاسبك على العمل، فماذا عملت تجاه هذه الدعوى، وإلا فتبقى مجرد خدعة، إما أن يخدع بها الإنسان نفسه، أو يخدعه الشيطان ويخدع الآخرين.

стр. 230

اتفاق وافتراق الإسلام والإيمان السؤال متى يكون الإسلام والإيمان بمعنى واحد ومتى يكونان مختلفان؟ الجواب يكون الإسلام والإيمان بمعنى واحد إذا وجدا في لفظ واحد، فإذا جئنا بإطلاق الإسلام فإنه يعني الإيمان والإسلام في وقت واحد، وكذلك الإيمان إذا جاءت وحدها فإنها تعني الإسلام والإيمان في وقت واحد، أما إذا اقترنت اللفظتان في سياق واحد، فكل واحدة لها معنى مع وجود المعنى المشترك.

стр. 231

أثر الأعمال على الإيمان السؤال ثبت في الحديث: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) فيقول: هل من الأعمال ما ينقض الإيمان بالكلية؟ الجواب نعم، خاصة ترك الصلاة، وإلا فالإعراض عن الدين بالكلية ينقض الإيمان بالكلية، وأيضاً الأعمال التي فيها شرك، لأن نواقض الإسلام العملية تخرج من الملة، وعلى هذا فإن الإسلام لابد أن يكون له حقيقة كما أن الإيمان لابد أن يكون له حقيقة، والإسلام والإيمان لابد أن تكون لهما حقيقة، وقد تنقض هذه الحقيقة بعض الأعمال. وعلى هذا فإن الذين يزعمون أنه يتحقق الإيمان الكامل بمفصل عن الأعمال، هم الذين قالوا: إنه ليس هناك من الأعمال ما يخرج من الملة، وهذه مناقضة لقطعيات النصوص، فإن الأعمال الشركية إذا توافرت فيها الشروط على الشخص بأن وقعت في شرك خالص؛ فإنها تخرج من الملة وهي عمل، بل حتى الأقوال الشركية تخرج من الملة. وكذلك أحوال القلوب التي هي بين العبد وبين ربه، مثل النفاق الخالص يخرج من الملة، فمن يزعم أنه ليس هناك عمل يخرج من الملة، فهذه المقالة خطيرة، بل إن الكثير بل كل الأعمال الشركية وأعمال الردة وما يناقض الإسلام، بل حتى أفعال الترك التي ليست مجرد فعل الشركيات والكفريات، بل الترك الذي هو الإعراض عن الدين بالكلية مخرج من الملة، وترك الصلاة بالكلية مخرج من الملة وهكذا، وأيضاً الترك على سبيل الجحود لبعض الأعمال التي ربما لا تكون من أركان الإسلام، لكن من باب جحود أن تكون من الحق الذي ثبت بقطعيات النصوص هذا أيضاً يخرج.

стр. 232

حكم قول: الحمد لله الذي بنعمته اهتدى الهادون وبعدله ضل الضالون السؤال ما حكم قول: (الحمد لله الذي بنعمته اهتدى الهادون، وبعدله ضل الضالون)؛ لأن هناك من قال لنا بأن هذا لا يجوز ولا يليق؛ لأن الله هدى الإنسان النجدين، وإنما يعذبهم على اختيارهم الشر عدلاً، ولهذا شواهد كثيرة لعلها تكون في القدرية؟ الجواب لا حرج، بل هذا حق، والله رحيم والنعمة من الرحمة وبينهما ترادف، وأنا أظن أن هذا الدعاء لا عيب فيه فيما يظهر لي.

стр. 233

الإشارة عند تعليم القرآن الكريم السؤال ما حكم ما تقوم به بعض معلمات القرآن من تعليم الصغيرات القرآن وتحفيظهن السور بعمل بعض الحركات، مثلاً: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس:٥] تقوم بالإشارة إلى الأعلى، ﴿وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ [الشمس:٦] تشير إلى الأسفل، وهكذا، وهل في هذا احترام وتعظيم للقرآن، حيث أصبح يتلى وكأنه نشيد مصاحباً للحركات اليدوية؟ الجواب هذا فيه تفصيل وفيه نظر في الجملة، وفيه نوع تحفظ شرعاً، لكن ومع ذلك فإن كانت هذه الحركات عارضة بدون قصد من المعلمة، كأن تعودت بعض المعلمات وكذلك بعض المعلمين أن يستعمل حركات كوسيلة إضافية دون أن يشعر بأنه يطبق أمراً غيبياً، فهذا الأمر إن شاء الله لا حرج فيه لكن إذا كان هذا منهجاً وأسلوباً يلتزم في تعليم القرآن، فأظن أن فيه خطورة؛ لأن كثيراً من الأمور التي ورد ذكرها في القرآن هي أمور غيبية. فهذا إذا ما تعلق بالأمور الغيبية فأقل أحواله أنه مشتبه، والأولى الابتعاد عنه، أما إذا تعلقت الإشارة بأمر غيبي مثل الإشارة إلى أسماء الله وصفاته بالإشارات المادية التي لم يفعلها النبي ﷺ فهذا خطير في الدين، فيجب تجنبه، وكذلك أمور الغيب الأخرى، مثل: أحوال القبر، والبعث والحساب، والجنة والنار، كل هذه لا يجوز تمثيلها بحركات أو بوسائل مادية ولا بصور. ومن هنا أنبه إلى ما يقع فيه بعض الذين يستخدمون بعض وسائل الوعظ، في التخويف من النار، أو الوعيد بالجنة، أو التخويف من بعض المعاصي باستعمال صور، كأن تصور الجنة على هيئة معينة، والنار على هيئة معينة، أو عذاب القبر، أو نعيم القبر، كل هذا لا يجوز، بل يجب سده؛ لأنه باب فتنة يمثل الغيبيات على أمور محسوسة تنطبع في أذهان الأجيال، فيقعون في أخطار فادحة في الاعتقادات، وهذا ما وقعت فيه الأمم السابقة. لأن الأمم السابقة مثلوا الملائكة بنساء جميلات، فتفهمت أجيال منهم أن الملائكة إناثاً، وإن كان هذا جاء على سبيل مجرد وسائل إيضاح في البداية والله أعلم، كذلك مثلوا كثيراً من الغيبيات بأمثلة وصور فربطوا هذا بتقديس الغيبيات. فالأمر خطير وأرى أن نبتعد عن مثل هذه الوسائل خاصة في تعليم القرآن إلا ما يأتي من غير قصد في غير تمثيل الغيبيات.

стр. 234

إطلاق الإيمان الكامل على شخص معين السؤال هل لنا أن نطلق الإيمان الكامل على شخص معين الجواب الكمال النسبي الذي عليه المخلوق يقال مثلاً: بعض العباد كاملو الإيمان، فالكمال النسبي الذي يتصف به البشر، فلا حرج في ذلك إن شاء الله، لكن لا يكون على سبيل التزكية المطلقة، إنما من باب التفاؤل وعلى سبيل المدح والثناء والترغيب، فيقال: فلان كامل الإيمان، ولا نقصد به الكمال الذي عند الله ، إنما فيما يظهر لنا.

стр. 235

الحكم على الكافر المعين بالخلود في النار السؤال هل يحكم على الكافر الظاهر الكفر أنه خالد في النار بعد موته؟ وكذلك تارك الصلاة ممن يعتقد وجوبها، ولكنه تركها عمداً من غير عذر شرعي، وهل يعتبر هذا الفعل كفراً بحيث يخرج من الإيمان؟ الجواب أما الكافر المعين فلا يجوز أن نجزم بمصيره، أما الحكم العام فلابد منه، فمن لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإنه يدخل النار بمقتضى حديث النبي ﷺ الصريح الصحيح وقطعيات النصوص، وهذا حكم عام يدخل فيه الأفراد، لكن يجب أن نفهم أننا لسنا متعبدين بالأحكام على الأعيان إذا ماتوا حتى الكافر، فلسنا متعبدين أن نتتبع فلان بن فلان الذي مات على الكفر الخالص ونظهر تجاهه اعتقاداً معيناً، إلا الحكم العام، فهذا ليس لنا بل هو إلى الله . فالمعين يجب أن يتورع عند الجزم بحاله، حتى وإن كان كافراً خالصاً؛ لأنه يشمله الحديث؛ وقد يكون أسلم في آخر لحظة، ولم يتبين لنا حال إسلامه، وهذا وراد، فلماذا نتألى على الله، ونحكم بمصائر غيبية، وهذا لا يدخل في معارضة حكم الله القاطع في الخلود بالنار لمن لم يكن مسلماً؛ لأننا نحكم عليه حكماً عاماً، أما الحكم المعين فلأننا لا ندري عن مصيره الذي توفاه الله عليه.

стр. 236

كفارة من يقع في خطأ الأحكام على الناس السؤال ذكرتم عدم جواز الحكم على الناس بالتعيين بدخول الجنة أو النار؛ لأن ذلك حكم الله وحده، وأيضاً لا يجوز تكفير المسلم أياً كان من دون دليل، فما هي كفارة من يقع في هذا الخطأ، وجزاكم الله كل خير؟ الجواب ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٧٠] فالله جعل التوبة تجب ما قبلها، بل التائب بصدق يبدل الله سيئاته حسنات، فيتوب إلى الله توبة صادقة، وإذا كان حكم على معينين أحياء يستطيع أن يستحلهم فيجب أن يستحلهم، وإلا فيدعو لهم، ولو أمكن إذا كان ممن ابتلي بالحكم العام على الخلق أن يصدر بياناً في ذلك، فيقول أرجو كل من وقع في حقه مني شيء أن يعفو عني وأن يسامحني، فاليوم وسائل البراءة من هذه المواقف الشنيعة متوفرة، فليبذل جهده ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ومن لم يستطع أن يصل إليه فإنه يكفيه أن يتوب فيما بينه وبين ربه، والله يتولى ما بينه وبين العباد.

стр. 237

الجزم على المعين الحي بأنه من أهل النار السؤال هل المقصود عندما نقول: لا نجزم لأحد أنه من أهل النار، هل هذا وهو حي أو حتى بعد موته، فلو كان هناك نصراني أو يهودي لا نقول: إنه من أهل النار؟ الجواب من لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ومات على ذلك فهو من أهل النار جزماً، وهذا حكم عام، أما المعين فلا؛ لأننا نشك في أن الكافر من أهل النار، لكن لا نحكم عليه بعينه وباسمه؛ لأننا لا ندري على أي حال مات، فالاستثناء ليس لأنه كافر، وإنما لأننا لا ندري عن مصيره الذي لا يعلمه إلا الله. فالحي قبل أن يموت لا نجزم له بالنار؛ لأنه قد يتوب توبة يعلنها، وهذا لا تتوجه إليه الأحكام، بل تتوجه على حاله التي هو عليها، فيقال: إن بقي على ما هو عليه فهو من أهل النار استثناءً، لكن ربما يتوب، وكم هم الآن الذين يدخلون في الدين أفواجاً على مستوى العالم كله، يعدون أحياناً باليوم الواحد بالآلاف في بعض الظروف والمناسبات، خاصة عند الحوادث، وعند المناسبات الإسلامية التي يكون فيها لفت نظر للإسلام. فهؤلاء كانوا على الشرك والكفر ثم تابوا، فالأحياء لا يتأتى الحكم إلا على حالهم التي هم عليها، ومصائرهم في الآخرة كذلك، فكيف تستطيع أن تحكم على شخص وهو لم يمت؟

стр. 238

مجمل أصول أهل السنة_ القرآن - القدر يجب الإيمان بأن القرآن كلام الله حروفه ومعانيه، منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وهو معجز ودال على صدق من جاء به، كما يجب الإيمان بالقدر ومراتبه التي هي: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وأنه تعالى لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.

стр. 239

قواعد في الإيمان الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، ﷺ وآله، ورضي الله عن صحابته والتابعين ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد. فإن الإيمان كما هو مقتضى نصوص الكتاب والسنة وفهم الصحابة وسلف الأمة هو الاستقامة على دين الله اعتقاداً وقولاً وعملاً، وعلى هذا فالمسائل المتعلقة بالإيمان تعتبر أربع مسائل رئيسة:

стр. 240

حقيقة الإيمان المسألة الأولى: حقيقة الإيمان أنه قول وعمل، أي: يشمل الاعتقادات القلبية التي تبدأ بمحبة الله وخوفه ورجائه، واليقين، والتقوى، وما ينتج عن ذلك من الورع، والأمانة إلى آخره من الأمور التي هي في قلب المسلم فيما بينه وبين ربه، وما ينتج عن ذلك في تعامله مع ربه ومع الآخرين، ثم ينتقل بعد ذلك إلى القول، ويدخل فيه قول اللسان مثل الشهادتين وكل قول مشروع يتضمن الذكر والطاعة وتلاوة القرآن والأذكار والتسبيح والتهليل وغير ذلك، كلها داخلة في الإيمان القولي وكذلك الأعمال، وهذه الأعمال التي هي الحركات التي يتحرك بها الإنسان في طاعات الله ائتماراً أي: فعلاً، أو انتهاء أي: تركاً.

стр. 241

الأعمال من الإيمان المسألة الثانية: دخول الأعمال في مسمى الإيمان، والمقصود أن الأعمال تدخل في مفهوم الإيمان شرعاً، فالإيمان يشمل الأمور الاعتقادية العلمية والأمور العملية، ومن هنا فإن من قواعد الدين التزام الشرع، والاستقامة على دين الله ظاهراً وباطناً علماً وعملاً.

стр. 242

زيادة الإيمان ونقصانه المسألة الثالثة: زيادة الإيمان ونقصانه، فإذا قلنا: إن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان حتى الأعمال القلبية وهي تزيد وتنقص والأعمال القلبية قد تكون مجرد التصديق، وقد يكون مع التصديق اليقين، فهذا زيادة، وكذلك الأعمال تزيد بكثرة الطاعات والذكر والتلاوة وغير ذلك، فكلما ازدادت الأعمال سواء كانت قلبية أو عملية ازداد الإيمان، وكلما نقصت نقص الإيمان. إذاً: الإيمان يزيد وينقص يزيد بالطاعات وبفعل المأمورات وينقص بالمعاصي وبفعل المنهيات.

стр. 243

الاستثناء في الإيمان المسألة الرابعة: الاستثناء في الإيمان، وهذه مسألة قل أن يحتاجها المسلم الذي يأخذ دينه بمقتضى الفطرة، إنما هي مسألة نشأت من وجود أناس لما حصروا الإيمان في القلب وزعموا أنه لا يجوز أن يستثني المسلم فيه؛ لأنه ما دام يشعر باليقين، فلا داعٍ لأن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وهذا ليس هو المقصود بالاستثناء، فنحن حين نستثني لا نستثني ما ندركه ونشعر به؛ لأن كل مسلم حين يسأل عن إيمانه يقول: أنا مؤمن؛ لأنه يسأل من يصدّق، وعلى هذا فلا يستثني هذا الأمر، إنما يستثني المآل والمصير الذي ينتهي إليه، ومن باب التفاؤل يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وأرجو أن الله يثبتك على الإيمان، ويستثني لئلا يتألى على الله ولا يزكي نفسه، لا لأنه يستثني ما يشعر به الآن، فما تشعر به الآن من اليقين والتصديق فعبّر عنه بدون ما تقيده بالمشيئة، لكن تعليق الإيمان بمشيئة الله متعلق بمستقبل الأمر، وبمصير الإنسان ومآله بما يموت عليه، فلذلك ينبغي له أن لا يتألى على الله ولا يصيبه الغرور، فيرجع الأمور إلى مشيئة الله، وهذا تفويض لله ويدل على قوة الإيمان، ولا يدل على التشكيك كما يزعمون أن الاستثناء في الإيمان يدل على التشكيك.

стр. 244

قواعد في القرآن الكريم قال المؤلف حفظه الله تعالى: [خامساً: القرآن الكريم: القرآن كلام الله حروفه ومعانيه، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وهو معجز دال على صدق من جاء به ﷺ ومحفوظ إلى يوم القيامة].

стр. 245

القرآن كلام الله منزل غير مخلوق الشرح: هذه القاعدة الأولى فيما يتعلق بالقرآن الذي هو من كلام الله ، وكلام الله وكلماته لا يحدها حد، والله يتكلم متى شاء بما شاء وكيف شاء، والقرآن من كلام الله، ولذلك قرن القرآن بالكلام؛ لأن صفة الكلام لله من الصفات الثابتة له، ومنها ما هو من الصفات الذاتية اللازمة لله، ومنها ما يتعلق بإرادة الله ومشيئته، وأعني بذلك: أن الله موصوف بالكلام وهذا كمال، وأن كلامه الذي هو من صفة ذاته، أي: أنه سبحانه متكلم متى شاء وكيف شاء ويكلّم من يشاء. وكلام الله يحدث متى شاء فهو متعلق بمشيئته، والله إذا أراد الكلام فإنه سيتكلم كما يريد، وعلى هذا فإن القرآن من كلامه سبحانه، والقرآن هو الذي بين أيدينا، وكلام الله الذي أنزله الله هدى وشفاء، وأنزله منهاجاً للأمة يحكم حياة الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والبشرية جمعاء، لمن اهتدى به، والقرآن إنما أُنزل ليتلى وليتدبر وليُعمل بمقتضاه، فأنزله الله هداية للقلوب وإنارة للعقول واسترشاداً للجوارح والأعمال، ولذلك فكما أمرنا بتلاوته وحفظه فقد أُمرنا بتدبره، أي: تأمل معانيه، فما كان منها من أمور العقائد آمنا به جزماً، ومن أمور الأخبار صدّقنا به، وما كان به من أوامر ائتمرنا به بقدر الاستطاعة، وما كان فيه من نواهٍ انتهينا عنه بقدر الاستطاعة، وما كان فيه من قصص وعبر ومواعظ فيجب أن نستفيد منها بما يصلح أحوال قلوبنا وأعمالنا وشئوننا في حياتنا كلها. ولذلك فإن القرآن دستور الأمة، وسنة رسول الله ﷺ متفرعة عن القرآن؛ لأن القرآن أجمل والسنة فصّلت في كثير من الأمور، ولأن القرآن أمرنا بالأخذ بسنة النبي ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. فالقرآن كلام الله على الحقيقة، فالله تكلم بالقرآن حقيقة كما يليق بجلاله سبحانه من غير تكييف ولا قياس، ومن من غير إقحام للخيالات والأوهام التي قد يتخيلها بعض الناس عن كيفية الكلام، وهذا في جميع أفعال الله وصفاته وأسمائه، فإنها لا تكيف، لكن لها حقائق، وهذا هو الفارق بين فهم السلف وبين فهم أهل الأهواء والبدع الذين خاضوا في كلام الله وقالوا فيه قولاً لا يليق بالله ، بل فيه سوء الأدب واستنقاص كمال الله بما لا يليق؛ لأنهم ما أثبتوا كلام الله على الحقيقة بحروفه ومعانيه من غير تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف، وأن هذا القرآن الذي بين أيدينا منزل من الله غير مخلوق. وقوله: (غير مخلوق) لأن القرآن كلام الله، والكلام من صفته، وصفات الله لا شك أنها غير مخلوقة، ولأن السلف حين استقرءوا نصوص القرآن والسنة في حقيقة القرآن، ثبت عندهم بالإجماع وبقطعيات النصوص أن القرآن منزّل غير مخلوق، وكانت هذه القضية بدهية في عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى أن ظهرت الأهواء العقلانية والفلسفية التي تقرر الدين بمجرد العقول والخيالات والتخرصات، وهذا منشأه الأخذ بمسالك الفلاسفة الذين منهم الذين وصفهم الله بالخرّاصين، وذمهم في قوله سبحانه: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات:١٠ - ١١] فإن التخرّص هو القول في القرآن خصوصاً وفي كلام الله عموماً بغير ما ثبت في النصوص وبمقتضى الآراء والاجتهاديات التي لا يمكن أن تقرر في هذا الأمر شيئاً؛ لأن هذه الأمور توقيفية، فكلام الله غيب وكلامه بالقرآن غيب، وكيفية كلامه لا يمكن أن تدرك ولا تقاس بأفعال البشر؛ لأن الله ليس كمثله شيء، ومن ذلك كلامه سبحانه، فإن من تكلم وليس كمثل كلامه شيء، ولا يتكلم كما يزعم الزاعمون بالكيفية التي يتكلم بها الخلق، بل إنه أنزل القرآن والقرآن غير مخلوق. وقوله: (منه بدأ) أي: أن الله تكلم به كما يليق بجلاله، فمبدأه منه؛ لأنه كلامه، وكلامه صفته، (منه بدأ) ولن يبدأ من مخلوق آخر كما يزعم أهل الأهواء الذين زعموا أن القرآن إنما عبر بموجبه عن مراد الله، أو أن الله خلقه خلقاً في مكان ما وعلى هيئة ما ثم تحول هذا الخلق إلى حروف ومعانٍ، أو أن الله خلق حروفه ومعانيه وتشكل منها القرآن كل هذه من الأقوال الباطلة والمقالات التي تفسد العقيدة وفيها مصادمة لمعاني النصوص. وقوله: (وإليه يعود) فقد ثبت في الآثار الصحيحة أنه حينما تنتهي الدنيا ويقبض الله المؤمنين ولا يبقى في الدنيا إلا شرار الخلق، لا يبقى من يقول: الله الله، ولا يبقى من يعمل بالقرآن، فعند ذلك يرفعه الله إليه. وقوله: (وهو معجز دال على صدق من جاء به إلى يوم القيامة) القرآن معجز، ولا يستطيع لبشر أن يأتوا بمثله، لا بآية ولا بأكثر من آية، ولا يزال التحدي قائماً، ولن يزال إلى قيام الساعة على وجه قطعي، ورغم محاولات مشركي العرب الأوائل الذين يملكون زمام اللغة العربية، ومحاولاتهم الجادة في أن يحاط القرآن، فإنهم ومع ذلك لم يستطيعوا بأف

стр. 246

حقيقة الكلام بحرف وصوت قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ثانياً: الله تعالى يتكلم بما شاء، متى شاء، كيف شاء، وكلامه تعالى حقيقة بحرف وصوت، والكيفية لا نعلمها، ولا نخوض فيها]. الشرح: كلام الله متعلق بمشيئته، فمتى شاء تكلم سبحانه على ما يليق بجلاله. وأيضاً: كيفية كلامه لا نعلمها، وكلامه تعالى حقيقة ليس مجازاً ولا تمثيلاً ولا غير ذلك مما يتوهمه متوهم أو يتخيله متخيل، فهو حقيقة لا كالحقائق المعلومة عند الناس، وبعض الناس يظن أن معنى حقيقة أنه كالحقائق التي نعلمها وهذا غلط، لأن حقيقته أعظم من الحقائق التي ندركها بمداركنا وبحواسنا، فمن هنا فأفعال الله لا يمكن أن تدرك بالحواس، و (حقيقتها) بمعنى أنها حق على ما يليق بجلال الله سبحانه، ولا يعني بالحقيقة المعدومة التي ترد إلى الناس من خلال تجاربهم المادية أو وسائل العلم الحديث، أو المدارك والحواس التي هي في متناول البشر. فحقائق صفات الله فوق متناول البشر، بل هي حقائق لائقة بالله . وقوله: (والكيفية لا نعلمها ولا نخوض فيها) أي: أنه من الإثم أن نتكلم عنها بأكثر مما ورد في الكتاب والسنة، فلا يقال: كيف؟ ولا يقال: لماذا؟ ولا تفترض الأسئلة والإجابة عليها بمجرد افتراضات، ولذلك كان السلف قبل أن تنشأ البدع والأهواء والكلام لا يتصورون أن مسلماً يسأل عن مثل هذه الأمور مجرد سؤال؛ لأن الأمة كانت على الفطرة، وكان الناس يتهيبون الكلام في الله بأكثر مما ورد في الكتاب والسنة، ولذلك حينما سئل الإمام مالك عن كيفية بعض صفات الله أُصيب بشيء من القشعريرة من تعظيمه لله ، وأصيب بالذهول من هذا السؤال المفاجئ الذي لا يليق بالله، وعلته الرحضاء، وكاد أن يغشى عليه من هول السؤال، كيف يجرؤ المسلم أن يسأل عن كيفية الصفة لله . وحينما يسأل أحد عن الله كيف استوى؟ هذا أمر عظيم، لأن هذا أمر غيبي، كيف تسأل عن كيفية الاستواء وأنت تدري وتجزم أن الكيفية لا يعقلها أحد؟ إذاً: السؤال هو تطاول على حق الله وسوء أدب وطمع في إدراك ما لا يُدرك من أمر الغيب، ومثله السؤال عن كيفية كلام الله، ولذلك حينما سئل الإمام مالك استعظم الأمر واقشعر جلده من تعظيم الله وعلته الرحضاء، فلما أفاق قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً ثم أمر به وأخرج؛ لأنه فتح باب فتنة على المسلمين كسؤال الأمر الغيبي فيما يتعلق بالله وبصفات الغيب. ومن هنا فإن مجرد إنشاء السؤال كيف يتكلم الله؟ هذا بدعة وسوء أدب مع الله، كيف تكلم بالقرآن؟ كذلك بدعة وسوء أدب مع الله فيجب على المسلم أن يكف عن السؤال في الغيبيات وعما لا يدخل في ظواهر النصوص وقواعدها المقررة عند السلف.

стр. 247

القول بأن كلام الله معنى نفسي ضلال وزيغ قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ثالثاً: القول بأن كلام الله معنى نفسي، أو أن القرآن حكاية أو عبارة، أو مجاز أو فيض وما أشبهها ضلال وزيغ، وقد يكون كفراً، والقول بأن القرآن مخلوق كفر]. الشرح: يعني بذلك ما قالته بعض الفرق التي خرجت عن نهج السنة والقرآن ونهج الصحابة والتابعين وسلف الأمة في تقرير مسلّمات الدين وثوابته، وفي تقرير الحق فيما يتعلق بكلام الله أو صفة من صفاته عموماً، وبالقرآن على وجه الخصوص؛ لأنه عندما ظهرت هذه الأهواء والفرق كان منشأها الجرأة على تقرير الدين بمجرد الرأي، والجرأة على إدخال مسالك الفلاسفة التي تنبني على الأوهام والتخرصات في أمور الغيبيات وإدخالها على المسلمين، فنشأت مذاهب تتكلم في أمور فوق مدارك البشر، منها: التعبير عن كلام الله ، فمنهم من قال: إن كلام الله معنى نفسي، وهذه بدعة، فإن كلام الله حقيقة، وهم أرادوا بقولهم: إنه معنى نفسي أن يهربوا من أن يكون الله تكلم حقيقة كما يليق بجلاله، فقالوا: إن كلام الله إنما هو معانٍ نفسية فهمها جبريل أو غيره من الملائكة، أو أن الله حوّلها بطريقة أخرى فتمثلت في حروف وأصوات لم يتكلم بها الله، بمعنى أنهم يزعمون أن القرآن والكلام معان، والله لم يتكلم بها إنما تكلم بها غيره تعبيراً عن مراد الله وهذا كله خروج عن إثبات الصفة لله سبحانه، وذلك مثل القول بأن القرآن حكاية أو عبارة عن كلام الله، وهذا هروب أيضاً من إثبات كلام الله، وكأنهم زعموا أن القرآن ترجمة وحكاية عن كلام الله، وهذا فيه استنقاص لله ، وفيه أيضاً استهانة بالقرآن. وقوله: (حكاية أو عبارة أو مجاز أو فيض) الفيض معنى فلسفي يقصد أصحابه به أنها معانٍ فاضت على عقول معينة، وهذه العقول تحولت منها المعاني إلى أن ترجمها المتكلمون ممن تكلموا سواء كانوا من الملائكة أو البشر، أو أنها خلقت أصواتاً، أو أن أصحاب العقول عبروا بها عن كلام الله بكلام البشر إلى آخره. فكلها فلسفات تبعد المسلم عن اليقين، وعن حلاوة الإيمان وتوقعه في الإثم والبدعة، وكل ذلك ضلال وزيغ. ومن النتائج السلبية لمثل هذه المقالات لو أن مسلماً لا قدّر الله دخلت عليه هذه الشبهة، وتصور أن الله لم يتكلم بالقرآن، وأن الذي تكلم به غيره، فهل يبقى للقرآن قداسة؛ لأن هذا الغير الذي تكلم بالقرآن هو مخلوق حتى وإن كان جبريل كما يقول بعضهم، فإذا استشعر المسلم أن الذي تكلم بالقرآن هو جبريل لم يكن للقرآن قداسة وعصمة؛ لأن جبريل مخلوق، ولذلك فإن هذه الفرق التي أخذت هذه البدع والضلالات استهانت بالقرآن، وجرأت على تأويله على غير التأويل الشرعي، وجرأت على القول بأن القرآن مجازات وأنه معانٍ غير مقصودة، وأنه إشارات وجرأت أهل التأويل من الباطنية على القرآن؛ لأنهم لا يعتقدون أنه كلام الله، فمن هنا يفقد العصمة والقداسة والإجلال، ولا شك أن المسلم الذي يشعر أن القرآن الذي بين أيدينا المتلو هو كلام الله على ما يليق بجلاله، فإذا استشعر المسلم هذا المعنى عظّم القرآن وهاب أن يتجرأ عليه، لكن إذا استشعر أنه معانٍ عبّر عنه خلق من خلق الله فصارت قرآناً، فإن هذا ينقص من قيمة القرآن بالفطرة ومقتضى العقل السليم.

стр. 248

دعوى الزيادة والنقص أو التحريف في القرآن قال المؤلف حفظه الله تعالى: [رابعاً: من أنكر شيئاً من القرآن أو ادعى فيه النقص أو الزيادة أو التحريف، فهو كافر]. الشرح: من أنكر شيئاً من القرآن سواء من حروفه أو ألفاظه أو آياته أو سوره، أو أنكر شيئاً من قطعيات القرآن، ولو أقر بألفاظه، فمن أنكر شيئاً من قطعيات القرآن فضلاً عن أن يدّعي فيه النقص أو الزيادة، وادعاء النقص قد يكون بنقص حرف أو كلمة أو عبارة أو آية أو سورة، وكذلك ادعاء الزيادة، قد يدعي أحد أن القرآن الذي بين أيدينا ليس هو القرآن كله، كما تدّعي بعض الفرق أن هناك مصحفاً عند بعض أئمة أهل البيت أو أن هناك سوراً وآيات، وقد رأينا في كتبهم التي ينشرونها خفية وبعضهم بدأ يعلنها بسور يزعمون أنها من القرآن وليست من القرآن الذي يتلى بين أيدينا، ولذلك فإن بعض عقلائهم استهولوا هذا الأمر وأنكروه. إذاً: القرآن كامل محفوظ بجميع معاني الحفظ، وما من أحد حاول التطاول على القرآن إلا والله يحفظه ويمكر بكيد الكائدين فلا يستطيع أحد ولن يستطيع أن يجرؤ على القرآن، وما من محاولة في تاريخنا المعاصر أو قبله من الذين لهم تأويل في القرآن إلا وتبوء بالفشل في نهجها، ولذلك لا يوجد على الإطلاق بحمد الله مصحف بين المسلمين يشتمل على شيء من الزيادة والنقص.

стр. 249

تفسير القرآن وتأويلاته قال المؤلف حفظه الله تعالى: [خامساً: القرآن يجب أن يفسر بما هو معلوم من منهج السلف، ولا يجوز تفسيره بالرأي المجرد، فإنه من القول على الله بغير علم، وتأويله بتأويلات الباطنية وأمثالها كفر]. الشرح: القرآن هدى وشفاء ومنهاج وشريعة، لأفرادها وأسرها ومجتمعاتها ودولها، بل للبشرية جمعاء، ولذلك فهو منهج اعتقادي عالمي، فيجب أن يحكم حياة الناس، ولا يحكم حياة الناس إلا بتفسير القرآن، لأن القرآن كلام الله ويحتاج إلى أن تستنبط منه القواعد والأحكام التي يرجع إليها المسلمون في تطبيقاتهم وأعمالهم، بأفرادهم ومجموعاتهم، فمن هنا لا بد من تفسيره، وتفسيره يكون على النحو الآتي: أولاً: تفسير القرآن يخضع لمنهج الاستدلال، وهو أن القرآن يجب أن يُفسّر بالقواعد المتفق عليها عند أهل الحق بعيداً عما أحدثه أهل الباطل والزيغ، فإنهم قد يفسّرون القرآن على مناهج غير مناهج السلف الصالح ومناهج المؤمنين. ثانياً: تفسير القرآن بسنة النبي ﷺ القولية والفعلية والتقريرية، ثم تفسير القرآن بالتطبيقات في المجتمع المسلم في عهد النبي ﷺ ، فإن أكثر القرآن طبّقه النبي ﷺ بمفرده وبالجماعة التي كانت في عهده ﷺ التي هي جماعة الصحابة، أما بمفرده فكما قالت عائشة: (كان خلق النبي ﷺ القرآن) يتمثل القرآن في سلوكه وأعماله وفي علاقته بربه وفي علاقته بمن حوله، وفي علاقته بالخلق. فهذا تفسير قطعي للقرآن، ثم تفسير القرآن بفعل وتفسيرات الصحابة وبمفاهيمهم وتفسيراتهم وتطبيقاتهم، فإن هناك كثيراً من أحوال الأمة استجدت بعد وفاة النبي ﷺ في عهد الخلفاء الراشدين؛ لأن الأمة في عهد الخلفاء الراشدين عاشت ما يشبه الطفرة في نشر الإسلام، بعد أن زادت رقعة الإسلام، فزادت رقعة الأمة الإسلامية أضعافاً وزادت أعداد الأمم التي دخلت في الإسلام كماً وكيفاً وجغرافياً وأممياً بأضعاف ما كانت في عهد النبي ﷺ ، فهذا احتاج إلى معرفة تطبيقات للدين لا بد أن تؤخذ من مقتضى النصوص، فقد طبّق الصحابة في عهد الخلفاء الراشدين أكثر صور مناهج الدين. فمن هنا يكون فعلهم حجة وهو تفسير للقرآن؛ لأن النبي ﷺ قال حينما ذكر الاختلاف: (فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي). ثالثاً: تفسير القرآن بفهوم الصحابة على مقتضى اللغة؛ لأن الصحابة أصحاب لغة سليقة، فهم يفقهون العربية فقهاً فطرياً ذاتياً غير متكلف، ولم يكونوا يحتاجون إلى دراسة القواعد والنحو كما ندرسها الآن، بل كانوا عرباً بالسليقة، فكانوا يفسرون القرآن وتفسيرهم الآن عظيم وموجود، تفسيراً قولياً وفعلياً، وتفسير تطبيقات. رابعاً: تفسير القرآن بفهم السلف الصالح على مناهج الدين ومقتضى القواعد المعتبرة في التفسير. وقوله: (ولا يجوز تفسير القرآن بالرأي المجرد) بل الرأي السليم هو الذي يستخدم في استنباط المعاني من القرآن في الأمور الاجتهادية؛ لأن بعض الناس يظن أن السلف يحجرون على الرأي، بل السلف هم أفضل من يستخدم الرأي على وجهه، بل إنهم استخدموا أقصى ما يمكنهم من طاقة في الاستفادة من الرأي والعقل السليم على وجه شرعي سليم. فالقول بالرأي المذموم هو أن يقول الإنسان في تفسير القرآن برأي مجرد من غير مراعاة لقواعد التفسير ومن غير أهلية، كأن لا يكون عنده العلم الكافي والرسوخ، أما إذا توفر عند العالم الأهلية والرسوخ والقدرة فإن استخدام الرأي في استنباط الاجتهاديات هذا يسمى اجتهاداً، أما الرأي المذموم فهو الرأي المجرد من استعمال القواعد الصحيحة للاستدلال. الرأي المجرد هو الرأي الذي لا يكون سائغاً، ولا يكون على وجه شرعي صحيح، فهذا من القول على الله بغير علم، والله ضم ذلك وجعله من الشرك، ونهى عنه في قوله سبحانه: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]. ومن الأمور التي وقعت فيها الفرق الضالة المنحرفة تجاه كلام الله التكلّف في تأويلاته على غير منهج شرعي، حتى أن الغلاة منهم تجاوزوا المعاني اللغوية، كتأويلات الباطنية لكثير من ألفاظ القرآن وآياته، وتأويلات الباطنية هي قلب للمفاهيم كما جعلوا الإيمان كفراً والكفر إيماناً، وجعلوا الحق باطلاً والباطل حقاً، فهم نكسوا وقلبوا حتى المعاني العربية، ولنضرب أمثلة من التأويلات الباطنية الضالة: فمثلاً: تأولوا أركان الدين بأئمتهم، فزعموا أن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والصلاة، والصيام، والحج قالوا: هؤلاء الأئمة، أي: هم نفس الأركان، كأنهم يقولون: هي إشارة إلى أئمتنا، وهم أيضاً يعيشون في سراديب الظلام، ومن منهجهم أن يعيشوا تقية وأن يعيشوا مع الناس بالنفاق، فأولوا أركان الإيمان وأركان الإسلام بأئمتهم، بل فسّروا بعض ص

стр. 250

قواعد في القدر قال المؤلف حفظه الله تعالى: [سادساً: القدر أولاً: من أركان الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى، ويشمل: الإيمان بكل نصوص القدر ومراتبه: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق، وأنه تعالى لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه].
следующие страницы →