Полный текст (299 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
معنى مجمل أصول أهل السنة والجماعة
السؤال
عندي سؤال في تسمية الكتاب: مجمل أصول أهل السنة والجماعة؟
الجواب
الكتاب الذي ندرسه فعلاً هو مجمل أصول أهل السنة والجماعة؛ لأنه قصد به القواعد والمسائل الإجمالية، وقصد به الضوابط والمنهجيات، ولم يقصد به التفاصيل، حتى في الأدلة ليس فيه أدلة كثيرة، فمن هنا سمي مجملاً؛ لأن العقيدة فيها إجمال وتفصيل، فنستطيع أحياناً أن نقول: العقيدة كلها تندرج تحت شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ونستطيع أن نتوسع ونقول: العقيدة هي أركان الإيمان وأركان الإسلام، ونستطيع أن نتوسع ونقول: العقيدة هي كل ثوابت الدين والأحكام القطعية، ونستطيع أن نقول: العقيدة كل الدين حتى ما يسمى بالأحكام، مثلاً: أحاديث السواك داخلة في العقيدة؛ لأنه ما ثبت به الدليل فإنه داخل في العقيدة، فالعقيدة وصف شامل للدين كله، فعلى هذا نقول: إن الأمر يرجع إلى الاصطلاح وإلى المفاهيم الشرعية التي تقتضيها النصوص أو يتفق عليها المتخصصون.
стр. 37
حكم تقديم العقل على النقل
السؤال
ما حكم من قدم العقل على النص؟
الجواب
مسألة تقديم العقل على النص هذه نزعة فلسفية أصلها ناشئة من خصوم الأنبياء حتى قبل مبعث النبي ﷺ ، فتجدهم يعترضون على النبوة وعلى الوحي وعلى مقررات الدين بالعقول، مع أن العقول لها مدارك محددة، وإذا خرجت عن مداركها المحددة وقعت في الزيغ، والعقول إذا أقحمناها في تفاصيل الغيب، وفي دين الله ، وفي أمره ونهيه وفي عالم الآخرة، فإنها تقع في الخبط والخلط والتخرصات، فمنشأ تقديس العقول وإقحامها في الدين ناتج عن الخراصين الذين قال الله فيهم: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات:١٠ - ١١]، فتقديم العقل على النص ناتج عن الغرور والكبرياء من خصوم الأنبياء.
ثم دخلت هذه النزعة على بعض الفرق الإسلامية بشبهة، حيث زعموا أن العقل مادام خوطب، إذاً: من الذي يقرر؟ والعقل مادام أنه هو الذي عول عليه الشرع في أمور كثيرة، وهو الذي يميز بين الحق والباطل في الجملة، ويميز بين الضار والنافع، إذاً: هو الذي يقرر الدين، وهذا فيه قلب للحقائق، مع أن العقل له احترامه ومكانته، لكن الدين دين الله، والذي يقرره هو الرب والمعصوم ﷺ ، فالله هو الذي يقرر الدين ويبقى العقل وظيفته أن يصدق بالحق وأن يؤيده وأن يجتهد فيما كلفه به الشرع، فعلى هذا يستحيل عقلاً أن يقدم العقل على الشرع، ولو كان للعقل لسان لقال لأولئك الذين أقحموه في الدين: قد أحرجتموني أمام ربي ، كيف توقعوني في أمر الله هو الذي تكفل به وهو الحكيم الخبير، وهو العالم وأنا العقل ناقص محدود الطاقة محدود القدرات يعتريني الهوى والضعف والخطأ والنسيان بل والفناء، إذاً: كيف يقال: العقل يقدم على الشرع؟!
стр. 38
بين وصف السنة ووصف الإسلام
السؤال
جميع الفرق تقول: لا إله إلا الله، فلماذا لا نطلق عليها وصف الإسلام أو وصف أهل السنة والجماعة؟
الجواب
أما وصف الإسلام فنعم، وأما وصف أهل السنة والجماعة فلا؛ لأن النبي ﷺ ميز بين أتباع السبل وبين أهل السنة والجماعة، والتمييز ليس دراسة تاريخية أو بتحكم علماء وإن كان العلماء مرجعية، لكن تقسيم المسلمين إلى أهل سنة وغير أهل سنة تقسيم شرعي جاءت به النصوص؛ لأن النبي ﷺ ذكر الافتراق بأنه سيحدث ونهى عن السبل، وأيضاً أمر باتباع السنة والجماعة، فكان أهل السنة والجماعة هم الذين بقوا على السنة بخلاف أهل الأهواء والافتراق.
فمن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، نشهد له بالإسلام، وإن ارتكب بدعاً وسلك مسلك أهل البدع والافتراق والأهواء، وخرج من السنة فهو متوعد ولم يخرج من الإسلام.
стр. 39
الحكم على القبوريين
السؤال
القبوريون بغير علم، هل يعدون من أصحاب البدع المكفرة؟
الجواب
القبوريون أصناف، ويقصد بهم الذين يعملون البدع عند القبور، سواء كانت بدعاً كفرية شركية مغلظة أو غير مغلظة، وكثير من القبوريين لا يمارسون الشركيات، فكيف نحكم عليهم، وبعضهم يأتي للتبرك، وبعضهم يأتي ليهدي ثواب الأعمال الصالحة عند القبر للأموات، أو يهدي ثواب قراءة القرآن بزعمه، وهذه أمور بدعية، لكنها لا ليس مخرجة من الملة، فإذاً: الحكم على القبوريين بمجرد أنه يوجد من بعضهم شركيات هذا لا يجوز، فلابد أن نفصل، وكل يحكم عليه بعمله، ومع ذلك يبقى الحكم العام غير الحكم على الأعيان، فمثلاً: الكثير ممن يسافرون إلى بعض البلاد التي تعمل فيها من قبل الجهلة بعض الشركيات.
فالزوار الذين يزورون بعض القبور التي يطوف بها الناس، والزائر السائح الجاهل يظن أن هذا الطواف مجرد دوران من أجل التفرج والاستطلاع ولا يدري أنه عبادة فيدور معهم، وذات مرة دخلنا قبراً من باب النصيحة والاستطلاع وكان يطوف حوله الناس، فعكسنا الاتجاه، فقال لنا سادن القبر: اعكس يا حاج اعكس يا حاج، فمن جاء لا يدري أن هؤلاء يطوفون طواف عبادة وهو شرك بالقبر، فلا نستطيع أن نحكم عليه، أو مثلاً: إنسان تذكر نعمة من نعم الله عليه فسجد شكراً لله عند القبر ونسي أنه عند القبر فهذا محتمل، وعليه فلا نحكم على العباد حتى نتبين أمرهم.
стр. 40
عدم الرجوع إلى العلماء من أسباب الافتراق
السؤال
هل يعتبر عدم الرجوع إلى العلماء من أسباب الافتراق؟
الجواب
لا شك أن عدم الرجوع إلى العلماء وعدم اعتبارهم مرجعية سبب الافتراق؛ لأن الله يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، بل في هذه القضية بالذات لا يختلف عليها الناس، خاصة فيما يروج بين الأمة الآن من أمر مريج في أحوالهم وعلاقاتهم والمصائب التي أصابتهم حينما ألغوا المرجعية أو ضعفت المرجعية للعلماء، خاصة عند بعض الأجيال الناشئة، عندما ضعفت المرجعية وقعوا في هذه الكوارث، وهذا خلاف وصية الله ، فالله في مثل الأحداث التي نعيشها اليوم يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣]، فالذين يستنبطونه هم العلماء الراسخون.
فلا شك أن من أعظم أسباب الفرقة والشتات هو عدم الخضوع لمرجعية العلماء التي هي وصية الله وهي صمام الأمان بإذن الله، ولأسباب كثيرة ليس هذا هو السبب الوحيد.
стр. 41
تعريف أهل الوعد
السؤال
من هم أهل الوعد؟
الجواب
أهل الوعد هم الذين أخذوا بالوعد ولم يعولوا على الوعيد، وهم المرجئة وغلاة الجهمية وطوائف كثيرة من الأمة، وكذلك بعض الذين عندهم نفاق أو فجور ويقولون: الله غفور رحيم، لا يتقون الله ولا يذكرون أن الله شديد العقاب، كالذين يأخذون بنصوص الرحمة ونصوص الوعد، ولا يهتمون بالخشية لله ولا الخوف منه ولا اعتبار الوعيد في المعاصي وغيرها، هؤلاء يعتبرون أهل الوعد.
стр. 42
نصيحة لأهل السنة
مداخلة: ما هي نصيحتكم لبعض أهل السنة الذين انشغلوا بإخواننا أهل السنة؟ الشيخ: هذه ظاهرة ليست غريبة، ففي ظل الأخطاء والتجاوزات لا يزال يوجد من أهل السنة الذين هم أهل الحق من يسيء إلى الحق بأسلوبه ومنهجه أو بتعامله مع الآخرين وهذا أمر طبيعي، لكن الأمر غير الطبيعي هو أن يحسب الناس سلوكيات هؤلاء الخاطئة على السنة والجماعة، وهم يعلمون أنه ما من مبدأ في الدنيا ولا منهج ولا ديانة إلا ويوجد من أتباعها من يخطئ، فهل نحسب أخطاء وتجاوزات أتباع الديانات والمذاهب التي تخالف أصولهم ومناهجهم وديانتهم ونحسبها على الديانات أو المبادئ؟ فكذلك في الدين جملة في الإسلام أن تحسب تصرفات بعض المسلمين على الإسلام والمسلمين، هذا خطأ فادح ويخالف بدهيات التعامل بين البشر، وكذلك بوجه أخص، وهو موطن السؤال ما يحدث من بعض المنتسبين للسنة من قسوة وتعجل وهم قلة بحمد الله، وما يحدث من بعضهم من إساءة تعامل مع الآخرين، كل هذه تصرفات يحاسبون عليها ولا تنسب إلى السنة والجماعة، فالسنة والجماعة منهج، ينبغي أن يكون مرتكز التحاكم وهو مرتكز الحكم على أفعالنا وتصرفاتنا.
فيجب أن نتقي الله فيما نعمل وما نقول، سواء منا من يسيء إلى السنة والجماعة أو من يحكم عليه من تصرفات بعض أفرادها، فهذه سنة الله في خلقه، فيجب أن نصبر وأن نتناصح وأن نبين للناس وجه الحق، وأيضاً أن نخطئ المخطئ منا وإن كان من أهل السنة والجماعة فهو إنسان منا.
стр. 43
الحكم على المعتزلة والأشاعرة في العقيدة
السؤال
هل الأشاعرة والمعتزلة من أهل السنة، ولماذا أطلق لفظ أهل السنة على الأشاعرة في بداية الأمر؟
الجواب
المعتزلة ليسوا من أهل السنة ولا أرادوا أن يكونوا من أهل السنة أصلاً، وهذا واضح من مقالاتهم ومنهجهم، وأما الأشاعرة فالكلام فيهم يحتاج إلى شيء من التفصيل، لعلي أوجزه بقواعد محدودة.
أولاً: الأشاعرة هم أتباع أبي الحسن الأشعري الذي ظهر مذهبه في القرن الرابع الهجري، وكان مذهبه مذهب أهل السنة والجماعة في الجملة وكثير من التفاصيل، ثم دخلتهم النزعة الكلامية، أي: تقرير الدين بالعقول وبمسائل كلامية، فانحرف المسار الأشعري إلى الكلاميات، ثم إلى التصوف بعد القشيري، فدخلهم علم الكلام والتصوف، فأصبح الأشاعرة أصناف، منهم أهل حديث وعلماء وفقهاء في جملتهم على السنة والجماعة كـ النووي وابن حجر إن صح انتسابه للأشاعرة وغيرهم، وكـ البيهقي والخطابي، وهؤلاء من أهل السنة والجماعة، وانتسابهم للأشاعرة خطأ يغفر الله لنا ولهم، ومثلهم كثير من علماء الأشاعرة إلى يومنا هذا، ينتسبون إلى الأشاعرة مجرد انتساب، لكنهم على منهج أهل الحديث من أهل السنة والجماعة فهؤلاء من أهل السنة والجماعة.
стр. 44
مجمل أصول أهل السنة - القاعدة الثالثة منهج تلقي الدين
تمتاز عقيدة أهل السنة والجماعة بأن مصادر التلقي والاستدلال عندهم هي الكتاب والسنة والإجماع، والمرجع لهم في فهم الكتاب والسنة هو النصوص المبينة لها وفهم السلف الصالح، والألفاظ المجملة عندهم يستفسر عن معانيها، فما كان حقاً أثبت بلفظه الشرعي، وما كان باطلاً رد.
стр. 45
تابع قواعد في أصول التلقي ومنهج الاستدلال
الحمد لله، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورضي الله عن صحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: يقول المؤلف حفظه الله تعالى: [تمهيد: العقيدة لغة: مأخوذة من العقد والتوثيق والإحكام والربط بقوة.
واصطلاحاً: الإيمان الجازم الذي لا يتطرق إليه شك لدى معتَقِده.
فالعقيدة الإسلامية تعني: الإيمان الجازم بالله تعالى وما يجب له من التوحيد والطاعة وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وسائر ما ثبت من أمور الغيب، والإخبار، والأصول، علمية كانت أو عملية.
السلف: هم صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، وأئمة الهدى في القرون الثلاثة المفضلة، ويطلق على كل من اقتدى بهؤلاء وسار على نهجهم في سائر العصور سلفي نسبة إليهم.
أهل السنة والجماعة: هم من كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.
وسموا أهل السنة: لاستمساكهم واتباعهم لسنة النبي ﷺ .
وسموا الجماعة: لأنهم الذين اجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا في الدين، واجتمعوا على أئمة الحق ولم يخرجوا عليهم، واتبعوا ما أجمع عليه سلف الأمة.
ولما كانوا هم المتبعين لسنة رسول الله ﷺ المقتفين للأثر، سموا أهل الحديث وأهل الأثر وأهل الاتباع، ويسمون أيضاً: الطائفة المنصورة والفرقة الناجية.
أولاً: قواعد وأصول في منهج التلقي والاستدلال.
١) مصدر العقيدة: هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الصحيحة وإجماع السلف الصالح.
٢) كل ما صح من سنة رسول الله ﷺ وجب قبوله والعمل به، وإن كان آحاداً في العقائد وغيرها].
стр. 46
قاعدة التسليم لأحاديث الرسول والعمل بها
قوله: (أن كل ما صح من سنة رسول الله ﷺ وجب قبوله والعمل به وإن كان آحاداً في العقائد وغيرها).
الشرح: أي: أن كل ما ثبت من أقوال النبي ﷺ وأفعاله وأحواله وتقريراته وسيرته فهو الدين ويجب قبوله والتسليم به.
أما التقييد بقولنا: (وإن كان آحاداً) فلأن بعض أهل الأهواء والبدع خاصة الذين عولوا على مصادر أخرى غير الكتاب والسنة وجدوا أن مبادئهم وأصولهم التي تقوم على التأويل والتعطيل تتصادم أحياناً مع بعض النصوص، فكان من حيلهم: أن زعموا أن كثيراً من النصوص التي تصادم أصولهم أحاديث آحاد، والمقصود بأحاديث الآحاد: التي يكون في سندها رجل واحد، كحديث: (إنما الأعمال بالنيات)، ومن المعلوم أن هذا التقييد باطل؛ لأن النبي ﷺ بلغ الصحابة وكلهم ثقات، وهم بلغوا الدين، وقد ﵃ وبين أنهم عدول، وشهد لهم النبي ﷺ بالعدالة، بل حملهم أمانة نقل الدين، فمن هنا لا بد أن نأخذ رواياتهم وإن كانت روايات آحاد ما دامت صحت عن الثقات؛ ولذلك فإن السنة أكثرها أحاديث الآحاد، بل إن النبي ﷺ أقام الحجة على الأمم أكثرها بأفراد، ولعل من أوضح الشواهد على ذلك: أن الصحابة ﵃ لما بلغهم عن طريق أحد الصحابة أن القبلة صرفت من بيت المقدس إلى الكعبة انصرفوا جميعاً، مع أن الذي بلغهم رجل واحد من الصحابة، فانصرفوا إلى الكعبة وأقرهم النبي ﷺ على ذلك.
إذاً: الدين هو ما صح عن النبي ﷺ سواء كان الراوي واحداً أو أكثر من واحد، خاصة إذا كان الراوي في أعلى الإسناد.
стр. 47
قاعدة فهم نصوص الكتاب والسنة
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ثالثاً: المرجع في فهم الكتاب والسنة: هو النصوص المبينة لها، وفهم السلف الصالح، ومن سار على منهجهم من الأئمة، ولا يعارض ما ثبت من ذلك بمجرد احتمالات لغوية].
الشرح: هذه القاعدة الثالثة في منهج تلقي مصادر الدين، وكيف نستدل بها؟ وممن نستمد الدين؟ وهذه القاعدة من أهم القواعد في هذا الباب؛ لأنها هي المنهج في تلقي الدين الذي رسمه النبي ﷺ ورسمه خلفاؤه الراشدون، والذي عليه سلف الأمة وسبيلهم هو سبيل المؤمنين، وهو أن المرجع في فهم نصوص القرآن وفهم السنة قولاً أو فعلاً أو تقريراً أو حالاً، أي: سنة النبي ﷺ ، يأتي على الدرجات التالية: أولاً: تفسير القرآن بالقرآن، ونحن نعلم كما هو منهج السلف في الاستدلال أن كثيراً من آيات القرآن فسرتها آيات أخرى، إما بتخصيص، وإما ببيان، وإما بتفسير، وإما بأي نوع من أنواع التفسير والبيان.
ثانياً: تفسير القرآن بسنة النبي ﷺ ، بقوله أو فعله أو تقريره.
ثالثاً: تفسير القرآن والسنة بآثار أو بفهوم الصحابة ﵃؛ لأنهم هم الذين تلقوا الدين عن رسول الله ﷺ ، وتحملوا أمانة البلاغ، والذين طبقوا كثيراً من أحكام الإسلام حتى بعد وفاة النبي ﷺ .
وعلى هذا فإن هذا النهج هو نهج المؤمنين، وسار عليه أئمة الإسلام التابعون وتابعوهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعليه علماء الأمة أنهم يأخذون فهم النصوص على هذا التدرج.
ولا يعارض ما ثبت من تفسير النصوص بمجرد الاحتمالات، ولا يعارض بمجرد ما يضعه الناس من المقررات، خاصة بعد انتشار الأهواء والقول في الرأي في الدين، وبعد انتشار التحزبات والافتراق ونحو ذلك، فلا نبالي بما يضعه الناس من احتمالات للنصوص، سواء على سبيل التأويل، أو على سبيل التحريف، أو على سبيل التكلف، أو على سبيل الاستدلال المباشر إذا لم يكن على قواعد الاستدلال؛ لأن النصوص لا بد من أخذها بمجموعها على قواعد الاجتهاد الذي عليه سلف الأمة.
كذلك لا تؤخذ النصوص بمجرد الاحتمالات اللغوية، واللغة هي اللسان المبين الذي نزل به كلام ربنا ، وهي لسان النبي ﷺ وهو أفصح الخلق أجمعين، ومع ذلك فإن الدلالات اللغوية يرتبط بعضها ببعض وترتبط بالمصطلحات الشرعية التي وضعت للدلالات اللغوية معانٍ مخصصة أو معممة، لأن الشرع خاصة في جانب العقيدة جاء باستعمال اللغة على نواحٍ معينة، فأحياناً الدلالة الشرعية تخصص المعنى اللغوي وأحياناً تعممه، فعلى سبيل المثال: الصلاة في اللغة: هي مجرد صلة القلب بالله أو صلة الجوارح بالله، لكنها في الاصطلاح الشرعي خصصت بهذه العبادة التي جاءت على هيئة أركان وواجبات وأفعال حددها النبي ﷺ .
إذاً: الصلاة هنا تخصص بالمعنى الشرعي، وكذلك الزكاة لغة: بمعنى النماء والزيادة، فأي نماء وزيادة فإنه يسمى زكاة، لكن إذا نظرنا إلى المفهوم الشرعي فإن الشرع حدد الزكاة بصرف جزء من المال على سبيل الوجوب أو الفرض كما أمر الله ، وهذا الجزء يسمى زكاة.
فلا بد في فهم نصوص الكتاب والسنة أن نرجع إلى المصطلحات الشرعية، ولا نلتفت بالاحتمالات اللغوية التي قد تخرج المعنى عن المقصود الشرعي.
стр. 48
قاعدة الإحداث في الدين
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [رابعاً: أصول الدين كلها قد بينها النبي ﷺ ، وليس لأحد أن يحدث شيئاً زاعماً أنه من الدين].
الشرح: هذه القاعدة تتعلق بكمال الدين الذي بينه الله وجعله من سمات هذا الدين الخاتم، وآخر الديانات وخاتمها، وجعل هذا من خصائص ما جاء به النبي ﷺ ، فلا يعتريه النقص ولا الزيادة ولا التحريف ولا النسخ ولا التبديل؛ ولذلك حفظه الله وتكفل بحفظه؛ كما ختم الله النبوة فلا يحتاج الناس بعد النبي ﷺ نبوة ولا وحياً؛ لأن الدين كامل، والكمال يشمل كمال العقيدة كمال التشريع كمال الأخلاق كمال المعاملات كمال صلاحيته لكل زمان ومكان، وإذا تخلف المسلمون عن إدراك هذا الكمال وتطبيقه فالعيب في المسلمين لا في الإسلام؛ ولذلك نقول معتقدين وجازمين: إنه متى جدَّ المسلمون في تطبيق الإسلام عقيدة وشريعة سيجدون الكمال المطلق في صلاحيته لأحوالهم وعلاج مشكلاتهم وعلاقاتهم مع بعضهم ومع البشرية جمعاء على منهج سليم قويم.
إذاً: أمور الدين كلها قد بينها النبي ﷺ جملة وتفصيلاً، ويدخل فيها الأصول والعقائد والمسلمات والثوابت، ويدخل فيها الأحكام بقواعدها وبمفرداتها، وكل ذلك مما بينه النبي ﷺ بياناً شاملاً كاملاً، والبشر قد يقصرون عن إدراك هذا، وإذا كنا قد قلنا: إن النبي ﷺ قد بين الدين كله، فإذاً: ليس لأحد أن يحدث شيئاً مهما كان ثم يزعم أنه من الدين، صغيراً أو كبيراً، في العقيدة أو الأحكام، في القواعد أو الفروع، كل ذلك لا يمكن أن يرد، بل لا يجوز إطلاقاً أن نتلقى من أحد شيئاً من أمور الدين وهو لم يرد في الكتاب ولا السنة، أما ما وافق الكتاب والسنة فأصله الوحي.
стр. 49
قاعدة التسليم المطلق للنصوص الشرعية
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [خامساً: التسليم لله ولرسوله ﷺ ظاهراً وباطناً، فلا يعارض شيء من الكتاب أو السنة الصحيحة بقياس، ولا ذوق، ولا كشف، ولا قول شيخ، ولا إمام ونحو ذلك].
الشرح: هذه القاعدة تتعلق بأساس الاعتقاد في قلب المسلم ومشاعره وجوارحه، فالدين أصلاً الدين كله جملة وتفصيلاً مبدأه يقوم على التسليم تسليم القلب والجوارح إذعان القلب والجوارح تصديق القلب، وظهور ثمار هذا التصديق على سلوكيات الإنسان وأعماله، سواء في علاقته بربه ، فيجب على المسلم أن يكون في علاقته بربه على كمال التسليم والتصديق والإذعان والرضا والمحبة لله والخوف والرجاء؛ لأن التسليم لله تعالى يبدأ من القلب، ثم تتبين آثاره بالضرورة على الجوارح: على اللسان على الأعمال في الفرائض الأعمال في العبادات الأعمال في الأخلاق الأعمال في التعامل، وكل هذه المسائل تنطلق من التسليم؛ ولذلك سمي الإسلام إسلاماً؛ لأن مبناه على التسليم لله بالطاعة والمحبة والانقياد له، ونظراً لأن التسليم يبدأ بالقلب فإن قاعدة التسليم الأساسية هي محبة الله المحبة الحقيقية، ثم الرجاء والخوف والخشية.
إن المقصود من تعلم العقيدة التسليم لله أولاً، ثم إذعان القلب وتوجهه إلى الله بالتأله، وهذا معنى لا إله إلا الله، أن يتأله القلب بعد التسليم والإذعان والرضا، أن يتأله لله محبة وانجذاباً وحباً لما يرضي الله وأن يبتعد عما يغضب الله، فالتسليم هو استسلام القلب، وينبني على استسلام القلب استسلام الجوارح؛ ولذلك من ادعى أنه مسلِّم لله بقلبه ولكن جوارحه لم تستسلم، لم يقم الفرائض لم يعمل بالواجبات لم ينته عن المنهيات، فدعواه كاذبة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، ومن هنا يجب أن نستشعر دائماً عندما نقرأ العقيدة وندرسها ونتعلمها أن نقصد بذلك تعظيم الله ، وأن تظهر المعاني الإيمانية في القلب والسلوك، وإلا فإن الأمر يصبح مجرد دعوى.
ثم ينبني بالضرورة على التسليم لله التسليم للرسول ﷺ ، والتسليم للرسول ﷺ له مقتضيات ولوازم ضرورية، من لم يعمل بها فهو كاذب وأول ذلك محبته ﷺ المحبة الكاملة التي يكون النبي ﷺ فيها أحب إلى المسلم من نفسه ومن ولده ومن ماله والناس أجمعين، وهذه الدرجة لا بد منها لأن النبي ﷺ هو سبب هدايتك، ولو وكلك الله إلى نفسك وجهدك لهلكت، فكان النبي ﷺ هو سبب الهداية؛ ولذلك تقدمه على نفسك، ثم يستلزم من ذلك التسليم والطاعة للرسول ﷺ بعد محبته، لأن طاعة الرسول ﷺ إضافة إلى أنها استجابة لأمر الله؛ لأن الله أمر بطاعته، فهي كذلك من مقتضى المحبة؛ لأنك إذا أحببت شيئاً تعلقت به وسعيت إلى ما يرضيه، فكيف بمحبة النبي ﷺ التي هي دين؟ فإنك إذا أحببت النبي ﷺ وادعيت ذلك فلا بد من تحقيق مصداقية الدعوى، بأن تكون متبعاً للنبي ﷺ في سنته حريصاً على تطبيق ما يقول وما يفعل وما يرشد به قدر الاستطاعة.
والأمور القلبية في حق الله تعالى وفي حق النبي ﷺ لا يعذر بها أحد، وكل مسلم يجب أن يحب الله وأن يحب الرسول ﷺ ، لكن الأعمال هي التي بقدر الاستطاعة: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
إذاً: معنى التسليم للرسول ﷺ : أن تتبعه قدر ما تستطيع، وأن تعمل بسنته، وأن تسعى إلى ما يرضيه، وأن تحب ما يحبه، وأن تحب من يحبهم، فالنبي ﷺ يحب فضائل الأعمال ويكره رذائل الأعمال، ويحب الصحابة والصالحين، فيجب على المسلم تسليماً للرسول ﷺ أن يعمل بذلك، ظاهراً وباطناً، أن يكون التسليم قلبياً وظاهرياً، فالتسليم والإذعان واليقين والتصديق والمحبة هذا هو الباطن، أما الظاهر فهو أن يظهر دلالات التسليم على الأعمال كلها، في أداء الفرائض والواجبات والسنن والنوافل، وفي السيرة والسلوك، وفي تعاملك مع ربك وفي تعاملك مع حق رسول الله ﷺ , وفي تعاملك مع صالح الأمة من الصحابة والتابعين وسلف الأمة، ومع تعاملك مع العلماء، ثم مع تعاملك مع الولاة ومن لهم حق الولاية تعاملك مع والديك ومع الآخرين ومع جميع الناس ومع البشرية جمعاء، لا بد أن يظهر مصداق التسليم في التعامل الظاهري، ولا بد أن يجتمع هذا وذاك، فلو أن إنساناً ظاهره الإسلام والتسليم لكن باطنه ليس كذلك فهو منافق، والعكس كذلك من ادعى أنه في الباطن مسلم لله ولم يظهر ذلك على أعماله فهو زنديق خارج من مقتضى الإسلام؛ لأن الإسلام ليس مجرد دعوى، الإسلام حقيقة علمية وعملية، عقدية ومنهجية، فلا بد أن يكون ذلك ظاهراً وباطناً.
стр. 50
قاعدة تعارض العقل مع النقل
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [سادساً: العقل الصريح موافق للنقل الصحيح، ولا يتعارض قطعيان منهما أبداً، وعند توهم التعارض يقدم النقل].
الشرح: هذه قاعدة تقتضيها النصوص ويقتضيها العقل السليم، وتقتضيها الفطرة، فكل مسلم ينشأ على الفطرة المستقيمة السليمة بعيداً عن المؤثرات الخارجية مثل الوساوس والأوهام، يدرك أن النقل الذي هو كلام الله وكلام رسوله ﷺ المعصوم أنهما المصدر، وهذه بدهية، فعلى هذا لا يجوز أن يقدم أي مصدر آخر عليه، بل الحق الذي عليه كل صاحب فطرة أن العقل السليم لا بد أن يكون موافقاً للشرع؛ لأن العقل السليم الموافق للفطرة الصحيحة السليمة لا بد أن يخضع لله ويستجيب، والعقل السليم لا بد أن يسلم بصدق النبي ﷺ وكمال دينه، ويخضع ويسلم بأن الرسول ﷺ وفى بالدين، فإذا سلم فلا يمكن أن يتقدم على الله ولا على رسوله ﷺ ، بمعنى أن يضع لنفسه قواعد أو مسلمات، ثم يقول: أقدمها على الشرع، وهذه محاكمة فطرية عقلية لمن يقدمون العقول أو مقتضيات العقول والآراء على الدين، فنقول لهم: كيف عرفتم أن الدين حق؟ قالوا: بعقولنا، نقول: عقولكم هذه التي عرفتكم أن الدين حق هل تعتبر الدين كاملاً ووافياً؟ يقولون: نعم؛ لأنها أدركت هذا من خلال واقع الدين، إذاً: ما دامت اقتنعت العقول بوفاء الدين وكماله إذاً كيف تزيد أو تنقص؟! وهناك أمر يلتبس على بعض الناس وهو أنهم يزعمون أن الله جعل العقل هو مناط التكليف، العقل الذي كلف بأن ينظر في النصوص، وكلف بأن يجتهد! وكلف بأن يتعظ وينظر في علل الشرع وأسرار الدين، لكن هل كلف بأن يضع ديناً مع دين الله؟! فالله كرم العقل وجعله مناط التكليف، لكنه أشفق عليه من أن يدخل في أمور الدين التي هي من حق الله ومن حق رسوله ﷺ المعصوم.
إذاً: العقل السليم يوافق النقل الصحيح، يوافق القرآن وما صح عن رسول الله ﷺ ؛ لأن العقل خلق الله والدين أمره، فلا يمكن أن يتعارض الخلق والأمر؛ لأن كلاهما من الله ، وكلاهما على الكمال والحق.
ثم إن النقل الصحيح وافٍ وكامل لا يحتاج إلى مزيد أو نقص أو تدخل.
وقوله: (ولا على هذا لا يتعارض قطعيان منهما أبداً) فإذا قلنا: إن العقل قطع بأمر من الأمور العلمية، ولنفرض أنه أمر في المسائل الرياضية البدهية كأن نقول: واحد زائد واحد يساوي اثنين، فهذه بدهية علمية وعقلية رياضية، فلا يمكن أن يأتي الشرع بما يخالف هذا، والعكس كذلك، إذا جاء الدين بحقيقة مسلَّمة وهو: أن اليوم الآخر ضرورة من الضرورات وحق لازم، فهل يمكن أن يدعي مدع أن عقله عنده دليل على نفي البعث واليوم الآخر؟! هذا مستحيل، فعلى هذا لا يتعارض قطعيان، إنما التعارض يكون وهماً عند بعض الناس، وهذا الوهم ينبغي ألا يسلط على الدين، وكون بعض الناس يبدو له أن المسألة الشرعية الفلانية غير معقولة، فماذا سيتهم؟ هل سيتهم عقله أو يتهم دين الله؟ الأولى أن يتهم عقله؛ لأن العقل يعتريه الفناء والنقص والضعف والنسيان والخلل، وأحياناً يبني على المعلومات الوافدة ويبني على التجارب ويبني على التخيلات والأوهام، فهل يعقل أن هذه الأمور تكون سابقة للشرع أو مقدمة عليه أو تتعارض حقائقها مع الشرع؟! أما الأوهام والوساوس والخطرات فينبغي من باب أولى ألا نجعلها محكمة في الدين.
وقوله: (وعند توهم التعارض)، معنى توهم التعارض أن الإنسان إذا بدا له أو توهم أن المسألة من مسائل الدين لا يستوعبها عقله، فهذا يسمى توهم التعارض، أي: يجد عقله أمام حقائق الدين الثابتة الضرورية لم يستوعبها، فهنا يكون الخلل في العقل؛ لأن الحقيقة الشرعية جاءت عن المعصوم ﷺ ، فيستحيل أن يعتريها خلل أو نقص.
إذاً: نتهم العقل؛ لأننا نعلم قصوره، فالعقلاء يعلمون أن عقولهم محدودة وقاصرة وأنه يعتريها جميع عوارض النقص وما في ذلك الفناء، بينما الحقائق الشرعية لا يعتريها نقص بل هي أبدية، فمن هنا إذا تأمل الناظر أو المسلم بعض الأمور وتوهم أو بدا له أو وسوس أو اشتبه عليه أمر فلا ينبغي أن يسلط الاشتباه على النص أو على الحقيقة الشرعية، بل يتهم العقل أولاً، ثم يبحث إن كان يريد أن يستفيد من أدلة اليقين كما طلب إبراهيم ﵇ من ربه أن يعطيه من أدلة اليقين، مع أنه لا يشك، لكن يريد زيادة في الدليل والمسلم له أن يبحث عن أدلة اليقين بقدر ما يستطيع، لكن لا يكون ذلك على حساب التشكيك في الدين ودعوى عصمة العقل، فالعقل ليس بمعصوم.
стр. 51
قاعدة الألفاظ الشرعية والألفاظ المجملة والبدعية
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [سابعاً: يجب الالتزام بالألفاظ الشرعية في العقيدة وتجنب الألفاظ البدعية التي أحدثها الناس، والألفاظ المجملة المحتملة للخطأ والصواب يستفسر عن معناها، فما كان حقاً أثبت بلفظه الشرعي، وما كان باطلاً رد].
الشرح: هذه من القواعد الصغيرة لكنها مهمة، وأمثلتها قليلة لكنها مهمة أيضاً، فالمسلم دائماً عندما يعبر عن الأصول والثوابت والأركان وقضايا الدين الكبرى أو عن السنن القطعية ونحوها يجب عليه أن يعبر بالمصطلحات وبالألفاظ الشرعية، فيسمي الصلاة صلاة ولا يسميها بغير اسمها، ويسمي الزكاة زكاة، وبعض الناس تأخذه مجاراة الثقافة العامة عند الناس فيذهب وكأنه يريد أن يبسط للناس المفاهيم، فيسمي الزكاة ضريبة، أو يسمي الحج القصد أو نحو ذلك، فهذا خروج بالأصول الشرعية عن لوازمها، لأن من لوازم المعاني الشرعية أن يلتزم ألفاظها، وكذا بقية الأمور التي تنبني عليها العقيدة أو ثوابت الأحكام، مثل: الحلال القطعي والحرام القطعي، وأصول الأخلاق، ونحوها، فنسمي الصدق باسمه، ونسمي الربا باسمه، وكذلك ألفاظ العقيدة خاصة التي تتعلق بالله وهو أعظم ما يجب أن يعناه المسلم، فنحن ندرس ما يتعلق بالله في ذاته وأسمائه وصفاته لنعظم الله، ولنغرس في قلوبنا محبة الله وخوفه ورجاءه، وهذا لا يؤدي دوره على المعنى الكامل إلا بالتزام الألفاظ الشرعية في أسماء الله وصفاته؛ ولذلك قال السلف: أسماء الله توقيفية بألفاظها، بمعنى: أن نقف على ألفاظها الشرعية، فلا نأتِ بألفاظ أدبية أو فلسفية أو معانٍ عامة فضفاضة متميعة فنعبر بها عن حق الله ، كما يعبر بعض الفلاسفة عن الله بأنه مجرد قوة؟! والله سبحانه وصف نفسه بالقوي أو بالقدير العليم الغني.
التي تغني عن مثل لفظة (القوة)، والألفاظ الشرعية تؤدي المعنى على أكمل وجه في القلب والعقل والجوارح والوجدان والمشاعر، فإن هذه الأمور أو ما يختلج في الإنسان من المشاعر لا تنمو نمواً دينياً شرعياً على وجه شرعي صحيح إلا باستعمال المصطلحات الشرعية التي هي كلام الله وكلام رسوله ﷺ وبلسان عربي مبين، وكذلك المعاني الأخرى فيما يتعلق بالله مثل بعض أسمائه وصفاته، فربما يعبر عن الله بأنه مستوٍ على عرشه دون خروج عن مقتضى النص؛ لأن كلمة الاستواء لفظ شرعي، وهو أفضل وأكمل تعبير عن حقيقة الاستواء كما يليق بجلال الله ، فلا نذهب نصرفها إلى معانٍ محتملة وتأويلات موهمة؛ لأن هذا يفرغ الكلمة عن محتواها الحقيقي الذي ينمي في القلب الإيمان بالله على الوجه الشرعي الصحيح.
كذلك العلوم ونحوها مما يتعلق بالله ، حتى في مجملات الدين ينبغي أن نعبر عنها بالمعاني الشرعية التي تغرس في المسلم حب التدين على وجه صحيح، والتي تغرس في المسلم الولاء للشرع على وجه صحيح، فمثلاً: لا يجوز أن نسمي الدين تقاليد أو موروثات، فإن التقاليد لها معنى يشمل ما يخترعه الناس وما يتبعونه كما يشمل العوائد الباطلة وأموراً أخرى كثيرة فيها حق وباطل.
إذاً: يجب على المسلم أن يعود نفسه دائماً ويربي أبناءه، ويجب علينا جميعاً في تربية الأجيال أن نربيهم على هذه المسلَّمات، وأن تتعود ألسنتهم على استعمال الألفاظ الشرعية بمعانيها، فإن هذا هو الذي ينمي حقيقة الإيمان في القلوب، وينمي حقيقة التقوى في القلوب، وينمي في الإنسان خشية الله وخوفه ورجاءه، وينمي في الإنسان رقابة الله وتقواه؛ ولذلك نجد أن من أعظم أسباب ضعف المعاني القلبية في قلوب المسلمين أنهم بدءوا يخرجون عن استعمال المصطلحات الشرعية إلى مصطلحات أخرى فضفاضة لا تؤدي إلى المعاني الشرعية، بل غالباً تحرف المسلم عن التصور الحقيقي والمعنى الشرعي الذي يجب أن يثبت في قلبه ويغرس في قلبه الإيمان وفي عقله ووجدانه ومشاعره وعلاقاته وتعاملاته مع الخلق.
وقوله: (والألفاظ المجملة المحتملة للخطأ والصواب يستفسر عن معناها، فما كان حقاً أثبت بلفظه الشرعي، وما كان باطلاً رد) فمثلاً: تعبير بعض الناس عن علو الله بالجهة، فبعض الناس ينفي العلو والاستواء لأنه يقتضي الجهة، ونحن لا نرد كلمة جهة مطلقاً ولا نقبلها مطلقاً، إنما نستفصل على النحو التالي فنقول: ماذا تريد بالجهة التي تنفيها أو تثبتها؟ إن أردت بالجهة علو الله فلا شك أن الله هو العلي، لكن لا نسمي هذا جهة، لأننا فرغنا المعنى الحقيقي وأرجعناه إلى اللفظ الشرعي وهو العلو واسم الله العلي، فالله من أسمائه العلي، وله العلو المطلق، ومن صفاته: العلو والاستواء، فنقول: إذاً المعنى الصحيح من الجهة وهو العلو نأخذ به، لكن كلمة جهة فيها نظر لأنها ملتبسة فلسنا بحاجة إلى استعمالها.
أما إن أردت بالجهة المكان الذي يحوي، فالله منزه عن أن يحويه مكان، بل هو سبحانه خالق الأزمنة والأمكنة، وخالق العالم كله، فلا ينبغي أن يرد هذا في ذهن أحد، بل يجب أن نبين ونعظ وننصح من يقول مثل هذه الكلمات؛ لأنها سوء أدب مع الله، فمثل هذه الأمور لا تقال في حق
стр. 52
الأسئلة
стр. 53
ضابط الألفاظ الشرعية
السؤال
الالتزام بالألفاظ الشرعية ما هو الضابط له؟ وهل يصح أن يطلق مثلاً إذا كان توضيح أمر من أمور الدين كالخمر الآن يسمى مشروبات روحية، فإذا أردت أن أفهم الناس أن المقصود بالخمر هو المشروب الروحي فهل يجوز أن أطلق عليه المشروب الروحي؟
الجواب
الضابط في استعمال المصطلحات على نوعين: إن كانت المصطلحات عقدية فهذه يجب ألا نتساهل فيها، ولا يجوز أن نستبدل المصطلح الشرعي بأي لفظة، حتى الألفاظ المرادفة؛ لأنها تبعد الناس عن المعنى الصحيح وتوهمهم في انصراف التعبير، فيجب ألا نستخدمها.
أما المصطلحات التي تتعلق بالأحكام الفقهية وبالاجتهاديات فالأمر فيها أسهل، فإذا كان مصطلح من المصطلحات مرادف لمصطلحه الشرعي ولا يحدث لبساً عند الناس فلا مانع من استعماله مع احترام اللفظ الشرعي ومقارنته باللفظ المحدث لا الاستغناء عن لفظه الشرعي، أما إذا كان المصطلح يؤدي إلى دلالات أخرى أو لا يفهمه كثير من الناس أو ليس هو عند عامة المسلمين فيجب الاستغناء عنه.
ومثل هذا المثال ما جاء في السؤال من استعمال كلمة مشروبات روحية بدلاً من الخمر، فهذا خطأ فادح ويجب تفاديه؛ لأن كلمة مشروبات روحية لها معنى يستشعر السامع أنها ليست محرمة، ومعنى الروحي الذي يرجع إلى تغذية الروح، وهذا لفظ غير صحيح، وأيضاً مصطلح جاء من ديانات تعتبر الخمرة ديناً، وتعتبر شرب الخمرة طقوساً دينية؛ ولهذا يسمى مشروبات روحية عندها، فما دام وجد هذا الخلط والمفهوم الخاطئ فيجب أن نتجنب مثل هذه التسميات، لكن مثلاً نسمي التجارة اقتصاداً، هذه لا مشاحاة فيها؛ لأنه أصبح مصطلحاً عالمياً وليس فيه لبس.
стр. 54
حلاوة العمل ولذته
السؤال
من ناحية الذوق هل الإنسان يشعر بحلاوة العمل ولذته وهو على غير الصواب، وهل يكون هذا من تجميل وتحسين الشيطان له؟
الجواب
أما اللذة الإيمانية فلا، لأن اللذة أنواع، فالإنسان الذي يتذوق العمل ببدعة أو بالمحرم ويزعم أنه يجد نشوة في ذلك وشعوراً يحبب إليه هذا الأمر المحرم، فهذا غالباً يكون ابتلاءً، والله يقول: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]، فالإنسان إذا لجأ إلى البدعة أو المحرم قد يبتليه الله فيتذوق هذا المحرم والبدعة ويجد لها نشوة عاطفية لا نشوة دينية، أما التذوق الإيماني الذي يرسخ في القلب محبة الله وخشيته ورجاءه واليقين والإيمان به والتوكل على الله والتقوى الحقيقية، فإن هذا لا يكون تذوقاً من هذا الجانب إلا على ما هو مشروع؛ لكن من الناحية العاطفية نعم؛ لأن العاطفة أمر آخر غير اليقين الذي يكون في القلب، لأن يقين القلب أعظم من مجرد العواطف، يقين ثابت راسخ يحدث في القلب الأمن تجاه رضا الله والأمن تجاه العمل بالدين والأمن تجاه نظرة الإنسان لمستقبله في أقدار الله والأمن تجاه الإنسان في نظرته للآخرة، وهذا لا يمكن أن يكون إلا عن طريق السنن والشرعيات لا عن طريق البدع والمحدثات.
فالتذوق الإيماني لا يكون إلا على الوجه الشرعي، أما التذوق العاطفي والتذوق المادي فقد يبتلى به كثير من الناس من باب الاستدراج.
стр. 55
حكم الاستدلال بالقرآن على الاكتشافات العلمية
السؤال
هل الاستدلال ببعض الآيات القرآنية على الاكتشافات العلمية هل يعد خروجاً عن منهج أهل السنة والجماعة؟
الجواب
لا يكون خروجاً عن منهج أهل السنة والجماعة إلا إذا وصل إلى حد المبالغة والتكلف، أو إلى حد اليقين في أمر لم يثبت علمياً، أو كان مبنى تفسير النص ظنياً، فلا يجوز أن نجزم بأن هذه الكشوف تؤيد هذا المعنى؛ لأن الحق قد يكون من مصادر الحق اليقينية (الوحي) وقد يكون الحق من مصادر الحق العلمية كالتجارب والعلوم، وقد تكون مصادر اليقين في الأمور غير الدينية الشرعية، فما يسمى بالإعجاز العلمي أو الكشوفات العلمية يجب أن نأخذها دون المبالغة فيها والتمادي، وتفسير الإسلام بها مطلقاً فيه نوع من المخاطرة، وأيضاً عدم الاعتبار بها فيه تقصير؛ لأنها من ضمن ما أمر الله به، من العلم والكشف والاتعاظ والاعتبار وأخذ الأسباب فيما يزيد اليقين في القلوب، وهذه الكشوفات لا شك أنها تزيد اليقين في القلوب، وتؤيد الإسلام عند من يحتاج إلى التأييد من هذا النوع، إذاً: ينبغي التوسط والاعتدال في هذا الجانب.
стр. 56
مفهوم التعارض بين العقل والنقل
السؤال
هل هناك فرق بين القول: لا يجوز أن يتعارض العقل مع النقل، وبين قولنا: لا يمكن أن يتعارض عقل صريح بنقل صحيح؟
الجواب
ليس في العبارتين فرق، لكن لا يجوز هذا في الأحكام، ولا يمكن هذا في القطعيات الغيبية والثوابت الفطرية والعقلية، فهذا من جانب التطبيق والعمل، وذاك من جانب الإيمان والاعتقاد، فالعبارة الأولى في الأعمال والعبارة الثانية في الاعتقادات.
стр. 57
الفرق بين قول: الدين مصلح وقول: الدين صالح
السؤال
سمعت من بعض الناس: الدين مصلح لكل زمان ومكان، بدل عبارة: الدين صالح لكل زمان ومكان، فهل بينهما فرق؟
الجواب
ليس بينهما فرق، لكن صالح أبلغ وأعمق؛ لأنه إذا كان صالحاً لكل زمان فإنه يصلح الأحوال، لكن كلمة صالح أجمل وأبلغ وأوفى، أما كلمة مصلح فقد توهم؛ لأن بعض الناس قد يحمل تصرفات المسلمين على الإسلام، فيقول: لماذا الإسلام ما أصلح أحوال المسلمين وهم يدعون الإسلام؟ وهو لا يدري أن كثيراً من المسلمين قصروا في الأخذ بالإسلام على الوجه الصحيح، ما فيهم من بدع وأهواء وغير ذلك مما يعتري البشر من نقص.
стр. 58
إيمان من لم يؤمن بشهادة النبي ﷺ
السؤال
إذا كان شخص فاسد العقيدة بحيث يؤمن بشهادة أن لا إله إلا الله ولا يؤمن بشهادة أن محمداً رسول الله، فهل عقيدته صحيحة؟ وهل يصلى عليه؟ وهل يصح الاستدلال بقوله ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه دخل الجنة)؟
الجواب
هذا السؤال يذكرنا بأصل من الأصول الضرورية وهو أنه لا بد أن نأخذ بمنهج الاستدلال السليم في الاستدلال بالنصوص خاصة في القطعيات، وهذه القضية على درجتين: درجة التفصيل ودرجة الإجمال، فإذا جاء الأمر مجملاً فلا بد أن نفسره بما يفصله، فمثلاً: النبي ﷺ ذكر أن من أركان الإيمان: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، أليس أفضل الرسل وأقربهم رسول هذه الأمة هو محمد ﷺ ؟ إذاً: الذي ادعى أنه يشهد أن لا إله إلا الله ولا يشهد أن محمداً رسول الله إذا ادعى أنه مؤمن لا نقل: إنه مؤمن، لأنه خرج بهذه القاعدة القطعية في حديث جبريل ﵇ وهو محل إجماع، وأيضاً أركان الإسلام الركن الأول ركن واحد وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، صار كله ركن، فلا يستقم هذا بدون ذاك.
أما قول النبي ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله مخلصاً من قبله دخل الجنة)، فهذا معلوم بالضرورة؛ لأنه لا يمكن أن تستقيم لا إله إلا الله على الوجه الشرعي المقبول الصحيح إلا إذا شهد العبد أن محمداً رسول الله، وأن من مقتضيات ولوازم وضرورات لا إله إلا الله: طاعة الله في الاستجابة لأمر رسوله ﷺ ، فهذه متضمنة لهذه، بل حتى أن شهادة محمد رسول الله تستلزم أيضاً أركان الإسلام الأخرى.
فعلى هذا نقول: إن هذا مفسر بذاك، فلا يتوقع، بل لا يمكن أن يقول الإنسان: لا إله إلا الله، أو يقول: أنا مؤمن بالله ويدعي الإسلام إذا لم يشهد أن محمداً رسول الله، وإذا لم يفعل ذلك فإنه لم يدخل في الإسلام ولا يعد مسلماً، وتطبق عليه أحكام غير المسلمين.
стр. 59
بطلان دعوى عصمة الأولياء
السؤال
كيف الرد على من يدعون عصمة الأولياء ويتخذونهم إلى الله زلفى وقد يقدمون محبتهم على محبة الرسول ﷺ ؟
الجواب
هذه المسألة ديدنة بعض المسلمين، وهو أنه إذا قلنا بأن النبي ﷺ انقطع بموته الوحي وهو خاتم الأنبياء، وأن الله أكمل الدين، فمعنى هذا: ليس هناك حاجة إلى من يقول: إنه معصوم، وهذا أمر.
الأمر الآخر: أن العصمة تحتاج إلى دليل، والدليل ثبت أنه ليس معصوم إلا النبي ﷺ ، بل كل يؤخذ من قوله ويرد إلا الرسول ﷺ ، وأن النبي ﷺ قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، وقال: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً: كتاب الله وسنتي)، وفي بعض الروايات: (وعترتي)، يعني: حقوق آل بيت رسول الله ﷺ ، فهذا الأمر يقتضي أن الدين كمل وحفظ، وداعي العصمة لا بد أن ينتج عنها أن المعصوم يؤخذ قوله وعمله بلا تردد، ويؤخذ على أنه دين، وهذا لا يمكن.
إذاً: دعوى العصمة باطلة وتتنافى مع قطعيات الدين، بل تتنافى مع شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
стр. 60
حكم الإشارة عند قراءة آيات وأحاديث الصفات
السؤال
إذا كانت طالبة تستمع إلى طالبة وهي تقرأ القرآن الكريم، ولكن عندما تشكل عليها آية أو تستصعب آية في حفظها تشير إلى بعض أجزاء الجسم، وإذا كان اسم من أسماء الله مثلاً أشارت إلى الأذن أو إلى البصر أنه سميع بصير من باب التطبيق، فهل هذا يقدح في العقيدة أو فيه سوء أدب مع الله ؟ وهل الجارية التي يسألها الرسول ﷺ : أين الله؟ فأشارت إلى السماء، هل هذا فيه معنى التوجه أو الاتجاه؟
الجواب
ما يتعلق بالإشارة إلى مواطن وأماكن الصفات في الإنسان عندما تورد أسماء الله وصفاته في القرآن حين التلاوة أو حين تذكر في القرآن أو في السنة أو كتب أهل العلم، فيه عدة محاذير: أولاً: يشعر بالتشبيه وبالتمثيل، والله ليس كمثله شيء.
ثانياً: يوهم المبتدئ وطالب العلم غير المتمكن في العقيدة بل عامة المسلمين بأمور تدخل في أوهامهم وليست لائقة.
ثالثاً: أنه سوء أدب مع الله .
رابعاً: أن هذا الأمر لو اتخذ لأدى إلى فتنة عظيمة، فتنة الناس في التعلق بالمخلوقات من خلال صفات الخالق ، وهذا باب بدعة وفتنة يجب سده، وقد ورد عن النبي ﷺ أنه أشار أحياناً عندما ذكر بعض الصفات إما إلى أصبعه أو إلى كفه، أو أقر من فعل ذلك، لكن هذا ليس شرطاً في رواية الحديث، والمسألة على خلاف عند أئمة الحديث، فهل نروي الحديث كما رواه النبي ﷺ ؟ فيصبح هذا موقوفاً على ما فعله النبي ﷺ لا نزيد عليه، وعليه فإن أئمة الحديث المعتبرين يرون أن هذا لا يجوز، خاصة بعد أن خاض الناس في أسماء الله وصفاته، وبعدما وجد من يسمون بالمجسمة والممثلة الذين قالوا الكفر العظيم في تجسيم الله وتمثيله، فإنه لما وجد هذا فإنه يجب أن يحذر منه.
وإثبات الصفات لله كما هو مذهب السلف ليس تجسيماً ولا تمثيلاً، وربما يقفز إلى أذهان بعض الناس أن إثبات الصفات لله كما يفعل السلف أنه تجسيم وهذا خطأ، لأن التجسيم: هو اعتقاد أن لله صفات مثل صفات المخلوقين، ويسمى التمثيل على الاصطلاح الشرعي.
فهذا الأمر يجب تجنبه؛ ولذلك أثر عن الإمام أحمد ﵀ أنه بعدما صارت فتنة الجهمية وصاروا يخوضون في هذه الأمور، أنه لما روى أحد طلاب العلم عنده حديث النبي ﷺ الذي أقر فيه رفع الأصبع في ذكر بعض أفعال الله ، قال الإمام أحمد: قطعها الله من أصبع؛ لأنه رأى أن هذا يشوش على الناس، والحاضرون ليسوا كلهم من أهل العلم الذين يفقهون.
أما إشارة الجارية إلى السماء، فلا شك أن هذا دليل قطعي فطري على علو الله ؛ لأن الجارية سئلت سؤالاً مفاجئاً من النبي ﷺ وهو المشرع، وأجابت جواباً بيناً واضحاً، وهذا كان في مقام التشريع، والنبي ﷺ مشرع في أمر يتعلق بالله ، فحينما سألها: أين الله؟ أشارت إلى السماء، فهذا تقرير دين يجب أن ندين الله به، وأن الله موصوف بالعلو بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، لكن لا يعني ذلك أن نستعمل هذه الكلمة دائماً في امتحان الناس كما يفعل بعض الجاهلين إذا أراد أن يختبر أحداً من المسلمين في صلاح أو استقامة عقيدته ذهب يسأله هذا السؤال، فهذا مصدر فتنة؛ لأنه ليس كل أحد يعرف هذه السنة، وليس كل أحد يعرف كيف يجيب، فلا ينبغي السؤال إلا في مثل المقام الذي حدث أو السبب الذي حدث في عهد النبي ﷺ مقيداً بتلك الشروط إن جاز فعله.
стр. 61
حكم القول بأن الله موجود في كل مكان
السؤال
هل يصح الإجابة على سؤال: أين الله؟ بأن الله موجود في كل مكان؟
الجواب
هذا خطير، بل يجب أن يقال: الله مستوٍ على عرشه فوق سماواته، كما ورد في النصوص الشرعية؛ لأنه أنى لنا أن نجيب بأكثر مما ورد؟! لأن ما يتعلق بكيفيات أسماء الله وصفاته فهو غائب؛ ولذلك امتدح الله المؤمنين بالغيب، ولا يجوز أن نأتي بمعانٍ زائدة وبألفاظ زائدة عما ورد في الكتاب والسنة، فنقول: الله عليٌ فوق سماواته، مستو على عرشه، نجيب بهذا الجواب، أو بنحوه مما لا يعطي معنى آخر مبتدأ.
стр. 62
الاستدلال بالأدلة العقلية على الأحكام الشرعية
السؤال
ما حكم من لا يقتنع بالأحكام الشرعية والعقدية إلا بأدلة عقلية؟ وما الأسلوب الأفضل في دعوته؟
الجواب
هذا فيه نزعة وسواس، ونزعة عقلانية مذمومة، وليس كل نزعة عقلانية مذمومة، ولكن العقل إذا كان يريد أن يتثبت في الإيمان ويستزيد من الخير فهذا ممدوح، لكن إذا صارت النزعة العقلية تقصر الدلالات الشرعية على العقل فمن هنا تقع الهلكة، فمثل هذا يجب أن يوعظ؛ لأن الغالب أن أصحاب النزعات العقلية لا يسلمون من الغرور، ولذلك فإن أكثر خصوم الأنبياء من العقلانيين، وليس هذا ذماً لكل عقلاني، إنما العقلاني إذا لم يستجب لله ولرسوله ﷺ وللدين كانت عقلانيته تتعدى الحدود الفطرية للعقل.
فالنزعة العقلانية إذا وصلت إلى حد أن صاحبها لا يؤمن بشرع إلا بما يقنع عقله فهذا يخشى عليه من الهلكة؛ لأن أغلب أمور الدين غيبية، والقدر غيبي، وأصول الاعتقاد غيبي، والغيبي نعلم منه ظواهر الحقائق ولا كيفيات الحقائق، والعقل لا يكتفي بظواهر الحقائق، فهو يريد أن يتطلع إلى الكيفيات، وهذا مستحيل.
فإذاً: صاحب هذه النزعة أن يخشى ألا يصل إلى الحق؛ فلذلك يوعظ ويخوف بالله ، وتبين له ثوابت الدين وهو: أن الدين ينبني على التسليم، وأن العقل قاصر، وأنه لا يمكن مقارنة الوحي المعصوم -كلام الله وكلام رسوله ﷺ بأفكار وآراء الناس مهما بلغت من القوة والذكاء والعبقرية، فإذا سلم بذلك وأدرك أنه إنسان محدود يعتريه السهو والنقصان والخلل والضعف والفناء وعرف قدر نفسه، فمن هنا ستستجيب عواطفه ويستجيب عقله للحق.
فالسبيل الأول هو موعظته، ثم حواره بالمسلمات البدهية لا بالمقدمات المعقدة، لأن العقليات المعقدة لا توصل إلى يقين، لكن يوعظون بمثل ما جاء في القرآن، قال سبحانه: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠]، وقال في الرد على الذي أنكر البعث حينما فتت عظماً وقال: أنى يحيي هذا الله ، فقال الله راد عليه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]، مقدمات بسيطة قد يقتنع بها العقلاني الذي عنده هذا الوسواس، أما التعمق في المحارات فهو يزيد الأمور تعقيداً.
стр. 63
حكم دس الشبه على العوام عند تفسير القرآن
السؤال
بعض الفئات تفسر القرآن بغير معانيها بحيث أنه يلقي شبهة، فإذا أراد إلقاء شبهة معينة لدى الناس فسرها بتفسير قد يستوعبها الشخص العامي كما يقول هو؟
الجواب
كأنك تقول: يكون عنده أحياناً رأي مسبق أو بدعة يعتقدها ثم يسوق النص بما يؤيد هذه البدعة، ويجعل بدعته هي الأصل أو وهمه أو رأيه هو الأصل، ثم يذهب يلوي أعناق الأدلة من أجل أن تؤيد شبهته، وهذا هو الذي قال الله فيه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] على قراءة، وفي قراءة أخرى: (وما يعلم تأويله إلا الله)، فالوقوف عند: (إلا الله) يعني: أن الكيفيات والغيبيات البحتة لا يعلمها إلا الله، والوقوف على: (والراسخون في العلم) يعني: أن بعض المعاني العميقة في تفسير النصوص لا يدركها إلا العلماء.
إذاً: هذا المسلك خطير، ويجب أن يتنبه له كل مسلم؛ لأنه لا يضع في ذهنه رأياً مسبقاً أو عقيدة مسبقة أو يكون متعلقاً ببدعة أو يكون متعلقاً برغبة في أمر من الأمور ثم يذهب ليستدل لذلك، فإن هذا المنحى خطير على عقيدة المسلم، وغالباً أن الله يكله إلى نفسه فيهلك، ويظن الدليل معه مع أن الدليل ضده.
стр. 64
قاعدة عصمة الأمة وعصمة الأفراد
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ثامناً: العصمة ثابتة للرسول ﷺ ، والأمة بمجموعها معصومة من الاجتماع على ضلالة، وأما آحادها فلا عصمة لأحد منهم، وما اختلف فيه الأئمة وغيرهم فمرجعه إلى الكتاب والسنة، فما قام عليه الدليل قبل مع الاعتذار للمخطئ من مجتهدي الأمة].
هذه قاعدة تتعلق بحماية الدين، وسبق أن قلنا: إن الدين قد أكمله الله ، وأنه ليس لأحد أن يأتي بشيء زاعماً أنه من الدين، والعصمة هي اعتقاد أن الإنسان يقول الحق جزماً، ولا يمكن أن يرد في كلامه أي احتمال للخطأ العصمة بأن يكون القول والفعل ديناً، وهذا لا يمكن أن يكون إلا الرسول ﷺ المعصوم من أن يقول على الله أو أن يتطرق إلى قوله نقص أو زيادة تخرجه عما أراده الله، أو أن يقع في محذور شرعي، كأن يقع في كبيرة أو أمر يتنافى مع كرامة النبي ﷺ أو الأخلاق الفاضلة.
إذاً: العصمة للنبي ﷺ في الدين وفي الأخلاق وفي جميع الأصول التي تقتضي كمال الدين، فإن النبي ﷺ هو وحده المعصوم، أما بقية الناس فلا عصمة لهم حتى العلماء وكبار الصحابة، فقد يرد إليهم الخطأ؛ لأنهم ليسوا مصدر دين ومصدر تشريع، إنما النبي ﷺ هو المعصوم؛ لأنه المشرع، فلا يتطرق إلى أقواله وأفعاله الباطل إطلاقاً.
فإذاً: العصمة للرسول ﷺ فقط، وأيضاً الأمة في مجموعها معصومة، فلا تخرج الأمة كلها عن الخطأ، بل يبقى منها ولو عدد قليل على الصواب، فهي لا تجتمع على خطأ، لكن لا يمكن أن تتفق كلها على الصواب؛ لأنهم بشر يخطئون ويسهون وينسون ويبتدع بعضهم وينحرف بعضهم وتقع فيهم السبل، لكن لا بد أن تبقى طائفة ولو قليلة على الحق، وهذا معنى قول النبي ﷺ : (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، فلو أن البدع والأهواء كثرت فلا يعني ذلك أن الأمة تجتمع على البدع والأهواء، ولو طائفة قليلة حتى في زمن الغربة، فالنبي ﷺ سمى أهل السنة أثناء الغربة بالغرباء، لكنه مع ذلك وصفهم بأنهم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من عاداهم)، فهؤلاء الظاهرون هم الذين تحققت بهم عصمة الأمة، ألا تجمع على ضلالة.
فإذاً: الأمة معصومة في مجموعها أن تقع في ضلالة، لا أما آحادها جماعاتها فرقها مذاهبها فقد يقع الخطأ من أحدهم أو من بعض فئاتهم، فلا عصمة لأحد منهم.
стр. 65
الأسئلة
стр. 66
حقيقة السلفية
السؤال
نرجو توضيح مفهوم السلفية الحقيقية لأنه يوجد من يدعيها وهو على خلافها؟
الجواب
السلف والسلفية وصف لأهل السنة والجماعة الذين أخبر النبي ﷺ أنهم من كان على ما كان عليه النبي ﷺ وصحابته، وهذا هو أجمع وصف وأوضح وصف.
فعلى هذا كل من كان على هذا السمت وعلى سنة النبي ﷺ وصحابته والتابعين وأئمة الهدى وعلماء المسلمين المقتدى بهم في الدين فهو سلفي، لكن قد تظهر بعض التصرفات القولية أو الفعلية أو المواقف خاصة تجاه الآخرين من بعض من ينتسبون للسلفية تخالف منهج السلف، فهذه التصرفات ليست من السلفية، وينبغي أن نحرر هذه الأمور على أصول ومناهج.
إذاً: السلفية منهج في العقيدة والتطبيق والتعامل مع الخلق، متى ما وجد هذا المنهج عند شخص فقد التزم السلفية، ولو أخطأ بعض الأخطاء فإن خطأه يحسب عليه ولا يخرجه من السلفية، لكن لا نحسب أخطاء أفراد ممن ينتسبون للسلف أو جماعاتهم، وأحياناً لا ننسب أخطاءهم إلى السلفية؛ لأن هذا أمر لا يخلو منه مبدأ ولا دين، وحتى الإسلام بمجموعه هناك من المسلمين من يسيئون إلى الإسلام بالبدع والأهواء والفسق والفجور، فهل هؤلاء يحسبون على الإسلام؟! فكذلك السلفية ليس كل من ادعى السلفية يصح انتسابه إليها، وقد يخطئ فلا ينسب خطؤه إلى السلفية.
والسلفية هي من كان على نهج الصحابة، ومن كان في مثل الحياة المعاصرة التي نعيشها وفي كل عصر، على هدي العلماء الكبار المهديين الراسخين أصحاب المنهج المعتدل المتزن، أصحاب المرجعية في الأمة، هؤلاء منهجهم في الجملة -ليس في أفرادهم- هو منهج السلفية.
стр. 67
مفهوم حديث: (فآواه الله)
السؤال
بالنسبة لحديث النبي ﷺ الذي يذكر فيه الثلاثة الذين دخلوا إلى مجلس النبي ﷺ : فالأول اقترب منه فآوى إلى الله، فيقول العلماء: فآواه الله إلى رحمته، هل هذا يعتبر من تأويل الصفة؟
الجواب
مثل هذا الكلام مجمل ويرجع إلى المقاصد، وبعض الناس قد يفسر الكلمة ببعض معانيها ولا يتعمد التأويل، لكن إن كان مؤولاً فربما يحسب هذا من التأويل، أي: أن الله آواه، ولكن ينبغي أن نعرف أن مثل هذا النص المقصود به الخبر، وأنه جاء بمعرض الترغيب، فهذه من النصوص التي يقول السلف: تمر كما جاءت؛ لأن لوازمها كثيرة ولكن لا نفسرها بلازم واحد من لوازمها، أو بمعنى واحد من معانيها ونجعله هو تفسيرها كما فسر هذا بعض أهل العلم: الإيواء بالمعنى السابق، فهذا تفسير باللوازم وهو معنى من المعاني، ولا نقصر عليه ولا نحصر المعنى فيه؛ لأن حصر المعنى فيه قد يؤدي إلى التأويل.
إذاً: المعنى المقصود به الترغيب، وهو خبر عن الله وعن مجازاته لعباده على وجه حقيقي لا لبس فيه، ومن هنا يقال: هذا من النصوص التي تمر كما جاءت، لا تؤول تأويلاً صريحاً، ولا تحمل على أنها صفة.
стр. 68
دخول الأعمال في مسمى الإيمان
السؤال
هل عمل الجوارح شرط كمال في الإيمان أم شرط صحة؟
الجواب
هذه من المسائل التي كثر الكلام فيها، بل أكثر الذين خاضوا في هذه المسألة، سواء الذين قالوا: إن الأعمال شرط كمال أو شرط صحة، بينهم تفاوت في المفهوم، وبينهم تفاوت في معاني الكلمة وفي ترتيباتها وآثارها.
والصحيح أن الأعمال في مجموعها وفي جنسها شرط صحة، لكن في مفرداتها شرط كمال، ومن الأعمال ما لا بد أن يكون شرط صحة مثل الصلاة وليس شرط كمال، فعلى هذا فإن: مجموع أعمال المسلم بجملتها أو مجموع الأعمال كلها لا بد أن تكون شرط صحة؛ لأن من أعرض عنها كلها لم يصح إيمانه، لكن بمفرداتها تعتبر شرط كمال وليس شرط صحة، فالصحيح أننا نحتاج إلى أن نجمع بين القاعدتين، فنقول: الأعمال من وجه شرط كمال، ومن وجه آخر شرط صحة، فهي بمجملها في جنس فيسمى الجنس، يعني: يجب ألا يخلو إيمان المسلم من عمل، وإذا خلا من كل عمل اختلَّ اختلالاً كاملاً وفقد، لا بد أن يكون في جنس عمل خاصة الضروريات والأركان والواجبات، فعلى هذا هو من وجه شرط كمال ومن وجه شرط صحة.
стр. 69
حكم أخذ أحكام الشرع من المنامات
السؤال
يأخذ كثير من الناس في الوقت الحالي من الرؤى أحكاماً وحقائق غيبية لم ترد عن الله ورسوله ﷺ فما هو توجيهكم لهم يا شيخ؟
الجواب
هذا خطأ، والرؤيا الصالحة من الله ، وهي جزء من ست وأربعين جزءاً من النبوة، والرؤيا الصالحة لها شروط: أولاً: أن تكون على مقتضى الكتاب والسنة، وألا يغتر بها المسلم بحيث يجزم بأنها دليل إيمانه أو دليل صلاحه لا تكن سبباً للرياء والسمعة، أو استدراجاً إلى البدع والمحدثات.
فإذا وافقت الكتاب والسنة فهي مبشرة للمؤمن، ويجب أن تعرض على النصوص وعلى الدين، فإن جاء في الرؤيا أو الحلم ما يعارض الكتاب والسنة، وما يعارض مقتضيات الدين فهو من عبث الشيطان وهو من الأحلام.
وعلى هذا: فإن تقرير أمور الدين أو مصائر العباد أو الجزم بمقتضيات الرؤى كله لا يجوز، لكنها مبشرة ومؤنسة، يستأنس بها ويستبشر بها، فقد تدل على عافية، وقد تدل على إيمان وصلاح، وقد تدلنا على مواطن أو أسباب العلاج المؤدي لبعض الناس، فهي من توفيق الله وتكون كرامة، لكن بشرط: ألا نجزم بها، وأن نعتبرها نصيحة لا دليلاً، مبشرة لا يقينية، إلا إن وافقت الكتاب والسنة، يعني: إن وافقت الشمس لا لبس فيها فهي جزء من الحق، لا علاقة لها بالرائي ولا المرئي له.
стр. 70
الفرق بين البدعة والسنة الحسنة
السؤال
نرجو من فضيلتكم توضيح الفرق بين البدعة التي هي ضد الابتداع وبين السنة الحسنة الواردة في الحديث ويستدل بها كثير من الناس في البدع؟
الجواب
البدعة كل محدثة في الدين، وعلى هذا فليس في السنن بدع، فهما كلمتان متضادتان لا يمكن أن تلتقيان: البدعة والسنة، لا يلتقيان عقلاً ولا شرعاً ولا عرفاً بأي اعتبار من الاعتبارات، بل الشرع اعتبر البدعة محادة للدين من كل وجه، ولا يستثنى من البدع شيء، ودليل ذلك قول النبي ﷺ على سبيل التعليم: (كل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة)، وقول النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وقال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
فالبدعة تقابل السنة مقابلة الأضداد، وهما كما يقال في تعبير بعض المختصين، أي: الجمع بين البدعة والسنة: معادلة صعبة، فلا يمكن أن يلتقيان.
الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
стр. 71
مجمل أصول أهل السنة - وجوب الاتباع وذم الابتداع
من الأصول والقواعد المقررة في العقيدة: أن المرجع في مسائل الاختلاف هو الكتاب والسنة، فما قام الدليل عليه قبل، وما خالفه رد، مع الاعتذار للمخطئ من مجتهدي الأمة، وهناك قواعد عقدية أخرى تتعلق بالإلهام والرؤى والمراء والمجادلة بالحسنى، ووجوب الالتزام بمنهج الوحي وعدم الابتداع في الدين وغير ذلك، فينبغي للمسلم معرفة دينه وفق منهج الله .
стр. 72
قاعدة ثبوت العصمة للرسول ولمجموع الأمة والاعتذار للمخطئ من مجتهدي الأمة
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، ﷺ وآله، ورضي الله عن صحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد: فيقول المؤلف حفظه الله تعالى: [القاعدة الثامنة: العصمة ثابتة للرسول ﷺ ، والأمة في مجموعها معصومة من الاجتماع على ضلالة، وأما آحادها فلا عصمة لأحد منهم، وما اختلف فيه الأئمة وغيرهم فمرجعه إلى الكتاب والسنة، فما قام عليه الدليل قبل، مع الاعتذار للمخطئ من مجتهدي الأمة].
هذه القاعدة تشمل عدة خطوات: الأولى: أن العصمة في الدين ثابتة للرسول ﷺ ؛ لأنه لا يمكن أن يتطرق إليه الخطأ في الدين، ولو أنه حدث منه شيء على سبيل البيان والتشريع فإن الله يسدده، فكلما يصدر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير وصح سنده فإنه على الكمال، وهو وحي الله، ولا يمكن أن يتطرق إليه الباطل إطلاقاً؛ لأن العصمة تعني عدم مرور شيء مما ينافي الحق.
الثانية: الأمة في مجموعها معصومة من الاجتماع على الضلالة، فالحق لا يخرج عن مجموعة الأمة، وهي قد لا تجتمع كلها على أصول الحق، لكن تبقى منها طائفة على الحق، وقد يكون الحق أحياناً مع طائفة في جانب ومع طائفة أخرى في جانب آخر، ولا يرسو الحق لطائفة كاملة إلا لأهل السنة والجماعة؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم)، فعلى هذا فإن الأمة لا تقع جميعها في الباطل، لكن تقع طوائف منها في الأهواء والبدع والافتراق، وهذا لا يتنافى مع عصمتها، حتى لو أن أكثرية الأمة وقعت في الأهواء والبدع والفرق فلابد أن تبقى طائفة منها على الحق.
فالأمة في مجموعها لا تجتمع على ضلالة؛ لحديث النبي ﷺ : (لا تجتمع أمتي على ضلالة).
أما آحادها أو أفرادها أو مجموعاتها بفرقها ومذاهبها فقد يقع منها الخطأ، فلا عصمة لأحد، بل أبى الله إلا أن ترد أخطاء حتى على ألسنة وأقوال وأفعال كثير من العلماء الجهابذة الراسخين في العلم؛ ليتبين أن العصمة لا تكون إلا للرسول ﷺ ، فلا يخلو عالم من خطأ أو زلة على الإطلاق، ولا يقدح ذلك في قدر العالم.
فآحاد الأمة وأفرادها وجماعاتها ومذاهبها يتطرق إليها الخطأ، فلا عصمة لأحد منهم.
وقوله: (وما اختلف فيه الأئمة) هذه قاعدة مهمة، فما اختلف فيه علماء المسلمين بعد النبي ﷺ من الصحابة والتابعين وغيرهم، فنتحاكم فيه إلى الكتاب والسنة، فما وافق الكتاب والسنة على منهج الاستدلال الذي ذكرناه، وعلى المرجعية في فهم الكتاب والسنة فهو المقبول وغيره مردود، ورده لا يعني الاعتداء على المخطئ، خاصة العالم، بل يبقى له حقه وقدره واحترامه، ووقوعه في الخطأ لا يعني ذلك اختلال المنهج عند العالم الراسخ المستقيم على السنة، بل يبقى على المنهج، لكن مفردات أقواله وجزئياته واجتهاداته قد يقع فيها خطأ، فإذا أخطأ فلابد أن نعتذر له، ولا نجعل الخطأ ذريعة إلى الطعن فيه أو شحن قلوب الناس عليه، كما يفعل كثير من الجهلة اليوم والحمقى حينما يزل العالم في قضية يشهرون به ويسقطون اعتباره عند عامة الأمة، وهذا خلاف المنهج الصحيح، بل هذه كارثة على الأمة، ولم تكن الأمة تسلك هذه المسالك في الأزمان القديمة، إلا عندما وفدت على الأمة اليوم كثير من الأفكار التي زعزعت المسلمات والثوابت في قلوب عامة المسلمين، ومع ذلك فهذه الظاهرة الخطيرة قليلة بحمد الله في الأمة، ولكن معظم النار من مستصغر الشرر، فيجب أن نستدرك الأمر، ولا ندع الفرصة للمشككين في علمائنا ومشايخنا بالتقاط زلاتهم وتهويلها والتهوين من شأنهم.
إذاً: الاعتذار للمخطئ المجتهد في هذه الأمة أصل شرعي، لابد أن نعتذر له كما ينبغي أن نحذر زلة العالم، لأن العالم قد يزل، وليس المقصود من الزلة الخطأ في بعض الفتاوى الجزئية، إنما الزلة الخطيرة هي التي توقع الأمة في فتنة وشبهة ومفسدة عظمى، وأحياناً تكون الزلة منهجية أو زلة في فتوى تخرق قواعد الشرع القطعية وتخرق النصوص الثابتة، والعالم عندما يحصل منه ذلك لا يعني أن نخرجه من زمرة العلماء إذا توافرت فيه صفات العالم الرباني، لكن نحذر أن نتابعه على زلته، وبعض الناس قد يفهم من احترامنا للعالم أننا نأخذ أقواله دون عرضها على الكتاب والسنة وعلى العلماء الآخرين، وهذا مسلك غير سليم.
إذاً: زلة العالم إذا كانت في أمر خطير يجب أن نعالجها بالأصول الشرعية، وليس عامة المسلمين يعرفون الحكم على فتوى العالم أنها زلة، إنما يرجع فيها إلى العلماء الكبار الراسخين في العلم، فإذا حكم عليها العلماء بأنها زلة عالم فعلينا أن نرد هذه الزلة ولا نعمل بها ونعتذر للعالم؛ لأنه اجتهد فأخطأ.
إذاً: الزلة نعرفها بعرضها على الكتاب والسنة من قبل العلماء ونعرفها بأثرها على الأمة إذا كان الأ
стр. 73
قاعدة الإلهام والرؤى والفراسة والكرامات في الأمة
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [القاعدة التاسعة: في الأمة محدثون ملهمون كـ عمر بن الخطاب ﵁، والرؤيا الصالحة حق، وهي جزء من النبوة، والفراسة الصادقة حق، وفيها كرامات ومبشرات، بشرط موافقتها للشرع، وليست مصدراً للعقيدة ولا للتشريع].
هذه القاعدة تشمل ثلاثة أمور: الأمر الأول: الإلهام: وهو نوع من الفراسة.
والأمر الثاني: الرؤيا.
والأمر الثالث: الفراسة.
كل هذه الأحوال تدخل في باب واحد وهو باب ما ينكشف لبعض العباد من أمور قد لا تنكشف لغيرهم، فما ينكشف لهم عبر الإلهام أو الفراسة أو الرؤيا الصادقة إذا توافرت الشروط وطابقت الكتاب والسنة فهو حق، لكن لكل نوع حال وتفصيل، فالإلهام هو ما يلقيه الله في قلوب بعض عباده، بإدراك الحق في قضية قد تشكل على الأمة، سواء كانت قضية فردية أو جماعية قد تشتبه، فيحتاج الناس فيها إلى أن يعرفوا وجه الحق لالتباس النظر فيها أو تعدد وجوه النظر فيها، فالله قد يلقي في قلوب بعض العباد إدراك الحق في هذه المسألة، فيسمى هذا إلهاماً، لكن ليس عن طريق الوحي إنما هو أمر ينكشف للإنسان مما يتوافق مع الكتاب والسنة، إذا توافرت صفات الإيمان والتقوى والفقه في الدين.
فالإلهام فتح من الله للعبد ليس عن طريق الوحي، إنما عن طريق التوفيق في الخروج من مقتضى الالتباس إلى البيان والوضوح، فـ عمر بن الخطاب ﵁ اشتهرت عنه مواقف ألهمه الله فيها للحق، وقد أخذ النبي ﷺ بكثير من آرائه في تلك المواقف التي ترددت فيها الأمة في ذلك الوقت، والنبي ﷺ معصوم والله يوحي إليه، لكن في مثل هذه الحالات التي يلقي الله الحق على قلب رجل أو لسانه هذا من باب التشريع للأمة.
وكذلك الرؤيا الصالحة في الحقيقة قد تشتبه بالأحلام، وعلى هذا فإن الرؤيا الصالحة هي التي تتوافر فيها شروط الرؤيا، وأهم الشروط: أن توافق الكتاب والسنة، وألا تتعارض مع الحق ولا تخالف الشرع، ولا توقع في بدعة ولا ظلم ولا عدوان، فهي من المبشرات والأحلام، وقد تختلط بالرؤى، فإذا أخذنا ما يحلم به الناس على هذه الضوابط فهي رؤيا صالحة، وإلا فقد تكون حلماً، ومن هنا فإنه قد يختلط على كثير من المسلمين الرؤى بالأحلام، ولذلك فإن النبي ﷺ ذكر في الحديث الصحيح أن ما يراه الناس في المنامات على ثلاثة أصناف: الصنف الأول: الرؤيا التي هي رؤيا حق.
والصنف الثاني: رؤيا عبارة عن انطباعات أو أحلام من مثل ما يحدث به الإنسان نفسه في اليقظة أو ما يسمعه ويتلقاه من الأحداث والمشاكل، فينعكس هذا على شكل أحلام، وهذا لا اعتبار له، كما هو نص حديث النبي ﷺ .
والصنف الثالث: رؤيا هي من تحزين الشيطان، أي: من عبث الشيطان بالإنسان، خاصة إذا كان المسلم لم يعمل بالأسباب المشروعة لحمايته من عبث الشيطان، كأن ينام بلا ورد أو ينام على معاصٍ أو سماع أمور محرمة شرعاً أو غيبة أو نميمة، أو أمور تحجب القلب عن حقيقة الإيمان، فإنه يتسلط عليه الشيطان، فيأتيه بأحلام ويوهمه بأنها رؤى صالحة، وهذا يقع لكثير من الناس.
أما الصنف الأول: الرؤيا الحق التي وصفها النبي ﷺ بأنها رؤيا حق قال: (الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق) وهي على نوعين: النوع الأول: الرؤيا الصادقة الصريحة التي تأتي كفلق الصبح، ولا تحتاج إلى تأويل، فمثلاً: إنسان رأى في منامه أنه يحفظ القرآن، فهذه توافرت فيها شروط الرؤيا الصالحة، فبإذن الله سييسر له حفظ القرآن ونحو ذلك من الرؤى التي لا تحتاج إلى تأويل وليس فيها التباس ولا أمثال تضرب إنما هي رؤيا بينة واضحة، وهذا يقع لقلة من الناس الذين تتوافر فيهم صفات العبادة والزهد والورع والمال الحلال وسلامة القلوب، فهؤلاء غالباً رؤاهم صادقة لا تحتاج إلى تأويل ولا تفسير، بل إذا تيقظ من منامه بعد الرؤيا فلا يحتاج أن يفسرها؛ لأنها تفسر نفسها.
النوع الثاني: رؤيا عبارة عن أمثال تضرب للناس برموز بأسماء بأحوال بأشكال بإشارات يعرفها أصحاب الرؤى الصادقة.
أما الكرامات فهي تختلط بالخوارق التي تكون من باب الفتنة والابتلاء، وهذا مما اختلط على كثير من الناس.
والكرامات الصالحة هي من جنس الإلهام والرؤى، ولكن ليس كل ما يحدث للإنسان من خوارق الأمور يعد كرامة، لأن الكرامة قد تحدث لإنسان، فإذا لم يتعامل معها معاملة شرعية على وفق أصول الشرع فإنها قد تنقلب إلى فتنة؛ وذلك لأن الكرامة لا تكون إلا بحق، وبمقتضى الكتاب والسنة، ولا تكون في تأييد بدعة ولا ظلم ولا عدوان، ولا تكون من الأمور التي تؤدي بالإنسان إلى الوقوع في معصية أو بدعة، أما إذا كانت كذلك فليست كرامة، بل من الخوارق ومن عبث الشيطان بالإنسان.
ومن سمات الكرامة الحقيقية: أنها تؤدي بصاحبها إلى قوة الإيمان والتواضع، ويكره صاحبها ذكرها ونشرها خوفاً من الرياء، وبعض المسلمين قد يفتن بالكرامات لعدة أسباب: أولاً: أنها قد تؤيد بدعة، فيظن أنه بذلك
стр. 74
قاعدة المراء في الدين مذموم والمجادلة بالحسنى مشروعة
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [القاعدة العاشرة: المراء في الدين مذموم: والمجادلة بالحسنى مشروعة، وما صح النهي عن الخوض فيه وجب امتثال ذلك، ويجب الإمساك عن الخوض فيما لا علم للمسلم به، وتفويض علم ذلك إلى عالمه سبحانه].
هذه من القواعد السلوكية؛ لأنه كما أن العقيدة والدين في الأمور القلبية كذلك هي في أمور الحلال والحرام، وفي التعامل مع الخلق، ومسألة التعامل مع الخلق هي المحك والاختبار لكثير من المسلمين اليوم؛ لأنه قد يدعي المسلم أنه يعرف الاعتقاد ويعلم أشياء كثيرة في الدين، ويباشر أعمال الإسلام الظاهرة، لكن هذا كله لا يعطينا مصداقية تمسك المسلم بدينه بقدر ما يعطينا تعامله مع الناس، هل هو على مقتضى العقيدة والشرع؟ ومن أعظم أبواب التعامل مع الخلق ما يتعلق بالحوار والمواقف تجاه الآخرين، والتعامل مع المخالف أو التعامل مع المخطئ في نصحه وبيان الحق له وإقامة الحجة عليه، وأن يكون بالنصيحة والمجادلة بالحسنى.
وهنا ينبغي أن يعرف المسلم أن المراء في الدين مذموم بمقتضى الكتاب والسنة، والمراء صنوف كثيرة أهمها وأخطرها: الجدال بغير حق وبغير قصد الحق، والانتصار للرأي وللمذهب وللقول، والتشفي من المخالف، والتمادي وهو عدم الوقوف على الدليل، فالمسلم قد يجادل ويقارع الحجة بالحجة والدليل بالدليل يسأل فيجاب، لكن إذا تعدى الأمر إلى أكثر من ذلك بأن يعيد السؤال لغير حاجة، أو يلف بالقضية والشبهة مرة أخرى، كأن يصر على قوله ولا يكتفي بمجرد أخذ الدليل أو الاستفهام من الدليل، بل يزيد مرة أخرى ويماري ويكرر الكلام لغير حاجة فهذا يسمى المراء.
إذاً: الكلام للحاجة بالضوابط الشرعية هذه مجادلة بالحسنى، أما ما زاد عن الحاجة وما وقع فيما نهى الله عنه من الانتصار للباطل والانتصار للهوى وعدم التوقف عند الحجة والدليل؛ فإن هذا يعد من الأمور المذمومة وهو المراء في الدين، أما المجادلة بالحسنى فهي مشروعة بشروطها.
والمجادلة: هي النصيحة في الدين، فتبين للآخر وجه الدليل وتفهمه ما لم يفهمه إذا كنت تقدر، ويكون ذلك على مقتضى الكتاب والسنة، ويكون أيضاً بقصد حسن، أن تقصد الحق وتتجرد من الهوى والرأي المسبق، وتتمثل قاعدة الإمام الشافعي ﵀ الذهبية العظيمة وهي قوله: والله ما جادلت أحداً إلا تمنيت أن يجري الله الحق على لسانه.
فأقسم أنه يتمنى أن يجري الله الحق على لسان خصمه؛ لأنه طالب حق يتمنى من الله أن ينقذه من رأي أو اجتهاد خاطئ، وهكذا يجب أن تكون المجادلة بالكتاب والسنة، وبقصد الحق والتجرد من الهوى، والتسليم والإذعان للدليل، فإذا قال خصمك: قال الله وفهمت قول الله وعرفت أنه حجة في هذا الباب فتتوقف وتقول: آمنا بالله، وإذا قال عن رسول الله ﷺ وجاءك الدليل وفهمته وأنه حجة في هذا الأمر فتقول: على العين والرأس، مكان قول رسول الله ﷺ في قلبي وبصري وسمعي لا أحيد عنه.
ومن شروط المجادلة بالحسنى: ألا تتعصب ولا تنتصر لنفسك، أو تحرص على هزيمة خصمك وتتشفى كما يفعل بعض المجادلين، وإذا رأيت من خصمك استعداداً لقبول الحق فشجعه على ذلك، ولا تشعره بأنك انتصرت فتنتفخ وتنتفش، فربما يؤدي ذلك إلى رده للحق وحجبه عن قبول الحق، فليتق الله المجادل، وليلتزم أدب الحوار ويتكلم برفق، والنبي ﷺ يقول: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه)، والرفق يشمل الرفق في العبارة، والرفق في التعامل، والرفق مع الخصم، والرفق خلال عرض الحجة، والرفق بالصيغة والأسلوب، وبلا رفع الصوت أو اللجاجة أو التكرار من غير حاجة، وعليك بالحلم والتأدب، والنصيحة سواء للمسلم أو لغير المسلم، يكون رائدك النصيحة والحرص على الهداية، ثم تاج ذلك كله أن تكون المجادلة بعلم وفقه، فلا تجادل وأنت لا تعلم، وبعض الناس تأخذهم الغيرة في الدفاع عن الدين فيجادلوا بغير علم، ويخاصموا المخالفين بغير حجة ولا فقه ولا عمق، فأحياناً يقولون على الله بغير علم ويوقعون الحق في حرج، ويقولون أشياء ليست حقاً ويظنون أنها حق؛ لأنهم ليس عندهم فقه في الدين، فيستفزهم الخصم فيقعون في المهاترات، وهذا كله يقع لأنهم ما جادلوا بعلم، ظناً منهم أنه لابد أن يدافعوا عن الدين غيرة، فمن شرط الدفاع عن الدين: أن تكون على علم وبصيرة، والله نهاك أن تجادل بلا علم، قال سبحانه: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، أما أن يهلك بعض الناس ويقعوا في شبهات وبدع فالله يتولاهم وليس عليك هداهم، وثق أن الله سيسخر من أهل العلم والفقه من يقوم بالحجة، لكنك يجب أن تصبر وتهيئ نفسك.
وأخيراً: يجب أن يكون المسلم متجرداً لا عن الحق كما يفهم كثير من الكتاب والباحثين الذين ظنوا أن التجرد يكون عن الحق، فهذا لا يجوز.
وبعض الناس يظن التجرد ألا تكون له عقيدة ولا رأي وهذا خطير،
стр. 75
قاعدة وجوب الالتزام بمنهج الوحي في الرد
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [القاعدة الحادية عشرة: يجب الالتزام بمنهج الوحي في الرد كما يجب في الاعتقاد والتقرير، فلا ترد البدعة ببدعة ولا يقابل التفريط بالغلو ولا العكس].
يجب الالتزام بمنهج الوحي في التأصيل، وهو التزام الدليل ومصادر الكتاب والسنة في التزام المنهج الذي ذكرته في الجدال والمراء والمجادلة بالحسنى، وكذلك كما يجب هذا في التأصيل والعلم والفقه في الدين كذلك يجب في الرد؛ لأن بعض الناس عند التقرير والبيان يأخذ بأدب الشرع، لكن عندما يرد يخرج من سمته وتصدر منه ردود الأفعال، وقد يعالج الغلو بتفريط، فإذا رأى الناس تشددوا أو غلوا تساهل في الدين وميع الدين كما يفعل كثير من المفتونين الآن عبر كثير من الوسائل، لما رأوا بعض طوائف الأمة نزعت إلى الغلو والعنف ذهبوا إلى الطرف الآخر المعاكس فميعوا الدين، وأضاعوا معالمه بدعوى الرد على الغلو، فهذا خطأ في الرد، إذا أردت أن ترد على الغلاة فرد عليهم بمنهج الاعتدال، وكذلك العكس هناك من يعالج مظاهر التميع في الدين ومظاهر التساهل بالغلو الذي نتج عنه التكفير والتفجير، زعماً منهم أن هذا هو الرد الحقيقي الذي نرد به الباطل، وهذا كله خروج عن منهج الإسلام الذي هو منهج الاعتدال.
وكلا الفريقين الذين شطحوا في الرد أساء إلى الإسلام، فتشوهت مفاهيم الأمم تجاه الإسلام اليوم، وتشوهت مفاهيم كثير من المسلمين وعامة المسلمين وناشئتهم تجاه اعتدال الدين وأفقيته؛ لأنهم يرون المنهج الخاطئ في الرد، فلا ترد البدعة ببدعة، ولا يقابل التفريط بالغلو ولا يرد الإفراط بالجفاء، فالذين يردون البدع التي أحدثها الناس في حق رسول الله ﷺ قد يكون عند بعضهم شيء من الجفاء في حق النبي ﷺ ، فهؤلاء وقعوا في خطأ شنيع، والأنموذج في مثل هذا أن يكون المسلم معتدلاً في محبته لله ومحبته للرسول ﷺ ومحبته للخير، وألا يرد بدع الناس التي ابتدعوها في الدين ببدع مقابلة أو بنحوها، ولا يقابل التفريط بالغلو ولا العكس.
следующие страницы →