Полный текст (196 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وجه مخالفة أهل الأهواء في كون الفطرة على الخالق
السؤال
هل نازع أهل الأهواء أن الفطرة تدل على الخالق؟ وكيف الرد عليهم؟
الجواب
هم مبدئياً لا ينازعون، لكنهم عند التفصيل يخرجون عن مقتضى هذا الأصل؛ لأنهم يفسرون الفطرة بتفسيرات خاطئة، ويجعلون دلالة العقل من الفطرة، وهذا لا شك أنه يحتاج إلى تفصيل، ليست كل الدلالات العقلية من الفطرة، دلالات العقل التي ترجع إلى الأمور الضرورية البدهية فعلاً هي من الفطرة، أما دلالة العقل في الأمور الفلسفية غير اليقينية التي لا توجد ضرورة في النفس؛ فإنها ليست على مقتضى الفطرة، فالعقل قد ينحرف عن الفطرة.
стр. 37
شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [٤]
لقد اتفق أهل الحق وأهل الباطل في العلوم الحسية والبدهية، بينما قام الخلاف على أشده بينهم في الإلهيات والغيبيات والأخلاقيات، وسبب ذلك هو المناهج الفاسدة التي انتهجها الفلاسفة والمتكلمون لتقرير العقيدة، فالوحي عندهم محكوم بالمقررات العقلية، والدلالات الوحيدة على النبوة هي المعجزات، فحدث عندهم من الاضطراب في تقرير الدين ما جعلهم في حيرة من أمرهم، لا يهتدون سبيلاً.
стр. 38
طرق المخالفين لأهل السنة في تقرير الدين
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فقبل أن نبدأ أحب أن أنبه إلى أن الشيخ ذكر أنواع العلوم والفنون التي اتفق عليها والتي اختلف فيها، فذكر أن العلوم الحسية والبدهية متفق فيها بين أهل الحق وأهل الباطل؛ لأنها علوم تجريبية تقوم على العلم الطبيعي الذي لا يكابر فيه أحد، لكن الخلاف في علوم أخرى والتي منها: الأخلاقيات والإلهيات والغيبيات، وإن كانت الغيبيات تدخل في الإلهيات.
إذاً: فمواطن الخلاف ليست العلوم الحسية والبدهية؛ لأن هذين العلمين ليسا وسيلة لفهم العلوم الغيبية.
كما أن العلوم الحسية والبدهية ليسا أيضاً الطريق إلى الاستدلال بالأمور الشرعية، إنما هي أدلة عاضدة لا يمكن أن تخالف الشرع، وما صار علماً من التجريبيات والحسيات والبدهيات فهو حق، لكن لا يمكن عن طريقه فهم الغيبيات ولا إدراك الغيبيات، ولا يمكن أن يكون عن طريقه أيضاً فهم الشرائع والتوحيد.
إذاً: الخلاف يكون في الأصول الأخلاقية وفي الإلهيات وفي الغيبيات كما قرر الشيخ فيما سيأتي.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وأما الأخلاق مثل: استحسان العلم والعدل والعفة والشجاعة؛ فجمهور الفلاسفة والمتكلمين يجعلونها من الأصول، لكنها من الأصول العامة، ومنهم من لا يجعلها من الأصول، بل يجعلها من الفروع التي تفتقر إلى دليل؛ وهو قول غالب المتكلمة المنتصرين للسنة في تأويل القدر، فكان الذي أصلوه واتفقوا عليه من المعارف أمراً قليل الفائدة، نزر الجدوى، وهو الأمور السفلية.
ثم إذا صعدوا من هذه المقدمات والدلائل إلى الأمور العلوية فلهم طريقان].
سيذكر الشيخ منهج أهل السنة والجماعة متأخراً، لكن أشير إليه هنا من أجل أن نستصحب في أذهاننا الميزان الشرعي، فالشيخ سيذكر طوائف الناس في تقرير الدين: فأولاً: طريقة أهل السنة والجماعة في تقرير الدين هي الاعتماد على الوحي؛ لأن الدين دين الله ، والله هو المشرع، والدين ينبني على ما يرضي الله ، وما يحقق للبشر السعادة التامة في الدنيا والآخرة، وهذا مما لا يمكن أن تحيط به مدارك البشر على الكمال، لا يدركه إلا الله ، فلذلك أهل السنة والجماعة يقررون الحق، وهو أن الطريق لتقرير الدين جملة وتفصيلاً هو الوحي.
والآن سيذكر الشيخ طرائق المخالفين.
قال رحمه الله تعالى: [أما المتكلمة المتبعون للنبوات فغرضهم في الغالب إنما هو إثبات صانع العالم، والصفات التي بها تثبت النبوة على طريقهم، ثم إذا أثبتوا النبوة تلقوا منها السمعيات: وهي الكتاب والسنة والإجماع وفروع ذلك].
يعني: أن أهل الكلام من متكلمة الأشاعرة والماتريدية وكذلك المعتزلة وبعض الجهمية يقوم منهجهم على استخدام الأدلة العقلية لصدق الوحي، فإذا توصلوا بذلك إلى صدق الوحي؛ بدءوا هناك يقررون الوحي، لكنه محكوم عندهم بالمقررات العقلية، وأول ذلك عند غالبهم إثبات الخالق بالمقدمات العقلية.
ثم الصفات التي تثبت بها النبوة على طريقتهم، وهذه الصفات ترجع إلى إثبات المعجزة للنبي ﷺ أو أي نبي، ويزعمون أن المعجزات هي الدلالة الوحيدة على النبوة، وهذا خطأ كما تعلمون؛ ولذلك بعضهم لما تناقضت عنده أدلة النبوة، خاصة عندما عجزوا عن تحديد معنى المعجزة، واختلطت عندهم المعجزة بالكرامة وخوارق العادات، وبخوارق الكهان والدجالين، لما اختلط عندهم الأمر صار عندهم ريب واضطراب في تقرير الدين؛ لأنه بُني على هذا الأصل المضطرب عندهم، وحصروا دلالة النبوة في المعجزات.
قال رحمه الله تعالى: [وأما المتفلسفة فهم في الغالب يتوسعون في الأمور الطبيعية ولوازمها، ثم يصعدون إلى الأفلاك وأحوالها.
ثم المتألهون منهم يصعدون إلى واجب الوجود وإلى العقول والنفوس.
ومنهم من يثبت واجب الوجود ابتداءً من جهة أن الوجود لا بد فيه من واجب].
يعبر الفلاسفة عن وجود الله بكلمة: (واجب الوجود) وهذه كلمة فلسفية، وليس كل الفلاسفة يقصدون بها وجود الله على المعنى الشرعي الاصطلاحي المعهود عندنا، بل غاية ما عندهم هو إثبات الخالق؛ ولذلك يقولون: الصانع.
وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ سايرهم في هذه العبارة ربما لإقامة الحجة عليهم، والله أعلم، وإلا فالأولى ألا تقال كلمة الصانع مجاملة لهم، ولا واجب الوجود، لكن لا يمكن لهم أن يفهموا خطابنا، والشيخ أحياناً يكتب لهم، ويقصدهم بالكتابة، أو يقصد تسليح بعض المسلمين المتمكنين من مناقشة هؤلاء باستخدام هذه المصطلحات.
فهم كثيراً ما ينزعون إلى إثبات وجود الله تحت مسمى واجب الوجود أو الصانع أو نحو ذلك، لكن مع ذلك من منهم أثبت وجود الله بعقله، ووقف على هذه الضرورة الفطرية؟ إنهم لا يصفون الله بما يجب له من الكمال والجلال، بل إنهم لا يعظمون الله حق التعظيم، ويسلبونه حتى الربوبية، فإذا أقروا بوجود واجب الوجود أو الصانع كما يعبرون عنه؛ جعلوا تدبير الكون للعقول وال
стр. 39
سمات مناهج المخالفين لأهل السنة من الفلاسفة والمتكلمين وفسادها
قال رحمه الله تعالى: [وهذه الطرق فيها فساد كثير من جهة الوسائل والمقاصد: أما المقاصد فإن حاصلها بعد التعب الكثير].
قبل أن نتمادى في الفقرات أحب أن نضع لها عنواناً وهو: سمات مناهج المخالفين من الفلاسفة والمتكلمين، وسمات هذه المناهج تميز مناهجهم الفاسدة عن مناهج أهل السنة الصالحة.
وقد وضع الشيخ أكثر من عشر سمات: الأولى: قوله: (هذه الطرق فيها فساد كبير من جهة الوسائل) هذه السمة الأولى.
السمة الثانية: فسادها من جهة المقاصد، قال: (والمقاصد) يعني: الوسائل والطرق التي استخدموها في الوصول إلى هذه القناعات الموجودة عندهم، فمن سماتهم فساد الوسائل، وهو الاعتماد على العقل والمصطلحات الفلسفية في الوصول إلى الغاية.
ثم الغاية عندهم فاسدة، وهي التي عبر الشيخ عنها هنا بالمقاصد؛ لأن المقاصد عندهم لا توصلهم إلى عبادة الله ، ولا إلى تعظيم الله حق التعظيم، ولا توصلهم إلى الأخذ بطريق الهدى، المقاصد فقط توقفهم على الإيمان بمجرد وجود الله، ثم وصفه بأوصاف لا تليق، والحيدة عن عبادته.
قال رحمه الله تعالى: [هذه الطرق فيها فساد كثير من جهة الوسائل والمقاصد، أما المقاصد فإن حاصلها بعد التعب الكثير والسلامة خير قليل، فهي لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل].
هذه كلمة عظيمة في الحقيقة، من أعظم الكلمات التي وصف بها الشيخ مناهج المتكلمين وسمات أعمالهم.
يقول: إنهم قد يحصلون خيراً قليلاً؛ لأنهم من أهل الاعتراف بوجود الله، ولا شك أن الاعتراف بوحدانية الله أنه خير، لكنه قليل الفائدة؛ لأنه لا يؤدي المطلوب من العباد، وهو عبادة الله، فهو قليل بالنظر إلى المطلوب من العباد، بالنظر إلى الغاية من خلق الناس، كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، هذه الغاية العظمى ما وصلوا إليها؛ فلذلك هم وصلوا إلى خير قليل.
ثم قال: هذه الوسائل والمقاصد التي وصلوا إليها مثل لحم جمل غث، يعني: ليس بطيب وتعافه النفس، على رأس جبل وعر، فالارتقاء إليه لا يؤدي إلى نتيجة، ويكون صعباً جداً، فالإنسان قد يتعب ويلهث وأخيراً يجد لحماً غير صالح للأكل، فهو لم يصل إلى الغاية، قال: (لا سهل فيرتقى) يعني: الجبل، (ولا سمين) يعني: لحم الجمل فينتقل.
قال رحمه الله تعالى: [ثم إنه يفوت بها من المقاصد الواجبة والمحمودة ما لا ينضبط هنا].
هذه هي السمة الرابعة.
الأولى: وهذه الطرق فيها فساد كثير من جهة الوسائل.
الثانية: من جهة المقاصد.
الثالثة: أن الخير فيها قليل.
الرابعة: أنه يفوت بها من المقاصد الواجبة والمحمودة ما لا ينضبط.
قال رحمه الله تعالى: [وأما الوسائل: فإن هذه الطرق كثيرة المقدمات].
هذه السمة الخامسة.
قال رحمه الله تعالى: [ينقطع السالكون فيها كثيرًا قبل الوصول].
هذه السمة السادسة.
قال رحمه الله تعالى: [ومقدماتها في الغالب إما مشتبهة يقع النزاع فيها].
هذه السمة السابعة.
قال رحمه الله تعالى: [وإما خفية لا يدركها إلا الأذكياء].
هذه السمة الثامنة.
قال رحمه الله تعالى: [ولهذا لا يتفق].
هذه السمة التاسعة من سمات مناهج أهل الأهواء: أنهم لا يتفقون، وهذه من أبرز سماتهم لكل متأمل.
قال رحمه الله تعالى: [ولهذا لا يتفق منهم اثنان رئيسان على جميع مقدمات دليل إلا نادراً، فكل رئيس من رؤساء الفلاسفة والمتكلمين له طريقة في الاستدلال تخالف طريقة الرئيس الآخر، بحيث يقدح كل من أتباع أحدهما في طريقة الآخر، ويعتقد كل منهما أن الله لا يعرف إلا بطريقته، وإن كان جمهور أهل الملة بل عامة السلف يخالفونه فيها.
مثال ذلك: أن غالب المتكلمين يعتقدون أن الله لا يعرف إلا بإثبات حدوث العالم، ثم الاستدلال بذلك على محدثه، ثم لهم في إثبات حدوثه طرق، فأكثرهم يستدلون بحدوث الأعراض؛ وهي صفات الأجسام.
ثم القدرية من المعتزلة وغيرهم يعتقدون أن إثبات الصانع والنبوة لا يمكن إلا بعد اعتقاد أن العبد هو المحدث لأفعاله، وإلا انتقض الدليل ونحو ذلك من الأصول التي يخالفهم فيها جمهور المسلمين.
وجمهور هؤلاء المتكلمين المستدلين على حدوث الأجسام بحدوث الحركات يجعلون هذا هو الدليل على نفي ما دل عليه ظاهر السمعيات، من أن الله يجيء وينزل ونحو ذلك.
والمعتزلة وغيرهم يجعلون هذا هو الدليل على أن الله ليس له صفة: لا علم، ولا قدرة، ولا عزة، ولا رحمة ولا غير ذلك؛ لأن ذلك بزعمهم أعراض تدل على حدوث الموصوف].
هذه هي الطرق التي ذكر الشيخ منها ما سبق، ثم سيذكر طريق السنة والجماعة بعد قليل، ثم طريق المتكلمين، ثم طريق المتفلسفة، ويقصد عامة الفلاسفة، وهنا ذكر طريق المصنفين من الفلاسفة الذين يسمون بالإسلاميين، أعني: المنتسبين إلى الإسلام وليسوا من الإسلام في شيء، وهذا مما ابتلينا به حقيقة من دفاع الناس عن ابن سينا وأمثاله، هل هم مسلمون أم غير مسلمين؟ وهذا في الحقيقة نزاع عديم الجدوى، ثم هم ليسوا من الإسلام ف
стр. 40
أول دعوة الرسل وطريقة أهل السنة في تقرير الدين
قال رحمه الله تعالى: [فأما الأنبياء فأول دعوتهم: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
وقد اعترف الغزالي بأن طريق الصوفية هو الغاية؛ لأنهم يطهرون قلوبهم مما سوى الله، ويملئونها بذكر الله، وهذا مبدأ دعوة الرسول؛ لكن الصوفي الذي ليس معه الأثارة النبوية مفصلة يستفيد بها إيماناً مجملاً، بخلاف صاحب الأثارة النبوية، فإن المعرفة عنده مفصلة.
فتدبر طرق العلم والعمل؛ ليتميز لك طريق أهل السنة والإيمان من طريق أهل البدعة والنفاق، وطريق العلم والعرفان من طريق الجهل والنكران].
هنا أشار الشيخ إلى منهج المتصوفة، وألحقه بالمنهج الشرعي، ألحقه من حيث الابتداء، والمتصوفة يقوم مبدؤهم على الاعتراف بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنها هي المبتدأ، وهي المنهج، لكنهم يقولون ذلك على سبيل الإجمال، فإذا قرروا عقائدهم ودينهم على جهة التفصيل حادوا عن الحق، بل ربما أخذوا بمسالك الفلاسفة في التعبد، وبمسالك الأمم الأخرى الضالة.
إذاً: هو يشير إلى أن الصوفية يبدءون معنا في أول الطريق في تقرير الدين على قاعدة أن الأصل هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم بعد ذلك تتفرق بهم السبل، ويحيدون عن الاستمرار في هذا الطريق؛ ولذلك أشار إلى طريقة الغزالي؛ لأنه يمثل منهج الصوفية في تقريره لهذا الأصل، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 41
الأسئلة
стр. 42
حكم قنوت النوازل دون إذن الإمام وحكم الدعاء التفصيلي على الكفار
السؤال
هل قنوت النوازل يحتاج إلى إذن الإمام؟ وهل الدعاء على الكفار كقول: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً جائز؟
الجواب
هذا سؤال جيد، وللمشايخ حفظهم الله فتاوى في هذا كثيرة، وفيها إجابة نصية على مثل هذه الأسئلة؛ فأرجو الرجوع إليها.
ومعلوم ابتداءً أن القنوت في النوازل أنواع وأصناف، والنوازل على درجات أيضاً.
وكذلك الإذن من الإمام هو محل خلاف، لكن ينبغي أن نعود أنفسنا في مثل هذه الأمور ألا نخرج عن توجيه مشايخنا وعلمائنا إذا وجهوا بشيء، حتى لو كان هناك رأي لإمام أو قول لبعض الأئمة، إذا كان الأمر يتعلق بمصلحة الأمة الكبرى، أو بأحوال مجموع طلاب العلم، أو بموقف يحسب على العلماء والمشايخ؛ فينبغي الرجوع إلى المشايخ، ويلتزم قولهم، وتلتزم فتواهم؛ لأنهم يعالجون الأمر على ما تقتضيه النصوص الشرعية، ويجتهدون أيضاً في تطبيق قواعد الشرع ودرء المفاسد وجلب المصالح.
والنوازل أصناف، فهناك نوازل تكون في البلد نفسه، في نفس المدينة أو القرية، فإذا نزلت بهذه الصورة، مثل: الوباء الذي نزل على إخواننا في جيزان فهنا يشرع لهم أن يدعو دعاء القنوت، ولا أحد من أهل العلم يعارضهم، ولا يلزم إذن الإمام في مثل هذا الحال؛ لأن الأمر صار يمس البلد نفسها، ولا بد من تعويد الناس اللجوء إلى الله ، ولفت نظرهم إلى مشروعية القنوت في مثل هذه الأحوال.
أما إذا كان بعيداً عن البلد فيختلف في مدى البعد، وما نوع النازلة، وعلى هذا أقول: ينبغي لطلاب العلم أن يتثبتوا في هذه الأمور ولا يستعجلوا ولا تأخذهم العواطف.
وأما الدعاء على الكفار فينبغي دائماً للمسلم أن يدعو بالمجملات، ولا يلجأ إلى التفصيلات والاعتداء في الدعاء، الذي هو الدخول في الجزئيات والعبارات الدقيقة إلا عندما يقتضي الأمر ذلك، وليس على سبيل الدوام، فقول: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، لا ينبغي أن يكون دعاءً دائماً؛ لأنه من الدعاء المجزأ، والله بصير بعباده، أنت ادع عليهم بدعاء مجمل، والله يفعل ما يشاء، ليس بشرط أن يعاقبهم على هذه الصورة، التي هي إحصاء العدد والقتل البدد وألا يغادر منهم أحداً، ما يلزم، يمكن أن يعاقبهم الله بأي صورة، وعلى أي وجه يراه ويقدره سبحانه، فلا ينبغي لنا أن نعود ألسنتنا على مثل هذه الأدعية المخصصة، التي الإكثار منها تنفر منها الطباع والفطر السليمة، لكن إذا طرأ على الإنسان أمر موجب؛ فله أن يستعمل مثل هذا الدعاء عند الموجب وليس دائماً.
стр. 43
حكم الخوارج عند شيخ الإسلام ﵀
السؤال
في تبويب شيخ الإسلام في فضل السلامة من البدعة والشرك والكبائر، ثم ذكر الخوارج، فهل يرى الشيخ تكفيرهم؟
الجواب
ما يلزم أنه يرى تكفيرهم، بل الذي أعرف أن الشيخ لا يرى تكفيرهم عموماً، الخوارج ليسوا كفاراً، ولكنهم من أهل البدع، ولا يلزم من قتال المبتدع أن يكون كافراً، ولذلك قاتلهم الصحابة وعلى رأس الصحابة علي بن أبي طالب ﵁، ولما سئل عنهم قال: هم إخواننا بغوا علينا، ثم لما قيل له: هم كفار؛ قال: لا والله من الكفر فروا.
فينبغي أن نفهم أنه لا يلزم من القتال الكفر، فقتال أهل البغي والخارجين عن الإمام، أحياناً يكون من الصالحين، لكن يقاتلون متأولين، ولذلك جاء عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح في مسلم وغيره أنه من خرج على الإمام المسلم الذي له بيعة وعهد وعلى الجماعة فإنه يقاتل كائناً من كان.
وأهل الذنوب الذين تقتضي ذنوبهم قتلهم، مثل الزاني إذا استحق الرجم، هذا ما يخرج من الملة، مع أنه يقتل قتلة فيها نوع من التعزير الشديد، لكن لله في ذلك حكمة، فالمهم أنه لا يلزم من قول الشيخ في سياق حديثه عن الخوارج وقتالهم أنه يرى كفرهم.
المهم أن علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة الذين قاتلوا الخوارج لم يقاتلوهم حتى بدءوا هم، وهذا اجتهاده وبعض الصحابة، لكن بعض الجيش مع علي ﵁ من المسلمين المجتهدين كانوا يرون أن يقاتلوا قبل أن يبدءوا، علي ﵁ إمام المسلمين في ذلك الوقت كان لا يرى قتالهم حتى يحدثوا وحتى يقاتلوا.
يعني: أنه يقصد أنا لا نتحقق من بدعتهم حتى يعملوا بمقتضاها، فلا نستطيع أن نلزمهم بأنهم ارتكبوا بدعة التكفير، فربما يكون قول بعضهم، أو لهم في التكفير أعذار من جهل أو نحو ذلك.
فلما قاتلوا تبين إصرارهم على بدعة التكفير، واستباحتهم للدم دليل على أن هذه البدعة تعمقت، وأنها ليست مجرد عوارض، وأنها ليست قول البعض، بل أجمعوا واتفقوا عليها، فمن هنا استباح علي ﵁ قتالهم؛ لأن بدعتهم ظهرت وتأكدت من خلال تصرفهم.
أما الأحاديث فهي مطلقة، وردت في الخوارج القدامى، ووردت في الخوارج المتأخرين الذين ذكرهم النبي ﷺ كما في حديث البخاري وغيره: (سيخرج في آخر الزمان أناس حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية)، ثم سرد صفاتهم والقول فيهم إلى أن قال: (فإذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن لمن قتلهم الجنة).
هذا فيما جاء في سياق الحديث عن الخوارج الذين يخرجون في آخر الزمان، والراجح من كلام كثير من المحققين من أهل العلم أنهم غير الخوارج الأولين؛ لأن هؤلاء جاء فيهم نصوص وهؤلاء جاء فيهم نصوص، وكلهم خوارج.
إذاً: فقتل الخوارج لا يلزم منه خروجهم من الملة، ولا أن بدعتهم بدعة مكفرة.
стр. 44
شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [٥]
لقد ظهرت حقيقة ابن عربي الصوفي من خلال أشعاره ومقالاته ومؤلفاته، فهو يقول بوحدة الوجود، والقائل بهذا القول أكفر من الجهمية الذين يقولون: إن الله في كل مكان، تعالى الله عن ذلك، وقد كفر السلف الجهمية، فتكفير أصحاب وحدة الوجود من باب أولى؛ لشناعة ما تنطوي عليه مقالاتهم، وما تؤدي إليه من الانتقاص لله ، تقدس وتنزه وتعالى عما يقوله الظالمون الأفاكون المفترون علواً كبيراً.
стр. 45
معنى قول ابن عربي: الرب حق والعبد حق
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فهذا الدرس الذي بين يدينا درس مفيد، وإن كان فيه بعض الكلاميات وبعض المعاني التي تشمئز منها النفس، وبعض الأمور لا وجود لها في بلدنا ولا بيئتنا، لكنها مسالك سلكها أناس من بني جلدتنا الآن، فالحداثيون وكثير من الأدباء واقعون فيما سيتكلم عنه الشيخ الآن في مسألة أقول ابن عربي وإلحادياته، وأصبحوا يمجدونه في الصحف بأسلوب خبيث، فهم يستعملون التقية في استخدامهم تحت ما يسمى الشعر الحرّ، والمقالات الحداثية، فهم يرمزون إلى معان سيأتي الكلام عنها وأشير إليها في مواطنها، ولذلك أحببت أن نقرأ هذا المقطع، ونقف عند بعض الجوانب فيه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [المسئول من إحسان شيخ الإسلام مفتي الأنام تقي الدين أثابه الله الجنة أن يفتينا في رجلين تشاجرا في هذين البيتين المذكورين، وهما قول القائل: الرب حق والعبد حق يا ليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك ميت أو قلت رب أنى يكلف فقال أحد الرجلين: هذا القول كفر؛ فإن القائل جعل الرب والعبد حقاً واحداً ليس بينهما فرق، وأبطل التكليف.
فقال له الرجل الثاني: ما فهمت المعنى، ورميت القائل بما لم يعتقده ويقصده؛ فإن القائل قال: الرب حق والعبد حق، أي: الرب حق في ربوبيته، والعبد حق في عبوديته، فلا الرب عبداً ولا العبد رباً كما زعمت.
ثم قال: يا ليت شعري من المكلف؟ مع علمه أن التكليف حق؛ فحار لمن ينسبه في القيام به، فقال: إن قلت: عبد فذاك ميت، والميت ليس له من نفسه حركة، بل من غيره يقلبه كما يشاء، وكذلك العبد -وإن كان حياً- فإنه مع ربه كالميت مع الغاسل ليس له من نفسه فعل بغير الله؛ لأنه سبحانه لو لم يقو العبد على القيام بالتكليف؛ لما قدر على ذلك، فالفعل لله حقيقة وللعبد مجازاً، ودليل ذلك قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أي: لا حول عن المعصية، ولا قوة على الطاعة إلا بالله].
لا تزال المسألة بين شخصين، كل واحد له شبهة، وهذا له حجة وهذا له شبهة، لكن قبل أن نتجاوز هذا الكلام يتطلب أموراً تأصيلية إذا استحضرناها، فإنه سيسهل علينا فهم كلام شيخ الإسلام عندما يجيب، وهذا موطن التعليق عليها.
فالشخص الآخر الذي ينزع إلى نزعة وحدة الوجود لهذا الشخص الذي يقول: إن الشخص مع ربه كالميت مع الغاسل، وأن الفعل لله حقيقة وللعبد مجاز، هذا القول هو قول الجبرية الجهمية، حتى قبل أن يظهر ابن عربي، ودخل على المتصوفة، وصار مذهب غالب المتصوفة في القرن الرابع والخامس والسادس، ثم لما جاء القرن السادس والسابع بلوره ابن عربي على مذهب فلسفي إلحادي صريح.
فمعنى هذا أن مذهب ابن عربي له أصول، وأن كلام الجهمية كما تصور السلف وتوقعوا وتفرسوا أن القول بالجبر سيؤدي بأناس إلى الإلحاد، هذا قاله السلف أيام الجهم وبعد الجهم، فما قالوه هو الذي صار، فهؤلاء الصوفية فلسفوه وجعلوا له قواعد ومناهج، وهو زعمهم أن الإنسان لا إرادة له، وأنه مجبور، وأنه كالريشة في مهب الهواء، وأنه كالميت أمام مغسله، وأنه لا حول له ولا قوة، وأن فعل العبد مجاز لا حقيقة له.
هذا المذهب الباطل صار نهجاً له أصول وله فلسفات وله قواعد وله شبهات وله مناظرات ودفاعات عن أهله، ثم انتهى إلى القول بوحدة الوجود، وهذا هو محل النقاش بين هذين الشخصين، والأبيات التي مرت هي من أبيات أصحاب وحدة الوجود.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد عُلم أن الرب ليس عليه تكليف؛ لأنه لا مكلف له، والعبد ليس يقوم بما كلف به إلا بالله، والتكليف حق؛ فتعجب القائل عند شهوده لهذه الحال، وحار في ذلك مع الإقرار به، وأنه على العبد حق، فما ينبغي لعاقل أن يقع فيمن لا يفهم كلامه، بل التقصير من الفهم القصير، فمع أيهما الحق؟].
سيجيب الشيخ على هذا السؤال الذي يتضمن مناقشة بين شخصين، لكن هذا الكلام تضمن حكمة مفيدة جداً لنا في هذا الوقت، فطلاب العلم الآن ابتلوا بكثرة الشبهات التي انتشرت في المجتمع، وفتكت بعقول أجيالنا فتكاً ذريعاً، بدأت مظاهره تخرج لولا بحمد الله أن السنة لا تزال قوية، والعلم لا زال مهيمناً، والسلطان فيه قوة ضد الباطل المعلن، لولا ذلك لرأيتم عجباً.
فمن خلال الركام والشرار الذي نراه تحت الرماد تظهر لنا مظاهر من انجراف كثير من شبابنا في الأفكار الخطيرة المكفرة بشكل عجيب جداً؛ بسبب الفضائيات والإنترنت، وبسبب طائفة من المنافقين بين ظهرانينا، حيث بدءوا يفتنون الناس عن السنة، ويوقعونهم في البدعة، وإلا من يصدق أنه يوجد شباب الآن اقتنعوا بمذهب المعتزلة، يوجد شباب الآن انجرفوا مع مذهب الحداثة الإلحادي الباطني، شباب من أبناء جلدتنا ومن أبناء مجتمعنا وليسوا قلة وهم يكثرون، لكن الحمد لله لا تزال للسنة هيبة، ومع ذلك لا بد من الاحتياط وسد الذريعة وأخذ الأهبة، فكل منكم
стр. 46
حقيقة قول ابن عربي في وحدة الوجود
قال رحمه الله تعالى: [فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه، فقال: الحمد لله، كلام هذا الثاني كلام باطل، وخوض فيما لم يحط بعلمه ولم يعرف حقيقته، ولا هو عارف بحقيقة قول ابن عربي وأصله الذي تفرع منه هذا الشعر وغيره، ولا هو أخذ بمقتضى هذا اللفظ ومدلوله.
فأما أصل ابن عربي فهو أن الوجود واحد، وأن الوجود الواجب هو عين الوجود الممكن].
قولهم: (الوجود الواجب) يعبرون به عن الله ، و (الوجود الممكن) يعبرون به عن الخلق فهم يقولون: إن الخلق والخالق والمخلوق واحد لا فرق بينهم، هذه وحدة الوجود، وهذا عين الكفر كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، وليس هناك أكفر من هذا القول؛ لأنه يؤدي إلى الإلحاد المطلق الكامل، الإلحاد المقنن المفلسف، كما أنه يؤدي أيضاً إلى أعظم الإساءة إلى الله ، يعني: إلى حد أن أصحاب وحدة الوجود إذا سمع أحدهم حيواناً سبح له كما يسبح لله، هذا أمر شنيع لا يتصور لكنه هو نتيجة مذهب وحدة الوجود.
إذاً: معنى قول الشيخ واجب الوجود يعني: الله، وممكن الوجود يعني: المخلوقات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والقول بأن المعدوم شيء وأعيان المعدومات ثابتة في العدم، ووجود الحق فاض عليها، فوجود كل شيء عين وجود الحق عنده، وهذا مقصود في غير هذا الموضع].
قوله: (والقول بأن المعدوم شيء) هذا قول كثير من الفلاسفة، وقد يقول بعضكم: ما لنا ومال هذا القول؟ نقول: لا بد من رد هذا القول؛ لأنهم لما افترضوا أن المعدوم شيء بنوا عليه أحكاماً وعقائد وأوهاماً وتصورات، حتى في أمور الدنيا لما زعموا أن المعدوم شيء بنوا على المعدوم أحكاماً، وهذا باطل انبنى على باطل، فهل المعدوم ينبني عليه أحكام؟! وهذا من مذهب ابن عربي، ومذهب ابن عربي أن أعيان المعدومات ثابتة في العدم يعود إلى الأول، يعني: لما قالوا: إن المعدومات أعيان، يعني: ذوات، كيف يكون هذا المعدوم عيناً، هذا أمر لا يصح عقلاً ولا يمكن أن يرد في الذهن، لكنهم أحياناً يجعلون الأوهام أشياء؛ فلذلك قالوا: إن أعيان المعدومات ثابتة في العدم، كأنهم يقولون: الأشياء قبل الوجود لها وجود، لكن كانت على وضع غير وضع الموجودات.
ولذلك كل أمر يتصورونه يعتقدونه، بناء على أن المعدوم شيء، وأن المعدومات ثابتة في العدم، وهذا هروب من إثبات وجود الله؛ لأنهم يزعمون أن هذه الموجودات كان لها وجود في الأعيان، ويثبت لها حق الوجودية وتثبت لها أحكام الوجود، وهذه فلسفة، لكن لماذا نقولها؟ ولماذا صار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية؟ كما سترون في دروس قادمة أنهم خلطوا هذه الفلسفة بعقائد المسلمين، التي ادعوا أنهم أصحابها، وهذا التصور هو سبب كثير من الغلط من المتكلمين، وهو سبب القول بوحدة الوجود والحلول والاتحاد إلى غير ذلك.
ثم قال: (ووجود الحق فاض عليها) الفيض: نظرية فلسفية، يقصدون به تأثيراً معنوياً، هذا التأثير المعنوي ينتقل من مرحلة إلى مرحلة، أو من المؤثر إلى المؤثر فيه، فينتج عن ذلك أثر مادي، والعملية بين الفائض والمفوض عليه عملية ذهنية لا حقيقة لها، لكنهم يتصورونها، ولذلك زعموا أن الدين كله والوحي خيال ليس له حقيقة مستقلة، إنما هو فيض، فوجود كل شيء عين وجود الحق عندهم، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع، كما هو في الرد على فصوص الحكم لشيخ الإسلام ابن تيمية.
стр. 47
ابن عربي يصدق قول فرعون: (أنا ربكم الأعلى)
قال رحمه الله تعالى: [ولهذا لما قال: ولما كان فرعون في منصب التحكم صاحب الوقت، وأنه الخليفة بالسيف، وإن جار في العرف الناموسي، لذلك قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] أي: وإن كان الكل أرباباً بنسبة ما، فأنا الأعلى منهم، بما أعطيته في الظاهر من الحكم فيكم، ولما علمت السحرة صدقه فيما قال لم ينكروه، وأقروا له بذلك، فقالوا له: اقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا، والدولة لك، فصح قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وإن كان عين الحق].
هذا كلام ابن عربي، نعوذ بالله، والعجيب أن هذا التلبيس مع وضوحه قد انطلى على طوائف ممن انقلبت فطرهم، وفسدت قلوبهم من أهل الأهواء والبدع، خاصة الذين ينتسبون للتصوف الآن، وتوجد طوائف من الذين لم ينتسبوا للتصوف يميلون إلى تصحيح هذا القول الباطل، الذي يصادم الحق مصادمة ظاهرة وعنيفة، لكن هؤلاء يلبسون على الجهال وعلى المفتونين، وتأملوا العبارة قال: (ولهذا لما قال -يعني: ابن عربي -: ولما كان فرعون في مصر في منصب التحكم صاحب الوقت) انظروا كيف يستجلب عواطف الفرق التي تنتظر إما ولياً وإما إماماً، فالصوفية ينتظرون ولياً ويظنون أنه صاحب الوقت، ويزعمون أنه يدبر الكون، وكذلك الرافضة والباطنية ينتظرون أيضاً إماماً، يزعمون أنه يخرج في آخر الزمان، فهو تكلم بما يوافق مصطلحاتهم؛ ليجذب عقولهم إلى الباطل على ما هم فيه من الباطل، ولهذا فهو يزعم أن فرعون ولي لله؛ ولذلك له رسالة اسمها (إيمان فرعون) قال فيها مثل هذا الكلام، ثم قال: (وإنه الخليفة في السيف، وإن جار في العرف الناموسي) يعني: أن هناك فرقاً بين العرف الظاهر وبين العرف الباطن، ففرعون ولي لله في الباطن، لكنه في الظاهر جبار، فهو خليفة بالسيف.
قوله: (لذلك قال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] أي: وإن كان الكل أرباباً بنسبة ما) رجع إلى مذهبه أيضاً مرة أخرى، فزعم أن جميع المخلوقات أرباب، لكن فرعون أعلاهم، انظروا كيف التلبيس، وأنا لا أعجب من ظهور مثل هذا الإلحاد من إنسان معروف بالإلحاد، وإنما أعجب كيف يصدق هذا الكلام؟ أو كيف يلتبس على أناس يدعون الإسلام؟ ولو شئت لذكرت لكم أسماء أناس من البارزين الآن يؤمنون بمثل هذا الكلام جداً، نسأل الله السلامة والعافية.
ثم زعم أن فرعون حينما قال: (فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من الحكم فيكم) زعم أن السحرة علموا أن فرعون هو المستحق للربوبية، والعكس هو الصحيح، أن السحرة تبرءوا من ربوبيته وإلهيته، وأعلنوا خلاف مذهبه، ولذلك فرعون قتلهم، لكن أراد ابن عربي أن يعكس القضية تماماً ويجعل الحق باطلاً والباطل حقاً.
ولذلك قال: (لم ينكروه) زعم أن السحرة لم ينكروا ربوبية فرعون، وأنهم أقروا له بذلك، وأنهم حينما أقروا له بالربوبية سلموا رقابهم له، وقالوا: اقض ما أنت قاض، انظروا هل بعد هذا التلبيس تلبيس؟ ثم قالوا: إنما تقضي هذه الحياة الدنيا، والدولة لك فصح قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، فهو يزعم أن قول فرعون هو الصحيح.
ثم استمر في هذيانه مما يجب أن يكون في عافية منه، لكن ربما يقول قائل: لماذا نقرأ مثل هذا الكلام؟ أقول: لن نقرأه كله، المجلد كله في هذا الموضوع، لكن سنقرأ نماذج تكفي لتصوركم لهذا المذهب الباطل؛ لأن هذا المذهب بدأ الآن يروج، وله دعاته عبر الفضائيات وعبر الإنترنت وعبر الإعلام، وبدأ يقتنع به طوائف، إضافة إلى طوائف الصوفية، وجمهور المتصوفة يصعب عليهم أن تقول لهم: إن ابن عربي ملحد رغم أن هذا كلامه، ولم يتراجع عنه في يوم من الأيام، والدليل أنه ما تراجع عنه، فقد كتبه في كتب مستقلة، ثم لما كتب مجموعة آرائهم في الكتب الكبيرة كفصوص الحكم أعاد هذا الكلام مرة وأكده ونظمه ورتبه، وجعله أكثر صراحة في الإلحاد والكفر، أقول: لولا الابتلاء بهذا الأمر، وأن جماهير من المسلمين تعد بالملايين يعتقدون هذا الكلام أنه حق، ويتأولون له، ويزعمون أن له باطناً، ولا يرضى أحدهم أن يقال: إن ابن عربي زنديق ملحد رغم وضوح الزندقة والإلحاد، لولا وجود مثل هذه الظواهر بين المسلمين لما احتاجنا أن نقرأ هذا الكلام، لكن أنتم بمثابة طلاب علم متخصصين، فلو كان هذا الدرس للعامة لما قرأنا مثل هذا، بل لو كان أيضاً عند طلاب علم صغار ما قرأنا مثل هذا.
وهؤلاء الملاحدة الخلص يقرءون الآيات ويتأولونها، فمثلاً: ابن عربي يسمي الأنبياء وأتباعهم: العوام، ويقول عن النبوات والرسالات: (هذه مجرد سياسات إلهية لضبط الناس في سلوكهم في الدنيا، وإلا فالنار في الآخرة ما هي إلا غاية النعيم) مثل هذا ماذا تصنع به، يرى أن الوعيد الذي على فرعون هو قمة النعيم، والوعيد إنما سمي وعيداً وسميت النار ناراً من أجل ضبط سلوك العامة في الدنيا؛ حتى يكون عندهم رادع خوف، ف
стр. 48
ذكر من قال بوحدة الوجود من أهل الإلحاد ومعنى قول ابن عربي: يا ليت شعري من المكلف ؟
قال رحمه الله تعالى: [فإن كلام الرجل يفسر بعضه بعضاً، وهذا الأصل وهو القول بوحدة الوجود قوله وقول ابن سبعين وصاحبه الششتري والتلمساني والصدر القونوي وسعيد الفرغاني وعبد الله البلياني وابن الفارض صاحب نظم السلوك وغير هؤلاء من أهل الإلحاد القائلين بالوحدة والحلول والاتحاد.
وأما مدلول هذا الشعر، فإن قوله: يا ليت شعري من المكلف؟ استفهام إنكار للمكلف.
ثم قال: إن قلت عبد فذاك ميت.
وفي موضع آخر قال: فذاك نفي.
وكلاهما باطل؛ فإن العبد موجود وثابت ليس بمعدوم منتف، ولكن الله هو الذي جعله موجوداً ثابتاً، وهذا هو دين المسلمين أن كل ما سوى الله مخلوق لله موجود بجعل الله له وجوداً، فليس لشيء من الأشياء وجود إلا بإيجاد الله له، وهو باعتبار نفسه لا يستحق إلا العدم موجوداً حياً ناطقاً فاعلاً مريداً قادراً، بل هذا كله لا يمنع ثبوت ذواتها وصفاتها وأفعالها].
يعني: أن كون المخلوق يوصف بمثل هذه الصفات من الوجود والحياة والنطق والفاعلية والإرادة هذا وإن كان هذا وصفاً لله على وجه الكمال، فالله موجود حي متكلم فاعل مريد، لكن هذه الخصائص والصفات هي للخالق على ما يليق بكماله، وهي في المخلوق على ما يليق بنقصه، ولا يمنع أن تكون المخلوقات الموصوفة بهذه الصفات لها ذوات غير ذات الله ، وأنها موجودة بذواتها وصفاتها وأفعالها لوجود غير وجود الله، هذا معنى الكلام فيما يظهر وإن كان فيه سقط.
стр. 49
إنكار ابن عربي خلق الله لأفعال العباد
قال رحمه الله تعالى: [فهو سبحانه هو الذي جعل الحي حياً، بل هو الذي جعل المسلم مسلماً والمصلي مصلياً، كما قال الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨] وقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٤٠].
وهذه مسألة خلق أفعال العبيد وهي مذهب أهل السنة والجماعة مع اتفاقهم على أن العبد مأمور منهي مثاب معاقب موعود متوعد، وهو سبحانه الذي جعل الأبيض أبيضاً والأسود أسوداً، والطويل طويلاً والقصير قصيراً، والمتحرك متحركاً والساكن ساكناً، والرطب رطباً واليابس يابساً، والذكر ذكراً والأنثى أنثى، والحلو حلواً والمر مراً.
ومع هذا فالأعيان تتصف بهذه الصفات، والله تعالى خالق الذوات وصفاتها، فأي عجب من اتصاف الذات المخلوقة بصفاتها؟! ومن أين يكون الله خالق ذلك كله بالحق؟ فإذا قال القائل: الرب حق والعبد حق.
فإن أراد به أن هذا الحق هو عين هذا فهذا هو الاتحاد والإلحاد، وهذا هو الذي ينافي التكليف، وإن أراد أن العبد حق مخلوق خلقه الخالق فهذا مذهب المسلمين، وذلك لا ينافي أن يكون الخالق ممكناً للمخلوق، كما أنه خالق له.
وقوله: إن قلت: عبد فذاك ميت.
كذب؛ فإن العبد ليس بميت، بل هو حي أحياه الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة:٢٨]، والله لا يكلف الميت وإنما يكلف الحي، وإذا قيل: إنه أراد بقوله: ميت.
أنه باعتبار نفسه لا حياة له، قيل: تفسير مراده بهذا فاسد لفظاً ومعنى، أما اللفظ فلأن كلامه لا يقتضي ذلك، وأما المعنى فلأنه إذا فسر ذلك لم يناف التكليف.
فإذا كان ميتاً لولا إحياء الله وقد أحياه الله، فقد صار حياً بإحياء الله له، وحينئذ فالله إنما كلف حياً لم يكلف ميتاً، وأما أقوال إخوان الملاحدة والمحامين عنهم أنه قال: ليت شعري من المكلف؟ مع علمه بأن التكليف حق فحار لمن ينسبه في القيام به، فقال: إن قلت: عبد فذاك ميت.
والميت ليس له من نفسه حركة، بل من غيره يقلبه كما يشاء.
وكذلك العبد وإن كان حياً فإنه مع ربه كالميت مع الغاسل، ليس له من نفسه فعل بغير الله، فيقال لهم: هذا العذر باطل من وجوه].
قبل أن أستعرض الوجوه، أو ربما نستغني عن استعراض الوجوه؛ لأن الشيخ هنا أراد أن يقرر أنه من نعم الله أن أعطى العبد شيئاً من القدرة والاختيار، وأيضاً الله هو خالق العبد وأفعاله، لكن ذلك لابد أن يرد بعضه إلى بعض، بمعنى أننا حين نقول بأن الإنسان أعطاه الله قدرة خاصة وأعطاه حرية واختياراً، فإن ذلك محكوم ومربوط بعموم مشيئة الله، فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، والله خالق العباد وخالق أفعالهم، لكن عندهم شيء من القدرة والحرية تحت إذن الله ومشيئته، هذا ما أراد أن يقرره الشيخ.
أما أن يقال: إن الإنسان كالميت بين يدي المغسل فهذا الجبر، ليس صحيحاً أنه كالميت مطلقاً، فهو حي يريد إنقاذه، كذلك العكس من زعم أن الإنسان يقدر أشياء لا يقدرها الله ، ويفعل أشياء لا يقدرها الله فهذا باطل، وهو مذهب القدر المذموم، فالأمر الحق بين هذين الأمرين سيذكره الشيخ ونقرؤه؛ لأنه قليل.
стр. 50
قول أهل السنة في أفعال العبد
قال رحمه الله تعالى: [والتحقيق ما عليه أئمة السنة وجمهور الأمة، من الفرق بين الفعل والمفعول والخلق والمخلوق، فأفعال العباد هي كغيرها من المحدثات مخلوقة مفعولة لله، كما أن نفس العبد وسائر صفاته مخلوقة مفعولة لله، وليس ذلك نفس خلقه وفعله، بل هي مخلوقة ومفعولة، وهذه الأفعال هي فعل العبد القائم به ليست قائمة بالله ولا يتصف بها؛ فإنه لا يتصف بمخلوقاته ومفعولاته، وإنما يتصف بخلقه وفعله كما يتصف بسائر ما يقوم بذاته، والعبد فاعل لهذه الأفعال، وهو المتصف بها، وله عليها قدرة وهو فاعلها باختياره ومشيئته، وذلك كله مخلوق لله، فهي فعل العبد وهي مفعولة للرب.
لكن هذه الصفات لم يخلقها الله بتوسط قدرة العبد ومشيئته، بخلاف أفعاله الاختيارية؛ فإنه خلقها بتوسط خلقه لمشيئة العبد وقدرته، كما خلق غير ذلك من المسببات بواسطة أسباب أخر، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع، ولكن هذا قدر ما وسعته هذه الورقة والله أعلم].
стр. 51
الأسئلة
стр. 52
القول في صفتي القدم والرجل لله تعالى
السؤال
ورد إثبات صفة القدم والرجل من صفات الله ، هل هناك فرق بين هاتين الصفتين إذا كان هناك فرق بينهما؟
الجواب
لا ليس هناك فرق، الظاهر والله أعلم أنها من الألفاظ المترادفة، لذلك وردت على معنى واحد، فمثلاً: في وضع قدم الباري على جهنم ورد رجله وورد قدمه، مما يدل على أن اللفظين مترادفان.
стр. 53
حكم تكفير المعين
السؤال
ما رأيكم في قول من يقول: لا يجوز أن تحكم على فرعون بأنه كافر؟
الجواب
فرعون يضرب به المثل في الجزم بالكفر، نحن لا نجزم بكفر أحد إلا من كفره الله أو كفره الرسول ﷺ ، كفرعون وأبي لهب وأبي جهل، فالمسألة ما تحتاج إلى مثل هذا الجدال، وربما المنكر لذلك يتأول؛ لأن السائل عقب وقال: لولا أن الله أخبرنا بكفره لما جاز أن نحكم بكفره، وكذلك الذين قتلوا في بدر مع المشركين قد يكون الواحد منهم مكرهاً إلى آخره؟ نقول: هذا خلط بين مسألة الحكم على المعين المسلم والحكم على المعين الكافر، ولاشك أن بينهما شيء من التشابه، الحكم على المعين أغلب ما ورد فيه عند أهل السنة المقصود بهم المعين من المسلمين، لكن مع ذلك أيضاً كلامهم يحكم غير المسلمين، فنحن نقول: إن الكافر الأصلي لا نشك في كفره وأنه من أهل النار، هذا حكم قاطع، اليهودي، النصراني، المشرك، المرتد، نحكم حكماً قاطعاً بأنه من أهل النار، هذا الحكم هو حكم الله ليس حكم أحد، بقي المعين الذي مات على الكفر ولم يرد عنه شيء بعينه لا في الكتاب ولا السنة، فهذا في الحقيقة نقول: الأصل فيه أنه كافر، لكن لا نجزم؛ لأننا لا ندري ما ختم الله له، فلا نجزم، لكن نحكم حكماً عاماً.
стр. 54
تكفير اليهود والنصارى
السؤال
ما صحة قول من يقول: إن اليهود والنصارى كفار من حيث الجملة، أما من حيث التعيين، فإن أهل العلم يقولون: لا يجوز التعيين إلا إذا مات اليهودي على الكفر، حينها يجوز تعيين اليهودي إذا مات على الكفر إلى آخره، فكيف نعلم بأن هذا اليهودي مات على الكفر أو غيره؟
الجواب
الحقيقة هناك فرق بين الحكم العام وبين الحكم الخاص هذا أمر.
الأمر الثاني: هناك فرق بين الحكم العام وبين الجزم.
الأمر الثالث: أننا لم نتعبد بإعلان الأحكام على الأفراد، والخوض في ذلك أظنه من البدع، لكن لو قلنا: اليهودي كافر والكافر إلى النار، والنصراني كافر والكافر إلى النار فجائز، أما أن نتجادل في إنسان بعينه باسمه فهذا من التكلف في الدين والتنطع، والقول على الله بغير علم، ومما لا يجوز أن تتعلق به همة المسلم أصلاً، فيجب أن يصرف المسلمون عن الكلام في مثل هذه الأمور، ومن أصر على ذلك أرى أنه يبدع؛ لأننا لم نكلف بالحكم على مصائر العباد على التعيين، إنما كلفنا بالحكم بحكم الله ، وليس لنا إلا الظاهر، والله أعلم.
стр. 55
شبهة أهل التعطيل للصفات أو للأسماء والصفات والرد عليها
السؤال
ما حجة أهل التعطيل عندما قالوا في أسماء الله وصفاته: إنه سميع بلا سمع، عليم بلا علم؟
الجواب
هذا كلام المعتزلة؛ لأنهم قالوا: إذا قلنا: لله سمع وعلم إلى آخره، فهذا يعني: تعدد الصفات، وتعدد الصفات عندهم يدل على تعدد الموصوف، لكن هذه قاعدة مريحة لشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: بعض الناس يتكلف في رد أصول أهل الباطل ظناً منه أن لها أصلاً، مع أن أصول أهل الباطل لا تعقل، فلا داعي أن نتكلف لردها؛ لأنك لو نظرت إليها بداهة لا يمكن أن يقرها العقل، لكن هؤلاء عقولهم غير سليمة، فلما كانت عقولهم غير سليمة بنوا أحكاماً غير سليمة؛ لو تأملناها لقلنا: كيف توصلت عقولهم التي يعتزون بها إلى هذا المقام من الخروج عن البدهيات ومصادمة العقل السليم والفطرة؟ فقول المعتزلة: إن تعدد الصفات يدل على تعدد الموصوف هل هذه قاعدة صحيحة؟ تأملوا، هل إذا تعددت الصفات صار الموصوف متعدداً، حتى في المخلوقات -ولله المثل الأعلى- الإنسان كم له من صفة؟! الجماد كم له من صفة؟! كل هذا بسبب أن نظرتهم لله نظرة تجريدية ليست حقيقية، فهم وقعوا في معضلة: إذا وصفوا الله بالصفات فلا بد أن تنطبق الصفات على ذلك، وهم يهربون من إثبات الذات، وعبروا عن هذا بمسألة تعدد الموصوف؛ لأنهم يقولون: لا بد أن تتجزأ الذات والله غير متجزئ، تعالى الله عما يقولون، هذه فلسفات وأوهام، فمن هنا أهل التعطيل ليس لهم من الحجج إلا الشبهات الواهية التي لا يقرها العقل، وأهم شيء عندهم وقاعدتهم في التعطيل: أن الصفات لا بد أن تدل على موصوف، وإذا تعددت الصفات تعددت الموصوفات، وهذا لا يجوز في حق الله، هذا بالنسبة للمعتزلة.
أما الجهمية فهم ينكرون ذات الله ، ولذلك أنكروا الأسماء والصفات، فقد قالوا: إن الاسم لا بد أن يدل على مسمى، والمسمى لا بد أن يكون له حقيقة ذاتية؛ ونظراً لأنه ليس لله عندهم حقيقة ذاتية فقد نفوا الأسماء والصفات بكل سهولة، يعني: المسألة ما فيها تعقيد في أولياتها، إنما التعقيد فيما يسلكونه من مسالك إلى مثل هذه الأمور التي تصادم البدهيات، نسأل الله العافية.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 56
شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [٦]
من خلال القراءة في كتب ابن عربي وأتباعه تتضح حقيقة مذهبهم، وما فيه من المخالفة للنصوص الشرعية، والمصادمة للفطرة السوية، فتجد التلبيس والتمويه والتحريف والقلب للحقائق التي لا تقبل الشك، من ذلك ثناؤهم على عبدة الأصنام، واعتقادهم إيمان فرعون مع تصريح الله بأنهم أكفر الكافرين، ومع هذا كله تجد من العوام والطغام من يصدق هؤلاء الزنادقة ويدافع عنهم، ويعتقد ولايتهم.
стр. 57
مقدمة بين يدي الكلام عن كتب ابن عربي الإلحادية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فسنقرأ المقطع الذي يتعلق بمذهب وحدة الوجود، وقبل أن نقرأ أحب أن أنبه إلى ما نبهت إليه سابقاً من أن في هذا المجلد بالذات سنكتفي بنماذج مما ذكره شيخ الإسلام عن أصحاب وحدة الوجود خاصة الرءوس الكبار، ونترك الباقي لأسباب من أهمها: أن الكلام مكروه، وأن سماعه في حد ذاته يؤلم ويدمي القلوب ويشوش؛ لأن الشيخ أراد بهذا الكلام الرد على طوائف معينة، ولا أرى بذلك أن يقرأ جميع المسلمين هذه الأمور ولا جميع طلاب العلم، إنما أراد الشيخ أن يبين حقيقة هؤلاء الزنادقة أصحاب وحدة الوجود والاتحاد والحلول، وأن يحذر الناس منهم، خاصة الذين اغتروا بهم، وأن يرد على مذاهبهم التي كانت موجودة في عصره ﵀، والآن نراها تنبعث من جديد، ولذلك سنقرأ هذا المقطع كأنموذج لمنهج ابن عربي، ثم نختار مقاطع أخرى لأئمة الضلال والزندقة الآخرين: التلمساني، ابن الفارض، القونوي، ابن سبعين، السهروردي المقتول، ونختار نماذج من مذاهبهم دون أن نتوقف عندها كثيراً، ثم نتجاوز هذا المجلد إلى مجلد آخر، وعلى هذا النحو نسير؛ لأنه ليس المقصود الاستقصاء، المقصود معرفة أصول هذه البدع والضلالات، وأحسن وسيلة للرد عليها هو كشفها، ثم نتجاوز ما فيه تكرار أو تعمق لا نحتاجه، بل ضرره أكثر من نفعه، فعلى هذا سنقرأ هذا المقطع لبيان أمور أنبهكم على ثلاثة منها: الأول: لتلاحظوا مدى التلبيس والخداع في مناهج هؤلاء الزنادقة وأساليبهم، كيف يلبسون الحق بالباطل، ويموهون على غير أهل العلم وعلى من لم يتمكنوا في العقيدة، يصورون الباطل المحض على أنه هو الحق.
الثاني: أننا إذا تأملنا هذه العبارات التي سنقرؤها نجد فيها عبرة وعظة، لنحمد الله على نعمة التوحيد والعقيدة، ولنعرف ضرورة النصح للأمة وتحذيرها من مثل هذه الأفكار، فإن في قراءة هذه الأفكار أو نماذج منها عبرة، ثم لنعرف مدى ضلال العقول إذا خذلها الله .
الثالث: أن هذه الأمور تخالف بدهيات يعرفها أبسط عوام الناس مخالفة صارخة، ومع ذلك يظنون أنها الهدى، وهذا دليل على أن من حجب الله الحق عن قلبه وطبع على قلبه أنه لا ينتفع بالهدى ولا بالنور الذي أنزله الله على رسوله ﷺ ، رغم أنه يستشهد بآيات وأحاديث، ويتقلب بين المسلمين ويسمع وتقام عليه الحجة، ومع ذلك يحجب الله قلبه عن الحق وكأنه لم يشاهد ولم يسمع ولم ير.
هذه نماذج لمذهب رجل واحد هو ابن عربي، يعتبر صاحب مدرسة وحدوية، فُتِنَ بها كثير من الناس، بل اشتبه أمر هذا الرجل -وهذا من العجائب نسأل الله السلامة والعافية- على بعض فضلاء أهل العلم.
стр. 58
الحكم على كتاب فصوص الحكم لابن عربي وذكر نماذج إلحادية فيه
يقول رحمه الله تعالى: [ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وهداة المسلمين في كتاب بين أظهر الناس، زعم مصنفه أنه وضعه وأخرجه للناس بإذن النبي ﷺ في منام زعم أنه رآه، وأكثر كتابه ضد لما أنزله، الله من كتبه المنزلة وعكس وضد عن أقوال أنبيائه المرسلة].
هذا الوصف ينطبق على أغلب كتب ابن عربي، لكن زعم في كتابين من كتبه أنهما عن النبي ﷺ ، الأول: كتاب (الوصاية) لـ ابن عربي، كتاب كبير زعم أنه روى مقاطع كبيرة منه عن النبي ﷺ ، فيه هذيان من الكفر والضلال، نسأل الله العافية، ويزعم أنه رواه عن النبي ﷺ وأنه استمده منه.
والكتاب الثاني: (فصوص الحكم) (فصوص الحكم) يعتبر خلاصة كتب ابن عربي الإلحادية الشركية، وله كتب كثيرة كلها مليئة بالباطل.
قال رحمه الله تعالى: [فمما قال فيه: إن آدم ﵇ إنما سمي إنساناً؛ لأنه للحق تعالى بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر.
وقال في موضع آخر: إن الحق المنزه هو الخلق المشبه].
يعني: الحق المنزه هو الله .
يقول: (هو الحق المشبه) يعني: المخلوق، انظروا إلى الكفر الصريح بدون التواء، بعبارة واضحة: الحق هو الخلق، هذا معنى كلامه، يعني: لا فرق بين الحق والخلق، ولذلك كما سيأتي جعل عبادة الأوثان هي حقيقة التوحيد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال في قوم نوح ﵇: إنهم لو تركوا عبادتهم لود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا لجهلوا من الحق بقدر ما تركوا من هؤلاء].
يعني: من الأشياء التي يمدح بها هؤلاء الوثنيون أنهم ما تركوا عبادة هذه الأصنام، فهو يثني عليهم بعبادة الأصنام، بل في (فصوص الحكم) صرح بذلك وزعم أن عباد الأوثان، والذين أنكروا الله مثل: فرعون، والذين تعالوا على الله ، والذين تكبروا وتجبروا هم أصحاب الحق، وأنهم أقرب إلى الحق من الأنبياء وأتباعهم، فهو يسمي الأنبياء وأتباعهم العامة والعوام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال: فإن للحق في كل معبود وجهاً، يعرفه من عرفه، ويجهله من جهله، فالعالم يعلم من عبد، وفي أي صورة ظهر حتى عبد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة.
ثم قال في قوم هود ﵇: بأنهم حصلوا في عين القرب، فزال البعد، فزال مسمى جهنم في حقهم، ففازوا بنعيم القرب من جهة الاستحقاق، مما أعطاهم هذا المقام الذوقي اللذيذ من جهة المنة، فإنما أخذوه بما استحقته حقائقهم من أعمالهم التي كانوا عليها، وكانوا على صراط الرب المستقيم.
ثم إنه أنكر فيه حكم الوعيد في حق كل من حقت عليه كلمة العذاب من سائر العبيد، فهل يكفر من يصدقه في ذلك أم لا، أو يرضى به منه أم لا؟ وهل يأثم سامعه إذا كان عاقلاً بالغاً ولم ينكره بلسانه أو بقلبه أم لا؟ أفتونا بالوضوح والبيان، كما أخذ الميثاق للتبيان، فقد أضر الإهمال بالضعفاء والجهال، وبالله المستعان وعليه الاتكال، أن يعجل بالملحدين النكال؛ لصلاح الحال، وحسم مادة الضلال].
يعني: السائل يسأل بحرقة؛ لأنه عبر عن أمر موجود بين من ينتسبون للعلم، وكأن التاريخ يعيد نفسه، اليوم بين المنتسبين للعلم من يغتر بمثل هذا الكفر، ويجعل له تأولات، ويقول: يمكن له وجه صحيح، أو يقول هذه وجهة نظر أو نحو ذلك من الأمور.
فقد وجد حتى في عهد شيخ الإسلام ابن تيمية من يصدق مثل هذا الكلام أو لا ينكره، أو يبحث ويسعى إلى المعاذير لهؤلاء الملاحدة الزنادقة، وهذا -نسأل الله العافية- من الضلال المبين، وهذه الأمور سيتكلم عنها الشيخ الآن بوضوح.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأجاب: الحمد لله، هذه الكلمات المذكورة المنكورة، كل كلمة منها هي من الكفر الذي لا نزاع فيه بين أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فضلاً عن كونه كفراً في شريعة الإسلام].
هذا الاستهلال في الرد منهج شرعي أصيل ينبغي أن يتنبه له طلاب العلم اليوم، لما كثر التميع والخذلان للحق من قبل أهل الحق، فينبغي لطالب العلم في مثل هذه الأمور الواضحة الخطأ الباطلة، ينبغي عند الرد أن يستهل الكلام بالألفاظ التي تنفر القارئ من الباطل، وذلك بألا نستعمل الأساليب التي استعملها بعض المعاصرين وسموها: أساليب التجرد، ويزعمون أن على الإنسان أن ينقل هذه المقولات ويحكيها كما يحكيها أصحابها، وكأنه يدعو إليها، هذا لا يجوز، بل الباطل البين والخطأ البين عندما نرد عليه سواء بكلام شفوي أو مكتوب لا بد أن يتضمن الرد التنفير من الباطل والترغيب في الحق، وكشف الباطل والدفاع عن الحق، فالشيخ قال: (هذه الكلمات المذكورة المنكورة كل كلمة منها) هذا كلام مجمل أراد به قبل أن يفصل أن يحصن القارئ من أن تدخل في قلبه هذه الشبهات، وهذا هو الأسلوب الشرعي، لا كما يفعله بعض المثقفين والمعاصرين وبعض الكتاب الإسلاميين من نقل كلام المخالف على عواهنه؛ خشية غضب أهل الباطل، أو يخشون من أن يكون للقارئ موقف، لا، بالعكس في الأمر ا
стр. 59
حقيقة مذهب ابن عربي والقونوي والتلمساني وابن سبعين وابن الفارض والششتري وأتباعهم
قال رحمه الله تعالى: [فإن صاحب هذا الكتاب المذكور الذي هو (فصوص الحكم) وأمثاله مثل صاحبه القونوي والتلمساني وابن سبعين والششتري وابن الفارض وأتباعهم مذهبهم الذي هم عليه أن الوجود واحد، ويسمون أهل وحدة الوجود، ويدعون التحقيق والعرفان، وهم يجعلون وجود الخالق عين وجود المخلوقات، فكل ما يتصف به المخلوقات من حسن وقبح ومدح وذم إنما المتصف به عندهم عين الخالق، وليس للخالق عندهم وجود مباين لوجود المخلوقات منفصل عنها أصلاً، بل عندهم ما ثم غير أصلاً للخالق، ولا سواه.
ومن كلماتهم: ليس إلا الله، فعباد الأصنام لم يعبدوا غيره عندهم؛ لأنه ما عندهم له غير؛ ولهذا جعلوا قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] بمعنى: قدر ربك ألا تعبدوا إلا إياه؛ إذ ليس عندهم غيره تتصور عبادته، فكل عابد صنم إنما عبد الله].
يعني: أنهم فسروا (قضى) بمعنى قدر، وتلاحظون الفرق بين القضاء والقدر؛ لأن قضى معناها في كتاب الله : شرع وأمضى ألا تعبدوا إلا إياه، لكن من البشر من عمل بمقتضى هذا الأمر ومنهم من لم يعمل، فهم فسروها بتفسير آخر، قالوا: إن الله قدر، يعني: إن الله كوناً وقدراً قدر ألا تعبدوا إلا إياه، فلذلك من عبد الأصنام فهو عابد لله؛ لأن ذلك كله من تخطيط الله، فعكسوا القضية تماماً وفسروا القضاء بمعنى القضاء الكوني القدري الذي لا يرد، فعلى هذا المعنى يكون الذين عبدوا غير الله إنما عبدوا الله بقضائه وقدره، وهذا لاشك أنه فهم منكوس، نسأل الله السلامة.
стр. 60
عقيدة ابن عربي وأتباعه في عبدة الأصنام وفرعون
قال رحمه الله تعالى: [ولهذا جعل صاحب هذا الكتاب عباد العجل مصيبين، وذكر أن موسى ﵇ أنكر على هارون ﵇ إنكاره عليهم عبادة العجل.
وقال: كان موسى أعلم بالأمر من هارون؛ لأنه علم ما عبده أصحاب العجل؛ لعلمه بأن الله قد قضى ألا يعبدوا إلا إياه، وما حكم الله بشيء إلا وقع، فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره، وعدم اتباعه، فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء.
ولهذا يجعلون فرعون من كبار العارفين المحققين، وأنه كان مصيباً في دعواه الربوبية، كما قال في هذا الكتاب: ولما كان فرعون في منصب التحكم صاحب الوقت، وأنه جار في العرف الناموسي لذلك، قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] أي: وإن كان الكل أرباباً بنسبة ما فأنا الأعلى منهم؛ بما أعطيته في الظاهر من الحكم فيهم.
ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله لم ينكروه، بل أقروا له بذلك وقالوا له: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢]، فالدولة لك، فصح قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وأنه كان عين الحق.
ويكفيك معرفة بكفرهم: أن من أخف أقوالهم أن فرعون مات مؤمناً، بريئاً من الذنوب كما قال، وكان موسى قرة عين لفرعون بالإيمان، الذي أعطاه الله عند الغرق، فقبضه طاهراً مطهراً ليس فيه شيء من الخبث؛ لأنه قبضه عند إيمانه قبل أن يكتسب شيئاً من الآثام، والإسلام يجب ما قبله].
المتأمل لهذا الكلام يعجب ليس فقط من قول ابن عربي فيه؛ لأن قوله مخالف لصريح النصوص، وليس فيه لبس ولا ريب ولا اشتباه، لكن العجب كيف ينطلي هذا الكلام على أناس يعدون من عقلاء البشر، فضلاً عن أن يكونوا من المسلمين؟ وكيف يكون لهذا الكلام أنصار؟ نسأل الله السلامة والعافية، يعني: كلام فيه قلب كامل للحقائق، لا نعرف أكفر من فرعون في البشرية جمعاء، ومع ذلك يقول هذا الكلام فيه.
بل له رسالة طبعها بعض المحتسبين في سبيل الشيطان، رسالة موجودة الآن مطبوعة اسمها: (إيمان فرعون) نسأل الله السلامة، يقرر هذا الكلام الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية.
فإذاً: ليس العجب من قائل هذا القول، لكن العجب أن ينطلي هذا الكلام الكفري على طوائف من المسلمين، يعني: لو اجتمع كثير من أهل البيان واللغة والفصاحة ليعبروا عن الكفر بأوضح من هذا التعبير ما استطاعوا، يعني: ليس فيه لا التباس ولا التواء يعني: قلب للحقائق وعكس للأمر تماماً بلسان عربي ظاهر بين ليس فيه شيء من العجمة أو الركاكة، بل أسلوبه أخاذ وعنده عربية جيدة، فيعبر بها عن الباطل تعبيراً ظاهراً لا يلتبس بالحق فهو باطل خالص.
стр. 61
بيان من يدخل في لفظ: آل
قال رحمه الله تعالى: [وقد علم بالاضطرار من دين أهل الملل المسلمين واليهود والنصارى أن فرعون من أكفر الخلق بالله، بل لم يقص الله في القرآن قصة كافر باسمه الخاص أعظم من قصة فرعون، ولا ذكر عن أحد من الكفار من كفره وطغيانه وعلوه أعظم مما ذكر عن فرعون.
وأخبر عنه وعن قومه أنهم يدخلون أشد العذاب، فإن لفظ آل فرعون كلفظ آل إبراهيم وآل لوط وآل داود وآل أبي أوفى، يدخل فيها المضاف باتفاق الناس، فإذا جاءوا إلى أعظم عدو لله من الإنس، أو من هو من أعظم أعدائه فجعلوه مصيباً محقًا فيما كفره الله به، علم أن ما قالوه أعظم من كفر اليهود والنصارى، فكيف بسائر مقالاتهم؟! وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الخالق تعالى بائن من مخلوقاته، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته].
стр. 62
تكفير السلف للجهمية فضلاً عن أصحاب وحدة الوجود
قال رحمه الله تعالى: [والسلف والأئمة كفروا الجهمية لما قالوا: إنه في كل مكان، وكان مما أنكروه عليهم أنه كيف يكون في البطون والحشوش والأخلية؟ تعالى الله عن ذلك، فكيف بمن يجعله نفس وجود البطون والحشوش والأخلية والنجاسات والأقذار؟ واتفق سلف الأمة وأئمتها أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وقال من قال من الأئمة: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهاً.
وأين المشبهة المجسمة من هؤلاء؟ فإن هؤلاء غاية كفرهم أن يجعلوه مثل المخلوقات، لكن يقولون: هو قديم وهي محدثة، وهؤلاء جعلوه عين المخلوقات، وجعلوه نفس الأجسام المصنوعات، ووصفوه بجميع النقائص والآفات التي يوصف بهما كل كافر، وكل فاجر، وكل شيطان، وكل سبع، وكل حية من الحيات، فتعالى الله عن إفكهم وضلالهم، وسبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً.
والله تعالى ينتقم لنفسه ولدينه ولكتابه ولرسوله ولعباده المؤمنين منهم.
وهؤلاء يقولون: إن النصارى إنما كفروا لتخصيصهم، حيث قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ﴾ [المائدة:١٧]، فكل ما قالته النصارى في المسيح يقولونه في الله، وكفر النصارى جزء من كفر هؤلاء.
ولما قرءوا هذا الكتاب المذكور على أفضل متأخريهم، قال له قائل: هذا الكتاب يخالف القرآن، فقال: القرآن كله شرك، وإنما التوحيد في كلامنا هذا.
يعني: أن القرآن يفرق بين الرب والعبد، وحقيقة التوحيد عندهم أن الرب هو العبد، فقال له القائل: فأي فرق بين زوجتي وبنتي إذاً؟ قال: لا فرق، لكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم.
وهؤلاء إذا قيل في مقالتهم: إنها كفر، لم يفهم هذا اللفظ حالها، فإن الكفر جنس تحته أنواع متفاوتة، بل كفر كل كافر جزء من كفرهم، ولهذا قيل لرئيسهم: أنت نصيري، فقال: نصير جزء مني، وكان عبد الله بن المبارك ﵀ يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية، وهؤلاء شر من أولئك الجهمية؛ فإن أولئك كان غايتهم القول بأن الله في كل مكان، وهؤلاء قولهم: إنه وجود كل مكان، ما عندهم موجودان، أحدهما حال والآخر محل].
стр. 63
قول أصحاب وحدة الوجود في آدم وعبدة الأصنام والرد عليهم
قال رحمه الله تعالى: [ولهذا قالوا: إن آدم من الله بمنزلة إنسان العين من العين، وقد علم المسلمون واليهود والنصارى بالاضطرار من دين المرسلين: أن من قال عن أحد من البشر إنه جزء من الله فإنه كافر في جميع الملل إذ النصارى لم تقل هذا، وإن كان قولها من أعظم الكفر، لم يقل أحد: إن عين المخلوقات هي جزء الخالق، ولا أن الخالق هو المخلوق، ولا الحق المنزه هو الخلق المشبه.
وكذلك قوله: إن المشركين لو تركوا عبادة الأصنام لجهلوا من الحق بقدر ما تركوا منها.
هو من الكفر المعلوم بالاضطرار من جميع الملل، فإن أهل الملل متفقون على أن الرسل جميعهم نهوا عن عبادة الأصنام، وكفروا من يفعل ذلك، وأن المؤمن لا يكون مؤمناً حتى يتبرأ من عبادة الأصنام، وكل معبود سوى الله، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤].
وقال الخليل ﵇: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٥ - ٧٧].
وقال الخليل ﵊: ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧].
وقال الخليل وهو إمام الحنفاء الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، واتفق أهل الملل على تعظيمه، لقوله: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٨ - ٧٩]، وهذا أكثر وأظهر عند أهل الملل من اليهود والنصارى فضلاً عن المسلمين من أن يحتاج أن يستشهد عليه بنص خاص، فمن قال: إن عباد الأصنام لو تركوهم لجهلوا من الحق بقدر ما تركوا من هؤلاء فهو أكفر من اليهود والنصارى، ومن لم يكفرهم فهو أكفر من اليهود والنصارى، فإن اليهود والنصارى يكفرون عباد الأصنام، فكيف من يجعل تارك عبادة الأصنام جاهلاً من الحق بقدر ما ترك منها؟ مع قوله: فإن العالم يعلم من عبد، وفي أي صورة ظهر حتى عبد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عبد غير الله في كل معبود، بل هو أعظم من كفر عباد الأصنام؛ فإن أولئك اتخذوهم شفعاء ووسائط، كما قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
وقال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر:٤٣].
وكانوا مقرين بأن الله خالق السماوات والأرض وخالق الأصنام، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨].
وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦].
قال ابن عباس ﵄: تسألهم: من خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: الله، ثم يعبدون غيره، وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم:٢٨]].
стр. 64
كفر أصحاب وحدة الوجود أعظم من كفر عباد الأصنام
قال رحمه الله تعالى: [وهؤلاء أعظم كفراً من جهة أن هؤلاء جعلوا عابد الأصنام عابداً لله لا عابداً لغيره، وأن الأصنام من الله بمنزلة أعضاء الإنسان من الإنسان، وبمنزلة قوى النفس من النفس، وعباد الأصنام اعترفوا بأنها غيره وأنها مخلوقة، ومن جهة أن عباد الأصنام من العرب كانوا مقرين بأن للسماوات والأرض رباً غيرهما خلقهما، وهؤلاء ليس عندهم للسماوات والأرض وسائر المخلوقات رب مغاير للسماوات والأرض وسائر المخلوقات، بل المخلوق هو الخالق.
ولهذا جعل قوم عاد وغيرهم من الكفار على صراط مستقيم، وجعلهم في عين القرب، وجعل أهل النار يتمتعون في النار، كما يتمتع أهل الجنة في الجنة.
وقد علم بالاضطرار من دين المسلمين أن قوم عاد وثمود وفرعون وقومه وسائر من قص الله قصته من الكفار أعداء الله، وأنهم معذبون في الآخرة، وأن الله لعنهم وغضب عليهم، فمن أثنى عليهم وجعلهم من المقربين ومن أهل النعيم فهو أكفر من اليهود والنصارى من هذا الوجه.
وهذه الفتوى لا تحتمل بسط كلام هؤلاء، وبيان كفرهم وإلحادهم؛ فإنهم من جنس القرامطة الباطنية والإسماعيلية الذين كانوا أكفر من اليهود والنصارى.
وأن قولهم يتضمن الكفر بجميع الكتب والرسل، كما قال الشيخ إبراهيم الجعبري لما اجتمع بـ ابن عربي صاحب هذا الكتاب، فقال: رأيته شيخاً نجساً، يكذب بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي أرسله الله.
وقال الفقيه أبو محمد بن عبد السلام لما قدم القاهرة وسألوه عنه، قال: هو شيخ سوء كذاب مقبوح؛ يقول بقدم العالم، ولا يحرم فرجاً.
فقوله: يقول بقدم العالم؛ لأن هذا قوله، وهذا كفر معروف، فكفره الفقيه أبو محمد بذلك، ولم يكن بعد ظهر من قوله: إن العالم هو الله، وإن العالم صورة الله، وهوية الله، فإن هذا أعظم من كفر القائلين بقدم العالم، الذين يثبتون واجب الوجود، ويقولون: إنه صدر عنه الوجود الممكن.
وقال عنه من عاينه من الشيوخ: إنه كان كذاباً مفترياً، وفي كتبه مثل: (الفتوحات المكية) وأمثالها من الأكاذيب ما لا يخفى على لبيب، هذا وهو أقرب إلى الإسلام من ابن سبعين ومن القونوي والتلمساني وأمثاله من أتباعه، فإذا كان الأقرب بهذا الكفر الذي هو أعظم من كفر اليهود والنصارى، فكيف بالذين هم أبعد عن الإسلام؟ ولم أصف عشر ما يذكرونه من الكفر.
ولكن هؤلاء التبس أمرهم على من لم يعرف حالهم، كما التبس أمر القرامطة الباطنية لما ادعوا أنهم فاطميون، وانتسبوا إلى التشيع، فصار المتبعون مائلين إليهم، غير عالمين بباطن كفرهم؛ ولهذا كان من مال إليهم أحد رجلين: إما زنديقاً منافقاً، وإما جاهلاً ضالاً].
هذا واقع الباطنية إلى اليوم، فالباطنية في جميع بقاع العالم الآن لهم أتباع من الدهماء والشعوب التي تعيش حولهم والقبائل، كما يحدث الآن من المكارمة، فالمكارمة الآن تنضوي تحت مذهبهم الباطل قبائل من قبائل العرب التي كانت على السنة والفطرة، لكنها جاهلة، وسبب اغترارهم بهم ما ذكره الشيخ: أولاً: أنهم لا يعرفونهم بحقائق عقيدتهم الصحيحة.
ثانياً: أنهم انتسبوا للتشيع وإلى آل البيت وأظهروا الغيرة على آل البيت.
ثالثاً: أنهم يستدرونهم بالعطاء والأساليب المغرية.
стр. 65
حكم الاتحادية ومن اعتذر عنهم
قال رحمه الله تعالى: [وهكذا هؤلاء الاتحادية فرءوسهم هم أئمة كفر يجب قتلهم، ولا تقبل توبة أحد منهم إذا أخذ قبل التوبة؛ فإنه من أعظم الزنادقة الذين يظهرون الإسلام ويبطنون أعظم الكفر، وهم الذين يفهمون قولهم ومخالفتهم لدين المسلمين، ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم أو ذب عنهم أو أثنى عليهم أو عظم كتبهم أو عرف بمساعدتهم ومعاونتهم، أو كره الكلام فيهم، أو أخذ يعتذر لهم بأن هذا الكلام لا يدرى ما هو، أو من قال: إنه صنف هذا الكتاب؟ وأمثال هذه المعاذير التي لا يقولها إلا جاهل أو منافق، بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم، ولم يعاون على القيام عليهم، فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات؛ لأنهم أفسدوا العقول والأديان على خلق من المشايخ والعلماء والملوك والأمراء، وهم يسعون في الأرض فساداً، ويصدون عن سبيل الله.
فضررهم في الدين أعظم من ضرر من يفسد على المسلمين دنياهم، ويترك دينهم كقطاع الطريق، وكالتتار الذين يأخذون منهم الأموال ويبقون لهم دينهم، ولا يستهين بهم من لم يعرفهم، فضلالهم وإضلالهم أعظم من أن يوصف، وهم أشبه الناس بالقرامطة الباطنية.
ولهذا هم يريدون دولة التتار، ويختارون انتصارهم على المسلمين، إلا من كان عامياً من شيعهم وأتباعهم؛ فإنه لا يكون عارفاً بحقيقة أمرهم.
ولهذا يقرون اليهود والنصارى على ما هم عليه، ويجعلونهم على حق، كما يجعلون عباد الأصنام على حق، وكل واحدة من هذه من أعظم الكفر، ومن كان محسناً للظن بهم وادعى أنه لم يعرف حالهم عرف حالهم، فإن لم يباينهم ويظهر لهم الإنكار، وإلا ألحق بهم وجعل منهم.
وأما من قال: لكلامهم تأويل يوافق الشريعة، فإنه من رءوسهم وأئمتهم، فإنه إن كان ذكياً فإنه يعرف كذب نفسه فيما قاله، وإن كان معتقداً لهذا باطناً وظاهراً فهو أكفر من النصارى، فمن لم يكفر هؤلاء وجعل لكلامهم تأويلاً كان عن تكفير النصارى بالتثليث والاتحاد أبعد.
والله أعلم].
نسأل الله العافية والسلامة، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 66
الأسئلة
стр. 67
معنى التجرد عند الأدباء المعاصرين وبيان أنواعه
السؤال
يوجد عند بعض الأدباء استدراكات في أي نص أدبي، بحجة أن على الأديب أن يتجرد من جميع العواطف حتى يكون موضوعياً، فما حكم ذلك؟
الجواب
التجرد الذي يدعو إليه الأدباء على نوعين: غالبهم يقصدون بالتجرد التجرد من كل شيء حتى من الحق ومن العقيدة، ألا يكون لك عقيدة ولا رأي، ولا تستند على الوحي، وعليك أن تنظر إلى النص نظرة من موازين أدبية أو عرفية عندهم، وهذا يصل إلى الكفر، وأحياناً يقصدون بالتجرد التجرد من أن يكون لك موقف شخصي تجاه القضية، وهذا حق.
وأغلب الأدباء الكفار الذين ليس لهم دين ولا عقيدة، والذين ما عندهم موازين الحق، يتجردون حتى من عقائدهم الباطلة، فهذا طبيعي.
أما المسلم فلا يجوز له أن يتجرد من دينه وعقيدته.
إذاً: دعوة الأدباء أغلبها دعوة باطلة وليست على وجهها الصحيح.
стр. 68
الحكم على الحداثيين
السؤال
هل يعتبر الحداثيون في هذا العصر من أتباع أهل وحدة الوجود؟
الجواب
نعم، كبار الحداثيين مؤسسي الحداثة في العصر الحديث الأحياء منهم وكذلك الذين هلكوا من أشكال ابن عربي وأمثاله ينتسبون للباطنية انتساباً وديناً، كذلك كبار الحداثيين الذين تصدروا الحداثة في العصر الحديث هم من هذا الصنف، أما بقية الحداثيين الذين يعيشون بين ظهرانينا إما مقلدة وجهال، وإما ممن يطبلون وراء هذه المذاهب الباطلة وهم يعلمون أنها باطلة، وما يذهب مع الحداثيين إلا إنسان ليس في قلبه إسلام صحيح، هذا الذي يظهر لي من خلال استقراء أحوالهم، ويظهر من قرائن أحواله وكتاباته أنه منافق، اللهم إلا القليل ممن قد يتناولون الحداثة من جانب أدبي، لكنهم ينغمسون في الإلحاد ولا يشعرون أنه إلحاد، فما أدري هذا الصنف ماذا أحكم عليه؟ وكيف نتصرف معه أو نصنف حاله؟ لأن أمره عجيب، يعني: يوجد من الأدباء الصغار ممن يدور حول هؤلاء الحداثيين الزنادقة وهو معجب بهم، لكن قد لا يكون عنده كفريات مثلهم، فهذا أمره يحير؛ لأنك تجده يقرأ نصاً كفرياً ويدندن حوله، ويمدح ويثني على أسلوب الكاتب، والمعاني التي وراء هذه العبارات ونحو ذلك، فأمر هذا الصنف في الحقيقة وإن كان قليلاً عجيب جداً، وقد قلوا في الآونة الأخيرة، أما البقية فهم من الحداثيين الأصليين الذين ينتمون إلى هذه المذاهب الخبيثة.
стр. 69
طلب الهداية من الله
أحب أن أختم الموضوع الذي قرأناه قبل قليل بالتنبيه على أمر أشرت إليه في أول الحديث، والمناسب أن نختم به، وهو أن مسألة ظهور هذا الباطل ووجود من يغتر به أو أن يوجد له أتباع ممن ينتسبون للإسلام هذا أمر ليس بغريب، إذا عرفنا أن مسألة الهداية والتوفيق لا دخل للعقول بها، وأن الله إذا كتب الضلال على إنسان فلن تجد له ولياً مرشداً، مهما كان قوة عقله وإدراكه وعلمه، ولذلك ينبغي للمسلم دائماً أن يسأل الله العافية، وأن يدعو: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، وألا يغتر بعقله ولا بعلمه، إنما يلجأ إلى الله ، ومثال ذلك مثال واضح: أن الله عندما يبعث الناس يوم القيامة ويشهدون مشاهد القيامة المرعبة الرهيبة ثم يدخل أهل النار النار نسأل الله العافية، يتمنى الواحد منهم أن يرد إلى الدنيا، لماذا؟ ليعمل صالحاً، ومع ذلك قال الله : ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، كيف بإنسان عاش أهوال القيامة ألف عام في المحشر، ثم رأى ما رأى من انقلاب الأمور الكونية، ثم النار الشديدة العذاب، ويتمنى أن يرجع ليعمل صالحاً ومع ذلك يقول الله عنهم: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨] بهذا تدرك أن الأمور كلها بيد الله وحده، وأنك لابد أن تعتصم بالله سبحانه، وأن الهداية بيد الله، لا دخل لقدرة البشر ولا عقولهم ولا علمهم ولا إمكاناتهم بذلك.
ونسأل الله للجميع الهداية والتوفيق والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 70
شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [٧]
لقد تصدى علماء السلف لمقولات المبتدعة المخالفة للعقيدة الصحيحة، فقد تصدى شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لتفنيد مقولات ابن عربي وأتباعه الإلحادية، التي تفضي إلى وحدة الوجود، فهم لا يرون الخالق متميزاً عن المخلوق، وأصحاب وحدة الوجود فلاسفة دهرية، وقد أثرت مقولاتهم على عوام الناس، وتأثروا بأصحابها، واعتقدوهم أولياء لله تعالى وهم أولياء للشيطان، فكان لزاماً على العلماء أن يقوموا بواجب البيان لما عليه هؤلاء الزنادقة من الإلحاد والاتحاد، حتى يحذر المسلم من الوقوع في الكفر والزندقة.
стр. 71
الرد على مقالة ابن عربي وغيره أن المعدوم شيء ثابت في العدم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فدرس اليوم سيكون فيما يتعلق برد شيخ الإسلام على أهل الإلحاد والحلول والاتحاد، وسنجد أنه كرر كثيراً من المسائل، وأحياناً يستطرد استطرادات في مسائل أجمل فيها في مواضع أخرى، فمن هنا سننتقي من خلال هذا المجلد مواضيع معينة تتعلق بأهم مناهج أهل الحلول والاتحاد، وأهم أشخاصهم الذين تأثرت بهم طوائف من هذه الأمة، وعلى رأسهم ابن عربي، وقرأنا في الدرس الماضي جملة مما قاله ابن عربي، واليوم أيضاً نعرج على جزء آخر مما عرضه شيخ الإسلام ابن تيمية من مقالة ابن عربي، ثم ننتقل بعد ذلك إلى آخرين، ما سنبدأ به هذه المقالة من مقالات ابن عربي والرد عليها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [المقالة الأولى: مقالة ابن عربي صاحب (فصوص الحكم).
وهي مع كونها كفراً فهو أقربهم إلى الإسلام؛ لما يوجد في كلامه من الكلام الجيد الكثير؛ ولأنه لا يثبت على الاتحاد ثبات غيره، بل هو كثير الاضطراب فيه، وإنما هو قائم مع خياله الواسع الذي يتخيل فيه الحق تارة والباطل أخرى.
والله أعلم بما مات عليه فإن مقالته مبنية على أصلين.
أحدهما: أن المعدوم شيء ثابت في العدم، موافقة لمن قال ذلك من المعتزلة والرافضة].
سيكرر الشيخ مسألة: أن المعدوم شيء ثابت في العدم، وهذه المسألة من الناحية العقلية والبدهية غير معقولة وغير سائغة؛ لأن العدم ما سمي عدماً إلا لأنه لا يقبل الوصف في الوجود أصلاً، والثبوت لا يوصف به العدم، فقولهم: إن المعدوم شيء ثابت في العدم.
راجع إلى أنهم يعتقدون أن الوجود كله إنما يكون من عناصر أولية، وهذه العناصر الأولية يعبرون عنها بالعدم، ومع أن هذا من الناحية العقلية غير معقول لكن هذه مقولتهم؛ لأنهم لا يعتقدون لله تميزاً عن المخلوقات، أو زعموا أن المعدوم شيء ثابت في العدم وهو العناصر الأولية للوجود؛ لأنهم لا يؤمنون بأن الله يخلق من اللا شيء شيئاً؛ لأن هذا يؤدي إلى تميز المخلوق عن الخالق وهم لا يرون التميز، ولذا لا يرون الخالق متميزاً عن المخلوق، فهم دهرية، لكنهم أرادوا أن يحموا أنفسهم من نتائج الإلحاد في وقت عز الإسلام والمسلمين، فتلونوا بهذا التلون، وإلا فهم فلاسفة دهرية أصحاب وحدة وجود لا يرون للخالق تميّزاً، فإنهم لو قالوا: إن هناك شيئاً اسمه عدم، للزم أن يكون الله خلق من العدم أو من اللا شيء، ولزم أن الخالق غير المخلوق وأن المخلوق غير الخالق، وهم لا يقولون بذلك، يقولون: ما الخلق إلا مظهر من مظاهر الخالق، فعلى هذا أنكروا أن يكون المعدوم عدماً، إنما قالوا: هو ثابت في العدم.
قال رحمه الله تعالى: [وأول من ابتدع هذه المقالة في الإسلام أبو عثمان الشحام شيخ أبي علي الجبائي، وتبعه عليها طوائف من القدرية المبتدعة من المعتزلة والرافضة، وهؤلاء يقولون: إن كل معدوم يمكن وجوده، فإن حقيقته وماهيته وعينه ثابتة في العدم].
يعني: هم يرون أن عناصر الخلق موجودة قبل ظهور الخلق، لم يوجدها الله من لا شيء، فهي عناصر موجودة، وهذا هو المذهب الذي يقوم عليه أغلب النظريات الغربية اليوم، لذلك أصحاب العلم الحديث قامت أكثر نظرياتهم على إنكار الغيب، ولا يرون أن الموجودات وجدت من العدم، وأن جميع الموجودات ما وجد منها وما سيوجد عناصره موجودة أصلاً في الكون، وليس لله فضل ولا لخلقه ميزة في إيجاده للخلق، إنما الخلق وجد بموجب عناصر معينة بها تكونت المخلوقات.
وهذا مذهب فلسفي قامت عليه الوثنية اليونانية والرومانية القديمة، وارتكزت عليه أيضاً العلمانية الحديثة، التي قامت على إثرها النهضة المدنية الحديثة في الغرب، ولذلك تجدون أن المدنية الحديثة غير متوازنة؛ لأنها قامت على إشباع المادة دون الروح، وقامت على إنكار الوحي وإنكار الحق، واستعلت وبطرت وظنت أنها انتصرت على الحق؛ لأنها قامت على جهودهم العلوم التجريبية الحديثة، فظنوا أن أسس هذا العلم إنما هي مادية بحتة وليس وراءها أي أمر من أمور الغيب.
قال رحمه الله تعالى: [لأنه لولا ثبوتها لما تميز عن المعلوم المخبر عنه من غير المعلوم المخبر عنه، ولما صح قصد ما يراد إيجاده؛ لأن القصد يستدعي التمييز، والتمييز لا يكون إلا في شيء ثابت.
لكن هؤلاء وإن ابتدعوا هذه المقالة التي هي باطلة في نفسها، وقد كفّرهم بها طوائف من متكلمة السنة، فهم يعترفون بأن الله خلق وجودها، ولا يقولون: إن عين وجودها عين وجود الحق.
وأما صاحب الفصوص وأتباعه فيقولون: عين وجودها عين وجود الحق، فهي متميزة بذواتها الثابتة في العدم، متحدة بوجود الحق القائم بها، وعامة كلامه ينبني على هذا لمن تدبره وفهمه.
وابن عربي إذا جعل الأعيان ثابتة لزمه وجود كل ممكن، وليس هذا قول المعتزلة، فهذا فرق ثالث.
وهؤلاء القائلون بأن المعدوم شيء ثابت ف
стр. 72
الرد على مقالة أن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته وأن الوجود صفة للموجود
قال رحمه الله تعالى: [وإن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته، وقد يقولون: الوجود صفة للموجود.
وهذا القول وإن كان فيه شبه بقول القائلين بقدم العالم، أو القائلين بقدم مادة العالم وهيولاه المتميزة عن صورته فليس هو إياه].
يعني: هذا قول الفلاسفة، ولذلك ندرك جيداً وبدون أي تكلف أن مذاهب هؤلاء كـ ابن عربي والتلمساني والقونوي وابن سبعين والسهروردي المقتول وكل هؤلاء ما جاءوا بجديد، مذاهبهم موجودة عند فلاسفة اليونان والرومان والصابئة، وفلاسفة المجوس، وفلاسفة الهنود، وإنما هؤلاء أعطوها صفة الألفاظ والمعاني الشرعية، ونسبوها إلى الإسلام فقط، وإلا فهم لم يأتوا بجديد.
قال رحمه الله تعالى: [وإن كان بينهما قدر مشترك؛ فإن هذه الصورة المحدثة من الحيوانات والنبات والمعادن ليست قديمة باتفاق جميع العقلاء، بل هي كائنة بعد أن لم تكن.
وكذلك الصفات والأعراض القائمة بأجسام السماوات والاستحالات القائمة بالعناصر، من حركات الكواكب، والشمس، والقمر، والسحاب، والمطر، والرعد، والبرق وغير ذلك، كل هذا حادث غير قديم، عند كل ذي حس سليم؛ فإنه يرى ذلك بعينه.
والذين يقولون بأن عين المعدوم ثابتة في القدم، أو بأن مادته قديمة، يقولون بأن أعيان جميع هذه الأشياء ثابتة في القدم، ويقولون: إن مواد جميع العالم قديمة دون صوره.
واعلم أن المذهب إذا كان باطلاً في نفسه لم يمكن الناقد له أن ينقله على وجه يتصور تصوراً حقيقياً؛ فإن هذا لا يكون إلا للحق].
هذه قاعدة عظيمة لمن تأملها، وهذا الأمر هو الذي يجعل الباطل يلتبس على عامة العقلاء إذا لم يوفقهم الله لبصيرة نافذة وللاهتداء بهدى الله ، وهذه الأمور مع أنها تصادم البديهة فإنها تلبس؛ لأنه لا يتصور أن عاقلاً يقول بهذا القول، فيظن أن لقوله وجهاً آخر فيلتبس عليه الأمر، وإلا هل يعقل أن مواد جميع العالم أزلية تماثل الله ؟ هذا مستحيل؛ لأنه لا يمكن أن يكون الموجود إلا عن خالق أزلي لا بداية له كما وصفه النبي ﷺ ، بأنه الأول الذي ليس قبله شيء.
إذاً: هذه قاعدة في أكثر أمور الباطل، يقول: (واعلم أن المذهب إذا كان باطلاً في نفسه لم يمكن الناقد له أن ينقله على وجه يتصور تصوراً حقيقياً) لماذا؟ لأنك كيف تستطيع أن تتصور الباطل وهو باطل؟ لا تستطيع أن تتصور الباطل الذي لا حقيقة له تصويراً ينبئ عنه إلا بضده؛ فلذلك لا يتصور الباطل إلا بتصور الحق، فإذا ثبت الحق في قلب الإنسان عرف الباطل؛ لأن الباطل لا يُعقل ولا يُعقل إلا الحق، إنما يتوهم الباطل توهماً.
إذاً: الباطل أوهام، سواء في نفس القائلين به أو في نفس السامعين له، أو فيمن يريد أن يعبّر عن الباطل حتى ولو كان من أصحاب الحق لا بد أن يعبّر أنه أوهام؛ لأن الباطل وهم، هذه الفلسفة وإن كانت صعبة، لكنها بدهية لمن تأملها على سعة؛ ولذلك مثل هذه العبارة يجب أن تأملوها على سعة من وقتكم.
فقوله: (واعلم أن المذهب إذا كان باطلاً في نفسه) يعني: أحياناً يكون الأمر فيه التباس، فالالتباس يوجد عند الإنسان، فهو يرى الحق من جهة، ويلتبس عليه الباطل من جهة أخرى، لكن المذهب إذا كان باطلاً في نفسه لم يمكن الناقد له، بل حتى المتكلم به أو المعبّر عنه أن ينقله على وجه يتصور تصور حقيقاً إلا على وجه الخيال والتوهم؛ لأن الباطل كله وهم، وليس له حقيقة، وليست الحقيقة إلا للحق.
стр. 73
منشأ اشتباه الباطل على أهل الباطل
قال رحمه الله تعالى: [فأما القول الباطل فإذا بُيّن فبيانه يظهر فساده، حتى يقال: كيف اشتبه هذا على أحد؟ ويتعجب من اعتقادهم إياه، ولا ينبغي للإنسان أن يعجب، فما من شيء يتخيل من أنواع الباطل إلا وقد ذهب إليه فريق من الناس؛ ولهذا وصف الله أهل الباطل بأنهم أموات، وأنهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة:١٨]، وأنهم لا يفقهون، وأنهم لا يعقلون، وأنهم في قول مختلف، يؤفك عنه من أفك، وأنهم في ريبهم يترددون، وأنهم يعمهون، وإنما نشأ والله أعلم الاشتباه على هؤلاء من حيث رأوا أن الله سبحانه يعلم ما لم يكن قبل كونه أو ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] فرأوا أن المعدوم الذي يخلقه يتميز في علمه وإرادته وقدرته؛ فظنوا ذلك لتميز ذات له ثابتة، وليس الأمر كذلك].
من الأمور التي ينبغي أن نفهمها من مثل هذه المقالات، وهي متقررة في الكتاب والسنة أنه يجب أن نفرق في فهم الحق بين الحقائق العلمية المشاهدة والمعلومة بالتجربة وبالحواس، وبين الحقائق الغيبية، فالحقائق العلمية التجريبية سواء في سلوك الإنسان، أو في العلم التجريبي، أو في أي أمر من أمور الشهادة وسيلتها مدارك الإنسان، سواء كان مسلماً أو كافراً، فكل إنسان يدرك بعقله أن (١+١=٢) هذه مسألة لا تحتاج أن يتميز بها المهتدي عن الضال، وكل إنسان يدرك أن هناك فرقاً بين اللون الأبيض واللون الأسود، إذا كانت عنده الحاسة التي يدرك بها.
وإذا كانت عنده حاسة الشم فإنه يستطيع أن يدرك المشموم الطيب من المشموم الخبيث، ولا أحد ينازعه في ذلك وهكذا.
فالمدركات التي تخضع للحواس حقائقها تدرك بوسائلها التي أعطاها الله للبشر، لكن المدركات الغيبية ليس لها إلا طريق واحد، وهذا الطريق لا يمكن أن يصل إليه الإنسان إلا بتوفيق الله والتزام الوحي، بهداية من الله، وإذا حجبه الله عن الهداية ولم يلتزم بالوحي فمهما أوتي من العقل والذكاء والقدرات العلمية والعلوم التجريبية فلن يصل إلى حقيقة غيبية أبداً، لا يثبتها ولا ينفيها، لا يستطيع بهذه الوسائل مهما كانت جبّارة عند الإنسان، لو اجتمعت قوى البشر كلهم لا يمكن أن ينفوا حقيقة من حقائق الغيب، ولا أن يثبتوها بدون الوحي، وهذا هو الفارق بين الحقائق.
إذاً: لا ينبغي للإنسان أن يعجب من وقوع هؤلاء في مخالفة البدهيات؛ لأنهم أضلهم الله، بل عليه أن يسأل ربه العافية والهداية والتوفيق؛ فقد كان النبي ﷺ وهو المعصوم المحفوظ بحفظ الله يقول: (يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك).
فالإنسان إذا انقلب قلبه عن الهدى إلى الباطل لا يدرك البدهيات الغيبية أبداً، حتى وإن كانت بدهية، حتى فيما يتعلق بالله وبوجوده قد يوجد من الناس من ينقلب فكره وعقله وتفكيره حتى ينكر ربما ذاته هو، فقد وجد من الفلاسفة المشائين من أحدثوا فلسفة يعتقد فيها بعضهم أن وجودك أنت فيه شك، وهذا المذهب وجد عند الغربيين، فعندهم أنك يا من تعبر عن نفسك أن تفترض أن وجودك فيه شك، هذه مخالفة للبدهيات.
فإذاً يجب على المسلم دائماً وطالب العلم بخاصة أن يستحضر هذا الأمر، وهو أنه لا يعجب من وجود أناس قد ينتسبون للحق، وقد يقولون بأنهم مسلمون، وقد يقولون بأنهم أهل علم وفقه ودراية، ومع ذلك يذهلون عن البدهيات الشرعية؛ لأن إدراكها إنما يكون بتوفيق الله ، لا بمدارك الإنسان، فإذا رأى مثل هذه الأمور فيجب على المسلم أن يستحضر سؤال ربه العافية، وأن يسأل الله الثبات على الحق والهدى.
قال رحمه الله تعالى: [وإنما هو متميز في علم الله وكتابه، والواحد منا يعلم الموجود والمعدوم الممكن].
يعني: نحن لا نعلم الموجود كله، إنما نعلم معنى كلمة الوجود، الواحد منا يعلم معنى الوجود، أو معنى الموجود ومعنى المعدوم، يعني: التصور الذهني، فإذا عرفنا أن لغة أي إنسان مؤدية إلى التعبير عن المفاهيم، فإنا نعلم أن التعبير عن المعدوم المقصود به عكس الموجود، وهو اللا شيء، وهو العدم المحض؛ لأنه لا يسمى المعدوم معدوماً إلا إذا كان غير موجود.
قال رحمه الله تعالى: [والواحد منا يعلم الموجود والمعدوم الممكن والمعدوم المستحيل].
هذا على حسب المدارك العقلية.
قال رحمه الله تعالى: [ويعلم ما كان كآدم والأنبياء، ويعلم ما يكون كالقيامة والحساب].
قوله: (يعلم) هنا بمعنى أنه يتصور، وليس بمعنى أنه يعلم بدون تعليم، نحن ما علمنا آدم والأنبياء، ولا علمنا القيامة والحساب إلا بما علمنا الله عن طريق كتابه وسنة رسوله ﷺ .
إذاً: قصد الشيخ هنا بقوله: (يعلم) بمعنى أنه يتخيل ويتصور ما ورد في الخطاب الشرعي، فلما جاءنا في الخطاب الشرعي خبر عن آدم علمنا بوجود آدم، وتخيلنا لآدم صورة، وكل منا الآن في ذهنه صورة عن آدم، وهي تقرب إلى الحقيقة، الصورة الإجمالية أما الصورة التفصيلية لا تكون إلا لمن رأى ونحن لم نر، إنما آمنا بالغيب، ونسأل الله أن يثبتنا على ذلك.
стр. 74
بطلان حديث: (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين)
قال رحمه الله تعالى: [وأما ما يرويه هؤلاء الجهال كـ ابن عربي في الفصوص وغيره من جهّال العامة: (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين، كنت نبياً وآدم لا ماء ولا طين) فهذا لا أصل له ولم يروه أحد من أهل العلم الصادقين، ولا هو في شيء من كتب العلم المعتمدة بهذا اللفظ، بل هو باطل؛ فإن آدم لم يكن بين الماء والطين قط، فإن الله خلقه من تراب، وخلط التراب بالماء حتى صار طيناً، وأيبس الطين حتى صار صلصالاً كالفخار فلم يكن له حال بين الماء والطين مركب من الماء والطين، ولو قيل: بين الماء والتراب لكان أبعد عن المحال، مع أن هذه الحال لا اختصاص لها، وإنما قال: (بين الروح والجسد)، وقال: (وإن آدم لمنجدل في طينته)؛ لأن جسد آدم بقي أربعين سنة قبل نفخ الروح فيه، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان:١] الآية.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ﴾ [الحجر:٢٨] الآيتين.
وقال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧] الآيتين.
وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧١] الآية.
والأحاديث في خلق آدم ونفخ الروح فيه مشهورة في كتب الحديث والتفسير وغيرهما، فأخبر ﷺ أنه كان نبياً، أي: كتب نبياً وآدم بين الروح والجسد، وهذا -والله أعلم- لأن هذه الحالة فيها يقدر التقدير الذي يكون بأيدي ملائكة الخلق، فيقدّر لهم ويظهر لهم ويكتب ما يكون من المخلوق قبل نفخ الروح فيه].
نخلص من هذا بنتيجة هي الفارق بين فهم أهل الحق وبين فهم كثير من الباطنية والفلاسفة والصوفية في مسألة النبوة، فهؤلاء الذين اعتقدوا الباطل في النبوة زعموا أن نبوة النبي ﷺ حاصلة فعلاً قبل خلق آدم، وأخذوا بظواهر هذه النصوص، وبنصوص أخرى ضعيفة ومكذوبة، وما علموا أن مسألة تقدير الله للأشياء غير مسألة الحصول، بما في ذلك نبوة النبي ﷺ ، والدليل على هذا نصوص أخرى، فإنه فرق بين تقدير النبوة وبين حصولها، أما التقدير والكتابة لنبوة النبي ﷺ فهي كغيرها من المقادير، قدره الله قبل خلق آدم، لكن حصولها لم يحدث إلا بعدما قدر الله للنبي ﷺ أن يكون نبياً، واصطفاه بعد أن بلغ أربعين سنة، والنبي ﷺ قبل ذلك لم يكن نبياً، نعم قدر الله في القدر السابق أنه سيكون نبياً إذا جاء وقت نبوته، ولذلك يجب أن نفرّق، وهذا في كثير من التوهمات التي عند الصوفية خاصة في الولاية والنبوة والوحي وأشياء كثيرة، لذلك اعتقدوا للمشركين الولاية؛ لأنهم يعتقدون أن سلسلة النبوة تسلسلت بالوراثة والولادة من آدم إلى محمد ﷺ ، وحكموا على كل هذه السلسلة بأنهم لا بد أن يكونوا من أهل الجنة وأن يكونون أولياء، بل يكونون أنبياء، بل إن الرافضة وحتى الصوفية جعلوا النبوة تورث حتى بعد النبي ﷺ على وجه آخر، هؤلاء يسموها الإمامة، وهؤلاء يسموها الولاية، بناء على فلسفة كل طائفة، وأن القداسة موروثة لا بد أن تورث، فجاء هذا المذهب ودخل على الأدباء ودخل على الفلاسفة، ودخل على الفرق، ودخل على الصوفية، ودخل على كثير ممن ينتسبون للإسلام من فرق المسلمين، وذلك أنهم لم يفرقوا بين التقدير السابق وبين حصول القدر، التقدير السابق أن الله قدّر للنبي ﷺ النبوة كما قدّر جميع أقدار الخلق قبل خلق آدم، لكن حصول النبوة لم يكن للنبي ﷺ إلا حينما اصطفاه الله ، ولذلك الله وصف النبي ﷺ قبل النبوة بصفات: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢] ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧] يعني: ما كان النبي ﷺ يدري ما الكتاب ولا الإيمان، فلو كان مشتملاً على النبوة لعلم، لكن ما اشتمل على النبوة إلا بعدما اصطفاه الله وكذلك بقية الأنبياء.
إذاً: يجب أن نفرق بين تقدير النبوة قدراً، وبين حصولها فعلاً كسائر المقدرات في أقدار الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما أخرج الشيخان في الصحيحين وفي سائر الكتب الأمهات حديث الصادق المصدوق، وهو من الأحاديث المستفيضة التي تلقاها أهل العلم بالقبول، وأجمعوا على تصديقها، وهو حديث الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله الملك فيؤمر بأربع كلمات فيق
стр. 75
حقيقة المعدومات
قال رحمه الله تعالى: [وهذه المعدومات الممتنعة ليست شيئاً باتفاق العقلاء مع ثبوتها في العلم، فظهر أنه قد ثبت في العلم ما لا يوجد وما يمتنع أن يوجد؛ إذ العلم واسع، فإذا توسع المتوسع وقال: المعدوم شيء في العلم، أو موجود في العلم، أو ثابت في العلم فهذا صحيح، أما أنه في نفسه شيء فهذا باطل، وبهذا تزول الشبهة الحاصلة في هذه المسألة].
نعود إلى معنى العلم هنا؛ لأن كلام الشيخ في الحقيقة مشكل، لو أُخذ على ظاهره لقلنا: هذا باطل، لكن السياق يدل على قصد الشيخ، فمثلاً قوله: (وهذه المعدومات) إلى آخره، ثم قوله في السطر الثاني صفحة (١٤٦): (ويعلم أحدنا ما لم يكن لو كان كيف سيكون) هذا معناه علم الخيال وليس علم الحقيقة، فنحن لا نعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، أو أن في العبارة خللاً وسقطاً؛ لأن هذا التعبير يقال في حق الله ، الله هو الذي يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، فإما أن يكون في العبارة سقط، أو أن الشيخ قصد العلم التخيلي، ونقارنه بنفس الصفحة التي نحن فيها (١٥٥).
وقوله: (إذا توسع المتوسع وقال: المعدوم شيء في العلم) يعني: في التخيل، فأنت عندما تقول كلمة في تعبيرك عن المعدوم تدل على مفهوم معيّن، هذا المفهوم سماه الشيخ علماً لا حقيقة، يعني: علم خيالي، أن تتخيل ما معنى كلمة معدوم وما معنى كلمة موجود؛ لأنها عبارات تعبّر عنها، ويؤيد هذا قوله: (أما أنه في نفسه شيء) يعني: المعدوم (فهذا باطل).
وأما كونك تعلم معنى كلمة معدوم ومعنى كلمة موجود فلا شك أنك ما عبّرت عنها إلا لأن في ذهنك عنها خيالاً، وتعلم عنها مفهوماً، فالشيخ يقصد المفهوم لا الحقيقة، والمفاهيم لا حجر لها، فالإنسان إذا تكلم عن الخيالات فهم لها مفاهيم خيالية في ذهنه، فهذه تسمى تخيلات أو تسمى تصورات، لكن ليست حقائق إلا إذا كانت تنطبق على معلوم بالحواس أو معلوم بخبر الله وخبر رسوله ﷺ .
أما الأمثلة التي أوردها بعد ذلك في الآيات فقصده أنه سيعلم أن هناك مآلاً، مثل قوله : ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨] نحن نعلم أن الكفار لو ردوا إلى هذه الدنيا لعادوا إلى كفرهم.
إذاً: السياق يدل على معنى كلام الشيخ، لكن لو أخذنا العبارة بدون السياق ففيها إشكال، يعني: كيف نقول: إن أحداً يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون؟ يعني بمعنى أنه يعلم خبر الله ؟ لكن هذا بالخبر ليس بعلمنا نحن، وهو راجع إلى خبر الله ليس إلى علمنا، فالموضوع فيه لبس؛ ولذلك أنا وضعت كلمة (معنى) (فيعلم معنى ما لم يكن لو كان كيف يكون) من هنا تستقيم العبارة، والاستدلال لها يدل على مقصود الشيخ، فالشيخ كأنه يقول: إنه ما لم يكن إذا تخيلناه علمنا كيف يكون، إما بما يتعلق بخيالاتنا، وإما بما أُخبرنا عنه من أمور المستقبل وأمور الماضي، مما ورد فيه، فإنا نتخيل كيف يكون، لكن لا نعلم الكيفية.
فالمقصود الحقيقة المتخيلة أو الحقيقة المتصورة، فإن كان مما نعبّر نحن عنه في خيالنا فهذا خيال، وإن كان مما نفهمه من كلام الله في أمر الغيب فهذا تصور للحقيقة، أما كيفية الحقيقة فلا نعلمها إلا إذا صارت.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والذي عليه أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بني آدم من جميع الأصناف أن المعدوم ليس في نفسه شيء، وأن ثبوته ووجوده وحصوله شيء واحد، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع القديم، قال الله تعالى لزكريا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٩] فأخبر أنه لم يك شيئاً.
وقال تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٧].
وقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥].
فأنكر عليهم اعتقاد أن يكونوا خلقوا من غير شيء خلقهم أم خلقوا هم أنفسهم؛ ولهذا قال جبير بن مطعم ﵁: لما سمعت رسول الله ﷺ قرأ هذه السورة أحسست بفؤادي قد انصدع.
ولو كان المعدوم شيئاً لم يتم الإنكار، إذا جاز أن يقال: ما خلقوا إلا من شيء، لكن هو معدوم فيكون الخالق لهم شيئاً معدوماً، وقال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٠]، ولو كان المعدوم شيئاً لكان التقدير: لا يظلمون موجوداً ولا معدوماً، والمعدوم لا يتصور أن يظلموه، فإنه ليس لهم.
وأما قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] فهو إخبار عن الزلزلة الواقعة أنها شيء عظيم، ليس إخباراً عن الزلزلة في هذه الحال؛ ولهذا قال: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج:٢]، ولو أريد به الساعة لكان المراد به أنها شيء عظيم في العلم والتقدير.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَ
следующие страницы →