← Акыда

Акыда · id 37722

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية

ناصر العقل

Полный текст (196 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فصل في الفرق بين أهل الحلول والاتحاد المطلق وأهل الحلول والاتحاد الجزئي بسم الله. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين. وبعد. بعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا ونبدأ في الفتاوى المجلد الثاني، وسنقرأ اليوم من صفحة ٤١٤. لا يزال الشيخ يتحدث عن أصحاب الحول والاتحاد ووحدة الوجود، وبيان كفرهم بالله فيما ذهبوا إليه، وينقض أقوالهم بالأدلة العقلية والنقلية. قال رحمه الله تعالى: [فصل. وأما كفرهم بالمعبود، فإذا كان لهم في بعض المخلوقات هوى فقد يعبدونه بشبهة الحلول أو الاتحاد الفاسد، مثل: من يعبد الصور الجميلة، ويقول: هذا مظهر الجمال، أو الملك المطاع الجبار، ويقول: هو مظهر الجلال، أو مظهر رباني ونحو ذلك]. (مظهر الجلال) يزعمون أنه دلالة على الاتحاد، وكذلك (مظهر رباني) يعني: في المخلوق، فيزعمون أن الخالق تمثل بهذه الأمور، فيعبدونها من دون الله على أنها هي هو، أو مظهر من مظاهره، وهو إما اعتقاد لوحدة الوجود، وأن هذه الأشياء هي مظاهر لصفات الله في الخلق، أو أنها تمثلت فيها حقيقة ذات الله، أو أنهم أعطوها صفة القداسة، على أنها تختص ببعض خصائص الله ، فعلى الوجهين كل ذلك شرك؛ لأن الذين يعبدون هذه الأمور يقدّسون الصور الجميلة، أو يقدسون من يعظمونه إما لقوته أو لجماله أو لأي نوع من أنواع التعظيم، فهؤلاء على درجات كما سيأتي بيانه. منهم: من يعبد هذه الأشياء على أنها هي الله، وهم أصحاب وحدة الوجود، أو أنها حلّت فيها بعض صفات الله، وهؤلاء أصحاب الحلول، أو أنها أيضاً مشتملة على خصائص الله اشتمالاً كاملاً، وهؤلاء أصحاب الاتحاد. قال رحمه الله تعالى: [وليس في هذه المخلوقات نوع من الاتحاد أو الحلول الحق، لكن يشبه ما فيه الحق من جهة؛ إذ كلاهما بالله ومن الله، وأنه لله؛ ولهذا يسوي بينهما أهل الحلول والاتحاد المطلق، كما سنبينه إن شاء الله. فهؤلاء الاتحادية والحلولية الذين يخصونه ببعض المصنوعات التي ليس فيها عبادة وإثابة]. يعني: الاتحادية الذين لا يفرقون بين الله وبين خلقه، والحلولية أصحاب الحلول الجزئي الذين يرون أن الخلق حل فيه جزء من الإله، تعالى الله عما يزعمون. قال رحمه الله تعالى: [هم فرع على أولئك، ليس معهم من الحق شيء ولا شبهة حق، كما مع أولئك ألفاظ متشابهة عن بعض الأنبياء والصالحين، ولكن مع هؤلاء قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] و ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وقول الدجال: (أنا ربكم) ونحو ذلك. فهذه الألفاظ التي معهم من ألفاظ الكفار والمنافقين، ومعهم تشبيه الكونيات بالدينيات، والكونيات عامة لا اختصاص فيها؛ فلهذا كان هؤلاء أدخل في الاتحاد والحلول المطلق منهم في المعين اعتقاداً وقولاً]. (أدخل) يعني: أظهر. قال رحمه الله تعالى: [وإن كانوا من جهة الحال والهوى يخصون بعض الأعيان، كما هو الواقع لشبهة اختصاصه ببعض الأحكام الكونية، وسنتكلم عليهم إن شاء الله في الحلول الفاسد. وإنما ذكرتهم هنا لما أردت أن أذكر كل ما فيه شوب اتحاد أو حلول بحق، فنبهت على ذلك؛ ليفطن لموضع ضلالهم، فإذا علم حقيقة هذه الأمور عُلم حقيقة قول النبي ﷺ : (أصدق كلمة قالها الشاعر: كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل). فإن الباطل ضد الحق؛ والله هو الحق المبين]. قبل أن نتجاوز هذه المسألة يحسن أن نضرب أمثلة لمن قصدهم الشيخ هنا؛ لأن هذه الفرق الضالة التي ظهرت في القرن الثاني والثالث والرابع وما بعده موجودة الآن، هذه المذاهب التي تعتقد الحلول الجزئي أو الحلول الكلي موجودة في عصرنا. أما أصحاب الحلول الكلي أو الاتحاد الكلي فهؤلاء هم الباطنية وغلاة الفلاسفة، كـ ابن عربي والقونوي والسهروردي وابن الفارض وابن سينا، فهؤلاء يعتقدون الحلول الكلي، وأول ما أعلن ذلك هم الفلاسفة الذين يسمون بالإسلاميين، والإسلام منهم براء، وأصحاب الحلول الجزئي، هم أمثال: الحلاج ومن سلك سبيله من الصوفية، وغالب الصوفية أصحاب حلول جزئي، يعتقدون في الأولياء بعض خصائص الإلهية، وليس كل خصائص الإلهية، ويتفاوتون بذلك تفاوتاً كبيراً، فمنهم من يرى أن الأولياء لهم تدبير في الربوبية مع الله ، ويعتقدون أن لهم قدرات جزئية في ذلك. ومنهم من يعتقد أنهم يعلمون الغيب. ومنهم من يعتقد أن فيهم روحاً مقدسة أو عقولاً مقدسة أو نحو ذلك، على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم فهم يتفاوتون، لكن سائر غلاة الصوفية يعتقدون الحلول الجزئي. وكذلك الرافضة يعتقدون في الأئمة الحلول الجزئي، فهم يعتقدون أن أئمتهم اشتملوا على بعض خصائص الألوهية أو الربوبية، أو هما معاً وهو الغالب. قال رحمه الله تعالى: [فإن الباطل ضد الحق والله هو الحق المبين. والحق له معنيان: أحدهما: الموجود الثابت، والثاني: المق

стр. 142

وجه بطلان أعمال الكفار وذكر أنواع الباطل قال رحمه الله تعالى: [والباطل نوعان أيضاً: أحدهما: المعدوم، وإذا كان معدوماً كان اعتقاد وجوده والخبر عن وجوده باطلاً؛ لأن الاعتقاد والخبر تابع للمعتقد المخبر عنه، يصح بصحته ويبطل ببطلانه؛ فإذا كان المعتقد المخبر عنه باطلاً كان الاعتقاد والخبر كذلك، وهو الكذب. الثاني: ما ليس بنافع ولا مفيد، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص:٢٧] وكقول النبي ﷺ : (كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق). وقوله عن عمر: (إن هذا رجل لا يحب الباطل) وما لا منفعة فيه فالأمر به باطل، وقصده وعمله باطل؛ إذ العمل به والقصد إليه والأمر به باطل. ومن هذا قول العلماء: العبادات والعقود تنقسم إلى صحيح وباطل. فالصحيح ما ترتب عليه أثره، وحصل به مقصوده. والباطل ما لم يترتب عليه أثره، ولم يحصل به مقصوده؛ ولهذا كانت أعمال الكفار باطلاً. فإن الكافر من جهة كونه كافراً يعتقد ما لا وجود له ويخبر عنه، فيكون ذلك باطلاً، ويعبد ما لا تنفعه عبادته ويعمل له ويأمر به، فيكون ذلك أيضاً باطلاً، ولكن لما كان لهم أعمال وأقوال صاروا يشبهون أهل الحق]. يعني: يشبهون أهل الحق في ظاهر الأعمال، لا بد من تقييد العبارة، والشيخ يريد ذلك، ويتبين هذا من خلال استدلاله، حينما كان لهم أعمال وأقوال صار أهل الباطل يشبهون أهل الحق في ظاهر الأعمال فيما يبدو لنا، والأمر لا يشتبه على من أعطاه الله التمييز بين الحق والباطل، ومن امتلأ قلبه بالإيمان واليقين لا يشتبه عليه الحق بالباطل، حتى إن الله يعطيه من الفراسة ما يتبين له وجوه الحق ووجوه الباطل، كما بين الله لرسوله ﷺ كيف يعرف المنافقين بسيماهم وبلحن القول منهم، وكذلك كل مؤمن له من هذه الفراسة بقدر اتباعه للرسول ﷺ ، وكل مؤمن له من هذه الفراسة التي يميز فيها بين الحق والباطل بقدر ما في قلبه من النور والهدى. قال رحمه الله تعالى: [فلذلك قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ [محمد:١ - ٣] إلى قوله: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]. وقال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]. وقال تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة:٢٦٤]. فبيّن أن المن والأذى يبطل الصدقة فيجعلها باطلاً لا حقاً، كما يبطل الرياء وعدم الإيمان الإنفاق أيضاً، وقد عمم بقوله: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] أي: لا تجعلوها باطلة لا منفعة فيها ولا ثواب ولا فائدة].

стр. 143

ظن طائفة من الاتحادية أن الحق هو الموجود وأن العالم ليس فيه باطل قال رحمه الله تعالى: [وقد غلط طائفة من الناس من الاتحادية وغيرهم كـ ابن عربي فرأوا أن الحق هو الموجود، فكل موجود حق، فقالوا: ما في العالم باطل؛ إذ ليس في العالم عدم]. أراد الشيخ ﵀ أن يفرّق بين الحق بمعناه الكوني والحق بمعناه الشرعي، فالحق بمعناه الكوني يعني: أن كل موجود هو حق، لكن هذا معنى كوني قدري يتعلق بالربوبية لا علاقة له بالعبادة وتوحيد الإلهيات. والنوع الثاني: هو الحق بالمعنى الشرعي، وهو ما شرعه الله، وهو اتباع أوامر الله والانتهاء عما نهى الله عنه، وهو الالتزام بشرع الله بالمعنى الشرعي، فأهل الاتحاد التفتوا إلى المعنى الكوني ولم يلتفتوا إلى المعنى الشرعي؛ ولذلك ادعوا الربوبية لجميع الخلق، وأعرضوا عن شرع الله . إذاً: فالحق هنا كلمة مجملة، قد يراد بها الحق بمعنى الموجود، فكل الموجودات حق على هذا الاعتبار، لكن الحق الذي هو الله حق كامل، والحق الذي للمخلوقات حق ناقص، يعتريه النقص والفناء والخلل، وكل العوارض التي تعرض للمخلوق. والمعنى الآخر: الحق بمعنى الهدى والشرع الذي يريده الله، الذي تعبد الله به العباد، فهذا ضده الباطل وهو الشرك والعصيان ونحو ذلك. قال رحمه الله تعالى: [قالوا: والكفر إنما هو عدم وجود الشريك مثلاً، وإنما أتوا من جهة اللفظ المجمل. فإن الشيء له مرتبتان: مرتبة باعتبار ذاته، فهو إما موجود فيكون حقاً، وإما معدوم فيكون باطلاً. ومرتبة باعتبار وجوده في الأذهان واللسان والبنان، وهو العلم والقول والكتاب؛ فالاعتقاد والخبر والكتابة أمور تابعة للشيء، فإن كانت مطابقة موافقة كانت حقاً، وإلا كانت باطلاً، فإذا أخبرنا عن الحق الموجود أنه حق موجود، وعن الباطل المعدوم أنه باطل معدوم، كان الخبر والاعتقاد حقاً، وإن كان بالعكس كان باطلاً، وإن كان الخبر والاعتقاد أمراً موجوداً، فكونه حقاً أو باطلاً باعتبار حقيقته المخبر عنها لا باعتبار نفسه. ولا يجوز إطلاق القول بأنه حق لمجرد كونه موجوداً إلا بقرينة تبين المراد. وهكذا العمل والقصد والأمر إنما هو حق باعتبار حقيقته المقصودة، فإن حصلت وكانت نافعة كان حقاً، وإن لم تحصل، أو حصل ما لا منفعة فيه كان باطلاً. وبهذين الاعتبارين يصير في الوجود ما هو من الباطل، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، مع ما يوافق ذلك من عقل وذوق وكشف، خلاف زعم هذه الطائفة الضالة المضلة، قال الله تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ [الرعد:١٧]]. هذه الآية اشتملت على المعنيين، على ذكر الحق الباقي وهو السيل، والباطل الزائل وهو الزبد الرابي الذي يطفح فوق السيل، وهو عبارة عن نفاخات الماء، مجرد ما يلامسها أدنى شيء تنفقع؛ لأنها ما هي إلا هواء، والزبد هو هواء ينتفخ لفترة قصيرة ثم يزول، ولا يبقى أكثر من دقائق معدودة على أكثر تقدير، ولا يعرف أن الزبد يبقى مدة طويلة، فهذا مثال للحق وهو السيل، والباطل وهو الزبد الرابي الذي يخالط السيل، وبينهما فرق يدركه كل عاقل، فالحق باق ونافع، وينتج عنه النافع، والباطل زائل وضار، وينتج عنه الضار. قال رحمه الله تعالى: [شبّه ما ينزل من السماء على القلوب من الإيمان والقرآن، فيختلط بالشبهات والأهواء المغوية بالمطر الذي يحتمل سيله الزبد، وبالذهب والفضة والحديد ونحوه إذا أذيب بالنار، فاحتمل الزبد فقذفه بعيداً عن القلب، وجعل ذلك الزبد هو مثل ذلك الباطل الذي لا منفعة فيه، وأما ما ينفع الناس من الماء والمعادن فهو مثل الحق النافع، فيستقر ويبقى في القلب. وقد تقدم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ [محمد:٣]. فأخبر سبحانه أن سبب إضلال أعمال هؤلاء الذين كفروا حتى لم تنفعهم، وأن أعمال هؤلاء الذين آمنوا نفعتهم، فكفرت سيئاتهم، وأصلح الله بالهم، أن هؤلاء اتبعوا الباطل قولاً وعملاً، اعتقاداً واقتصاداً، خبراً وأمراً، وهؤلاء اتبعوا الحق من ربهم ولم يتبعوا ما هو من غير ربهم، وإن كان حقاً من وجه. وهذا تحقيق ما قلناه؛ فإن الخبر والعمل تابع للمخبر عنه، وللمقصود بالعمل، فإذا كان ذلك باطلاً لا حقيقة له كان التابع كذلك وإن كان موجوداً، وكذلك ما تقدم من قوله: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ [البقرة

стр. 144

خمسة أوجه في الاحتجاج بقوله: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) على الاتحادية قال رحمه الله تعالى: [وقالوا: قوله: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل)، والباطل هو المعدوم، فكل ما سوى الله معدوم، والموجود ليس بمعدوم. فالموجود ليس فيه سوى، وإنما السوى هو العدم. فإن هذا مبني على المقدمتين الباطلتين: إحداهما: قولهم: إن الباطل هو المعدوم، فإنه ليس كذلك، بل المعدوم باطل وليس كل موجود باطلاً، بل في الموجود ما هو حق وفيه ما هو باطل كما تقدم، وهو الأعمال التي لا تنفع، والأخبار التي ليست بصدق، وما يندرج في هذين من المقاصد والعقائد. الثانية: لو كان لا باطل إلا المعدوم؛ لكان الموجود حقاً، وكل موجود فقد يسمى حقاً مع القرينة المفسرة باعتبار وجوده، وإن كان باطلاً؛ لانتفاء حقيقته التي بها جاز إطلاق الحق عليه، لكن الحق حقان: حق خالق، وحق مخلوق. وقد كان النبي ﷺ -في الحديث المتفق عليه الذي رواه ابن عباس - يقول إذا قام من الليل: (اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت). وإذا ظهر أن في الوجود ما هو باطل في الحقيقة، ومنه ما هو حق من مخلوقات الله ليس هو الله؛ ظهر تمويههم بقولهم: إن الباطل هو السوى وهو العدم، وأما الموجود فهو هو. وأيضاً فنفس الحديث حجة عليهم؛ فإن قوله: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) لفظ عام يدخل فيه كل موجود سوى الله، فإن لفظ (الشيء) يعم كل الموجود بالاتفاق، ويدخل فيه ما له وجود ذهني أو لفظي أو رسمي كتابي، وإن لم يكن له وجود حقيقي من المعدومات والممتنعات، فهذا نص في أن كثيراً من الموجودات باطل، ولا يجوز أن يراد به: كل معدوم ما خلا الله فهو باطل؛ لخمسة أوجه: أحدها: أنه قد استثنى الله تعالى وهو الحق المبين من لفظ إثبات، ومثل هذا الاستثناء يدل على التناول، بخلاف الاستثناء من غير موجب، كقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء:١٥٧]، فإن ذلك لا يدل على التناول، فلو كان التقدير: كل معدوم ما خلا الله باطل؛ للزم أن يكون الحق تعالى معدوماً، وهذا أبطل الباطل. الثاني: أن (كل شيء) نص في الوجود، لا يجوز قصرها على المعدومات بالاتفاق. الثالث: أن المعدوم لا يدخل في لفظ (كل شيء) عند أهل السنة وعامة العقلاء، فضلاً عن كونه يختص به. الرابع: أنه لو كان المعنى: كل معدوم فهو باطل؛ لكان هذا من باب تحصيل الحاصل، بل لفظ (العدم) أدل على النفي من لفظ الباطل؛ فكيف يبين الجلي بالخفي؟ الخامس: أنه لو أراد هذا لقال: (كل ما سوى الله باطل)، فإن هذه العبارة أقرب إلى احتمال مراد هؤلاء الملاحدة من هذا اللفظ، وإن كانت تلك العبارة لا تدل أيضاً على مرادهم. وإذا لم يكن معنى الحديث ما ادعوه؛ فقد عرف أن كل ما سوى الله فهو باطل بوجهي الباطل اللذين تقدم تفسيرهما: أحدهما: وهو المقصود النافع، والباطل ما لا منفعة في قصده، وكل شيء ما خلا الله إذا كان له القصد والعمل كان ذلك باطلاً، والأمر به باطل، وهذا يشبه حال المشركين الذين كانوا يعبدون غير الله، أو يعبدون الله بغير أمر الله ولا شرعه. فإن قيل: فالباطل هو نفس القصد والعمل لا نفس العين المقصودة؛ قلت: بل نفس العين المقصودة باطل بالاعتبار الذي قُصِدت له، كما جاء في الحديث: (أشهد أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار أرضك باطل إلا وجهك الكريم). وذلك أنه إذا كان الباطل في الأصل هو العدم والعدم هو المنفي؛ فالشيء ينفى لانتفاء وجوده في الجملة، كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]. و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]. وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، وقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [الصافات:٣٥]. وقول النبي ﷺ : (لا نبي بعدي). وقد ينفى لانتفاء فائدته ومقصوده وخاصته التي هو بها هو، كما ذكرناه، فإن ما لا فائدة فيه فهو باطل، والباطل معدوم]. يعني: والباطل معدوم من هذا الوجه. قال رحمه الله تعالى: [وهذا (كقوله ﷺ لما سئل عن الكهان: ليسوا بشيء). ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة:٦٨]. وقد ينفى الشيء لانتفاء كماله وتمامه؛ إما مطلقاً، وإما بالنسبة إلى غيره]. يعني: في الصورة الأولى ينفى الشيء لانتفاء فائدته، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه

стр. 145

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [١٦] معتقد الحلولية والاتحادية هو حصول اتحاد متجدد بين ذاتين كانتا متميزتين، أو حلول إحداهما في الأخرى، وهذا المعتقد وقع فيه النصارى من قبل، وتبعهم فيه غالية هذه الأمة، وهو معتقد ضال بيِّن البطلان، فأنى تتحد ذاتان مختلفتان لمخلوقين يجوز في حقهما التقارب والتباعد؟! ومن باب الأولى أن يكون ذلك بين الخالق والمخلوق.

стр. 146

مقدمة في الرد على الطاعنين في أصول السلف ومناهجهم إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله ﷺ . أما بعد: فبعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا، وأحب أن أنبه -قبل أن نقرأ في الفتاوى- إلى موضوع سبق أن ذكرت بأني سأشرع فيه، وهو محاولة تأصيل بعض القضايا التي أثارتها تلكم النابتة المريبة الغريبة، التي بدأت تتكلم في أصول السلف ومناهجهم. بل بدأت تستهدف هزَّ المسلمات والقطعيات من الدين، ابتداءً من مصادر التلقي: الوحي، والتشكيك في السنة وأسانيدها وفي رجالها، ثم أيضاً في الطعن في أصحاب رسول الله ﷺ أو بعضهم، ثم في الطعن في دين السلف وذممهم وأمانتهم، ونسبة الأهواء والظلم -بل وربما خيانة الدين- إليهم. وأستتبع ذلك ذكر تعاطف هذه النابتة مع الفرق وأهل الأهواء والبدع، والتباكي عليها، ودعاوى أنهم ظلموا، وأن ما يسمى بعقيدة السلف إنما هو قناعات أفراد هم عملاء للسلاطين ونحو ذلك مما عرفتموه مما أثارته هذه النابتة؛ مستغلة هذا التداعي العجيب والسريع ضد السنة وأهلها على مستوى العالم، لا سيما في الفضائيات، فقد استغلت هذه النابتة الفرصة، فبدأت تهز كيان مجتمعنا المسلم السني من داخله، لا سيما وأن طائفة منهم يدعون أنهم منا، وهم -كما قلت لكم- مدُّوا لنا الشمال من وراء ظهورهم ويصفعوننا باليمين. وقد شرعت -بحمد الله- في تأصيل بعض المسائل التي بدءوا يشككون أجيالنا بها، وغرهم بها طائفة من شبابنا الجاهلين بأصول السلف، ومن مثقفينا المغرورين، وغيرهم ممن تعاطفوا معهم، وانضموا إلى خنادقهم. ولي أمل بأن أطرح أهم القضايا التي بحثتها خلال الإجازة في هذا الموضوع في هذا الدرس. وسبب الطرح لا يعني أني انتهيت إلى غاية البحث الذي في نفسي، لكن من أجل أن أفتح للإخوة أبواب البحث في هذه الموضوعات، والرد على هؤلاء الذين هجموا على السنة وأهلها هذه الهجمة الشرسة في هذه الظروف الصعبة، واستغلوا هذا الوقت الحرج. فأنا سأطرح الموضوعات التي كتبتها، وما تيسر لي كتابته هو على شكل مسودة لم تنضج بعد؛ لأنه لم يسعفني الوقت لإكمال موضوعاتها، لكني وضعت الأسس التي في نفسي؛ وسأطرح هذا الموضوع إن شاء الله من خلال هذا الدرس على الإخوة الحاضرين، وعلى غيرهم ممن سيسمع الأشرطة بإذن الله؛ لعلنا نتعاون في درء هذه الفتنة، وبيان فساد منهجها وأسلوبها، لا سيما أنها إلى الآن تدعي العلمية والموضوعية، لا سيما في الفضائيات والإنترنت والمنشورات، بل ويدعون أنهم طرحوا أشياء لم يستطع أهل السنة الجواب عليها، وهذه إحدى الكبر، ينبغي ألا نخذل الحق، وإن كان الحق منصوراً بإذن الله، لكن ليس من الخير لنا أن ينصر الحق على غير أيدينا، ففي هذه الظروف التي نواجه فيها هذه الهجمات الشرسة على السنة، وليس فقط على السنة وأهلها، بل على وحدة هذه البلاد، واجتماع شملها، فظهر لي من خلال الذين أسهموا في تأييد هذه النابتة أنهم لا يخلون من أحد أمرين: أولاً: الحسد. الثاني: الملل من النعمة، ويظهر أنه ظهر فيها جيل ملَّ نعمة الأمن والرخاء والاستقرار، بل ونعمة الخير والسنة. فمن نتائج الرخاء دائماً أن تظهر طوائف وأجيال يعيشون النعمة فلا يقدرونها حق قدرها؛ فصاروا يثبون إلى مثل هذه المنافذ التي تطعن في كيان الأمة والمجتمع. على أي حال إن شاء الله سأطرح هذه القضايا من خلال الدرس، وفي وقتها أنبه على كل مسألة على عناصرها الرئيسية، وكيفية الإسهام في مثل هذه الموضوعات، نسأل الله للجميع التوفيق. والآن نستأنف درسنا في شرح الفتاوى، وكما ذكر سابقاً أننا سننتقي من آخر هذا المجلد انتقاءات الأمور غير المكررة، ونتفادى المحارات الكلامية، والأمور الفلسفية التي تتعب الذهن ولا نصل فيها إلى نتيجة؛ لأن المقصود هو الرد على قوم ابتلوا بمثل هذه المصائب، ونحن -بحمد الله- في عافية من مصائب الاتحاد والحلول ووحدة الوجود. فـ شيخ الإسلام هنا سيذكر أهم وجوه الباطل عند أصحاب وحدة الوجود، ووجه الحق الذي ينبغي أن يعرفه المسلم.

стр. 147

فصل في امتناع الاتحاد والحلول الذاتي المتجدد وإبطال قول من قال: ما ثم تعدد يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل. وأما اتحاد ذات العبد بذات الرب، بل اتحاد ذات عبد بذات عبد، أو حلول حقيقة في حقيقة كحلول الماء في الوعاء؛ فهذا باطل قطعاً، بل ذلك باطل في العبد مع العبد؛ فإنه لا تتحد ذاته بذاته، ولا تحل ذات أحدهما في ذات الآخر. وهذا هو الذي وقعت فيه الاتحادية والحلولية، من النصارى وغيرهم من غالية هذه الأمة وغيرها، وهو اتحاد متجدد بين ذاتين كانتا متميزتين، فصارتا متحدتين، أو حلول إحداهما في الأخرى؛ فهذا بين البطلان]. بمناسبة إشارة الشيخ إلى أن مذهب الاتحادية والحلولية ووحدة الوجود من النصارى وغيرهم من غالية هذه الأمة، يحسن التنويه إلى أن أغلب الطرق الصوفية تنتهي إلى هذه العقيدة قديماً وحديثاً إلى يومنا هذا، التي تعتمد البدع والأوراد البدعية في العبادات، والسماعات والتعلق بالشيوخ من قبل المريدين إلى آخره، فهم في حقيقة الأمر وصل الأمر بهم إلى اعتقاد وحدة الوجود، وهذا أمر محقق علمياً، ولا يمكن أن يستثنى منه إلا النادر من الطرق التي نشأت حديثاً، مثل: مهدية السودان ونحوها، هذه إلى الآن ما يعرف أنها وصلت إلى هذا الاعتقاد، لكن فيها من البدع والطوام ما يجعلها في مصاف الطرق البدعية. أما اعتقاد وحدة الوجود فعليه سائر الطرق، فقد وصل الأمر عند كبرائهم وشيوخهم وفي كتبهم المعتمدة إلى اعتقاد وحدة الوجود. قال رحمه الله تعالى: [وأبطل منه قول من يقول: ما زال واحداً وما ثم تعدد أصلاً، وإنما التعدد في الحجاب، فلما انكشف الأمر رأيت أني أنا، وكل شيء هو الله، سواء قال بالوحدة مطلقاً، أو بوحدة الوجود المطلق دون المعين، أو بوحدة الوجود دون الأعيان الثابتة في العدم. فهذه وما قبلها مذاهب أهل الكفر والضلال، كما أن الأولى مذهب أهل الإيمان والعلم والهدى ومن كفر بالحق من ذلك أو آمن بالباطل، فهما في طرفي نقيض، كاليهود والنصارى]. أشار الشيخ أكثر من مرة إلى مسألة التعدد في الحجاب، وهذه عبارة كثير من أهل البدع الذين إما أنهم انتهوا إلى الاتحاد ووحدة الوجود والحلول، أو على الأقل مالوا إلى هذا المذهب الخبيث، فهؤلاء دائماً يتكلمون عن الحجاب، ويقصدون بذلك تسويغاً لمذهبهم الباطل، أما الأنبياء وأتباعهم من الصالحين أهل الحق والهدى فقلوبهم وعقولهم محجوبة عن حقيقة الاتحاد ووحدة الوجود والحلول، يعني: أن مدارك أهل الإيمان من النبيين وأتباعهم وعقولهم لا تدرك هذه الحقيقة بزعمهم، وأن هذه الحقيقة لا تنكشف إلا لخواص الخواص، والخصوصية عندهم هي الإلحاد، إذا وصل المرء عندهم إلى درجة الإلحاد؛ وصل إلى الخصوصية، فيزعمون أنه إذا وصل إلى هذه الدرجة ارتفعت عنه الحجب، فرأى أن الكون واحد، وأنه لا فرق بين الخالق والمخلوق، وأن الله هو الخلق والخلق هو الله، تعالى الله عما يزعمون.

стр. 148

محبة المؤمنين لربهم ورضوانهم عنه ومحبته لهم وروضوانه عنهم قال رحمه الله تعالى: [وأما المؤمنون فيؤمنون بحق ذلك دون باطله، وكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فيهما الهدى والنور، وفيهما بيان الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فأما إثبات الحق من ذلك وهو ما يحصل لأنبياء الله وأوليائه، الذين هم المتقون من السابقين والمقتصدين، وما قد يحصل من ذلك لكل مؤمن، مثل: محبتهم لله تعالى، ومحبته لهم، ورضوانهم عنه، ورضوانه عنهم، فقد قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]. وقال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]. وقال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:٧٦]. وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٧]. وقال: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٤]. وقال: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]. وقال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]. وقال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤]. وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. وقال: ((قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ)) إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ [التوبة:٢٤]. وقال: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء:١٢٥]. وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]. وقال: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢]. وقال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة:٧ - ٨]. وقال النبي ﷺ : (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي). (إن الله جميل يحب الجمال). (إن الله نظيف يحب النظافة). (إن الله وتر يحب الوتر). (إن الله يحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها). وقال: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أموركم). وفي القرآن من ذكر الاصطفاء والاجتباء والتقريب والمناجاة والمناداة والخلة ونحو ذلك ما هو كثير، وكذلك في السنة. وهذا مما اتفق عليه قدماء أهل السنة والجماعة وأهل المعرفة والعبادة والعلم والإيمان]. أراد الشيخ أن ينبه على أمر قدَّم له قبل قليل، ثم ختم أيضاً بهذه الخاتمة التي أراد بها أن يذكر وجه الاستنتاج من هذه النصوص، فالشيخ يقول: إن الذين موهوا على الناس في مسألة الحلول والاتحاد ووحدة الوجود أخذوا جانباً من الجوانب التي يمكن أن يعبر عنها شرعاً بأنها قرب بين العبد وربه، فاستغلوا مسألة القرب والاجتباء والاصطفاء والمحبة والرضا ليجعلوها وسيلة إلى القول بالوحدة والاتحاد والحلول، لا سيما وأن النصارى أكثر مفاهيمهم للحلول التي عبروا فيها عن التثنية والتثليث تدور حول هذه المعاني، وهو من باب الإيهام. وهناك قدر صحيح ف

стр. 149

موقف الجهمية الغلاة من المحبة والخلة قال رحمه الله تعالى: [وخالف في حقيقته قوم من الملحدة المنافقين، المضارعين للصابئين ومن وافقهم، والمضارعين لليهود والنصارى، من الجهمية، أو من فيه تجهم، وإن كان الغالب عليه السنة]. يقصد بمن فيه تجهم متكلمة الأشاعرة والماتريدية والكلابية، فهؤلاء ليسوا جهمية ولا ملاحدة ولا منافقين، لكن فيهم تجهم، وهذا التجهم أدى بهم إلى الدخول في هذه المتاهات، وعدم تحرير التوحيد على وجه شرعي بألفاظ شرعية كما هو مذهب السلف، وصاروا يقررون التوحيد بألفاظ أحياناً ينكرون فيها معاني المحبة، فأهل الكلام أو بعضهم عكس أهل الاتحاد والحلول تماماً؛ لأن أهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود بالغوا في الزندقة، أما بعض المتكلمين المنتسبين للسنة فقد أنكروا بعض الأمور التي تتعلق بأفعال الله ، وأحواله مع عباده، مثل: المحبة، والرضا، والقرب ونحو ذلك. قال رحمه الله تعالى: [فتارة ينكرون أن الله يخالل أحداً، أو يحب أحداً، أو يواد أحداً، أو يكلم أحداً، أو يتكلم، ويحرفون الكلم عن مواضعه؛ فيفسرون ذلك تارة بإحسانه إلى عباده، وتارة بإرادته الإحسان إليهم، وتارة ينكرون أن الله يحب أو يخالل. ويحرفون الكلم عن مواضعه في محبة العبد له؛ بأنه إرادة طاعته، أو محبته على إحسانه]. أي: أنهم يفسرون المحبة بالإحسان إلى العباد، أو بإرادة الإحسان وبالإنعام، وكذلك المودة قد يفسرونها بلطف الله بعباده، وبإحسانه إليهم، وبإرادة الإحسان، ثم ينكرون أن الله يحب من يشاء من عباده أو يخالل، وهذه أول من فتقها وابتدعها في الأمة أوائل الجهمية: الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، ثم صارت مذهباً لكثير من طوائف المتكلمين.

стр. 150

إنكار الله تعالى للباطل من الحلول والاتحاد في آيات كثيرة قال رحمه الله تعالى: [وأما إنكار الباطل فقد نزه الله نفسه عن الوالد والولد، وكفر من جعل له ولداً أو والداً أو شريكاً، فقال تعالى في السورة التي تعدل ثلث القرآن التي هي صفة الرحمن، ولم يصح عن النبي ﷺ في فضل سورة من القرآن ما صح في فضلها؛ حتى أفرد الحفاظ مصنفات في فضلها، كـ الدارقطني، وأبي نعيم، وأبي محمد الخلال. وأخرج أصحاب الصحيح فيها أحاديث متعددةً، قال فيها: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]. وعلى هذه السورة اعتماد الأئمة في التوحيد، كالإمام أحمد، والفضيل بن عياض وغيرهما من الأئمة قبلهم وبعدهم. فنفى عن نفسه الأصول والفروع والنظراء]. نفي الأصول: هو معنى قول الله : ((وَلَمْ يُولَدْ))، ونفي الفروع: هو معنى قوله : ((لَمْ يَلِدْ))، وفي النظراء والشبيه والمثل: قوله : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]. قال رحمه الله تعالى: [فنفى عن نفسه الأصول والفروع والنظراء، وهي جماع ما ينسب إليه المخلوق من الآدميين والبهائم والملائكة والجن، بل والنبات ونحو ذلك؛ فإنه ما من شيء من المخلوقات إلا ولا بد أن يكون له شيء يناسبه إما أصل، وإما فرع، وإما نظير، أو اثنان من ذلك أو ثلاثة، وهذا في الآدميين والجن والبهائم ظاهر. وأما الملائكة فإنهم وإن لم يتوالدوا بالتناسل فلهم الأمثال والأشباه؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات:٤٩] ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠]، قال بعض السلف: لعلكم تتذكرون فتعلمون أن خالق الأزواج واحد. ولهذا كان في هذه السورة الرد على من كفر من اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين، فإن قوله: ((لَمْ يَلِدْ)) رد لقول من يقول: إن له بنين وبنات من الملائكة أو البشر، مثل من يقول: الملائكة بنات الله، أو يقول: المسيح، أو عزير ابن الله، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٠]. وقال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمْ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٤٩ - ١٥٨]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣٠ - ٣١]. وقد أخبر أن هذا مضاهاة لقول الذين كفروا من قبل. وقد قيل: إنهم قدماؤهم، وقيل: مشركو العرب، وفيهما نظر؛ فإن مشركي العرب الذين قالوا هذا ليسوا قبل اليهود والنصارى وقدمائهم منهم، فلعله الصابئون المشركون، الذين كانوا قبل موسى والمسيح بأرض الشام ومصر وغيرها، الذين يجعلون الملائكة أولاداً له، كما سنبينه. وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمْ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمْ الْحُسْنَى﴾ [النحل:٦٢]، وهو قول من قال من العرب: إن الملائكة بنات الله. وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ * وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ *

стр. 151

الأسئلة

стр. 152

الفرق بين الحلول والاتحاد ووحدة الوجود من حيث المآل السؤال هل هناك فرق واضح بين الحلول والاتحاد ووحدة الوجود؟ الجواب في الحقيقة المآل واحد، الحلول ينتهي إلى الاتحاد، ثم الاتحاد ينتهي إلى وحدة الوجود، أو يقال: الاتحاد ينتهي إلى الحلول، والحلول ينتهي إلى وحدة الوجود، لكن قد يتبين الفرق بالمثال: الحلول: هو أن الله يحل في خلقه أو في بعض خلقه كحلول الروح في الجسد، كما يزعمون، تعالى الله عما يقولون، وهذا المذهب أصحابه على طرائق ومذاهب شتى. والاتحاد: هو أن الخالق متحد بالخلق، مع وجود شيء من التميز العقلي فقط، ليس تميزاً حقيقياً، كاتحاد الماء في الطين أو في العجين، الماء كان ماء والطين كان تراباً، وكان العجين دقيقاً، فلما خلط الماء مع الدقيق صار عجيناً؛ فهذا يمثل عندهم الاتحاد. وأحياناً يمثلون الحلول بالنور في الزجاجة البيضاء إذا صدع فيها النور، فيقولون: النور يدخل ويحل فيها. أما وحدة الوجود فتلغي كل هذه الاعتبارات، فلا حلول ولا اتحاد، فهم يعتبرون الوجود واحداً، إنما الاختلاف في التعبير عن الله والتعبير عن المخلوقات اختلافاً لفظياً عبَّر به المحجوبون عن الحقيقة وهم الأنبياء والمؤمنون.

стр. 153

حكم القراءة في كتب الحارث المحاسبي السؤال ما رأيكم في كتب الحارث المحاسبي خاصة (رسالة المسترشدين)؟ الجواب طالب العلم المتمكن من العقيدة لا مانع أن يقرأ مثل هذه الكتب، مع أنه ليس بحاجة إليها، أما طالب العلم غير المتمكن فلا ينبغي أن يقرأ مثل هذه الكتب. والحارث المحاسبي يعد من العبَّاد المشاهير، وكتبه فيها مداخل غامضة، والتعبيرات فيها عن عقيدة التوحيد تعبيرات دقيقة جداً وغامضة ليست واضحة، وأحياناً تكون محتملة لعدة معان وأوجه؛ فالأولى ألا يرشد إليها المبتدئ، وفي النقي الصافي الكفاية، في كلام الله وكلام رسوله ﷺ وأهل العلم الذين لم تشبهم الشوائب الكفاية، والحمد لله.

стр. 154

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [١٧] لقد تميز أسلوب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مناصحته لمخالفيه بالعدل والإنصاف، فتجده يذكر محاسن ذلك الشخص ومميزاته، مع الحذر من الوقوع في مخالفة أهل السنة والجماعة في العقيدة وغيرها، وهو بفعله هذا يدل على شفقته بالمنصوح، وإرادة الهداية له، وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة، فهم كما يقول ﵀: يحبون الحق ويرحمون الخلق، وفي رسالته إلى نصر المنبجي دليل على ذلك الأسلوب الرائع الموفق منه رحمه الله تعالى.

стр. 155

رسالة شيخ الإسلام إلى نصر المنبجي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فبعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا كالمعتاد، وسنبدأ الآن في قراءة من مجموع الفتاوى، في المجلد الثاني من صفحة (٤٥٢)؛ لأن ما بعد الدرس السابق موضوعات من المسائل التي فيها متاهات كلامية ومحارات لا حاجة لنا بها، والشيخ ﵀ إنما كتبها للرد على أولئك الأقوام أو المتأثرين بهم، ولسنا بحاجة إليها؛ لذلك ننتقل الآن إلى صفحة (٤٥٢). قال شيخ الإسلام قدَّس الله روحه: [بسم الله الرحمن الرحيم. من أحمد بن تيمية إلى الشيخ العارف القدوة السالك الناسك أبي الفتح نصر فتح الله على باطنه وظاهره ما فتح به على قلوب أوليائه، ونصره على شياطين الإنس والجن في جهره وإخفائه، ونَهَج به الطريقة المحمدية الموافقة لشرعته، وكشف به الحقيقة الدينية المميزة بين خلقه وطاعته، وإرادته ومحبته؛ حتى يُظِهر للناس الفرق بين الكلمات الكونية والكلمات الدينية، وبين المؤمنين الصادقين الصالحين، ومن تشبه بهم من المنافقين، كما فرق الله بينهما في كتابه وسنته. أما بعد: فإن الله تعالى قد أنعم على الشيخ، وأنعم به نعمة باطنة وظاهرة في الدين والدنيا، وجعل له عند خاصة المسلمين الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً منزلة علية، ومودة إلهية؛ لما منحه الله تعالى به من حسن المعرفة والقصد، فإن العلم والإرادة أصل لطريق الهدى والعبادة]. في هذه المقدمة نستطيع أن نستجلي منهج الشيخ في التعامل مع الآخرين، وهو منهج شرعي أصيل، سلكه كثير من الأئمة والعلماء الذين يكاتبون غيرهم من العلماء، سواء كانوا من الموافقين أو من المخالفين، ما لم يكونوا من أصحاب البدع المغلظة الكبرى، أي: من المنحرفين الضالين. والشيخ إذا كتب للعلماء الذي لهم قدرهم واعتبارهم، وإن كانوا ممن لهم زلات أو بدع أو مآخذ، يكتب لهم بأسلوب المُقَدِّر لهم، والمنوه عن فضائلهم، المؤدب مع العلماء، فهو يثني عليهم بما فيهم من الخير، ويتغاضى عما هم عليه من الأخطاء والزلات؛ لأنه لا يقصد في مثل هذه الرسالة التشهير، أو معالجة الأخطاء بالأسلوب الذي يسلكه كثير من الناس، والشيخ حتى مع الكفار من ملوك ورؤساء ووزراء وغيرهم يكتب لهم كتابة يكون فيها إشارة إلى قدرهم، أياً كانوا، إن كانوا علماء فيذكر فضلهم وعلمهم إلى آخره، وإن كانوا وزراء فيذكر محاسنهم، وإن كانوا ملوكاً يتلطف معهم في الخطاب لدعوتهم ونصحهم، فهو ﵀ يؤثر خطاب النصيحة في الخطابات الخاصة، ولا أعرف من كتابات الشيخ ﵀ للآخرين -وإن كان من المخالفين- إلا أنه يسلك هذا الأسلوب، أسلوب الملاينة والمناصحة، والاعتراف بما عند المخالف من الفضل والعلم والقدر، وإثارة هذا الأمر والجانب فيه؛ لجره إلى الخير، وتهيئة نفسه لقبول النصيحة.

стр. 156

الفرق بين المحبة الإيمانية والوجد المذموم قال رحمه الله تعالى: [وقد بعث الله محمداً ﷺ بأكمل محبة في أكمل معرفة، فأخرج بمحبة الله ورسوله ﷺ -التي هي أصل الأعمال- المحبة التي فيها إشراك وإجمال، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤]. ولهذا كانت المحبة الإيمانية هي الموجبة للذوق الإيماني والوجد الديني، كما في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان في قلبه: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار)، فجعل ﷺ وجود حلاوة الإيمان معلقاً بمحبة الله ورسوله الفاضلة، وبالمحبة فيه في الله، وبكراهة ضد الإيمان]. يريد الشيخ ﵀ أن يجر العلماء المهتدين ممن يستعملون المصطلحات الصوفية إلى المعاني الشرعية، فكلمة الوجد والذوق التي استعملها هي كلمات ومصطلحات صوفية، الأصل أن نتجنبها، ولسنا بحاجة إليها، ولم ترد في الكتاب والسنة، والاشتباه فيها أكثر، فهي مشتبهة، والغالب أنها تستعمل على الوجه الباطل، لكن الشيخ يحاول أن يجر الذين ابتلوا باستعمال هذه المصطلحات من العلماء والعبَّاد إلى المعاني الشرعية التي يمكن أن تحتملها ألفاظ هذه المصطلحات، مع أنه ينفي المعاني البدعية، وينوه دائماً عن فسادها وعن ابتداعها، فهو يشير في قوله: (المحبة الإيمانية الموجبة للذوق الإيماني والوجد به) استعمل هذه المصطلحات ليشير إلى أن الوجد والذوق كل منهما مقيد بالمعاني الشرعية التي يجب أن ترد إلى الكتاب والسنة، وإلى معاني الإيمان وثمراته. قال رحمه الله تعالى: [وفي صحيح مسلم عن العباس قال: قال رسول الله ﷺ : (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً)، فجعل ذوق طعم الإيمان معلقاً بالرضا بهذه الأصول، كما جعل الوجد معلقاً بالمحبة؛ ليفرق ﷺ بين الذوق والوجد الذي هو أصل الأعمال الظاهرة وثمرة الأعمال الباطنة، وبين ما أمر الله به ورسوله ﷺ وبين غيره، كما قال سهل بن عبد الله التستري: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل، إذ كان كل من أحب شيئاً فله ذوق بحسب محبته. ولهذا طالب الله تعالى مدعي محبته بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، قال الحسن البصري: ادعى قوم على عهد رسول الله ﷺ أنهم يحبون الله؛ فطالبهم بهذه الآية، فجعل محبة العبد لله موجبة لمتابعة رسوله ﷺ ، وجعل متابعة رسوله موجبة لمحبة الرب عبده. وقد ذكر نعت المحبين في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، فنعت المحبين المحبوبين بوصف الكمال الذي نعت الله به رسوله الجامع بين معنى الجلال والجمال المفَرَّق في الملتين قبلنا، وهو الشدة والعزة على أعداء الله، والذلة والرحمة لأولياء الله ورسوله]. أراد الشيخ أن يبين هنا أن الملتين السابقتين: ملة موسى ﵇، وملة عيسى ﵇، كل واحدة منهما تميزت بميزة، وأن الكمال الذي وصف الله به هذه الأمة وميزها به مفَرَّق بين الملتين، فملة موسى ﵇ تميزت بالشدة والعزة والقوة؛ لأنها كانت رسالة إلى أهل الكبرياء والتعالي الفراعنة، ثم إلى بني إسرائيل الذين احتاجوا إلى هذا الموقف إزاء الباطل، والرحمة في ملة عيسى ﵇؛ ولذلك عيسى لم يبعث إلى سلطان كما بعث موسى إلى سلطان، فميز الله ملة موسى ﵇ بالشدة والعزة على أعداء الله، وميزت رسالة عيسى ﵇ بالرحمة والرفق، فجمع الله هاتين الخصلتين في هذه الأمة، جعل في هذه الأمة القوة والعزة على الكافرين، وجعل الرحمة والذلة للمؤمنين. قال رحمه الله تعالى: [ولهذا يوجد كثير ممن له وجد وحب مجمل مطلق]. يعني: الحب المجمل المطلق هو الذي لا يصرف إلى معين، هذا الحب ل

стр. 157

مجيء الشريعة في العبادة باسم الله وفي السؤال باسم الرب قال رحمه الله تعالى: [فهو سبحانه مستحق التوحيد، الذي هو دعاؤه وإخلاص الدين لي، دعاء العبادة بالمحبة والإنابة والطاعة والإجلال والإكرام والخشية والرجاء ونحو ذلك من معاني تألهه وعبادته، ودعاء المسألة والاستعانة بالتوكل عليه والالتجاء إليه والسؤال له، ونحو ذلك مما يفعل سبحانه بمقتضى ربوبيته، وهو سبحانه الأول والآخر والباطن والظاهر. ولهذا جاءت الشريعة الكاملة في العبادة باسم الله، وفي السؤال باسم الرب، فيقول المصلي والذاكر: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وكلمات الأذان: الله أكبر الله أكبر إلى آخرها ونحو ذلك]. يشير الشيخ هنا إلى معنى مهم، وهو أن العبادة هي توجه العباد بقلوبهم وأعمالهم إلى الله ، وهي التأليه، وهذه تشمل كل معاني العبادة، ويجمعها أن العبد يتوجه إلى ربه بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والتوكل وسائر الأعمال القلبية، فهو حينما يعبد الله يعبده مؤلهاً له، متوجهاً إلى ربه بجميع أنواع التوجه؛ لأن من أعظم معاني اسم الجلالة (الله) انجذاب العباد إلى ربهم بقلوبهم وأعمالهم وأحوالهم، وهذه عبادة غالباً تكون عبادة محضة. والنوع الثاني: السؤال، وهو استجلاب المنفعة للعبد من ربه، واستدفاع الضر منه ؛ فيكون متوجهاً إلى معنى الربوبية التي هي أفعال الله . فالإنسان إذا عبد الله فباب العبادة هو الألوهية، وإذا سأل الله فباب السؤال هو الربوبية؛ ولذلك إذا كان الذكر محضاً؛ فينبغي أن يكون غالباً بوصف الله بالإلهية، وإذا كان الذكر دعاء واستجلاباً؛ فينبغي أن يركز العبد على أوصاف الربوبية لله ، فيقول: يا رب يا رب! لاستجلاب المنفعة ودفع المضرة، وفي الذكر وتعظيم الله الأولى أن يكثر من استعمال لفظ الجلالة (الله). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي السؤال ﴿ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف:٢٣]. ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح:٢٨]. ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧]. ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص:١٦]. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [آل عمران:١٤٧]. ﴿رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١١٨] ونحو ذلك. وكثير من المتوجهين السالكين يشهد في سلوكه الربوبية، والقيومية الكاملة الشاملة لكل مخلوق، من الأعيان والصفات. وهذه الأمور قائمة بكلمات الله الكونية، التي كان النبي ﷺ يستعيذ بها، فيقول: (أعوذ بكلمات الله التامات، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق، وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن)].

стр. 158

فناء كثير من السالكين بالتوحيد الرباني عن التوحيد الإلهي قال رحمه الله تعالى: [فيغيب ويفنى بهذا التوحيد الرباني عما هو مأمور به أيضاً ومطلوب منه]. يريد الشيخ أن يبين للمرسل إليه المعاني الباطلة بالأسلوب المؤدب غير المباشر في النقد، فاستعمل مصطلحات الصوفية لجرهم إلى المعاني الموافقة للحق، يقول: (فيغيب ويفنى) هذه الكلمات ليست من الكلمات الشرعية، يعني: الغياب والفناء، ولا ينبغي أن يستعملها المسلم الذي سلم من هذه الاتجاهات، لكن الشيخ استعملها لجرهم إلى المعنى الصحيح، فيقول: (يغيب ويفنى بهذا التوحيد الرباني) يعني: يلهو وينشغل بتوحيد الربوبية عما هو مأمور به ومطلوب منه وهو توحيد الإلهية، فهو يشير إلى خطئهم في أنهم يركزون على جانب الربوبية ويغفلون أو يضعف عندهم التركيز على جانب الألوهية؛ ولذلك يكثرون من التعبد والتأمل والتحنث، ويقل عندهم دعاء السؤال من الله ، ويقل عندهم أيضاً الاهتمام بجانب العبادة المحضة من الصلوات، والصيام، والصدقات، وبذل الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد الذي هو من مقتضيات العبادة. قال رحمه الله تعالى: [فيغيب ويفنى بهذا التوحيد الرباني عما هو مأمور به أيضاً ومطلوب منه، وهو محبوب الحق ومرضيه من التوحيد الإلهي الذي هو عبادته وحده لا شريك له، وطاعته وطاعة رسوله ﷺ , والأمر بما أمر به والنهي عما نهى عنه، والحب فيه والبغض فيه. ومن أعرض عن هذا التوحيد وأخذ بالأول؛ فهو يشبه القدرية المشركية، الذين قالوا: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]. ومن أخذ بالثاني دون الأول؛ فهو من القدرية المجوسية، الذين يزعمون أن الله لم يخلق أفعال العباد، ولا شاء جميع الكائنات، كما تقول المعتزلة والرافضة، ويقع في كلام كثير من المتكلمة والمتفقهة]. يقصد بالأول: اعتبار جانب الربوبية كما تفعل المتصوفة وإغفال جانب الإلهية، ويقصد بالثاني العكس: اعتبار جانب التشريع والشرع والأمر، وإغفال جانب الربوبية الذي هو القدر. إذاً: فالصوفية يعنون بجانب القدر ويهملون الشرع، والآخرون المعتزلة ومن سلك سبيلهم يعنون بجانب الشرع والأمر والنهي، ويغفلون جانب القدر، أو يختل منهجهم في جانب القدر. والحق وسط بين ذلك وذاك؛ فإن الحق هو اعتبار الأمرين، المسلم لا بد أن يعبد الله مؤمناً بقدره وملتزماً بأمره، يجمع بين الأمر والقدر، كما ورد في الشرع وفق قواعد وضوابط شرعية، ليس مجرد جمع إقراري دون التزام الأصول والقواعد التي يكون فيها التزام الشرع مع التسليم بالقدر. قال رحمه الله تعالى: [والأول ذهب إليه طوائف من الإباحية المنحلين عن الأوامر والنواهي، وإنما يستعملون ذلك عند أهوائهم، وإلا فهو لا يستمر، وهو كثير في المتألهة الخارجين عن الشريعة خفو العدو]. يبدو لي أن عبارة (خفو العدو) مندرجة خطأً؛ فتحذف؛ لأن الكلام يستقيم بدونها، وهي كلمة لا معنى لها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهو كثير في المتألهة الخارجين عن الشريعة وغيرهم؛ فإن لهم زهادات وعبادات فيها ما هو غير مأمور به، فيفيدهم أحوالاً فيها ما هو فاسد، يشبهون من بعض الوجوه الرهبان وعباد البدود]. البدود: هي الأوثان، فمن أسمائها عند الهنود وفي آسيا الشرقية: البدود.

стр. 159

قول الشيخ عبد القادر الجيلاني في القدر قال رحمه الله تعالى: [ولهذا قال الشيخ عبد القادر قدس الله روحه: كثير من الرجال إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، وأنا انفتحت لي فيه روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والولي من يكون منازعاً للقدر لا من يكون موافقاً له]. كلام الشيخ عبد القادر كلام مجمل لسنا بحاجة إليه؛ لكن نظراً لتعلق الصوفية بالشيخ عبد القادر فنقول: هذه الكلمة لها محامل صحيحة وباطلة، فـ شيخ الإسلام ﵀ أراد أن يجرهم إلى الحق من خلال المحمل الحق الموجود في هذه الكلمة؛ لأن الكلمة تعني عند التأمل الجمع بين الشرع والقدر، وعدم ادعاء التعارض بينهما؛ لأن الصوفية يدعون التعارض، وأنه لا يمكن أن يخضع الإنسان للقدر ثم يلتزم الشرع، فإن خضع للقدر لا بد أن ينسى نفسه، وينسى شهوده بمشهوده، ووجوده بموجوده، إلى آخر العبارات التي هي أقرب إلى الفلسفة منها إلى الحق. إذاً: كلام الشيخ عبد القادر له محمل حق، فأراد الشيخ أن يجرهم إلى المعنى الحق من خلال هذا المحمل، وإلا فالمؤمن المهتدي صاحب السنة ليس بحاجة إلى هذه المعاني أبداً، وإنما تكفيه ألفاظ الشرع الواردة في الكتاب والسنة، فليس بحاجة إلى مثل هذه المعاني التي تحتاج إلى شرح، وكلها تقوم على التلميح والغموض، والكلام الإشاري، ومع ذلك فهو أراد أن يقرر الجمع بين الشرع والقدر، وأن الولي من يكون منازعاً للقدر، أي: لا يقعد عن الطاعة وعن بذل الأسباب؛ بسبب التسليم للقدر، كما يفعل غلاة الصوفية. قال رحمه الله تعالى: [وهذا الذي قاله الشيخ تكلم به على لسان المحمدية، أي: أن المسلم مأمور أن يفعل ما أمر الله به، ويدفع ما نهى الله عنه، وإن كانت أسبابه قد قدرت، فيدفع قدر الله بقدر الله، كما جاء في الحديث الذي رواه الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: (إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض)، وفي الترمذي: (قيل: يا رسول الله! أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها، وتقى نتقيها، هل تردُّ من قدر الله شيئاً؟ فقال: هن من قدر الله). وإلى هذين المعنيين أشار الحديث الذي رواه الطبراني أيضاً عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: (يقول الله: يا ابن آدم! إنما هي أربع: واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين خلقي، فأما التي لي: فتعبدني لا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك: فعملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه، وأما التي هي بيني وبينك: فمنك الدعاء، وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين خلقي: فائت إلى الناس بما تحب أن يأتوه إليك)].

стр. 160

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [١٨] للعبد مقامات ثلاثة في التوحيد، فإما أنه يعبد ربه وهو يفرق بين الأمور القدرية وبين مقام الأمر والنهي، وهذا هو المنهج الصحيح السليم، وإما أن ينتهج منهج القاصرين الذين يضعف ميلهم إلى العمل بالشرع وربما ينعدم، وإما أن ينتهج طريق الفناء الكامل كما عبر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.

стр. 161

مقامات العبد في التوحيد الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ثم إن التوحيد الجامع لتوحيد الألوهية والربوبية، أو توحيد أحدهما، للعبد فيه ثلاث مقامات: أحدها: مقام الفرق والكثرة بإنعامه من كثرة المخلوقات والمأمورات]. من خلال هذه العبارات ساير الشيخ ﵀ المتصوفة؛ من أجل أن يجذب هؤلاء إلى المفاهيم الشرعية بمصطلحاتهم هم، وإن كان هو في منهجه الخاص وفي تقريره لنهج أهل السنة والجماعة لا يسلك هذا المسلك، يعني: لا يقرر العقيدة على هذا النحو حينما يعبر عن منهج أهل السنة والجماعة، منهج أهل الحديث، منهج السلف الصالح؛ لكن نظراً لأنه الآن يخاطب واحداً من كبار القوم، ويريد أن يجره إلى الحق جراً رفيقاً من خلال استعمال مصطلحات القوم، وتحويلها قدر الإمكان إلى معان شرعية، تبعدهم عن المعاني البدعية الضالة، التي أوقعتهم في وحدة الوجود والاتحاد والحلول. فقوله: (مقام الفرق والكثرة بإنعامه من كثرة المخلوقات والمأمورات) يعني: التفريق بين الخلق المتمثل بتوحيد الربوبية وبالقدر، وبين الأمر المتمثل بتوحيد الإلهية والشرع، فمقام الفرق هذا مقام صحيح إذا استعمل على وجه صحيح، بل هو المقام الذي ينبغي أن يكون، بمعنى أن على المسلم أن يعبد ربه وهو يفرق بين الأمور القدرية المتمثلة بتوحيد الربوبية -والتي هي أمور فطرية الإنسان محكوم بها شاء أم أبى- وبين مقام الأمر المتمثل بأوامر الله ونواهيه. فالمسلم عندما يفرق بين هذين الأمرين، فإنه يكون على المنهج الصحيح السليم، ويجب على المسلم أن يعبد الله على هذا الأساس. قال رحمه الله تعالى: [والثاني: مقام الجمع والفناء، بحيث يغيب بمشهوده عن شهوده، وبمعبوده عن عبادته، وبموحده عن توحيده، وبمذكوره عن ذكره، وبمحبوبه عن حبه؛ فهذا فناء عن إدراك السوى، وهو فناء القاصرين]. هذا النوع مذموم، والشيخ إنما أراد أن ينقدهم من خلال مصطلحاتهم؛ لأن مقام الجمع والفناء يرجع إلى نزعة فلسفية عند عبَّاد الأمم الضالة، يزعمون أن الإنسان بالعبادة والتحنث يلغي الماديات، ولم يعد يشعر إلا بالوجود الواحد، بحيث يغيب العابد عندهم عن شعوره بانفراد الخالق ، وهذا خطأ فادح قد يؤدي إلى الشرك والحلول والاتحاد. أو كذلك يغيب بمشهوده وهو عبادة الرب وتوجهه إلى الله، عن شهوده وهو هذا الخلق الذي بين يديه، فكأنه من إمعانه في العبادة لم يشعر بوجود الخلق من حوله، ويزعمون أنه بذلك يتحد العابد عندهم بربه، فلم يعد يفرق بين الخالق والمخلوق، وبمعبوده وهو الله عن عبادته، وبموحده عن توحيده، وهذه كلها معان فلسفية صوفية تحمل غالباً معاني باطلة. وقد يستعملها بعض العباد الجهلة وبعض شيوخ الصوفية الذين ليس عندهم ضلال خالص في وحدة الوجود والاتحاد، لكن عندهم نزعة، قد يستعملونها على وجه صحيح فيه تكلف، بمعنى أن العابد من قوة ولايته لله قد لا يشعر بما حوله، فيستغني بمعبوده عن الخلق، أو بمشهوده وهو الله عن شهود من حوله وهكذا. وقوله: (وهو فناء القاصرين) يعني: أن الذين يسلكون هذا المسلك فيهم جهل، وقد يؤدي بهم هذا الجهل إلى القول بالحلول والاتحاد والفناء، وهذا حصل من كثير منهم، فتستهوي هذا الصنف هذه العبادة على الجهل، ويستشعر الفناء بالقدر وبالربوبية، فيضعف عنده الميل إلى العمل بالشرع، وربما ينعدم كما هو عند غلاتهم الذين أعلنوا الحلول والاتحاد ووحدة الوجود. قال رحمه الله تعالى: [وأما الفناء الكامل المحمدي: فهو الفناء عن عبادة السوى، والاستعانة بالسوى، وإرادة وجه السوى]. هذه العبارات استعملها الشيخ في التعبير عن الحق استعمالاً فيه لبس وإشكال، لكن كما قلت: هو يخاطب أحد كبار الشيوخ الذين ابتلوا بهذه المصطلحات، فهو يخاطبه ليجره إلى الحق. ويقصد بالفناء الكامل المحمدي: عبادة الله ، فقوله: (فهو الفناء عن عبادة السوى) يعني: ألا يعبد إلا الله، لكن استعمال كلمة الفناء عن عبادة السوى فيها لبس، والشيخ لم يستعملها في تقرير الحق على منهج أهل الحق، إنما استعملها لجرِّ القوم إلى المفاهيم الصحيحة، كما فعل ابن القيم في مدارج السالكين. إذاً: المقصود أن الفناء الكامل هو ألا يعبد الإنسان إلا الله ، ولا يستعين إلا بالله، ولا يريد إلا وجه الله، هذا معنى قوله: (فهو الفناء عن عبادة السوى) وقوله: (والاستعانة بالسوى) وقوله: (وإرادة وجه السوى) ولذلك أرى أنه يجب على طالب العلم ألا يستعمل هذه العبارات في التعبير عن الحق، لكن قد يحتاج إليها عندما يريد أن يصحح للقوم مذاهبهم، ويجرهم إلى المفاهيم الشرعية بمصطلحاتهم هم، وعلى ما في ذلك من اللبس، فإنه إذا كان وسيلة تقرب هؤلاء القوم إلى الحق فهي وسيلة مؤقتة لا ينبغي أن يستقر عليها منهج طالب العلم والمسلم. قال رحمه الله تعالى: [وهذا في الدرجة الثالثة، وهو شهود التفرقة في الجمع، والكثرة في الوحدة، فيشهد قيام الكائنات مع تف

стр. 162

الشرعة والمنهاج الإسلاميان وبيان التوحيد الصحيح الذي يشير إليه علماء الاسلام قال رحمه الله تعالى: [وهذا هو الدين الجامع العام الذي اشترك فيه جميع الأنبياء، والإسلام العام والإيمان العام، وبه أنزلت السور المكية، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]. وبقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]. وبقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]؛ ولهذا ترجم البخاري عليه: باب ما جاء أن دين الأنبياء واحد. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٦٢]، فجمع في الملل الأربع من آمن بالله واليوم الآخر، وعمل صالحاً، وذلك قبل النسخ والتبديل]. استدل الأئمة العلماء بهذه الآية على أن الصابئين من الأمم الكتابية، أو أن عندهم شبهة كتاب، فبالتالي يعاملون معاملة اليهود والنصارى في أحكام الذمة، ويلحقون بأهل الكتاب، وهم ذكروا على أن منهم طوائف صالحة، وهم الذين آمنوا يعني: المسلمين، (إن الذين هادوا والنصارى والصابئين) فهنا ذكر الصابئين على أن منهم من آمن، وأنهم يؤجرون على هذا الإيمان، ففيه دلالة غير مباشرة على أن أصل دين الصابئة قبل التحريف كان على التوحيد، وقد أشار بعض الباحثين على أن الصابئة مرت بمراحل: مرحلة ما قبل إبراهيم ﵇، كانت الصابئة على الشرك الخالص، وهم الذين بعث فيهم إبراهيم ﵇، ثم إنهم بعد ذلك آمن منهم أناس برسالة إبراهيم، وبقي وصفهم على أنهم صابئة وهم على التوحيد، ثم حرفت ديانتهم بعد ذلك، وهم من أشار إليهم القرآن هنا من المؤمنين من الصابئة الذين بقوا على دين إبراهيم فهؤلاء لهم أجرهم، حتى دخل التحريف هذه الديانة. هذه كلها ليس عليها أدلة قاطعة، إلا أن هناك إشارة إلى أن هذه الديانة كان فيها من هم على استقامة، وهي إشارة واضحة لا تحتاج إلى تكلف، لكن هل الصابئة على أكثر من معنى: صابئة موحدة، وصابئة مشركة، الله أعلم، هذا أمر يحتاج إلى تحقيق. والفناء المحمدي هو المقام الثالث. قال رحمه الله تعالى: [وخص في أول الآية المؤمنين، وهو الإيمان الخاص الشرعي الذي قال فيه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] والشرعة: هي الشريعة، والمنهاج: هو الطريقة، والدين الجامع: هو الحقيقة الدينية، وتوحيد الربوبية: هو الحقيقة الكونية، فالحقيقة المقصودة الدينية الموجودة الكونية متفق عليها بين الأنبياء والمرسلين]. بعض الباحثين يتشدد في مسألة استعمال المنهج في الجمع: المناهج، ويرى أنه لا يجوز في مذاهب السلف أن نسميها: مناهج؛ لأنها ليست متعددة، والحقيقة أن هذه أمور ترجع إلى المقصود وإلى الاصطلاح، فالصحيح أنه يجوز استعمال المنهج على مناهج، وإن كان المقصود به التعبير عن مذهب السلف أهل السنة والجماعة؛ لأننا إن عبرنا عن مذهب أهل السنة والجماعة مذهب السلف الصالح في الجملة فلا بد أن نفرده ونقول: منهج، ولا نقول: مناهج، لكن إذا قصدنا بالمناهج طرائق السلف في تقرير الدين والدفاع عنه، والأمور التي تتعلق بالبيان وعرض الدين، فلا مانع من أن تسمى مناهج، ويقال: مناهج السلف، أي: طرائقهم واجتهاداتهم الفردية في بيان الدين وتقريره، والأمر في ذلك واسع؛ لأنه جاء في قوله : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] إشارة واضحة إلى أن مجموع ما أرسل الله به النبيين من الكتب المنزلة والشرائع يسمى شرائع، ويسمى مناهج؛ لأن نسبة الشرعة والمنهاج في الأمة الواحدة تقابلها نسبة الشرائع والمناهج لمجموع الأمة، هذا أمر لا حرج فيه، ولا ينبغي أن يبغي أحد على آخر، أقول هذا لأني رأيت لبعض الباحثين تشدداً في هذا الأمر، وأحياناً يبني على مخالفة رأيه تضليلاً وتبديعاً وربما براء، وهذا في الحقيقة فيه شيء من العنت والتشديد على الناس، وهناك أشياء كثيرة من هذا الصنف، مثل: مسألة: العذر بالجهل، ومسألة: جمع المناهج كما أسلفت، ومسالة: وسائل الدعوة وأساليب الدعوة هل هي اجتهادية أو غير اجتهادية؟ فهذه مسائل في الحقيقة يسع فيها الخلاف بتفاصيلها، وإن كان الأصل أن نتفق على أصولها، لكن في تفاصيلها في التعبير عنها هذه أمور يسع فيها الخلاف، ولا ينبغي لأحد أن يتشنج ويضلل المخالف المجتهد من طلاب العلم الموثوقين، الذين لا يتهمون بالابتداع، أو بلزوم المناهج الباطلة.

стр. 163

بعض ما يؤثر عن أبي يزيد البسطامي وغيره من الكلمات حال الفناء وبيان من يعذر في ذلك قال رحمه الله تعالى: [فقد يقول في تلك الحال: سبحاني، أو ما في الجبة إلا الله أو نحو ذلك من الكلمات التي تؤثر عن أبي يزيد البسطامي أو غيره من الأصحاء، وكلمات السكران تطوى ولا تروى ولا تؤدى؛ إذا لم يكن سكره بسبب محظور من عبادة أو وجه منهي عنه]. هذا المسلك عند شيخ الإسلام ابن تيمية في الحقيقة من المسالك المحيرة، وقد تكررت لـ شيخ الإسلام في مواضع كثيرة في هذا الكتاب وفي غيره، وهي مسألة الاعتذار لأناس وقعوا في الخلط في العقيدة، وحصلت منهم دواه تدل على نزعة إلحاد، سواء كان عن قصد أو عن غير قصد، بل تدل على أن القوم ورثوا مذاهب باطلة عن الأمم السالفة الفلسفية، والأمم والديانات الوضعية وغيرها؛ لأن مثل هذه الأمور في الحقيقة خطيرة جداً، مثل: أبي يزيد البسطامي، أو التستري، أو ابن أبي الحواري أو نحوهم ممن أثرت عنهم عبارات هي إلحادية لا تقبل النقاش في ظاهرها، فأن يخاطب الإنسان نفسه أمام الناس علناً ويجهر ويقول: سبحاني، هذا الأمر يقشعر منه جلد المؤمن من هوله ومن خطره، وكذلك كلمة (ما في الجبة إلا الله) هذه كلمة إلحادية خطيرة جداً لا ينبغي الاعتذار لأهلها، لكن مع إنكار شيخ الإسلام لهذه العبارات، فهو يرى أنها عبارات كفرية إلحادية، ومع ذلك يلتمس للقوم أعذاراً، وهذا أمر محير، وإن كان الشيخ فسره بقوله: إن هؤلاء من شدة عبادتهم وسلوكهم مسالك غير شرعية في التعبد مثل: الجوع والعطش والسهر حصل عندهم مثل هذا الخلط، الذي ربما يكون من كلام الشيطان على ألسنتهم، أو من إيحاءات عقائد موروثة في باطنهم، الله أعلم بأحوالهم، والغالب أنها عقائد موروثة يتلقونها سراً، وعندما يختلط الإنسان ويهستر يتلفظ بها وهو لا يشعر، وإلا فمن أين هذا الكلام المنظم؟ هذا ليس إلحاداً ساذجاً، هذا إلحاد منظم، إلحاد الفلاسفة، إلحاد الباطنية، إلحاد الديانات الضالة، ليس مجرد كلمة عابرة، لا سيما أنهم أثرت عنهم أشياء كثيرة من هذا النوع، مثل: لا أعبدك خوفاً من نارك، ولا رجاء جنتك. ومثل: لماذا تخافون من النار، ما هو إلا أن أنصب خيمتي فوقها فتنطفئ. ومثل: أن يمر أحدهم بمقابر اليهود ويضرب صدره ويقول: هؤلاء في ذمتي، فيضمن لهم الجنة. هذا ما هو مجرد خلط، بل هذا هو الإلحاد بعينه، والجرأة على الله ، والمصادمة للدين مصادمة عنيفة، لكن كأن الشيخ يظن أن هؤلاء يعتريهم خلل في المخ وخلل في العقول؛ بسبب سلوكهم مسلك التعبد القاسي، بترك الطعام والشراب وكثرة السهر، حتى إن الواحد منهم يهذي بما لا يدري، هذا سبب اعتذار شيخ الإسلام لهم. ولذلك قال: (وكلمات السكران) السكر هنا يقصد به الهذيان الذي يكون من هذا الإنسان، كما يحصل من الذي يسكر بالخمر، والشيخ يميل إلى أن الإنسان كما يسكر بالخمر يسكر أيضاً بالمبالغة في التعبد والتحنث، وهذا فعلاً يحصل الآن عند عباد الصوفية، وقد لاحظنا منهم من يحصل له ذلك، وذكرت لكم في الدرس الماضي أن كثيراً من عباد الصوفية يحصل عندهم نشوة عندما يتعبدون بالأوراد البدعية، حتى إن الواحد منهم يبدأ يتصرف بتصرفات غير معقولة، لكن ما دام أن هذا الأمر غير مشروع ونتيجته غير مشروعة، فإن الاعتذار لهؤلاء القوم في الحقيقة فيه نظر، على الأقل ينبغي أن يحكم على هذه الكلمات بالحكم الظاهر منها، وأنها كلمات كفرية إلحادية خطيرة، ولا داعي للتكلف في الاعتذار عنهم، ومع ذلك فإن شيخ الإسلام له وجهة نظر، يقول: إن هؤلاء لهم أحوال في العبادة، إذا كانوا في حال الصحو لهم أحوال في العبادة عظيمة جداً تذكر وتشكر، وهذا لعله يكون مبرراً لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأننا لو تتبعنا بالمقابل الكلمات التي صدرت عن البسطامي وابن أبي الحواري والتستري وغيرهم، الكلمات التي قالوها في تقرير التوحيد وفي الدفاع عن الحق وفي كشف مناهج الباطل فإنها كلمات مليئة بالحكمة وهي درر في تقرير التوحيد. والشيخ ﵀ يعتذر عن أوائل الصوفية الذين حصلت منهم هذه الشطحات قبل أن تكون هناك مناهج في الدين، أما من بعدهم فالشيخ يقول عنهم: هؤلاء نهجوا مسالك الضلالة في الدين، ووضعوا مناهج باطلة ضاهوا بها السنة، وأخرجوا بها الناس عن الحق. هذا بالنسبة لمن جاءوا فيما بعد. إذاً: فالشيخ يعتذر عن الأوائل مع أنه لا يقرهم على هذه العبارات الكفرية، لكن هذه الكفريات مقننة، ولها صياغة لا تعرف إلا من خلال أهل الإلحاد والكفر الذين عرفوا بذلك. وهذه مسألة أخرى تفيدنا أن هذه المناهج مناهج موروثة، فإذا نظرنا إلى الكلمات التي تفوه بها هؤلاء وجدنا أنها ترجع إلى الديانات التي كانت في بيئاتهم. فهذيان هؤلاء القوم الذين كانوا في الشرق الإسلامي كان تعبيراً عن مذاهب الديانات البدعية في الهند وما حولها، والذين كانوا في الشام أو في مصر أو غيرها، كان أكثر كلامهم

стр. 164

الفرق بين الاتحاد النوعي والاتحاد العيني وحكم كل منهما قال رحمه الله تعالى: [فأما إذا كان السبب محظوراً لم يكن السكران معذوراً، لا فرق في ذاك بين السكر الجسماني والروحاني، فسكر الأجسام بالطعام والشراب، وسكر النفوس بالصور، وسكر الأرواح بالأصوات. وفي مثل هذا الحال، غلط من غلط بدعوى الاتحاد والحلول العيني، في مثل دعوى النصارى في المسيح، ودعوى الغالية في علي وأهل البيت، ودعوى قوم من الجهال الغالية في مثل الحلاج أو الحاكم بمصر أو غيرهما، وربما اشتبه عليهم الاتحاد النوعي الحكمي بالاتحاد العيني الذاتي]. قوله: (وربما اشتبه عليهم الاتحاد النوعي الحكمي) الاتحاد النوعي الحكمي هو القرب المعنوي بين العبد وربه، ويسمى هذا اتحاداً نوعياً، فقرب العبد الصالح المسلم كالأنبياء والصالحين وأتباعهم هؤلاء لهم قرب مع ربهم، يتمثل بالمحبة والولاية، محبة العبد لربه ومحبة الرب لعبده الصالح، وكذلك ولاية الله للمؤمنين وولاية المؤمنين لله، هذا هو الاتحاد النوعي الحكمي، ليس مادياً كما يزعم أهل الاتحاد الذين خلطوا هذا النوع بالنوع الثاني: وهو الاتحاد العيني الذاتي، الذين زعموا الحلول والاتحاد ووحدة الوجود والأمر، مع أن الفرق بين الأمرين واضح جداً، فالاتحاد الحكمي هو عين التوحيد، وهو أن يكون الإنسان ولياً لله ، هذا هو عين التوحيد المطلوب، بينما الاتحاد العيني كفر وضلال؛ لأنه يؤدي إلى دعوى الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، وعدم الفرق بين العبد وربه وبين الخالق والمخلوق، وهذا هو قمة الكفر، نسأل الله السلامة والعافية. قال رحمه الله تعالى: [فالأول كما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يقول الله: عبدي مرضت فلم تعدني، فيقول: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أنه مرض عبدي فلان فلو عدته لوجدتني عنده؟ عبدي جعت فلم تطعمني، فيقول: رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي). ففسر ما تكلم به في هذا الحديث أنه جوع عبده ومحبوبه؛ لقوله: (لوجدت ذلك عندي)، ولم يقل: لوجدتني قد أكلته، ولقوله: (لوجدتني عنده) ولم يقل: لوجدتني إياه؛ وذلك لأن المحب يتفق هو ومحبوبه بحيث يرضى أحدهما بما يرضاه الآخر، ويأمر بما يأمر به، ويبغض ما يبغضه، ويكره ما يكرهه، وينهى عما ينهى عنه. وهؤلاء هم الذين يرضى الحق لرضاهم ويغضب لغضبهم، والكامل المطلق في هؤلاء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. ولهذا قال تعالى فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح:١٠]. وقال: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢]. وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]. وقد جاء في الإنجيل الذي بأيدي النصارى كلمات مجملة، إن صح أن المسيح ﵇ قالها فهذا معناها، كقوله: أنا وأبي واحد، من رآني فقد رأى أبي ونحو ذلك، وبها ضلت النصارى؛ حيث اتبعوا المتشابه، كما ذكر الله عنهم في القرآن لما قدم وفد نجران على النبي ﷺ وناظروه في المسيح]. قول عيسى ﵇: أنا وأبي واحد هذا قد سبق التعليق عليه؛ لكن نظراً لأنه في هذا المقام أوضح في تفسير المقصود أحب أن أعيد ما سبق أن قلته: وهو أن مسألة تعبير النصارى عن الرب بالأب هذا راجع إلى عدة عوامل: العامل الأول: أن الذين أفسدوا دين النصارى اليونان، والأمم التي دخلت دين النصارى فيما بعد، فهؤلاء لما شرعوا في تحريف دين النصارى دخلوا من خلال هذه المعاني ذات الألفاظ المشتبهة، ففسروا كلمة الرب بالأب؛ من أجل أن تبقى عندهم نزعة التثليث، ولذلك الله لما ذكر هذه العقيدة عن النصارى، قال: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:٣٠]، من هم الذين كفروا من قبل؟ هم اليونان والرومان الذين عندهم مسألة تعدد الآلهة ضمن ديانتهم الوثنية التثنية والتثليث وغيرها، فالنصارى ضاهئوهم بمعنى قلدوهم في مسألة تنزيل العبارات الشرعية على معان بدعية. فإذاً: الذين حرفوا الديانة النصرانية أخذوا المعاني المشتبهة وقلبوها إلى المعنى الباطل. العامل الثاني: أنه مع كثرة الترجمات تعرض الإنجيل إلى ترجمة سريعة؛ لأنه لما رفع عيسى ﵇ إليه ضيق اليهود والسلاطين على أتباع عيسى حتى لم يستطيعوا أن ينشروا الدين بشكل بين واضح، فانتشروا في بقاع الأرض، فلما انتشروا انتشروا إلى أقوام يحتاجون إلى ترجمات للكتاب وهو الإنجيل، فترجم ترجمات سريعة، وهذه الترجمات كلها حولت إلى معان تتفق مع عقائد الأمم، فهذه الترجمة السريعة كانت السبب في وجود التحريف، فالذين نظروا إلى المعاني اللغوية وجدوا كلمة (الرب) بمعنى المربي، والمربي هو الأب، ففسروا الرب بالأب، وحملوا هذا التفسير على ما عندهم من عقائد، وهذا من م

стр. 165

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [١٩] لقد ذكر شيخ الإسلام أن سبب اشتغاله بالرد على أهل الحلول والاتحاد هو لدفع ضررهم عن أهل طريق الله تعالى، السالكين إليه، وبيان أن المقصود بخلق الخلق وإنزال الكتب وإرسال الرسل أن يكون الدين كله لله، ودعوة الخلائق إلى خالقهم، وأهل الحلول والاتحاد لبسوا وموهوا على السالكين التوحيد الذي أنزل الله تعالى به الكتب وبعث به الرسل بالاتحاد الذي سموه توحيداً، وحقيقته تعطيل الخالق وجحوده.

стр. 166

اعتقاد شيخ الإسلام وجوب الرد على الحلولية والاتحادية وبيان حقيقة مذهبهم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فبعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا، ولا يزال كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عن مذاهب أهل الاتحاد والحلول ووحدة الوجود والتحذير من ذلك، من خلال خطابه مع أحد رموز التصوف في ذلك العصر. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وقد بلغني أن بعض الناس ذكر عند خدمتكم الكلام في مذهب الاتحادية، وكنت قد كتبت إلى خدمتكم كتاباً اقتضى الحال من غير قصد أن أشرت فيه إشارة لطيفة إلى حال هؤلاء، ولم يكن القصد به والله واحداً بعينه]. كلمة (خدمتكم) تكررت، ويقصد بها ﵀ في مثل هذا الخطاب الثناء ومن تلقيب الإنسان باللقب اللائق، فخدمتكم، يعني: حضرتكم أو سعادتكم أو فضيلتكم، كما نعبر عنها في العصر الحاضر. قال رحمه الله تعالى: [وإنما الشيخ هو مجمع المؤمنين، فعلينا أن نعينه في الدين والدنيا بما هو اللائق به، وأما هؤلاء الاتحادية فقد أرسل إلى الداعي من طلب كشف حقيقة أمرهم. وقد كتبت في ذلك كتاباً ربما يرسل إلى الشيخ، وقد كتب سيدنا الشيخ عماد الدين في ذلك رسائل، والله تعالى يعلم -وكفى به عليماً- لولا أني أرى دفع ضرر هؤلاء عن أهل طريق الله تعالى السالكين إليه من أعظم الواجبات، وهو شبيه بدفع التتار عن المؤمنين، لم يكن للمؤمنين بالله ورسوله حاجة إلى أن تكشف أسرار الطريق، وتهتك أستارها، ولكن الشيخ أحسن الله تعالى إليه يعلم أن مقصود الدعوة النبوية، بل المقصود بخلق الخلق، وإنزال الكتب، وإرسال الرسل: أن يكون الدين كله لله، هو دعوة الخلائق إلى خالقهم، بما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣]. وهؤلاء موهوا على السالكين التوحيد الذي أنزل الله تعالى به الكتب، وبعث به الرسل بالاتحاد الذي سموه توحيداً، وحقيقته تعطيل الصانع، وجحود الخالق].

стр. 167

سبب تعظيم شيخ الإسلام لابن عربي وإحسانه الظن به قديماً قال رحمه الله تعالى: [وإنما كنت قديماً ممن يحسن الظن بـ ابن عربي ويعظمه، لما رأيت في كتبه من الفوائد، مثل كلامه في كثير من (الفتوحات) و (الكنة) و (المحكم المربوط) و (الدرة الفاخرة) و (مطالع النجوم) ونحو ذلك، ولم نكن بعد اطلعنا على حقيقة مقصوده، ولم نطالع (الفصوص) ونحوه، وكنا نجتمع مع إخواننا في الله نطلب الحق ونتبعه، ونكشف حقيقة الطريق، فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب علينا. فلما قدم من المشرق مشايخ معتبرون، وسألوا عن حقيقة الطريقة الإسلامية والدين الإسلامي، وحقيقة حال هؤلاء، وجب البيان. وكذلك كتب إلينا من أطراف الشام رجال سالكون أهل صدق وطلب، أن أذكر النكت الجامعة لحقيقة مقصودهم. والشيخ أيده الله تعالى بنور قلبه، وذكاء نفسه، وحقق قصده من نصحه للإسلام وأهله، ولإخوانه السالكين يفعل في ذلك ما يرجو به رضوان الله سبحانه ومغفرته في الدنيا والآخرة].

стр. 168

بيان متى حدث القول بالاتحاد العام والحلول المطلق قال رحمه الله تعالى: [وهؤلاء الذين تكلموا في هذا الأمر لم يعرف لهم خبر من حين ظهرت دولة التتار، وإلا فكان الاتحاد القديم هو الاتحاد المعين، وذلك أن القسمة رباعية، فإن كل واحد من الاتحاد والحلول، إما معين في شخص وإما مطلق]. يقصد بالقسمة الرباعية: أن الاتحاد على قسمين: إما معين، وإما مطلق، وكذلك الحلول على قسمين: إما معين، وإما مطلق، فيكون أربعة. قال رحمه الله تعالى: [أما الاتحاد والحلول المعين كقول النصارى، والغالية في الأئمة من الرافضة، وفي المشايخ من جهال الفقراء والصوفية، فإنهم يقولون به في معين، إما بالاتحاد كاتحاد الماء واللبن، وهو قول اليعقوبية وهم السودان ومن الحبشة والقبط. وإما بالحلول وهو قول النسطورية، وإما بالاتحاد من وجه دون وجه وهو قول الملكانية]. اليعقوبية والنسطورية والملكانية كلها فرق نصرانية، وكلها مشركة تعتقد الحلول والاتحاد، لكن يختلفون في تفسير هذا الحلول والاتحاد. قال رحمه الله تعالى: [وأما الحلول المطلق وهو أن الله تعالى بذاته حال في كل شيء، فهذا تحكيه أهل السنة والسلف عن قدماء الجهمية، وكانوا يكفرونهم بذلك]. يتمثل هذا بقول الجهم ما أثر عنه أنه قال لما ناقش السني وشككوه في الله في وجود الرب سبحانه خلا بنفسه وجل يتأمل وانقدحت في نفسه أقوال الفلاسفة ثم خرج وهو يزعم أن الله في كل شيء حتى كان يقوم هو ذا في كل شيء يعني: الله ، نعم. قال رحمه الله تعالى: [وأما ما جاء به هؤلاء من الاتحاد العام، فما علمت أحداً سبقهم إليه إلا من أنكر وجود الصانع، مثل: فرعون والقرامطة، وذلك أن حقيقة أمرهم أنهم يرون أن عين وجود الحق هو عين وجود الخلق، وأن وجود ذات الله خالق السموات والأرض هي نفس وجود المخلوقات، فلا يتصور عندهم أن يكون الله تعالى خلق غيره، ولا أنه رب العالمين، ولا أنه غني وما سواه فقير].

стр. 169

افتراق القائلين بالحلول على ثلاثة طرق قال رحمه الله تعالى: [لكن تفرقوا على ثلاثة طرق، وأكثر من ينظر في كلامهم لا يفهم حقيقة أمرهم؛ لأنه أمر مبهم. الأول: أن يقولوا: إن الذوات بأسرها كانت ثابتة في العدم ذاتها أبدية أزلية، حتى ذوات الحيوان، والنبات والمعادن، والحركات، والسكنات، وأن وجود الحق فاض على تلك الذوات، فوجودها وجود الحق، وذواتها ليست ذوات الحق، ويفرقون بين الوجود والثبوت، فما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك. ويقولون: إن الله سبحانه لم يعط أحداً شيئاً، ولا أغنى أحداً، ولا أسعده، ولا أشقاه، وإنما وجوده فاض على الذوات، فلا تحمد إلا نفسك ولا تذم إلا نفسك. ويقولون: إن هذا هو سر القدر، وأن الله تعالى إنما علم الأشياء من جهة رؤيته لها ثابتة في العدم خارجاً عن نفسه المقدسة. ويقولون: إن الله تعالى لا يقدر أن يغير ذرة من العالم، وإنهم قد يعلمون الأشياء من حيث علمها الله سبحانه، فيكون علمهم وعلم الله تعالى من معدن واحد، وأنهم يكونون أفضل من خاتم الرسل من بعض الوجوه؛ لأنهم يأخذون من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحي به الرسل. ويقولون: إنهم لم يعبدوا غير الله]. لو تجاوزنا هذا؛ لأنه تكرار، وهو مما يمرض القلوب؛ لكنا وقفنا عنده لنكشف حقائق القوم من خلال كلام المحققين، ومن خلال كلامهم أنفسهم؛ فالشيخ لم يفتر عليهم، بل اعتمد على أقوالهم في كتبهم؛ ولذا سننتقل الآن إلى مقطع جديد فيه مزيد فائدة.

стр. 170

تقييم كتاب (الفصوص لابن عربي) وما تضمنه من معاني قال رحمه الله تعالى: [وكنت أخاطب بكشف أمرهم لبعض الفضلاء الضالين، وأقول: إن حقيقة أمرهم هو حقيقة قول فرعون المنكر لوجود الخالق الصانع، حتى حدثني بعض عن كثير من كبرائهم أنهم يعترفون، ويقولون: نحن على قول فرعون]. وابن عربي نفسه كتب كتاباً وهو موجود وطبعه بعض الملاحدة المعاصرين، الذين يعنون بهذه الزبالات من الأفكار السخيفة، اسم كتاب ابن عربي (إيمان فرعون) نسأل الله العافية والسلامة، وهذا هو مذهب كبار الحداثيين الآن، ويتعلقون بهذه الأفكار، ويمجدون ابن عربي والتلمساني وابن الفارض والقونوي وغيرهم من أئمة الضلالة، يمجدونهم ويمجدون تراثهم وينبشون عنه ويخرجونه، ويحققونه ويعلقون عليه، ويجتمعون حوله، لكنهم يتلونون ويلونون مذاهبهم بألوان أدبية وفكرية وثقافية، وكل يوم يأتوننا بشيء من دواهيهم ومصائبهم، نسأل الله أن يكفينا شرهم. قال رحمه الله تعالى: [وهذه المعاني كلها هي قول صاحب الفصوص، والله تعالى أعلم بما مات الرجل عليه، والله يغفر لجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. والمقصود أن حقيقة ما تضمنه كتاب الفصوص المضاف إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أنه جاء به، وهو ما إذا فهمه المسلم علم بالاضطرار أن جميع الأنبياء والمرسلين، وجميع الأولياء والصالحين، بل جميع عوام أهل الملل من اليهود والنصارى والصابئين يبرءون إلى الله تعالى من بعض هذا القول، فكيف منه كله؟ ونعلم أن المشركين عباد الأوثان والكفار أهل الكتاب يعترفون بوجود الصانع الخالق البارئ المصور، الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ربهم ورب آبائهم الأولين، رب المشرق والمغرب. ولا يقول أحد منهم: إنه عين المخلوقات، ولا نفس المصنوعات، كما يقوله هؤلاء، حتى إنهم يقولون: لو زالت السماوات والأرض زالت حقيقة الله، وهذا مركب من أصلين]. سبق أن تكلم الشيخ عن هذين الأصلين في أول الكتاب فلا داعي إلى إعادتهما، لكني ألخصهما. يعني: أن اتجاه الحلول والاتحاد ووحدة الوجود الذي عليه ابن عربي وأضرابه يقوم على أصلين فلسفيين: الأصل الأول: أن المعدوم شيء ثابت في العدم، وسبق أن علل شيخ الإسلام ذلك وذكرته لكم، قال: إن الفلاسفة لا يعتقدون أن الله فعال لما يريد، ولا يعتقدون أن قدرة الله مطلقة، إنما هي مقيدة بنظم هم يضعونها أو يتصورونها ويتوهمونها، ولذلك قالوا: يجوز على الله أن يفعل كذا ولا يجوز أن يفعل كذا، ويمكن أن يفعل كذا ولا يمكن أن يفعل كذا إلى آخر ذلك من الترهات، فهم بنوا وجود الخلق على أنه خلق من عناصر موجودة في أصلها، وأن هذه العناصر ثابتة في العدم، بمعنى أنها مكونات موجودة في الوجود، وأن الله إنما أوجد الموجودات من أصل ثابت، وأن المعدوم هو هذه المكونات التي هي أصل الخلق، والوجود هو الخلق نفسه، وهذه فلسفة تؤكد وتوضح أن الفلاسفة ملاحدة دهريون. الأصل الثاني أيضاً متفرع عن ذلك: وهو أن وجود المحدثات (المخلوقات) هو عين وجود الخالق، فلا يفرقون، فعندهم الوجود هو الله، والله هو الوجود، تعالى الله عما يزعمون، وهذا رغم أنه مصادم للعقل السليم ومصادم للفطرة وغير معقول، إلا أن الشيطان قد زينه لهم في شبهات، حتى قلبوا الأمر فجعلوا الحق باطلاً والباطل حقاً، دون أن يكون عندهم التباس في الإلحاد، فهم ملحدة ملاحدة صرحاء في الإلحاد، ولذلك سنكتفي الآن بتقرير مذاهب هؤلاء القوم الذين يمجدهم كثير ممن يسمون بالمفكرين والمثقفين والحداثيين والأدباء، ويبكون عليهم وعلى أطلالهم وتراثهم؛ لنرى ما هم عليه من خلال هذا العرض الذي هو استقراء من كتبهم ومذاهبهم، وهو استقراء من قبل شيخ الإسلام حينما عرف مذاهبهم وكتبهم وأقوالهم الثابتة عنهم، وأكثرهم ممن عاصروا شيخ الإسلام أو قبله بقليل. قال رحمه الله تعالى: [لكن ابن عربي أقربهم إلى الإسلام]. برغم الإلحاد الصريح لـ ابن عربي إلا أنه مع ذلك يعد من أقرب الفلاسفة المتكلمين للإسلام؛ لأنه أحياناً يعترف بالحق، وعنده ما يسمى بالاهتمام بالأخلاقيات والسلوكيات، أما البقية ففجرة في جميع أحوالهم، لا يعترفون بفضيلة ولا يقرون بسلوك حسن ولا بشرع. أما ابن عربي رغم أنه ملحد في الاعتقاد ومضطرب إلا أنه أحياناً يدعو إلى الفضائل ويظهر التعبد ويأمر به، لكن على منهجه الشركي، فهذه مفاضلة بين أناس كلهم على الشرك، كما نقول في المشركين مشركي الجاهلية: فلان أخف شركاً من فلان؛ لأن فلاناً ما كان يعبد إلا صنماً واحداً، وذاك يعبد عدة أصنام، يعني: المسألة مسألة أيهم أق

стр. 171

أقوال جلال الدين الرومي والتلمساني وابن سبعين وابن الفارض والبلياني في الحلول قال رحمه الله تعالى: [وأما صاحبه الصدر الرومي فإنه كان متفلسفاً، فهو أبعد عن الشريعة والإسلام؛ ولهذا كان الفاجر التلمساني الملقب بـ العفيف يقول: كان شيخي القديم متروحناً متفلسفاً، والآخر فيلسوفاً متروحناً -يعني: الصدر الرومي - فإنه كان قد أخذ عنه]. كلمة (متروحناً) مفهومة، لكن لا مانع أن نذكر معناها ثانية، (المتروحن) يعني: الذي يأخذ بالروحانيات والأمور والاعتبارات القلبية أو الجانب التعبدي وإن كان على باطل. فقول التلمساني: (كان شيخي متروحناً متفلسفاً) يقصد ابن عربي، يعني: أنه ينجذب إلى الروحانيات والتعبد وعنده نزعة فلسفية، أما الصدر الرومي فالأصل عنده النزعة الفلسفية، وقد يميل أحياناً إلى الجوانب التعبدية. قال رحمه الله تعالى: [ولم يدرك ابن عربي في كتاب: (مفتاح غيب الجمع والوجود) وغيره، يقول: إن الله تعالى هو الوجود المطلق والمعين، كما يفرق بين الحيوان المطلق والحيوان المعين، والجسم المطلق والجسم المعين، والمطلق لا يوجد إلا في الخارج مطلقاً، لا يوجد المطلق إلا في الأعيان الخارجة]. قوله: (الأعيان الخارجة) يعني: لا يوجد الوجود الحقيقي المطلق إلا في التصور، بدون تعيين أشياء موجودات، هذا لا يمكن أن يكون إلا مجرد تصور ذهني. قال رحمه الله تعالى: [فحقيقة قوله: إنه ليس لله سبحانه وجود أصلاً، ولا حقيقة ولا ثبوت إلا نفس الوجود القائم بالمخلوقات؛ ولهذا يقول هو وشيخه: إن الله تعالى لا يرى أصلاً، وأنه ليس له في الحقيقة اسم ولا صفة، ويصرحون بأن ذات الكلب والخنزير والبول والعذرة عين وجوده، تعالى الله عما يقولون. وأما الفاجر التلمساني فهو أخبث القوم وأعمقهم في الكفر، فإنه لا يفرق بين الوجود والثبوت، كما يفرق ابن عربي]. يعني: ابن عربي يقول: هناك فرق بين المعدوم -وهو ثابت في العدم عندهم- وبين الخلق الموجود، لكن هذا لا يفرق. قال رحمه الله تعالى: [وأما الفاجر التلمساني فهو أخبث القوم وأعمقهم في الكفر، فإنه لا يفرق بين الوجود والثبوت، كما يفرق ابن عربي، ولا يفرق بين المطلق والمعين، كما يفرق الرومي، ولكن عنده ما ثم غير ولا سوى بوجه من الوجوه، وإن العبد إنما يشهد السوى ما دام محجوباً، فإذا انكشف حجابه رأى أنه ما ثم غير يبين له الأمر. ولهذا كان يستحل جميع المحرمات، حتى حكى عنه الثقات أنه كان يقول: البنت والأم والأجنبية شيء واحد، ليس في ذلك حرام علينا، وإنما هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم. وكان يقول: القرآن كله شرك ليس فيه توحيد، وإنما التوحيد في كلامنا. وكان يقول: أنا ما أمسك شريعة واحدة، وإذا أحسن القول يقول: القرآن يوصل إلى الجنة، وكلامنا يوصل إلى الله تعالى، وشرح الأسماء الحسنى على هذا الأصل الذي له. وله ديوان شعر قد صنع فيه أشياء، وشعره في صناعة الشعر جيد، ولكنه كما قيل: (لحم خنزير في طبق صيني) وصنف للنصيرية عقيدة، وحقيقة أمرهم أن الحق بمنزلة البحر، وأجزاء الموجودات بمنزلة أمواجه. وأما ابن سبعين فإنه في البدو والإحاطة يقول أيضاً بوحدة الوجود، وأنه ما ثم غير]. يعني: أنه لا يرى تغايراً بين الله وبين المخلوقين. قال رحمه الله تعالى: [وكذلك ابن الفارض في آخر (نظم السلوك)، لكن لم يصرح: هل يقول بمثل قول التلمساني، أو قول الرومي، أو قول ابن عربي، وهو إلى كلام التلمساني أقرب، لكن ما رأيت فيهم من كفر هذا الكفر الذي ما كفره أحد قط مثل التلمساني، وآخر يقال له: البلياني من مشايخ شيراز. ومن شعره]. نتجاوز شعره؛ لأنه من الغثاء، نسأل الله العافية.

стр. 172

تلبيس أئمة الحلول والاتحاد على الجهال بأنهم مشايخ الإسلام وأئمة الهدى قال رحمه الله تعالى: [ويوهمون الجهال أنهم مشايخ الإسلام وأئمة الهدى، الذين جعل الله تعالى لهم لسان صدق في الأمة، مثل: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وإبراهيم بن أدهم، وسفيان الثوري، والفضيل بن عياض، ومعروف الكرخي، والشافعي، وأبي سليمان، وأحمد بن حنبل، وبشر الحافي، وعبد الله بن المبارك، وشقيق البلخي، ومن لا يحصى كثرة]. أبو سليمان هو الداراني من العباد المشاهير. قال رحمه الله تعالى: [إلى مثل المتأخرين، مثل: الجنيد بن محمد القواريري، وسهل بن عبد الله التستري، وعمر بن عثمان المكي ومن بعدهم، إلى أبي طالب المكي إلى مثل: الشيخ عبد القادر الكيلاني، والشيخ عدي، والشيخ أبي البيان، والشيخ أبي مدين، والشيخ عقيل، والشيخ أبي الوفاء، والشيخ رسلان، والشيخ عبد الرحيم، والشيخ عبد الله اليونيني، والشيخ القرشي، وأمثال هؤلاء المشايخ الذين كانوا بالحجاز والشام والعراق ومصر والمغرب وخراسان من الأولين والآخرين].

стр. 173

اتفاق أئمة الصوفية القدامى على تكفير من يعتقد الحلول والاتحاد قال رحمه الله تعالى: [كل هؤلاء متفقون على تكفير هؤلاء]. ذكر الشيخ ﵀ اتفاق هؤلاء المشايخ على كفر القائلين بالحلول والاتحاد، ولا شك أن من عرف أقوال هؤلاء القوم لا يمكن أن يتردد في كفرهم وكفر أقوالهم، نسأل الله السلامة. قال رحمه الله تعالى: [كل هؤلاء متفقون على تكفير هؤلاء، ومن هو أرجح منهم، وإن الله سبحانه ليس هو خلقه ولا جزء من خلقه ولا صفة لخلقه، بل هو متميز بنفسه المقدسة، بائن بذاته المعظمة عن مخلوقاته، وبذلك جاءت الكتب الأربعة الإلهية، من التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، وعليه فطر الله تعالى عباده، وعلى ذلك دلت العقول. وكثيراً ما كنت أظن أن ظهور مثل هؤلاء أكبر أسباب ظهور التتار، واندراس شريعة الإسلام، وأن هؤلاء مقدمة الدجال الأعور الكذاب، الذي يزعم أنه هو الله. فإن هؤلاء عندهم كل شيء هو الله، ولكن بعض الأشياء أكبر من بعض وأعظم]. نتجاوز هذا إلى الخلاصة صفحة (٤٧٨) المقطع الأخير.

стр. 174

خاتمة رسالة شيخ الإسلام إلى نصر المنبجي قال رحمه الله تعالى: [ولو سلك هؤلاء طريق الأنبياء والمرسلين ﵈، الذين أمروا بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ووصفوه بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله، واتبعوا طريق السابقين الأولين، لسلكوا طريق الهدى، ووجدوا برد اليقين وقرة العين، فإن الأمر كما قال بعض الناس: إن الرسل جاءوا بإثبات مفصل ونفي مجمل، والصابئة المعطلة جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، فالقرآن مملوء من قوله تعالى في الإثبات: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٥]، ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر:١]، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان:٢٨]، ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]. وفي النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨١]. وهذا الكتاب مع أني قد أطلت فيه الكلام على الشيخ أيد الله تعالى به الإسلام، ونفع المسلمين ببركة أنفاسه، وحسن مقاصده، ونور قلبه، فإن ما فيه نكت مختصرة، فلا يمكن شرح هذه الأشياء في كتاب، ولكن ذكرت للشيخ أحسن الله تعالى إليه ما اقتضى الحال أن أذكره، وحامل الكتاب مستوفز عجلان، وأنا أسأل الله العظيم أن يصلح أمر المسلمين عامتهم وخاصتهم، ويهديهم إلى ما يقربهم، وأن يجعل الشيخ من دعاة الخير الذين قال الله سبحانه فيهم: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]].

стр. 175

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [٢٠] لقد ابتليت الأمة قديماً وحديثاً بأفكار ومبادئ منحرفة، تظهر على أيدي أشخاص بين الفينة والأخرى، ولكن الله تكفل بحفظ هذا الدين، فقيض له من يذود عن حياضه، ويدفع بالحق باطل هؤلاء المنحرفين الشاذين، وممن ابتليت بهم الأمة أهل الحلول والاتحاد، وأول من أعلن منهجهم الحلاج، وقد تصدى له ولدعوته علماء وقضاة الأمة، وبينوا فساد ما يقول به وبطلانه.

стр. 176

حقيقة شخصية الحلاج وحكم من اعتقد عقيدته الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فبعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا، وقد وصلنا في آخر المجلد الثاني من فتاوى شيخ الإسلام إلى صفحة (٤٨٠) وموضوع اليوم هو موضوع يشابه الموضوعات السابقة، لكنه في شخصية من الشخصيات الشهيرة من أصحاب الحلول، وهو أول رجل أعلن الحلول الكفري الإلحادي في تاريخ الأمة على نحو سافر، وأصر على ذلك، ودعا له وصار له أتباع، وفتن به طوائف من أهل الأهواء والبدع إلى يومنا هذا، وهو الحلاج، ولذلك سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الحلاج فأجاب بهذا الجواب المنهجي العلمي المركز، وهو بمثابة الإعلان عن منهج السلف تجاه مثل هذه الظواهر، ومثل هؤلاء الأشخاص الذين يشذون بأفكار ومبادئ في الأمة، ويفتن بهم الناس، وما أشبه الليلة بالبارحة، وسترون من خلال كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أن الأمة ابتليت في أغلب عصورها بعد القرن الثالث الهجري بطوائف، تتباكى على أهل الأهواء والبدع وتنتصر لهم، فنرى ماذا سيقول شيخ الإسلام في هذا الأمر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [سئل شيخ الإسلام قدس الله روحه: ما تقول أئمة الإسلام في الحلاج؟ وفيمن قال: أنا أعتقد ما يعتقده الحلاج، ماذا يجب عليه؟ ويقول: إنه قتل ظلماً كما قتل بعض الأنبياء، ويقول: الحلاج من أولياء الله، فماذا يجب عليه بهذا الكلام؟ وهل قتل بسيف الشريعة؟]. في هذه الشبهة عدة قضايا، وهي دائماً بمثابة السمات لأهل الأهواء في كل زمان، فمثلاً: هذا المفتون صرح بأنه يعتقد ما يعتقده الحلاج، من هنا يظهر الخلل بوضوح من خلال ربطه دينه برجل من الناس، ثم إن هذا الإنسان الذي ربط دينه به ليس من أهل الصلاح والتقوى والاستقامة، وهذا يعطينا درساً وعبرة بأنه ينبغي للمسلم دائماً ألا يرتبط في مسألة الاقتداء في الدين والاعتقاد إلا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولا يبالغ في القدوة المطلقة، لا يرتبط بالقدوة المطلقة إلا بالرسول ﷺ ، نعم، الأئمة المهتدون يقتدى بهم، لكن لا على سبيل التسليم المطلق، بمعنى أن نعتقد فيهم العصمة، فإن هذا الإنسان لما قال: أعتقد بما يعتقده الحلاج اعتقد فيه العصمة، وإلا على الأقل كان عليه أن يقيد كلامه ويقول: فيما هو عليه من الحق، إن كان اشتبه عليه الأمر، ويظن أنه على حق. ثم إنه أيضاً لما صرح بأنه قتل ظلماً كما قتل بعض الأنبياء، فإن هذا فيه تلبيس، وفيه قلب للموازين، كما يفعل أهل الأهواء، وهذه سمة من سمات أهل الأهواء، تجدهم يقلبون الموازين، وهذا الرجل المفتون كان عليه أن يسأل نفسه: من الذي أصدر الأمر وحكم بقتله؟ لو تأمل لوجد أن الذين حكموا بقتله هم خيار الأمة، فهل يعقل أن خيار الأمة يحكمون بقتل رجل مثل بعض الأنبياء أو على نهج الأنبياء؟ هذا أمر لا يعقل أبداً، ولا يستقيم لا عقلاً ولا شرعاً. ثم أيضاً نجد من سمات أهل الأهواء، وهذا الظاهر في مثل قوله: الحلاج من أولياء الله، نقول: ما مستنده في أنه ولي لله؟ هذا عنده أحد أمرين: الأول: إما أنه زائغ ملحد يفسر الكفر والإلحاد بالولاية لله، وهذا مذهب الكثيرين من أهل الديانات الباطلة، كلهم يعتقدون الولاية على هذا النحو، يعني: يصرفون الولاية لرءوسهم الزنادقة، رءوس الفلاسفة الملاحدة خصوم الأنبياء، ويوصفونهم بأنهم أولياء. الثاني: أو أنه جاهل مركب، فكان عليه ألا يسلم هذا التسليم الأعمى؛ لأن الله أمر الجاهل بأن يتعلم ويسأل أهل الذكر، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]. إذاً: من خلال ادعاء هذا الرجل المفتون أنه يعتقد ما اعتقده الحلاج تبين لنا سمات أهل الأهواء قديماً وحديثاً، وأن هذا منهجهم، يتعلقون بالأشخاص، ثم يلبسون على الناس، وربما أيضاً يدخلون مذاهبهم الإلحادية من خلال هذه المبادئ وهذه الأصول الباطلة. قال رحمه الله تعالى: [فأجاب: الحمد لله، من اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التي قتل الحلاج عليها فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين؛ فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول والاتحاد ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والإلحاد، كقوله: أنا الله، وقوله: إله في السماء وإله في الأرض. وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا إله إلا الله، وأن الله خالق كل شيء، وكل ما سواه مخلوق و ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]. وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١] الآيات. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا

стр. 177

الرد على القائلين بأن الله نطق على لسان الحلاج قال رحمه الله تعالى: [ومن قال: إن الله نطق على لسان الحلاج، وإن الكلام المسموع من الحلاج كان كلام الله، وكان الله هو القائل على لسانه: أنا الله، فهو كافر باتفاق المسلمين، فإن الله لا يحل في البشر، ولا تكلم على لسان بشر، ولكن يرسل الرسل بكلامه، فيقولون عليه ما أمرهم ببلاغه، فيقول على ألسنة الرسل ما أمرهم بقوله، كما قال النبي ﷺ : (أما إن الله قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده). فإن كل واحد من المرسل والرسول قد يقال: إنه يقول على لسان الآخر، كما قال الإمام أحمد بن حنبل للمروذي: قل على لساني ما شئت. وكما يقال: هذا يقول على لسان السلطان كيت وكيت، فمثل هذا معناه مفهوم. وأما أن الله هو المتكلم على البشر كما يتكلم الجني على لسان المصروع]. هنا عبارة ينبغي أن تدرج وهي (لسان) في قوله: وأما أن الله هو المتكلم على لسان البشر حتى تستقيم العبارة. قال رحمه الله تعالى: [وأما أن الله هو المتكلم على [لسان] البشر كما يتكلم الجني على لسان المصروع، فهذا كفر صريح، وأما إذا ظهر مثل هذا القول عن غائب العقل قد رفع عنه القلم؛ لكونه مصطلماً في حال من أحوال الفناء والسكر، فهذا تكلم به في حال رفع عنه فيهما القلم، فالقول وإن كان باطلاً، لكن القائل غير مؤاخذ. ومثل هذا يعرض لمن استولى عليه سلطان الحب مع ضعف العقل، كما يقال: إن محبوباً ألقى نفسه في اليم، فألقى المحب نفسه خلفه، فقال: أنا وقعت فلم وقعت خلفي؟ قال: غبت بك عني فظننت أنك أني. وقد ينتهي بعض الناس إلى مقام يغيب فيه بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته. فإذا ذهب تمييز هذا وصار غائب العقل بحيث يرفع عنه القلم لم يكن معاقباً على ما تكلم به في هذه الحال، مع العلم بأنه خطأ وضلال، وأنه حال ناقص لا يكون لأولياء الله]. هذه المسألة تكررت، وأيضاً تكرر التنبيه على أن شيخ الإسلام يحاول أن يعذر الذين تظهر على ألسنتهم أقوال إلحادية أو أفعال إلحادية أو اعتقادات إلحادية، وهذا الصنف الذي يرى أنه يعذر هو الصنف الذي يتجه إلى العبادة اتجاهاً خاطئاً، يتبع نهج عباد الأمم الذين ينهجون في العبادة مناهج بدعية، مثل: إرهاق النفس بالجوع والعطش والسهر والتأمل وغير ذلك، فيصل الأمر إلى أن يخلط الإنسان ويكون عنده ما نسميه بالهستيريا أو نحو ذلك مما يعتري البشر بسبب هذه المناهج البدعية. فالشيخ يذكر أن من تظهر منهم كلمات بدعية كفرية أو إلحادية أو أقوال أو أفعال تقتضي الخروج من الملة وهم على هذه الحال، فإنا لا نحكم عليهم بذلك، وإن كانت أقوالهم إلحادية، وإن كان المسلك الذي سلكوه في الوصول إلى هذه الحال مسلكاً بدعياً، وهو مقام ما يسمونه: الفناء بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعرفته عن معروفه. يعني: أن الإنسان يفقد وعيه في توجهه إلى العبادة على انحراف، وأنه يغيب عقله، ويقع فيما يسمونه: السكر التعبدي العبادي أو التحنثي، لا السكر الحقيقي الفعلي. فالشيخ كثيراً ما يعتذر لهذا الصنف، لكن الذي ينبغي أن نفهمه جيداً أنه لا يسيغ كلامهم أبداً، ولا يمرر كلامهم أو يتكلف له، بل يقول: هذا كلام إلحادي كفري. إذاً: غاية ما يحصل من شيخ الإسلام أنه يعذر هؤلاء ولا يحكم على أعيانهم بالكفر، أما أقوالهم الكفرية ومناهجهم فإنه يبدعها كما سمعتم.

стр. 178

كذب وافتراء ما يحكى من ظهور كرامات للحلاج عند قتله قال رحمه الله تعالى: [وما يحكى عن الحلاج من ظهور كرامات له عند قتله، مثل: كتابة دمه على الأرض: الله الله، وإظهار الفرح بالقتل أو نحو ذلك، فكله كذب]. وقد ذكر الشيخ وغيره من أئمة السنة أنه أحياناً يقع مثل هذا من عبث الشيطان بالناس، ومن أجل استحواذ الجن والشياطين عليهم، ففي مثل هذه المواطن مواطن الفتنة يوقعونهم في شبهات وإشكالات، فقد يسمعون أصواتاً ويظنونها أصوات ملائكة، وقد يحدث للشخص مثل ما زعموا أنه حدث للحلاج أن دمه صار على شكل فيه صور حروف أو أشكال حروف، وقد تحدث خوارق يفتن بها الحاضرون ممن ليس على السنة والاستقامة، وتنسب على أنها نصر لهذا المقتول الذي أقيم عليه الحد، أو نصر لمذهبه، وهذا من الفتنة والابتلاء. وما يحكى عن الحلاج كله كذب؛ لأن قصة قتل الحلاج شهدها فئام من المسلمين، بما فيهم الذين أقاموا الحد عليه، ومنهم قضاة كانوا معه إلى آخر لحظة، والسيف على رقبته وهم يستتيبونه، ومع ذلك يقرر الإلحاد، وهذه الصورة تكررت في التاريخ الحديث، فمنذ سنوات ليست بالبعيدة ظهر متنبئ كذاب في السودان اسمه محمود طه، ودعا إلى مبادئ، منها: أنه جاء بإسلام جديد، وأن الإسلام الذي جاء به الرسول ﷺ هو الإسلام الأول، والإسلام الثاني هو الإسلام الحديث الذي جاء به هو، واختصر الصلوات، وشرع للناس تشريعات، وربط مذهبه بطرق صوفية، وربط مذهبه بحزب سياسي، وفتن به عدد من شباب الأمة، حتى أذكر أنه قال لي بعض من يعرفون الوضع جيداً في السودان: إنه انتمى إلى الحزب الكفري الإلحادي الذي يقوم على الردة ودعوى النبوة يعني: عدد الذين انضووا إليه يعد بالملايين، فهذه فتنة، واحتسب عليه بعض أهل الحسبة جزاهم الله خيراً وأقاموا عليه الحجة وناظروه، فأصر على الباطل واجتمع أهل العلم والفقهاء وشكلت له لجنة قضائية فاستتابوه فلم يتب، وأخبروه بأن موقفه هذا يقتضي الردة، وأنه سيقتل ردة، فأصر، وعرض على السيف، فأصر على باطله إلى آخر لحظة، والناس من حوله يخوفونه بالله ويلقنونه ويستتيبونه، فلم يتب، فقتل على بدعته وعلى كفرياته، فنسأل الله السلامة. فمثل هذا استحوذت عليه الشياطين، وهيمنت على جميع تصرفاته، حتى إنه لا يدرك مدى الخطر الذي يقع فيه، وربما تزين له أنه سيقدم على الجنة، وهو مقدم على النار، كما ورد عن الدجال أنه كان يموه على الناس فيريهم أن معه جنة وناراً والأمر عكس ما يريهم. فالمهم أن موقف الحلاج ليس بغريب من إصراره على الكفر إلى آخر لحظة، وأعود إلى موطن الشاهد وهو أن الذين حضروا مشهد قتل الحلاج هم جماعة من العلماء الثقات وغيرهم، وما نقلوا أنه كتب من دمه هذه الكلمات، ولو شوهد لنقل وفسر بالقاعدة الشرعية المعروفة: أن هذه فتنة وابتلاء، وأنه لابد أن يكون من عمل الشياطين ومن عمل الجن؛ لأنه لا يعقل لإنسان يلحد أن يكرم بهذه الكرامة، وإنما إن حصلت فتكون من الابتلاء ولا شك؛ لأن الله تكفل بحفظ الدين وضمن بيان الدين، فلا يمكن أن يلتبس الدين على الناس، وتأتي هذه الحكايات فتكون دليلاً وحجة في دعوى أن هؤلاء على الحق، أبداً هذا لا يمكن. إذاً: ما يكون في مثل هذه الحالات المشبوهة من مظاهر وخوارق وما يشبه الكرامات فهي من عبث الشياطين، ومن الابتلاء الذي يبتلي الله به العباد؛ لأنهم توكلوا واعتمدوا على غير الله، فوكلهم الله إلى غيره، فوقعوا في الفتنة، نسأل الله العافية والسلامة. قال رحمه الله تعالى: [وما يحكى عن الحلاج من ظهور كرامات له عند قتله مثل: كتابة دمه على الأرض: الله، الله، وإظهار الفرح بالقتل أو نحو ذلك فكله كذب، وقد جمع المسلمون أخبار الحلاج في مواضع كثيرة، كما ذكر ثابت بن سنان في أخبار الخلفاء، وقد شهد مقتله، وكما ذكر إسماعيل بن علي الحطفي في تاريخ بغداد وقد شهد قتله، وكما ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخه، وكما ذكر القاضي أبو يعلى في المعتمد، وكما ذكر القاضي أبو بكر بن الطيب وأبو محمد بن حزم وغيرهم، وكما ذكر أبو يوسف القزويني وأبو الفرج بن الجوزي فيما جمعا من أخباره. وقد ذكر الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية، أن أكثر المشايخ أخرجوه عن الطريق، ولم يذكره أبو القاسم القشيري في رسالته من المشايخ الذين عدهم من مشايخ الطريق. وما نعلم أحداً من أئمة المسلمين ذكر الحلاج بخير، لا من العلماء ولا من المشايخ، ولكن بعض الناس يقف فيه؛ لأنه لم يعرف أمره، وأبلغ من يحسن به الظن يقول: إنه وجب قتله في الظاهر، فالقاتل مجاهد والمقتول شهيد، وهذا أيضا خطأ].

стр. 179

كذب وافتراء من قال: إن الحلاج قتل مظلوماً وإنه من أولياء الله قال رحمه الله تعالى: [وقول القائل: إنه قتل ظلماً قول باطل؛ فإن وجوب قتله على ما أظهره من الإلحاد أمر واجب باتفاق المسلمين، لكن لما كان يظهر الإسلام ويبطن الإلحاد إلى أصحابه، صار زنديقاً، فلما أخذ وحبس أظهر التوبة، والفقهاء متنازعون في قبول توبة الزنديق فأكثرهم لا يقبلها، وهو مذهب مالك وأهل المدينة، ومذهب أحمد في أشهر الروايتين عنه، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة، ووجه في مذهب الشافعي، والقول الآخر تقبل توبته. وأما قول القائل: إن الحلاج من أولياء الله، فالمتكلم بهذا جاهل قطعاً، متكلم بما لا يعلم، لو لم يظهر من الحلاج أقوال أهل الإلحاد، فإن ولي الله من مات على ولاية الله، يحبه ويرضى عنه، والشهادة بهذا لغير من شهد له النبي ﷺ بالجنة لا تجوز عند كثير من العلماء أو أكثرهم. وذهبت طائفة من السلف، كـ ابن الحنفية وعلي بن المديني إلى أنه لا يشهد بذلك لغير النبي ﷺ . وقال بعضهم: بل من استفاض في المسلمين الثناء عليه شهد له بذلك؛ لأن النبي ﷺ : (مر عليه بجنازة فأثنوا خيراً، فقال: وجبت وجبت، ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شراً فقال: وجبت وجبت، قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها خيراً فقلت: وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شراً، فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض). فإذا جوز أن يشهد لبعض الناس أنه ولي الله في الباطن، إما بنص وإما بشهادة الأمة فـ الحلاج ليس من هؤلاء، فجمهور الأمة يطعن عليه ويجعله من أهل الإلحاد، إن قدر على أنه يطلع على بعض الناس أنه ولي الله ونحو ذلك مما يختص به بعض أهل الصلاح].

стр. 180

أوجه ضلال من أثنى على الحلاج ووافقه على اعتقاده قال رحمه الله تعالى: [فهذا الذي أثنى على الحلاج ووافقه على اعتقاده ضال من وجوه: أحدها: أنه لا يعرف فيمن قتل بسيف الشرع على الزندقة أنه قتل ظلماً وكان ولياً لله، وقد قتل الجهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيلان القدري ومحمد بن سعيد المصلوب وبشار بن برد الأعمى والسهروردي وأمثال هؤلاء كثير، ولم يقل أهل العلم والدين في هؤلاء: إنهم قتلوا ظلماً، وإنهم كانوا من أولياء الله، فما بال الحلاج تفرد عن هؤلاء؟]. هذه مسألة مهمة جداً، وليست جديدة كما يظن بعض الذين اطلعوا على مقالات وشبهات بعض المفتونين من المعاصرين، من دعوى أهل الأهواء أن الذين قتلوا لكفرهم وزندقتهم أو لعموم فسادهم في الأرض، أو الذين حدوا بأي حد من الحدود الشرعية إما بنفي أو حبس أو بتشهير أن هؤلاء مظلومون، وأنهم ضيق عليهم ظلماً، فما أثاره كثير من المعاصرين من المفتونين، والذين تكلم عنهم أحدهم في مذكرة حراسة العقيدة ليس بجديد، اللهم إلا أن الجديد أنهم استعملوا عبارات مثيرة إعلامياً للتنفير من مواقف السلف، مثل عبارة: الإرهاب المخالف، هذه استعملها من نرد عليه في هذا الدرس، فقد استعملها كثيراً، وضرب أمثلة على أن السلف يظلمون، وأنهم يرعبون المخالف ويضيقون عليه، ويستعدون السلاطين على المخالفين، وضرب أمثلة لهؤلاء بـ الجهم والجعد وغيلان، وبهذا يتضح منهجياً أن مناهج أهل الأهواء واحدة، وأن من أثار هذه الفتنة ضد السلف وأشغل شباب الأمة في هذه الظروف العصيبة في هز المسلمات والطعن في السلف، إنما هو امتداد لأسلافه الأوائل أهل الأهواء والفرق والابتداع؛ ولذلك نرى هؤلاء من مبالغتهم في الحقد على السنة وأهلها أنهم جمعوا المتناقضات، فقد جمعوا في تعاطفهم مع أصحاب المذاهب المتناقضة، فـ الجهم غير الجعد، والجعد غير غيلان، والسهروردي غير هؤلاء، والفرق التي منها هؤلاء الأشخاص فرق متضاربة متعارضة، فلذلك من علامات الخذلان أن هذه الفئة ضمت جميع أهل الأهواء وتعاطفت معهم، ما أخذت طائفة واحدة حتى نقول: لعلها اغترت بمنهجها، لا، بل جمعوا جميع أهل الأهواء وضموهم كلهم في حزمة واحدة، وهذا يعطينا العبرة والدرس في أنه ينبغي للمسلم أن يلتزم نهج السلف؛ لأنه سبيل المؤمنين، وأن يكون في ذلك واثقاً ومطمئناً؛ لأن الله جعل سبيل المؤمنين هو الطريق الذي فيه الاعتصام، وفيه الإجماع على الحق، الذي قال عنه النبي ﷺ : (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، فإنه لا يمكن أن يخفى الحق، وإذا أخذنا الأمور بموازين الشرع فسنجد الحق مع من كان على السنة والاستقامة، وإن وجد عند بعضهم شيء من التجاوزات والأخطاء التي هي من عوارض البشر، وهذا كما أشرت إليه وسأشير مرة أخرى لا يضر بالمنهج. أما قول أهل الأهواء عن الحلاج وغيره أنه قتل ظلماً، فهذه كلمة قالها أنصار هؤلاء في وقتهم، وقد يزيد بعض المعاصرين أمراً آخر وهو شعار جديد أرادوا أن يثيروا به شباب الأمة، هو شعار: أن هؤلاء قتلوا قتلاً سياسياً، فانظر إلى المغزى، يعني: أن بني أمية أو بني العباس الذين ركزوا على قتل الزنادقة، وذلك حين كثر الزنادقة سلط الله عليهم من أئمة الهدى من يبين عوارهم، وسلط عليهم من سلاطين الأمة وخلفائها من يقيم الحد فيهم، فأهل الأهواء يقولون: إن قتل هؤلاء من أهل الزندقة والكفر والإلحاد والفساد كان قتلاً سياسياً؛ لأنهم من مشاهير المعارضين للسلاطين، فهذا فيه شيء من الحق، لكنه صور بصورة الباطل، ووجه الحق أن أهل الأهواء دائماً يرفعون راية الخروج وعدم السمع والطاعة، بما فيهم هؤلاء الأشخاص، فقد اشتهر ذلك عن الجعد واشتهر عن غيلان وغيرهما؛ لأن صاحب البدعة من لوازم بدعته أن يكره السنة، وإذا كره السنة فإنه سيترك مناهج أهل السنة والجماعة، ومن منهج أهل السنة والجماعة: السمع والطاعة لولاة الأمر، واعتقاد حقهم من البيعة وغير ذلك في المعروف، فأهل الأهواء لا يسمعون ولا يطيعون، فمن هنا تأتي شبهة أنهم قتلوا قتلاً سياسياً، مع أننا نعلم أن الأحداث الشهيرة التي قتل فيها هؤلاء جرت بمنهج شرعي سليم، وتمت على أيدي أهل العلم من الأئمة الموثقين من علماء وقضاة، وكون بعض الساسة أو بعض الولاة له هوى في قتل هذا الرجل أو ما له هوى هذا أمر لا يعلمه إلا الله علام الغيوب، لكن أن نفسر الأحداث بهذا التفسير، هذا هو عين الهوى والمنهج الخاطئ الضال؛ لأنه بذلك يؤدي إلى وصف منهج أهل السنة والجماعة بالانحراف والضلال، وهذا عين الباطل، وما كان الله يسلم الأمة إلى الباطل بهذه الصورة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الأنبياء فقتلهم الكفار، وكذلك الصحابة الذين استشهدوا قتلهم الكفار،
следующие страницы →