Полный текст (196 стр.). Показаны 176–196 · переход к 181.
стр. 176
حقيقة شخصية الحلاج وحكم من اعتقد عقيدته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فبعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا، وقد وصلنا في آخر المجلد الثاني من فتاوى شيخ الإسلام إلى صفحة (٤٨٠) وموضوع اليوم هو موضوع يشابه الموضوعات السابقة، لكنه في شخصية من الشخصيات الشهيرة من أصحاب الحلول، وهو أول رجل أعلن الحلول الكفري الإلحادي في تاريخ الأمة على نحو سافر، وأصر على ذلك، ودعا له وصار له أتباع، وفتن به طوائف من أهل الأهواء والبدع إلى يومنا هذا، وهو الحلاج، ولذلك سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الحلاج فأجاب بهذا الجواب المنهجي العلمي المركز، وهو بمثابة الإعلان عن منهج السلف تجاه مثل هذه الظواهر، ومثل هؤلاء الأشخاص الذين يشذون بأفكار ومبادئ في الأمة، ويفتن بهم الناس، وما أشبه الليلة بالبارحة، وسترون من خلال كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أن الأمة ابتليت في أغلب عصورها بعد القرن الثالث الهجري بطوائف، تتباكى على أهل الأهواء والبدع وتنتصر لهم، فنرى ماذا سيقول شيخ الإسلام في هذا الأمر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [سئل شيخ الإسلام قدس الله روحه: ما تقول أئمة الإسلام في الحلاج؟ وفيمن قال: أنا أعتقد ما يعتقده الحلاج، ماذا يجب عليه؟ ويقول: إنه قتل ظلماً كما قتل بعض الأنبياء، ويقول: الحلاج من أولياء الله، فماذا يجب عليه بهذا الكلام؟ وهل قتل بسيف الشريعة؟].
في هذه الشبهة عدة قضايا، وهي دائماً بمثابة السمات لأهل الأهواء في كل زمان، فمثلاً: هذا المفتون صرح بأنه يعتقد ما يعتقده الحلاج، من هنا يظهر الخلل بوضوح من خلال ربطه دينه برجل من الناس، ثم إن هذا الإنسان الذي ربط دينه به ليس من أهل الصلاح والتقوى والاستقامة، وهذا يعطينا درساً وعبرة بأنه ينبغي للمسلم دائماً ألا يرتبط في مسألة الاقتداء في الدين والاعتقاد إلا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولا يبالغ في القدوة المطلقة، لا يرتبط بالقدوة المطلقة إلا بالرسول ﷺ ، نعم، الأئمة المهتدون يقتدى بهم، لكن لا على سبيل التسليم المطلق، بمعنى أن نعتقد فيهم العصمة، فإن هذا الإنسان لما قال: أعتقد بما يعتقده الحلاج اعتقد فيه العصمة، وإلا على الأقل كان عليه أن يقيد كلامه ويقول: فيما هو عليه من الحق، إن كان اشتبه عليه الأمر، ويظن أنه على حق.
ثم إنه أيضاً لما صرح بأنه قتل ظلماً كما قتل بعض الأنبياء، فإن هذا فيه تلبيس، وفيه قلب للموازين، كما يفعل أهل الأهواء، وهذه سمة من سمات أهل الأهواء، تجدهم يقلبون الموازين، وهذا الرجل المفتون كان عليه أن يسأل نفسه: من الذي أصدر الأمر وحكم بقتله؟ لو تأمل لوجد أن الذين حكموا بقتله هم خيار الأمة، فهل يعقل أن خيار الأمة يحكمون بقتل رجل مثل بعض الأنبياء أو على نهج الأنبياء؟ هذا أمر لا يعقل أبداً، ولا يستقيم لا عقلاً ولا شرعاً.
ثم أيضاً نجد من سمات أهل الأهواء، وهذا الظاهر في مثل قوله: الحلاج من أولياء الله، نقول: ما مستنده في أنه ولي لله؟ هذا عنده أحد أمرين: الأول: إما أنه زائغ ملحد يفسر الكفر والإلحاد بالولاية لله، وهذا مذهب الكثيرين من أهل الديانات الباطلة، كلهم يعتقدون الولاية على هذا النحو، يعني: يصرفون الولاية لرءوسهم الزنادقة، رءوس الفلاسفة الملاحدة خصوم الأنبياء، ويوصفونهم بأنهم أولياء.
الثاني: أو أنه جاهل مركب، فكان عليه ألا يسلم هذا التسليم الأعمى؛ لأن الله أمر الجاهل بأن يتعلم ويسأل أهل الذكر، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].
إذاً: من خلال ادعاء هذا الرجل المفتون أنه يعتقد ما اعتقده الحلاج تبين لنا سمات أهل الأهواء قديماً وحديثاً، وأن هذا منهجهم، يتعلقون بالأشخاص، ثم يلبسون على الناس، وربما أيضاً يدخلون مذاهبهم الإلحادية من خلال هذه المبادئ وهذه الأصول الباطلة.
قال رحمه الله تعالى: [فأجاب: الحمد لله، من اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التي قتل الحلاج عليها فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين؛ فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول والاتحاد ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والإلحاد، كقوله: أنا الله، وقوله: إله في السماء وإله في الأرض.
وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا إله إلا الله، وأن الله خالق كل شيء، وكل ما سواه مخلوق و ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣].
وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١] الآيات.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا
стр. 177
الرد على القائلين بأن الله نطق على لسان الحلاج
قال رحمه الله تعالى: [ومن قال: إن الله نطق على لسان الحلاج، وإن الكلام المسموع من الحلاج كان كلام الله، وكان الله هو القائل على لسانه: أنا الله، فهو كافر باتفاق المسلمين، فإن الله لا يحل في البشر، ولا تكلم على لسان بشر، ولكن يرسل الرسل بكلامه، فيقولون عليه ما أمرهم ببلاغه، فيقول على ألسنة الرسل ما أمرهم بقوله، كما قال النبي ﷺ : (أما إن الله قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده).
فإن كل واحد من المرسل والرسول قد يقال: إنه يقول على لسان الآخر، كما قال الإمام أحمد بن حنبل للمروذي: قل على لساني ما شئت.
وكما يقال: هذا يقول على لسان السلطان كيت وكيت، فمثل هذا معناه مفهوم.
وأما أن الله هو المتكلم على البشر كما يتكلم الجني على لسان المصروع].
هنا عبارة ينبغي أن تدرج وهي (لسان) في قوله: وأما أن الله هو المتكلم على لسان البشر حتى تستقيم العبارة.
قال رحمه الله تعالى: [وأما أن الله هو المتكلم على [لسان] البشر كما يتكلم الجني على لسان المصروع، فهذا كفر صريح، وأما إذا ظهر مثل هذا القول عن غائب العقل قد رفع عنه القلم؛ لكونه مصطلماً في حال من أحوال الفناء والسكر، فهذا تكلم به في حال رفع عنه فيهما القلم، فالقول وإن كان باطلاً، لكن القائل غير مؤاخذ.
ومثل هذا يعرض لمن استولى عليه سلطان الحب مع ضعف العقل، كما يقال: إن محبوباً ألقى نفسه في اليم، فألقى المحب نفسه خلفه، فقال: أنا وقعت فلم وقعت خلفي؟ قال: غبت بك عني فظننت أنك أني.
وقد ينتهي بعض الناس إلى مقام يغيب فيه بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته.
فإذا ذهب تمييز هذا وصار غائب العقل بحيث يرفع عنه القلم لم يكن معاقباً على ما تكلم به في هذه الحال، مع العلم بأنه خطأ وضلال، وأنه حال ناقص لا يكون لأولياء الله].
هذه المسألة تكررت، وأيضاً تكرر التنبيه على أن شيخ الإسلام يحاول أن يعذر الذين تظهر على ألسنتهم أقوال إلحادية أو أفعال إلحادية أو اعتقادات إلحادية، وهذا الصنف الذي يرى أنه يعذر هو الصنف الذي يتجه إلى العبادة اتجاهاً خاطئاً، يتبع نهج عباد الأمم الذين ينهجون في العبادة مناهج بدعية، مثل: إرهاق النفس بالجوع والعطش والسهر والتأمل وغير ذلك، فيصل الأمر إلى أن يخلط الإنسان ويكون عنده ما نسميه بالهستيريا أو نحو ذلك مما يعتري البشر بسبب هذه المناهج البدعية.
فالشيخ يذكر أن من تظهر منهم كلمات بدعية كفرية أو إلحادية أو أقوال أو أفعال تقتضي الخروج من الملة وهم على هذه الحال، فإنا لا نحكم عليهم بذلك، وإن كانت أقوالهم إلحادية، وإن كان المسلك الذي سلكوه في الوصول إلى هذه الحال مسلكاً بدعياً، وهو مقام ما يسمونه: الفناء بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعرفته عن معروفه.
يعني: أن الإنسان يفقد وعيه في توجهه إلى العبادة على انحراف، وأنه يغيب عقله، ويقع فيما يسمونه: السكر التعبدي العبادي أو التحنثي، لا السكر الحقيقي الفعلي.
فالشيخ كثيراً ما يعتذر لهذا الصنف، لكن الذي ينبغي أن نفهمه جيداً أنه لا يسيغ كلامهم أبداً، ولا يمرر كلامهم أو يتكلف له، بل يقول: هذا كلام إلحادي كفري.
إذاً: غاية ما يحصل من شيخ الإسلام أنه يعذر هؤلاء ولا يحكم على أعيانهم بالكفر، أما أقوالهم الكفرية ومناهجهم فإنه يبدعها كما سمعتم.
стр. 178
كذب وافتراء ما يحكى من ظهور كرامات للحلاج عند قتله
قال رحمه الله تعالى: [وما يحكى عن الحلاج من ظهور كرامات له عند قتله، مثل: كتابة دمه على الأرض: الله الله، وإظهار الفرح بالقتل أو نحو ذلك، فكله كذب].
وقد ذكر الشيخ وغيره من أئمة السنة أنه أحياناً يقع مثل هذا من عبث الشيطان بالناس، ومن أجل استحواذ الجن والشياطين عليهم، ففي مثل هذه المواطن مواطن الفتنة يوقعونهم في شبهات وإشكالات، فقد يسمعون أصواتاً ويظنونها أصوات ملائكة، وقد يحدث للشخص مثل ما زعموا أنه حدث للحلاج أن دمه صار على شكل فيه صور حروف أو أشكال حروف، وقد تحدث خوارق يفتن بها الحاضرون ممن ليس على السنة والاستقامة، وتنسب على أنها نصر لهذا المقتول الذي أقيم عليه الحد، أو نصر لمذهبه، وهذا من الفتنة والابتلاء.
وما يحكى عن الحلاج كله كذب؛ لأن قصة قتل الحلاج شهدها فئام من المسلمين، بما فيهم الذين أقاموا الحد عليه، ومنهم قضاة كانوا معه إلى آخر لحظة، والسيف على رقبته وهم يستتيبونه، ومع ذلك يقرر الإلحاد، وهذه الصورة تكررت في التاريخ الحديث، فمنذ سنوات ليست بالبعيدة ظهر متنبئ كذاب في السودان اسمه محمود طه، ودعا إلى مبادئ، منها: أنه جاء بإسلام جديد، وأن الإسلام الذي جاء به الرسول ﷺ هو الإسلام الأول، والإسلام الثاني هو الإسلام الحديث الذي جاء به هو، واختصر الصلوات، وشرع للناس تشريعات، وربط مذهبه بطرق صوفية، وربط مذهبه بحزب سياسي، وفتن به عدد من شباب الأمة، حتى أذكر أنه قال لي بعض من يعرفون الوضع جيداً في السودان: إنه انتمى إلى الحزب الكفري الإلحادي الذي يقوم على الردة ودعوى النبوة يعني: عدد الذين انضووا إليه يعد بالملايين، فهذه فتنة، واحتسب عليه بعض أهل الحسبة جزاهم الله خيراً وأقاموا عليه الحجة وناظروه، فأصر على الباطل واجتمع أهل العلم والفقهاء وشكلت له لجنة قضائية فاستتابوه فلم يتب، وأخبروه بأن موقفه هذا يقتضي الردة، وأنه سيقتل ردة، فأصر، وعرض على السيف، فأصر على باطله إلى آخر لحظة، والناس من حوله يخوفونه بالله ويلقنونه ويستتيبونه، فلم يتب، فقتل على بدعته وعلى كفرياته، فنسأل الله السلامة.
فمثل هذا استحوذت عليه الشياطين، وهيمنت على جميع تصرفاته، حتى إنه لا يدرك مدى الخطر الذي يقع فيه، وربما تزين له أنه سيقدم على الجنة، وهو مقدم على النار، كما ورد عن الدجال أنه كان يموه على الناس فيريهم أن معه جنة وناراً والأمر عكس ما يريهم.
فالمهم أن موقف الحلاج ليس بغريب من إصراره على الكفر إلى آخر لحظة، وأعود إلى موطن الشاهد وهو أن الذين حضروا مشهد قتل الحلاج هم جماعة من العلماء الثقات وغيرهم، وما نقلوا أنه كتب من دمه هذه الكلمات، ولو شوهد لنقل وفسر بالقاعدة الشرعية المعروفة: أن هذه فتنة وابتلاء، وأنه لابد أن يكون من عمل الشياطين ومن عمل الجن؛ لأنه لا يعقل لإنسان يلحد أن يكرم بهذه الكرامة، وإنما إن حصلت فتكون من الابتلاء ولا شك؛ لأن الله تكفل بحفظ الدين وضمن بيان الدين، فلا يمكن أن يلتبس الدين على الناس، وتأتي هذه الحكايات فتكون دليلاً وحجة في دعوى أن هؤلاء على الحق، أبداً هذا لا يمكن.
إذاً: ما يكون في مثل هذه الحالات المشبوهة من مظاهر وخوارق وما يشبه الكرامات فهي من عبث الشياطين، ومن الابتلاء الذي يبتلي الله به العباد؛ لأنهم توكلوا واعتمدوا على غير الله، فوكلهم الله إلى غيره، فوقعوا في الفتنة، نسأل الله العافية والسلامة.
قال رحمه الله تعالى: [وما يحكى عن الحلاج من ظهور كرامات له عند قتله مثل: كتابة دمه على الأرض: الله، الله، وإظهار الفرح بالقتل أو نحو ذلك فكله كذب، وقد جمع المسلمون أخبار الحلاج في مواضع كثيرة، كما ذكر ثابت بن سنان في أخبار الخلفاء، وقد شهد مقتله، وكما ذكر إسماعيل بن علي الحطفي في تاريخ بغداد وقد شهد قتله، وكما ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخه، وكما ذكر القاضي أبو يعلى في المعتمد، وكما ذكر القاضي أبو بكر بن الطيب وأبو محمد بن حزم وغيرهم، وكما ذكر أبو يوسف القزويني وأبو الفرج بن الجوزي فيما جمعا من أخباره.
وقد ذكر الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية، أن أكثر المشايخ أخرجوه عن الطريق، ولم يذكره أبو القاسم القشيري في رسالته من المشايخ الذين عدهم من مشايخ الطريق.
وما نعلم أحداً من أئمة المسلمين ذكر الحلاج بخير، لا من العلماء ولا من المشايخ، ولكن بعض الناس يقف فيه؛ لأنه لم يعرف أمره، وأبلغ من يحسن به الظن يقول: إنه وجب قتله في الظاهر، فالقاتل مجاهد والمقتول شهيد، وهذا أيضا خطأ].
стр. 179
كذب وافتراء من قال: إن الحلاج قتل مظلوماً وإنه من أولياء الله
قال رحمه الله تعالى: [وقول القائل: إنه قتل ظلماً قول باطل؛ فإن وجوب قتله على ما أظهره من الإلحاد أمر واجب باتفاق المسلمين، لكن لما كان يظهر الإسلام ويبطن الإلحاد إلى أصحابه، صار زنديقاً، فلما أخذ وحبس أظهر التوبة، والفقهاء متنازعون في قبول توبة الزنديق فأكثرهم لا يقبلها، وهو مذهب مالك وأهل المدينة، ومذهب أحمد في أشهر الروايتين عنه، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة، ووجه في مذهب الشافعي، والقول الآخر تقبل توبته.
وأما قول القائل: إن الحلاج من أولياء الله، فالمتكلم بهذا جاهل قطعاً، متكلم بما لا يعلم، لو لم يظهر من الحلاج أقوال أهل الإلحاد، فإن ولي الله من مات على ولاية الله، يحبه ويرضى عنه، والشهادة بهذا لغير من شهد له النبي ﷺ بالجنة لا تجوز عند كثير من العلماء أو أكثرهم.
وذهبت طائفة من السلف، كـ ابن الحنفية وعلي بن المديني إلى أنه لا يشهد بذلك لغير النبي ﷺ .
وقال بعضهم: بل من استفاض في المسلمين الثناء عليه شهد له بذلك؛ لأن النبي ﷺ : (مر عليه بجنازة فأثنوا خيراً، فقال: وجبت وجبت، ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شراً فقال: وجبت وجبت، قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها خيراً فقلت: وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شراً، فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض).
فإذا جوز أن يشهد لبعض الناس أنه ولي الله في الباطن، إما بنص وإما بشهادة الأمة فـ الحلاج ليس من هؤلاء، فجمهور الأمة يطعن عليه ويجعله من أهل الإلحاد، إن قدر على أنه يطلع على بعض الناس أنه ولي الله ونحو ذلك مما يختص به بعض أهل الصلاح].
стр. 180
أوجه ضلال من أثنى على الحلاج ووافقه على اعتقاده
قال رحمه الله تعالى: [فهذا الذي أثنى على الحلاج ووافقه على اعتقاده ضال من وجوه: أحدها: أنه لا يعرف فيمن قتل بسيف الشرع على الزندقة أنه قتل ظلماً وكان ولياً لله، وقد قتل الجهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيلان القدري ومحمد بن سعيد المصلوب وبشار بن برد الأعمى والسهروردي وأمثال هؤلاء كثير، ولم يقل أهل العلم والدين في هؤلاء: إنهم قتلوا ظلماً، وإنهم كانوا من أولياء الله، فما بال الحلاج تفرد عن هؤلاء؟].
هذه مسألة مهمة جداً، وليست جديدة كما يظن بعض الذين اطلعوا على مقالات وشبهات بعض المفتونين من المعاصرين، من دعوى أهل الأهواء أن الذين قتلوا لكفرهم وزندقتهم أو لعموم فسادهم في الأرض، أو الذين حدوا بأي حد من الحدود الشرعية إما بنفي أو حبس أو بتشهير أن هؤلاء مظلومون، وأنهم ضيق عليهم ظلماً، فما أثاره كثير من المعاصرين من المفتونين، والذين تكلم عنهم أحدهم في مذكرة حراسة العقيدة ليس بجديد، اللهم إلا أن الجديد أنهم استعملوا عبارات مثيرة إعلامياً للتنفير من مواقف السلف، مثل عبارة: الإرهاب المخالف، هذه استعملها من نرد عليه في هذا الدرس، فقد استعملها كثيراً، وضرب أمثلة على أن السلف يظلمون، وأنهم يرعبون المخالف ويضيقون عليه، ويستعدون السلاطين على المخالفين، وضرب أمثلة لهؤلاء بـ الجهم والجعد وغيلان، وبهذا يتضح منهجياً أن مناهج أهل الأهواء واحدة، وأن من أثار هذه الفتنة ضد السلف وأشغل شباب الأمة في هذه الظروف العصيبة في هز المسلمات والطعن في السلف، إنما هو امتداد لأسلافه الأوائل أهل الأهواء والفرق والابتداع؛ ولذلك نرى هؤلاء من مبالغتهم في الحقد على السنة وأهلها أنهم جمعوا المتناقضات، فقد جمعوا في تعاطفهم مع أصحاب المذاهب المتناقضة، فـ الجهم غير الجعد، والجعد غير غيلان، والسهروردي غير هؤلاء، والفرق التي منها هؤلاء الأشخاص فرق متضاربة متعارضة، فلذلك من علامات الخذلان أن هذه الفئة ضمت جميع أهل الأهواء وتعاطفت معهم، ما أخذت طائفة واحدة حتى نقول: لعلها اغترت بمنهجها، لا، بل جمعوا جميع أهل الأهواء وضموهم كلهم في حزمة واحدة، وهذا يعطينا العبرة والدرس في أنه ينبغي للمسلم أن يلتزم نهج السلف؛ لأنه سبيل المؤمنين، وأن يكون في ذلك واثقاً ومطمئناً؛ لأن الله جعل سبيل المؤمنين هو الطريق الذي فيه الاعتصام، وفيه الإجماع على الحق، الذي قال عنه النبي ﷺ : (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، فإنه لا يمكن أن يخفى الحق، وإذا أخذنا الأمور بموازين الشرع فسنجد الحق مع من كان على السنة والاستقامة، وإن وجد عند بعضهم شيء من التجاوزات والأخطاء التي هي من عوارض البشر، وهذا كما أشرت إليه وسأشير مرة أخرى لا يضر بالمنهج.
أما قول أهل الأهواء عن الحلاج وغيره أنه قتل ظلماً، فهذه كلمة قالها أنصار هؤلاء في وقتهم، وقد يزيد بعض المعاصرين أمراً آخر وهو شعار جديد أرادوا أن يثيروا به شباب الأمة، هو شعار: أن هؤلاء قتلوا قتلاً سياسياً، فانظر إلى المغزى، يعني: أن بني أمية أو بني العباس الذين ركزوا على قتل الزنادقة، وذلك حين كثر الزنادقة سلط الله عليهم من أئمة الهدى من يبين عوارهم، وسلط عليهم من سلاطين الأمة وخلفائها من يقيم الحد فيهم، فأهل الأهواء يقولون: إن قتل هؤلاء من أهل الزندقة والكفر والإلحاد والفساد كان قتلاً سياسياً؛ لأنهم من مشاهير المعارضين للسلاطين، فهذا فيه شيء من الحق، لكنه صور بصورة الباطل، ووجه الحق أن أهل الأهواء دائماً يرفعون راية الخروج وعدم السمع والطاعة، بما فيهم هؤلاء الأشخاص، فقد اشتهر ذلك عن الجعد واشتهر عن غيلان وغيرهما؛ لأن صاحب البدعة من لوازم بدعته أن يكره السنة، وإذا كره السنة فإنه سيترك مناهج أهل السنة والجماعة، ومن منهج أهل السنة والجماعة: السمع والطاعة لولاة الأمر، واعتقاد حقهم من البيعة وغير ذلك في المعروف، فأهل الأهواء لا يسمعون ولا يطيعون، فمن هنا تأتي شبهة أنهم قتلوا قتلاً سياسياً، مع أننا نعلم أن الأحداث الشهيرة التي قتل فيها هؤلاء جرت بمنهج شرعي سليم، وتمت على أيدي أهل العلم من الأئمة الموثقين من علماء وقضاة، وكون بعض الساسة أو بعض الولاة له هوى في قتل هذا الرجل أو ما له هوى هذا أمر لا يعلمه إلا الله علام الغيوب، لكن أن نفسر الأحداث بهذا التفسير، هذا هو عين الهوى والمنهج الخاطئ الضال؛ لأنه بذلك يؤدي إلى وصف منهج أهل السنة والجماعة بالانحراف والضلال، وهذا عين الباطل، وما كان الله يسلم الأمة إلى الباطل بهذه الصورة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الأنبياء فقتلهم الكفار، وكذلك الصحابة الذين استشهدوا قتلهم الكفار،
стр. 181
ما جاء في كون الحلاج تاب فيما بينه وبين الله
قال رحمه الله تعالى: [الرابع: أن يقال: أما كون الحلاج عند الموت تاب فيما بينه وبين الله أو لم يتب، فهذا غيب يعلمه الله منه، وأما كونه إنما كان يتكلم بهذا عند الاصطلام فليس كذلك؛ بل كان يصنف الكتب ويقوله وهو حاضر ويقظان، وقد تقدم أن غيبة العقل تكون عذراً في رفع القلم، وكذلك الشبهة التي ترفع معها قيام الحجة قد تكون عذراً في الظاهر.
فهذا لو فرض لم يجز أن يقال: قتل ظلماً، ولا يقال: إنه موافق له على اعتقاده، ولا يشهد بما لا يعلم، فكيف إذا كان الأمر بخلاف ذلك، وغاية المسلم المؤمن إذا عذر الحلاج أن يدعي فيه الاصطلام والشبهة، وأما أن يوافقه على ما قتل عليه فهذا حال أهل الزندقة والإلحاد، وكذلك من لم يجوز قتل مثله فهو مارق من دين الإسلام.
ونحن إنما علينا أن نعرف التوحيد الذي أمرنا به، ونعرف طريق الله الذي أمرنا به، وقد علمنا بكليهما أن ما قاله الحلاج باطل، وأنه يجب قتل مثله، وأما نفس الشخص المعين؟ هل كان في الباطن له أمر يغفر الله له به من توبة أو غيرها؟ فهذا أمر إلى الله، ولا حاجة لأحد إلى العلم بحقيقة ذلك، والله أعلم].
يشير الشيخ إلى قاعدة شرعية مهمة، وهي: أن أحكامنا نحن البشر سواء على الأحوال أو على الأفراد أو على الجماعات أو على الهيئات أو على الأعمال أو على الأقوال مبناها على الظاهر؛ لأن الباطن لا يعلمه إلا الله ، والافتراضات لا تنقض بها الأصول والافتراضات أيضاً لا يجوز أن تغير الحكم؛ لأنه ليس لنا إلا الظاهر، فالذي ظهر لنا من الحلاج هو هذه الحال، أما كونه يحتمل أن يكون قد تاب في آخر لحظة ثم مات على التوبة هذا أمر فيه تخرص، ما عندنا عليه دليل، وهو افتراض، والافتراضات لا تبنى عليها الأحكام، وإلا فالافتراض الغيبي يرد في كل الأحكام، فلا يجوز أن نبني عليه، والمشكلة أن هذا النوع من الافتراضات تجده عند كثيرين الآن ممن يخبطون ويخلطون ويحكمون في القضايا بغير علم، فتجد الواحد يلجأ إلى هواه فيترك الواقع ويفترض أموراً قد تكون محتملة، أو غير محتملة، ويبني الحكم على الافتراض، وأغلب ما يجري الآن من الخوض والخبط بين الأمة في القضايا الكبار والفتن التي هي من هذا النوع، يعني: يهرب الشخص من أن يطبق النصوص على الواقع؛ لأن في نفسه شيئاً، وهذا الذي في نفسه قد يكون عن هوى، وقد يكون عن تشف، وقد يكون عن ضعف في الإيمان، وقد يكون عن قلة فقه، وقد يكون عن ضغط الواقع، وقد يكون عن أمور كثيرة، فيلجأ إلى بناء الحكم على الافتراضات، ويدع الأمة في واقع بعيد عن هذا الافتراض الذي يدعيه أو يزعمه، وخاصة في الحكم على الأشخاص، يعني: هناك أشخاص ظاهرهم بين، لكن يحيد كثير من الناس عن هذا الأمر الظاهر إلى افتراضات، وهذه الافتراضات ما تعبدنا الله بها.
فالشاهد أن عدداً ممن يلجئون إلى الاعتذار عن الحلاج يفترضون أنه ربما تاب في آخر لحظة، نقول: هذا الافتراض يرد في كل من مات على الكفر، ما عدا من نص الله على كفرهم حتى لحظة الموت، مثل: فرعون، ومع ذلك هذه الفئة ترى أن فرعون مؤمن، يعني: ما اكتفوا أيضاً بمجرد هذا المنهج الخاطئ في خرق مسلمات الدين، وخرق مسلمات الأحكام والإجماع بالافتراضات، ما اكتفوا بذلك، بل قلبوا الموازين فجعلوا الحق باطلاً، والباطل حقاً، وهذا منهج قد يقل ويكثر عند الناس، فالملاحدة وأصحاب الأهواء ينهجون المنهج الفاسد، وكثير من الناس قد لا يسلم من الهوى، فيكون عنده شيء من هذا المنهج فهم بين مقل أو مكثر، فينبغي لطالب العلم أن يحرص على التجرد للحق، وأن يحرص على العمل بمقتضى الأحكام والنصوص، وأن يحرص على الابتعاد عن أن تنزع به الرغبة الشخصية أو الهوى أو الواقع إلى الافتراضات والظنون، فإن الظن لا يغني من الحق شيئاً، والله يقول: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات:١٠ - ١١].
стр. 182
الأسئلة
стр. 183
حكم قبول توبة الزنديق ودرء الحد عنه
السؤال
هل تقبل توبة الزنديق ويدرأ عنه بها الحد؟
الجواب
من تاب تاب الله عليه مهما كان، فالمشرك والزنديق وغيره إذا تاب وأسلم، فلا شك أنه يدخل في الإسلام بالتوبة الصادقة، إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتاب عن زندقته وكفره، فقد تاب إلى الله، لكن لو قدرنا أن الإنسان أقيم عليه الحد، وفي آخر لحظة أعلن توبته، فالأصل أنه يدرأ عنه الحد، لكن هناك حالات يكون فيها هذا الرجل الزنديق مفسداً في الأرض، أو تكون عندنا قرائن واضحة على أن توبته ليست صادقة، فهل يعدل عن إقامة الحد أو لا يعدل؟ هذه مسألة خلافية، وأرى أن مثل هذه المسائل يقدرها أهل العلم في وقتها، لا يمكن أن تضبط بضوابط، فكل حالة لها حل، لكن الأصل أن من تاب إلى آخر لحظة وهو أمام الحد قبل أن يقتل تقبل توبته، بل ينبغي إلى آخر لحظة يقام عليه فيها الحد أن يلقن التوبة، هذا الذي ينبغي شرعاً، وما عدا ذلك فهي حالات نادرة يقدرها أهل العلم، وهي استثناء، وكما تعلمون في حد الحرابة لما ذكر عقوبة المفسدين في الأرض، استثنى من يتوب قبل القدرة عليه، أما إذا كان الأمر بعدما يقدر عليه فقد يكون أحياناً من المصلحة الشرعية أن يقام عليه الحد باعتبارات يقدرها أهل العلم، وليست هذه قاعدة كما قلت، القاعدة أن من تاب وأعلن رجوعه يدرأ عنه الحد.
стр. 184
الفرق بين الحلول والاتحاد
السؤال
ما هو الفرق بين الحلول والاتحاد؟
الجواب
الفرق بين الحلول والاتحاد: أن الحلول هو حلول شيئين أو اندماج عنصرين مختلفين مع بعضهما، مثل: حلول النور في الزجاجة، أو حلول الروح في الجسد.
أما الاتحاد فهو اندماج العنصرين بحيث لا يكون لأحدهما استقلال عن الآخر، مثل: دمج الطين مع الماء حتى يكون كتلة واحدة، بحيث لا تستطيع أن تنزع الواحد من الآخر.
إذاً: الحلول هو حلول شيء في شيء مع وجود الفرق بين العنصرين، والاتحاد هو حلول العناصر بعضها ببعض إلى حد لا نستطيع أن نميز بعضها عن بعض.
стр. 185
حقيقة مذهب الحلاج وأقواله
السؤال
هل ما يقوله الحلاج كان عن فهم خاطئ أم هو إنكار منه لمذهب أهل السنة والجماعة؟
الجواب
الفهم الخاطئ لا يصل إلى هذه الدرجة، أما كونه ينكر مذهب أهل السنة، فالمسألة أكبر من إنكار مذهب أهل السنة والجماعة، أغلب من في الأرض هم على هذه الضلالات، يعني: كم نسبة المسلمين وأتباع الأنبياء في تاريخ البشرية؟ كم نسبتهم إلى أهل الضلال الملاحدة الذين هم على الكفر المغلظ؟ جاء في الحديث الصحيح عن نسبة أهل الجنة إلى أهل النار (١) من (١٠٠٠)، (١) إلى الجنة، و (٩٩٩) إلى النار، فكيف نستغرب وجود (١) ملحد في الأمة أعلن الإلحاد؟! إذاً: فالمسألة ما هي مسألة قبول السنة أو عدمها، المسألة أن الحلاج رد الحق كله، فقد قال بالباطل بأقصى درجات التعبير عن الباطل.
стр. 186
بتقرير العقيدة دون الانشغال بكثرة الردود
السؤال
ما رأيكم فيمن يقول: إن العقيدة ينبغي أن تقرر تقريراً، ولا ينبغي الانشغال بكثرة الردود؛ لأنها قد تورث الشبه، فالإسلام هو تقرير العقيدة تقريراً كما في كتاب التوحيد محمد بن عبد الوهاب ومعارج القبول؟
الجواب
نعم، الأصل هو تقرير العقيدة، لكن الدفاع واجب، وهذا منهج رسمه الله في كتابه، والرسول ﷺ في السنة، فكثير من آيات القرآن فيها الرد والتكذيب للشبهات وحماية الأمة منها، والقرآن هو منهاجنا وهو قدوتنا، وهو الهدى والبيان، وهو الحق، وهو الفرقان، وهو النور، فآياته تقرر الرد على المخالفين والرد على البدع والأهواء والكفريات بالمئات، أنترك هذا المنهج لمجرد أمور عاطفية؟ إذاً: تقرير الدين هو الأصل والدفاع عنه واجب وفرض عين، وهو نوع من الجهاد، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)، والقلم الآن يقوم مقام اللسان، ومسألة الرد ينبغي ألا يتساهل فيها، والناس محتاجون إلى أن يحصنوا من الآراء الباطلة إذا انتشرت، والآن المناهج الباطلة والبدع والشبهات دخلت في صميم الحياة الأسرية، الآن أكثر الأسر عندها فضائيات مع الأسف، وعندها وسائل إعلام، وتقرأ الصحف، وتسمع من الشبهات أكثر مما تسمع من الحق، فهل نتركهم؟ لا، يجب أن نقرر الحق وندافع عنه، وأن ندفع الباطل بما نستطيع، لكن القضية قضية ضرورة، ينبغي مراعاة الأسلوب المناسب، والجمع بين المنهجين: التقرير، والرد.
стр. 187
شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [٢١]
هناك قاعدة عظيمة قعدها أهل السنة في التعامل مع الألفاظ المجملة المحتملة لمعنى الحق والباطل، فينظر إلى المتكلم بها وما أراد من معناها، فإن علم صحة المعنى المراد منها وصحة منهج القائل بها حكم بصحتها، وإن كان عكس ذلك قوبل كلامه بالرد، وبين بطلان المعنى الذي يقول به حتى لا يلتبس أمره على الناس.
стр. 188
معنى قول القائل: ما ثم إلا الله
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فبعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا، وهو آخر درس في المجلد الثاني من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعده كما أسلفت -إن شاء الله- سنبدأ في المجلد الثالث، ويتضمن الواسطية والتدمرية، ويبدو لي من خلال ما جاءني في الدرس الماضي من الاقتراحات المكتوبة والشفوية، أن هناك رغبة في أن نقرأ هذين الكتابين، فعلى هذا نستمر على نفس المنوال، بأن نأخذ المجلد الثالث -إن شاء الله- بجميع محتوياته؛ لأنه ليس فيه أشياء من الحشو أو التكرار، أو الأمور التي لا لزوم لها، كما في هذا المجلد الذي فيه استطرادات في الرد على الفلاسفة والباطنية وأهل الاتحاد ووحدة الوجود ومن سلك سبيلهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [سئل شيخ الإسلام وحجة الأنام أبو العباس بن تيمية ﵁ عمن يقول: إن ما ثم إلا الله، فقال شخص: كل من قال هذا الكلام فقد كفر؟ فأجاب ﵁: الحمد لله، قول القائل: ما ثم إلا الله: لفظ مجمل يحتمل معنى صحيحاً ومعنى باطلاً، فإن أراد ما ثم خالق إلا الله، ولا رب إلا الله، ولا يجيب المضطرين ويرزق العباد إلا الله، فهو الذي يعطي ويمنع ويخفض ويرفع ويعز ويذل، وهو الذي يستحق أن يستعان به ويتوكل عليه ويستعاذ به ويلتجئ العباد إليه؛ فإنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، كما قال تعالى في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣].
وقال: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد:٣٠].
فهذه المعاني كلها صحيحة، وهي من صريح التوحيد، وبها جاء القرآن.
فالعباد لا ينبغي لهم أن يخافوا إلا الله، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران:١٧٥].
وكذلك لا ينبغي أن يرجى إلا الله، قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر:٢].
وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨].
ولا ينبغي لهم أن يتوكلوا إلا على الله، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم:١٢].
ولا ينبغي لهم أن يعبدوا إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥].
ولا يدعوا إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨].
وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٣] سواء كان دعاء عبادة أو دعاء مسألة.
وأما إن أراد القائل: (ما ثم إلا الله) ما يقوله أهل الاتحاد؛ من أنه ما ثم موجود إلا الله، ويقولون: ليس إلا الله، أي: ليس موجود إلا الله، ويقولون: إن وجود المخلوقات هو وجود الخالق، والخالق هو المخلوق، والمخلوق هو الخالق، والعبد هو الرب، والرب هو العبد ونحو ذلك من معاني الاتحادية، الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق، ولا يثبتون المباينة بين الرب والعبد ونحو ذلك من المعاني التي توجد في كلام ابن عربي الطائي، وابن سبعين، وابن الفارض، والتلمساني ونحوهم من الاتحادية.
وكذلك من يقول بالحلول كما يقوله الجهمية، الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان، ويجعلونه مختلطاً بالمخلوقات، حتى إن هؤلاء يجعلونه في الكلاب والخنازير والنجاسات، أو يجعلون وجود ذلك وج
стр. 189
معنى قوله ﷺ : (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر)
قال رحمه الله تعالى: [سئل شيخ الإسلام ﵀ عن قوله ﷺ : (لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر)، فهل هذا موافق لما يقوله الاتحادية: بينوا لنا ذلك؟ فأجاب: الحمد لله، قوله: (لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر) مروي بألفاظ أخر، كقوله: (يقول الله: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر؛ بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)، وفي لفظ: (لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر يقلب الليل والنهار)، وفي لفظ: (يقول ابن آدم: يا خيبة الدهر، وأنا الدهر).
فقوله في الحديث: (بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)، يبين أنه ليس المراد به أنه الزمان، فإنه قد أخبر أنه يقلب الليل والنهار، والزمان هو الليل والنهار؛ فدل نفس الحديث على أنه هو يقلب الزمان ويصرفه، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٣] ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٤]، وإزجاء السحاب: سوقه، والودق: المطر.
فقد بين سبحانه خلقه للمطر، وإنزاله على الأرض؛ فإنه سبب الحياة في الأرض، فإنه سبحانه جعل من الماء كل شيء حي، ثم قال: (يقلب الله الليل والنهار)، إذ تقليبه الليل والنهار تحويل أحوال العالم بإنزال المطر، الذي هو سبب خلق النبات والحيوان والمعدن؛ وذلك سبب تحويل الناس من حال إلى حال، المتضمن رفع قوم وخفض آخرين.
وقد أخبر سبحانه بخلقه الزمان في غير موضع، كقوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١].
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء:٣٣].
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢].
وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] وغير ذلك من النصوص التي تبين أنه خالق الزمان.
ولا يتوهم عاقل أن الله هو الزمان؛ فإن الزمان مقدار الحركة، والحركة مقدارها من باب الأعراض والصفات القائمة بغيرها؛ كالحركة والسكون والسواد والبياض.
ولا يقول عاقل: إن خالق العالم هو من باب الأعراض والصفات، المفتقرة إلى الجواهر والأعيان، فإن الأعراض لا تقوم بنفسها، بل هي مفتقرة إلى محل تقوم به، والمفتقر إلى ما يغايره لا يوجد بنفسه، بل بذلك الغير، فهو محتاج إلى ما به في نفسه من غيره، فكيف يكون هو الخالق؟ ثم أن يستغني بنفسه، وأن يحتاج إليه ما سواه، وهذه صفة الخالق سبحانه، فكيف يتوهم أنه من النوع الأول].
стр. 190
القول بأن الله هو الزمان بين الحلولية والاتحادية وبين أهل السنة
قال رحمه الله تعالى: [وأهل الإلحاد القائلون بالوحدة أو الحلول أو الاتحاد، لا يقولون: إنه هو الزمان، ولا إنه من جنس الأعراض والصفات، بل يقولون: هو مجموع العالم، أو حال في مجموع العالم، فليس في الحديث شبهة لهم لو لم يكن قد بين فيه أنه سبحانه مقلب الليل والنهار، فكيف وفي نفس الحديث أنه بيده الأمر يقلب الليل والنهار؟ إذا تبين هذا فللناس في الحديث قولان معروفان لأصحاب أحمد وغيرهم.
أحدهما: وهو قول أبي عبيد وأكثر العلماء: أن هذا الحديث خرج الكلام فيه لرد ما يقوله أهل الجاهلية ومن أشبههم؛ فإنهم إذا أصابتهم مصيبة أو منعوا أغراضهم أخذوا يسبون الدهر والزمان، يقول أحدهم: قبح الله الدهر الذي شتت شملنا، ولعن الله الزمان الذي جرى فيه كذا وكذا.
وكثيراً ما جرى من كلام الشعراء وأمثالهم نحو هذا، كقولهم: يا دهر فعلت كذا، وهم يقصدون سب من فعل تلك الأمور، ويضيفونها إلى الدهر، فيقع السب على الله تعالى؛ لأنه هو الذي فعل تلك الأمور وأحدثها، والدهر مخلوق له هو الذي يقلبه ويصرفه.
والتقدير: أن ابن آدم يسب من فعل هذه الأمور وأنا فعلتها، فإذا سب الدهر فمقصوده سب الفاعل، وإن أضاف الفعل إلى الدهر، فالدهر لا فعل له؛ وإنما الفاعل هو الله وحده.
وهذا كرجل قضى عليه قاض بحق أو أفتاه مفت بحق، فجعل يقول: لعن الله من قضى بهذا أو أفتى بهذا، ويكون ذلك من قضاء النبي ﷺ وفتياه، فيقع السب عليه، وإن كان الساب لجهله أضاف الأمر إلى المبلغ في الحقيقة، والمبلغ له فعل من التبليغ، بخلاف الزمان، فإن الله يقلبه ويصرفه.
والقول الثاني: قول نعيم بن حماد وطائفة معه من أهل الحديث والصوفية: أن الدهر من أسماء الله تعالى، ومعناه: القديم الأزلي، ورووا في بعض الأدعية: يا دهر يا ديهور يا ديهار، وهذا المعنى صحيح؛ لأن الله سبحانه هو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء؛ فهذا المعنى صحيح، إنما النزاع في كونه يسمى دهراً بكل حال].
هذه العبارات أشار الشيخ إلى أن معناها صحيح، لكن لا يدل ذلك على أنه يرى الدعاء بمثل هذه العبارات الموهمة، وإنما الله يدعى بأسمائه وصفاته، ولا حاجة لنا بأن ندعو بأدعية ليست واردة في النصوص، ثم أيضاً تحمل معاني محتملة، وقد يتوهم منها السامع معاني غامضة، فلا ينبغي أن نسلك مثل هذه العبارات الغامضة الموهمة.
كذلك وإن قال الشيخ بأن الدهر والديهور والديهار معانيها صحيحة؛ لأنها إشارة إلى المسبب وهو الله الخالق المدبر، إلا أن هذه العبارات يجب أن تجتنب في الدعاء، وإن حملت معاني صحيحة، مادامت محتملة، والذين يستعملونها غالباً لهم تفسير لهذه المصطلحات فيه شيء من الخطأ أو البدعة.
قال رحمه الله تعالى: [فقد أجمع المسلمون -وهو مما علم بالعقل الصريح- أن الله ليس هو الدهر الذي هو الزمان، أو ما يجري مجرى الزمان؛ فإن الناس متفقون على أن الزمان الذي هو الليل والنهار.
وكذلك ما يجري مجرى ذلك في الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢]، قالوا على مقدار البكرة والعشي في الدنيا، وفي الآخرة يوم الجمعة يوم المزيد، والجنة ليس فيها شمس ولا قمر، ولكن تعرف الأوقات بأنوار أخر، قد روي أنها تظهر من تحت العرش، فالزمان هنالك مقدار الحركة التي بها تظهر تلك الأنوار].
стр. 191
الأقوال في كون وراء الزمان جوهر سيال قائم بنفسه هو الدهر
قال رحمه الله تعالى: [وهل وراء ذلك جوهر قائم بنفسه سيال هو الدهر؟ هذا مما تنازع فيه الناس، فأثبته طائفة من المتفلسفة من أصحاب أفلاطون، كما أثبتوا الكليات المجردة في الخارج، التي تسمى: المثل الأفلاطونية، والمثل المطلقة؛ وأثبتوا الهيولى التي هي مادة مجردة عن الصور، وأثبتوا الخلاء جوهراً قائماً بنفسه].
الفلاسفة كلهم ليسوا في أمر الدين على شيء، كلهم في أمر مريج، وهم أول من ينطبق عليهم قول الله : ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات:١٠ - ١١]؛ لأنهم في كلامهم على الغيب والإلهيات يجهلون الوحي الذي هو المصدر الوحيد للغيب، بل يعادون الوحي ويضادونه، وكل ما جاء به الأنبياء عاندوه، وأنا أقصد الفلاسفة الخلص الذين يتكلمون في الأمور الغامضة ومحارات العقول بمجرد آرائهم، أما من سلك سبيل الأنبياء في هذه الأمور فليس بفيلسوف مطلقاً، لا يصح أن يسمى فيلسوفاً، الإنسان الذي يستمد آراءه في الأمور الغامضة ومحارات العقول من الوحي ليس بفيلسوف.
لكن هناك جانب قد يتكلم فيه بعض الفلاسفة، وقد يكون حقاً، لكن ليس هو الذي به سموا: فلاسفة، أعني: بعض الفلاسفة قد يتكلم ويبدع في بعض العلوم الطبيعية، مثل: الطب، والكيمياء، والفيزياء وغيرها، فليبدع بحكم أنه بشر أعطاه الله عقلاً معيشياً يعرف به ظاهراً من الحياة الدنيا، كما ذكر الله عن الكفار، لكن ليس هذا هو الفلسفة، وأكثر ما يفتن الناس بالفلاسفة الذين يتخرصون على الله ويتخرصون على الدين أنهم لهم علوم دنيوية طبيعية مفيدة، لكن يجب أن نفرق بين هذا وذاك، فمثلاً: ابن سينا فيلسوف وطبيب، وقد أبدع في الطب؛ لأنه حينما استعمل ما أعطاه الله من عقل وذكاء في الأمور الطبيعية أجاد وأفاد، وحينما صرف ما أعطاه الله من عقل وذكاء في الأمور الغيبية خلط وخبط؛ لأنه أداه عقله وذكاؤه إلى الغرور، وجانب منهج الأنبياء، ولا شك أن من جانب منهج الأنبياء فلا يستحق أن يكون إماماً في الفكر والفلسفة، فضلاً أن يكون إماماً في الدين، كما يتعلق بذلك بعض المفتونين بالفلاسفة، وما أثر عن أفلاطون وغيره كلهم من هذا الباب، إلا ما تعلق بعلوم دنيوية أو بعض الأمور المنطقية وهي أشبه بالعلوم الرياضية، المنطق الذي يستقرأ من علم صحيح هو من العلم، سواء صدر من الفلاسفة أو من غير الفلاسفة، هو من العلم الطبيعي الذي لا مشاحة فيه.
إذاً: ما يصدر عن الفلاسفة أحياناً من بعض العلوم الصحيحة في الأمور البدهية العلمية الطبيعية، سواء في العلوم التجريبية أو في المنطق الصحيح هذا أمر صواب، ويؤخذ من الفلاسفة وغير الفلاسفة، لكن ليس هذا هو الذي سموا به فلاسفة، إنما سموا فلاسفة؛ لمناهجهم الباطلة، فكلامهم في الكليات المجردة في الخارج والمثل والهيولي والخلاء وأنه جوهر مجرد هذا كله من التخرص، لا رصيد له من العلم ولا من الواقع ولا من العقل السليم، وكله خلط وخبط وتيه وبعد عن الحق.
قال رحمه الله تعالى: [وأما جماهير العقلاء من الفلاسفة وغيرهم فيعلمون أن هذا كله لا حقيقة له في الخارج، وإنما هي أمور يقدرها الذهن ويفرضها، فيظن الغالطون أن هذا الثابت في الأذهان هو بعينه ثابت في الخارج عن الأذهان، كما ظنوا مثل ذلك في الوجود المطلق، مع علمهم أن المطلق بشرط الإطلاق وجوده في الذهن، وليس في الخارج إلا شيء معين وهي الأعيان، وما يقوم بها من الصفات، فلا مكان إلا الجسم أو ما يقوم به، ولا زمان إلا مقدار الحركة، ولا مادة مجردة عن الصور، بل ولا مادة مقترنة بها غير الجسم الذي يقوم به الأعراض، ولا صورة إلا ما هو عرض قائم بالجسم، أو ما هو جسم يقوم به العرض، وهذا وأمثاله مبسوط في غير هذا الموضع.
وإنما المقصود التنبيه على ما يتعلق بذلك على وجه الاختصار، والله أعلم].
مجمل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الصفات لا يمكن أن توجد إلا بالموصوفات، وإلا تبقى مجرد كلام في الأذهان، وهذا صحيح، يعني: الصفات التي هي الأعراض لا يمكن أن تكون حقيقة إلا إذا وجدت الموصوفات، وإلا يبقى الكلام مجرد كلام في الذهن، وأكثر الفلاسفة يتعلقون بهذه التصورات الخيالية، وإن كان بعض عقلائهم -كما قال الشيخ- يعارضون هذا؛ لأن بعض الفلاسفة أعقل من بعض، وليس كل عاقل يدرك بعقله الأمور التي يتفق عليها عموم العقلاء، أو من آتاهم الله عقولاً سليمة.
стр. 192
الأسئلة
стр. 193
المنهج الصحيح في تفسير الرؤى والأحلام وحكم اتخاذ ذلك مهنة
السؤال
ما هو المنهج الصحيح في تفسير الرؤى والأحلام؟ وهل قيام مفسر الأحلام بإعداد محاضرات خاصة يقوم عليها تفسير الأحلام على جميع الناس، وما يحدث ذلك من فتنة، بحيث يسمع الكثير التعبير، هل هذا جائز؟
الجواب
الرؤى إذا تجاوزت الحد قد تكون من أبواب الدجل والفتنة، والقواعد المتعلقة بالرؤى حسب ما هو معروف في النصوص وعمل السلف لها بعض التفصيلات التي يجهلها بعض الناس، فمثلاً: النبي ﷺ كان أحياناً يسأل الناس: ماذا رأوا؟ لكن هل كان هذا عمل الصحابة من بعده على نحو ما كان يعمل؟ ما أعرف هذا؛ لأن النبي ﷺ يتكلم كلام من هو معصوم لا ينطق عن الهوى، وفعله هذا لا يدل على أنه تشريع؛ إذ لو كان تشريعاً لاضطر الصحابة أن تكون طائفة من دروسهم لتفسير الرؤى والأحلام، وأفعال النبي ﷺ وأقواله تفسرها أعمال الصحابة ومن جاء بعدهم، ثم لا نعرف من الصحابة من كان همه تفسير الرؤيا ولا من التابعين ولا تابعيهم، إلا ما اشتهر عن ابن سيرين، لكن ابن سيرين ليس عمله تفسير الرؤى فقط، غاية ما اشتهر أنه مسدد وملهم في تفسير الرؤى، وكان ابن سيرين عالماً في سائر علوم الشرع، إماماً من أئمة الدين، ليس همه تفسير الرؤى فقط كما يتصور بعض الناس، بل كان يتلقى من الناس الرؤى ويفسرها؛ لأن الله أعطاه القدرة، فامتهان تفسير الرؤى بحيث يكون مهنة خطأ، مثل: امتهان الرقية بحيث تكون مهنة خطأ أيضاً، مع أن الرقية حق، لكن أن يقوم الإنسان ويضع عيادات وأحواشاً يجمع فيها الناس كأنهم غنم هذا من باب الفتنة، ولذلك كثرت الفتنة في هذا الأمر من ناحية، ومن ناحية أخرى كثر الدجل عند كثير من الرقاة وهم لا يشعرون، وقعوا في صور من صور الدجل وهم لا يشعرون، أنا لا أتهم عقائدهم، أكثر من نعرفهم -بحمد الله- هم على استقامة وصلاح، لكن مع ذلك يفتنون، ومن يضمن نفسه من الفتنة، لاسيما وهو قد عرض نفسه لباب من أبواب الفتنة، فكذلك الرؤى ينبغي ألا تكون مهنة.
أما المحاضرات فما ينبغي أن تكون هناك محاضرة خاصة بتعليم الناس كيف يفسرون الرؤى، أتريد أن يتعلم الناس الحلاقة في رءوس الأيتام؟! يسمع قواعد في الرؤى ثم يبدأ يخبط، يصيب مرة مرتين، وأغلب الإصابة في الرؤى هي أيضاً من باب الفتنة؛ لأن الرائي يعتقد شيئاً من خلال التفسير، فيبتلى به؛ لأن أكثر الناس يقول: إذا فسر فلان وقعت الرؤيا على ما فسر، أقول: لأنكم اعتقدتم هذا، ليس بأنه أصاب دائماً، وأكثر أنواع الابتلاء من هذا النوع، فأكثر الناس يثقون بمفسر الرؤى ثقة مطلقة، ويعتقدون أن ما قاله صحيح وسيقع، ويترقبونه، فيقع ابتلاء؛ لا لأن المفسر أصاب وهكذا.
فالتعمق في هذا الأمر والخروج عن حدود الضوابط الشرعية لا شك أنه تجاوز في الشرع، فلا ينبغي أن يتفرغ ناس لتفسير الرؤى، ولا أن يكثروا من إعلان كل ما يسمعونه وما يقررونه؛ لأن أكثر الرؤى من النوع الذي لا يصلح أن يذاع تفسيره، وهذا له محاضرات في تفسير الرؤى، فهذا منهج غير سليم في نظري، ويحتاج إلى قيود وضوابط شرعية، وإن كنت أرى أنه لا يجوز لي الكلام في هذا الأمر الذي يفهم منه ذكر أشخاص بأعيانهم؛ لأن لهم حقاً علينا أن نناصحهم، وهؤلاء الناس الذين لهم حق علينا كثير منهم طلاب علم ومن أهل الخير والصلاح، فلعلنا إن شاء الله نناصحهم، ويبحث هذا الأمر.
стр. 194
اشتراط العلم الشرعي عند تفسير الرؤى والأحلام
السؤال
هل يشترط في تفسير الرؤى أن يكون المفسر عالماً في الشرع؟
الجواب
لا، تعبير الرؤيا موهبة، لا يلزم أن يكون المفسر عالماً في الشرع، لكن علمه في الشرع يكون أكثر تسديداً وأكثر إصابة، وكثير من العلماء الكبار لا يفسرون الرؤى، وإنما أكثر المفسرين للرؤى هم من طلاب العلم الصغار أو من متوسطي العلم أو من العوام، لكن إذا كان عند المفسر الذي أعطاه الله موهبة في تفسير الرؤى، كان عنده علم شرعي وفقه في الدين فهو أحرى للتسديد والمقاربة.
وهناك رؤى كثيرة رآها الناس وما عرفوا بواقعها إلا عندما وقعت وصارت مخالفة لما فسروها به، تقع على غير ما فسروها به، وعندي برهان على أن أكثر تفسيرات الرؤى يقع من باب التعلق النفسي، والدليل على ذلك أن كثيراً ممن عندهم وسواس في الرؤى يسألون أكثر من واحد، ولا يتفق المعبرون في تفسير الرؤيا، واستقرئوا هذا الأمر، اسألوا أكثر الذين يفتنون بسؤال المفسرين: ماذا قال لك فلان؟ وماذا قال لك فلان الآخر؟ يقول لك غير ما قال الأول، فهذا دليل على أن المسألة وهمية، واعتقاد الناس أن تفسير فلان المشهور للرؤى لا بد أن يقع هذا وهم؛ لأن المشاهير يختلفون الآن، ويندر أنهم يتفقون في تفسير الرؤيا الواحدة.
إذاً: نصدق من؟ أو نأخذ تفسير من؟ نعم الإصابة ترد وتتفاوت من واحد إلى آخر، وقد يكون بعضهم أصوب من بعض، لكن الجزم وبناء الأحكام على ذلك غير صحيح.
стр. 195
حكم من يكفر سيد قطب مستدلاً ببعض الكلمات الواردة في الظلال
السؤال
ما حكم من يكفر سيد قطب ﵀، ويستدل ببعض الكلمات التي وردت في الظلال؟
الجواب
مسألة التكفير صعب، ويتحملون وزرها، يقول الرسول ﷺ : (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما).
فالتكفير خطير، وسيد قطب ﵀ وقع في زلات كبيرة، لكن التكفير له شروط وموانع، وهذا الرجل قد أفضى إلى ربه، فتكفيره بمجرد محاكمته على العبارات دون استصحاب حاله، ودون رد العبارات بعضها إلى بعض، هذا من الأمور الخطيرة جداً، وربما تكون من ردود الأفعال ضد من يبالغون في سيد قطب.
стр. 196
موقف العلماء تجاه قضية الجهاد في أفغانستان وغيرها وموقف الأمة تجاه العلماء
السؤال
في الحرب ضد الأفغان سكت كثير من المشايخ المعروفين فيه، وقابل بعض الناس هذا السكوت بانتقاص من سكت والتقليل من شأنه ووصفه بالنفاق -نعوذ بالله-، وكذلك ارتفع شأن بعض من انتسب إلى العلم بأنهم كان لهم موقف في هذه القضية، فما وجه الحق في ذلك؟
الجواب
هذه فتنة، والفتنة تنقلب فيها الموازين، والناس يعيشون في هرج ومرج، ولا عبرة بمن هلك، ولا عبرة بالعواطف، ولا عبرة بما يحدث من التخليط عند الناس، إنما العبرة بالحق الذي سيبقى هو الأصل، وأما الزبد فسيذهب جفاء.
يدخل في هذه القضية السؤال عن الجهاد: هل هو فرض عين أم لا؟ سأجيب عن هذا الموضوع إجابة مجملة: في مثل هذه الأحداث الكبار يجب على المسلم أن يتوخى الأمور التالية: أولاً: يجب عليه أن يهتم بأمر المسلمين، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، هذه الخطوة الأولى، بمعنى أن يهتم بالدرجة الأولى التي يملكها كل مسلم، وهو الاهتمام القلبي، وما يملكه من الدعاء، ومن النصح للأمة القاصي منها والداني بقدر ما يستطيع.
ثانياً: ليعلم كل مسلم في مثل هذه الظروف أن هذه فتن كبار، ومعضلات تدع الحليم حيران، ويضع في باله أن هذا نمط أو نوع من الفتن التي نبه عليها النبي ﷺ ، وأرشد من خلال تنبيهه إلى قواعد معينة، نستفيد منها في هذا الظرف: أنه ينبغي لكل مسلم أن يفهم أنه ما دام قد اهتم بأمر الأمة وأحب لها الخير، وكره لها الهزيمة والذل، وحرص أن يمتلئ قلبه بحب الخير للأمة وكراهية الشر لها، وعلم أن ذلك هو الحد الذي لا يعذر به أحد، بعد ذلك ينبغي أن يفهم أنه ليس بإمكانه بفرده أن يحل مشكلات الأمة بهذا الحجم، برأي يتبناه دون تثبت، ولا بموقف عملي يتبناه، بحيث يقفز فيه ويتعدى الحواجز الشرعية والحواجز الواقعية، أمامك حواجز شرعية يجب أن تفقهها، وكلنا لسنا بمستوى أن يكون عندنا من الفقه الكافي، بحيث نتخطى الحواجز الشرعية، ونتخطى الحواجز الواقعية العملية، التي أصبحت الأمة الآن حبيسة لها، كل الأمة الإسلامية حبيسة لوضع راهن ثقيل أدى بها إلى الذلة والهوان في جملتها في العموم، وإن كانت بعض البلاد الإسلامية أسلم من بعض، وأنا عندما أذكر ما عليه الأمة من اختلاف وتشتت وفرقة دائماً أستثني دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، الدعوة السلفية التي أبقى الله بها الحق ظاهراً، وجعل أهلها ظاهرين بالحق إلى يومنا هذا بحمد الله، رغم ما عندنا من ضعف ومن تحول بسبب ذنوبنا، لكن نتحدث بنعمة الله التي أنعم علينا بها، ويجب أن نحافظ على النعمة.
كذلك رغم أن أحوال الأمة على مستوى مخز من الذل، إلا أنه -بحمد الله- لا تزال السنة عندنا ظاهرة، لكن مع ذلك نحن مقصرين؛ لأننا لم نقم بتحمل أعباء الأمة كلها، وما أصاب الأمة من الذلة والفرقة والضعف بسبب ذنوب المسلمين، ليس كل شيء نحيله على الكفار، نعم الكفار أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].
﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران:١١٨]، والآن أفواههم ملأت أسماعنا من البغض: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨] ليس في هذا شك، لكن أيضاً لا ننسى أننا بذنوبنا وما عند الأمة عموماً من البدع والشتات والفرقة والأهواء والأحزاب والانتماءات والصراعات، بحيث -لا قدر الله- لو انفجرت فتنة بالسلاح أظن أن أكثر المسلمين سيصوبونها إلى بعضهم بعضاً، وأرجو ألا يصدق ظني، لكن نحن نحكي عن سنن الله في خلقه.
مثال حال الذل: الآن (إندونيسيا) كم هم؟ قريب من مائتي مليون مسلم، ومع ذلك تحكمهم امرأة اختاروها هم: (ولا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة).
خذوا مثالاً آخر: (بنغلادش) أكثر من مائة وعشرين مليون مسلم وتحكمهم امرأة أيضاً كيف اختاروها؟ بالطرق الغربية، بالانتخابات، مجرد ما عرضت صورتها للغوغائية والشباب العاطفي ووجدوا صورتها جميلة رشحوها، هذه أمثلة، وما أحب أن أمرض قلوبكم، لكن يجب أن نعترف بأن الأمة ذليلة، وإذا كانت ذليلة فيجب أن تسعى للعز والقوة، لكن كيف تسعى؟ نعود إلى أصل القضية: هل من خلال تصرفات الأبطال، أن نقفز على حواجز الزمن، وحواجز المكان، وحواجز الظروف، وحواجز القواعد الشرعية، كما يفعل بعض الشباب الآن، إن كنت جاداً فأصلح نفسك وأصلح من حولك، أما الأمور الكبار كهذه فهي لأهل الحل والعقد.
قد يقول قائل: من هم أهل الحل والعقد؟ أهل الحل والعقد هم العلماء والولاة، وهؤلاء من يتصدى لهذه الأمور الكبار، أما أنت من باب نفع المجتمع فيجب أن تسهم بما تستطيع وبما يسعك شرعاً، أما هذا التفلت الآن ومحاولة الخروج من الواقع بغير فقه ولا عقل، فلا.
أما أمر الجهاد، فالجهاد تحت راية من؟ من الذي يقرر الجهاد؟ والجهاد له شروطه وضوابطه وله منهجه، ولا بد للأمور أن تؤخذ بقدر؛ لأن هذه الأمور م