Полный текст (299 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
حقيقة الكلام بحرف وصوت
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ثانياً: الله تعالى يتكلم بما شاء، متى شاء، كيف شاء، وكلامه تعالى حقيقة بحرف وصوت، والكيفية لا نعلمها، ولا نخوض فيها].
الشرح: كلام الله متعلق بمشيئته، فمتى شاء تكلم سبحانه على ما يليق بجلاله.
وأيضاً: كيفية كلامه لا نعلمها، وكلامه تعالى حقيقة ليس مجازاً ولا تمثيلاً ولا غير ذلك مما يتوهمه متوهم أو يتخيله متخيل، فهو حقيقة لا كالحقائق المعلومة عند الناس، وبعض الناس يظن أن معنى حقيقة أنه كالحقائق التي نعلمها وهذا غلط، لأن حقيقته أعظم من الحقائق التي ندركها بمداركنا وبحواسنا، فمن هنا فأفعال الله لا يمكن أن تدرك بالحواس، و (حقيقتها) بمعنى أنها حق على ما يليق بجلال الله سبحانه، ولا يعني بالحقيقة المعدومة التي ترد إلى الناس من خلال تجاربهم المادية أو وسائل العلم الحديث، أو المدارك والحواس التي هي في متناول البشر.
فحقائق صفات الله فوق متناول البشر، بل هي حقائق لائقة بالله .
وقوله: (والكيفية لا نعلمها ولا نخوض فيها) أي: أنه من الإثم أن نتكلم عنها بأكثر مما ورد في الكتاب والسنة، فلا يقال: كيف؟ ولا يقال: لماذا؟ ولا تفترض الأسئلة والإجابة عليها بمجرد افتراضات، ولذلك كان السلف قبل أن تنشأ البدع والأهواء والكلام لا يتصورون أن مسلماً يسأل عن مثل هذه الأمور مجرد سؤال؛ لأن الأمة كانت على الفطرة، وكان الناس يتهيبون الكلام في الله بأكثر مما ورد في الكتاب والسنة، ولذلك حينما سئل الإمام مالك عن كيفية بعض صفات الله أُصيب بشيء من القشعريرة من تعظيمه لله ، وأصيب بالذهول من هذا السؤال المفاجئ الذي لا يليق بالله، وعلته الرحضاء، وكاد أن يغشى عليه من هول السؤال، كيف يجرؤ المسلم أن يسأل عن كيفية الصفة لله .
وحينما يسأل أحد عن الله كيف استوى؟ هذا أمر عظيم، لأن هذا أمر غيبي، كيف تسأل عن كيفية الاستواء وأنت تدري وتجزم أن الكيفية لا يعقلها أحد؟ إذاً: السؤال هو تطاول على حق الله وسوء أدب وطمع في إدراك ما لا يُدرك من أمر الغيب، ومثله السؤال عن كيفية كلام الله، ولذلك حينما سئل الإمام مالك استعظم الأمر واقشعر جلده من تعظيم الله وعلته الرحضاء، فلما أفاق قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً ثم أمر به وأخرج؛ لأنه فتح باب فتنة على المسلمين كسؤال الأمر الغيبي فيما يتعلق بالله وبصفات الغيب.
ومن هنا فإن مجرد إنشاء
السؤال
كيف يتكلم الله؟ هذا بدعة وسوء أدب مع الله، كيف تكلم بالقرآن؟ كذلك بدعة وسوء أدب مع الله فيجب على المسلم أن يكف عن السؤال في الغيبيات وعما لا يدخل في ظواهر النصوص وقواعدها المقررة عند السلف.
стр. 247
القول بأن كلام الله معنى نفسي ضلال وزيغ
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ثالثاً: القول بأن كلام الله معنى نفسي، أو أن القرآن حكاية أو عبارة، أو مجاز أو فيض وما أشبهها ضلال وزيغ، وقد يكون كفراً، والقول بأن القرآن مخلوق كفر].
الشرح: يعني بذلك ما قالته بعض الفرق التي خرجت عن نهج السنة والقرآن ونهج الصحابة والتابعين وسلف الأمة في تقرير مسلّمات الدين وثوابته، وفي تقرير الحق فيما يتعلق بكلام الله أو صفة من صفاته عموماً، وبالقرآن على وجه الخصوص؛ لأنه عندما ظهرت هذه الأهواء والفرق كان منشأها الجرأة على تقرير الدين بمجرد الرأي، والجرأة على إدخال مسالك الفلاسفة التي تنبني على الأوهام والتخرصات في أمور الغيبيات وإدخالها على المسلمين، فنشأت مذاهب تتكلم في أمور فوق مدارك البشر، منها: التعبير عن كلام الله ، فمنهم من قال: إن كلام الله معنى نفسي، وهذه بدعة، فإن كلام الله حقيقة، وهم أرادوا بقولهم: إنه معنى نفسي أن يهربوا من أن يكون الله تكلم حقيقة كما يليق بجلاله، فقالوا: إن كلام الله إنما هو معانٍ نفسية فهمها جبريل أو غيره من الملائكة، أو أن الله حوّلها بطريقة أخرى فتمثلت في حروف وأصوات لم يتكلم بها الله، بمعنى أنهم يزعمون أن القرآن والكلام معان، والله لم يتكلم بها إنما تكلم بها غيره تعبيراً عن مراد الله وهذا كله خروج عن إثبات الصفة لله سبحانه، وذلك مثل القول بأن القرآن حكاية أو عبارة عن كلام الله، وهذا هروب أيضاً من إثبات كلام الله، وكأنهم زعموا أن القرآن ترجمة وحكاية عن كلام الله، وهذا فيه استنقاص لله ، وفيه أيضاً استهانة بالقرآن.
وقوله: (حكاية أو عبارة أو مجاز أو فيض) الفيض معنى فلسفي يقصد أصحابه به أنها معانٍ فاضت على عقول معينة، وهذه العقول تحولت منها المعاني إلى أن ترجمها المتكلمون ممن تكلموا سواء كانوا من الملائكة أو البشر، أو أنها خلقت أصواتاً، أو أن أصحاب العقول عبروا بها عن كلام الله بكلام البشر إلى آخره.
فكلها فلسفات تبعد المسلم عن اليقين، وعن حلاوة الإيمان وتوقعه في الإثم والبدعة، وكل ذلك ضلال وزيغ.
ومن النتائج السلبية لمثل هذه المقالات لو أن مسلماً لا قدّر الله دخلت عليه هذه الشبهة، وتصور أن الله لم يتكلم بالقرآن، وأن الذي تكلم به غيره، فهل يبقى للقرآن قداسة؛ لأن هذا الغير الذي تكلم بالقرآن هو مخلوق حتى وإن كان جبريل كما يقول بعضهم، فإذا استشعر المسلم أن الذي تكلم بالقرآن هو جبريل لم يكن للقرآن قداسة وعصمة؛ لأن جبريل مخلوق، ولذلك فإن هذه الفرق التي أخذت هذه البدع والضلالات استهانت بالقرآن، وجرأت على تأويله على غير التأويل الشرعي، وجرأت على القول بأن القرآن مجازات وأنه معانٍ غير مقصودة، وأنه إشارات وجرأت أهل التأويل من الباطنية على القرآن؛ لأنهم لا يعتقدون أنه كلام الله، فمن هنا يفقد العصمة والقداسة والإجلال، ولا شك أن المسلم الذي يشعر أن القرآن الذي بين أيدينا المتلو هو كلام الله على ما يليق بجلاله، فإذا استشعر المسلم هذا المعنى عظّم القرآن وهاب أن يتجرأ عليه، لكن إذا استشعر أنه معانٍ عبّر عنه خلق من خلق الله فصارت قرآناً، فإن هذا ينقص من قيمة القرآن بالفطرة ومقتضى العقل السليم.
стр. 248
دعوى الزيادة والنقص أو التحريف في القرآن
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [رابعاً: من أنكر شيئاً من القرآن أو ادعى فيه النقص أو الزيادة أو التحريف، فهو كافر].
الشرح: من أنكر شيئاً من القرآن سواء من حروفه أو ألفاظه أو آياته أو سوره، أو أنكر شيئاً من قطعيات القرآن، ولو أقر بألفاظه، فمن أنكر شيئاً من قطعيات القرآن فضلاً عن أن يدّعي فيه النقص أو الزيادة، وادعاء النقص قد يكون بنقص حرف أو كلمة أو عبارة أو آية أو سورة، وكذلك ادعاء الزيادة، قد يدعي أحد أن القرآن الذي بين أيدينا ليس هو القرآن كله، كما تدّعي بعض الفرق أن هناك مصحفاً عند بعض أئمة أهل البيت أو أن هناك سوراً وآيات، وقد رأينا في كتبهم التي ينشرونها خفية وبعضهم بدأ يعلنها بسور يزعمون أنها من القرآن وليست من القرآن الذي يتلى بين أيدينا، ولذلك فإن بعض عقلائهم استهولوا هذا الأمر وأنكروه.
إذاً: القرآن كامل محفوظ بجميع معاني الحفظ، وما من أحد حاول التطاول على القرآن إلا والله يحفظه ويمكر بكيد الكائدين فلا يستطيع أحد ولن يستطيع أن يجرؤ على القرآن، وما من محاولة في تاريخنا المعاصر أو قبله من الذين لهم تأويل في القرآن إلا وتبوء بالفشل في نهجها، ولذلك لا يوجد على الإطلاق بحمد الله مصحف بين المسلمين يشتمل على شيء من الزيادة والنقص.
стр. 249
تفسير القرآن وتأويلاته
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [خامساً: القرآن يجب أن يفسر بما هو معلوم من منهج السلف، ولا يجوز تفسيره بالرأي المجرد، فإنه من القول على الله بغير علم، وتأويله بتأويلات الباطنية وأمثالها كفر].
الشرح: القرآن هدى وشفاء ومنهاج وشريعة، لأفرادها وأسرها ومجتمعاتها ودولها، بل للبشرية جمعاء، ولذلك فهو منهج اعتقادي عالمي، فيجب أن يحكم حياة الناس، ولا يحكم حياة الناس إلا بتفسير القرآن، لأن القرآن كلام الله ويحتاج إلى أن تستنبط منه القواعد والأحكام التي يرجع إليها المسلمون في تطبيقاتهم وأعمالهم، بأفرادهم ومجموعاتهم، فمن هنا لا بد من تفسيره، وتفسيره يكون على النحو الآتي: أولاً: تفسير القرآن يخضع لمنهج الاستدلال، وهو أن القرآن يجب أن يُفسّر بالقواعد المتفق عليها عند أهل الحق بعيداً عما أحدثه أهل الباطل والزيغ، فإنهم قد يفسّرون القرآن على مناهج غير مناهج السلف الصالح ومناهج المؤمنين.
ثانياً: تفسير القرآن بسنة النبي ﷺ القولية والفعلية والتقريرية، ثم تفسير القرآن بالتطبيقات في المجتمع المسلم في عهد النبي ﷺ ، فإن أكثر القرآن طبّقه النبي ﷺ بمفرده وبالجماعة التي كانت في عهده ﷺ التي هي جماعة الصحابة، أما بمفرده فكما قالت عائشة: (كان خلق النبي ﷺ القرآن) يتمثل القرآن في سلوكه وأعماله وفي علاقته بربه وفي علاقته بمن حوله، وفي علاقته بالخلق.
فهذا تفسير قطعي للقرآن، ثم تفسير القرآن بفعل وتفسيرات الصحابة وبمفاهيمهم وتفسيراتهم وتطبيقاتهم، فإن هناك كثيراً من أحوال الأمة استجدت بعد وفاة النبي ﷺ في عهد الخلفاء الراشدين؛ لأن الأمة في عهد الخلفاء الراشدين عاشت ما يشبه الطفرة في نشر الإسلام، بعد أن زادت رقعة الإسلام، فزادت رقعة الأمة الإسلامية أضعافاً وزادت أعداد الأمم التي دخلت في الإسلام كماً وكيفاً وجغرافياً وأممياً بأضعاف ما كانت في عهد النبي ﷺ ، فهذا احتاج إلى معرفة تطبيقات للدين لا بد أن تؤخذ من مقتضى النصوص، فقد طبّق الصحابة في عهد الخلفاء الراشدين أكثر صور مناهج الدين.
فمن هنا يكون فعلهم حجة وهو تفسير للقرآن؛ لأن النبي ﷺ قال حينما ذكر الاختلاف: (فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي).
ثالثاً: تفسير القرآن بفهوم الصحابة على مقتضى اللغة؛ لأن الصحابة أصحاب لغة سليقة، فهم يفقهون العربية فقهاً فطرياً ذاتياً غير متكلف، ولم يكونوا يحتاجون إلى دراسة القواعد والنحو كما ندرسها الآن، بل كانوا عرباً بالسليقة، فكانوا يفسرون القرآن وتفسيرهم الآن عظيم وموجود، تفسيراً قولياً وفعلياً، وتفسير تطبيقات.
رابعاً: تفسير القرآن بفهم السلف الصالح على مناهج الدين ومقتضى القواعد المعتبرة في التفسير.
وقوله: (ولا يجوز تفسير القرآن بالرأي المجرد) بل الرأي السليم هو الذي يستخدم في استنباط المعاني من القرآن في الأمور الاجتهادية؛ لأن بعض الناس يظن أن السلف يحجرون على الرأي، بل السلف هم أفضل من يستخدم الرأي على وجهه، بل إنهم استخدموا أقصى ما يمكنهم من طاقة في الاستفادة من الرأي والعقل السليم على وجه شرعي سليم.
فالقول بالرأي المذموم هو أن يقول الإنسان في تفسير القرآن برأي مجرد من غير مراعاة لقواعد التفسير ومن غير أهلية، كأن لا يكون عنده العلم الكافي والرسوخ، أما إذا توفر عند العالم الأهلية والرسوخ والقدرة فإن استخدام الرأي في استنباط الاجتهاديات هذا يسمى اجتهاداً، أما الرأي المذموم فهو الرأي المجرد من استعمال القواعد الصحيحة للاستدلال.
الرأي المجرد هو الرأي الذي لا يكون سائغاً، ولا يكون على وجه شرعي صحيح، فهذا من القول على الله بغير علم، والله ضم ذلك وجعله من الشرك، ونهى عنه في قوله سبحانه: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
ومن الأمور التي وقعت فيها الفرق الضالة المنحرفة تجاه كلام الله التكلّف في تأويلاته على غير منهج شرعي، حتى أن الغلاة منهم تجاوزوا المعاني اللغوية، كتأويلات الباطنية لكثير من ألفاظ القرآن وآياته، وتأويلات الباطنية هي قلب للمفاهيم كما جعلوا الإيمان كفراً والكفر إيماناً، وجعلوا الحق باطلاً والباطل حقاً، فهم نكسوا وقلبوا حتى المعاني العربية، ولنضرب أمثلة من التأويلات الباطنية الضالة: فمثلاً: تأولوا أركان الدين بأئمتهم، فزعموا أن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والصلاة، والصيام، والحج قالوا: هؤلاء الأئمة، أي: هم نفس الأركان، كأنهم يقولون: هي إشارة إلى أئمتنا، وهم أيضاً يعيشون في سراديب الظلام، ومن منهجهم أن يعيشوا تقية وأن يعيشوا مع الناس بالنفاق، فأولوا أركان الإيمان وأركان الإسلام بأئمتهم، بل فسّروا بعض ص
стр. 250
قواعد في القدر
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [سادساً: القدر أولاً: من أركان الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى، ويشمل: الإيمان بكل نصوص القدر ومراتبه: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق، وأنه تعالى لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه].
стр. 251
مراتب القدر
القدر كثرت النزاعات والشبهات التي ترد على المسلم فيه، سواء كان شبهات ذاتية تنشأ من وساوس الشيطان، أو من التخييل أو من أحلام بعض الأمراض النفسية وغيرها؛ لأن الإنسان أكثر ما يتعرض في مسألة الغيبيات من وساوس القدر، سواء كانت شبهات ترد من الآخرين، أو مما يسمع أو مما يقرأ، أو شبهات تنشأ من نفسه أو من عبث الشيطان به.
فلذلك سأركز على الممارسات الخاطئة تجاه القدر؛ خاصة فيما يتعلق بالأوهام والوساوس، فأولاً: ينبغي لكل مسلم أن يعتقد أن الله قدّر كل شيء، فكل شيء هو بتقدير الله الخير أو الشر، وبعض المسلمين يتساءل وهذا السؤال ينشأ عنه ضلالات وقعت فيها أمم كبرى في التاريخ كالمجوسية وطوائف من أهل الكتاب وغيرها من الأمم الضالة الكثيرة التي أخطأت في تصور معين، حيث زعموا أنه لا يُنسب تقدير الشر إلى الله زعماً منهم أن هذا لا يليق، وما علموا أن هذا استنقاص لله ؛ لأنه ما دام الشر موجوداً فلا بد أن يكون له موجد، فإذا ما كان الله أوجده ابتلاء وفتنة فيكون هناك خالق آخر مع الله، وهذا لا يقر به عاقل ولا صاحب فطرة سليمة ولا يمكن أن يرد في ذهن الإنسان.
فالإيمان بالقدر يعني أن الله قدّر كل شيء، وهو خالق كل شيء، لكن لماذا قدر الخير والشر؟ ولماذا لم يقدر الخير كله؟ هذا لحكمة بعضها ظاهر وبعضها غير ظاهر، أما الظاهر فيتبين بمثل قوله : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] فهذا ابتلاء وامتحان؛ ليميز الله الخبيث من الطيب، ولذلك فإن الله قرر هذا باستنهاض الفطرة واستنهاض العقل السليم في أسئلة ومقدمات عقلية مبسطة سهلة جداً تقرر عند الإنسان التمييز بين الحق والباطل، وتقرر عند الإنسان الحكمة من الله في التمييز بين الشر والخير، وأن الله أوجد هذا وهذا ليميز الخبيث من الطيب، مثل قوله : ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥]، وكقوله : ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]، ثم إن الله أعطى الإنسان بفطرته الفوارق بين الخير من حيث منشأه ومن حيث الوقوع فيه، ومن حيث نتيجته، وبين الشر من حيث منشأه والوقوع فيه ونتيجته، قد يجدها كل صاحب فطرة، وهذا عند كل إنسان حتى الذين لا يلتزمون الأديان نجد عندهم بقايا من ثوابت عقلية وفطرية يميزون فيها بين الخير والشر بين الرذيلة والفضيلة، ويدركون أن هناك حكمة من وجود هذا وذاك، فلو لم يوجد الشر لم يتميز الخير، ولو لم يوجد الباطل لم يتميز الحق والهدى وهكذا إذاً: يرجع ذلك كله لحكمة القدر خيره وشره من الله ، وأن الله مقدر كل شيء، وأنه ينبني على وجود الإيمان بجميع مراتب القدر الأربع، وبهذا تكتمل عند المسلم القناعة التامة واليقين التام إن شاء الله في أن الله بيده مقاليد كل شيء، وذلك راجع إلى المراتب الأربع التي هي: أن تؤمن وتجزم بأن الله عليم بكل شيء، فهو بكل شيء عليم سبحانه ما كان وما يكون وما سيكون لو كان كيف يكون، عليم بالدقيق والجليل لا تخفى عليه خافية سبحانه، عليم ليس بما في الصدور فقط، بل حتى بذات الصدور، وهي أعمق مما في الصدور، فهو لا يخفى عليه شيء ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] وهذا أمر بدهي، ثم بعد ذلك أن الله كتب مقادير كل شيء: الخير والشر، ثم إن الله شاء كل شيء وأراده، فكل شيء فهو بمشيئة الله وإرادته، ثم إن الله خالق كل شيء هذه المراتب الأربع إذا استشعرها المسلم وغرسها في قلبه يسلم من كثير من قرائن الشبهات في القدر، ووساوس الشيطان.
ثم إن من أساسيات القدر أن تعلم أنه لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، أي: لا يتعقبه أحد، ولا أحد يقول: لماذا، وكيف؟
стр. 252
أنواع الإرادة في القرآن والسنة
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ثانياً: الإرادة والأمر الواردان في الكتاب والسنة نوعان: أ- إرادة كونية قدرية بمعنى المشيئة، وأمر كوني قدري.
ب- إرادة شرعية لازمها المحبة، وأمر شرعي.
وللمخلوق إرادة ومشيئة، ولكنها تابعة لإرادة الخالق ومشيئته].
الشرح: الإرادة والأمر قد يكون فيهما لبس عند بعض الناس، فما يريده الله هو ما يأمر به، أما الإرادة فهي في حق الله نوعان: الإرادة الكونية الطبيعية أو الكونية القسرية التي لا مجال فيها لتدخل البشر أو قدرتهم، والإرادة العامة التي أراد الله للأشياء أن تكون على ما قرر وقدّر له، وفق السنن التي لا تتبدل ولا تتغير، والإرادة الكونية العامة فيما يتعلق بربوبية الله في وضعه لأسس الخلق، فالله خلق السماوات والأرض وخلق الناس وكل الخلق، فأنظمة الخلق وسنن الخلق خاضعة للإرادة الكونية التي لا تتبدل ولا تتغير إلا بما يشاء .
وهذه تتعلق بالمشيئة، وأن الله إذا شاء شيئاً كان، وتنفيذه من قِبل الله يسمى أمراً كونياً، فالله إذا أراد شيئاً الإرادة الكونية قال له: كن فيكون، فبعضه يكون بالأسباب، وأن الله يقول للأسباب كن فتكون، فالأسباب تكون لها مسببات، ولذلك فإن من القواعد الضرورية أن نعتقد أن الأسباب ليست أزلية، ولا يمكن الدعوة في الأسباب، فالأسباب تنتهي، ومعنى أن الله أوجد كثيراً من الأمور بالأسباب، فالله جعل حياة الناس سببها الماء، والماء سببه المطر، والبحار، والبخار، والسحاب وهكذا لكن إلى نهاية، وهي إرادة الله الكونية القدرية ومشيئته الكونية العامة، فالإرادة الكونية وهي سنن الله الكونية وخلقه وقدرته ومشيئته التي تتعلق بالخلق تكويناً وبالخلق أبدية وتنظيماً، أي: تدبير الخلق، والسنن الكونية التدبيرية راجعة إلى إرادة الله الكونية بمعنى المشيئة والقدر الكوني.
النوع الثاني: إرادة شرعية دينية بمعنى المحبة، فما يريده الله ويحبه ويرضاه لعباده فهذه تتعلق بالأعمال المشروعة، فالله يريد للعباد الخير ويريد لهم اليسر ولا يريد لهم العسر، فهذه تسمى إرادة شرعية متعلقة بأفعال العباد، ولا يلزم أن تكون إرادة الله الكونية؛ لأنه إذا أراد الله شيئاً كوناً لا بد أن يقع، لكن إذا أراد شرعاً فإنه علقها بأفعال البشر، والله أراد من هذا الإنسان أن يصلي لكن هذا الإنسان عورضت إرادة الله بإرادته، إن صلى فقد تحقق مراد الله الذي هو محبته ورضاه، وإن لم يصل لم يتحقق ما أراد الله منه ويرضاه إذاً: الإرادة الشرعية هي ما يحبه الله من الأعمال المشروعة، وترك ما يبغضه الله من الأعمال غير المشروعة، كما يدخل فيها الأمر الشرعي، والأمر الشرعي مراد لله، فالله حينما أمر بالصلاة أو بالزكاة أو بصلة الرحم أو بحسن الخلق، فيعني ذلك أن الله أراده شرعاً ورضيه وأحبه، لكن العباد قد يفعلون وقد لا يفعلون.
فمن هنا فإن الإرادة الشرعية مرتبطة بأفعال العباد، أما الإرادة الكونية فلا دخل لأفعال العباد فيها، والله جعل للمخلوقين المكلفين إرادة ومشيئة لكنها تابعة لإرادة الله ومشيئته، فلا يمكن أن يريد الناس ما لا يريده الله، ولا يمكن أن يشاءوا إلا وفق مشيئة الله، وهذه المسألة تتعلق بالتكليف، فالله كلّف العباد وأراد منهم شرعاً أن يفعلوا أشياء وأن ينتهوا عن أشياء وهذه الإرادة جعل عندهم فيها قدرة على الفعل والترك، وهذه القدرة هي التي تتعلق بها محاسبة العباد، فإن فعلوا ما أراده الله شرعاً فإن الله يؤجرهم بذلك، وإن لم يفعلوا فإن الله يعاقبهم على عدم الفعل بشروط وضوابط.
стр. 253
الهداية والضلال بيد الله
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ثالثاً: هداية العباد وإضلالهم بيد الله، فمنهم من هداه الله فضلاً، ومنهم من حقت عليه الضلالة عدلاً].
الشرح: أي: أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأن من هداه الله فذلك بفضل الله ومنه وكرمه ليس لأحد على الله فضل، ولا يمكن أن يقول أحد: الله هداني بسبب أنني فعلت كذا أو أني على الخصال الفلانية، أو أني على المستوى الفلاني من الخلق! إنما الهداية توفيق من الله وفضل، لا يحصلها الإنسان بعمله ولا بمواهبه.
وكذلك الإضلال عدل من الله؛ لأنه : ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران:١٨٢]، فهداية الله لمن هداهم من العباد راجع إلى علم الله أنه سيهتدي، وليست المسألة تحكماً ولا قسراً للعباد، فالله لم يجبر العباد جبراً، إنما جبل أهل الخير على الخير فهذه هي الجبلة والفطرة.
فالله حينما أراد وقرر وشاء امتحان العباد علم بأن هؤلاء المهتدين سيسلكون طريق الهداية، فالله حكم لهم بالهداية مسبقاً بعلم سابق أنهم سيفعلون ذلك، وحكم سبحانه على من قدّر له الضلالة في سابق علمه أن هؤلاء سيختارون طريق الضلالة، وذلك راجع لسابق علم الله، ولذلك فإن الله ليس بظلّام للعبيد، بل جبلهم على الهدى وعلى الضلال، وكل يسلك الطريق الذي يسر له، بمعنى أنه بحسب ما اختار هو بنفسه، ولذلك فالإنسان الذي يفقد سبب التكليف بأي سبب من الأسباب المشروعة فإن الله لا يكلفه ولا يحاسبه.
المسألة الأخرى فيما يتعلق بالهداية، وأنها توفيق من الله ، وأنها لا تكون بسبب من الإنسان مباشر، مع أن الإنسان إذا عمل خيراً فإن الله بمقتضى وعده يعده بالخير، لكن لا يظن ذلك أنه راجع إلى عمله بذاته بل بتوفيق الله وحده.
فمثلاً: الإنسان إذا هداه الله ووفقه ثم عمل بمقتضى أمر الله على أكمل وجه طول عمره، فهل يكافئ عمله هذا نعمة واحدة من نعم الله عليه؟ لا يكافئ، ومن هذه النعم التوفيق نفسه، وكون الله وفقك لتعبد الله على أكمل وجه فهذا من النعم التي لا تكافئها أنت، فالتوفيق إلى الخير نعمة لولا الله ما اهتدينا لها، فالأمر من الله وإليه سبحانه، فنحن نتقلب بين فضله ومنته وعدله ورحمته، نسأل الله أن يرحمنا جميعاً.
стр. 254
أفعال العباد من مخلوقات الله وهم فاعلون لها حقيقة
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [رابعاً: العباد وأفعالهم من مخلوقات الله تعالى الذي لا خالق سواه، فالله خالق لأفعال العباد، وهم فاعلون لها على الحقيقة].
الشرح: هذه المسائل قد تشكل أحياناً، فالعباد المكلفون الذين أعطاهم الله القدرة على الفعل هم مخلوقون لله وأفعالهم من خلق الله، والله خالق كل شيء وبما في ذلك أفعال العباد، وهذا أمر بدهي، وكل المسلمين يقولون هذا بداهة، وندرك بالفطرة أن الله خالق كل شيء، ولكن يقال هذا؛ لأنها وجدت في الأمم السابقة مذاهب وديانات باطلة تزعم أن أفعال الإنسان من خلق الإنسان، أو أن أفعال الإنسان ليست من تقدير الله ولا من خلقه، فمن هنا نشأ هذا الأصل بناء على مقتضى الكتاب والسنة؛ لتحصين أجيال الأمة وتحصين قلوب المسلمين من غوائل هذه البدع والأفكار الضالة التي تزعم أن الله لم يقدّر الشر ولم يخلقه، وأن من أفعال العباد ما لم يقدرها الله ولم يخلقها، فنقول: الله خالق كل شيء، لا خالق سواه، فالعباد هم مخلوقون لله وأفعالهم من خلق الله، وأيضاً فما يفعلونه هم فهو بإرادتهم التي خلقها الله لهم وهم فاعلون لها على الحقيقة، لأن الحد الذي بين القدر الاختياري والقسري معلوم، بمعنى أني أعلم أن هناك أفعالاً قسرية لا يد لي فيها، بل هي من ربوبية الله ، وأن الله يرعاني فيها كحركة الدم، والقلب، والمشاعر، والأحاسيس، فالحركة اللاإرادية أُدرك أنها أمر خارج عن إرادتي، لكن هناك أمور يعرفها العاقل أنها من مقدوراتك، وهذه الأمور التي هي من مقدوراتك هي التي تحاسب عليها، فمثلاً: أنت الآن إذا قدم لك طعام نافع ترى عليه أثر النفع، وآخر ضار ترى عليه أثر الضرر فأنت تدرك أنك تميل إلى هذا النافع، وتنفر من هذا الضار، ثم تتناول النافع لأنك تعرف أن هذا من مصلحتك، وتترك الضار لأنك تعلم أن هذا فساد وضرر عليك، ومن لم يفعل ذلك نعتقد أنه أخطأ في حق نفسه، فكذلك أمور الدين وأمور إرادة الفعل وفعل الخيرات أو إرادة ترك المنهيات مبنية على أن الإنسان يُدرك ويلاحظ أنه يفعل الخير حقيقة بإرادته التي أعطاه الله إياها، ويترك الشر كذلك أو يفعل محذوراً بإرادة يجد فيها أنه غير مرغم فيها فمن هنا فإن أفعال الناس هي أفعالهم على الحقيقة، لكنها محكومة بخلق الله وتدبيره، ولا تخرج عن كونها من خلق الله، فالله هو الذي خلق الخلق وخلق لهم القدرة والإرادة، وخلق لهم التمييز بين هذا وذاك، وأعطاهم القدرة التي تتعلق بمقدوراتهم فقط؛ فمن هنا يجب أن نعرف أن هناك حداً بين ما يقدر عليه العباد وبين ما لا يقدرون عليه، وأن ذلك كله من تقدير الله، فما لا يقدرون عليه لا يحاسبون عليه، وما يقدرون عليه فهو محك الحساب والسؤال.
стр. 255
الآجال والأرزاق والأعمار مكتوبة على العباد
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [سادساً: الآجال مكتوبة، والأرزاق مقسومة، والسعادة والشقاوة مكتوبتان على الناس قبل خلقهم].
الشرح: أي: أن كل إنسان عندما يبلغ مائة وعشرين يوماً كما جاء في الأحاديث الصحيحة يكتب عليه ذلك، مع أن الروح ورد فيها أنها تأتي على مراحل، وبعض الناس إذا قرأ بعض الأحاديث وجد هناك أحاديث تدل على وجود الروح قبل المائة وعشرين يوماً، ووجد العلم الحديث يثبت نوعاً من الحياة قبل المائة والعشرين يوماً، لكن الحياة الحقيقية والروح الكاملة للإنسان عند بلوغ مائة وعشرين يوماً، وأثناء نفخ الروح يرسل الله ملكاً ينفخ في كل إنسان روحه ويقدّر آجاله الأربعة الرئيسة التي هي: رزقه، وعمله، وأجله، وشقاوته أو سعادته وهذه المقررات اللازمة الحتمية، لكنها محجبة، فهل تدري أنت ماذا سترزق غداً؟ لا تدري ولا يدري أحد، قد يحتمل، وأحياناً يحول بينك وبين تقديرك للرزق الموت نفسه، فينقطع رزقك بموتك.
إذاً: كل هذه الأمور الأربعة غيب خالص، وهي من القدر لله ، وهي آجال مكتوبة لكل إنسان، ثم إن الله قد قدر السعادة والشقاوة وأنهما مكتوبتان على الناس قبل خلقهم بالحق والعدل، وأيضاً فإن الله لم يساو بين الخلق؛ لأن المساواة ليست من مقتضى العدل؛ وهناك بعض الناس يظن أن المساواة هي مقتضى العدل، واليوم يرفع بعض الناس شعار المساواة، والمساواة ليست عدلاً، فالله لا يساوي بين العامل والتارك، بين من يفعل الخير ومن يفعل الشر ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥] ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨] حتى في الرزق، هل يستوي من يبذل ويكدح بمن هو خامل ونائم؟ هل يستوي من يستحق الأجر ومن لا يستحقه؟ إذاً: المساواة ليست قاعدة في الشرع إلا بين المتساويات، فالمساواة بين المتساويات قدر شرعي وعدل، لكن المساواة بين غير المتساويات سواء بين الذكر والأنثى، أو بين العامل وغير العامل، أو بين النشط والكسلان، بين هذا وذاك هذه المساواة ليست من مطلوب العدل، وقدر الله قام على العدل.
стр. 256
الاحتجاج بالقدر على المصائب والآلام
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [سابعاً: الاحتجاج بالقدر يكون على المصائب والآلام، ولا يجوز الاحتجاج به على المعايب والآثام، بل تجب التوبة منها، ويلام فاعلها].
الشرح: هذه المسألة قد تخفى على بعض الناس، أي: أنه لا يجوز للمسلم إذا فعل منكراً أن يقول: الله قدّر علي؛ لأنه فعل المنكر وقد نهاه الله عنه، وأقدره الله على تركه، فالإنسان إذا فعل منكراً أو فسقاً أو فجوراً فإنه لا يجوز أن يحتج بالقدر ويقول: قدر الله عليّ، وقد جاء عن أحد الصحابة أنه حينما جاءه السارق وقال: سرقت بقدر الله، قال له عمر: (ونحن نقطع يدك بقدر الله) معناه: أنه لا يجب أن يحتج بالقدر، إنما تحتج بالقدر حينما لا يكون لك طاقة به، فمثلاً: لو حدث حادث لا قدر الله رغم إرادتك ولم تتسبب فيه، فمن هنا تقول: قدر الله وما شاء فعل.
إذاً: الاحتجاج بالقدر يكون على المصائب والآلام لأنها قسرية، فالأمور التي تحدث لك بدون أن تتسبب فيها يجوز عندها أن تقول: قدر الله وما شاء فعل، ولكن المعايب والآثام وسوء الأخلاق والإساءة إلى الخلق، والإساءة في حق الله وارتكاب المعاصي والآثام، لا تقل: قدّر الله عليّ؛ لأن الله أعطاك القدرة على الترك وشرع لك أن تتجنب الباطل وتعمل بالحق.
نسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 257
الأسئلة
стр. 258
عقيدة الجبرية في القدر
السؤال
ألاحظ أن معتقدنا أهل السنة في القدر يلتقي في النهاية مع العقيدة الجبرية، فأنا لا ألحظ فرقاً كبيراً مع الجبرية، وأرى أن المهم في قضية القدر أن الإنسان لا يستطيع أن يحتج بالقدر على المعاصي؛ لأنه ليس عنده علم مسبق لما قدره الله عليه؟
الجواب
هذه من المعادلة الصعبة، وربما يكون الأخ لم يفهم معنى الجبرية، وإلا فالأولى أن يبتعد عن البحوث التي ليس لها اهتمام، ولأن هذه من المعضلات، والأصل أن المسلم لا يتعرض لها إلا للضرورة، فأرجو ألا يكون له ضرورة، فلذلك أقول: لا يمكن أن يلتقي منهج أهل السنة والجماعة مع الجبرية؛ لأن الجبرية يرون أن الإنسان لا إرادة له، وليس مجبولاً على القدرة في الخير ولا على القدرة في الشر، وأنه يسير بقوانين كالقدرية العامة، فالجبرية لا يلتقون مع أهل السنة إلا في جوانب جزئية لا تعتبر مما عليه الخلاف أصلاً، أما ما عليه الخلاف بيننا وبين الجبرية فلا يلتقي منهج الجبرية بمنهج السنة؛ لأن منهج السنة يعتمد على أن كل شيء بإرادة الله، لكن الله وهب للإنسان إرادة خاصة جبله عليها، على مقتضى الفطرة، فقد جبل الله الإنسان على أن يميل إلى الخير ويفعله وأقدره عليه، وينفر من الشر ويفعله وأقدره عليه، وهذه الجبلة هي الفارق بيننا وبين الجبرية.
كما أن الجبرية يرون أن الإنسان ما دام مجبوراً بزعمهم وأنه لا إرادة له ولا حرية فله أن يفعل ويترك، فبذلك يقولون: هو غير محاسب، فعلى هذا يرون الاستهانة بالشرع ما دام أن الإنسان مجبور.
وهناك نوع من الجبر ويسمى الكسب عند بعض الأشاعرة، وهذا أمره أيسر وليس هو المقصود بالجبرية المطلقة.
стр. 259
معنى قول: القرآن عبارة عن كلام الله
السؤال
قول بعض الطوائف حينما يقولون: إن القرآن هو عبارة عن كلام الله ، ما المقصود بهذه العبارة؟
الجواب
القرآن عبارة، يقصدون به أنه تعبير مثل ما نسميه ترجمة عن كلام الله وليس كلام الله حقيقة، كأنهم يقصدون أن هناك من خلق الله من عبّر عن كلام الله، ولهذا فهم يختلفون اختلافاً كثيراً، من هو الذي عبّر عن كلام الله؟ هل هو الرسول ﷺ ، أم هو جبريل؟ هذا معناه، فهم حادوا أن يثبتوا أن القرآن كلام الله على ما يليق بجلال الله حقيقة، ولجئوا إلى القول بأن القرآن إنما هو تعبير عما يريده الله من مراداته الكلامية.
стр. 260
معنى: القرآن كلام الله منه بدأ
السؤال
هل قولنا: القرآن كلام الله منه بدأ بمعنى ظهر وليس من الابتداء،؟
الجواب
بدأ بمعنى تكلم به سبحانه، أما البدء فليس مقصوداً، وقد يكون من الظهور من المستلزمات لا من المعاني المباشرة، فقوله: (منه بدأ) بمعنى أن الله تكلم به ابتداء لا بمعنى الظهور، وهذا ظاهر من النص ومن مفهوم كلام السلف في شروحاتهم.
стр. 261
تعارض القضاء مع الدعاء
السؤال
ذكرت أن الله تعالى لا راد لقضائه، فهل يتعارض هذا مع حديث الرسول ﵊: (لا يرد القضاء إلا الدعاء)
الجواب
لا يتعارضان، ولا أحد من الخلق يستطيع رد القضاء، أما أن يرد الله وأن يحكم الله بأن يكون الدعاء سبباً لرد القضاء فهذا حكم الله وقضاؤه، والإشكال قد يرد في نصوص كثيرة أيضاً في مثل هذا؛ لأنه ينطبق على كثير من الحالات في مثل هذا الأمر، فالله لا راد لقضائه، فحينما يرد الدعاء القضاء؛ فالقضاء هو قضاء الله وقدره، ومن هنا فليس من الخلق من يستطيع رد القضاء، فيبقى النص محكماً.
стр. 262
ضابط من يهجر القرآن
السؤال
بالنسبة لتلاوة القرآن، كأن يقرأ مثلاً وجهين أو أربعة أوجه في اليوم فهل تكفي لعدم الدخول ضمن من هجر القرآن الكريم؟
الجواب
يقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وإن كان هذا حداً قليلاً جداً، لكن في تقديري أنه إذا واظب المسلم على وجه أو وجهين يومياً مع ما تتلوه في الصلوات وما يرد من آيات الله من القرآن في الأوراد، فهو إن شاء الله حد أدنى نرجو ممن يفعله أن لا يكون هاجراً للقرآن.
стр. 263
ضابط الذبح المحرم
السؤال
إذا كان الرجل يستضيف كبار البلد ووجهائهم ويذبح لهم، فهل يجوز الذبح هنا أم يكون هذا من الذبح لغير الله؟
الجواب
الذبح للضيوف من سنن الهدى، وهي سنة أبينا إبراهيم ﵇، ونبينا ﷺ هو أكرم الخلق، وكان يذبح الذبائح عند أصحابه وعند من يضيفوه، وسلف الأمة يعتبرون الضيافة من الكرم الممدوح شرعاً إذا لم يصل إلى حد الإسراف.
فالمقصود بالذبح الممنوع شرعاً هو أن يذبح بغير اسم الله، أو يتقرب به لغير الله من حيث التعبّد لا من حيث الإكرام والتقديم للضيف، فالذبيحة التي تقدم للضيف تُذبح باسم الله تقرباً إلى الله؛ لأن إكرام الضيف مما يحبه الله، والنبي ﷺ يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، فالممنوع في الذبح هو: أولاً: أن يذبح الذابح بغير اسم الله لا قدر الله.
ثانياً: أن يعتقد أن هذا الذبح يتقرب به لغير الله، سواء أكلها هو أو غيره.
والمشروع هو الذبح للضيف وتكريم للضيف، هذا مشروع بل هو من الأمور المأمور بها.
стр. 264
الإنسان مسير أو مخير
السؤال
ما معنى كون الإنسان مسيّراً ومخيّراً؟
الجواب
هذه فلسفة، فالإنسان لا يقال: إنه مسيّر مطلقاً ولا مخيّر مطلقاً، بل هو مجبول ومحكوم بقضاء الله وقدره، فالقول بأنه مسيّر كأنه مجبور على الأفعال دون إرادته، والقول بأنه مخيّر كأن عنده إرادة مطلقة لا تتعلق بإرادة الله وخلقه، وكأن الله لا شأن له بفعل العبد وهذا كله خطأ، فالإنسان مسيّر في غير الأمور الإرادية فهو مسيّر فيها، كيف يرزق ومتى يموت وحياته اللاإرادية في حركة قلبه أو حركة دمه كل هذه مسيّر فيها، والأقدار الأربعة التي تكتب عند ولادته هذه مسيّر فيها، بمعنى أن الله قدّر عليه أموراً أراحه منها، فالتسيير لا يعني الإهانة للإنسان، بل حفظ الله للإنسان بأن سيّر أموره لا إرادية تحت أمور كونية الله يحفظه بها، ومخيّر من وجه آخر في أن يفعل أو يترك، لكن هذا التخيير مربوط بخلق الله وإرادته.
فالإنسان مسيّر من وجه ومخيّر من وجه آخر، ولا يقال: مسيّر فقط ولا مخيّر فقط، إذاً: هو مجبول ومفطور.
стр. 265
مقولة: اللهم إني لا أسألك رد القضاء
السؤال
يقول بعضهم: اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه، أرجو التعليق على ذلك؟
الجواب
هذا الدعاء فيه نظر؛ لأنه لا يجوز الاستثناء في الدعاء، فالإنسان يعزم في الدعاء كما أمر النبي ﷺ ، ولماذا لا يسأل الله رد القضاء وقد وعد الله برد القضاء كما أخبر النبي ﷺ في حديث صحيح: (أن الدعاء والقضاء يلتقيان بين السماء والأرض فيعتلجان)، وفي رواية: (فيصطرعان فيغلب الدعاء القضاء) فلا داع أن نقول: لا أسألك رد القضاء، بل ينبغي أن يكون الدعاء متوافقاً مع أصول الشرع.
стр. 266
مقولة: أمر الله بين الكاف والنون
السؤال
ما الحكم بقول القائل: يا من أمره بين الكاف والنون؟
الجواب
لا حرج، فكل شيء من أمر الله هو بين الكاف والنون ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، والذي يظهر لي أنه لا حرج في ذلك.
стр. 267
حقيقة كلام الله في الكتب السماوية
السؤال
هل الكتب السماوية الأخرى غير القرآن هي كلام الله على الحقيقة؟
الجواب
الله أنزل التوراة بالألواح على موسى ﵇، لكن هل هي كالقرآن تماماً؟ هذا ليس عندنا دليل قاطع على أنه كالقرآن تماماً، بل نعرف أن الله كلّم موسى تكليماً، وأن التوراة والإنجيل من كلام الله في الجملة، لكن هل يحكمها التفصيل الذي في القرآن؟ المسألة خلافية، ونحن في غنى عن هذا.
стр. 268
حفظ الكتب السماوية السابقة
السؤال
لماذا لم يتكفل الله بحفظ الكتب السماوية السابقة؟
الجواب
هذا من الابتلاء الذي يكون على الأمم، ولأن الديانة الأخيرة التي هي ديانة النبي ﷺ ؛ هي الباقية إلى قيام الساعة، فتكفل الله بحفظ مصادرها؛ لأنها لو حرفت فقد انقطعت حجة الله على الخلق بانتهاء الوحي وانقطاعه وصولاً بالرسول ﷺ ، فمن هنا تكفّل الله بحفظ القرآن في صدور هذه الأمة، لأنه انتهى الوحي وانقطع، ولأن النبي ﷺ هو خاتم النبيين، ولأن الله تكفل بهذا الحفظ.
أما الديانات الأخرى فقد حرفت وحرفت كتبها بسبب تفريطهم، ولأن الله لم يتكفل لهم بذلك، وهو من الابتلاء الذي كتبه الله على الأمم، وميز الله هذه الأمة بهذه الميزة وهو حفظ كتابها.
стр. 269
حكم تقبيل المصحف وربط الأحداث المعاصرة بالقرآن
السؤال
هل تقبيل القرآن يعتبر من الأعمال المشروعة؟ وهل ربط الأحداث المعاصرة والاكتشافات بالتفسير هو من القرآن؟
الجواب
تقبيل القرآن إذا كان لمقتضى فإنه من إكرامه، وأن الإنسان كما يقبّل أي شيء غالٍ عليه كتقبيله لابنه أو أخيه أو تقبيله للمسافر فكذلك تقبيل القرآن عند المقتضى، بمعنى أنه لا يتخذ هذا تعبداً وسنة يفعلها دائماً، بحيث يظن أنه إذا لم يقبّل فقد ترك سنة، لكن إذا سقط من يدك أو نحو ذلك فأرى والله أعلم أنه لا حرج من تقبيله، استشعاراً لتعظيم القرآن الذي هو كلام الله.
وأما ربط الأحداث وهو ما يسمى بالإعجاز العلمي أو غير ذلك، بحدود ضوابط تفسير القرآن فلا حرج فيه، لكن المبالغة فيه فيما يخرجه عن حدود تفسير القرآن فهذا فيه نوع من العدوان ونوع من إبقاء الأمة في حرج، فلا بد من الضوابط الشرعية، وما يستقيم مع تفسير القرآن وقواعد التفسير من إظهار الإعجاز العلمي في القرآن أو إظهار الآيات والشواهد في القرآن على حوادث الزمان، وهذا يكون بالقدر الشرعي السائر على نهج الاستدلال.
لكنَّ كثيراً من المختصين بهذه الأمور بالغوا إلى حد أن حمّلوا القرآن أموراً لا تزال ظنية لم تكن على وجه القطع، فهذا فيه خطأ وربما يحمّل القرآن أشياء ليست منه.
стр. 270
مجمل أصول أهل السنة - الجماعة والإمامة
الجماعة هم أصحاب النبي ﷺ ومن سار على نهجهم واقتفى آثارهم واقتدى بهديهم إلى يوم القيامة، ولهم خصائص وسمات ومزايا يتصفون بها ويتميزون بها عن بقية فرق المسلمين، والإمامة الكبرى تثبت بإجماع الأمة أو بيعة ذوي الحل والعقد منهم، وقد تثبت بأمور أخرى كالغلبة والاستخلاف وغيرها.
стр. 271
قواعد في الجماعة والإمامة
الحمد لله، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، ﷺ وآله، ورضي الله عن صحابته والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد: يقول المؤلف حفظه الله تعالى: [سابعاً: الجماعة والإمامة.
أولاً: الجماعة في هذا الباب هم أصحاب النبي ﷺ والتابعون لهم بإحسان، المتمسكون بآثارهم إلى يوم القيامة، وهم الفرقة الناجية.
وكل من التزم بمنهجهم فهو من الجماعة، وإن أخطأ في بعض الجزئيات.
ثانياً: لا يجوز التفرق في الدين، ولا الفتنة بين المسلمين، ويجب رد ما اختلف فيه المسلمون إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما كان عليه السلف الصالح.
ثالثاً: من خرج عن الجماعة وجب نصحه ودعوته ومجادلته بالتي هي أحسن، وإقامة الحجة عليه، فإن تاب وإلا عوقب بما يستحق شرعاً.
رابعاً: إنما يجب حمل الناس على الجمل الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، ولا يجوز امتحان عامة المسلمين في الأمور الدقيقة، والمعاني العميقة.
خامساً: الأصل في جميع المسلمين سلامة القصد والمعتقد حتى يظهر خلاف ذلك، والأصل حمل كلامهم على المحمل الحسن، ومن ظهر عناده وسوء قصده فلا يجوز تكلف التأويلات له.
سادساً: فرق أهل القبلة الخارجة عن السنة متوعدون بالهلاك والنار، وحكمهم حكم عامة أهل الوعيد، إلا من كان منهم كافراً في الباطن، أو كان خلافه في أصول العقيدة التي أجمع عليها السلف، والفرق الخارجة عن الإسلام كفار في الجملة، وحكمهم حكم المرتدين.
سابعاً: الجمعة والجماعة من أعظم شعائر الإسلام الظاهرة، والصلاة خلف مستور الحال من المسلمين صحيحة، وتركها بدعوى جهالة حالة بدعة.
ثامناً: لا تجوز الصلاة خلف من يظهر البدعة أو الفجور من المسلمين مع إمكانها خلف غيره، وإن وقعت صحت، ويأثم فاعلها إلا إذا قصد دفع مفسدة أعظم، فإن لم يوجد إلا مثله أو شر منه؛ جازت خلفه، ولا يجوز تركها، ومن حكم بكفره فلا تصح الصلاة خلفه.
تاسعاً: الإمامة الكبرى تثبت بإجماع الأمة، أو بيعة ذوي الحل والعقد منهم، ومن تغلب حتى اجتمعت عليه الكلمة وجبت طاعته بالمعروف ومناصحته، وحرم الخروج عليه إلا إذا ظهر منه كفر بواح فيه من الله برهان].
هذه الأصول من ضمن منهج السنة والجماعة الذي رسمه الإسلام من خلال نصوص القرآن ومن خلال سنة النبي ﷺ القولية والفعلية، ومن خلال سنة الخلفاء الراشدين، ونهج السلف الصالح.
وهذه الأحكام تعتبر من أصول الدين ومسلماته، وهي مناهج الدين التطبيقية العملية فيما يتعلق بالأحكام العامة والمصالح العظمي والمصالح الكبرى، وذلك أن أمور العقيدة على أنواع: الأول: أمور علمية اعتقادية كأصول الإيمان الستة.
الثاني: أمور عملية تتعلق بالعبادات والشعائر، كأركان الإسلام الخمسة.
الثالث: أمور عملية تتعلق بمناهج الدين وتطبيقاته فيما يتعلق بالجماعة وصورها في التعامل بين المسلمين، وفي تعامل المسلمين مع المخالفين منهم، وتعامل المسلمين مع غيرهم من الكفار، وهذا يدخل فيه أمران: الأمر الأول: الجماعة والإمامة وأحكامها.
الأمر الثاني: ما يتعلق بخصائص أهل السنة وسماتهم، وهي المحك العملي في تعاملهم مع بعضهم ومع الآخرين.
стр. 272
الجماعة وما يتعلق بها من أحكام
الجماعة إذا ورد ذكرها في القرآن والسنة وفي منهج السلف فلها عدة إطلاقات، والذي يهمنا هنا هو الإطلاق العام والكبير، الجماعة التي هي من مسلمات الدين ومن ثوابت الدين ومن أصوله ومن قواطعه.
فجماعة المسلمين المقصود بها هي التي أوصى بها النبي ﷺ ، وذكر خصائصها، وتتميز بسمات رسمها الكتاب والسنة ونهج السلف الصالح.
فجماعة المسلمين هي المستمسكة بالحق والمستمسكة بالسنة، وهي من ناحية تاريخية مرت بصور: الصورة الأولى: في عهد النبي ﷺ ، وعهد الخلفاء الراشدين قبل ظهور الافتراق حيث كان المسلمون كلهم على الجماعة، وكانت تتوافر فيهم صفات الجماعة المسلمة من جميع الخصائص والسمات، وإن وجد عند بعض الأفراد شذوذ، فإن الشذوذ في تصرفات الأفراد أو الفئات القليلة لا تخرق قاعدة أن الجماعة موجودة في عهد النبي ﷺ ؛ لأنهم كانوا على الإسلام والسنة ولم يظهر افتراق.
وفي آخر عهد الخلفاء الراشدين ظهر الافتراق، ثم في القرن الأول تنامى الافتراق حتى آخر القرن الأول، فكثرت الفرق وكثر أتباعها، فمن هنا رجع السلف إلى تمييز الجماعة بالوصف التي وصفها به النبي ﷺ ، وهي التي تكون على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.
فلما نظروا إلى ما عليه المسلمون من الفرقة والاختلاف؛ وجدوا أهل السنة والجماعة هم الذين بقوا على هذا المنهج، وسموا أهل السنة والجماعة بناء على وصية النبي ﷺ بذلك.
وقد أوصى النبي ﷺ بالجماعة في نصوص كثيرة تصل إلى حد التواتر المعنوي: (عليكم بالجماعة) (إياكم والفرقة) (يد الله مع الجماعة)، إلى غيرها من النصوص الكثيرة التي توصي بالجماعة وتجعلها الموئل للمسلم عندما يكثر الافتراق وتكثر الأهواء.
فالجماعة المعنية من حيث تطبيقاتها: هم النبي ﷺ وصحابته، والتابعون لهم بإحسان الذين أحسنوا التبعية من غير تقليد، إنما اتباع باهتداء واقتداء.
وهم المستمسكون بآثار النبي ﷺ وآثار السلف الصالح إلى يوم القيامة، ولذلك سموا بالفرقة الناجية، وهذه التسمية لم تكن من صنع الناس، وإنما هي مأخوذة من وصف النبي ﷺ .
فكل من التزم بمنهج السنة ومنهج النبي ﷺ وصحابته والتابعين؛ فهو من الجماعة في العقيدة والمواقف والمصالح العظمى، فمن التزم هذا النهج فهو من الجماعة، وإن أخطأ في بعض الجزئيات.
فمن وقع منه خطأ من علماء المسلمين أو من عامتهم فإن كان الخطأ يتعلق بأمر جزئي اجتهادي؛ فلا يضره ذلك ولا يخرجه من الإيمان.
وكذلك إذا كان الخطأ عن تأول أو عن جهل، فإن الإنسان لا يخرج من الجماعة حتى تقام عليه الحجة، وعلى هذا فإن المسلم -عالماً كان أو غير عالم- لا يخرج من مفهوم هذه الجماعة الشرعية إلى قيام الساعة إذا التزم نهج المسلمين في العقيدة والمواقف والمصالح، ولا يخرج بذلك من الجماعة إلا بأمرين أو بأحدهما: الأمر الأول: إذا خالف في أصل من الأصول القطعية أو ثابت من ثوابت الدين العلمية أو العملية؛ فإنه يخرج من الجماعة وإن لم يخرج من الإسلام، بولا يلزم أن يكون خرج من الملة، لكن خرج من السنة والجماعة.
الأمر الثاني: إذا تكاثرت البدع عند شخص بأن تكون هي سمته وهديه بحيث يكون في شكله الظاهر ومعاملاته وعباداته وشعائر الدين على غير نهج أهل السنة والجماعة، وليس في أمر أو أمرين أو ثلاثة، لكن في سائر سمته.
وفي سائر هديه على منهج أهل البدع؛ فإنه بذلك يخرج من مفهوم الجماعة.
стр. 273
تحريم الفرقة في الدين والفتنة بين المسلمين
ينبني على هذا أنه ما دام أن الله أمر بالجماعة، وأوصى بها رسوله ﷺ ؛ فعلى هذا وبموجب النصوص فإنه لا يجوز التفرق في الدين، والتفرق في الدين غير الاختلاف في الاجتهاديات، لأن التفرق في الدين هو التنازع الذي نهى الله عنه، قال : ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦]، فالتفرق في الدين هو التنازع الذي يرجع إلى الافتراق في الأصول القطعية والمسلمات والمناهج العامة والمصالح العظمى وهذا لا يجوز.
وقوله: (ولا الفتنة بين المسلمين) حتى ولو لم يكن عن تفرق، فإذا أصر الإنسان على رأي من الآراء وإن كان اجتهادياً، ولكنه أراد أن يفرضه بالقوة، أو غالى فيه حتى يخرج به عن الجماعة والإمامة والسلطان؛ فإنه بذلك يكون وقع في الفرقة ولو كان سليم العقيدة، وهذه مسألة يغفل عنها كثير من الناس، وقد يكون بعض الناس من الناحية النظرية معتقده سليماً، لكنه يخرج بأمر يقتضي شق عصا الطاعة، وشق الجماعة والخروج عن تبعية العلماء، والخروج عن تبعية أهل الحل والعقد؛ فمن هنا يكون وقع في الفتنة بين المسلمين التي هي نوع من الفرقة، ومن هنا فإنه يجب رده إلى الحق بإقامة الحجة عليه وبنصحه، وما اختلف فيه المسلمون في هذه الأمور سواء كانت اجتهاديات أو غير اجتهاديات فإنه يجب رده إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ من خلال الرجوع إلى العلماء الذين يستنبطون، وإلا فكل سيدعي أنه يأخذ من الكتاب والسنة، لكن ضوابط الكتاب والسنة اجتهادية فيرجع فيما اختلف فيه المسلمون إلى الكتاب والسنة من خلال العلماء، وما كان عليه السلف الصالح من المنهج؛ فهذا هو المحتكم.
стр. 274
الواجب تجاه الخارج عن جماعة المسلمين
ثم من خرج عن الجماعة إما بالفرقة أو بالفتنة بين المسلمين أو بغيرها لاعتقاد أو فعل أو موقف أو منهج، أو خرج في مصلحة عظمى بأن ارتكب مفاسد كبرى؛ وجب نصحه من ولي الأمر ومن العلماء ومن عامة المسلمين، وكل بما يستطيعه، من له ولاية عليه ومن ليس له ولاية، يجب نصحه ودعوته إلى الحق وإلى الجماعة، ومجادلته بالتي هي أحسن، وإقامة الحجة عليه، فإن عاند تبين له الحجة.
ويستنفذ معه الواجب شرعاً من حيث النصح والحجة، فإن تاب ورجع إلى الحق وترك الفرقة والفتنة بين المسلمين وإلا عوقب بما يستحق شرعاً، وهذا له قواعده المعروفة عند الفقهاء والعلماء.
стр. 275
وجوب حمل الناس على الكتاب والسنة وعدم امتحانهم في التفاصيل
أما ما يتعلق بتوجيه المسلمين في تعليمهم أمور دينهم، سواء في العقيدة أو الأحكام القطعية أو غيرها، أو عباداتهم أو غيرها، فإنه يجب حمل الناس في ذلك على المحامل العامة والجمل الثابتة بالكتاب والسنة، فعموم المسلمين يجب ألا نمتحنهم في دقائق الأمور، بل حتى بعض العلماء الذين ليس من اختصاصهم بعض المسائل العقدية المتعمقة يجب ألا نمتحنهم فيها، ولا نثير عليهم هذه القضايا؛ لأنها قد تؤدي إلى الفرقة والإثم.
والمسلمون عموماً بحسب مستوياتهم يجب أن نعلمهم مجملات الدين، ثم تفاصيل الدين بحسب حاجتهم في الأحكام أو العقيدة، وأيضاً بحسب قدراتهم، فبعض الناس يستطيع أن يترسخ في العلم؛ فهذا يطالب به، لكن فيما نطالب به المسلم نطالبه بالمجملات العامة: أركان الإيمان أركان الإسلام فرائض الدين أصول الأخلاق أصول التعامل فيما بينه وبين ربه ، والتعامل فيما بينه وبين من حوله من المسلمين، والتعامل فيما بينه وبين الكفار، يعلم المسلم كيف يتعامل بالمنهج الشرعي السليم الذي يقوم على الاعتدال والعدل، لكن لا نمتحن الناس في دقائق الأمور التي لا يدركونها.
فمثلاً: لا ينبغي أن يفاجئ المسلم بسؤال عن عالم أخطأ، ونقول: ما رأيك في فلان من الناس؟ أو كما يحدث من امتحان الناس ببعض المفكرين؛ لأن هذا من الفتنة، وأغلب الناس خالي الذهن، لا يدري كيف يزن الناس، بل لا يكلف شرعاً في أن يتتبع زلات الخلق ثم يعطي كل واحد حكماً، فهذا ليس من اختصاص عامة المسلمين، ولا طلاب العلم.
وكذلك دقائق العقيدة، كرؤية الله ، فقد ثبت أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وهذه المسألة من المسائل التي قد تخفى على كثير من عامة المسلمين؛ فيجب أن يعلموا، لكن لا يمتحنوا بها؛ لأنه قد تفاجأ به؛ لأنه ما عرف؛ فقد يقع في الكفر بسببك.
كذلك سؤال: أين الله؟ والنبي ﷺ سأل هذا السؤال، ولكن لا يسأل دائماً لكل مسلم غافل إلا عند موجبه كما حدث للنبي ﷺ ، والنبي ﷺ ما سأل مثل هذا
السؤال
أين الله؟ إلا ليوجب، وسؤال واحد فقط، فهذا دليل على أن النبي ﷺ لم يكن يمتحن الناس في مجالسهم وفي المساجد والمشاهد العامة بهذا السؤال كما حدث من بعض المفتونين في بعض الفترات.
فهذا فيه فتنة، ولأن الناس قد لا يدركون الجواب الصحيح في هذا الأمر.
стр. 276
سلامة القصد والمعتقد لدى المسلمين
ثم الأصل في جميع المسلمين أن نحملهم على حسن الظن، وعلى سلامة القصد والمعتقد؛ لأن الأصل في المسلمين أنهم على الفطرة، وما دام ما بان لنا من أحد منهم إصرار على بدعة، أو إصرار على ضلالة، أو ترك فرائض الدين؛ فالأصل فيه السلامة، ولا تفتش عنه لغير موجب، كأن تجالسه، أو تتلقى عنه العلم، أو تريد أن تزوجه مثلاً، وإلا فلا تفتش بغير موجب، لأن الأصل في جميع المسلمين السلامة والفطرة والمحمل الحسن وحسن الظن، إلا إذا ظهر من أحد منهم أو فئة أو جماعة أو فرقة خلاف ذلك، فمن هنا تزن الأمور بميزان الشرع وذلك بالرجوع إلى أهل الاختصاص؛ لأن هذه زلات توقع في الإثم والغيبة، بل ربما توقع في الحالقة والفرقة في الدين، والكلام في أعراض الخلق، فالأصل حمل جميع كلام المسلمين وما يصدر عنهم من أقوال وأفعال على المحمل الحسن، إلا من ظهر منه بدعة وأصر عليها، أو ظهر عناده وسوء قصده؛ فلا يجوز أن نتكلف له التأويلات، بمعنى أن القاعدة تنعكس فيمن ظهر منه خلاف ما ذكرته، فالأمور بظواهرها.
стр. 277
حكم فرق أهل القبلة الخارجة عن السنة والجماعة
ثم فرق أهل القبلة جميعاً المقصود بها: الذين افترقوا عن السنة والجماعة، وليس الذين خرجوا عن الدين، وهذه من المسائل التي يخلط فيها الناس، بل بعض المنتسبين للعلم الشرعي يتوهمون أن ما ورد عن النبي ﷺ من ذكر الافتراق وأحوال المفترقين وأوصافهم ووعيدهم أنهم خرجوا من الإسلام، وقد اتفق السلف على أن المقصود بأحاديث النبي ﷺ في النهي عن الافتراق ووعيد أهل الافتراق، وذكر الفرق في الأمة، وأنها ثلاث وسبعون فرقة كلها هالكة وكلها في النار إلا واحدة، لا يقصد بذلك أنهم خارجون من الملة، ولا أنهم من أهل الخلود في النار، إنما هذا من باب الوعيد، كما توعد الله السارق والزاني وآكل الربا بالنار، فكذلك هؤلاء توعدوا بالنار من باب الوعيد، ومصيرهم الجنة حتماً بموجب قواطع النصوص.
إذاً: فرق أهل القبلة الذين خرجوا عن السنة مسلمون، لكنهم وقعوا في البدعة وخالفوا السنة؛ فهم متوعدون بنصوص الوعيد بالهلاك والنار، وحكمهم حكم أهل الوعيد وأهل الكبائر، إلا من كان منهم كافراً في الباطن، وهذا أمر لا يعلمه إلا الله ولا يستطيع أحد أن يدعي أنه يعرف باطن هذا أو ذاك، فالباطن لا يعلمه إلا الله، ولذلك فإن النبي ﷺ لما أطلعه الله على بعض المنافقين أسر ذلك؛ لئلا يقع المسلمون في فتنة، فيحاولون الاطلاع على أحوال المنافقين، فبقي سراً ولم يذكره النبي ﷺ إلا لواحد من الصحابة، والمنافقون خلص.
إذاً: من كان منهم كافر في الباطن فهذا نستثنيه ولكن لا نستطيع أن نعينه بعينه، أو كان خلافه في الدين في أمر يتعلق بأمر ردة يخرجه من مقتضى الدين، أو في أصل من أصول العقيدة التي اتفق عليها سلف الأمة، كأن وقع في الردة كالباطنية، أو الذين أشركوا من المنتسبين للأمة؛ فهؤلاء لا يدخلون في فرق أهل القبلة، ولذلك لما عد بعض السلف في وقتهم كـ ابن المبارك ويوسف بن أسباط فرق المسلمين الثنتين والسبعين والتي يرون أنها متوعدة بالهلاك؛ قيل لهم: والجهمية، فقالوا: ليست من فرق المسلمين والمقصود غلاة الجهمية الذين أنكروا قواطع الدين.
ثم بعد ذلك لما ظهرت الباطنية أجمع سلف الأمة على أنها ليست من فرق المسلمين وإن ادعت الإسلام.
أما بقية الفرق سواء كانت فرق القدرية غير الغالية، أو فرق الشيعة غير الغالية، أو فرق المرجئة غير الغالية، أو فرق المتكلمين الجهمية التي لم تغل، أو فرق المعتزلة التي لم تقع في الغلو، أو فرق المتكلمين التي لم تقع في الغلو؛ كلها من فرق المسلمين، ويعامل أهلها معاملة المسلمين في كثير من الأمور، وقد يكون لهم نوع من المعاملة لكف شرهم، وبيان خطرهم على عقائد الأمة، لكن هذه أمور يقررها علماء الأمة في كل وقت بحسب الظروف والمكان والزمان والأحوال، لأن قواعد التعامل مع أهل البدع ليست ثابتة، إنما هي قواعد متغيرة بحسب أحوال الأمة وبحسب المصالح ودرء المفاسد.
وقوله: (والفرق الخارجة عن الإسلام حكمهم حكم المرتدين) أي: لا يعاملون معاملة المسلمين.
стр. 278
الجمعة والجماعة من أعظم شعائر الإسلام الظاهرة
الجماعة والجمعة ويدخل فيها شعائر الإسلام الظاهرة: كصلاة العيدين وصلاة الاستسقاء وصلاة الكسوف والخسوف وصلاة الجنائز، والأذان؛ كلها من أعظم شعائر الإسلام وهي علامات الإسلام الظاهرة.
ولذلك كان النبي ﷺ يحكم على أهل البلاد إذا ما رفعوا شعيرة الأذان بأنهم غير مسلمين؛ لأن الشعيرة الظاهرة التي تعلن بصوت مرتفع في كل بلد مسلم هي الأذان، فإذا لم يرفع الأذان فمعنى هذا أن البلد ليس له حكم دار الإسلام، وإن وجد فيه مسلمون؛ لأنه لا تظهر فيه شعائر الإسلام، فإذا ما أظهر الأذان؛ فمن الطبيعي ألا تظهر الصلاة ولا الجمعة ولا الجماعات.
إذاً: الجمعة والجماعات من أعظم شعائر دين الإسلام الظاهرة، ويدخل في ذلك أن الصلاة خلف مستور الحال ومن لا تعلم عنه شيئاً مشروعة، ومعنى ذلك: أن لا توقع نفسك والمسلمين في الوسواس، تقول: أنا لا أصلي خلف هذا الرجل حتى أتثبت من حاله، فهذا لا يجوز؛ لأن الأصل في المسلمين هو السلامة، فيجب على كل مسلم أن يصلي خلف من لا يعرف حاله، ولا يجوز تركها بدعوى أنه مجهول، أو بدعوى وجود قرائن غير ثابتة تدل على أنها لا تجوز الصلاة خلفه، بل إن التوقف في الصلاة خلف أئمة المسلمين من غير بينة يعتبر من البدع والوسواس الذي لا يجوز.
стр. 279
حكم الصلاة خلف من يظهر البدعة والفجور
قوله: (لا تجوز الصلاة خلف من يظهر البدعة) لكنها تصح، وأكثر الناس لا يفرق بين كلمة: (لا تجوز) وبين كلمة: (لا تصح).
فقولنا: (لا تجوز) مثل الراجح في الصلاة في الأرض المغصوبة، يقال: لا تجوز الصلاة في الأرض المغصوبة، لكن لا يعني أنها لا تصح بل تصح على الراجح، فكذلك الصلاة خلف من يظهر البدعة أو الفجور من المسلمين لا تجوز، إلا إذا لم يمكن الصلاة خلف غيره، فإذا كان أمامك إمام صاحب بدعة وآخر ليس صاحب بدعة، ولا يترتب على ترك المبتدع فتنة ولا مفسدة؛ فيجب أن تصلي خلف الأسلم، لكن لا يعني ذلك أنك لو صليت خلف المبتدع أنها لا تصح صلاتك، بل تصح ما دام مسلماً، وإن كان مبتدعاً أو صاحب هوى أو فرقة كما هو معروف.
إذاً: لا تجوز الصلاة خلف من يظهر البدعة أو الفجور من المسلمين مع إمكانها خلف غيره، أما إذا لم تمكن؛ فإنه لا بأس بها، وإن وقعت صحت ويأثم فاعلها، إلا إذا قصد دفع مفسدة أعظم.
مثال ذلك: إذا كان الإمام المبتدع سلطان المسلمين، فتصلي خلفه؛ ولذلك كان الإمام أحمد أيام المحنة والمأمون ليس مبتدعاً فقط، بل كان داعية إلى بدعته، وكان يفرض البدعة بقوة السلطان، ومع ذلك كان الإمام أحمد يصلي خلفه؛ لأن ترك الصلاة خلفه يؤدي إلى مفسدة أعظم، لأن حدثاء الأسنان لو ما صلى الإمام أحمد خلف المأمون لكفروا المأمون وخرجوا عليه، فهذا فقه يجب أن يعلمه الناس ويفقهه طلاب العلم خاصة.
فإن لم يوجد إلا مثله أو شرٌّ منه جازت خلفه، ولا يجوز ترك الجماعة بمعاذير أن في الأئمة أخطاء أو بدعاً أو فسقاً أو نحو ذلك.
وقوله: (من حكم) بكفره كفر ردة (فلا تصح الصلاة خلفه) لكن من الذي يحكم بأن فلاناً من الناس كفر كفراً يوقعه في الردة إلا العلماء، وإلا فإذا فتحنا هذا الباب لكل إنسان حتى وإن كان طالب علم وقعت فتنة، لأن الناس تختلف اجتهاداتهم، إذاً: فالأمر عظيم.
стр. 280
طرق إثبات الإمامة الكبرى
الإمامة الكبرى، وهي إمامة المسلمين: السلطان الملك الخلافة الرئاسة التي هي حكم البلاد، سواء كانت بلاد المسلمين بعمومها، أو جزءاً من بلاد المسلمين لما تجزأت بلاد المسلمين، وبعض الناس يجهل ويظن أن تجزؤ بلاد المسلمين أمر حادث! لا، بلاد المسلمين تجزأت حتى في عهد الخلفاء الراشدين، وكانت السلطة هنا وهنا وكلها شرعية، كان هناك أناس يتبعون بيعة علي بن أبي طالب ﵁، وفئة من المسلمين لا يزالون تحت إمامة وبيعة معاوية بن أبي سفيان، وكل له أحكامه.
إذاً: الإمامة الكبرى تكون بحسب وضع البلد وتثبت بعدة طرق: الطريقة الأولى: إجماع الأمة بالشورى، فإذا أجمع المسلمون ويمثلهم أهل الحل والعقد؛ فتثبت على إمام أو سلطان أو ملك؛ فيكون بذلك له حق السلطة والإمامة.
الطريقة الثانية: بيعة أهل الحل والعقد ممن لهم شأن في الأمة من العلماء ورؤساء العشائر وأهل الرأي وذوي التأثير في الأمة، ولو كانوا قلة، فبايعوا سلطاناً لزمت بيعته على الجميع، وصار إماماً تجب له حقوق الإمامة بغير معصية الله.
الطريقة الثالثة: الإمامة بالتغلب، كأن يتنازع سلاطين على الحكم ولكن غلب واحد، فإذا غلب وجبت بيعته واستتب له الحكم وصار له حكم إمام المسلمين وإن لم يكن هو الأفضل، وإن كان فاجراً أو ظالماً كما ذكر النبي ﷺ في الأحاديث.
الطريقة الرابعة: الوصية، وقد حدثت حتى في عهد الخلفاء الراشدين، أبو بكر ﵁ أوصى من بعده لـ عمر بن الخطاب، والوصية قد تكون مثل صورة ما حدث من أبي بكر ﵁، وقد تكون مثل صورة ولاية العهد كما حدث من معاوية ﵁ حينما طلب البيعة لـ يزيد، فيما يسمى بولاية العهد، وهي نوع من الوصية.
وهذه الأمور وغيرها يتمكن فيها المسلم من الحكم في بلد من بلاد المسلمين ويستتب له الأمن والأمر؛ وتجب بيعته وطاعته بالمعروف من غير معصية الله.
فمن تحققت له السلطة وجبت طاعته بالمعروف ومناصحته، وحرم الخروج عليه إلا إذا ظهر منه كفر بواح فيه من الله برهان يقول به الراسخون في العلم وأهل الحل والعقد.
стр. 281
أداء شعائر الإسلام الظاهرة مع أئمة الجور
وقوله: (الصلاة والحج والجهاد واجبة مع أئمة المسلمين وإن جاروا).
الصلاة من أعظم شعائر الإسلام الظاهرة، وكذلك الحج وهو ركن الإسلام، والجهاد وهو ذروة سنام الإسلام؛ كل هذه من أصول الدين الواجبة مع سلاطين المسلمين، ومع أمراء المسلمين، أبراراً كانوا أو فجاراً، وهذه وصية الله، وهي أيضاً نهج رسوله ﷺ وما أوصى به.
وقد يقول قائل: لكن كيف نصلي ونحج ونجاهد مع الولاة غير الصالحين، ومع الفجار والظلمة؟ ونقول: لأنه قد ينصر الله بهم الدين وإن كان فيهم ظلم، وكونهم وقعوا في مثل هذه الأخطاء الكبيرة لا يعني أنه لا يجوز طاعتهم؛ لأن طاعتهم لمقامهم لا لأشخاصهم، المقام الذي تسلموه وهو قيادة الأمة، وحفظ كيانها، وحفظ أمنها الذي لا تقوم مصالح الأمة إلا به، فدين المسلمين ودماؤهم وأعراضهم وأموالهم وحرياتهم لا يمكن أن تستقيم إلا بسلطان، براً كان أو فاجراً.
فإذا أقام الإمام الصلاة نصلي خلفه، وإذا حج نحج معه، وإذا جاهد نجاهد معه؛ لأن هذا مما يحفظ كيان الدين والأمة، وذنبه عليه، لكن مع استمرار النصح له.
وهذه -مهما كان الأمر ومهما اختلفنا عليه- وصية من الناصح الأمين، وهي أثمن وصية من النبي ﷺ .
стр. 282
تحريم القتال بين المسلمين
ثم بعد ذلك يحرم القتال بين المسلمين، مهما كانت مبرراته ما لم يكن القتال من أهل الحل والعقد، من الجماعة والسلطان ضد البغاة، وضد المفسدين، فهذا لا يسمى قتالاً بين المسلمين، بل هو كف الشرِّ، ولكن القتال الذي منزعه التنازع على الدنيا، أو التنازع على السلطان، أو الحمية الجاهلية، أو العصبية، أو أي غرض لا يقصد به نصر الدين، أو قصد به نصر الدين على وجه غير مشروع؛ فإنه يعتبر من أكبر الكبائر، والمشروع أن يقاتل من يعم فساده، سواء كان فساداً في العقيدة كأهل البدع الذين يفتنون المسلمين، فإذا ما كفوا عن فتنتهم للمسلمين، وما كفوا عن خروجهم عن السلطان إلا بالقتال؛ فإنهم يقاتلون، وأهل البدع والفساد والبغي وأشباههم يقاتلون إذا صار شرهم يتعدى ولم يكفوا بالطرق السلمية، ولم يمكن دفعهم بأقل من القتال فإنه يجوز لإمام المسلمين وأهل الحل والعقد أن يقاتلوهم بحسب الحال والمصلحة ما لم يكن هناك مفاسد كبرى.
стр. 283
الصحابة أفضل هذه الأمة
ثم عرَّج أهل السنة والجماعة بعد هذه الأصول على أن من الجماعة فئة هي الفئة النموذجية والقدوة في عهد النبي ﷺ وبعده، ورأس الجماعة هم الصحابة في عهد النبي ﷺ وبعده، وأولها والنموذج الأول، هم القدوة الأوائل، الذين رسموا سبيل المؤمنين، وهم الصحابة الكرام، وكلهم عدول في الدين، فالعدالة لا تعني أنه لا يرتكب أحد منهم أخطاء أو فسقاً أو نحو ذلك، إنما العدالة في نقل الدين؛ لأن الله تكفل بحفظ الدين، وكان مما تكفل الله به أن عهد النبي ﷺ بنقل الدين على الصحابة، فنقلوه، حتى من كان عنده شيء من الخطأ أو المعصية، والصحابة ليسوا معصومين، لكن مع ذلك فهم عدول في نقل الدين.
وقوله: (والشهادة لهم بالإيمان والفضل أصل قطعي معلوم من الدين بالضرورة) لقواطع النصوص والإجماع، ولأن هذا من ضرورات الدين؛ ولأن الطاعن في الصحابة يطعن في الدين، لأنه من الذي نقل لنا الدين بعد النبي ﷺ ؟ فالطعن فيهم لا بد أن يرجع إلى الطعن في قلب الأمة.
وفي ضمير الأمة، وأشد الطعون على الأمة هو فيما يتعلق بمطاعن أهل الأهواء في خيار الأمة، ولا يوجد مسلم عنده عقل يسمح لأحد أن يفتري ويطعن على الخيار.
ثم بعد ذلك محبتهم دين وإيمان؛ لأن الله أمر به، ولأن النبي ﷺ أوصى به، فهو من الإيمان، ونتقرب إلى الله بذلك، وبالعكس بغضهم كفر ونفاق بحسب درجة البغض، مع وجوب الكف عما شجر بينهم؛ لأنهم حدثت بينهم أحداث وخلافات، فيجب الكف عما شجر بينهم؛ لأن أغلب ما روي فيما حدث بينهم من أحداث وخلافات لا يصح، بل الصحيح المسند نزر يسير جداً، فمن هنا لا يجوز أن نعول على روايات التاريخ فيما شجر بينهم، ونترك الخوض فيما يقدح في قدرهم.
ومن ناحية التفضيل هناك أشياء قطعية في تفضيلها، وهناك أشياء اجتهادية، أما تفضيل الخلفاء الأربعة بترتيبهم والعشرة المبشرين بالجنة وأهل بيعة الرضوان وأمهات المؤمنين وآل بيت رسول الله ﷺ فهذا أمر مجمع عليه.
ثم يأتي عموم المهاجرين وعموم الأنصار والسابقون الأولون قبل الفتح وبعده إلى آخره، وكلهم مع ذلك صحابة، وكلهم ﵃، والخلفاء الراشدون الأربعة ترتيبهم بحسب خلافتهم: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين بموجب النصوص أيضاً، ولو استقرأنا نصوص النبي ﷺ في ذكر الخلافة وفي ذكر الفضل؛ لوجدنا أنه بدأهم بهذا الترتيب، إلا في نزر يسير من الروايات التي قدمت علياً على عثمان، وربما يكون هذا وهماً من الرواة، أو أن النبي ﷺ حكى هذا في القليل، لكن الحكم على الأغلب، ولا يتسع المجال لسرد النصوص القطعية في ترتيب الصحابة على هذا النحو.
стр. 284
محبة آل رسول الله وتوليهم وتوقيرهم
ومن الدين الذي يجب أن يدين به المسلم: محبة آل رسول الله ﷺ وأهل بيته، وتوليهم وتوقيرهم، سواء السابقين منهم أو من جاء بعدهم، فكل ما ثبت عندنا أنه من آل البيت، ولا يزال على طريق السنة لم يغير ولم يبدل؛ فله حق علينا، ويجب أن نوقره ونظهر له الاحترام.
وبعض الناس ربما يعامل آل البيت بشيء من الجفوة وهو لا يدري، ولكن من كان صالحاً من آل البيت من الموجودين فضلاً عن الأموات الذين حقهم معروف ومصون، فيجب أن نوقرهم ونقدرهم، وكذلك نعظم ونقدر أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ونعرف لهن فضلهن، ونحب أئمة السلف من التابعين وتابعيهم بإحسان، ولا نسلك ولا نتودد تودداً يؤدي إلى تضييع العقيدة مع أهل الأهواء والبدع والافتراق، إلا من باب النصح لهم والرفق بهم والإشفاق عليهم، وإقامة الحجة، ومعاملتهم بالعدل من غير عدوان.
стр. 285
الجهاد ذروة سنام الإسلام
وقوله: (الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام) بمعنى أنه سنة حفظ الدين، الذي يحفظ الدين للأمة ويحفظ كيانها هو الجهاد، وبعض الناس ربما يظن أن الجهاد مرحلي، أو أنه لا تنطبق فيه شروط الجهاد الحقيقي بعد النبي ﷺ والصحابة، وهذا غير صحيح لأنه متى توافرت شروط الجهاد عند المسلمين على مقتضى اجتهاد الراسخين في العلم وأهل الحل والعقد، ووجدت راية ذات سلطان؛ فلا بد من الجهاد.
والجهاد له مبرراته الشرعية والمنهجية، فإذا قامت مبررات الجهاد وجب أن يقوم، والعجيب أن دساتير كل الأمم في الدنيا والعصر الحاضر تتطلب هذا الأمر، فتجد في دساتير بعض الدول حتى العظمى منها ما يصنف الناس إلى عدو قد نحتاج إلى قتاله، وإلى صديق مسالم، وهذا موجود في دساتيرهم، لكن القضية هي اختلاف الصياغات والتعابير، ولذلك رفعت بعض الدول عندما خشيت من العدوان عليها شعاراً: (من لم يكن معنا فهو ضدنا)، وهذا أمر تقتضيه فطرة البشر، وما من أمة قوية أو ضعيفة إلا ويكون عندها استعداد وقوة وجيوش، ولذلك لا توجد دولة ذات استقلال وسيادة في العالم وما عندها جيوش حماية لها.
والجهاد نوعان: جهاد دفاع، وجهاد طلب إذا توافرت شروطه كما هي مقررة عند أهل العلم.
следующие страницы →