← Акыда

Акыда · id 37722

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية

ناصر العقل

Полный текст (196 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [١] إن أصل العلم الإلهي ومبدأه ودليله الأول هو الإيمان بالله ورسوله، فقد فطر الله عباده على الاعتراف بوجوده، وجعل طريقهم إلى ما يرضيه باتباع شرعه ومتابعة نبيه، ومما يدل على أن هذا الأصل هو أعظم المطلوبات وأجل الواجبات أن من أخل به أو لم يأت به ابتداء قوتل عليه.

стр. 2

أول واجب على العباد بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فسنشرع في هذا الدرس من المجلد الثاني من فتاوى شيخ الإسلام ويبدأ فيه بمسألة مهمة في توحيد الربوبية، وأحب أن أتكلم عنها قليلاً قبل أن نبدأ بها؛ لأنها من المسائل الكلامية التي فيها شيء من الغموض والتعقيد أحياناً، وهي مسألة أول الواجبات، ما هو أول واجب على العباد؟ هذه مسألة بدهية فطرية، لكن مع ذلك بعد دخول الأهواء على الأمة، وبعد وجود الافتراء، وبعد أن مالت كثير من الفرق إلى مناهج الفلاسفة في تقرير الدين، ومناهج أهل الكتاب، ومناهج الصابئة، ومناهج المجوس، ومناهج غيرهم من الأمم الأخرى، دخلت مفاهيم غريبة وبعيدة كل البعد عن مقتضى الفطرة والشرع، فصارت مسالك لأقوام منهم علماء، والسبب الذهول عن الحقيقة الفطرية البدهية، وهي أن أول واجب على العباد جميعاً الإيمان بالله ، لكن ليس مجرد الاعتراف بوجود الله، إنما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ لأن مسألة الإيمان بالله لا تعني مجرد الإقرار؛ لأن الإقرار فقط ليس هو الموصل إلى ما يرضي الله ويسعد البشر، لا سيما وأن الإقرار فطري عند جميع الناس، ليس هناك أمة من الأمم تنكر مبدأ وجود الله أو وحدانية الله بالخلق والربوبية، ليس هناك أمة تنكر ذلك وإن وجدت بعض النزعات النادرة. إذاً: القضية في أول واجب هو: ما المطلوب من العباد؟ المطلوب من العباد هو عبادة الله المتحقق بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولذلك صار مفتاح الدخول في الإسلام الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وبذلك نقول: إن أول واجب هو الإقرار بالشهادتين، أول واجب هو تحقيق التوحيد، أول واجب هو تحقيق الإيمان، أول واجب تحقيق الإسلام وذلك يكون بأركان الإسلام. هذا ما سيبينه الشيخ ويرد على المخالفين، والمخالفون لهم أقوال كثيرة في أول واجب، وسيأتي الكلام عنها الآن وسترون فعلاً مدى بعد المتكلمين عن المنهج الحق في تقرير التوحيد وبيانه.

стр. 3

أول العلم الإلهي ومبدؤه ودليله الأول عند الرسول وعند المؤمنين قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدّس الله روحه: [بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً. قاعدة أولية: أن أصل العلم الإلهي ومبدأه ودليله الأول عند الذين آمنوا: هو الإيمان بالله ورسوله، وعند الرسول ﷺ : هو وحي الله إليه، كما قال خاتم الأنبياء: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)، وقال الله تعالى له: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٥٠]. وقال: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧]. وقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف:٣]، فأخبر أنه كان قبله من الغافلين. وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢]. وفي صحيح البخاري في خطبة عمر لما توفي النبي ﷺ كلام معناه: أن الله هدى نبيكم بهذا القرآن فاستمسكوا به فإنكم]. في السنن وردت هذه العبارة عن عمر بصيغ كثيرة، اخترت منها ما ورد في البخاري، وهو أن عمر ﵁ قال: قد جعل الله بين أظهركم نوراً تهتدون به، بما هدى الله به محمداً ﷺ . وفي بعض الروايات بعد قوله: إن الله هدى نبيكم بهذا القرآن أو نحو هذا اللفظ قال: فخذوا به واهتدوا، بدل فإنكم وهناك عبارات أخرى، فالقصد أنه يتم الاستدلال بهذا الشاهد الذي أورده شيخ الإسلام بهذا اللفظ وبما يرادفه من الألفاظ الأخرى. هنا وقفات موجزة عند كلام الشيخ منذ أن بدأ. أراد الشيخ أن يبين تقرير أول الواجبات، وأنه الإيمان بالله ، الذي هو التوحيد والهدى واتباع المرسلين، قعّد لذلك بقاعدة وهي: أن أصل العلم الإلهي ومبدأه ودليله الأول عند الذين آمنوا: هو الإيمان بالله ورسوله إذاً: هذا هو أول واجب؛ لأن هذا هو مبدأ العلم الإلهي، وهو أصله ومبعثه ومنشؤه وغايته في الجملة الإيمان بالله ورسوله. قال: (وعند الرسول ﷺ : هو وحي الله إليه) يقصد أن الرسل جميعاً هم الوسائط بين الله وبين خلقه، فالواجب على الرسل التلقي عن الله، وأن العلم الإلهي هو من وحي الله ، وأن الرسل إنما يطلبون الهدى من الله، والرسل هم مبلّغون للأمم فيكون الواجب على أتباع الرسل وعلى الذين آمنوا الإيمان بالله وطاعة الرسول ﷺ . وقد فرّق بين الرسول ﷺ وبين المؤمنين؛ لأن الرسول ﷺ لا يتأتى منه أن يطيع نفسه إنما يطيع الله، فالرسول مطيع لله ، والأمة مطلوب منهم أن يطيعوا الله ويطيعوا الرسول ﷺ ؛ لأن الله أمرهم بذلك. ثم ذكر ما أشار إليه النبي ﷺ من أول مطلوب من العباد، وأنهم إذا أخلوا بهذا المطلوب قوتلوا، وهذا يدل على أن هذا أعظم المطلوبات؛ لأنه لا يكون القتال إلا على أعظم الواجبات، وأول الواجبات، فالنبي ﷺ حين ذكر القتال ذكر أول ما يقاتل عليه الناس هو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأنهم إذا شهدوا بهما والتزموا بلوازمهما عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، فيكون هذا دليلاً قاطعاً على أن أول واجب من العباد يُلامون ويؤاخذون ويقاتلون إذا تركوه هو: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، لا كما يقول المتكلمون الذين زعموا أن أول واجب هو النظر والقصد إلى النظر، أو هو التفكير، أو هو التوصل إلى معرفة الله من خلال الألفاظ والمصطلحات المحدثة، والمقاييس العقلانية المعقدة، كل هذا ليس مطلوباً من العباد؛ لأن الله كفاهم، بأن فطر عباده على الاعتراف بوجوده، لكنهم لا يعرفون الطريق إلى ما يرضي الله إلا بالعبادة على ما شرع الله وشرعه الرسول ﷺ . ثم ذكر الأدلة الفرعية على هذا، منها: قوله : ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٥٠] في هذه الآية دلالة على أن الفارق بين الضلالة وعدمها هو اتباع الوحي؛ لأن الوحي هو الطريق إلى الهدى، الذي هو أول واجب، فأول واجب على العباد أن يهتدوا بهدي الله، أن يهتدوا بالحق الذي جاء به الرسل، وهذا إنما يتم بما أوحى الله إلى رسوله. وكذلك في هذه الآية د

стр. 4

تقرير الحجة في القرآن ببعث الرسل قال رحمه الله تعالى: [وتقرير الحجة في القرآن بالرسل كثير، كقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]. وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]. وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [طه:١٣٤]. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [القصص:٥٩] الآية. وقوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨]. وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر:٧١] الآية. وقوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأنعام:١٣٠] الآية]. وجه الاستدلال بهذه الآيات واضحة، وهو أنه لو كان الناس يستقلون بعقولهم لإدراك ما يرضي الله لما احتجوا بأنهم يحتاجون إلى بعث الرسل، ولما كان بعث الرسل هو الطريق الموصل إلى رضا الله ، ولذلك فإن أول واجب على العباد لا يمكن أن يدركوه بعقولهم، أي: البداية لا يمكن أن تدرك بمجرد العقول، لا تدرك إلا من خلال الرسل الذين بعثهم الله لهداية العباد، لذلك أخبر الله أنه لو لم يبعث الرسل لاحتجت الأمم بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وقال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، فلو كان الناس يدركون الواجب ويدركون ما يرضي الله بعقولهم لما قرر الله هذه الحجة، وجعلها حجة قائمة لو لم يبعث الله الرسل، فهذا دليل على أن الناس لا يدركون الواجبات بعقولهم، ولا يقررون الدين بعقولهم، ولا يعرفون العقيدة تفصيلاً بعقولهم، ولا يتوصلون إلى ما يرضي الله على جهة التشريع بعقولهم؛ فلذلك كان بعث الرسل حجة، والله لو لم يبعث رسلاً لما عذّب العباد، ولكان في ذلك احتجاج من الأمم جميعاً فيما يقضيه الله بينهم يوم القيامة. والمقصود بالآية: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأنعام:١٣٠] هي الآية: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠]، هذا هو الظاهر وهذا مقتضى السياق؛ لأن القصد بعث الرسل، ولذلك استنبط بعض أهل العلم من هذه الآية الدلالة على أن الرسل كلهم بعثوا في الإنس، وبعضهم استنبط منها العكس.

стр. 5

ابتداء طائفة من المصنفين بأصل العلم والإيمان عند تصنيفهم في العلم قال رحمه الله تعالى: [ولهذا كان طائفة من أئمة المصنفين للسنن على الأبواب، إذا جمعوا فيها أصناف العلم ابتدءوها بأصل العلم والإيمان، كما ابتدأ البخاري صحيحه ببدء الوحي ونزوله؛ فأخبر عن صفة نزول العلم والإيمان على الرسول أولاً، ثم أتبعه بكتاب الإيمان الذي هو الإقرار بما جاء به، ثم بكتاب العلم الذي هو معرفة ما جاء به، فرتبه الترتيب الحقيقي. وكذلك الإمام أبو محمد الدارمي صاحب المسند ابتدأ كتابه بدلائل النبوة، وذكر في ذلك طرفاً صالحاً، وهذان الرجلان أفضل بكثير من مسلم والترمذي ونحوهما؛ ولهذا كان أحمد بن حنبل يعظّم هذين ونحوهما؛ لأنهم فقهاء في الحديث أصولاً وفروعاً]. أشار الشيخ في المقطع السابق إلى منهجية مهمة جداً ينبغي أن يفهمها طلاب العلم، وما أكثر الأصول المنهجية التي ذكرها شيخ الإسلام عن السلف، لكن هذه مهمة جداً في هذا الوقت الذي كثر فيه التصنيف والتأليف، وكثر فيه الاستطراد وتشقيق الكلام وحشو العلم، ينبغي أن ننبه على ضرورة التزام منهج السلف في تقرير العقيدة وبيانها، وهو أنهم يبدءون بما بدأ الله به، ويبدءون بما هو الأصل في تقرير مسائل الدين، يبدءون بالأهم فالأهم، وهذا منهج للتأليف ومنهج للدعوة أيضاً، ينبغي أن يبدأ المسلم وطالب العلم والعالم في أي أمر بتقرير الدين وبتقرير التوحيد، ابتداء من بدء الوحي ومصادر الدين ومنهج التلقي، ثم بيان أصول الإيمان وما يحقق توحيد الله من قبل العباد، ولا يعني ذلك إغفال الجوانب الأخرى، لكنها تأتي ضمناً، فتقرير أسماء الله وصفاته وأفعاله جاء للوصول إلى عبادته، وتقرير الربوبية جاء للوصول إلى عبادة الله ، فلا يصح أن يبدأ بأمور فرعية؛ لأن ذلك يؤدي غالباً إلى إبعاد القلوب والعقول عن تقبل الهدى. فمنهج السلف في تصنيف العقائد وتقرير العقيدة يبدأ بتقرير ما يتعلق بتوحيد الله في أسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحيد الربوبية والإلهيات دون فصل واحد عن الآخر؛ لأن هذا هو المطلوب من العباد، وهو الذي يحتاجونه، وهو الذي لا بد فيه من شرع مفصّل، وهذا عكس منهج المتكلمين والفلاسفة، فالمتكلمون والفلاسفة أول ما يبدءون في تقرير الدين بمسألة وجود الله، وهذا خلاف الأصل؛ لأن الله يقول: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠]، ثم يعرّجون على مسألة وحدانية الله، وهذا أيضاً مما لا يخالف فيه أحد، ثم يعرّجون على مسألة تقرير الصفات بقواعد عقلية وفلسفية، أيضاً لو أنهم بدءوا بتقرير الصفات على منهج السلف لكان الأمر يسيراً وسهلاً، ولكان منهجهم قريباً من المنهج الحق، لكنهم يعرّجون على تقرير الصفات لله بمناهجهم الكلامية التي ينفون بها صفات الله، أو يؤولونها على مختلف رؤيتهم. ثم بعد ذلك أيضاً لو أنهم توصلوا بهذه الأساليب إلى توحيد الإلهية لكان الأمر فيه فائدة، وإن كانت فائدة عسيرة لا تتم إلا عبر الدخول في الشبهات والشكوك التي تمرض القلوب، كذلك لو أنهم ختموا مناهجهم وطرائقهم وأسلوبهم في تقرير التوحيد بتوحيد الإلهية لكان الأمر مقارباً، لكنهم ما عرّجوا على توحيد الألوهية، توحيد الألوهية لم يرد في كتبهم إلا نادراً، وهذا دليل فساد المسلك والمنهج، وأنهم تكلموا في قضايا فطرية ليست محل خلاف عند البشر، وإن خالف فيها بعض النزّاع من البشر، لكن ليست محل خلاف عند جماهير الأمم، ثم إنهم قرروها على مبادئ فلسفية تؤدي إلى شرك أكثر مما تؤدي إلى اليقين، ولذلك كان الواحد منهم لا يسلم من الشبهات والاعتراض عليها، وافتراض الشبهات والاعتراض عليها، فلا يصل بذلك إلى نتيجة، وأعظم من هذا كله أنهم صرفوا الناس عن الجد والعبادة إلى الجدل والمراء والمناظرات؛ بسبب سلوكهم هذا المنهج كما سيأتي بيانه. الخلاصة وهو ما أردت أن نتوقف عنده: هو أن منهج السلف تقرير التوحيد المطلوب من العباد، والتوصل إليه بتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية لا حرج، لكن لا لتقرير البدهيات؛ لأنها واضحة، لكن منهج المتكلمين عكس ذلك، فهم يقفون عند مسائل بدهية ويتوهمون أن أمامهم خصوماً وإنما هم معترضون، والأمر لا يعدو أن تكون هناك شياطين في رءوسهم أوحت لهم ووسوست لهم وشككتهم، فظنوا أنهم بذلك يحسنون صنعاً.

стр. 6

ذكر هداية الخلق بالرسالة في القرآن الكريم قال رحمة الله تعالى: [ولما كان أصل العلم والهدى هو: الإيمان بالرسالة المتضمنة للكتاب والحكمة، كان ذكره طريق الهداية بالرسالة التي هي القرآن، وما جاءت به الرسل كثيراً جداً، كقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢]. وقوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٨]. وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]. وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:٣ - ٤]. وقوله: ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم:١]. وقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤]. وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣]. وقال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران:١٠١] فيُعلم أن آيات الله والرسول تمنع الكفر، وهذا كثير]. يشير الشيخ بهذا إلى أمر مهم جداً، يحسن استصحابه في الكلام القادم، وهو أن أصل العلم الهدى، أي: أن أول واجب على العباد هو تحقيق التوحيد، فهذا هو أصل العلم والهدى، ويتحقق بالإيمان بالرسالة المتضمنة للكتاب والحكمة. والعبد إذا عمل بأول واجب وهو مبدأ الإيمان بالله والإيمان برسوله، ورضي العلم والهدى الذي تضمنه الكتاب والسنة فإن ما فيهما يرشد إلى كل ما زعمه المتكلمون من تحقيق وجود الله، وتحقيق وحدانية الله ، وتحقيق تعظيم الله بأسمائه وصفاته كما يزعم المتكلمون ويسعون إليه، كل هذا إنما يحصل بالاهتداء بالكتاب والسنة؛ لأن هذه الأصول أرشد إليها القرآن والسنة، بل أول ما دعا إليها، فلا يمكن أن تتحقق عبادة الله التي هي أعظم الغايات إلا بتحقيق ما يحتاجه العباد من أسماء الله وصفاته وأفعاله وربوبيته؛ ولذلك فالله حينما أقام الحجة على المشركين في تحقيق عبادته أقامها عليهم بإقرارهم بالربوبية. فإذاً: ليست الربوبية محل نزاع إنما جعل إقرارهم بالربوبية وسيلة إلى إلزامهم بالمطلوب، وهو ألا يعبدوا غير الله، جعل الربوبية المعلومة عند جميع الأمم حتى عند المشركين وسيلة إلى تحقيق عبادة الله وحده لا شريك له. فالشيخ كأنه يقول: إذا قلنا: إن أول واجب هو الاهتداء بما جاء به الرسول ﷺ ، فإن هذا الهدى تضمن كل ما سعى إليه المتكلمون، وزعموا أنهم يريدون أن يحصلوه بزعمهم أن أول واجب هو التفكير والنظر العقلي إلى آخره، قال: هذه الأمور أرشد إليها القرآن بطرق سليمة فطرية صحيحة، لا على مناهجكم المعقّدة.

стр. 7

ذكر حصول الهداية والفلاح للمؤمنين وذكر أهل الجنة والنار وأعمالهم ومآلهم قال رحمه الله تعالى: [وكذلك ذكره حصول الهداية والفلاح للمؤمنين دون غيرهم ملء القرآن، كقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٢ - ٣] الآية، ثم ذم الذين كفروا والذين نافقوا. وقوله: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:١ - ٣]. وقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين:٥ - ٦]. فحكم على النوع كله والأمة الإنسانية جميعها بالخسارة والسفول إلى الغاية، إلا المؤمنين الصالحين. وكذلك جعل أهل الجنة هم أهل الإيمان، وأهل النار هم أهل الكفر، فيما شاء الله من الآيات، حتى صار ذلك معلوماً علماً شائعاً متواتراً اضطرارياً من دين الرسول ﷺ ، عند كل من بلغته رسالته. وربط السعادة مع إصلاح العمل به، في مثل قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧]. وقوله: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٩]. وأحبط الأعمال الصالحة بزواله، في مثل قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور:٣٩]. وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ [إبراهيم:١٨]. وقوله: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾ [آل عمران:١١٧] الآية. وقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، ونحو ذلك كثير. وذكر حال جميع الأمم المهدية أنهم كذلك، في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة:٦٢] الآية. ولهذا أمر أهل العقل بتدبره، وأهل السمع بسمعه، فدعا فيه إلى التدبر والتفكير والتذكر والعقل والفهم، وإلى الاستماع والإبصار والإصغاء، والتأثر بالوجل، والبكاء وغير ذلك، وهذا باب واسع. ولما كان الإقرار بالصانع فطرياً كما قال ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة) الحديث، فإن الفطرة تتضمن الإقرار بالله والإنابة إليه، وهو معنى لا إله إلا الله؛ فإن الإله هو الذي يُعرف ويُعبد، وقد بسطت هذا المعنى في غير هذا الموضع]. بدأ الشيخ يشير إلى منهج المتكلمين، وهو أنهم يسلكون في تحقيق التوحيد مسلك الإقناع بالإقرار بوجود الخالق، الشيخ عبّر بالصانع وأرى أننا نلتزم اللفظ الشرعي: الخالق؛ لأن شيخ الإسلام يرد على المتكلمين بمصطلحهم، وإلا فالأصل التزام الألفاظ الشرعية، ولذلك كان ينبغي أن يقول: ولما كان الإقرار بالخالق فطرياً، كما قال النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة). إذاً: أراد بهذا الرد على زعمهم أن أول واجب من أجل إثبات وجود الخالق: النظر، يقول: هذا أمر فطري، فليس بصحيح أنه أول الواجبات، وليس صحيحاً أنه هو المنهج السليم في تحقيق التوحيد؛ لأن الإقرار بالخالق أمر بدهي فطري أشار إليه النبي ﷺ في قوله: (كل مولود يولد على الفطرة)، فإن الفطرة تتضمن الإقرار بالله ، يعني بربوبيته، والإنابة إليه، يعني بالعبودية، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإذا قلنا: لا معبود إلا الله، فكيف يُعبد وهو لم يُعرف؟ هذا أمر مستحيل، إذاً: فالإله هو الذي يُعرف ويُعبد، فلا يُعبد إلا وقد عُرف، ولذلك حينما وجّه الله العباد وأمرهم بعبادته دل هذا بالضرورة أنهم ليسوا بحاجة إلى التعريف بوجوده؛ لأنه أمر فطري، إنما هم بحاجة إلى التعريف بعبادته، كيف يعبدونه، وإلى الأمر بأن يعبدوه، لا بأن يقروا بأنه الخالق، فإن هذا أمر تقتضيه الفطر، فالناس كأنهم مجمعون على الإقرار بالله، وما بعد هذا الإقرار هو المطلوب منهم، أما الإقرار فقد كفاهم الله إياه حيث فطرهم عليه، وهو مقتضى فطرة كل إنسان، وإن شذ بعض المختلّين في عقولهم فلا عبرة بهم؛ لأن النادر لا حكم له.

стр. 8

المقصود بدعوة المرسلين إيصال العباد إلى عبادة الله الحقة قال رحمه الله تعالى: [وكان المقصود بالدعوة: وصول العباد إلى ما خُلقوا له من عبادة ربهم وحده لا شريك له، والعبادة أصلها عبادة القلب المستتبع للجوارح]. يقصد بهذا أن العبادة أصلها عبادة القلب لا العقل ولا الفكر، ولذلك الذين يعبدون الله بالتفكير أو العقول من الفلاسفة وغلاة الجهمية هؤلاء ما وصلوا إلى الحق، وهم أصحاب المذاهب الوثنية الآن، فتجد مثلاً في الديانات الهندية والديانات اليونانية القديمة أن هؤلاء الأقوام ضلوا الطريق مع أنهم اعترفوا بالرسل ويقرون بوجود الله ويرون الحاجة إلى عبادته، لكنهم يعبدونه بعبادة عقلية بالتأمل والنظر والتفكّر، أو عبادة فكرية بمجرد التأمل في آلاء الله ، يسمون هذا عبادة، ويستميتون لهذا الفكر ويقاتلون عليه، وهذا خطأ وضلال؛ لأنهم ما وصلوا إلى ما يريده الله . فإذاً: لا بد من تقرير بأن المقصود بدعوة المرسلين ودعوة المصلحين في كل زمان إيصال العباد إلى عبادة الله التي خُلقوا من أجلها، فقد خُلقوا كما قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ما قال: ليقروا بي أو لينظروا أو ليتفكروا؛ لأن النظر والتفكر إنما يكون بعد الخضوع والعبادة على منهج، تنظر وتفكر كما أرشدك الله إلى أصول النظر والتفكر. قال: (والعبادة أصلها عبادة القلب) يعني: يعبد الله بالمحبة والخوف والرجاء والتوكل، وسائر أنواع العبادة التي تنبثق عنها أعمال الجوارح.

стр. 9

الرد على المتكلمين في تقرير الربوبية والنبوة وإغفال توحيد الألوهية قال رحمه الله تعالى: [والعبادة أصلها عبادة القلب المستتبع للجوارح، فإن القلب هو الملك والأعضاء جنوده، وهو المضغة الذي إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، وإنما ذلك بعلمه وحاله كان هذا الأصل الذي هو عبادة الله بمعرفته ومحبته، هو أصل الدعوة في القرآن، فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وقال في صدر البقرة بعد أن صنف الخلق ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر، ومنافق، فقال بعد ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]، وذكر آلاءه التي تتضمن نعمته وقدرته، ثم أتبع ذلك بتقريره النبوة، بقوله: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣]. والمتكلم يستحسن مثل هذا التأليف ويستعظمه حيث قررت الربوبية ثم الرسالة، ويظن أن هذا موافق لطريقته الكلامية في نظره في القضايا العقليات. أولاً: من تقرير الربوبية، ثم تقرير النبوة، ثم تلقي السمعيات من النبوة كما هي الطريقة المشهورة الكلامية للمعتزلة والكرامية والكلابية والأشعرية، ومن سلك هذه الطريق في إثبات الصانع، أولاً: بناء على حدوث العالم، ثم إثبات صفاته نفياً وإثباتاً بالقياس العقلي، على ما بينهم فيه من اتفاق واختلاف إما في المسائل وإما في الدلائل، ثم بعد ذلك يتكلمون في السمعيات من المعاد والثواب والعقاب والخلافة والتفضيل والإيمان بطريق مجمل]. نقف عند هذا؛ لأنه سيبدأ في موضوع جديد، ختم الشيخ هذا المقطع بالإشارة إلى منهج المتكلمين وخطر هذا المنهج وخطئه؛ لأن الشيخ قال حين ذكر قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] ذكر أن المتكلم يستحسن مثل هذا التأليف؛ لأن الله ذكر آلاءه ونعمه في قوله : ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢] إلى آخر الآيات التي يقرر فيها النعم، ثم يقرر فيها التحدي لهؤلاء العباد؛ لأنهم إن كانوا في ريب مما نزل على عبده فليأتوا بسورة من مثله أو نحو ذلك. فهو يقول: إن المتكلمين يعجبهم هذا المنهج، لكنه خلاف ما قصدوا من أنه يبدأ بذكر الآلاء والنعم ثم ذكر النبوة، لكنهم نسوا أن الله صدّر الآية بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١] بعد تقرير توحيد العبادة لفتهم إلى نعمه وآلائه، وإلى النبوة وتقريرها، وأشار إلى أنه يتحداهم بأن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن، فهم ذُهلوا عن أصل القضية وهو الدعوة إلى عبادة الله، فقال: (المتكلم يستحسن مثل هذا التأليف) أي: ذكر الخلق أولاً، ثم النعم، ثم الرسالة والنبوة، ثم يعرّج بعد ذلك على ما ذكره الشيخ من تقرير الربوبية وتقرير النبوة والسمعيات، ثم الكلام في الصفات إلى آخره، وأن هذا منهج معوّج من حيث الأصل، وكل قضية يبدأ أصلها خطأ تكون نتائجها خطأً، لذلك هم قد يوافقون الحق في بعض الأمور، لكن على أصل خاطئ، فتقريرهم للنبوة بحد ذاته صحيح، وينبغي أن يقرر مبدأ صحة النبوة وصدق الأنبياء، وتقريرهم لذكر نعم الله وخلقه للوصول إلى صحة وجود الخالق صحيح أيضاً، لكن النتيجة التي هي مطلوبة من العباد لم يصلوا إليها، ولذلك عندما ذكر الشيخ منهجهم هذا الإثبات بالقياس العقلي وما بينهم من اختلاف في مناهجهم الكلامية قال: (غاية ما يصلون إليه هو هذه الأمور) كأنه يقول: ومع ذلك فإنهم لا يعرّجون على توحيد العبادة الذي هو الغاية الكبرى وهو المطلوب ابتداء وانتهاء. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 10

الأسئلة

стр. 11

معنى قول الناظم: (قالوا بم عرف المكلف ربه قلت بالنظر الصحيح المرشد) السؤال قال الكلوذاني في منظومة عقيدة أهل السنة: قالوا بم عرف المكلف ربه قلت بالنظر الصحيح المرشد؟ الجواب نعم، ليس هذا على إطلاقه، إن قصد النظر الصحيح تحقيق العبادة فصحيح، لكن ظاهر البيت أنه يوافق المتكلمين وهذا خطأ في المنهج. على أي حال هذا البيت يبدو أن له احتمالين: إن قصد المعرفة التي هي معرفة وجود الله فهذا صحيح، وإن قصد بالمعرفة التوحيد فغير صحيح.

стр. 12

تعريف الإسلام السؤال ما رأيكم بهذا التعريف للإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك وأهله؟ الجواب زيادة (أهله) ليس لها لزوم؛ لأن من خلص من الشرك فأهله تبع، فالتعريف ينبغي أن يوجز إلى أقصى حد ممكن، فالعبارة التي تغني عن غيرها يوقف عندها ولا يؤتى بالفروع والاحترازات، والتعريف إذا كان جامعاً شاملاً مانعاً أولى من أن يفرّع عنه، فأقول: إن الخلوص من الشرك تكفي عن زيادة عبارة (وأهله) كما ذكر السائل. والبراءة هو الخلوص، وكلها عبارات صحيحة، والقصد الوصول إلى المعنى الصحيح، الخلوص قد تكون ليست واضحة عند بعض الناس فيقال: والبراءة من الشرك، وليس بينهما فرق، لكن لفظ البراءة أدق على معنى والخلوص له معنى آخر، والخلوص أشمل من البراءة.

стр. 13

ثناء شيخ الإسلام على الدارمي ومسنده السؤال ذكر الشيخ مسند الدارمي وعظمه فهل يرى أنه يقدّم على صحيح مسلم؟ الجواب لا أظن.

стр. 14

حكم الجهاد ضد اليهود وغيرهم السؤال هل الجهاد فرض عين ضد اليهود؟ الجواب هذه مسألة من المسائل التي تتعلق بمصالح الأمة العظمى، لا بد من الرجوع فيها إلى أهل الحل والعقد من العلماء الكبار؛ لأن هذه فيها مزلة وفيها أيضاً افتئات على الشرع والدين والعلم، والفتاوى المتسرعة فيها سواء كانت بالمنع أو بالمشروعية، كل ذلك قد يؤدي إلى نتائج وخيمة إذا صدر من أناس لم يتدارسوا هذا الأمر مع أهل العلم الكبار، ففرضية العين لها شروط وضوابط، أنا أظنها لا تتحقق في هذا الظرف الذي نعيشه، نعم الواجب تجاه إخواننا المسلمين في كل مكان الذين يستضعفون ويقاتلون النصرة لهم بما نملك من الوسائل المتاحة والمشروعة أيضاً، لكن ليس بالعواطف والأعمال المتهورة أو الفتاوى المتعجّلة، أو إيقاع الأمة والناس في حرج قد يكون الذي يفتي جالساً على أريكته، ويوقع شباب المسلمين في أمور قد تكون نتائجها غير مشروعة ومحرجة، وليست على وجه شرعي صحيح. أنا لا أفتي في كون الجهاد على اليهود الآن فرض عين أو غيره، هذا يرجع فيه إلى أهل العلم، لكن فيما يبدو لي ولست بهذا أفتي، إنما أوجه المسألة توجيهاً يمهّد للفتوى وهو أنه قد لا يتأتى فرض العين في الواقع الذي تعيشه الأمة الآن. ثم كيف السبيل إليه؟ الراية راية من؟ لا يجوز الجهاد إلا تحت راية شرعية، أما التصرف الفردي فهذا تهوّر لا يجوز أن يسلكه المسلم، وحتى التسرع شبه الفردي، أن تتجمع مجموعات أو طوائف محدودة وتقوم بعمل انتحاري ونحو ذلك، فهذا في تقديري أنه ليس بمشروع على هذا النحو، فالجهاد يكون براية، والراية لها شروط وضوابط، لكن لابد من نصرة إخواننا في كل مكان، والناس أيضاً أحياناً تثيرهم قضية المسجد الأقصى، نعم هذا صحيح المسجد الأقصى لا شك أنه من مساجد المسلمين ومن المساجد الثلاثة، لكن ما السبيل إلى تحريره؟ ما السبيل إلى الجهاد؟ هذا أمر يحتاج إلى أناة ودراسة مشروعة، فالمسلمون أنفسهم هل هم مهيئون للجهاد؟ يحتاج الأمر إلى مناقشة شرعية مؤصّلة، نسأل الله أن يعلي كلمته، وينصر دينه، ويعز الإسلام والمسلمين في كل مكان.

стр. 15

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [٢] لقد سلك المتكلمون مناهج منحرفة في تقرير أصول الدين، وهم يظنون أنهم موافقون للقرآن، وأنى لهم ذلك وقد خالفوا نهج الكتاب والسنة في ذلك، فقد حكموا عقولهم القاصرة في النصوص المتعلقة بالعقائد فردوها أو تأولوها، ومثل ذلك فعلوا فيما يتعلق بالأحكام العملية بحجة أنها تخالف عقولهم.

стр. 16

منهج المتكلمين في تقرير الدين والعقيدة الملقي: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإنما عمدة الكلام عندهم ومعظمه: هو تلك القضايا التي يسمونها العقليات وهي أصول دينهم، وقد بنوها على مقاييس تستلزم رد كثير مما جاءت به السنة، فلحقهم الذم من جهة ضعف المقاييس التي بنوا عليها ومن جهة ردهم لما جاءت به السنة]. الشيخ هنا قعّد قاعدة ذهبية جيدة عظيمة رد بها على المتكلمين، فقد ذكر أن عمدة الكلام عند أهل الكلام الذين يزعمون أنهم يقررون التوحيد بالمصطلحات الفلسفية والعقلانية الكلامية قال: (عمدتهم في ذلك قضايا يسمونها العقلية) يعني: هذه القضايا هي أوهام وتخرصات، ومع ذلك سموها عقلية. ثم قال: (وهي أصول دينهم) يعني: هم يعتمدون في أصول دينهم على مسألة المصطلحات الفلسفية، وذلك بالبدء بالحديث عن الأعراض والجواهر وما تستلزمه من معان عندهم، وهذه الأصول والقضايا بنوها على مقاييس وهمية، ونحن لا نذم على الإطلاق استعمال العقليات، بل لابد من توظيف العقل لفهم كلام الله ، والعقل نعمة من الله ، وهو وسيلة لفهم الشرع، ووسيلة إدراك نعمة الله وتعظيم الله ، لكن العقل له مدارك محدودة، فالعقل لا يدرك الغيب، وكل ما تحدث به المتكلمون في مسائل العقيدة، في تقرير التوحيد، في وجود الله ووحدانيته وخلقه وربوبيته وأسمائه وصفاته سبحانه، كل ما تكلموا به خلاف ما جاء في الكتاب والسنة، فإنما هي أوهام وتخرصات؛ لأنها غيب، وأنى لهم أن يطّلعوا على الغيب، فمن هنا ذكر الشيخ أن أصول دينهم إنما هي قضايا يسمونها العقليات وبنوها على مقاييس عقلانية ووهمية؛ لأنها غيبية تستلزم رد كثير مما جاءت به السنة، وهذا هو الذي حصل حينما قاسوا الله بخلقه، تعالى الله عما يزعمون، اضطروا أن ينكروا صفات الله؛ لأنهم قاسوا الله على الخلق، ولأضرب لذلك مثالاً: أهل الأهواء الجهمية والمعتزلة ومتكلمة الأشاعرة والماتريدية أنكروا استواء الله على عرشه، ليس عندهم ما يقولونه إلا شبهة وهي أن الاستواء يستلزم حاجة الله إلى العرش واتكاءه عليه، واعتماده عليه، من أين هذا؟ هذا من قياس الخالق على المخلوق، وإلا من أين أتوا بأن الله لا يمكن أن يستوي على العرش إلا إذا كان محتاجاً إليه؟ لولا القياس لما جاءوا بهذا الأمر، لا يمكن أبداً أن يأتوا بهذه الشبهات إلا بقياس. إذاً: هم اعتمدوا على مقاييس تستلزم رد كثير مما جاءت به السنة، فلحقهم الذم من جهة ضعف المقاييس التي بنوا عليها، ومن جهة ردهم لما جاءت به السنة. قال رحمه الله تعالى: [وهم قسمان: قسم بنوا على هذه العقليات القياسية الأصول العلمية دون العملية كالأشعرية، وقسم بنوا عليها الأصول العلمية والعملية كالمعتزلة]. الأمور العلمية هي الاعتقادية، والأمور العملية هي الأحكام. قال رحمه الله تعالى: [حتى إن هؤلاء يأخذون القدر المشترك في الأفعال بين الله وبين عباده، فما حسن من الله حسن من العبد، وما قبح من العبد قبح من الله؛ ولهذا سماهم الناس: مشبهة الأفعال]. أي: المعتزلة في صفات الله في مسألة أفعال الله، ومسألة التحسين والتقبيح قالوا بكلام تشمئز منه النفوس، وتنفر منه الطباع السليمة، لو قيل هذا الكلام الذي قالوه في حق الله سبحانه حتى عند العوام لاشمأزت نفوسهم منه، يقولون: يجب على الله أن يفعل كذا، ويلزم من الله أن يفعل كذا، ويجب عليه ألا يفعل، ويلزمه ألا يفعل، من أين هذا؟ من باب قياس الخالق على المخلوق، ولذلك أنكروا أفعال الله ، بل أنكروا صفات الله؛ لأنهم قاسوا الخالق سبحانه على المخلوق، فلما قاسوا وقعوا في معضلة، فبدل أن يسلموا لله بالكمال المطلق ويتركوا القياس بناء على قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، بدلاً من ذلك وقعوا في إنكار كلام الله وكلام رسوله ﷺ أو تأويله. قال رحمه الله تعالى: [ولا شك أن هؤلاء هم المتكلمة المذمومون عند السلف؛ لكثرة بنائهم الدين على القياس الفاسد الكلامي، وردهم لما جاء به الكتاب والسنة]. يعني: الجهمية والمعتزلة. قال رحمه الله تعالى: [والآخرون لما شاركوهم]. الآخرون هم الأشاعرة والماتريدية والكلابية والسالمية والكرامية ومن سلك سبيلهم. قال رحمه الله تعالى: [والآخرون لما شاركوهم في بعض ذلك لحقهم من الذم والعيب بقدر ما وافقوهم فيه، وهو موافقتهم في كثير من دلائلهم؛ التي يزعمون أنهم يقررون بها أصول الدين والإيمان، وفي طائفة من مسائلهم التي يخالفون بها السنن والآثار وما عليه أهل العقل والدين. وليس الغرض هنا تفصيل أحوالهم فإنا قد كتبنا فيه أشياء في غير هذا الموضع]. من أكثر ما كتب الشيخ في هذا الموضوع في (درء التعارض) وفي (تلبيس الجهمية) وفي (منهاج السنة).

стр. 17

كمال طريقة القرآن في عرض أصول الدين وفروعه بخلاف طريقة المتكلمين قال رحمه الله تعالى: [وإنما الغرض هنا أن طريقة القرآن جاءت في أصول الدين وفروعه في الدلائل والمسائل بأكمل المناهج. والمتكلم يظن أنه بطريقته التي انفرد بها قد وافق طريقة القرآن: تارة في إثبات الربوبية، وتارة في إثبات الوحدانية، وتارة في إثبات النبوة، وتارة في إثبات المعاد، وهو مخطئ في كثير من ذلك أو أكثره مثل هذا الموضع]. سيذكر الشيخ هذه الطرائق فلا نستعجلها، يعني ما سلكه المتكلمون في الطرائق التي ظنوا أنهم وافقوا بها القرآن، وهم أخطئوا في هذا، سيبدأ فيه الشيخ بعد قليل. قال رحمه الله تعالى: [فإنه قد أخطأ المتكلم في ظنه أن طريقة القرآن توافق طريقته من وجوه: منها: أن إثبات الصانع في القرآن بنفس آياته، التي يستلزم العلم بها العلم به، كاستلزام العلم بالشعاع العلم بالشمس من غير احتياج إلى قياس كلي، يقال فيه: وكل محدث فلا بد له من محدث، أو كل ممكن فلا بد له من مرجح، أو كل حركة فلا بد لها من علة غائية أو فاعلية]. هنا سيدخل الشيخ في موضوع يحتاج إلى التمهيد، يقول: إن إثبات الخالق وإثبات ربوبية الله وإلهيته ما جاءت بطرق فلسفية معقدة، جاءت بالاستدلال بنفس الآيات، فالله لفت أنظار العباد إلى خلقه؛ ليستدلوا بذلك على أمرين: الأمر الأول بدهي لا يحتاج إلى تكلف: وهو أنه الخالق: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، وقوله : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] فالله في استدلاله على ربوبيته وإلهيته ما استعمل المقدمات المعقدة التي أتى بها أهل الكلام، كمسألة المُحدِث والمُحدَث، لابد للمحدث من محدث، ولابد لكل ممكن من واجب، وهذه أمور تشطح بالفطرة والعقل السليم إلى معان غامضة، فالله استعمل البراهين مباشرة دون مقدمات؛ لأن المقدمات تحتاج إلى إعمال عقلي صعب، والإعمال العقلي الصعب غالب الناس لا يدركونه ولا يستطيعونه، والذين يستطيعونه أيضاً يحتاجون إلى كد للذهن، والذهن إذا كُد في إدراك بدهية اهتزت قناعته في البدهيات، يعني: مثل: لو قلت لإنسان: والشمس في رابعة النهار: أيش رأيك الشمس طالعة؟ فهو بهذا السؤال سيفاجأ؛ إما أنه لا يصدق أنك جاد بسؤالك هذا، فيحتاج إلى أن يتعب ذهنه هل تلغّز وتخدعه؟ هل تريد أن تضحك عليه وتقصد معنى آخر؟ هل تقصد شمساً أم بشراً؟ لأن الشمس طالعة، وهي تدنو وتكاد تدمغ رأسك، فكذلك استعمال المقدمات العقلية عند المتكلمين في إثبات وجود الله ووحدانيته من هذا النوع، من صرف الناس عن البدهيات إلى التشكيك، ولذلك قال الله : ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم:١٠] ثم قال: ﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠] فالله من أساليبه التي ذكرها في إثبات وجوده أنه يذكر الاستدلال على ذلك بنفس آياته: السماوات، والنجوم، والشجر، والشمس، والقمر، والليل، والنهار، والحر، والبرد إلى آخره، آياته التي خلقها في عباده هي الدليل، من غير أن نستعمل مقدمات معقدة أو ألفاظاً تبعد الذهن عن مجال البدهيات. والأمر الثاني سيذكره الشيخ فيما بعد، لكن لابد أن أقرنه بهذا؛ لأنه هو الثمرة التي نريد أن نفرق بها بين منهج السلف ومناهج المتكلمين المفاليس، نسأل الله العافية: وهو أن الله حينما استدل بالدلالة الفطرية المباشرة دون مقدمات على ربوبيته ووجوده وخلقه إنما أراد بذلك أن يلزم العباد بعبادته، ولذلك كلما ذكر آية من آيات الربوبية، قال: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام:٩٥] ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس:٣٢] يعني: عن عبادة الله، كيف تصرفون إلى الشرك؟ كيف تُصرفون عن توحيد الله، فهذه هي الغائية، المتكلمون لم يوفقوا لهذه الغاية، وهذه عقوبة لهم حينما استعملوا طريقة غير مشروعة على تقرير التوحيد، تاهوا ولم يصلوا إلى الغاية الكبرى التي بعث الله بها النبيين، والتي خلق الله من أجلها الخلق: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ذُهلوا عنها، وهذه عقوية نسأل الله السلامة، وكل من نهج نهجاً بدعياً فإنه لا يوفق للهدى عن طريق البدعة، وهذه قاعدة: كل من نهج نهجاً بدعياً في تقرير الدين في الجزئيات أو الكليات فإنه لا يوفق للهداية عن طريق البدعة، بل العكس البدعة تجره إلى بدعة وتجره إلى ضلالة، وتعميه عن الحق، كما وصف النبي ﷺ أهل الأهواء بأنهم تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه، يعني: مرض يجر إلى مرض، ثم يأخذ أوصال جسمه وصلة وصلة حتى يهلك الجسم كله، نسأل الله السلامة. قال رحمه الله تعالى: [أو كل حركة فلا بد لها من علة غائية أو فاعلية، ومن غير احتياج إلى أن يقال: سبب الافتقار إلى الصانع هل هـ

стр. 18

ذكر الدليل العقلي الفطري على وجود الخالق سبحانه وغناه وافتقار المخلوقات إليه قال رحمه الله تعالى: [وعلى هذا جاء قوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]]. يعني: هذه الحقائق تغني عن كل فلسفة المتفلسفين في أن الله هو الخالق، وأن الخلق لا بد له من خالق، فهي دليل على وجود الخالق سبحانه ووحدانيته بالضرورة، كما أنها دليل على كمال الخالق وغناه سبحانه، ثم إنها دليل على حدوث المخلوقات وفقرها إليه ، فقوله : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ [الطور:٣٥] إذا استعمل الإنسان ذهنه وجد أن الجواب بدهي، لا يمكن أن يخلقوا من غير شيء، الافتراض الآخر: ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] أي: لأنفسهم؟ هذه مردودة تصادم العقل السليم والفطرة، فهم لا يمكن أن يخلقوا أنفسهم؛ لأن هذا يؤدي إلى الدور، بمعنى أنه لا بد للخلق من خالق. فمن هنا ننتهي إلى الحقيقة الشرعية الفطرية بدون مقدماتهم التي لجئوا إليها. قال رحمه الله تعالى: [قال جبير بن مطعم: لما سمعتها أحسست بفؤادي قد تصدع. وهو استفهام إنكار يقول: أؤجدوا من غير مبدع؟ فهم يعلمون أنهم لم يكونوا من غير مكوّن، ويعلمون أنهم لم يكونوا نفوسهم، وعلمهم بحكم أنفسهم معلوم بالفطرة بنفسه، لا يحتاج أن يستدل عليه بأن كل كائن محدث]. فقد كان خطباء الجاهلية أفقه من المتكلمين، وقد كانوا على غير شرع؛ أما الحنيفية فقد اندثرت ملة إبراهيم، لكن كانت الفطرة موجودة عند أهل الجاهلية، وكان بعضهم يتكلم ويخطب في أمور بدهية، كقول أحدهم: سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج. ثم ذكر أدلة على وجود الله : أن الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير إلى آخره، ثم قال: ألا يدل ذلك على العليم الخبير؟ وهو في الجاهلية يخطب بها في ذي المجاز أو عكاظ أو في أحد أسواق الجاهلية، يعني: كان هذا الإنسان في الجاهلية أفقه بكثير من المتكلمين الذين عقّدوا عقول الناس، وشتتوا المسلمين وفرقوهم الآن إلى أشاعرة وماتريدية وجهمية ومعتزلة، وكل واحد يقول: هذا هو الدين الحق أما الآخر فباطل، إلى أن وصل الأمر عند بعض العلماء الفضلاء بأن زعموا أن هذه المناهج المعقّدة واجبة على كل إنسان، قالوا: يجب على كل إنسان النظر، فإن لم ينظر فهو خارج من الملة لا يدخل في الإسلام، يعني: النظر بهذه الطريقة، سبحان الله! إذاً: ما بقي من المسلمين إلا هم، وهم حينما نظروا هل وصلوا إلى نتيجة؟ وهل اتفقوا على شيء؟ ما وصلوا إلى نتيجة، ولا اتفقوا على شيء. فإذاً: هذه المسالك هي خلاف الفطرة، حتى الناس الذين كانوا في مجتمعات شركية وجاهلية كانوا يقررون توحيد الربوبية بمبادئ فطرية عقلية بدهية، بعيدة عن هذه التعقيدات الكلامية والفلسفية، بل هذه المسالك التي سلكها المتكلمون هي مسالك الملاحدة خصوم الأنبياء. قال رحمه الله تعالى: [أو كل ممكن لا يوجد بنفسه ولا يوجد من غير موجد، وإن كانت هذه القضية العامة النوعية صادقة، لكن العلم بتلك المعينة الخاصة، إن لم يكن سابقاً لها فليس متأخراً عنها، ولا دونها في الجلاء. وقد بسطت هذا المعنى في غير هذا الموضع، وذكرت دعوة الأنبياء ﵈، أنه جاء بالطريق الفطرية، كقولهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠]. وقول موسى: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الإسراء:١٠٢]. وقوله في القرآن: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢] بيّن أن نفس هذه الذوات آية لله، كما أشرنا إليه أولاً من غير حاجة إلى ذينك المقامين، ولما وبخهم بين حاجتهم إلى الخالق بنفوسهم، من غير أن تحتاج إلى مقدمة كلية هم فيها وسائر أفرادها سواء، بل هم أوضح، وهذا المعنى قررته مبسوطاً في غير هذا]. يعني: أن الله عندما قرر توحيد الربوبية الذي يقر به هؤلاء على إقرارهم بقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢] إلى نحو هذا مما يعرفونها، أراد به ما ذكره في أول الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١] فجعل هذه الأمور للإلزام بالعبادة، لا لأنهم ينكرونها، لكن لتذكيرهم بها؛ لأنهم يعترفون بها، فألزمهم بواسطة الاعتراف بها بعبادة الله، وهذا هو الغاية من الاستدلال بنعم الله وخلقه، أي: الغاية من ذلك أن يعبد الناس الله وحده، أما الربوبية فإنهم مقرون بها، فهو تحصيل حاصل أن نطلب من الناس أن يقروا بالربوبية.

стр. 19

مفارقة الطريقة القرآنية للطرق الكلامية قال رحمه الله تعالى: [الوجه الثاني: في مفارقة الطريقة القرآنية الكلامية، أن الله أمر بعبادته التي هي كمال النفوس وصلاحها وغايتها ونهايتها، لم يقتصر على مجرد الإقرار به، كما هو غاية الطريقة الكلامية، فلا وافقوا لا في الوسائل ولا في المقاصد، فإن الوسيلة القرآنية قد أشرنا إلى أنها فطرية قريبة، موصلة إلى عين المقصود، وتلك قياسية بعيدة، ولا توصل إلا إلى نوع المقصود لا إلى عينه. وأما المقاصد فالقرآن أخبر بالعلم به والعمل له فجمع بين قوتي الإنسان العلمية والعملية: الحسية والحركية، الإرادية الإدراكية والاعتمادية: القولية والعملية، حيث قال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١] فالعبادة لا بد فيها من معرفته، والإنابة إليه والتذلل له والافتقار إليه، وهذا هو المقصود، والطريقة الكلامية، إنما تفيد مجرد الإقرار والاعتراف بوجوده. وهذا إذا حصل من غير عبادة وإنابة كان وبالاً على صاحبه وشقاء له، كما جاء في الحديث: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة: عالم لم ينفعه الله بعلمه) كإبليس اللعين، فإنه معترف بربه مقر بوجوده، لكن لما لم يعبده كان رأس الأشقياء، وكل من شقي فباتباعه له، كما قال: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٥]]. يعني: أن توحيد الربوبية يقر به جميع الناس، حتى إبليس الذي طرده الله وجعله أصل كل شر، وجعله هو القائد إلى جهنم نسأل الله العافية، هو مقر بالربوبية، بل أحياناً عنده ما هو أعظم من ذلك، أحياناً عنده شيء من الخوف من الله لا خوف العبادة بل خوف المعرفة، ولذلك لما تراءى الجمعان نكص على عقبيه وقال: إني بريء منكم، ثم قال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ [الأنفال:٤٨] فلذلك هذا الكائن الذي جعله الله أصل الشر عنده نوع من الإقرار، بل هو مقر بربوبية الله ومدرك لعظمة الله، ولذلك يخاف الله لا خوف العبادة إنما خوف المعرفة، يعرف الله . قال رحمه الله تعالى: [فلا بد أن يملأ جهنم منه ومن أتباعه، مع أنه معترف بالرب مقر بوجوده، وإنما أبى واستكبر عن الطاعة والعبادة، والقوة العلمية مع العملية بمنزلة الفاعل والغاية؛ ولهذا قيل: العلم بلا عمل كالشجر بلا ثمر، والمراد بالعمل هنا عمل القلب الذي هو إنابته إلى الله وخشيته له، حتى يكون عابداً له. فالرسل والكتب المنزلة أمرت بهذا وأوجبته، بل هو رأس الدعوة ومقصودها وأصلها، والطريقة السماعية العملية الصوتية المنحرفة توافق على المقصود العملي، لكن لا بعلم، بل بصوت مجرد، أو بشعر مهيج، أو بوصف حب مجمل، فكما أن الطريقة الكلامية فيها علم ناقص بلا عمل، فهذه الطريقة فيها عمل ناقص بلا علم، والطريقة النبوية القرآنية السنية الجماعية فيها العلم والعمل كاملين. ففاتحة دعوة الرسل: الأمر بالعبادة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١]. وقال ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله)، وذلك يتضمن الإقرار به وعبادته وحده، فإن الإله هو المعبود، ولم يقل: حتى يشهدوا أن لا رب إلا الله؛ فإن اسم الله أدل على مقصود العبادة له، التي لها خلق الخلق، وبها أمروا. وكذلك قوله لـ معاذ: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) وقال نوح ﵇: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:٣]، وكذلك الرسل في سورة الأعراف وغيرها. وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]. وقال للرسل جميعاً: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥١ - ٥٢]. وقال تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:١ - ٤]. وقال: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٩١]. وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:١ - ٣]. وقال في الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ

стр. 20

الأسئلة

стр. 21

حكم الإكثار من الحديث عن الإعجاز القرآني السؤال ما حكم الإكثار من الحديث عن الإعجاز القرآني؟ الجواب يجوز، لكن بقدر، وأيضاً أكثر ما يتحدث به الناس عن الإعجاز ليس على وجه سليم؛ لأنهم بالغوا في مسألة الإعجاز، حتى إنهم دخلوا إلى الرموز الباطنية والإشارات الصوفية ومسألة الأرقام، أو التكهن بالأحداث من خلال ربط الآيات بعضها ببعض، فبالغ الناس في هذه المسألة إلى حد يخرج عن الأصل الشرعي، وكل شيء ينبغي أن يأخذ قدره في البيان، ومسألة الإعجاز لا شك أنها من أعظم مسائل الدين، لكن لا تكون غاية من الغايات التي لا بد أن يبلغ فيها كل مسلم.

стр. 22

الحكم على جماعة التبليغ السؤال ما رأيك في جماعة التبليغ؟ الجواب الكلام عن الجماعات ينبغي ألا يكون إلا عند الضرورة، فجماعة التبليغ جماعة من جماعات المسلمين، لها ما لها وعليها ما عليها. وبمناسبة الكلام على جماعة التبليغ، أقول: ليتنا ننصرف إلى الجد في مثل هذه الأمور، بدل ما يكون همنا الكلام في الجماعات، مع أني أعلم أن بعض الناس قد يحتاج أن يسأل؛ لأنه قد يخرج مع الجماعة، لكن الأولى أن يسأل طالب علم أو عالم بدون أن تكون هذه الأسئلة مثارة عند العوام، لكن مع ذلك ليت أكثر من يتكلمون في هذه الجماعات أن يأخذوا ببعض خصالها في نفع الإسلام والمسلمين.

стр. 23

حكم تدريس الكتب المتعلقة بتوحيد الربوبية في أوساط المسلمين السؤال إذا وجد في بعض بلاد المسلمين تشكيك في التوحيد والعقيدة، بل وفي وجود الله ، كما حصل في بعض البلدان الإسلامية، فألف بعض المؤلفين مؤلفات في توحيد الربوبية وإثبات وجود الله ، فصار يدرس الطلبة في المدارس؟ الجواب التعمق في إثبات الربوبية وإثبات وجود الله في المدارس هذا خطأ، إلا الإجمال الذي به يدرك الطالب الدلالة العقلية المجملة، ويتحصن من شبهات الآخرين هذا لا بأس به، لكن التعمق التفصيلي الذي قصده شيخ الإسلام هذا غير مطلوب في عامة المسلمين وأبنائهم. أما إذا احتاج المسلم لأن يرد على طائفة من الذين -كما ذكر السائل- يشككون في التوحيد والعقيدة؛ فينبغي أن يوجه لهم الكلام، لا يوجه لعموم المسلمين، ويبين في عنوان الكتاب وفي ثناياه ما يدل على أنه خاص بهذه الفئة، وأنه لا يقرأ، ولا تحسن قراءته عند عامة المسلمين.

стр. 24

كيفية التعامل مع مثيري الأسئلة غير اللائقة بالله السؤال في مجال التدريس للطلاب نجد بعض الطلاب يثير أسئلة مثل السؤال الذي أشار إليه النبي ﷺ : (إن الشيطان يأتي أحدكم) إلى أن يقول كلاماً عظيماً في الله كأن يقول: من خلق الله؟ الجواب نعم، هذا السؤال قد يرد من طالب من باب ما يعرض له من خواطر، فلا بأس أن يجاب عليه، ويكون الجواب حكيماً، ولا يعنف الطالب على مثل هذا القول، لكن يوجه الطلاب في العموم أن مثل هذه الأسئلة لا تليق، وأن الإنسان إذا سئل مثل هذا السؤال فينبغي أن يجيب عليه منفرداً. إذاً: يوجه الطلاب ويعطون الآداب، ولا ينبغي للمدرس أن يضيق بمثل هذا السؤال إذا حدث، لكن يعالجه بالحكمة.

стр. 25

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [٣] إن المنهج النبوي الإيماني في العلم بالله والعمل له هو المنهج الذي تصلح به قلوب الناس وأعمالهم، ودنياهم وأخراهم، وهو منهج أهل السنة والجماعة، أما من خالفهم من المتكلمين والفلاسفة فإن منهجهم لا يفضي إلى صلاح في دنيا ولا آخرة؛ لأنه منهج منحرف في العقيدة، ومنحرف في العبادة، ومخالف لسبيل الأنبياء وسننهم.

стр. 26

الفرق بين المنهاج النبوي الإيماني والمنهاج الصابئ الفلسفي الكلامي بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فيقول شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه: [فصل في تمهيد الأوائل وتقرير الدلائل. وذلك ببيان وتحرير أصل العلم والإيمان، كما قد كتبته أولاً في بيان أصل العلم الإلهي والذي أكتبه هنا: بيان الفرق بين المنهاج النبوي الإيماني العلمي الصلاحي، والمنهاج الصابئ الفلسفي، وما تشعب عنه من المنهاج الكلامي والعبادي المخالف لسبيل الأنبياء وسنتهم]. يلاحظ أن الشيخ بدأ بالتفريق بين المنهجين في التعبير عنهما، تلاحظون قوله: (بيان الفرق بين المنهاج النبوي الإيماني)، على هذا فإن منهاج المخالفين ليس إيمانياً، ولم يصفه بأنه إيماني، فعلاً هو ليس إيماناً؛ لأن الإيمان هو استنارة القلب بنور الوحي، هذا هو الإيمان، وما عداه فليس بإيمان، فسمى المنهج الرباني الإلهي منهج النبوة، منهج السلف الصالح: المنهاج النبوي الإيماني. فقوله: (بيان الفرق بين المنهاج النبوي) يعني: منهاج أهل السنة هو اتباع سنة النبي ﷺ والاهتداء بهداية الله التي أرسلها إلى عباده، وهو هذا الوحي الذي جاء به النبي ﷺ المتمثل بالكتاب والسنة، فسماه نبوياً، بينما منهج المتكلمين ليس نبوياً، وسماه إيمانياً. والإيمان هو هداية القلب، وهداية القلب لا تحصل بالمنهج الفلسفي، إنما تحصل بالوحي. ثم سماه: العلمي، أي: ما جاء به القرآن والسنة هو العلم الذي مدحه الله ، ومدحه النبي ﷺ ، وأثنى على من يسلكه، هو العلم الشرعي المستمد من الكتاب والسنة، بينما منهج المتكلمين ليس علمياً على المصطلح الشرعي، فلا هو من علوم الدنيا الصحيحة، ولا من علوم الدين الصحيحة، منهج المتكلمين والفلاسفة في الإلهيات ليس بعلم؛ لأنه لا يسمى علماً إلا إذا كان علماً شرعياً، وقد يسمى علماً مقيداً لو كان علماً دنيوياًَ، مثل: علم الرياضيات، كما سيتكلم الشيخ عنه فيما بعد. فالرياضيات مثلاً علم، لكنه علم استقرائي تطبيقي نظري صحيح، مثل أن نقول: هذا لا شك أنه علم، لكنه علم مستنبط من الدلالة العقلية، وكذلك علم الحس. بينما علم الفلاسفة والمتكلمين ليس بعلم لا على النحو الشرعي ولا على النحو الدنيوي والاستقراء. ثم سماه الصلاحي، أي: الذي تصلح به قلوب الناس وأعمالهم ودنياهم وآخرتهم، وهو منهج أهل السنة والجماعة في تقرير العقيدة، أما منهج المتكلمين فلا يحصل به صلاح لا للقلب ولا للعمل ولا للسان، ولا صلاح في الدنيا ولا في الآخرة. ولذلك نجد الفلاسفة عموماً يظهر هذا على تصرفاتهم وسلوكهم، لا تجد فيلسوفاً مغرقاً في الفلسفة، أو متكلماً مغرقاً في علم الكلام، لا تجده ناجحاً في دنياه، فضلاً عن دينه وآخرته، أغلب الفلاسفة لا يجيد التصرف في الدنيا، ولا يجيد المعاملة مع الناس، تأملوا هذا في تاريخ الفلاسفة، اقرءوا سيرهم، لا يجيد التعامل في أمور الدنيا؛ لأنه مثالي، لا يبني أسرة مستقرة، ولا يبني عملاً دنيوياً مستقراً، ولا يبني ديناً، فلا هم أهل دنيا ولا أهل دين، هذا هو الغالب عليهم، تأملوا أحوالهم وستجدون ذلك، وهذا هو معنى قول الشيخ: (الصلاحي) أي: أن المنهج الحق صلاحي، تصلح به أحوال الأفراد والأمة والأسر والجماعة والقلوب والأعمال، وتسعد به البشرية في الدنيا والآخرة. ثم قال: (والمنهاج الصابئ الفلسفي) يعني: يشير بذلك إلى منهاج المتكلمين، وأنه ليس منهجاً نبوياً ولا إيمانياً وإنما هو منهج الصابئة المشركين والفلاسفة الدهرية أو غير الدهرية، الفلاسفة المشركة الذين ليس عندهم علم صحيح ولا دين ولا عقيدة مستقيمة. والفلسفة التي تأثر بها المسلمون الغالب أنها فلسفة الصابئة. ثم قال: (وتشعب عنه من المنهاج الكلامي والعبادي)، (الكلامي) يعني: العقدي، (والعبادي) يعني: منهج العبادة، فمنهج العقيدة عند أهل المنهاج النبوي: هو المنهج السليم الصالح المفيد، وكذلك منهج العبادة عند أصحاب المنهج النبوي: هو المنهج المفيد الموصل إلى رضا الله ، الذي يتحقق به صلاح القلوب، وصلاح الأحوال للعباد. بينما منهج هؤلاء الصابئية الفلاسفة أهل الكلام منهج منحرف في العقيدة، ومنحرف في العبادة ومخالف لسبيل الأنبياء وسننهم.

стр. 27

دعوة الأنبياء إلى عبادة الله بالقلب واللسان قال رحمه الله تعالى: [وذلك أن الأنبياء ﵈ دعوا الناس إلى عبادة الله أولاً بالقلب واللسان، وعبادته متضمنة لمعرفته وذكره]. هذه القاعدة الأولى، وهي قاعدة ذهبية ومعلومة بالضرورة وبدهية جداً، وهي: أن الأنبياء ﵈ بما فيهم النبي ﷺ إنما دعوا الناس إلى عبادة الله، وهؤلاء الفلاسفة والمتكلمون ما دعوا الناس إلا إلى أمور نظرية فلسفية معقدة لا أصل لها، وتنفر منها الفطرة والعقل السليم، غاية دعوتهم أن يؤمن الناس بوجود الله، والناس ليس عندهم مشكلة في هذا الأمر، وأن الله واحد، وأن الله هو الرب، وليس عند الناس مشكلة في هذا الأمر. ولا يعرجون على توحيد العبادة، ومن شاء فليقرأ كتبهم؛ حتى لا يظن أنا نفتري أو نفتئت عليهم، فمن شاء فليقرأ أي نموذج من نماذج كتب المتكلمين خاصة، فإنه سيجد فيها إعراضاً عن دعوة الأنبياء إلى عبادة الله، ولا يعرج على هذه المسألة إلا عندما يتكلم عما يسميه التصوف، أو عن أمور عارضة ليست هي الأصل عنده، أما ما يرى أنه واجب فإنما هو توحيد الربوبية فقط، ونحن نقرُّ بأن هذا واجب، لكن نعلم أن الله كفانا أمرهم بفطر العقول على ذلك والنفوس والقلوب، وبتقرير ذلك أيضاً في الكتاب والسنة دون عناء ولا كلفة. ثم قال: (أولاً بالقلب) يعني: عبادة الله بإصلاح القلوب، وإصلاح الألسن الذي ينتج عنه صلاح الأعمال كما سيأتي.

стр. 28

أصل علم الأنبياء وعملهم قال رحمه الله تعالى: [فأصل علمهم وعملهم: هو العلم بالله، والعمل لله، وذلك فطري كما قد قررته في غير هذا الموضع في موضعين أو ثلاثة]. هذه القاعدة الثانية: أن أصل علم الأنبياء وعملهم: أولاً: العلم بالله ، وذلك بمعرفة أسمائه وصفاته وحقوقه، وما يجب له من المحبة والتعظيم والعبادة، والسعي إلى رضاه إلى غير ذلك مما يجب أن يعلمه العباد. ثانياً: العمل بذلك لله، وذلك بالتوجه بالعبادات والفرائض التي فرضها الله وشرعها رسوله ﷺ لله وحده لا شريك له.

стр. 29

أصل العلم الإلهي فطري ضروري قال رحمه الله تعالى: [وبينت أن أصل العلم الإلهي فطري ضروري، وأنه أشد رسوخاً في النفوس من مبدأ العلم الرياضي؛ كقولنا: إن الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبيعي؛ كقولنا: إن الجسم لا يكون في مكانين؛ لأن هذه المعارف أسماء قد تعرض عنها أكثر الفطر، وأما العلم الإلهي فما يتصور أن تعرض عنه فطرة، وبسط هذا له موضع غير هذا]. القاعدة الثالثة: قوله: (وبينت أن أصل العلم الإلهي فطري ضروري)، يعني: العلم بالله وكماله على جهة الإجمال فطري وضروري، لا يقصد بذلك على جهة التفصيل، ولا يقصد بذلك تفصيل الشرائع؛ فإن هذا أمر لا يستغني فيه الإنسان عن الشرع والوحي، لكن يقصد الأصل الذي تكلم فيه أهل الكلام، الأصل الذي ضيعوا أوقاتهم وأشغلوا أنفسهم، وأشغلوا المسلمين عن الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمناظرات وجدل وشقاق، مع أنه أمر إلهي وفطري وضروري، أي: العلم بالله وكماله، ولا يقصد بذلك التشريع التفصيلي، أما التفصيل فلابد فيه من الوحي. فتوحيد الربوبية أشد رسوخاً في النفوس من مبدأ العلم الرياضي، كقولنا: الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبيعي، كقولنا: إن الجسم لا يكون في مكانين؛ هذه بدهيات، يعني: أن ما يسعون إليه ويتعبون أنفسهم فيه هو مثل هذه القضايا الرياضية والعلمية المحسوسة، التي لا يمكن أن يتنازع عليها العقلاء، ورغم أن هذه بدهيات، إلا أنه مع ذلك لا يفطن لها كثير من الناس؛ لأنه ليس بحاجة إليها. كذلك البدهية في توحيد الربوبية هي فطرية، قد لا يستحضرها المسلم دائماً عند عبادته؛ لأنها بدهية، مثلما نكون في النهار والشمس طالعة فلا نحتاج أن يأتي شخص ويرفع صوته ويعلن وينذر ويقول لنا: الشمس طالعة؛ لأننا لا نصل بذلك إلى نتيجة، بل بالعكس قد يكون عند هذا الشخص اضطراب بسبب هذا الإعلان. فإذاً: هذه العلوم الضرورية فيما يتعلق بالله أمر مركوز في الفطر، لا حاجة إلى أن نذكر الناس به بهذه الطريقة الفلسفية التي سلكها المتكلمون، والتي تنفر منها الطباع والعقول السليمة.

стр. 30

العلم بالله وذكره والعمل له أصل كل الأمور وجامعها قال رحمه الله تعالى: [وإنما الغرض هنا أن الله سبحانه لما كان هو الأول الذي خلق الكائنات، والآخر الذي إليه تصير الحادثات، فهو الأصل الجامع؛ فالعلم به أصل كل علم وجامعه، وذكره أصل كل كلام وجامعه، والعمل له أصل كل عمل وجامعه. وليس للخلق صلاح إلا في معرفة ربهم وعبادته، وإذا حصل لهم ذلك؛ فما سواه إما فضل نافع، وإما فضول غير نافعة، وإما أمر مضر]. أي: أن الله هو الذي خلق الكائنات، وهو الذي تصير إليه الحادثات، والعلم بالله على الوجه الشرعي هو الأصل الجامع، العلم بالله بأسمائه وصفاته وأفعاله وبحقه ، والعلم بما يجب له من العبادة والإذعان والطاعة، هذا هو الأصل الجامع، وهو أصل كل علم، ثم فرع هذا الأصل وأنه ينقسم إلى علم وعمل من ناحية، ومن ناحية أخرى: أنه هو العلم الفاضل، وغيره مفضول، أو فضلة: إما نافع وهو العلوم الدنيوية التي تصلح بها أحوال الناس، وإما غير نافعة وهي العلوم التي لا تؤدي مصلحة للعباد في دنياهم، وليست من مطالب دينهم؛ مثل ما يشتغل به علماء الكلام من الأمور البدهية الفطرية في تحقيق الربوبية، والمبالغة في ذلك من فضول العلم؛ لأنه مضر للخلق، والذي لا يضر منه لا ينفع. قال رحمه الله تعالى: [ثم من العلم به]. يعني: من العلم بالله وحقوقه وما يجب له تتشعب أنواع العلوم الأخرى. قال رحمه الله تعالى: [ثم من العلم به تتشعب أنواع العلوم، ومن عبادته وقصده تتشعب وجوه المقاصد الصالحة، والقلب بعبادته والاستعانة به معتصم مستمسك قد لجأ إلى ركن وثيق، واعتصم بالدليل الهادي والبرهان الوثيق، فلا يزال إما في زيادة العلم والإيمان، وإما في السلامة عن الجهل والكفر. وبهذا جاءت النصوص الإلهية في أنه بالإيمان يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وضرب مثل المؤمن -وهو المقر بربه علماً وعملاً- بالحي، والبصير، والسميع، والنور، والظل. وضرب مثل الكافر بالميت، والأعمى، والأصم، والظلمة، والحرور. وقالوا في الوسواس الخناس: هو الذي إذا ذكر الله خنس، وإذا غفل عن ذكر الله وسوس. فتبين بذلك أن ذكر الله أصل لدفع الوسواس، الذي هو مبدأ كل كفر وجهل وفسق وظلم]. المقصود بالوسواس هنا: كل عمل الشيطان، الوسواس بمفهومه الشامل، لا يظن أن الوسواس هو وسواس الطهارة أو العبادة، لا، هذا جزء من الوسواس، وليس هو الوسواس الأخطر، إنما الوسواس الأخطر هو ما يتعلق بالعقيدة أولاً، ومن الوساوس تلك الأوهام والتخرصات التي أحدثها الفلاسفة والمتكلمون، وأدخلوها على المسلمين وصاروا يتكلمون فيها على أنها هي المنهج الأمثل لتقرير التوحيد، وجاءوا بقضايا العرض، والجوهر، والمباينة، والمفاصلة، وعرضوا أسماء الله وأفعاله على مدارك عقولهم القاصرة، وعرضوا الغيبيات على مدارك عقولهم القاصرة؛ كل هؤلاء أصحاب وسواس، ليست وساوس العبادات التي تصرف الناس عن بعض أحكام الطهارة ونحوها، بل وسواس الشبهات، وسواس العقائد الذي يصرف الناس إما عن الدين بالكلية، وإما عن السنة إلى البدع، وهذا ما أراده الشيخ. وكأنه يشير إشارة واضحة إلى أن كل مناهج الفلاسفة والمتكلمين التي خرجوا بها عن مقتضى السنة كلها من باب الوسواس، وهذا مما لا شك فيه.

стр. 31

حكمة تسمية الله بالدليل قال رحمه الله تعالى: [وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]، وقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل:٩٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠١]، ونحو ذلك من النصوص. وفي الدعاء الذي علمه الإمام أحمد لبعض أصحابه: يا دليل الحيارى! دلني على طريق الصادقين، واجعلني من عبادك الصالحين؛ ولهذا كان عامة أهل السنة من أصحابنا وغيرهم على أن الله يسمى دليلاً]. ليس المقصود أن من أسماء الله (الدليل)، ينبغي أن نفهم هذا جيداً؛ لأن السلف لهم في مسألة الأسماء اصطلاحات، فأحياناً في مثل هذا السياق لا يقصد السلف -وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية - التسمية هنا بمعنى أنه اسم لله، لكن قصدهم وصف الله من باب الخبر أو الدعاء ونحو ذلك. هذا ينبغي أن يفهم جيداً؛ لأني لاحظت في بعض أسئلة طلاب العلم عندما يسمع من يقول من السلف: إن هذا يسمى به الله، أو هذا مما يسمى به أفعال الله أو نحو ذلك، أو هذه التسمية أو نحو ذلك مما يطلق على سبيل التجوز، تجده يستغرب، فنقول: هنا قصد الشيخ الوصف لله في مثل هذا الدعاء: يا دليل الحائرين، وهذا كثير، مثل: يا ناصر المظلومين، وليس من أسماء الله الناصر، ومع ذلك يقال: إنه اسم لله، حتى في التسمية عند التعبيد لله، فيقال: عبد الناصر مثلاً، هذه من الأمور التي اختلف فيها أهل العلم، لكن ومع ذلك ما قالوا: إنها من أسماء الله، إنما هي من أوصاف الله، والأوصاف أحياناً إذا أخذت رسم الاسم جاز نسبة التعبيد لله بها، وإن كان محل خلاف، لكن الراجح أنه جائز. قال رحمه الله تعالى: [ومنع ابن عقيل وكثير من أصحاب الأشعري أن يسمى دليلاً؛ لاعتقادهم أن الدليل هو ما يستدل به، وأن الله هو الدال، وهذا الذي قالوه بحسب ما غلب في عرف استعمالهم من الفرق بين الدالِّ والدليل. وجوابه من وجهين: أحدهما: أن الدليل معدول عن الدالِّ؛ وهو ما يؤكد فيه صفة الدلالة، فكل دليل دال وليس كل دال دليلاً، وليس هو من أسماء الآلات التي يُفعل بها، فإن فعيلاً ليس من أبنية الآلات كمفعل ومفعال]. كأن الشيخ يقول: إن وصف الله بالدليل هنا لا يعني به أن استخدام اسم الجلالة كاستخدام الآلات، ولا استخدام هذا الدليل كاستخدامنا للأدلة الشرعية مثلاً، أو الأدلة المادية، إنما المقصود بالدليل هنا الهادي، فالله هادي الخلق بما فعله من أسباب الهداية، فالله هنا وصف بالدليل من باب أنه الهادي والمعين، من باب أنه الذي هيأ للعباد الدلالة، لا أنه دليل يستخدم للدلالة كما تستخدم الأدوات أو تستخدم الأدلة، هذا مفهوم كلام الشيخ. وقوله: (إن الدليل معدول عن الدالِّ) يعني: أن الدليل عدل به عن دلالة الدال الفاعل المستخدم عند الخلق إلى معنى دلالة الدال الذي هو بمعنى الهادي والموفق. والدلالة بين الخالق الخلق لا تكون إلا باستخدام واحد لآخر، بينما بين الخالق والخلق لا يكون ذلك إلا من باب توفيق الله وهدايته لأوجه الدلالة بالأسباب وبغير الأسباب، بما يهيئه الله للعبد. ثم فرق أيضاً بين الدليل والدالِّ، فالدليل هو الموصل جزماً لليقين، بينما الدال قد يوصل وقد لا يوصل، بمعنى أن الدالَّ لا يسمى دليلاً إلا إذا صدقت دلالته، فإذا لم تصدق دلالته لا يسمى دليلاً. قال رحمه الله تعالى: [وإنما سمي ما يستدل به من الأقوال والأفعال والأجسام أدلة؛ باعتبار أنها تدل من يستدل بها، كما يخبر عنها بأنها تهدي وترشد وتعرف وتعلم وتقول وتجيب وتحكم وتفتي وتقص وتشهد، وإن لم يكن لها في ذلك قصد وإرادة، ولا حس وإدراك، كما هو مشهور في الكلام العربي وغيره. فما ذكروه من الفرق والتخصيص لا أصل له في كلام العرب. الثاني: أنه لو كان الدليل من أسماء الآلات التي يفعل بها، فقد قال الله تعالى فيما روى عنه نبيه في عبده المحبوب: (فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يعقل، وبي ينطق، وبي يبطش، وبي يسعى)، والمسلم يقول: استعنت بالله واعتصمت به. وإذا كان ما سوى الله من الموجودات: الأعيان، والصفات، يستدل بها، سواء كانت حيةً أو لم تكن، بل ويستدل بالمعدوم، فلأن يستدل بالحي القيوم أولى وأحرى، على أن الذي في الدعاء المأثور: يا دليل الحيارى! دلني على طريق الصادقين، واجعلني من عبادك الصالحين، يقتضي أن تسميته دليلاً باعتبار أنه دال لعباده، لا بمجرد أنه يستدل به، كما قد يستدل بما لا يقصد الدلالة والهداية من الأعيان والأقوال والأفعال. ومن أسمائه: الهادي، وقد جاء أيضاً: البرهان؛ ولهذا يذكر عن بعضهم أنه قال: عرفت الأشياء بربي، ولم أعرف ربي بالأشياء. وقال بعضهم: هو الدليل لي على كل شيء، وإن كان كل شيء -لئلا يعذبني- عليه دليلاً. وقيل لـ ابن عباس

стр. 32

طرق الفلاسفة والمتكلمين وأصولهم التي يفرعون عليها وبيان ما في أدلتهم من الفساد في الوسائل والمقاصد قال رحمه الله تعالى: [وأما الطريقة الفلسفية الكلامية: فإنهم ابتدءوا بنفوسهم، فجعلوها هي الأصل الذي يفرِّعون عليه، والأساس الذي يبنون عليه، فتكلموا في إدراكهم للعلم أنه تارة يكون بالحس، وتارة بالعقل، وتارة بهما]. هذا إشارة إلى منهج من أخطر المناهج الكلامية، وأخطر أصول المتكلمين التي اصطبغت بها علوم الأمة الإسلامية عموماً، إلا من عصمه الله وهم أهل السنة والجماعة. وهذا المنهج تأثرت به مناهج كثيرة بين المسلمين، فإنهم يعولون في تقرير الدين وفي تقرير الأصول العامة على مدركات عقولهم، وهي مدركات محدودة، وهذا خلاف منهج الحق، فإن المسلمات وأصول الدين وما يتعلق بالله في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وحقوقه، وما يتعلق بقضايا الشرع؛ كل ذلك لا يجوز للمسلم أن يبتدئ تقريره من هواه أو موازينه أو أصوله ومناهجه التي ينتمي إليها، ولا من مداركه الخاصة: إدراكاته العقلية، ومواهبه من ذكاء وغيرها. فلا يجوز أن يعتمد في تقرير دينه على هذا الأصل، وهذا الاعتماد الخاطئ هو الذي يسلكه العقلانيون الآن، يسلكون في تقرير الدين والحكم على الأشياء الشرعية، بل وحتى على مصائر الأمة ومصالحها العظمى على مقررات عقولهم، ثم يأتون بالدليل ليعضد قولهم، ويردون ما لا يعضد قولهم أو يؤولونه، هذا منهج سائد عند جميع أهل الأهواء، يتفق فيه المتقدمون والمتأخرون، وهو أنهم يعتمدون في طرائقهم على أن يبتدئوا في الاعتماد في تقرير الدين ومصالح العباد: من أنفسهم، من عقولهم، من مقررات أفكار البشر، من مبادئ البشر؛ ولذلك تجدهم يتحاكمون إلى مبادئ البشر، ويجعلون واقع البشرية هو الحجة. فأنت عندما تناقش متكلماً أو متفلسفاً أو متحذلقاً من هؤلاء المتحذلقين الآن -كفانا الله شرهم- في كثير من القضايا يضرب لك مثلاً من الواقع، والواقع ليس دليلاً، نعم الإسلام يعالج الواقع، لكن يجب ألا أجعل الواقع هو الحجة، بل الدليل هو الحجة، ولن أعدم من دليل يعالج واقع المسلمين أبداً. فأحكام الإسلام عامة على الأصل، وهناك ضرورات، فلا أجعل واقع الأمة وواقع البشرية وواقع الناس حتى واقع المسلمين هو الذي يرغمني بأن أطوع بفكري وبعقلي القاصر الأدلة الشرعية والدين؛ ليتماشى مع أحوال الناس ويبررها. وهذا كما أنه يكون في أمور العقائد يكون في أمور الأحكام والمواقف؛ ولذلك نجدهم يجعلون مثلهم الأعلى الحياة الغربية، ومن تأمل الحياة الغربية يجد أنها حياة تعيسة، هي من خارجها ديكور منمق، لكنها تنطوي على كل معاني الفساد والرذيلة والكفر، والدمار للنفس البشرية وللمجتمع البشري كله، تنطوي على كل معاني الانهيار والفساد والبعد عن منهج الله ، وتنطوي على معاني الشقاء، وهي في ظاهرها كالآلة، تجد فيها أشكالاً تعجب الناس الذين همهم الظواهر فقط؛ ولذلك أصحاب هذا الاتجاه من المتقدمين والمتأخرين لا يتكلمون عن الآخرة، وليست على بالهم، نجاة المسلمين في الآخرة ليست على بالهم، يهمهم واقع المسلمين في دنياهم، فتجدهم يطنطنون ويجعجعون حول ضرورة النهوض بالمسلمين اقتصادياً وسياسياً وفكرياً واجتماعياً، وما علموا أن ذلك لا يكون إلا باستقامة قلوب الناس على دين الله ، وبتعبيد الناس لله وحده، وأنهم إذا استقامت قلوبهم وعبدوا الله وحده هيأ الله الدنيا لهم وأتتهم وهي راغمة. إذاً: التعويل على النفس والاعتماد على العقل والرأي الشخصي وتقرير الدين من خلاله هو الفارق بين أهل السنة وبين الذي يسلكون هذا المسلك، أهل السنة بحمد الله يبحثون عن الدليل، وماذا يوجه إليه الشرع؟ وماذا يريد الله من العباد؟ وماذا وجهنا إليه النبي ﷺ من خلال قوله أو فعله أو تقريره؟ ثم إذا عرفنا ماذا وجهنا الشرع؛ أخذنا أمورنا ومشاكلنا ومسائل الدنيا فطبقناها على هذا الأصل. فلا نعتمد في تقرير الدين على النفس والعقل كما يفعل الكثير اليوم، وهذا أمر مهم جداً في الفارق بين أهل الأهواء والبدع والافتراق وعلى رأسهم أهل الكلام، وبين أهل السنة الذين يعتمدون على شرع الله . أما ما قاله الشيخ إسماعيل الكوراني للمتكلم: أنتم تقولون: إن الله يعرف بالدليل، وقول شيخ الإسلام بعده: (فيه إشارة إلى الطريقة العبادية) فقصده أن هذه القاعدة التي تقوم بها العبادة عند المتصوفة: أنهم يجعلون مرتكز العبادة المعرفة بالله التي يصلون إليها برياضة النفوس والرياضة التعبدية، فالشيخ يقول: إن هذه الطريقة ليست سليمة على كل حال. فالطريقة العبادية وسيلة من الوسائل الشرعية، ولكنها إذا خلت من التزام الشرع فقد يكون فيها نوع من الانحراف. فالمقصود بالعبادية: التعبدية، والطريقة التعبدية إذا قصرناها على المعرفة الذاتية فهذا لا يجوز، أي: معرفة الواردة على النفوس هذا لا ينبغي، لكن لو جمعنا في الطريقة العبادية بين الاهتداء بالشرع مع تعبيد القلوب لله وما يهدي النفوس من مقتضى الفطرة من هنا تكتمل العبادة المطلوبة على ما يرضي الله . قال رحمه ال

стр. 33

الأسئلة

стр. 34

حكم تسمية الله تعالى باسم النور السؤال هل النور اسم من أسماء الله تعالى؟ الجواب هذا محل خلاف، وليس هناك دليل مرجح، حتى شيخ الإسلام على قوة تحقيقه ﵀ لما تكلم على آية سورة النور تكلم بكلام طويل جداً وذكر أقوالاً ولم يرجع منها قولاً.

стр. 35

تقييم كتاب: (قصة الإيمان) السؤال هل من تعليق على كتاب (قصة الإيمان)؟ الجواب كتاب (قصة الإيمان) أنا قرأته قديماً قبل أكثر من عشرين سنة، فأقول: إن الكتاب سلك مسلك المتكلمين، ولا يؤيد على طريقته في الجملة، وإن كان وصل إلى بعض النتائج الطيبة، وأيضاً اختلف عن مسلك المتكلمين بأنه أحياناً يلامس القلوب بالموعظة، وهذا الجيد فيه، لكنه سلك مسلك المتكلمين في تقرير التوحيد، وهذا خطأ.

стр. 36

وجه مخالفة أهل الأهواء في كون الفطرة على الخالق السؤال هل نازع أهل الأهواء أن الفطرة تدل على الخالق؟ وكيف الرد عليهم؟ الجواب هم مبدئياً لا ينازعون، لكنهم عند التفصيل يخرجون عن مقتضى هذا الأصل؛ لأنهم يفسرون الفطرة بتفسيرات خاطئة، ويجعلون دلالة العقل من الفطرة، وهذا لا شك أنه يحتاج إلى تفصيل، ليست كل الدلالات العقلية من الفطرة، دلالات العقل التي ترجع إلى الأمور الضرورية البدهية فعلاً هي من الفطرة، أما دلالة العقل في الأمور الفلسفية غير اليقينية التي لا توجد ضرورة في النفس؛ فإنها ليست على مقتضى الفطرة، فالعقل قد ينحرف عن الفطرة.

стр. 37

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [٤] لقد اتفق أهل الحق وأهل الباطل في العلوم الحسية والبدهية، بينما قام الخلاف على أشده بينهم في الإلهيات والغيبيات والأخلاقيات، وسبب ذلك هو المناهج الفاسدة التي انتهجها الفلاسفة والمتكلمون لتقرير العقيدة، فالوحي عندهم محكوم بالمقررات العقلية، والدلالات الوحيدة على النبوة هي المعجزات، فحدث عندهم من الاضطراب في تقرير الدين ما جعلهم في حيرة من أمرهم، لا يهتدون سبيلاً.

стр. 38

طرق المخالفين لأهل السنة في تقرير الدين بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فقبل أن نبدأ أحب أن أنبه إلى أن الشيخ ذكر أنواع العلوم والفنون التي اتفق عليها والتي اختلف فيها، فذكر أن العلوم الحسية والبدهية متفق فيها بين أهل الحق وأهل الباطل؛ لأنها علوم تجريبية تقوم على العلم الطبيعي الذي لا يكابر فيه أحد، لكن الخلاف في علوم أخرى والتي منها: الأخلاقيات والإلهيات والغيبيات، وإن كانت الغيبيات تدخل في الإلهيات. إذاً: فمواطن الخلاف ليست العلوم الحسية والبدهية؛ لأن هذين العلمين ليسا وسيلة لفهم العلوم الغيبية. كما أن العلوم الحسية والبدهية ليسا أيضاً الطريق إلى الاستدلال بالأمور الشرعية، إنما هي أدلة عاضدة لا يمكن أن تخالف الشرع، وما صار علماً من التجريبيات والحسيات والبدهيات فهو حق، لكن لا يمكن عن طريقه فهم الغيبيات ولا إدراك الغيبيات، ولا يمكن أن يكون عن طريقه أيضاً فهم الشرائع والتوحيد. إذاً: الخلاف يكون في الأصول الأخلاقية وفي الإلهيات وفي الغيبيات كما قرر الشيخ فيما سيأتي. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وأما الأخلاق مثل: استحسان العلم والعدل والعفة والشجاعة؛ فجمهور الفلاسفة والمتكلمين يجعلونها من الأصول، لكنها من الأصول العامة، ومنهم من لا يجعلها من الأصول، بل يجعلها من الفروع التي تفتقر إلى دليل؛ وهو قول غالب المتكلمة المنتصرين للسنة في تأويل القدر، فكان الذي أصلوه واتفقوا عليه من المعارف أمراً قليل الفائدة، نزر الجدوى، وهو الأمور السفلية. ثم إذا صعدوا من هذه المقدمات والدلائل إلى الأمور العلوية فلهم طريقان]. سيذكر الشيخ منهج أهل السنة والجماعة متأخراً، لكن أشير إليه هنا من أجل أن نستصحب في أذهاننا الميزان الشرعي، فالشيخ سيذكر طوائف الناس في تقرير الدين: فأولاً: طريقة أهل السنة والجماعة في تقرير الدين هي الاعتماد على الوحي؛ لأن الدين دين الله ، والله هو المشرع، والدين ينبني على ما يرضي الله ، وما يحقق للبشر السعادة التامة في الدنيا والآخرة، وهذا مما لا يمكن أن تحيط به مدارك البشر على الكمال، لا يدركه إلا الله ، فلذلك أهل السنة والجماعة يقررون الحق، وهو أن الطريق لتقرير الدين جملة وتفصيلاً هو الوحي. والآن سيذكر الشيخ طرائق المخالفين. قال رحمه الله تعالى: [أما المتكلمة المتبعون للنبوات فغرضهم في الغالب إنما هو إثبات صانع العالم، والصفات التي بها تثبت النبوة على طريقهم، ثم إذا أثبتوا النبوة تلقوا منها السمعيات: وهي الكتاب والسنة والإجماع وفروع ذلك]. يعني: أن أهل الكلام من متكلمة الأشاعرة والماتريدية وكذلك المعتزلة وبعض الجهمية يقوم منهجهم على استخدام الأدلة العقلية لصدق الوحي، فإذا توصلوا بذلك إلى صدق الوحي؛ بدءوا هناك يقررون الوحي، لكنه محكوم عندهم بالمقررات العقلية، وأول ذلك عند غالبهم إثبات الخالق بالمقدمات العقلية. ثم الصفات التي تثبت بها النبوة على طريقتهم، وهذه الصفات ترجع إلى إثبات المعجزة للنبي ﷺ أو أي نبي، ويزعمون أن المعجزات هي الدلالة الوحيدة على النبوة، وهذا خطأ كما تعلمون؛ ولذلك بعضهم لما تناقضت عنده أدلة النبوة، خاصة عندما عجزوا عن تحديد معنى المعجزة، واختلطت عندهم المعجزة بالكرامة وخوارق العادات، وبخوارق الكهان والدجالين، لما اختلط عندهم الأمر صار عندهم ريب واضطراب في تقرير الدين؛ لأنه بُني على هذا الأصل المضطرب عندهم، وحصروا دلالة النبوة في المعجزات. قال رحمه الله تعالى: [وأما المتفلسفة فهم في الغالب يتوسعون في الأمور الطبيعية ولوازمها، ثم يصعدون إلى الأفلاك وأحوالها. ثم المتألهون منهم يصعدون إلى واجب الوجود وإلى العقول والنفوس. ومنهم من يثبت واجب الوجود ابتداءً من جهة أن الوجود لا بد فيه من واجب]. يعبر الفلاسفة عن وجود الله بكلمة: (واجب الوجود) وهذه كلمة فلسفية، وليس كل الفلاسفة يقصدون بها وجود الله على المعنى الشرعي الاصطلاحي المعهود عندنا، بل غاية ما عندهم هو إثبات الخالق؛ ولذلك يقولون: الصانع. وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ سايرهم في هذه العبارة ربما لإقامة الحجة عليهم، والله أعلم، وإلا فالأولى ألا تقال كلمة الصانع مجاملة لهم، ولا واجب الوجود، لكن لا يمكن لهم أن يفهموا خطابنا، والشيخ أحياناً يكتب لهم، ويقصدهم بالكتابة، أو يقصد تسليح بعض المسلمين المتمكنين من مناقشة هؤلاء باستخدام هذه المصطلحات. فهم كثيراً ما ينزعون إلى إثبات وجود الله تحت مسمى واجب الوجود أو الصانع أو نحو ذلك، لكن مع ذلك من منهم أثبت وجود الله بعقله، ووقف على هذه الضرورة الفطرية؟ إنهم لا يصفون الله بما يجب له من الكمال والجلال، بل إنهم لا يعظمون الله حق التعظيم، ويسلبونه حتى الربوبية، فإذا أقروا بوجود واجب الوجود أو الصانع كما يعبرون عنه؛ جعلوا تدبير الكون للعقول وال

стр. 39

سمات مناهج المخالفين لأهل السنة من الفلاسفة والمتكلمين وفسادها قال رحمه الله تعالى: [وهذه الطرق فيها فساد كثير من جهة الوسائل والمقاصد: أما المقاصد فإن حاصلها بعد التعب الكثير]. قبل أن نتمادى في الفقرات أحب أن نضع لها عنواناً وهو: سمات مناهج المخالفين من الفلاسفة والمتكلمين، وسمات هذه المناهج تميز مناهجهم الفاسدة عن مناهج أهل السنة الصالحة. وقد وضع الشيخ أكثر من عشر سمات: الأولى: قوله: (هذه الطرق فيها فساد كبير من جهة الوسائل) هذه السمة الأولى. السمة الثانية: فسادها من جهة المقاصد، قال: (والمقاصد) يعني: الوسائل والطرق التي استخدموها في الوصول إلى هذه القناعات الموجودة عندهم، فمن سماتهم فساد الوسائل، وهو الاعتماد على العقل والمصطلحات الفلسفية في الوصول إلى الغاية. ثم الغاية عندهم فاسدة، وهي التي عبر الشيخ عنها هنا بالمقاصد؛ لأن المقاصد عندهم لا توصلهم إلى عبادة الله ، ولا إلى تعظيم الله حق التعظيم، ولا توصلهم إلى الأخذ بطريق الهدى، المقاصد فقط توقفهم على الإيمان بمجرد وجود الله، ثم وصفه بأوصاف لا تليق، والحيدة عن عبادته. قال رحمه الله تعالى: [هذه الطرق فيها فساد كثير من جهة الوسائل والمقاصد، أما المقاصد فإن حاصلها بعد التعب الكثير والسلامة خير قليل، فهي لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل]. هذه كلمة عظيمة في الحقيقة، من أعظم الكلمات التي وصف بها الشيخ مناهج المتكلمين وسمات أعمالهم. يقول: إنهم قد يحصلون خيراً قليلاً؛ لأنهم من أهل الاعتراف بوجود الله، ولا شك أن الاعتراف بوحدانية الله أنه خير، لكنه قليل الفائدة؛ لأنه لا يؤدي المطلوب من العباد، وهو عبادة الله، فهو قليل بالنظر إلى المطلوب من العباد، بالنظر إلى الغاية من خلق الناس، كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، هذه الغاية العظمى ما وصلوا إليها؛ فلذلك هم وصلوا إلى خير قليل. ثم قال: هذه الوسائل والمقاصد التي وصلوا إليها مثل لحم جمل غث، يعني: ليس بطيب وتعافه النفس، على رأس جبل وعر، فالارتقاء إليه لا يؤدي إلى نتيجة، ويكون صعباً جداً، فالإنسان قد يتعب ويلهث وأخيراً يجد لحماً غير صالح للأكل، فهو لم يصل إلى الغاية، قال: (لا سهل فيرتقى) يعني: الجبل، (ولا سمين) يعني: لحم الجمل فينتقل. قال رحمه الله تعالى: [ثم إنه يفوت بها من المقاصد الواجبة والمحمودة ما لا ينضبط هنا]. هذه هي السمة الرابعة. الأولى: وهذه الطرق فيها فساد كثير من جهة الوسائل. الثانية: من جهة المقاصد. الثالثة: أن الخير فيها قليل. الرابعة: أنه يفوت بها من المقاصد الواجبة والمحمودة ما لا ينضبط. قال رحمه الله تعالى: [وأما الوسائل: فإن هذه الطرق كثيرة المقدمات]. هذه السمة الخامسة. قال رحمه الله تعالى: [ينقطع السالكون فيها كثيرًا قبل الوصول]. هذه السمة السادسة. قال رحمه الله تعالى: [ومقدماتها في الغالب إما مشتبهة يقع النزاع فيها]. هذه السمة السابعة. قال رحمه الله تعالى: [وإما خفية لا يدركها إلا الأذكياء]. هذه السمة الثامنة. قال رحمه الله تعالى: [ولهذا لا يتفق]. هذه السمة التاسعة من سمات مناهج أهل الأهواء: أنهم لا يتفقون، وهذه من أبرز سماتهم لكل متأمل. قال رحمه الله تعالى: [ولهذا لا يتفق منهم اثنان رئيسان على جميع مقدمات دليل إلا نادراً، فكل رئيس من رؤساء الفلاسفة والمتكلمين له طريقة في الاستدلال تخالف طريقة الرئيس الآخر، بحيث يقدح كل من أتباع أحدهما في طريقة الآخر، ويعتقد كل منهما أن الله لا يعرف إلا بطريقته، وإن كان جمهور أهل الملة بل عامة السلف يخالفونه فيها. مثال ذلك: أن غالب المتكلمين يعتقدون أن الله لا يعرف إلا بإثبات حدوث العالم، ثم الاستدلال بذلك على محدثه، ثم لهم في إثبات حدوثه طرق، فأكثرهم يستدلون بحدوث الأعراض؛ وهي صفات الأجسام. ثم القدرية من المعتزلة وغيرهم يعتقدون أن إثبات الصانع والنبوة لا يمكن إلا بعد اعتقاد أن العبد هو المحدث لأفعاله، وإلا انتقض الدليل ونحو ذلك من الأصول التي يخالفهم فيها جمهور المسلمين. وجمهور هؤلاء المتكلمين المستدلين على حدوث الأجسام بحدوث الحركات يجعلون هذا هو الدليل على نفي ما دل عليه ظاهر السمعيات، من أن الله يجيء وينزل ونحو ذلك. والمعتزلة وغيرهم يجعلون هذا هو الدليل على أن الله ليس له صفة: لا علم، ولا قدرة، ولا عزة، ولا رحمة ولا غير ذلك؛ لأن ذلك بزعمهم أعراض تدل على حدوث الموصوف]. هذه هي الطرق التي ذكر الشيخ منها ما سبق، ثم سيذكر طريق السنة والجماعة بعد قليل، ثم طريق المتكلمين، ثم طريق المتفلسفة، ويقصد عامة الفلاسفة، وهنا ذكر طريق المصنفين من الفلاسفة الذين يسمون بالإسلاميين، أعني: المنتسبين إلى الإسلام وليسوا من الإسلام في شيء، وهذا مما ابتلينا به حقيقة من دفاع الناس عن ابن سينا وأمثاله، هل هم مسلمون أم غير مسلمين؟ وهذا في الحقيقة نزاع عديم الجدوى، ثم هم ليسوا من الإسلام ف

стр. 40

أول دعوة الرسل وطريقة أهل السنة في تقرير الدين قال رحمه الله تعالى: [فأما الأنبياء فأول دعوتهم: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وقد اعترف الغزالي بأن طريق الصوفية هو الغاية؛ لأنهم يطهرون قلوبهم مما سوى الله، ويملئونها بذكر الله، وهذا مبدأ دعوة الرسول؛ لكن الصوفي الذي ليس معه الأثارة النبوية مفصلة يستفيد بها إيماناً مجملاً، بخلاف صاحب الأثارة النبوية، فإن المعرفة عنده مفصلة. فتدبر طرق العلم والعمل؛ ليتميز لك طريق أهل السنة والإيمان من طريق أهل البدعة والنفاق، وطريق العلم والعرفان من طريق الجهل والنكران]. هنا أشار الشيخ إلى منهج المتصوفة، وألحقه بالمنهج الشرعي، ألحقه من حيث الابتداء، والمتصوفة يقوم مبدؤهم على الاعتراف بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنها هي المبتدأ، وهي المنهج، لكنهم يقولون ذلك على سبيل الإجمال، فإذا قرروا عقائدهم ودينهم على جهة التفصيل حادوا عن الحق، بل ربما أخذوا بمسالك الفلاسفة في التعبد، وبمسالك الأمم الأخرى الضالة. إذاً: هو يشير إلى أن الصوفية يبدءون معنا في أول الطريق في تقرير الدين على قاعدة أن الأصل هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم بعد ذلك تتفرق بهم السبل، ويحيدون عن الاستمرار في هذا الطريق؛ ولذلك أشار إلى طريقة الغزالي؛ لأنه يمثل منهج الصوفية في تقريره لهذا الأصل، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →