← Акыда

Акыда · id 37721

مجمل أصول أهل السنة

ناصر العقل

Полный текст (299 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مجمل أصول أهل السنة - وجوب الاتباع وذم الابتداع من الأصول والقواعد المقررة في العقيدة: أن المرجع في مسائل الاختلاف هو الكتاب والسنة، فما قام الدليل عليه قبل، وما خالفه رد، مع الاعتذار للمخطئ من مجتهدي الأمة، وهناك قواعد عقدية أخرى تتعلق بالإلهام والرؤى والمراء والمجادلة بالحسنى، ووجوب الالتزام بمنهج الوحي وعدم الابتداع في الدين وغير ذلك، فينبغي للمسلم معرفة دينه وفق منهج الله .

стр. 72

قاعدة ثبوت العصمة للرسول ولمجموع الأمة والاعتذار للمخطئ من مجتهدي الأمة الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، ﷺ وآله، ورضي الله عن صحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فيقول المؤلف حفظه الله تعالى: [القاعدة الثامنة: العصمة ثابتة للرسول ﷺ ، والأمة في مجموعها معصومة من الاجتماع على ضلالة، وأما آحادها فلا عصمة لأحد منهم، وما اختلف فيه الأئمة وغيرهم فمرجعه إلى الكتاب والسنة، فما قام عليه الدليل قبل، مع الاعتذار للمخطئ من مجتهدي الأمة]. هذه القاعدة تشمل عدة خطوات: الأولى: أن العصمة في الدين ثابتة للرسول ﷺ ؛ لأنه لا يمكن أن يتطرق إليه الخطأ في الدين، ولو أنه حدث منه شيء على سبيل البيان والتشريع فإن الله يسدده، فكلما يصدر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير وصح سنده فإنه على الكمال، وهو وحي الله، ولا يمكن أن يتطرق إليه الباطل إطلاقاً؛ لأن العصمة تعني عدم مرور شيء مما ينافي الحق. الثانية: الأمة في مجموعها معصومة من الاجتماع على الضلالة، فالحق لا يخرج عن مجموعة الأمة، وهي قد لا تجتمع كلها على أصول الحق، لكن تبقى منها طائفة على الحق، وقد يكون الحق أحياناً مع طائفة في جانب ومع طائفة أخرى في جانب آخر، ولا يرسو الحق لطائفة كاملة إلا لأهل السنة والجماعة؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم)، فعلى هذا فإن الأمة لا تقع جميعها في الباطل، لكن تقع طوائف منها في الأهواء والبدع والافتراق، وهذا لا يتنافى مع عصمتها، حتى لو أن أكثرية الأمة وقعت في الأهواء والبدع والفرق فلابد أن تبقى طائفة منها على الحق. فالأمة في مجموعها لا تجتمع على ضلالة؛ لحديث النبي ﷺ : (لا تجتمع أمتي على ضلالة). أما آحادها أو أفرادها أو مجموعاتها بفرقها ومذاهبها فقد يقع منها الخطأ، فلا عصمة لأحد، بل أبى الله إلا أن ترد أخطاء حتى على ألسنة وأقوال وأفعال كثير من العلماء الجهابذة الراسخين في العلم؛ ليتبين أن العصمة لا تكون إلا للرسول ﷺ ، فلا يخلو عالم من خطأ أو زلة على الإطلاق، ولا يقدح ذلك في قدر العالم. فآحاد الأمة وأفرادها وجماعاتها ومذاهبها يتطرق إليها الخطأ، فلا عصمة لأحد منهم. وقوله: (وما اختلف فيه الأئمة) هذه قاعدة مهمة، فما اختلف فيه علماء المسلمين بعد النبي ﷺ من الصحابة والتابعين وغيرهم، فنتحاكم فيه إلى الكتاب والسنة، فما وافق الكتاب والسنة على منهج الاستدلال الذي ذكرناه، وعلى المرجعية في فهم الكتاب والسنة فهو المقبول وغيره مردود، ورده لا يعني الاعتداء على المخطئ، خاصة العالم، بل يبقى له حقه وقدره واحترامه، ووقوعه في الخطأ لا يعني ذلك اختلال المنهج عند العالم الراسخ المستقيم على السنة، بل يبقى على المنهج، لكن مفردات أقواله وجزئياته واجتهاداته قد يقع فيها خطأ، فإذا أخطأ فلابد أن نعتذر له، ولا نجعل الخطأ ذريعة إلى الطعن فيه أو شحن قلوب الناس عليه، كما يفعل كثير من الجهلة اليوم والحمقى حينما يزل العالم في قضية يشهرون به ويسقطون اعتباره عند عامة الأمة، وهذا خلاف المنهج الصحيح، بل هذه كارثة على الأمة، ولم تكن الأمة تسلك هذه المسالك في الأزمان القديمة، إلا عندما وفدت على الأمة اليوم كثير من الأفكار التي زعزعت المسلمات والثوابت في قلوب عامة المسلمين، ومع ذلك فهذه الظاهرة الخطيرة قليلة بحمد الله في الأمة، ولكن معظم النار من مستصغر الشرر، فيجب أن نستدرك الأمر، ولا ندع الفرصة للمشككين في علمائنا ومشايخنا بالتقاط زلاتهم وتهويلها والتهوين من شأنهم. إذاً: الاعتذار للمخطئ المجتهد في هذه الأمة أصل شرعي، لابد أن نعتذر له كما ينبغي أن نحذر زلة العالم، لأن العالم قد يزل، وليس المقصود من الزلة الخطأ في بعض الفتاوى الجزئية، إنما الزلة الخطيرة هي التي توقع الأمة في فتنة وشبهة ومفسدة عظمى، وأحياناً تكون الزلة منهجية أو زلة في فتوى تخرق قواعد الشرع القطعية وتخرق النصوص الثابتة، والعالم عندما يحصل منه ذلك لا يعني أن نخرجه من زمرة العلماء إذا توافرت فيه صفات العالم الرباني، لكن نحذر أن نتابعه على زلته، وبعض الناس قد يفهم من احترامنا للعالم أننا نأخذ أقواله دون عرضها على الكتاب والسنة وعلى العلماء الآخرين، وهذا مسلك غير سليم. إذاً: زلة العالم إذا كانت في أمر خطير يجب أن نعالجها بالأصول الشرعية، وليس عامة المسلمين يعرفون الحكم على فتوى العالم أنها زلة، إنما يرجع فيها إلى العلماء الكبار الراسخين في العلم، فإذا حكم عليها العلماء بأنها زلة عالم فعلينا أن نرد هذه الزلة ولا نعمل بها ونعتذر للعالم؛ لأنه اجتهد فأخطأ. إذاً: الزلة نعرفها بعرضها على الكتاب والسنة من قبل العلماء ونعرفها بأثرها على الأمة إذا كان الأ

стр. 73

قاعدة الإلهام والرؤى والفراسة والكرامات في الأمة قال المؤلف حفظه الله تعالى: [القاعدة التاسعة: في الأمة محدثون ملهمون كـ عمر بن الخطاب ﵁، والرؤيا الصالحة حق، وهي جزء من النبوة، والفراسة الصادقة حق، وفيها كرامات ومبشرات، بشرط موافقتها للشرع، وليست مصدراً للعقيدة ولا للتشريع]. هذه القاعدة تشمل ثلاثة أمور: الأمر الأول: الإلهام: وهو نوع من الفراسة. والأمر الثاني: الرؤيا. والأمر الثالث: الفراسة. كل هذه الأحوال تدخل في باب واحد وهو باب ما ينكشف لبعض العباد من أمور قد لا تنكشف لغيرهم، فما ينكشف لهم عبر الإلهام أو الفراسة أو الرؤيا الصادقة إذا توافرت الشروط وطابقت الكتاب والسنة فهو حق، لكن لكل نوع حال وتفصيل، فالإلهام هو ما يلقيه الله في قلوب بعض عباده، بإدراك الحق في قضية قد تشكل على الأمة، سواء كانت قضية فردية أو جماعية قد تشتبه، فيحتاج الناس فيها إلى أن يعرفوا وجه الحق لالتباس النظر فيها أو تعدد وجوه النظر فيها، فالله قد يلقي في قلوب بعض العباد إدراك الحق في هذه المسألة، فيسمى هذا إلهاماً، لكن ليس عن طريق الوحي إنما هو أمر ينكشف للإنسان مما يتوافق مع الكتاب والسنة، إذا توافرت صفات الإيمان والتقوى والفقه في الدين. فالإلهام فتح من الله للعبد ليس عن طريق الوحي، إنما عن طريق التوفيق في الخروج من مقتضى الالتباس إلى البيان والوضوح، فـ عمر بن الخطاب ﵁ اشتهرت عنه مواقف ألهمه الله فيها للحق، وقد أخذ النبي ﷺ بكثير من آرائه في تلك المواقف التي ترددت فيها الأمة في ذلك الوقت، والنبي ﷺ معصوم والله يوحي إليه، لكن في مثل هذه الحالات التي يلقي الله الحق على قلب رجل أو لسانه هذا من باب التشريع للأمة. وكذلك الرؤيا الصالحة في الحقيقة قد تشتبه بالأحلام، وعلى هذا فإن الرؤيا الصالحة هي التي تتوافر فيها شروط الرؤيا، وأهم الشروط: أن توافق الكتاب والسنة، وألا تتعارض مع الحق ولا تخالف الشرع، ولا توقع في بدعة ولا ظلم ولا عدوان، فهي من المبشرات والأحلام، وقد تختلط بالرؤى، فإذا أخذنا ما يحلم به الناس على هذه الضوابط فهي رؤيا صالحة، وإلا فقد تكون حلماً، ومن هنا فإنه قد يختلط على كثير من المسلمين الرؤى بالأحلام، ولذلك فإن النبي ﷺ ذكر في الحديث الصحيح أن ما يراه الناس في المنامات على ثلاثة أصناف: الصنف الأول: الرؤيا التي هي رؤيا حق. والصنف الثاني: رؤيا عبارة عن انطباعات أو أحلام من مثل ما يحدث به الإنسان نفسه في اليقظة أو ما يسمعه ويتلقاه من الأحداث والمشاكل، فينعكس هذا على شكل أحلام، وهذا لا اعتبار له، كما هو نص حديث النبي ﷺ . والصنف الثالث: رؤيا هي من تحزين الشيطان، أي: من عبث الشيطان بالإنسان، خاصة إذا كان المسلم لم يعمل بالأسباب المشروعة لحمايته من عبث الشيطان، كأن ينام بلا ورد أو ينام على معاصٍ أو سماع أمور محرمة شرعاً أو غيبة أو نميمة، أو أمور تحجب القلب عن حقيقة الإيمان، فإنه يتسلط عليه الشيطان، فيأتيه بأحلام ويوهمه بأنها رؤى صالحة، وهذا يقع لكثير من الناس. أما الصنف الأول: الرؤيا الحق التي وصفها النبي ﷺ بأنها رؤيا حق قال: (الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق) وهي على نوعين: النوع الأول: الرؤيا الصادقة الصريحة التي تأتي كفلق الصبح، ولا تحتاج إلى تأويل، فمثلاً: إنسان رأى في منامه أنه يحفظ القرآن، فهذه توافرت فيها شروط الرؤيا الصالحة، فبإذن الله سييسر له حفظ القرآن ونحو ذلك من الرؤى التي لا تحتاج إلى تأويل وليس فيها التباس ولا أمثال تضرب إنما هي رؤيا بينة واضحة، وهذا يقع لقلة من الناس الذين تتوافر فيهم صفات العبادة والزهد والورع والمال الحلال وسلامة القلوب، فهؤلاء غالباً رؤاهم صادقة لا تحتاج إلى تأويل ولا تفسير، بل إذا تيقظ من منامه بعد الرؤيا فلا يحتاج أن يفسرها؛ لأنها تفسر نفسها. النوع الثاني: رؤيا عبارة عن أمثال تضرب للناس برموز بأسماء بأحوال بأشكال بإشارات يعرفها أصحاب الرؤى الصادقة. أما الكرامات فهي تختلط بالخوارق التي تكون من باب الفتنة والابتلاء، وهذا مما اختلط على كثير من الناس. والكرامات الصالحة هي من جنس الإلهام والرؤى، ولكن ليس كل ما يحدث للإنسان من خوارق الأمور يعد كرامة، لأن الكرامة قد تحدث لإنسان، فإذا لم يتعامل معها معاملة شرعية على وفق أصول الشرع فإنها قد تنقلب إلى فتنة؛ وذلك لأن الكرامة لا تكون إلا بحق، وبمقتضى الكتاب والسنة، ولا تكون في تأييد بدعة ولا ظلم ولا عدوان، ولا تكون من الأمور التي تؤدي بالإنسان إلى الوقوع في معصية أو بدعة، أما إذا كانت كذلك فليست كرامة، بل من الخوارق ومن عبث الشيطان بالإنسان. ومن سمات الكرامة الحقيقية: أنها تؤدي بصاحبها إلى قوة الإيمان والتواضع، ويكره صاحبها ذكرها ونشرها خوفاً من الرياء، وبعض المسلمين قد يفتن بالكرامات لعدة أسباب: أولاً: أنها قد تؤيد بدعة، فيظن أنه بذلك

стр. 74

قاعدة المراء في الدين مذموم والمجادلة بالحسنى مشروعة قال المؤلف حفظه الله تعالى: [القاعدة العاشرة: المراء في الدين مذموم: والمجادلة بالحسنى مشروعة، وما صح النهي عن الخوض فيه وجب امتثال ذلك، ويجب الإمساك عن الخوض فيما لا علم للمسلم به، وتفويض علم ذلك إلى عالمه سبحانه]. هذه من القواعد السلوكية؛ لأنه كما أن العقيدة والدين في الأمور القلبية كذلك هي في أمور الحلال والحرام، وفي التعامل مع الخلق، ومسألة التعامل مع الخلق هي المحك والاختبار لكثير من المسلمين اليوم؛ لأنه قد يدعي المسلم أنه يعرف الاعتقاد ويعلم أشياء كثيرة في الدين، ويباشر أعمال الإسلام الظاهرة، لكن هذا كله لا يعطينا مصداقية تمسك المسلم بدينه بقدر ما يعطينا تعامله مع الناس، هل هو على مقتضى العقيدة والشرع؟ ومن أعظم أبواب التعامل مع الخلق ما يتعلق بالحوار والمواقف تجاه الآخرين، والتعامل مع المخالف أو التعامل مع المخطئ في نصحه وبيان الحق له وإقامة الحجة عليه، وأن يكون بالنصيحة والمجادلة بالحسنى. وهنا ينبغي أن يعرف المسلم أن المراء في الدين مذموم بمقتضى الكتاب والسنة، والمراء صنوف كثيرة أهمها وأخطرها: الجدال بغير حق وبغير قصد الحق، والانتصار للرأي وللمذهب وللقول، والتشفي من المخالف، والتمادي وهو عدم الوقوف على الدليل، فالمسلم قد يجادل ويقارع الحجة بالحجة والدليل بالدليل يسأل فيجاب، لكن إذا تعدى الأمر إلى أكثر من ذلك بأن يعيد السؤال لغير حاجة، أو يلف بالقضية والشبهة مرة أخرى، كأن يصر على قوله ولا يكتفي بمجرد أخذ الدليل أو الاستفهام من الدليل، بل يزيد مرة أخرى ويماري ويكرر الكلام لغير حاجة فهذا يسمى المراء. إذاً: الكلام للحاجة بالضوابط الشرعية هذه مجادلة بالحسنى، أما ما زاد عن الحاجة وما وقع فيما نهى الله عنه من الانتصار للباطل والانتصار للهوى وعدم التوقف عند الحجة والدليل؛ فإن هذا يعد من الأمور المذمومة وهو المراء في الدين، أما المجادلة بالحسنى فهي مشروعة بشروطها. والمجادلة: هي النصيحة في الدين، فتبين للآخر وجه الدليل وتفهمه ما لم يفهمه إذا كنت تقدر، ويكون ذلك على مقتضى الكتاب والسنة، ويكون أيضاً بقصد حسن، أن تقصد الحق وتتجرد من الهوى والرأي المسبق، وتتمثل قاعدة الإمام الشافعي ﵀ الذهبية العظيمة وهي قوله: والله ما جادلت أحداً إلا تمنيت أن يجري الله الحق على لسانه. فأقسم أنه يتمنى أن يجري الله الحق على لسان خصمه؛ لأنه طالب حق يتمنى من الله أن ينقذه من رأي أو اجتهاد خاطئ، وهكذا يجب أن تكون المجادلة بالكتاب والسنة، وبقصد الحق والتجرد من الهوى، والتسليم والإذعان للدليل، فإذا قال خصمك: قال الله وفهمت قول الله وعرفت أنه حجة في هذا الباب فتتوقف وتقول: آمنا بالله، وإذا قال عن رسول الله ﷺ وجاءك الدليل وفهمته وأنه حجة في هذا الأمر فتقول: على العين والرأس، مكان قول رسول الله ﷺ في قلبي وبصري وسمعي لا أحيد عنه. ومن شروط المجادلة بالحسنى: ألا تتعصب ولا تنتصر لنفسك، أو تحرص على هزيمة خصمك وتتشفى كما يفعل بعض المجادلين، وإذا رأيت من خصمك استعداداً لقبول الحق فشجعه على ذلك، ولا تشعره بأنك انتصرت فتنتفخ وتنتفش، فربما يؤدي ذلك إلى رده للحق وحجبه عن قبول الحق، فليتق الله المجادل، وليلتزم أدب الحوار ويتكلم برفق، والنبي ﷺ يقول: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه)، والرفق يشمل الرفق في العبارة، والرفق في التعامل، والرفق مع الخصم، والرفق خلال عرض الحجة، والرفق بالصيغة والأسلوب، وبلا رفع الصوت أو اللجاجة أو التكرار من غير حاجة، وعليك بالحلم والتأدب، والنصيحة سواء للمسلم أو لغير المسلم، يكون رائدك النصيحة والحرص على الهداية، ثم تاج ذلك كله أن تكون المجادلة بعلم وفقه، فلا تجادل وأنت لا تعلم، وبعض الناس تأخذهم الغيرة في الدفاع عن الدين فيجادلوا بغير علم، ويخاصموا المخالفين بغير حجة ولا فقه ولا عمق، فأحياناً يقولون على الله بغير علم ويوقعون الحق في حرج، ويقولون أشياء ليست حقاً ويظنون أنها حق؛ لأنهم ليس عندهم فقه في الدين، فيستفزهم الخصم فيقعون في المهاترات، وهذا كله يقع لأنهم ما جادلوا بعلم، ظناً منهم أنه لابد أن يدافعوا عن الدين غيرة، فمن شرط الدفاع عن الدين: أن تكون على علم وبصيرة، والله نهاك أن تجادل بلا علم، قال سبحانه: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، أما أن يهلك بعض الناس ويقعوا في شبهات وبدع فالله يتولاهم وليس عليك هداهم، وثق أن الله سيسخر من أهل العلم والفقه من يقوم بالحجة، لكنك يجب أن تصبر وتهيئ نفسك. وأخيراً: يجب أن يكون المسلم متجرداً لا عن الحق كما يفهم كثير من الكتاب والباحثين الذين ظنوا أن التجرد يكون عن الحق، فهذا لا يجوز. وبعض الناس يظن التجرد ألا تكون له عقيدة ولا رأي وهذا خطير،

стр. 75

قاعدة وجوب الالتزام بمنهج الوحي في الرد قال المؤلف حفظه الله تعالى: [القاعدة الحادية عشرة: يجب الالتزام بمنهج الوحي في الرد كما يجب في الاعتقاد والتقرير، فلا ترد البدعة ببدعة ولا يقابل التفريط بالغلو ولا العكس]. يجب الالتزام بمنهج الوحي في التأصيل، وهو التزام الدليل ومصادر الكتاب والسنة في التزام المنهج الذي ذكرته في الجدال والمراء والمجادلة بالحسنى، وكذلك كما يجب هذا في التأصيل والعلم والفقه في الدين كذلك يجب في الرد؛ لأن بعض الناس عند التقرير والبيان يأخذ بأدب الشرع، لكن عندما يرد يخرج من سمته وتصدر منه ردود الأفعال، وقد يعالج الغلو بتفريط، فإذا رأى الناس تشددوا أو غلوا تساهل في الدين وميع الدين كما يفعل كثير من المفتونين الآن عبر كثير من الوسائل، لما رأوا بعض طوائف الأمة نزعت إلى الغلو والعنف ذهبوا إلى الطرف الآخر المعاكس فميعوا الدين، وأضاعوا معالمه بدعوى الرد على الغلو، فهذا خطأ في الرد، إذا أردت أن ترد على الغلاة فرد عليهم بمنهج الاعتدال، وكذلك العكس هناك من يعالج مظاهر التميع في الدين ومظاهر التساهل بالغلو الذي نتج عنه التكفير والتفجير، زعماً منهم أن هذا هو الرد الحقيقي الذي نرد به الباطل، وهذا كله خروج عن منهج الإسلام الذي هو منهج الاعتدال. وكلا الفريقين الذين شطحوا في الرد أساء إلى الإسلام، فتشوهت مفاهيم الأمم تجاه الإسلام اليوم، وتشوهت مفاهيم كثير من المسلمين وعامة المسلمين وناشئتهم تجاه اعتدال الدين وأفقيته؛ لأنهم يرون المنهج الخاطئ في الرد، فلا ترد البدعة ببدعة، ولا يقابل التفريط بالغلو ولا يرد الإفراط بالجفاء، فالذين يردون البدع التي أحدثها الناس في حق رسول الله ﷺ قد يكون عند بعضهم شيء من الجفاء في حق النبي ﷺ ، فهؤلاء وقعوا في خطأ شنيع، والأنموذج في مثل هذا أن يكون المسلم معتدلاً في محبته لله ومحبته للرسول ﷺ ومحبته للخير، وألا يرد بدع الناس التي ابتدعوها في الدين ببدع مقابلة أو بنحوها، ولا يقابل التفريط بالغلو ولا العكس.

стр. 76

قاعدة كل محدثة في الدين بدعة وكل بدعة ضلالة يقول المؤلف حفظه الله تعالى: [القاعدة الثانية عشرة: كل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار]. هذه من القواعد الكبرى العظيمة التي يحتاجها المسلمون دائماً في كل زمان، وفي هذا الوقت بشكل أكبر؛ لأن الجهل بهذه القاعدة وعدم تحكيمها -وهي قاعدة متقنة محكمة- أدى بكثير من المسلمين إلى الوقوع في أنواع البدع: البدع الاعتقادية، البدع في العبادات، البدع في المناهج، البدع في التعامل، البدع في السلوكيات إلى آخره. مع أن الأصل في البدع أنها في العقائد والعبادات، أما أمور السلوكيات والأخلاق والتعامل فإنها تحكمها المصالح العامة، والتي يكون الأصل فيها الحل والإباحة، وكذلك تناول ما يسره الله للعباد من خيرات الأرض وما فيها من كنوز، كل ذلك الأصل فيه الإباحة، وقلّ أن يدخل فيه الابتداع، إنما الابتداع يكون في العقائد والعبادات والأعياد والاحتفالات، وهذا هو أغلب الابتداع الذي وقعت فيه الأمة، ولا تزال واقعة فيه، ثم مع أن المتأمل لأحاديث النبي ﷺ التي جاءت لحماية الأمة من البدع يجدها من أقوى الأحكام والقواعد في وضوحها، وفي سد منافذ الفهم الخاطئ فيها، فقد جاء التحذير عن النبي ﷺ من البدعة على وجوه متعددة وبألفاظ محكمة وموجزة ومتقنة، ولا يمكن أن تتأول ولا تخترق. وهذا فيه إشارة إلى أن الأمة سيكون منها من يقع في البدع، فجاء التحذير من البدع مجملاً ومفصلاً، محكماً وبيناً لا لبس فيه، يتصف عند المتخصصين بالحدية الذي لا يمكن تجاوزه، فمثلاً: النبي ﷺ نص على أن كل بدعة ضلالة، ثم أضاف عبارة في لفظ آخر، وألفاظ النبي ﷺ إذا تعددت فهي تدل على تعدد المعاني وإحكام الأمور، فالنبي ﷺ ورد عنه في هذه القاعدة عدة ألفاظ وكلها صحيحة، منها: قوله ﷺ : (كل محدثة في الدين بدعة)، والأحكام محدودة بينة واضحة لا لبس فيها ولا غموض، جامعة مانعة، ومن خصائص النبي ﷺ أنه أوتي جوامع الكلم التي تشمل ملايين المعاني والمفردات بثلاث عبارات: (كل محدثة في الدين بدعة). فكلمة (كل) تعني المحدثات عموماً. وتعريف النبي ﷺ للبدعة هنا تعريفاً جامعاً كاملاً شاملاً لا مزيد عليه، ولذلك أرى أن نقتصر على هذا التعريف إذا قيل: ما البدعة؟ نقول: كل محدثة في الدين بدعة، ونستريح من الخلافات في تعريف البدعة. والنبي ﷺ أيضاً بين أن البدع كلها مذمومة، فقال: (وكل بدعة ضلالة)، حتى لا يأتي المتحذلق ويقول: هناك بدعة حسنة أو بدعة فيها هداية أو فيها خير، أنت كيف تقول: بدعة حسنة؟ والنبي ﷺ يقول: (وكل بدعة ضلالة)، مطلقاً يشمل ملايين المفردات. أيضاً: نجد أن هذه المسألة أحكمت بنصوص أخرى متواترة مثل قول النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، فقوله: (من أحدث في أمرنا) أمرنا هو أمر الدين، وقوله: (ما ليس منه)، أي: ما ليس من الدين ولم يأت به النبي ﷺ (فهو رد) أي: مردود على صاحبه، والرد كلمة حازمة، ولا يمكن أن يكون ذلك اعتقاداً ولا قولاً ولا عملاً. وأيضاً لما قد يرد على أذهان بعض الناس احتمال تأويل الكلمة، جاءت بلفظ آخر، قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، فهذا يعني جميع العمل: عمل القلب وعمل الجوارح، ومن أصول السنة القطعية أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، فعلى هذا فقول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا)، يشمل الأعمال القلبية الاعتقادية وأحوال القلب، وكما يشمل القول، ويشمل الأفعال التي هي العبادات ونحوها مما هو من البدعة. وإذا رددنا هذه القاعدة إلى قواعد أخرى صارت القواعد الأخرى أكثر إحكاماً. ثم حينما قلنا: إن الله قد أكمل الدين ولا يحتاج إلى زيادة ولا نقص، وأيضاً كمال الدين يتنافى تنافياً قطعياً عقلاً وشرعاً وعرفاً -وعلى مقتضى الفطرة والواقع- مع البدعة في الدين أو الإحداث في الدين أو النقص أو الزيادة. إذاً: ما دام أن الله قد أكمل الدين فقد تكفل بحفظ الدين وجعله ظاهراً؛ لأنه قد يقول جاهل أو متحذلق أو منافق: إذا كان الله قد أكمل الدين فلماذا الناس أضاعوا الدين؟ نقول: إذا كان بعض المسلمين أضاع بعض العمل بالدين فلا يعني أن الدين بذاته ضاعت معالمه؛ لأن مصادره محفوظة، والله كما أكمل الدين فقد تكفل بحفظه وجعل نبيه ﷺ خاتم الأنبياء، لئلا يحتاج الناس إلى نبوة، ولو احتاجوا إلى شيء جديد بالدين يبتدعونه فإنهم يحتاجون إلى نبوة؛ لأنه لو فتح باب الإحداث في الدين، فإن كل إنسان سيذكر من الدين ما يميل إليه قلبه وعاطفته ورغباته، حتى وإن سماه ديناً فإن الشيطان يدخل على الناس، وكل يدعي أن ما يعتقده ويقوله مما لم يرد في الكتاب والسنة ويفعله ويهواه أنه دين، لاسيما أن الشيطان قد

стр. 77

الأسئلة

стр. 78

معنى قول عمر ﵁: نعمت البدعة هذه السؤال ذكرت في قاعدة الإلهام والفراسة والرؤى، وأن الإلهام قد يقع لبعض الناس مثل ما وقع لـ عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، وذكرتم فيما بعد أن عموم لفظ النبي ﷺ في كل بدعة ضلالة وعمر بن الخطاب لما سئل عن التراويح فقال: (نعمت البدعة هذه)، فما هو رد فضيلتكم في هذه المسألة، أحسن الله إليك؟ الجواب هذه مسألة مهمة، أما صلاة التراويح فالنبي ﷺ صلاها، وحينما تركها النبي ﷺ تركها لعلة ظاهرة منصوصة: وهي خوفه أن تفرض، لكن بعد ممات النبي ﷺ لا يعقل أن تفرض أما كلام عمر (نعمت البدعة هذه) إن صح فهو من باب المشاكلة في الألفاظ، وهذا من باب التنزل وهو موجود في الخطاب عند العلماء والأئمة وغيرهم، ولا يعني أنه يمدحها على أنها بدعة، ولكن كأنه يقول للسائل: ما دمت تدعي أنها بدعة فنعمت البدعة؛ لأن أصلها موجود في الشرع، فالبدع بمعنى إحياء السنن قد يسمى ابتداعاً لغة، لكن ليس هو البدعة المصطلح عليها التي نهى عنها النبي ﷺ ، ولا يجد أهل البدع إلا مثل هذا الدليل المشتبه، فهل نستدل بالمشتبهات؟!

стр. 79

حكم إنزال البدعة على المخترعات والصناعات السؤال يا شيخ! البدعة ذكرت في تعريفها أنها الشيء الذي لم يكن في عهد رسول الله ﷺ ؟ فهل الأشياء المخترعات تعتبر بدعة؟ ومن أي أنواع البدع؟ الجواب وسائل الحياة ليس فيها بدع، بل ينبغي للمسلم دائماً أن يأخذ بأحدث وسيلة تخدم حياته ودينه إذا لم تتعارض هذه الوسيلة مع غايات الشرع، وانطبقت عليها شروط الشرع، فالبدع لا تكون إلا في العقائد والعبادات والاحتفالات البدعية ونحوها ما يتدين به الناس، أما المخترعات والمصنوعات ووسائل الحياة ومناهج التعامل مع الآخرين إذا التزمت أصول الشرع، فهذه الأصل فيها الإباحة مطلقاً، وكل مستجد فيها يفيد يجب الأخذ به بضوابطه الشرعية ولا تسمى بدعاً؛ لأن البدع لا تكون إلا في الدين والعقيدة والعبادة وما يلحق بذلك من الأعياد والاحتفالات ونحوها، والمناهج القطعية في الدين هي التي يكون فيها الابتداع، أما الحياة ووسائلها ومناهج الحياة البحتة الاقتصادية وغيرها فهذه كلها الأصل فيها الإباحة بشروط الشرع، وما يستجد منها لا يعتبر بدعاً في المصطلح الشرعي.

стр. 80

وجه كرامات وخوارق أهل البدع السؤال ما الدليل على أن الكرامات قد تقع من أهل البدع؟ وما الدليل على أن الكرامة لا ينبغي أن ينشرها الإنسان بين أحبابه وزملائه؟ الجواب الكرامات تختلط أحياناً بالخوارق التي فيها فتنة، فمثلاً: إنسان دعا عند قبر اعتقاداً منه أن الدعاء عند القبر يكون مجاباً بناء على تعلق قلبه بصاحب القبر هذا، فتكون هذه ظاهرها الكرامة وهي استدراج، قد ينتفع بمثل هذا العمل انتفاعاً أحياناً يكون خارقاً للعادة، كأن يشفى من مرض معضل، أو يحدث له شيء لم يكن يحدث عادة من جانب نفع أو دفع ضر، ويكون هذا من باب الابتلاء، أن الله وكله إلى ما فعل ويخسر بذلك دينه ويكسب ما يريد من متاع الدنيا. أما كون الكرامة لا تنشر فلأن هذا نهج السلف، والصحابة ﵃ كانوا يكرهون نشرها، وهو من سبيل المؤمنين، ولأن هذا يجده أي إنسان عنده نوع من التورع وأحواله القلبية على مقتضى الشرع، يجد أنه إذا تحدث عن كرامته فإن نفسه تميل إلى الغرور والرياء، وما دام أكرمه الله بكرامة فينبغي أن يحفظ ما بينه وبين ربه حتى يكون أعظم لأجره. أما الحديث عن الكرامة أحياناً من باب الاتعاظ أو من باب تبشير الناس بالخير أو من باب الفائدة للآخرين المتحققة، فهذا يكون بقدر وبضوابطه الشرعية.

стр. 81

مفهوم البدعة السؤال البدعة عموماً ما معناها؟ الجواب هي كل محدثة في الدين، في العقيدة والعبادات والأمور التي تعبد بها الخلق، مثل: الاحتفالات البدعية وغيرها، كل ما تدين به الناس مما لم يرد به الشرع فهو بدعة، وعلى هذا فإن وسائل الحياة من المباحات الأصل فيها الإباحة ولا تدخل في البدعة.

стр. 82

معنى حديث: (وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي) السؤال ما معنى حديث: (وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي)؟ الجواب معناها: ألا يأتيني أذى من تحتي، من أذى الجن أو الشياطين، وغالباً يكون أذى الجن والشياطين من تحت الإنسان، هذا هو الغالب، وكأنه يستعيذ بالله من أن يأتيه هذا الأذى الأغلب على هذا النحو.

стр. 83

موقف العامي من البدعة وأهلها السؤال ما هو موقف العامي من البدعة وأهلها؟ الجواب العامي عليه أن يبتعد عن البدعة وعن أجواء البدعة، وعن مخالطة أهل البدع أثناء بدعهم، وأن يناصح بإجمال ولا يدخل في التفاصيل، ويرجع إلى العلماء في هذه الأمور، وأهم مسألة في موقف العامي مما يخالفه الناس اليوم وكثير من المسلمين، أن العامي لا يعني مجرد الذي لا يقرأ ولا يكتب، بل العامي هو كل من لا فقه له في الدين وإن سمى نفسه أحياناً متعلماً، وقد يكون متعلماً ولكنه عامي في أمور الدين، فهذا عليه ألا يوقع نفسه فيما يحرجه شرعاً، فإذا رأى بدعة إن كان ينكرها إنكاراً مجملاً ولا يتشابك مع أصحاب البدع بالحوار وهو لا يفقه أو لا يعلم، مع تجنب استعمال الأساليب التي فيها قسوة وعنف، فإنه لا ترد البدعة بالعنف، فالعامي عليه ألا يقع في اشتباك يوقعه في حرج ويخرجه من الأدب، لكن أيضاً عليه أن يبتعد عن مواطن البدعة؛ لئلا يتأثر وتصله العدوى.

стр. 84

دعوى وجود بدعة حسنة السؤال هل ليس هناك بدعة حسنة إطلاقاً؟ مع وجود بعض العلماء يطلق ذلك مثل: وجود المبرات الخيرية، والخط الأسود المحاذي للحجر الأسود، ومثل: مشاريع إفطار الصائم وغيرها؟ الجواب أما البدعة الحسنة فالوسائل التي ذكرها السائل ليس من باب البدع شرعاً ولا اصطلاحاً، مثل: المبرات والأعمال الخيرية والعمل المؤسسي المرتب الذي يحمل وسائل متعددة ويستخدم التقنية الحديثة ونحو ذلك، فهذا كله يدخل في باب الوسائل العامة، في باب المباحات العامة، وليست هذه من باب التدين، بل من باب الوسائل، وباب الوسائل إذا توافرت فيها الشروط الشرعية كله مفتوح، فما ذكره السائل لا ينطبق على مفهوم البدعة؛ لأنه داخل في الأمور الدنيوية البحتة.

стр. 85

حكم تتبع زلات العلماء السؤال ما مدى صحة قول: إذا تتبعت زلة العلماء اجتمع فيك الشر كله؟ الجواب هذه مقولة لا بأس بها، والإنسان الذي يتتبع الزلات سواء من باب الفتنة بها والنقد أو من باب التعلق بها وأخذها لاشك أنه يهلك؛ لأن الزلات هي أخطاء، فالإنسان الذي سيأخذ بالأخطاء منهجاً له أو للشماتة بالعلماء لاشك أنه سيهلك.

стр. 86

علاقة الإلهام بالتشريع السؤال هل الإلهام يعتبر من التشريع؟ الجواب إلهام النبي ﷺ من التشريع، أما ما بعد النبي ﷺ فالإلهام لا يدخل في التشريع؛ لأن الإلهام حده غامض، إذا كان ما يحدث للإنسان من إلهامات يوافق الكتاب والسنة فهو من توفيق الله ويدخل في باب الإلهام، أما إذا خالف الكتاب والسنة فليس إلهاماً إنما هو من عبث الشيطان.

стр. 87

ضوابط الحكم على المبتدع السؤال هل كل من وقع في بدعة يحكم عليه بأنه مبتدع، أم أن هناك ضوابط شرعية تطبق على من وقع في البدعة؟ الجواب مما يحتاجه طلاب العلم بخاصة وعموم المسلمين بعامة، وهو أنه إذا رأينا إنساناً مسلماً وقع في بدعة قولية أو اعتقادية أو فعلية، أو مارس بدعة من البدع في منهجه في الحياة، هل يحكم عليه بأنه مبتدع لأول وهلة؟ هذا يرجع إلى أن البدعة أو البدع إذا كانت منهجاً للشخص، ينهج نهج المبتدعة في الاستدلال وفي الممارسات وفي العبادات، أو يعتقد صحة مناهجهم فهو مبتدع، حتى وإن قلّت عنده البدع العملية الظاهرة؛ لأن كثيراً من الناس تطبيقاته لأمور الدين قليلة، لكنه ينحى منحى أهل البدع وينتسب إلى الفرقة ويأخذ بمنهجها، فهذا يعتبر مبتدعاً بناءً على المنهج الذي يسلكه ويلتزمه. الصورة الثانية: فيما إذا رأينا إنساناً يعمل ببدعة، وهذه البدعة ليست من البدع المكفرة المخرجة من الملة، وهي أكثر ما عليه المبتدعة من المسلمين؛ لأن البدع غالباً غير مكفرة، فإذا رأينا إنساناً يعتقد أو يقول أو يفعل بدعة ولا نعرف حاله فلا نصفه بالابتداع ابتداء؛ لأنها قد تكون زلة أو جاءت عن تأول أو جهل أو تقليد من غير تبصر أو عن اشتباه، فلا نحكم على من يقع في بدعة أو بدع قليلة حتى نرى منهجه، فإذا كان ينهج نهج أهل البدع في الاعتقاد والمنهج العام ويخالف السنة في المنهج فهذا مبتدع، وإذا لم يخالف السنة فليس مبتدعاً. الصورة الثالثة: إذا كان الإنسان يدعي أنه ليس على منهج أهل البدع، ولم نعرف عنه عقيدة أو قولاً يدل على أنه ينهج نهج المبتدعة، لكنه يمارس بدعاً كثيرة وهي ظاهرة على سلوكياته، سواء كان في تعبده أو في معاملاته أو في سمته أو في شكله الظاهر، فهذا الإنسان الذي يظهر على مسلكه العام البدع المتكاثرة فهو مبتدع. فإذا تكاثرت البدعة أو صار الإنسان على منهج أهل البدع فهو مبتدع، أما إذا كانت البدعة قليلة عنده ولا نعرف حاله فلا يوصف بالابتداع، بل يقال: هذا وافق المبتدعة ويقال: هذه زلة، ويقال: خطأ ويبين له وجه الخطأ.

стр. 88

وجه إجماع العلماء على العقيدة وبيانها للناس السؤال لماذا لا يجمع العلماء على العقيدة مع عظم شأنها وخطورتها ووضوح الأدلة فيها، خاصة أن العلماء قد يسمح لهم، وأيضاً قد وفق الله جل وعلا بلاد الحرمين لتهيئة مجمع الفقه وبناء صرحه، فلماذا يسكتون على من لهم انحرافات عقدية كالخوارج وغيرهم، وبخاصة أن القرآن نص على طاعة ولاة الأمر وهم العلماء والأمراء، ولقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ [النساء:٨٣] إلى آخر الآية، وكذلك آية التنازع وفيها الرد إلى الله ورسوله وإلى أولي العلم؟ الجواب هذا سؤال يتضمن عدة نقاط: النقطة الأولى: لماذا لا يجمع العلماء على العقيدة؟ وهذه تحتاج إلى تعديل، فالمعروف سلفاً ومن ثوابت الأمور ومسلماتها أن علماء السنة كلهم منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا متفقون على أصول الدين وثوابته ومسلماته، وهي ليست مجرد دعوة، بل هي حقيقة وهي الواقع وهي مقتضى حفظ الدين وبقاء طائفة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من عاداهم، وهي مقتضى قول النبي ﷺ : (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، ومن مقتضيات تطبيق هذه النصوص والقطعيات أن أصول السنة: العقيدة وثوابتها ومسلماتها وأصول الاعتقاد ومناهج الدين العامة متفق عليها عند أئمة السلف، ومن خالف من أفراد العلماء في أصل من هذه الأصول فمخالفته ليست محسوبة على الجميع، بل هي زلة عالم، مع أنه يندر هذا من باب الاحتياط، وإلا فحسب استقرائي لا أجد عالماً من علماء السنة المعتبرين الراسخين في العلم خالف في أصل من أصول الاعتقاد، أو في مسلمة من مسلمات الدين، ولا في ثابتة من ثوابته، ولا في منهج من مناهجه بحمد الله، وهذا أمر من ضرورات الدين. إذاً: الثوابت محفوظة ولا خلاف فيها، أما ما يندرج أحياناً تحت العقيدة وليس هو من العقيدة فيكون عليه الخلاف، أو قد يظن الناس أنه عقيدة وليس بعقيدة، هذا الخلاف قد يرد؛ لأنه ليس من قطعيات الدين، لكنه يلحق من الناحية الموضوعية والعلمية فقط، فمثلاً: علماء السلف اتفقوا على رؤية المؤمنين لربهم في الجنة يوم القيامة، ولكن اختلفوا في مسألة رؤية النبي ﷺ لربه في المعراج هل هي عينية أو بصرية؟ والاختلاف في هذه الجزئية من الرؤية لا يعني الاختلاف في الأصل القطعي، وكذلك في الشفاعة وفي أركان الإيمان وأركان الإسلام وفي أمور كثيرة أن الأصول القطعية متفق عليها، وما يتفرع عنها أحياناً يلحق بالعقيدة من الناحية العلمية، ولكن لا يلحق من الناحية التأصيلية، بل يكون عليه خلاف؛ لأنه من الاجتهاديات التي اختلفت فيها النصوص. أما لماذا لا يتفق العلماء على بعض النوزال؟ فهذا من رحمة الله بالأمة؛ إذ كيف نتصور لو أن المجامع الفقهية أو مجالس العلماء أو هيئة كبار العلماء عندنا في هذا البلد وفي غيره من المجامع لو أنهم اتفقوا كلهم على أمر واحد لوقعت الأمة في حرج شديد في الاجتهاديات، فمن الخير أن يختلف العلماء في الاجتهاديات؛ لأن هذا فيه توسعة على الأمة، أما كيف يتعامل العامة مع اختلافات العلماء، فهذا يكون وفق الضوابط الشرعية، ونتبع من نرى في تقديرنا أنه الأعلم والأحوط في علمه والأقرب إلى الدليل بدون تشه ولا هوى، وقد نختلف، فقد يرى البعض أن هذه المواصفات تنطبق على العالم فلان، وهذا حدث في عهد النبي ﷺ مما يدل على أنه تشريع، لما أمر النبي ﷺ الصحابة ألا يصلوا العصر إلا في بني قريظة وهم قبل العصر، فمنهم من أسرع باذلاً جهده في أن يصل قبل غروب الشمس من أجل أن يصلي، ومنهم من فقه فقهاً آخر، وقال: قصد النبي ﷺ الحسم ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فلما حضر وقت الصلاة صلى وهو في الطريق؛ لأنه تأول تأويلاً صحيحاً، والنبي ﷺ أقرهم جميعاً، وكان هذا فيه توسعة، فلو أنهم أخذوا برأي واحد لوقعوا في حرج شديد، فهكذا بقية ما يقع من العلماء من اختلافات، ولو أننا أحياناً في قضايا نرى أنها حساسة وخطيرة ما دامت اجتهادية، فهذا فيه خير كثير وتوسعة للأمة، والمصالح العظمى والقضايا الكبرى للأمة سيسدد الله فيها العلماء، حتى شاء الله أن يقفوا موقفاً يرشد الأمة إليه.

стр. 89

ضرورة الاعتماد على فتاوى العلماء في القضايا المعاصرة والنوازل المستجدة السؤال أحياناً في منتجات الإنترنت عبر الرسائل الإلكترونية يتداول الناس بعض الكلام الذي يكون فيه إما أحاديث ضعيفة أو بدع، فهل يجوز أن ينقل فتاوى العلماء الثقات مثل ابن باز وابن عثيمين والألباني وغيرهم رحم الله الجميع؟ الجواب هذا هو الأصل؛ أن الإنسان إذا رأى مخالفات من الناس عبر هذه الوسائل فالأولى له المجادلة بالحسنى، وتذكير الناس ونصحهم، والرد على المخالف ينبغي أن يكون بالاستناد على فتاوى العلماء في القضايا المعاصرة، وبعض الناس يقول: لماذا نستمد على الدليل؟ نقول: الدليل على العين والرأس لكن يجب أن نفهم أن الدليل يحتاج إلى استنباط، وعلى هذا فإن كلام العلماء المعاصرين في القضايا المعاصرة في مسائل الدين النوازل وغيرها مثل الرد على المخالفين، فإن منهجهم قائم على الدليل أصلاً، وقد يتضمن الدليل حتى ولو لم يصرح العالم بالدليل. فإذا أردت أن ترد على الآخرين أو تنصحهم وتبين لهم وجه الحق فلا بد أن تستند على فتاوى العلماء وعلى مواقفهم؛ لأنه أدعى لقبول الناس الحق، لأنه فرق أن يأخذ مني ومنك ومن الثالث ممن ليس عندهم عالم راسخ، وبين أن تأتي برأي أو موقف عالم راسخ مقبول عند الأمة، وفرق بين أن تأتي بخلاصة فكر عالم بذل جهده ونصحه للأمة، وبين أن تذهب وتبحث عن الاستدلال، وربما تخطئ كثيراً فتقع في مجازفات وأخطاء. فهذا هو المنهج السليم الذي ينبغي أن يسلكه الشباب والدعاة الذين يتصدون للردود، أو يبينون أو يناصحون أن يستندوا على أقوال علمائهم.

стр. 90

البدع المكفرة وغير المكفرة وضابطها السؤال هل هناك بدع مكفرة وبدع غير مكفرة؟ الجواب لاشك أن البدع فيها ما هو كفر وفيها ما ليس كفراً. فما دام أن البدعة هي كل محدثة في الدين، فهناك من أحدث في الدين شركيات تنافي الاعتقاد، وهناك من أحدث في الدين أمور ردة، وهناك من أحدث في الدين بأن قصر الصلوات على ثلاث، وهذا وجد من المفتونين حتى في التاريخ المعاصر، أذكر أن أحد مدعي النبوة ابتدع أموراً مع أن دعوى النبوة نفسها بدعة مكفرة في الدين، ودعوى اختصار الصلوات التي تغني عن أركان الإسلام، ودعوى استباحة بعض الشركيات الصريحة كل هذا من البدع المخرجة من الملة، لكن ما ينبغي ملاحظته هو أنه ليس كل من فعل بدعة مكفرة مخرجة من الملة نحكم على عينه حتى نتثبت، فربما يكون متأولاً وربما يكون جاهلاً وربما يكون اشتبه عليه الأمر، وربما يكون مكرهاً، وربما فعل شيئاً نظنه شركياً وهو على وجه آخر ليس بشركي، كما لو رأينا إنساناً عند القبر وفجأة سجد هذا الشخص، فهذا فيه احتمال أن يكون سجد لغير الله فيكون شركاً، ويحتمل أنه تذكر نعمة من نعم الله ونسي أنه عند القبر، فسجد شكراً لله، وهذا خطأ، لكن هل وقع في الشرك على هذه الصورة؟ لذلك يجب أن نحتاط لديننا. إذاً: البدع تنقسم إلى مكفرة وغير مكفرة، وليس كل من فعل البدعة المكفرة وليس من عادته أن يفعل أن نكفره لأول وهله، حتى تطبق عليه الشروط وتنتفي عنه الموانع.

стр. 91

حكم وضع اليد على المصحف عند الحلف السؤال هل وضع اليد على المصحف عند الحلف يعتبر بدعة؟ الجواب وضع اليد من باب تكريم المصحف الذي يظهر أنه لا حرج فيه؛ لأن هذا من باب التوثيق، كما توضع اليد مع اليد الأخرى عند البيعة، فهذا من الصور الصحيحة لتوثيق الأمر.

стр. 92

علاقة البدع بأمور الدنيا وشئون الحياة السؤال قال رسول الله ﷺ : (أنتم أعلم بأمور دينكم)، هل هذا الحديث يؤخذ به في هذا الموقف؟ الجواب أولاً: الحديث فيه مقال، ولفظه: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، وليس بأمور دينكم، بل العكس أنتم لستم أعلم بأمور دينكم، بل الله هو الأعلم والأحكم في أمور الدين، لكن جاء في قصة تأبير النخل عندما جاء النبي ﷺ إلى المدينة ووجدهم يؤبرون النخل، فظن النبي ﷺ أن هذا راجع إلى اعتقاد منهم لا عن تجربة، فكان من باب الرأي أن قال: لا تفعلوا ذلك، فلما لم يفعلوا لم يتلقح النخل، وصار شيصاً لم ينضج النضج الوافي، فعرف النبي ﷺ أن هذا مبني على تجارب، ومن هنا فإن أمور الدنيا تنبني على التجارب أياً كان نوعها وتنبني على الإباحة.

стр. 93

وسائل معالجة المراء السؤال ما هي الوسائل لمعالجة المراء؟ الجواب أهم شيء هو ترويض النفس بأن يستحضر الإنسان رقابة الله ، ويعمل بمبدأ الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) فإذا أردت أن تجادل أحداً فاستحضر رقابة الله عليك فيما تقول وما تفعل، ثم استحضر أنك تقول في الدين وأنك تجادل في أمر تقول فيه على الله، كذلك استحضر المعاني الأخرى مثل الورع والحذر من القول على الله بغير علم، وأن تتحرى الحق وتتجرد له، وأن تبتعد عن الهوى والتشهير، وأن تكون بذلك مستعداً علماً وخلقاً، وإذا رأيت من نفسك أحياناً الإخلال بهذه الأمور فابتعد.

стр. 94

مجمل أصول أهل السنة - توحيد الأسماء والصفات الأصل في أسماء الله وصفاته إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله من غير تكييف ولا تمثيل، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عن رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، كما أن الإيمان له أركان وحقائق، وقد لا ينازع في الإقرار بها في الجملة أحد من أهل القبلة، أما في الأدلة التفصيلية فقد ضلت طوائف وفرق، وهدى الله أهل السنة والجماعة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه.

стр. 95

قواعد مهمة في الأسماء والصفات الحمد لله، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، ﷺ وآله، ورضي الله عن صحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فموضوع الإيمان يعتبر هو تاج العقيدة، وقمة مباحث العقيدة وموضوعاتها؛ لأنه يتعلق بالله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ولا شك أن غاية التوحيد هو معرفة الله وعبادته والتوجه إليه، وهذا يسمى التوحيد العلمي الاعتقادي، توحيد الله بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وما يجب له سبحانه، ويسمى التوحيد العلمي؛ لأنه علم يتلقى عن الوحي المعصوم، ويسمى الاعتقادي؛ لأنه يجب أن يعتقد، ولا يجوز لمسلم أن يخل بما يجب لله على جهة الإجمال، وما يبلغه أيضاً على جهة التفصيل. وهذا التوحيد العلمي الاعتقادي أوله ما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم ما يترتب على ذلك من ثمرات في قلب المؤمن وسلوكه. وهناك بعض القواعد المهمة المفيدة التي ينبغي أن يستصحبها كل مسلم في قلبه وعقله وفي نظراته تجاه حقوق الله وما يجب له، وتجاه أمور الدين ومسلمات الدين وأهم هذه القواعد في باب أسماء الله وصفاته وأفعاله الآتي: أولاً: أن أسماء الله وصفاته وأفعاله حسنى بالغة الحسن، بالغة الكمال والجمال، فالله موصوف بصفات الكمال وبصفات الجمال جملة وتفصيلاً، فجميع أسمائه وصفاته وأفعاله حسنى، كما قال : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] فكلها حسنى بإطلاق، وتشتمل على كل معاني الحسن والكمال والجمال. ثانياً: أنها غاية الكمال في كل شيء في معانيها، وفي ألفاظها، وفي حقائقها، وفي ثمارها، وفي غاياتها. ثالثاً: أنه لا يرد إليها النقص بوجه، أي: أن أسماء الله وصفاته وأفعاله لا يمكن أن يرد فيها ولا إليها ولا حولها لا في الذهن الصافي ولا في قلب المؤمن، لا يمكن أن يرد فيها شيء من تصور النقص في أسماء الله وصفاته وأفعاله. رابعاً: أنها حقائق وأعلام وأوصاف، حقائق بمعنى أنه يوصف الله بها على الحقيقة، فالأسماء يسمى بها الله على الحقيقة، والصفات يوصف الله بها على الحقيقة، والأفعال أيضاً منسوبة إلى الله على الحقيقة على ما يليق بجلال الله سبحانه؛ لأن مفهوم الحقيقة قد يتبادر في أذهان بعض الناس أن المقصود بالحقيقة الكيفية، وهذا لا شك أنه منفي؛ لأن الله ليس كمثله شيء، لكنه موصوف بالحق، فهو الحق، وأسماؤه حق، وصفاته حق، وأفعاله حق، وعلى هذا فإنها أعلام أي: أنها تطلق على الله، وهو سبحانه علم معروف بآياته وبنعمه وبجميع أنواع المعارف، فإنه لا يخفى أمره على أحد، ولذلك قرر الله هذه القاعدة لجميع العقلاء يقول: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠] فإذا كان كذلك فهو مسمى بأسماء هي أعلام على ذاته، وإن كانت هذه الأسماء تدل على صفات وأفعال، وتدل على معاني الكمال، فهي كذلك أوصاف من حيث مضامينها ومعانيها وحقائقها، فأسماء الله وصفاته حقائق لا مجازات، وهي حقائق لا رموز. خامساً: أنها توقيفية: فأسماء الله وصفاته وأفعاله على جهة التفصيل موقوفة على ما جاء به النص، فالعقول السليمة والفطر المستقيمة تدرك كثيراً من الكمالات لله على جهة الإجمال، فوجود الله وعظمته وكماله سبحانه، واتصافه بصفات الكمال، وأيضاً إدراك علمه وحكمته وسائر الصفات والمعاني الإجمالية تدرك أكثرها لله على جهة التفصيل ولا يمكن إدراك ما يليق بجلال الله إلا بما جاء به النص، وعلى هذا فهي توقيفية. سادساً: أن أسماء الله وصفاته وأفعاله غير محصورة، لأن له الكمال المطلق، ولكن جاءنا بخبر القرآن والسنة عن أسماء الله وصفاته بما يناسب أحوالنا ومداركنا، ولا يعني ذلك أن أسماء الله محصورة بما ورد، وحتى ما ذكره النبي ﷺ في الحديث الصحيح (أن لله تسعة وتسعين اسماً) لا يعني ذلك الحصر، إنما يعني ذلك ما يمكن أن يرد إلى مدارك عقول الناس وبتعبيرات وباللسان الذي خاطب الله به البشر، ولذلك فإن أسماء الله لا حصر لها، وكذلك صفاته وأفعاله، لأنه موصوف بالكمال، والكمال لا ينتهي. وأيضاً فإن ما نص عليه النبي ﷺ في نصوص كثيرة منها قوله ﷺ في الحديث أنه حينما يدعو ربه يقول: (أدعوه بمحامد يلهمني الله إياها) يلهمه من جديد، كذلك الدعاء الآخر الذي قال فيه النبي ﷺ : (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) فعلى هذا فإن الله استأثر في علم الغيب عنده، أي: حجبه عنا من أسمائه وصفاته وأفعاله ومحامده وكماله ما لا يحصى. هذه بعض القواعد وأهمها والتي ينبغي استحضارها في هذا المقام. وا

стр. 96

الأصل في إثبات الأسماء والصفات أن الأصل في إثبات الأسماء والصفات لله هو إثبات ما أثبته الله لنفسه، أو ما أثبته له رسوله ﷺ ، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ ، كل ذلك من غير تمثيل، والتمثيل يأتي بمعنى التشبيه والتجسيم وغيرها من المعاني التي تقتضي المماثلة، فالله تثبت له الأسماء والصفات والأفعال الواردة في الكتاب والسنة من غير أن يمثل ذلك بالخلق، أو يمثل الخلق بالله، فلا يجوز تمثيل الله بخلقه لا جزئياً ولا كلياً، ولا يجوز تمثيل أحد من الخلق بالله، فالتمثيل والتشبيه ممنوع من الطرفين، فلا يشبه الله شيئاً من خلقه ولا شيء من الخلق يشبه الله في الإجمال والتفصيل. ثم الإثبات يكون من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير أن ننفي عن الله الحقائق اللائقة به، بل يجب الإثبات على ما جاء في الكتاب والسنة، وأن ما نثبته لله من ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله حق على حقيقته على ما يليق بجلال الله، ولا يجوز أن يقال: هذا مجاز، ولا يؤول ولا يصرف عن معانيه، ولا يقال: إنه يقتضي التشبيه، أو لا بد فيه من قياس كل هذا لا يجوز إطلاقاً لأنه غيب، ولأن ما ورد من أسماء الله وصفاته هو كلام الله وكلام رسوله ﷺ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ولذلك جاءت هذه القاعدة في كتاب الله بكلمات معدودات، يجب على كل مسلم أن يستحضرها ويجعلها ميزاناً في قلبه، وهي قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) فلا يماثله شيء من مخلوقاته، ولا هو يماثل شيئاً من مخلوقاته، لا في الجملة ولا التفصيل، لا في العموم ولا في المفردات، ومع ذلك فهو السميع البصير، ولعل من حكمة الله حين بدأ بنفي التمثيل قبل الإثبات ليستقر في عقل المسلم وقلبه نفي المشابهة أصلاً قبل أن يثبت، فالمؤمن إذا استحضر أن الله ليس كمثله شيء ثم وردت إليه أسماء الله وصفاته، فإنه قد ثبت في قلبه وعقله القاعدة في أن الله لا يماثله شيء مطلقاً فمن هنا تسلم عقيدته وتسلم ذمته ولا يتكلم عن الله بغير علم، كل ذلك مع الإيمان بمعاني ألفاظ النصوص الواردة في الكتاب والسنة وهي حقائق لها معانٍ، وهذه المعاني حق فيما يجب لله وما يمكن أن تفسر بمعانٍ تخرج عن مقتضى الحقيقة اللائقة بالله ، وكل من حاول الخروج عن إثبات الحقيقة وقع في الهلكة والزيغ، وهذا ما حذر الله منه في قوله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧]، ولذلك ادعى كثير من المبطلين بأن أسماء الله وصفاته وأفعاله من المتشابه نعوذ بالله، كيف تكون من المتشابه! وهي حق بيّن وواضح كالشمس، لكنه اشتبه على أهل الفتنة وعلى أهل الزيغ، فظنوا أنه من المتشابه. إذاً: أسماء الله وصفاته وأفعاله ليست من المتشابه بل هي من المحكم البيّن ولها معانٍ وحقائق، لكنها تثبت على ما يليق بجلال الله، وما ينبغي لله من الكمال مع نفي المشابهة والتمثيل. الأصل الثاني: أن التمثيل والتعطيل في أسماء الله وصفاته زيغ وضلال، بل هو كفر، فمن اعتقد أن الله مثل خلقه، أو اعتقد أن أحداً من الخلق مثل الله فهذا كفر وزيغ وضلال، كما يكون من تأويلات الباطنية، وقد يكون بعض التأويلات التي وقع فيها بعض أهل الكلام الذين أولوا بعض أسماء الله وصفاته وأفعاله، إذا ما قصدوا بالتأويل إنكار حقائق أسماء الله وصفاته فهذا يكون من البدع والضلالات، كتأويلات نفاة الصفات من أهل الكلام، ومن ذلك ما يقع خطأ، وقد وقع من بعض أفراد السلف وأئمة السنة تأويلات غير مقصودة وليست منهجاً لهم، إنما هي زلات، فهذه صاحبها لا يكفّر ولا يضلل لكنه يرد إليه خطأه وهو من باب زلات العلماء. فإذا قلنا: إن التمثيل الخالص والتعطيل الخالص في أسماء الله وصفاته وأفعاله يعتبر كفراً وزيغاً وإلحاداً فما هو التمثيل الممنوع؟ التمثيل: هو تشبيه الله بالخلق أو تشبيه الخلق بالله، تشبيهاً يؤدي إلى أن يعتقد المشبّه أن الله مثل خلقه، أو أن الخلق أو بعض الخلق مثل الله. أما مسألة وجود التشابه اللفظي فهذه أشكلت على كثير من قليلي الفقه في الدين، الذين يجهلون عقائد السلف وفقههم حيث ظنوا أن مجرد المشابهة اللفظية الموجودة في أسماء الله وصفاته وموجودة أيضاً في بعض صفات الخلق تعني التمثيل، فهرب بعضهم إلى الإنكار زعماً منهم أن الإثبات يقتضي المماثلة وهذا خطأ، لأن التشابه اللفظي لا يعني التشابه في الحقيقة، فمثلاً: الله هو الحي، والمخلوق الذي فيه روح يسمى الحي، وهذا تشابه لفظي، فالله موصوف بالحياة والإنسان والحيوان الحي موصوف بالحياة، وليست الحياة مثل الحياة، فحياة الله كاملة لا يعتريها فناء ولا محدودية ولا نهاية، وحياة المخلوق لها بداية ونهاية. إذاً التشابه اللفظ

стр. 97

الإيمان بالملائكة الإيمان بالملائكة إجمالاً وتفصيلاً بحسب ما جاء في النصوص، فيجب على كل مسلم أن يؤمن إيماناً جازماً بأن هناك خلقاً من مخلوقات الله، اسمها الملائكة على جهة الإجمال، ثم ما ورد من اسم ملك أو وصفه أو عمله أو جنسه أو نوعه يجب أن نؤمن به، فما ورد في القرآن أو السنة فلا بد من الإيمان به في حق الملائكة جملة وتفصيلاً وفي أخبارهم وأحوالهم كله يجب الإيمان به. فالملائكة خلق من خلق الله، لهم وجود حقيقي وهم عقلاء، عباد لله مسخرون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لكنهم غير مبتلين بالابتلاء الذي يبتلى به الجن والإنس، فهم خُلقوا للطاعة، ولذلك كانوا كراماً. وما صح به الدليل لا بد من الإيمان به من أسمائهم، فممن وردت لنا أسماؤهم مثلاً: جبريل وهو ملك الوحي، وميكائيل وإسرافيل ومالك ورضوان وهاروت وماروت، وأيضاً ورد أن لهم أعمالاً مجملة وأعمالاً خاصة، فمنهم: حملة العرش، وهم من أعظم الملائكة خلقاً وعملاً، ومنهم ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وملائكة الوحي والمطر ومنهم الكرام الكاتبين الذين يصاحبون كل إنسان ويتعاقبونه، فكل إنسان موكل به أربعة ملائكة إلى أن يموت، اثنان في المساء واثنان في الصباح، وكذلك لهم أوصاف تعمهم وأوصاف تخصهم فهم ذوا أجنحة مثنى وثلاث ورباع وأكثر من ذلك، ولهم مشاركات للمؤمنين يشاركونهم في الجهاد، ويشاركونهم بحضور مجالس الذكر، وهم يحبون المؤمنين ويسددونهم بإذن الله، ويحفظونهم بأمر الله، وهؤلاء الملائكة لهم حقوق يجب أن يراعيها المسلم، ومن ذلك ما ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن أكل ما يؤذي الملائكة خاصة في المساجد كالثوم والبصل والكراث، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم، فهذه الحقوق والرعاية، يجب دائماً أن يستحضرها المسلم، كما يستحضر أيضاً رقابة الله له، وليعلم أن الله رقيب عليه، وهذا معنى الإحسان الذي ذكره النبي ﷺ في حديث جبريل، وهو: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، ومن حكمة الله أن جعل معنا من المخلوقات رقباء من أهل الفضل والكرم لهم حق وهم في منتهى العبادة والخضوع والذل والعبودية لله تعالى، فيجب أن يستحي منهم الإنسان، ولذلك ورد في وصف عثمان ﵁ أنه تستحيي منه الملائكة؛ لأنه حيي، فتبادلت معه الملائكة هذا الشعور، وكذلك يجب على كل مسلم أن يراعي حضور هؤلاء الكرام.

стр. 98

الإيمان بالكتب المنزلة الأصل الثالث: الإيمان بالكتب المنزلة، وهي الكتب التي أنزلها الله على الأمم بواسطة الرسل والأنبياء، والتي شرع الله فيها الدين والعقيدة والشرائع لكل أمة، وجعل هذه الكتب مرجعاً لتحكيم شرع الله وتحقيق رضاه والسعادة للبشرية في الدنيا والآخرة. وهذه الكتب المنزلة منها ما سمي وذكر لنا، فيجب أن نؤمن أنه حق قبل التحريف، مثل: التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم ونحوها مما ورد في النصوص، وهذه الكتب حق وتضمنت عقيدة صافية وشرائع لكل أمة بحسب ما شرع الله لها من مصالحها، وهذه الكتب كانت سليمة ثم دخلها التحريف والتبديل، ولذلك نسخها الله بالقرآن، والكتب الباقية منها كالتوراة والإنجيل لا تزال تشتمل على شيء من الحق، ولذلك لا ترد رداً كلياً إنما تُعرض على ما جاء في القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ ، فما وافق الحق فهو حق، وما لم يوافق الحق فهو باطل مما أدخله المحرّفون، وعلى هذا فهذه الكتب نحترمها بأصلها، لكن حينما حُرّفت وبُدّلت، نسخها الله وجعل القرآن هو المهيمن والناسخ لها، والقرآن هو أفضلها وأشملها وما قبله طرأ عليه التحريف، ولذلك يجب اتباعه دون ما سبقه من الكتب. وإن اشتملت هذه الكتب على الحق إلا أن الحق الذي فيها جاء وافياً في كتاب ربنا وفي سنة رسولنا ﷺ ، ونظراً لأنه اختلط الحق فيها بالباطل فإن الرجوع إليها يلتبس على المسلم، ولذلك نهى النبي ﷺ نهياً جازماً قاطعاً حازماً عن أن نجعل هذه الكتب مرجعاً نرجع إليه في ديننا أو في مصالحنا.

стр. 99

الإيمان بالأنبياء والرسل ويعني ذلك ما قيل في الملائكة والكتب، وهو أن نؤمن بأن الله بعث رسلاً وأنبياءً أقام بهم الحجة على الخلق، وأنهم معصومون وهم أفضل البشر على الإطلاق، وأنهم صلوات الله وسلامه عليهم بلغوا الأمانة وأدوا الرسالة ونصحوا الأمة، وأن منهم عدداً كبيراً ورد في بعض الآثار التي تصل إلى درجة الحسن أن عددهم (١٢٤ألفاً)، وأن عدد المرسلين ثلاثمائة وبضعة عشر، وهذا يدل على أن الرسل هم خاصة الأنبياء، وهم أفضل من الأنبياء، وأن الأنبياء في الغالب تبع للرسل وهذا في الجملة، وأفضل الرسل والنبيين هم أولو العزم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ ، وهؤلاء الرسل يجب في حقهم الاحترام والتقدير ويجب حماية جنابهم من أن يقدح بهم أو أن يلمزوا أو يتنقص من قدر أحد منهم، فنؤمن بهم جميعاً ولا نفاضل بينهم المفاضلة التي تؤدي إلى العصبية لكنا نعلم قطعاً أنهم يتفاضلون، فأفضلهم جملة أولو العزم من الرسل، وأفضلهم على سبيل الإفراد هو نبينا محمد ﷺ ، بل هو أفضل الخلق على الإطلاق، ولذلك آتاه الله ما لم يؤتِ أحداً من العالمين، وهو صاحب المقام المحمود في القيامة، والشفاعة العظمى التي لا يمكن أن يحظى بها غيره. ثم نأخذ جهة الإجمال والتفصيل، فكل ما صح عن أخبار هؤلاء الأنبياء وأوصافهم وأحوالهم فإنه يجب الإيمان به، وكذلك من جاء اسمه أو وصفه بمفرده يجب الإيمان به إذا صح عن النبي ﷺ ، ومع ذلك يبقى الإيمان بسائرهم إجمالاً ولا يجوز أن نشك في نبوة أحد منهم. وهنا أحب أن أنبّه إلى بدعة وضلالة وقع فيها الكثير خاصة أصحاب النزعة العقلانية الفلسفية الذين يستكبرون ويتعالون عن النبوة والأنبياء، ولديهم شيء من الاغترار بعقولهم في مجال تقرير الدين والغيبيات، ويزعمون أن عيسى ﵇ ليس نبياً إنما هو داعية مصلح ومجدد لدين موسى، وهو كذلك ولكن لا يعني ذلك أنه ليس بنبي، بل هو من أولي العزم من الرسل، وله من الخصائص ما ليس لغيره أيضاً، وقد خص الله عيسى ﵇ بخصائص ليست في غيره، لكن هذه الخصائص لا تجعله أفضل النبيين، فإنها خصائص في خصال محدودة معلومة. وهناك قاعدة أخرى وهي تبع للإيمان بالأنبياء والكتب وهي: الإيمان بأن الوحي قد انقطع بعد محمد ﷺ ، ومن ادعى أنه ينزل إليه وحي أو يأتيه شيء بمقام الوحي فيحل ما حرم الله أو يحرم ما أحل الله، أو يشرّع عقيدة أو عبادة أو نحو ذلك من أمور الدين بدعوى أنه بمنزلة الوحي كل ذلك من الضلال، فالنبي ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين، واعتقاد خلاف ذلك ضلال مبين وخروج من الإسلام.

стр. 100

الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما صح عن اليوم الآخر جملة وتفصيلاً، ومن ذلك أشراط الساعة التي تسبق اليوم الآخر، كـ الدجال، والمهدي المنتظر، وخروج الشمس من مغربها، والخسوفات الثلاثة، ونزول عيسى ﵇، والملاحم التي تحدث مما ورد في الأخبار كل ذلك يجب الإيمان به؛ لأنه بداية اليوم الآخر وهو إيذان بنهاية الدنيا، وكذلك ما ورد في اليوم الآخر ابتداءً من الموت، والقبر وأحواله، عذابه ونعيمه، والحياة تسمى الحياة البرزخية، الحياة وتفاصيلها التي وردت في الكتاب والسنة قبل البعث كلها جزء من اليوم الآخر فيجب الإيمان بها كما ثبتت، ثم البعث والنشور والحشر، والصحف، والصراط، والميزان، والحوض وغير ذلك مما ثبت به الشرع يجب الإيمان به حقيقة، وأنه حق كما ورد، ولا يجوز تأويله ولا تحريفه عن معانيه. كذلك يدخل في هذا: الإيمان بالجنة وبنعيمها وما ورد فيها بالتفصيل، وأعظم النعيم فيها رؤية المؤمنين لربهم في الجنة بأعيانهم، نسأل الله أن يمتعنا جميعاً بذلك في الجنة. كذلك اليقين بعذاب النار وما ورد فيه من تفاصيل.

стр. 101

الإيمان بالقدر ما أكثر الذين زلّوا في القدر، إما من باب الوساوس والأوهام أو العقائد الباطلة أو تقليد الأمم فيما قالوه وما زعموه في القدر، كل ذلك مما حدث في كثير من طوائف الأمة التي خرجت عن سبيل المؤمنين، والإيمان بالقدر يعني: أن تؤمن بأن الله قدّر كل شيء من الخير والشر ابتلاء وفتنة، كما قال : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]. وعلى هذا فإن الإيمان بالقدر لا بد له من قواعد؛ لأن من تصور هذه القواعد حتى ولو لم يمكن طالب علم ولا عالماً؛ لأن مسائل القدر قد تكون صعبة، لكن مع ذلك فإن أصولها ومبادئها الأساسية التي تعبدنا الله بها سهلة، ولذلك سأركّز على هذه الجوانب السهلة.

стр. 102

مراتب القدر إن مبنى الإيمان بالقدر يكون على أربع مراتب، وهذه المراتب إذا تصورها المسلم سهل عليه الكثير مما يرد من أمور القدر: المرتبة الأولى: العلم، بأن تؤمن وتوقن بأن الله بكل شيء عليم، ما كان وما يكون وما سيكون لو كان كيف يكون، فكل ما يحدث في الخلق من صغير وكبير فالله به عليم، ولذلك فقد أشار الله لمثل هذا على سبيل تعميق علم الله في قلب المسلم فقد ذكر سبحانه بأنه عليم بذات الصدور، بل إن الله أنكر على الذين شكوا في بعض علم الله، فقال سبحانه: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] هل يعقل أن يخلق وهو لا يعلم؟ هل يعقل أن من يخلق وهو الله يخفى عليه شيء مما خلق؟ بل لابد أن يسبق الخلق علم كامل، ويصاحب الخلق ويلحق بالخلق، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض المرتبة الثانية: الكتابة، وهي أن يعتقد المسلم كما ثبت في النصوص أن الله كتب مقادير كل شيء على الإطلاق من صغير وكبير، ماضٍ ومستقبل. المرتبة الثالثة: أن كل شيء بمشيئة الله وبتقديره فكل شيء يحدث في الكون فهو بمشيئة الله، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون شيء إلا بتقديره ومشيئته. المرتبة الرابعة: الإيمان والجزم بأن الله خالق كل شيء، فقد قدر وخلق الخير والشر، كما قال سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٢٥] وهذا نقرره لنفي شبهة قد ترد في أذهان بعض الناس وقد يوسوس بها الشيطان عليهم، وهي: هل يمكن أن الله يخلق الشر؟ هذا ناتج عن جهل، والله قدّر الشر ابتلاء وفتنة، فهو في حقه حكمة؛ لأنه لا يتميز الخير من الشر، والهدى من الضلال، ولا يتميز الصالح من الطالح إلا بوجود الابتلاء بالشر والخير، وأن الله قدّر الخير والشر وخلقهما، بإرادته سبحانه من باب الابتلاء والفتنة.

стр. 103

الهداية والإضلال بيد الله تعالى ثم يتفرع عن هذا مسألة أخرى تسهّل موضوع القدر، خاصة في جانب يشكل على كثير من الناس، وهو جانب الهداية والإضلال، ونحن نعلم أن الله يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، وأنه سبحانه لا راد لفضله ولا معقّب لحكمه، ولكن قد يأتي الشيطان ويخنس ويوسوس لبعض الناس، ويقول له: إذا كان الله قدّر الضلالة على بعض الخلق فكيف يحاسبون؟ هذا يحتاج إلى شيء من التوازن بين قضيتين إذا وازنا بينهما زالت هذه الشبه، وهذا التوازن هو مقتضى النصوص، وهو أن الله حينما قدر الهداية لبعض العباد وقدر لهم الخير، ووعدهم بالفضل والجنة فإن ذلك مبني على علمه سبحانه بماذا سيصنعون، فالله علم أن هؤلاء من البشر ومن الجن سيعملون خيراً، وسيختارون طريق الهدى والخير، فقدر لهم ذلك، وبنيت أحكامهم على ذلك. إذاً: فالله قدر الخير والهدى، فأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وبيّن طريق الخير والهدى، وجعل عند الإنسان التمييز فيه، وأقدره على فعل الخير، وأمره به، وحثه عليه، ووعده عليه. ثم إنه قدر الضلالة ونهى عنها وبين خطرها، وحذر منها، وأقدر العباد عليها ابتلاء وفتنة، ثم توعدهم بعد ذلك وتحقق عليهم الوعد. فالله جبل المكلفين على الحق والهدى، وجبلهم على قبول الضلالة، وهذا أمر قدري، ولذلك قال الله : ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠]، وقال : ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣] ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] بعدما قرر الله أمور الهداية. هذه المشيئة مبنية على بيان طريق الحق بوضوح، وطريق الباطل بوضوح، وإعطاء الإنسان الفسحة والاختيار، فإن اختار طريق الضلالة باختياره فليتحمل مسئولية ذلك، وإن اختار طريق الهداية فهو موعود بالخير وهذا كله في سابق علم الله؛ لأن بعض الناس قد يقول: ورد في الحديث أن الله يرسل ملكاً عند بلوغ الإنسان مائة وعشرين يوماً يكتب مقاديره، ومنها: شقي أو سعيد، ولذلك حينما ذكر النبي ﷺ هذا الحديث للصحابة، قال الصحابة: ففيم العمل ما دام قد كُتب قبل أن ننشأ في الدنيا؟ قال ﵊: (اعملوا فكل ميسر لما خُلق له) فهذا ناتج عن علم الله السابق بماذا سيصنع هذا الإنسان، فالله علم في سابق علمه ماذا سيفعل هذا الإنسان فقدّر ذلك على ضوء ذلك، أما أن يكون تحكماً فلا؛ لأن الله لا يمكن أن يظلم العباد ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، فيجب أن نوقن بعدل الله وحكمته وهنا يستريح المسلم.

стр. 104

الأسئلة

стр. 105

صفات الله تعالى كمال من جميع الوجوه السؤال قد تكون هناك بعض الصفات مثل صفة المكر، هي نقص للمخلوقين وكمال لله، فكيف تكون مثل هذه الصفات؟ الجواب ورد وثبت أن الله يمكر بالماكرين وبالمنافقين وبالمستهزئين ومن يستحقون المكر، فهذا سياقه كما ورد عن السلف، أما الألفاظ التي لو أُفردت صارت نقصاً فإنها إذا جاءت في سياق لا يقتضي النقص فإنها تُثبت كما جاءت، فمثلاً: ذكر المكر بالكافرين وذكر المكر بالمنافقين والمستهزئين كما ورد في النصوص جاء على سبيل المجازاة لهم على مكرهم، فهذا إذا جاء بسياقه فإنه يدل على كمال، لكن لا تفرد كلمة (مكر) في حق الله ، لكنها تساق كما جاءت في سياقها العام، فهي جاءت على سبيل مجازاة المنافقين على مكرهم، وهذا أمر يعتبر كمالاً في حق الله ، وكذلك بقية الصفات والأفعال التي تأتي على سبيل المجازاة والمقابلة في أفعال البشر، فإنها تثبت بسياقه على ما يليق بجلال الله سبحانه ولا تثبت مفردة بشكل يقتضي النقص.

стр. 106

إحصاء الأسماء الحسنى السؤال ما يتعلق بالأسماء والصفات علمنا حديث الرسول ﵊: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) فهل التسعة والتسعون اسماً هذا ليس للحصر، لكن قوله: (من أحصاها) كيف يكون هذا الإحصاء؟ الجواب قول النبي ﷺ : (من أحصاها دخل الجنة) هذا كلام مجمل، فلو أخذناه بعموم معانيه وربطناه بما ورد من الوعد وما ورد من النصوص في حق المؤمن فيدخل في إحصائه الإحصاء الذي يتضمن الإيمان بها، والتأثر بمعانيها، أما الذي يتضمن أثرها على قلب المؤمن من حيث تعظيمه لله ومحبته ورجائه وخوفه، ومن حيث التعلق بالله من خلالها، فإن من أحصاها على هذا النحو فإنه يكون من الناجين وأهل الهدى، فتضمن له الجنة من باب أنه سلك طريق الجنة. أما من أحصاها سرداً دون أن يعي معانيها، فإن المنافق قد يعدها سرداً، فإذاً لا بد في مثل هذه النصوص أن ترد للنصوص الأخرى وهو أن المقصود إحصاء التدبر، وإحصاء الإيمان، وإحصاء التعظيم لله والتعلق به، ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] فمن هنا يكون الإحصاء على هذا النحو وهو الذي وعد به النبي ﷺ الجنة.

стр. 107

معنى قوله في الحديث: (أو استأثرت به في علم الغيب عندك) السؤال ما معنى قولنا في الدعاء: أو استأثرت به في علم الغيب عندك؟ الجواب معناها ما لم تبلّغنا به. فقوله: (استأثرت) أي: حجبته عندك، وما حجبته عندك من أسمائك أو صفاتك وكمالاتك مما لم تبلغه الخلق، ولذلك فإن الخلق كلهم بما فيهم النبيين وبما فيهم أفضل الخلق النبي ﷺ لم يتبلغ بجميع كمالات الله ، والدليل على ذلك أنه في مقام الشفاعة في يوم القيامة يقول: (فيلهمني الله بمحامد) أي: لم يكن يعرفها في الدنيا فيدعوه بها.

стр. 108

الاهتمام بالتوحيد العلمي الاعتقادي السؤال هل نحفظ التوحيد العلمي الاعتقادي مع الشرح؟ الجواب ينبغي أن يحرص المسلم على حفظ أساسيات ما يتعلق بالتوحيد العلمي الاعتقادي، وهو المتمثّل في أسماء الله وصفاته على جهة الإجمال، وقواعدها الأساسية، أما التفاصيل فقد لا يكون للفرد المسلم فيها حاجة، وكذلك ما يتعلق بأركان الإيمان وبعض تفاصيلها، وهناك كتب مخصصة في هذه الأمور وحفظها يكون سهلاً، وهي موجزة مثل: متن الطحاوية، ومثل: لمعة الاعتقاد وغيرها من المتون.

стр. 109

نفخ الله في آدم وعلاقته بالأسماء والصفات السؤال هل نفخ الله في آدم من روحه وأسجد له ملائكته؟ وما علاقة ذلك بالأسماء والصفات؟ الجواب نعم، الله نفخ في آدم من روحه، وكذلك في عيسى ﵇، والروح هنا هي الروح المخلوقة، ونسبة الروح إلى الله كنسبة الخلق إلى الله، ولا يعني (من روحه) أنه أخذ صفة القداسة، فالروح لا تعني النفس والذات، فكلمة (روح) مجملة، وهنا أضيفت إلى الله إضافة تكريم، فالله كرم آدم بأن نفخ فيه من روحه التي هي من خلق الله، وكذلك عيسى ﵇.

стр. 110

علاج الوساوس في العقيدة السؤال بالنسبة للوساوس التي تحدث للإنسان حينما يأتي للخلق مثلاً من الذي خلق كذا؟ ثم تتدرج في المسألة إلى أن يقول: من الذي خلق الله ؟ الجواب إذا جاءت مثل هذه الأوهام فينبغي أن تعرض على طالب علم أو عالم ولا تعرض على عامة الناس؛ لأن هذه مداخل للشيطان على كثير ممن قد يكونون في عافية من هذه الأمور، فأحياناً مجرد إنشاء السؤال على ملايين الناس أو على آلاف الناس بهذه الصورة قد يحدث في قلوبهم شكوك، أما بقية الأسئلة والإشكالات في العقيدة فأرى أن عرضها مناسب، لكن هذا السؤال بالذات وما يشابهه، والتي لا تليق بالله أو توهم النقص في حق الله فالأولى أن الإنسان يسأل عنها أقرب عالم أو أقرب طالب علم. وهذه الأوهام والوساوس ما دامت مجرد عوارض فهي لا تضر، والصحابة ﵃ شكوا مثل ذلك إلى رسول الله ﷺ ، وأنهم قد يجدون مثل هذه الأمور لكنهم أنكروها، فقال ﵇: (ذاك صريح الإيمان) بمعنى أنهم وجدوا الإنكار والاشمئزاز من هذه الأفكار، ولذلك ورد عن النبي ﷺ أنه قد يأتي الشيطان ويقول للإنسان مثل ما قال السائل تماماً، وهذا مما يدل على أن النبي ﷺ ما ترك شيئاً في نصح الأمة إلا وذكره، كما يجب على الإنسان أن يعود إلى أصل الإيمان بالله ويقول: آمنت بالله ثم يستقيم، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويبتعد عن أسباب الأوهام والوساوس، ويخلص قلبه إلى ربه بالتمجيد والتسبيح والذكر والتهليل، ويصرف قلبه إلى التفكر في آلاء الله ونعمه عليه، وليكثر من التعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإن ذلك لا يضره إن شاء الله، فإذا عمل بهذه الوسائل والأسباب فإنه لا يضره، ولو قدّر الله وبقيت هذه الأوهام فقد تكون من الوساوس التي تحتاج إلى علاج بالرقية أحياناً فالذين يبتلون بمثل هذه الأمور وتستقر في نفوسهم عليهم أن يراجعوا الأطباء المختصين، فإن كثيراً من الأدوية بإذن الله حاسمة لمثل هذه الأمور، وبعض المسلمين قد يهمل نفسه ظناً منه أن مراجعة الطبيب لا تليق، وهذا خطأ بل هو من عبث الشيطان نفسه، والرسول ﷺ قال: (تداووا عباد الله) وخير التداوي ما تداوي به قلبك وإيمانك، فإذا شعر المسلم بشيء من هذه الأوهام والوساوس في أي أمر من أمور العقيدة سواء في الله أو في غير ذلك واستخدم الأسباب الشرعية والأوراد والذكر والرقية ولم تنفع فيجب عليه أن يراجع الطبيب، وبإذن الله ينتهي بمدة قصيرة، وبعض الناس يظن أنه يحتاج إلى علاج مزمن وأنه يحتاج إلى مراجعة العيادات، وهذا كله أوهام إلا النادر، والنادر لا حكم له، فيجب أن يراجع طبيباً مختصاً، وسوف يجد في ذلك العافية، ويرجع إلى طبيعة إيمانه وإلى حقيقة العقيدة إن شاء الله.
следующие страницы →