Полный текст (239 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
أمة محمد ﷺ خير الأمم
الثاني عشر: (أن أمته خير الأمم إطلاقاً) خيرها من حيث الفضل، وخيرها من حيث الصفات العامة، وخيرها من حيث النبي، وخيرها من حيث الشريعة، وخيرها من حيث العدد، وخيرها من حيث أفضلية أفرادها، أو بعض أفرادها كالصحابة، فصحابة رسول الله ﷺ هم أفضل أصحاب النبيين من بعده ومن قبله.
كما أن أمته ميزت بخصائص تشريعية كثيرة، كأن جعلت لهم الأرض مسجداً وطهوراً وغير ذلك مما هو معلوم.
стр. 177
فضل أصحاب رسول الله ﷺ وترتيبهم في الفضل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈.
وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى ﵃؛ لما روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كنا نقول والنبي ﷺ حي: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره).
وصحت الرواية عن علي ﵁ أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ولو شئت سميت الثالث.
وروى أبو الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: (ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر).
وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي ﷺ لفضله وسابقته، وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة رضوان الله عنهم، وإجماع الصحابة ﵃ على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة.
ثم من بعده عمر ﵁ لفضله وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان ﵁ لتقديم أهل الشورى له، ثم علي ﵁ لفضله وإجماع أهل عصره عليه.
وهؤلاء الخلفاء الراشدون، والأئمة المهديون الذين قال النبي ﷺ فيهم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ).
وقال ﷺ : (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة) فكان آخرها خلافة علي ﵁.
ونشهد للعشرة بالجنة كما شهد لهم النبي ﷺ فقال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة).
وكل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له بها، كقوله: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)، وقوله لـ ثابت بن قيس: (إنه من أهل الجنة)].
стр. 178
أصحاب محمد ﷺ خير أصحاب الأنبياء
هذا المقطع يتعلق بحقوق أصحاب رسول الله ﷺ إجمالاً، وبحقوق بعضهم على وجه التخصيص، وهذه الفقرة تعد الثالثة عشرة من خصائص النبي ﷺ وأمته، فبعد قوله: (أمته خير الأمم) يأتي: (وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈ لذلك قال النبي ﷺ في أبي بكر: (ما طلعت الشمس بعد النبيين على أفضل من أبي بكر)، وهذا يعني جزماً أن أصحاب النبي ﷺ هم أفضل أصحاب الأنبياء.
وهذا نستنتج منه عقيدة من عقائد السلف التي تميزوا بها عن غيرهم، في أنه يجب أن يحفظ لأصحاب رسول الله ﷺ حقهم في الأفضلية، وفي العدالة، وفي وجوب حبهم وعدم جواز القدح واللمز فضلاً عن القول بما هو أعظم من ذلك فيهم.
стр. 179
أفضل الأمة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي
ثم ذكر مسألة التفضيل، قال: (وأفضل أمته أبو بكر الصديق) يعني: أفضل أتباع الرسول ﷺ أبو بكر الصديق، ثم عمر ثم عثمان ثم علي المرتضى.
وهذا الترتيب يعد اتفاقاً عند السلف، وإن كان أول الأمر قد جرى بينهم خلاف في عثمان وعلي أيهما أفضل، وهذا يعني أنهم أجمعوا على تفضيل أبي بكر أولاً ثم عمر، ثم اختلفوا بعض الوقت في أيهما يقدم: عثمان أو علي؟ وسبب ذلك قرابة علي ﵁ من رسول الله ﷺ وما خص الله به هذه القرابة من الفضل والحق، فحدث أول الأمر شيء من الخلاف وإن كان جمهور السلف وعامتهم في عهد الصحابة والتابعين وتابعي التابعين على تفضيل عثمان ثم علي، لكن هناك من نازع أول الأمر، وفي آخر الأمر بلغت النصوص العلماء واجتمعت لديهم تبين بالنص، أي: بالأحاديث الكثيرة عن النبي ﷺ أن ترتيب الأفضلية على نحو ترتيب الخلافة، وأن عثمان ﵁ أفضل من علي، وصار هذا يشبه الاتفاق فيما بعد.
وتعليل ذلك أن كثيراً من النصوص الواردة في عثمان ما كانت تبلغ بعض الصحابة وبعض التابعين قبل أن تنتشر وتشتهر، فلما انتشرت واشتهرت علموا بهذا الترتيب من خلال النصوص، ونحن إذا استقرأنا النصوص الواردة في الأفضلية، نجد أن أكثرها يرد في أبي بكر، ثم يليه عمر، ثم يليه عثمان، ثم يليه علي.
فبعد اجتماع النصوص وجمعها صار هذا اتفاقاً بين السلف، وعلى هذا فإن الذين قدموا علياً على عثمان في أول الوقت قبل أن تبلغهم النصوص يعذرون بذلك، وهذا اجتهاد سائغ؛ لأنها لم تبلغهم النصوص بمجموعها فيعرفوا ذلك الحق، أما بعد بلوغ النصوص فإن الأمر لم يعد محل خلاف، ولذلك السلف يرمون من فضَّل علياً على عثمان بالتشيع، ويعتبرونه صاحب بدعة، وذلك بعد بيان النصوص وظهورها.
وكل من الخلفاء الراشدين صار له وصف، فـ أبو بكر سمي بـ الصديق وهذا علم عليه؛ لأنه صدق النبي ﷺ بالغيب والشهادة، وهو أول من صدقه من الرجال.
وعمر وصف بـ الفاروق لأن الله فرق بإسلامه بين الحق والباطل، وفرق الله بقوته وجرأته في الحق بين الحق والباطل، فكان ﵁ قوياً في الحق، درأ عن الإسلام شروراً عظيمة، وبدعاً لو لم يكن منه ذلك الحزم لحصل شر عظيم، فهو الفاروق بين الحق والباطل.
وعثمان ذو النورين؛ لأنه تزوج باثنتين من بنات النبي ﷺ .
وأنا أعجب من الرافضة الحمقى كيف يطعنون في عثمان ﵁ مع أنهم يدعون أنهم ينتصرون لآل البيت، وعثمان ﵁ قد تزوج بنتين من بنات النبي ﷺ ، زوجه النبي ﷺ لفضله ولحقه، وكأنهم بذلك يقدحون في النبي ﷺ حيث زوجه بابنتيه، ثم يقدحون ببنات النبي ﷺ اللتين تزوجهما عثمان، ثم يقدحون في هذا الإمام العظيم الذي جعل الله له ذلك الفضل.
ثم علي المرتضى، ولا أدري ما وجه تسميته بالمرتضى، فمن عرف في هذا قولاً فلا مانع أن يأتينا به ولو في الدرس القادم.
стр. 180
الأدلة على أفضلية الخلفاء الأربعة
ثم ذكر شيئاً من النصوص التي وردت في تفضيل هؤلاء، وهي كثيرة جداً لا تكاد تحصى وقد أفردها كثير من أهل العلم بكتب، وربما يكون الشيخ المؤلف له كتاب في فضل الخلفاء الأربعة يقع في مجلدين كبيرين.
وحديث عبد الله بن عمر: (كنا نقول والنبي ﷺ حي: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره) بمعنى أنه أقرهم على ذلك.
وصحت الرواية عن علي ﵁ أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ولو شئت سميت الثالث، وفي بعض الروايات سمى الثالث وهو عثمان، بل الروايات الواردة عن علي ﵁ في ترتيب الخلفاء الثلاثة قبله كثيرة جداً بما فيها التصريح بـ عثمان، وكان يقف عند الرابع فقط؛ لأنه يعني نفسه، وقد تحمل بعض الروايات على أنه يقصد نفسه بالثالث، لكن هذا أمر يحتاج إلى مزيد بحث.
وعلى أي حال فإن النصوص الواردة في تفضيل عثمان على علي كثيرة وكافية في الرد على الرافضة ومن شايعهم.
ثم ذكر أفضلية أبي بكر ﵁ على وجه الخصوص، كقول النبي ﷺ : (ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر) هذا يؤخذ منه -كما قلت- الدلالة القاطعة على أن أصحاب النبي ﷺ هم أفضل أصحاب الأنبياء؛ لأنه إذا كان أفضل من طلعت عليه الشمس بعد النبيين، فهذا يدل بمنطوقه ومفهومه على أن أصحاب النبي ﷺ أفضل أصحاب الأنبياء.
стр. 181
أحقية الخلفاء الأربعة للخلافة على الترتيب
وأبو بكر أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي؛ لأن هناك من أصحاب الأهواء من سلم بأفضلية أبي بكر ﵁، لكنه لم يسلم بأحقيته بالخلافة، وعلى هذا أكثر فرق الشيعة والرافضة، وبعض الزيدية، وبعض الخوارج، فإنهم نازعوا في تقديم أبي بكر في الخلافة، وإن اعترفوا بأفضليته الأفضلية المطلقة، لأنهم يرون أن الخلافة لا ينبغي أن تكون إلا لآل البيت، وهذه النزعة نزعة موروثة عن الفرس المجوس، الذين يرون أن الملك حكر على أسر معلومة.
والفرس كانوا يقدسون الساسانيين ملوك فارس، ويرون أن الملك فيهم ولا يخرج عنهم، حتى لو انقطع نسلهم من الرجال يبقى الملك في النساء وأبناء النساء، وهذه النزعة موجودة عند كثير من الأمم الضالة، وتوجد الآن عند بعض الأمم الأوروبية كالبريطانيين، وكانت في الفرس قديماً، وانتقلت إلى الشيعة الرافضة، فهم يزعمون أن الإمامة وراثة تتفرع عن النبوة، وأنه ينبغي أن يلي الإمامة أحد الأئمة من ذرية النبي ﷺ ، فلذلك حتى الذين ما طعنوا في أفضلية أبي بكر منهم كأوائل الشيعة والزيدية وبعض أهل الهوى شكوا في أفضليته أو تقديمه للإمامة، وقالوا إن الإمامة يجب أن تكون كذا وكذا، كل له شروطه.
واعتقاد أفضلية أبي بكر لم تعد في الرافضة الآن، بل انقلبوا اليوم إلى خصوم لـ أبي بكر وعمر يسبونهما، ويعتقدون ذلك ديناً يلقنونه أطفالهم وأعوانهم.
وأنا أعجب من الذين يشكون في كفر من يسبهما، أعني: أنهم قد طعنوا في أفضل أصحاب رسول الله ﷺ ، وطعنوا في زوجاته وتكلموا في عرضه، فطعنوا في عائشة ﵂، بل طعنوا فيما جاء عن الصحابة من دين وروايات إلا نفراً معدودين لا يزيدون عن سبعة، وبعضهم يجعلهم خمسة أو ثلاثة.
المهم أن هؤلاء المبتدعة الضلال لم يعودوا يعترفون بـ أبي بكر ولا عمر، بل يرون أنهما ارتدا، نسأل الله السلامة.
ثم ذكر إجماع الصحابة على تقديم أبي بكر مطلقاً، ثم على مبايعته بالخلافة على وجه الخصوص، وبين أن الله لم يكن ليجمعهم على ضلالة، ولا يزال الإجماع بين أهل الحق على إمامة أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.
قوله: (ثم من بعده عمر ﵁ بفضله وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان ﵁ لتقديم أهل الشورى له).
هذا فيما يتعلق بخلافة عمر ﵁، فإنه استحق الخلافة بأمور كثيرة، منها أنه الرجل الثاني في الأفضلية، ومنها أن أبا بكر ﵁ عهد إليه بالخلافة، ومنها أن أهل الشورى وهم الصحابة رضوا بخلافته وبايعوه، وهذا إجماع.
ثم عثمان ﵁ كذلك حقه في الخلافة حق مشروع؛ لأنه تمت له البيعة لاصطفائه من قبل عمر ﵁ من خلال الستة الذين اختارهم، ثم إن أهل الشورى الذين قدمهم عمر ثم قدمهم المسلمون وهم أفضل أصحاب رسول الله ﷺ في هذا الأمر، اتفقوا على عثمان، ثم أجمع الصحابة على خلافته بمبايعتهم له، حتى الذين تخلفوا عن مبايعته أول الأمر لحقوا فيما بعد بالجميع وتمت الخلافة له بالإجماع.
ثم علي ﵁ انعقدت خلافته بالإجماع، وقد أورد بعض الجهلة إشكالاً حول خلافة علي ﵁، وهو ما حصل من منازعة له من قبل معاوية ﵁ وأهل الشام وبعض الناس، وظنوا أن ذلك يعد اختلافاً على إمامته، وليس الأمر كذلك، بل كانت البيعة عندهم مشروطة فقط، بمعنى أنهم قالوا: نبايع وعلى العين والرأس والسمع والطاعة لكن بشرط أن يقتص من قتلة عثمان قبل البيعة.
إذاً: لم يكن أحد ينازع في بيعة علي ﵁، إنما كانت المنازعة في إجراء البيعة كيف تكون ومتى تكون فقط، ومع ذلك فقد انعقدت البيعة من أهل الشورى وأهل الحل والعقل القريبين منه في المدينة.
ثم قال: (وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال فيهم ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)).
وهذا أصل من الأصول الكبرى والعظمى في تقرير الدين وبيان مصادره، فإن الأمور التي سنها الخلفاء الراشدون في أحوال الأمة تعد سنة؛ لأن النبي ﷺ جعلها كذلك، فقال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) فلذلك تميز عهد الخلفاء بأن كثيراً مما وقع فيه باجتهاد هؤلاء الخلفاء الراشدين وأهل الشورى معهم، سواء ما كان حول التشريع والعمل به، أو حول الجهاد، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الولايات والخلافة والإمامة، أو غير ذلك من مصالح الأمة ومناهجها في الدي
стр. 182
أفضلية العشرة المبشرين بالجنة
ثم ذكر العشرة المبشرين بالجنة، وأنهم يشهد لهم بذلك جزماً، وهم الخلفاء الأربعة الذين مر ذكرهم، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وذكر طلحة والزبير فيه رد على الذين طعنوا في أصحاب الجمل وصفين، أو الذين شاركوا أو ابتلوا بالفتنة التي حدثت بعد مقتل عثمان ﵁، فإن الذين طعنوا يرد عليهم بمثل هذا الحديث الذي يشهد لهؤلاء بأنهم من أهل الجنة.
وتعرفون أن أول من طعن فيهم الخوارج، فقد كفروا طلحة والزبير ثم كفروا عدداً كبيراً من الصحابة، وكذلك لحق بهم طوائف من القدرية والمعتزلة والجهمية والروافض فيما بعد، وصار هذا من دينهم الذي يجعلونه ضمن العقائد الأساسية.
وسعد هو سعد بن أبي وقاص، وسعيد هو سعيد بن زيد ﵁، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة.
ثم قال: (وكل من شهد له النبي ﷺ شهدنا له بها) يعني: من ثبت في حديث من الأحاديث أن النبي ﷺ شهد له، فإنا نشهد له إذا صح الحديث، سواء كانت شهادة بالجملة كفئات من الصحابة مثل أهل بيعة الرضوان، أو بالتخصيص ممن شهد لهم النبي ﷺ سوى العشرة، كـ ثابت بن قيس وعكاشة بن محصن وغيرهم.
стр. 183
الحكم لأهل القبلة بالجنة أو النار وإقامة الحج والجهاد خلف الأئمة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من جزم له الرسول ﷺ ، لكنا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل، ونرى الحج والجهاد ماضيين مع كل إمام، براً كان أو فاجراً، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة، قال أنس: قال النبي ﷺ : (ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله حتى يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار) رواه أبو داود.
ومن السنة: تولي أصحاب رسول الله ﷺ ، ومحبتهم وذكر محاسنهم، والترحم عليهم والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠].
وقال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩].
وقال النبي ﷺ : (لا تسبوا أحداً من أصحابي؛ فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
ومن السنة: الترضي عن أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء، أفضلهن خديجة بنت خويلد، وعائشة الصديقة بنت الصديق، التي برأها الله في كتابه، زوج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم.
ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، أحد خلفاء المسلمين ﵃].
стр. 184
لا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار
في أول هذا المقطع ذكر قاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة، وهي عدم الجزم لأحد من أهل القبلة بجنة أو نار، وهذه جاءت بمناسبة الشهادة لمن شهد لهم الرسول ﷺ بالجنة، فلما ذكر ذلك بين أن الشهادة للمعين بالجنة أو بالنار لا تجوز إلا بنص.
ثم ذكر القاعدة العامة في من لم يرد فيه النص وهم عموم المسلمين أهل القبلة، ويقصد بأهل القبلة المصلين، وبذلك يعلم الذي لا يصلي أنه لا يعد من أهل القبلة، وليس له هذه الحقوق التي يذكرها.
المهم أن أهل القبلة وهم المسلمون الذين يصلون لا نجزم لأحد منهم بجنة ولا نار، بمعنى أنا لا نجزم أن هذا الشخص بعينه سيموت على ما هو عليه من ظاهر صلاحه، وأنه سيكون مآله الجنة، الحكم يكون على الموت وعلى ما بعد الموت، كذلك لا نجزم بأن فلاناً العاصي أو مرتكب الكبيرة سيموت على معصيته، لأنا لا ندري ماذا سيحدث بينه وبين ربه، ثم بعد ذلك لا نجزم أن مصيره إلى النار، فحينئذ يبقى مجرد الرجاء والخوف.
стр. 185
نرجو للمحسن الجنة ونخاف على المسيء النار
ثم نرجو للمحسن الجنة؛ لأن الله وعده بذلك، ووعد الله إن شاء الله متحقق وصادق، ما لم يعترض هذا الوعد أمور لا نعلمها، ونخاف كذلك على المسيء؛ لأن الله توعد المسيئين.
والمقصود بالمسيء هنا العاصي لا الكافر، كذلك المحسن المقصود به المسلم لا الكافر؛ لأن الكافر قد يحسن في بعض أعماله، لكن نجزم أن ذلك لا ينفعه.
إذاً: القاعدة الأولى: لا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار، إلا من جزم له الرسول ﷺ .
القاعدة الثانية: أنا نرجو للمحسن أن يثيبه الله على إحسانه، ونخاف على المسيء أن يقع عليه الوعيد.
стр. 186
لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب
والقاعدة الثالثة: ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل.
قصده أن من وقع في ذنب مما توعد الله عليه لا نكفره بذنبه، وقد يرد على هذا إشكال وهو ماذا نقول في المسلم الذي وقع في مكفر مما ذكره الله كقتال المسلم أو قتله، وقد ذكر النبي ﷺ أن قتال المسلم كفر، كذلك الذي يأتي السحرة والكهنة ويصدقهم، ذكر النبي ﷺ أن فعله كفر، وهناك أحاديث وعيد عامة مثل: (من غشنا فليس منا) قد يفهم منها البعض يعني الكفر، وهذا أيضاً فهم بعيد، لكن قد يفهم منه.
على أي حال هناك نصوص ورد ذكر الكفر فيها بالنسبة لمن فعل أو قال أو اعتقد، وهو من أهل القبلة، فهذا النوع من الكفر يعد غير مخرج من الملة، وهو الكفر الذي يعد من الكبائر، ومن فعله يبقى من أهل القبلة ولا يكفر مطلقاً، وقد يطلق عليه أحياناً الكفر دون المخرج من الملة، كما يسميه بعض السلف كفر دون كفر، لكن لا يسمى كافراً بإطلاق، يقال فعلت كفراً، أو فعلك هذا كفر، أو من فعل ذلك فقد كفر، لكن لا نخرجه عن الإسلام بمجرد الذنب وإن كان كبيرة من الكبائر، ما لم يكن الذنب هو الشرك أو الذنب الذي يخرج من الملة بنص آخر قطعي يدل على إخراجه من الملة.
ثم كذلك ذكر العمل فقال: (ولا نخرجه من الإسلام بعمل)، يقصد بذلك ما هو أعم من مجرد الذنب، العمل عمل القلب وعمل اللسان والجوارح، أي إذا عمل عملاً من الأعمال التي تقتضي كفره ظاهراً فإنه لا يكفر، فضلاً عما هو دون ذلك من الكبائر، كالربا والسرقة والظلم وغير ذلك، فإن هذه الأمور كبائر لكن لا يخرج من الإسلام بمجرد عملها، وهذا ينسحب على حكمه في الدنيا وحكمه في الآخرة.
كذلك في مماته لا يحكم عليه إذا مات على هذه الكبيرة بأنه كافر، وبعد مماته كذلك لا نقول إنه في الآخرة حكمه حكم الكفار، ولا نقول بأنه من المخلدين في النار، بل نقول إنه تحت مشيئة الله إذا مات على كبيرته وذنبه، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، ثم يجزم بأنه من عذب فيخرج بشفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمة الإسلام.
стр. 187
معنى الحج والجهاد مع كل إمام
(ونرى الحج والجهاد ماضيين مع طاعة كل إمام) هذا تفريع عن قاعدة سيأتي الكلام عنها ربما في الدرس القادم؛ لأننا ربما لا نصلها اليوم وهي مسألة طاعة أئمة المسلمين.
مسألة الحج والجهاد تتفرع عن طاعة ولاة الأمر، وأشار إلى الجهاد والحج لأنها أعظم شعائر الإسلام الجماعية الظاهرة، والصلاة لا شك أنها داخلة في ذلك دخولاً أولياً ولذلك ذكرها، لكن بدأ بالحج لأن الحج جمع للمسلمين جميعاً من أكثر من بلاد، بل من آفاق الأرض كلها، والحج في الغالب تكثر فيه أنواع الناس وأصنافهم بمذاهبهم وفرقهم وأقاليمهم ولغاتهم، فيكون مظنة النزاعات والخلافات، فكان اجتماعهم على إمام واحد مهما كان من الفجور والظلم أمراً تقتضيه المصلحة العظمى للأمة، ثم إن الحج من شعائر الدين التي لا بد من ترتبيها وتوقيتها، فلا بد من الخضوع فيه للإمام حتى وإن كان على رأي مرجوح، وإن كان على أمر لا يحمد من حيث المعاصي أو الفجور أو الظلم، فلا بد من الحج معه، ولا بد أن يعتقد المسلم صحة الحج مع هؤلاء الأئمة وإن لم تتوافر فيهم الشروط، لئلا يظن أن الحج لا يكون إلا مع المتقين أو أنه لا يصح إلا مع المتقين، فالحج كالصلاة، وهذا أمر مجمع عليه عند السلف.
والجهاد كذلك مثل الحج يتعلق بالمصالح العظمى، ولو أن الناس فتح لهم المجال بأن يطيعوا من يشاءون لحصلت الفوضى وحصل الضعف والهوان للمسلمين، فالجهاد مع الإمام مهما بلغ من الفجور والظلم أمر واجب إلى قيام الساعة.
(مع كل إمام براً كان أو فاجراً) وهذه ستأتي فيما بعد.
стр. 188
الصلاة خلف الأئمة
(وصلاة الجمعة خلفهم جائزة) هنا يشير إلى الذين لا تتوفر فيهم شروط العدالة، كأن يكونوا فسقة أو فجرة، وإلا فمن باب أولى أن الإمام ما دام مطاعاً في الأمور الأخرى، فتكون الصلاة خلفه جائزة؛ لأن الأصل فيه العدالة، لكن إذا تخلفت العدالة ووجد فيه شيء من الفسق والفجور وهو إمام معين له حق الإمامة الشرعية، فيجب الصلاة خلفه، والصلاة خلفه جائزة.
وذكر الجمعة؛ لأنها هي التي يجتمع عليها الناس، وإلا فالأمر أرجح حتى في صلاة غير الجمعة كما حدث من الصحابة ﵃، فكانوا يصلون وراء بعض الأمراء الفجرة وإن لم تكن الصلاة جمعة، لكن الجمعة الأمر فيها أشد، والمصلحة فيها أكبر، والمفسدة في خلافها أعظم.
ثم ذكر الحديث، والحديث هنا ضعيف، لكن تعضده نصوص أخرى صحيحة.
قوله: (ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله) هذا فيه أحاديث صحيحة.
وكذلك: (لا نكفره بذنب) هذا أيضاً فيه أحاديث صحيحة.
(ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله حتى يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار)، كل هذه وردت مستقلة في أحاديث أخرى، وإن كان هذا السياق ضعيف وسياق متنه يدل على ضعفه.
стр. 189
تولي أصحاب رسول الله ﷺ
ثم رجع إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، فبعدما ذكر خصوصهم ذكر عمومهم.
стр. 190
الأسئلة
стр. 191
خلافة الحسن بن علي ﵁
السؤال
بالنسبة لقول النبي ﷺ الخلافة بعدي ثلاثون سنة، نلاحظ أن الدولة الأموية بدأت عام أربعين، فهل هذا يعني أن الحسن بن علي من الخلفاء الراشدين على أنه حكم سبعة شهور؟
الجواب
كثير من أهل العلم يعدون خلافة الحسن ﵁ ضمن خلافة أبيه، وبعضهم لا يرى لها اعتباراً؛ لأنها لم تجتمع فيها الكلمة، وتنازل فيها لـ معاوية ﵁، وبعضهم يعدها من الخلافة الراشدة؛ لأن الخلافة الراشدة ما ذكر فيها عدد الخلفاء، فكل واحد له دليل، منهم من قال إنها امتداد لخلافة أبيه، ومنهم من قال بأنه خليفة مستقل، ويكون ضمن الثلاثين سنة التي هي خلافة راشدة، ومنهم من قال إن خلافته ليس لها اعتبار من حيث العد الزمني؛ لأنها لم تطل، وعلى أي حال فخلافة الثلاثين سنة تدخل فيها خلافة الحسن.
стр. 192
حكم تارك الصلاة
السؤال
هل تارك الصلاة خارج عن ملة الإسلام أم هو من الكفر غير المخرج؟
الجواب
ترك الصلاة درجات، فإن كان الترك ترك اعتقاد بمعنى أنه لا يعتقد وجوب الصلاة، فهذا يكفر كفراً مخرجاً عن الملة بإجماع المسلمين، وإن كان تركها ترك عمل مع اعتقاد وجوبها أو ترك كسل فهذا فيه خلاف، بعض أهل العلم يقول: إذا داوم على تركها وإن كان يعتقد وجوبها، فإنه يخرج من الملة، واستدلوا بحديث النبي ﷺ الصحيح: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة من تركها فقد كفر)، وهذا الذي عليه جمهور المحققين من أهل العلم.
أما من تركها كسلاً وتهاوناً مع اعتقاده بوجوبها، فهو يصليها أحياناً ويتركها أحياناً، فهذا والله أعلم أن كفره كفر غير مخرج من الملة، لكن تجرى عليه الأحكام الأخرى.
стр. 193
حكم وضع نقاط بعد كتابة بعض الآيات
السؤال
هل صحيح أنه لا يصح عند كتابة آية قرآنية وضع نقط عند عدم إرادة تكملة الآية، ذكر مثالاً: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] الآية؟
الجواب
والله لا أدري، هل يجوز بعد ذكر بعض الآية أو آية من الآيات وضع نقط على أنه تليها الآية الأخرى، فهذا يحتاج إلى مراجعة.
стр. 194
الدليل على أن الخلفاء الراشدين هم الأربعة فقط
السؤال
ما الدليل على أن الخلفاء الراشدين هم الأربعة فقط؟
الجواب
ليس هناك دليل جازم، لذلك قال بعض أهل العلم: يدخل فيهم عمر بن عبد العزيز، لكن هناك ما يمكن أن يستدل به وهو حديث: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة).
فكأنهم قالوا: هذه الثلاثون السنة دخل فيها الأربعة فقط، وهذا دليل على أن ما بعدهم ليس بخلافة راشدة، ومع ذلك ورد أحاديث بعضها حسن من أن الخلافة ستعود مرة أخرى، وصححه بعض أهل العلم.
فعلى أي حال المسألة خلافية ليس فيها قطع.
стр. 195
إطلاق الكفر على من مات كافراً
السؤال
هل يجوز أن يقال لشخص كافر قد مات بأنه كافر؟
الجواب
نعم، إذا مات الإنسان على الكفر يقال إنه كافر بناء على أصل حاله في الدنيا، كمن مات يهودياً أو نصرانياً، أما إذا كان مسلماً ووقع في المكفرات من الكبائر، فإنا لا نحكم بأنه مات على الكفر.
واليهودي والنصراني كافر قطعاً وليس عندنا في هذا شك، والحكم لهم بالنار هذا في العموم، نقول اليهود والنصارى من أهل النار جزماً، لكن لا نستطيع أن نقول بذلك لشخص بعينه فنحن نحكم على الكافر أنه من أهل النار، لكن لا نجزم بذلك في عينه.
стр. 196
حكم من لم يصلهم الإسلام
السؤال
ما حكم التوقف في حال من لم يصلهم الإسلام، فلم نجزم لهم بنار ولا بجنة؟
الجواب
المهم أن هؤلاء الذين يموتون لا ندري عن حالهم، بلغتهم الحجة أو ما بلغتهم، وإذا كان يظهر من القرائن أنه لم تبلغهم الحجة وهذا نادر جداً، فنقول: إن الأصل فيهم أنهم كفار لكن مآلهم في القيامة إلى الله .
والذي يموت على غير ملة نقول: مات على غير الإسلام، مات على الكفر، حتى لو لم تبلغه الحجة مثل أهل الفترة، لكن الكلام في مصيرهم في القيامة هو الذي لا نحكم به.
стр. 197
حكم إطلاق لفظ (سيدنا) على الرسول ﷺ
السؤال
قرأت في فتاوى اللجنة الدائمة أنه لا يجوز أن يقال للرسول ﷺ (سيدنا)، لكن نجد في مقدمة بعض الكتب هذه الكلمة، سيدنا محمد ﷺ ، فما رأيكم؟
الجواب
على أي حال هذه مسألة خلافية، والنبي ﷺ نهى أن يقال له سيد، فالأولى هو الأدب مع كلام النبي ﷺ ، لكن إذا ورد في كلام أهل العلم في الكتاب نقرؤها على ما وردت، على أساس أننا نقول بأن هذا العالم اجتهد ورجح جواز إطلاق كلمة (سيد) وقال بها.
والذي يترجح فيما يظهر لي أنه ينبغي أن لا يقال (سيد)؛ لأن النبي ﷺ نهى عنها أدباً معه، وإلا فهو (سيد) مستحق للسيادة بين البشر، بل هو أفضل الخلق وسيد الخلق من حيث المعنى.
لكن نظراً لأنه نهى فنحن نتأدب مع نهيه ﷺ ، ومع ذلك حمل النهي بعض أهل العلم على محمل آخر، قال: إنه من باب تواضعه ﷺ ، كما نهى أن يفضل على بعض النبيين، مع أنه أفضلهم جزماً، لكن من باب تواضعه ﵊ نهى عن ذلك، ثم إنه قد يفهم أحياناً من السيد التعظيم الذي لا يجوز للبشر.
أما حديث: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، فليس عندنا شك في أفضليته على الأنبياء، وأفضليته على الخلق جميعاً بما فيهم الملائكة، فالنبي ﷺ أفضل من جميع الخلق، لكن الكلام كان على إطلاق كلمة سيد هل تجوز أو لا، وهذه مسألة خلافية، وكل من ذهب إلى قول فإن معه دليلاً، حتى الذين قالوا بأنه يقال له سيد معهم دليل.
فمن هنا تبقى المسألة خلافية، والراجح عدم إطلاق هذه الكلمة امتثالاً لأمر النبي ﷺ .
стр. 198
تكفير من مات تاركاً للصلاة
السؤال
إذا ثبت عندي أن فلاناً لا يصلي ومات على ذلك، فهل يجوز لي أن أقول هذا كافر؟
الجواب
هذه كلمة مجملة، فكثيراً ما يظن بعض الناس أن الحكم يأتي بسهولة من خلال الأسئلة، بعضهم يقول: عندي جار أو أخ لا يصلي، فنسأله كيف عرفت أنه لا يصلي، قال: ما رأيته مرة يصلي، فرق بين كونك ما رأيته وكونك تحققت بأنه لا يصلي، فقد يصلي في قعر بيته، قد يصلي إذا خلا بربه، قد يصلي إذا انفرد عن الناس في أي مكان في البيت أو في غير البيت، هذه مسألة تحتاج إلى نوع من التفصيل، أما إذا ثبت أنه لا يصلي على الإطلاق، فالراجح كفره، وتجرى عليه أحكام الكفر في التعامل والدفن والإرث وغير ذلك.
стр. 199
نهي النبي ﷺ عن تفضيله على يونس بن متى
السؤال
قرأت في قصص الأنبياء لـ ابن كثير قصة يونس، وفيها قوله ﷺ : (لا تفضلوني على الرسل ولا يونس بن متى)؟
الجواب
ورد أن النبي ﷺ قال: (لا تفضلوني على يونس بن متى) لكن هذا محمول على التواضع منه ﷺ ، أما كونه أفضل الأنبياء فقد صرح به في نصوص أخرى، كقوله ﷺ : (فضلت على النبيين بست) وفي رواية: (بخمس).
стр. 200
حكم الخوض فيما شجر بين الصحابة
السؤال
ما حكم الخوض فيما وقع بين الصحابة ﵃ أجمعين من خلاف، وخصوصاً ما وقع بين علي ومعاوية، وتخطئة أحدهما وتصويب الآخر؟
الجواب
سبق الكلام على هذا، أما بالنسبة لتخطئة أحدهما وتصويب الآخر، فهذه مسألة أكبر منا حقيقة، فنحن لا نخطئ ولا نصوب، والسلف ﵃ صار عندهم توجه أن هناك فئة أقرب إلى الصواب من الفئة الأخرى، توجه على ضوء نصوص معينة كالنص الوارد في عمار ﵁ وأنه تقتله الفئة الباغية، ونحو ذلك، فهذا فيه أن فئة معينة بجملتها أقرب إلى الخطأ، وفئة معينة بجملتها أقرب إلى الصواب، لكن كما قال السلف: لا يعني ذلك أن هؤلاء كلهم على خطأ وهؤلاء كلهم على صواب، أو أنهم كلهم أفضل، حتى قال أئمة السلف: إنه قد يكون مع الفئة الباغية من هو أفضل ممن في الفئة الأخرى.
هذه مسألة لا نخوض فيها، ونعلم أن الذين أخطئوا أخطئوا عن اجتهاد ولهم أجر، فلا يقدح ذلك في ذممهم؛ لأنهم يريدون الخير، وإلا فالأقرب أن الفئة التي مع علي ﵁ كانت هي الفئة المحقة، والفئة التي مع معاوية ﵁ هي الفئة المخطئة، لكنهم لم يعرفوا أنهم على خطأ إلا فيما بعد، حتى أن بعضهم صرح، بل بعضهم أدرك أنه على خطأ أثناء الفتنة، كما حصل من طلحة والزبير، فكل منهما لما ذكره بعض الصحابة بأحاديث نسيها عن النبي ﷺ عرف أنه على خطأ، فهربوا من المعركة، ولحقهم أهل البدع وقتلوهم، وهذه من سمات الفتن.
стр. 201
حكم من يوالي اليهود والنصارى ويأخذ بتشريعاتهم
السؤال
هل يكفر من يوالي اليهود والنصارى، ويأخذ تشريعاتهم، ويهنئهم على كل شيء؟
الجواب
الولاء للكفار قد يكون كفراً وقد يكون معصية، وهذه مسألة لا بد من التفصيل فيها، فليس كل ولاء للكفار كفراً، بل الموالاة القلبية العامة بجملتها كفر، لكن صور الولاء ومفردات الولاء وجزئيات الولاء ليست كلها كفراً، بدليل ما حدث في عهد الصحابة أنفسهم وما بعده، كما حصل في قصة الصحابي حاطب بن أبي بلتعة ﵁ الذي كتب للمشركين يخبرهم بأن النبي ﷺ وأصحابه قادمون إليهم، وكما حدث من بعض الخلفاء وغير الخلفاء في عهد بني أمية، وعهد بني العباس، بل حدث من بعض الذين يعدون من أهل التقوى والصلاح، أنه اضطر يوماً من الأيام بأن يفعل ما يظنه بعض الناس ولاء للكفار، وحدث من أناس قاتل معهم المسلمون في عهد الدويلات، فالمسألة تحتاج إلى شيء من التفصيل.
стр. 202
حكم إطلاق صفة الشهيد من باب الرجاء
السؤال
هل يصح قول: (الشهيد فلان) من باب الرجاء والتمني؟
الجواب
لا تطلق كلمة شهيد إلا على من مات في معركة شرعية أو بإحدى طرق الشهادة التي ذكرها النبي ﷺ ، أما ما عدا ذلك فلا يجوز الحكم على فلان بمجرد أنه مات أو قتل أي قتلة أنه شهيد، فالتجوز في هذا فيه نظر.
стр. 203
حكم من ادعى النبوة وعنده انفصام في الشخصية
السؤال
ما الحكم في رجل يدعي أنه نبي في الوقت الحاضر مع أنه يقال أنه مصاب بمرض انفصام الشخصية؟
الجواب
على أي حال، هذا إن كان مريضاً فهو مجنون ويعامل معاملة المجانين، لكن قد لا يكون مريضاً، فيترك الإجراء في حقه إلى المحاكم الشرعية.
стр. 204
خلافة الراشدين خلافة نبوة
السؤال
الخلفاء الراشدون المهديون، هل هذه خلافة نبوة أم خلافة ملك؟
الجواب
الخلفاء الراشدون خلفاء نبوة، كانوا يسمون أبا بكر خليفة رسول الله ﷺ ، وسموا عمر خليفة خليفة رسول الله ﷺ ، لكن لما طالت الإضافات تركوها، وإلا فالمقصود خلافة النبي ﷺ في أمته بحق وعدل ورشد.
فالخلفاء الراشدون هم خلفاء النبي ﷺ بأمته بحق وعدل، وليست خلافة ملك.
стр. 205
أفضلية الصحابة على غير الأنبياء
السؤال
ما معنى قولك: (وأصحابه خير أصحاب الأنبياء من قبله ومن بعده)؟!
الجواب
إذا كنت قلت: (من بعده)، فهو سهو مني، نعم أصحاب النبي ﷺ خير أصحاب الأنبياء جميعاً بدون كلمة (من قبله ومن بعده)، فالأنبياء كلهم من قبله وهو آخر الأنبياء، فهذا سهو مني أرجو أن لا تأخذوا به.
أما إذا كان بمعنى أنه لا يأتي من هذه الأمة أفضل من أصحابه فنعم، بمعنى أن الذين ورد التصريح بفضلهم كالخلفاء الراشدين والعشرة المبشرين بالجنة، لا يمكن أن يأتي بعدهم من هو أفضل منهم.
لكن ذكر بعض أهل العلم أنه قد يكون من أفراد الأمة بعد الصحابة ﵃ من هو أفضل من بعض الصحابة الذين لم يرد التنصيص على فضل معين لهم، وهذه مسألة خلافية؛ لأن النبي ﷺ ذكر في بعض الأحاديث: أن من المؤمنين آخر الزمان من يكون أجره أجر خمسين من الصحابة، فهذا فيه إشارة إلى أنه قد يوجد من أفراد الأمة من هو أفضل من بعض أصحاب النبي ﷺ لا أفاضلهم، هذه مسألة يجوز الكلام فيها، لكن لا يكون على سبيل الجزم والاعتقاد.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 206
شرح لمعة الاعتقاد [٨]
من أصول أهل السنة والجماعة السمع والطاعة لأولي الأمر وأئمة المسلمين وإن جاروا، وذلك في غير معصية، ومن أصولهم هجر المبتدعة، وترك النظر في كتبهم، وعدم الإصغاء إلى كلامهم، وعدم التسمي بغير الإسلام والسنة.
стр. 207
السمع والطاعة لأئمة المسلمين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين برهم وفاجرهم ما لم يأمر بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس رضوا به أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين وجبت طاعته وحرمت مخالفته والخروج عليه وشق عصا المسلمين].
في هذا المقطع يقرر المؤلف ﵀ أصلاً من أصول السنة.
стр. 208
من السنة طاعة أئمة المسلمين في غير معصية
وقوله: (من السنة) أي: من سنة النبي ﷺ ، ومن سنة الخلفاء الراشدين، ومن سنة السلف الصالح، ومن سبيل المؤمنين: السمع والطاعة لأئمة المسلمين ما لم يأمروا بمعصية، وأئمة المسلمين هم كل من ولاه الله أمر المسلمين، سواء كان خليفة كالخلفاء الراشدين، ومن بعدهم ممن تسمى بهذا الاسم كبعض خلفاء بني أمية وبعض الخلفاء العباسيين، ومن جاء بعدهم، أو كان إماماً وهو بمعنى الخليفة، وهو الإمام الأعظم الذي يتولى أمور المسلمين في دينهم ودنياهم.
أو كان سلطاناً، وهو أيضاً من ولاه الله أمر المسلمين بسلطان، وهو إما أن يكون شرعياً تولى السلطة بطريق الشورى أو بطريق اختيار أهل الحل والعقد، أو بطريق الغلبة.
أو كان ملكاً، سواء تولى عن طريق الشورى أو أهل الحل والعقد، أو عن طريق الغلبة أو كان أميراً، وهو أيضاً بمعنى السلطان والملك، وهو من ولاه الله أمر المسلمين وسمي أميراً، سواء كان بالشورى أو بعقد أهل الحل والعقد أو بالغلبة، أو بنحو ذلك من الطرق التي يتولى بها الناس أو يتولى بها أحد أمور المسلمين، فكل من ولاه الله أمر المسلمين فهو له حق السمع والطاعة بالمعروف ما لم يأمر بمعصية.
لكن لهذه الأوصاف درجات من الناحية الشرعية، فخلافة المسلمين أحياناً تكون خلافة لرسول الله ﷺ على أمر المسلمين، وهذه في الخلفاء الراشدين الأربعة المهديين، وبعضهم يلحق بهم عمر بن عبد العزيز، وبعضها خلافة على عباد الله، أي خلافة الأرض في الدين والدنيا، وهذه لا يلزم أن يكون فيها الخليفة راشداً كالخلفاء الراشدين، وكلمة الإمام تُطلق على من يغلب عليه الاهتمام بالشرع، ومع ذلك قد يتسمى إماماً من هو دون ذلك.
وعلى أي حال كل هذه الألفاظ هي ولاية للمسلمين، الخليفة والإمام والسلطان والملك والأمير والرئيس، أو ما اصطلح الناس على اسمه، فالعبرة بوصفه، ما دام وصفه أن يكون أميراً أو والياً لأمر المسلمين بأي وصف وبأي اسم، فإن له حق السمع والطاعة ما لم يأمر بمعصية.
стр. 209
وجوب طاعة ولي الأمر براً كان أو فاجراً
ثم قال: (برهم وفاجرهم).
أي سواء كان هذا الإمام براً أي تقياً صالحاً، أو فاجراً أي مسلماً فاجراً، وهذا التفصيل جاء في أحاديث كثيرة صحيحة بعضها في الصحيحين وبعضها في غير الصحيحين، وكلها تأمر بالسمع والطاعة حتى للظالم الفاجر العاصي، والذي يُنكر منه ما يُنكر فإنه لا بد من السمع والطاعة له في المعروف ما لم يأمر بمعصية، أما ما يأمر به من معصية الله فلا يُسمع له ولا يطاع.
أما ما يفهمه بعض قليلي الفقه من أن كل من ارتكب معصية من الولاة فلا يُسمع له ولا يُطاع مطلقاً حتى في الطاعة فهذا فهم منكوس، وهو فهم الخوارج والمعتزلة وفهم سائر أهل الأهواء، فإن الطاعة تبقى بالمعروف والمعصية إنما تكون فيما يُنكر فقط، بمعنى أنه إذا أمر بمعصية لا تنخرم طاعته في كل شيء، بل فيما أمر به مما يخالف أمر الله.
وهذا كما هو معروف مبني على المصالح العظمى للمسلمين، فالمصالح العظمى للمسلمين تقتضي ضرورة السمع والطاعة بالمعروف حتى وإن رأى المسلمون معاصي وفجوراً، فإنهم لا يجوز أن يخلوا بمبدأ السمع والطاعة ولا يخلوا بالبيعة، لكنهم ينكرون المنكر ويأمرون بالمعروف، وينصحون لولي الأمر فإن ظهر منه معصية فإنها تُنكر بالطرق الشرعية المعروفة وحسب قواعد الشرع المعروفة.
والمعاصي تتفاوت فإن السمع والطاعة بالمعروف لا يعني ترك إنكار المنكر كما يفهم بعض الناس، فهذا أيضاً فهم معكوس كفهم من ظن أن من عصى لا يُطاع مطلقاً، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله، وإن كان خليفة أو سلطاناً أو أميراً أو والياً أو ملكاً، لكن لا تنزع منه يد الطاعة.
стр. 210
طاعة من ولي الخلافة ورضي به الناس أو غلبهم بسيفه
(ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس رضوا به أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين)، يعني من أسمائه أمير المؤمنين كما هو معهود في عصور السلف، لكن قد يُسمى بغير هذه الأسماء فيُسمى والياً، ويسمى أميراً، ويسمى ملكاً، ويسمى سلطاناً، ويسمى رئيساً أو يسمى بأي اسم ما دام الأمر في حدود المفهوم اللغوي والشرعي.
قال: (وجبت طاعته).
بمعنى أن الطاعة واجبة شرعاً فيما تجب فيه الطاعة.
(وحرمت مخالفته)، أي: مخالفته فيما فيه مصالح المسلمين من أمر المعروف، سواء ما يتعلق بدين الناس أو بدنياهم.
وكذلك يحرم الخروج عليه، وشق عصا المسلمين.
بمعنى أن الخروج دائماً يقتضي الشق، أي شق عصا الطاعة وشق عصا المسلمين، بمعنى تفريق كلمتهم والخروج على أصلهم الذي هو هذا الاعتقاد الذي ذكرته.
وهذه القواعد كلها أيضاً مبنية على نصوص وقد أجمع عليها السلف، ولذلك عدوا من خالف في أمر من هذه الأمور من أهل الأهواء.
стр. 211
الحكم على ولاة الأمر من حيث البر والفجور
مما يتعلق بهذه المسألة أو بهذا الأصل الأمور التالية: أولاً: الحكم على ولاة الأمور من حيث البر والفجور أو الكفر أو نحوه؛ لأنه ورد عن النبي ﷺ في حديث آخر في وجوب الأمر بالسمع والطاعة، ثم قال: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم عليه من الله برهاً).
فيما يقتضي مخالفة هذه الأصول ليس الحكم للفرد إنما الحكم للجماعة، وهم أهل الحل والعقد في الأمة، وأهل الحل والعقد هم أهل العلم ومن يلحق بهم من طلاب العلم والدعاة، وأهل الرأي والمشورة في الأمة من رؤساء وقواد ووزراء وموظفين وغيرهم فإن هؤلاء يدخلون في عموم أهل الحل والعقد ما داموا يلتزمون شرع الله في هذا الأصل.
إذاً فالحكم بكل ما يتعلق بولي الأمر في الأمور العامة ومصالح الأمة الكبرى كعقد البيعة، أو نقلها، أو الحكم بكفر معين، أو بكفر حالة من الحالات التي يقع فيها الحاكم، ولوازم الخروج على البيعة، كل ذلك يرجع إلى أهل الحل والعقد؛ لأن الرسول ﷺ خاطب الجماعة فيما يتعلق بالولايات ولم يخاطب الأفراد، فالخطاب يرجع إلى الجماعة، والجماعة يمثّلون بأهل الحل والعقد منهم، هذا أمر.
стр. 212
حكم الأخذ برأي العوام في مصالح الأمة وقضاياها الكبرى
الأمر الآخر: أن ما يتعلق بمصالح الأمة الكبرى مثل تولية السلطان أو البيعة له، أو تقدير أمر من الأمور الشرعية العظمى التي ترجع إلى أهل العلم وأهل الحل والعقد، لا يصح أن يؤخذ فيها رأي عامة الناس، فعامة الناس تبع للعلماء وأهل الرأي وأهل الحل والعقد وهذا ما كان عليه سلف الأمة.
بمعنى أنا لو أردنا أن نقرر مسألة من المسائل التي تتعلق بدنيا الناس أو دينهم، أو خلافتهم أو إمارتهم لا نذهب إلى ما يذهب إليه الأوروبيون والغربيون ومن سلك سبيلهم من المسلمين، فلا نسلك مسلك التصويت، ونقول بعدد الأصوات نقرر كذا أو نمنع كذا؛ لأن أغلب الناس دهماء ورعاع، وأغلب الناس تحكمهم العواطف والمصالح الشهوانية، وأغلب الناس فيهم جهل، حتى وإن وجد عندهم عواطف دينية، فإن هذا الأصل لا يؤخذ -كما يظن كثير من الشباب الآن- بالأكثرية، ولا يصح هذا في مصالح الأمة العظمى، والأكثرية هم الهالكون غالباً، حتى في المجتمع المتمسك لأن أغلب الناس غوغاء وعوام وأشباه عوام لا سيما في هذا العصر حينما كثر المتعالمون، فأكثر العوام من أنصاف المثقفين، وأكثر المثقفين هم عوام، فإذا أوقعنا مصالح الأمة تحت التصويت وما يشبهه فإن هذا هو الهلكة.
ولأضرب لكم مثالاً: من البلايا التي أُصبنا بها ما يسمى بالدش، هذه المضرة العظمى المؤكدة من يقرر الضرر فيها والنفع، أليس هم أهل العلم وأهل الفقه في الدين؟ نعم.
لو أخذناها بالتصويت ما الذي سيحدث؟ الآن صارت في البيوت فلا يكاد يخلو منها بيت، بل وجدناها في البادية وفي القرى وفي بيوت الشعر إذاً: هل يؤخذ رأي الناس في مصالحهم الكبرى بعددهم؟ لا، يؤخذ بالمصلحة الشرعية وإلا وقعنا في الهلكة.
وأنا أحببت بهذه المناسبة أن أنبه كثيراً من إخواننا طلاب العلم ألا ينجرفوا مع كثير من المثقفين العاطفيين من الإسلاميين وغيرهم الذين يريدون أن يجروا الأمة إلى هذا المسلك، ويأخذوا بأكثريتها إلى مهالك، ويبنوا أقوالهم وأحكامهم على مجرد رغبة أكثر الناس، وكثير من القضايا الحساسة المهمة التي تتعلق بدين الأمة وبكرامتها وبفضيلتها لو وضعناها للناس بالتصويت، لاختاروا طريق الهلاك، ولا أظن هذا يخفى عليكم.
إذاً: من ضمن هذا أيضاً ما يتعلق بالولاية والعزل والسلطة وغيرها، فهذه ترجع إلى أهل الحل والعقد من العلماء ومن كان في سبيلهم ممن يعرف للعلماء اعتبارهم من أهل الرأي والمشورة من الرؤساء والقواد وغيرهم هؤلاء لهم اعتبارهم لأنهم يرجعون إلى العلماء، فإذا لم يرجعوا للعلماء فلا اعتبار لهم.
стр. 213
منهج أهل السنة في معاملة أهل الأهواء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن السنة هجران أهل البدع ومباينتهم، وترك الجدل والخصومات في الدين وترك النظر في كتب المبتدعة والإصغاء إلى كلامهم وكل محدثة في الدين بدعة، وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع، كالرافضة والجهمية والخوارج والقدرية والمرجئة والمعتزلة والكرامية والكلابية ونظائرهم فهذه فرق الضلال وطوائف البدع أعاذنا الله منها].
في هذا المقطع ذكر منهج أهل السنة والجماعة في معاملة أهل الأهواء، وذكر من ذلك أصولاً أولها: هجران أهل البدع.
стр. 214
أنواع الهجر
الهجر أنواع وأصناف، من أشهرها نوعان: الأول: هجر المجانبة، والبعد عن مواطن البدع وأهلها.
بمعنى أن تهجر صاحب البدعة فلا تخالطه ولا تجالسه ولا تنادمه ولا تصاحبه في سفر، ولا فيما يقتضي الرضا ببدعته، أو ما يفهم منه الرضا ببدعته أو إقراره على ما هو عليه.
وهذا النوع من الهجر يملكه كل الناس في كل زمان، بمعنى ألا تخالطه مخالطة المنادمة والمصاحبة التي تؤثر عليك وتوقعك في التبسط والرضا بما هو عليه؛ لأن مجرد المجالسة الطويلة تشعر بالرضا، بل لا بد أن يكون من لوازم المجالسة الرضا بما عليه الجليس.
وأهل البدع الذين يُهجرون هم أهل البدع المغلظة والشركية ما داموا مظهرين لبدعتهم في أعمالهم أو يدعون إليها، فإذا كانت ظاهرة في سلوكهم فيجب هجرانهم بهذا النوع الذي ذكرته، وكذلك إذا دعوا إليها بأي نوع من أنواع الدعوة فإنه يجب هجرانهم على النوع الذي ذكرته.
الثاني: هجر المباينة والعداوة، وهجر البراءة والتضييق، وهي أمر زائد على مجرد ترك المصاحبة.
وهذا النوع الغالب أنه لا يحكم به فرد، إنما يرجع إلى أهل العلم الذين يؤخذ بحكمهم، أو إذا قالوا امتثل الناس قولهم.
وهو أن يأمر من له رأي وحل وعقد من عالم كبير أو وال تهمه عقيدة الأمة بألا يتعامل مع فلان وأن يُهجر فلا يتكلم معه حتى في الأمور الصغيرة البسيطة، وهذا الهجر هجر الردع وهجر التأديب، كما فعل عمر ﵁ مع صبيغ بن عسل التميمي وكما فعل ثابت البناني وابن عون والحسن البصري والأوزاعي ونحوهم من الأئمة الذين هجروا أصنافاً من أهل البدع في وقتهم، كـ واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد والجعد بن درهم وغيلان الدمشقي وغيرهم، فإنهم كلهم ممن حُكم بهجره وإسكاته، وكان الناس في ذلك الوقت يمتثلون، فإذا قال العالم أو الأمير قولاً في صاحب بدعة بأن يُهجر ولا يُصاحب أو لا يكلم فإن الناس يهجرونه الهجر الكامل ويبتعدون عن مجالسته ومخالطته، فإذا لقوه في الشارع أو في السوق جانبوه، إذا قعد في حلقة إما أن يقوم وإما أن يقوموا هم، وإذا جاء إلى مائدة أو حفل أو نحوه إما أن يُخرج أو يخرجوا ويتركوا هذا الحفل ونحو ذلك، فهذا الهجر بمعنى المباينة الكاملة والمفاصلة، والمقصود به تأديب المبتدع نفسه، وزجر غيره ليرتدع الجهلة من الوقوع في الأهواء، وأيضاً ليحصن الأمة من بلائه وخطره.
وهذا النوع يرجع إلى مدى استعداد الناس لطاعة العالم أو طاعة الوالي، فإذا كان الناس سيطيعون فإنه ينبغي أن يُتخذ هذا المسلك مع أهل البدع المغلظة الذين يُخشى خطرهم على الأمة، لكن إذا كان العالم أو الآمر بذلك لا يُطاع فإن المسألة تكون مجرد عبث، والغالب أن الأمر ينعكس، أعني أنه إذا كان العالم أو الأمير لا يُطاع عندما يأمر بالهجر فإن هذا سيؤدي إلى التعاطف مع المبتدع.
إذا كان المسلمون في غربة وأهل السنة في غربة أو في حالة استضعاف، أو في وقت تهيمن عليه بعض النظم التي قد تحول بين العالم أو الإمام وبين تنفيذ أمره، فإن المسألة تحتاج إلى فقه آخر، أي أن من الحكمة ألا يؤمر بالهجر من هذا النوع، أما النوع الأول فكل يملكه في كل وقت، أي أن تجانب المبتدع ولا تجالسه إلا في حدود الضرورة القصوى كأن تعامله بصفته جاراً، فتعطيه حق الجوار، أو بصفته زميلاً في العمل فتعامله في حدود العمل أو تعامله في المصالح المادية الخالصة التي ليس فيها نوع تودد أو معاشرة تامة، فإن هذا قد يُسمح به إذا كان صاحب هذه البدعة لا يدعو إلى بدعته، أما إذا دعا إلى بدعته فلا بد من الحزم معه.
قال: (وترك الجدل والخصومات في الدين).
وهذا نوع من أنواع الهجر، بل هو أصل يتعلق بالهجر وغيره، وجاء به هنا لأن أهل الأهواء غالباً ما يجرون من يجالسهم إلى الخصومات؛ لأنهم يثيرون الشبهات والإشكالات في الدين من ناحية، ومن ناحية أخرى فالغالب أن أهل الأهواء من أحرص الناس على ترويج أهوائهم والدعوة إليها بكل وسيلة، فيلبسون على الناس ويظهرون أنهم أهل تقوى وصلاح، بل لعل من أعظم أسباب الفتنة بأهل الأهواء ووجود أتباع لهم من غوغاء المسلمين وعامتهم أنهم يتظاهرون بالصلاح والاستقامة، وهذا من الابتلاء الذي ابتلى الله به العباد.
ولذلك إذا تأملنا أحوال الذين ظهرت على أيديهم البدع الكبرى التي ذكرها المؤلف هنا، نجد أن المؤسسين كلهم إلا النادر منهم تجدهم ممن يوصفون بالصلاح والاستقامة والورع والزهد والحرص على مصالح المسلمين والغيرة، والكلام عن الدين بعاطفة وبتأثير قوي، ابتداءً من الخوارج، والنبي ﷺ وصفهم بقوله: (تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم)، هؤلاء الخوارج الأولون، والخوارج الآخرون الذين يخرجون في آخر الزمان كذلك، كما ذكر النبي ﷺ في البخاري وغيره: (سيخرج في آخر الزمان أناس حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام)
стр. 215
ترك النظر في كتب المبتدعة
ثم قال: (وترك النظر في كتب المبتدعة).
هذا أيضاً أصل عظيم جهله كثير من مثقفي الأمة اليوم، وأكثر طلاب العلم خاصة في البلاد التي سلمت من البدع كبلادنا لا يوجد منهم من ينظر في كتب البدع إلا نادراً ولضرورة، لكن هناك طائفة أخرى مخضرمة وهي طائفة المثقفين وما أكثرهم، هؤلاء يقرءون مما هب ودب، بل أكاد أقول: إن قراءتهم في كتب البدع والأهواء والكلام والفكر الحديث المنحرف عن أهل السنة أكثر من قراءتهم في الكتب الشرعية، حتى من كانت عنده عواطف شرعية وعواطف إسلامية، فأغلب قراءتهم في كتب البدع والنظر فيها وهم لا يشعرون، ويظنون أنهم يتلقون ديناً وفكراً إسلامياً وهذا أمر يحتاج أن ينبته له طلاب العلم.
طالب العلم ينبغي أن يقتصر في سنين الدراسة على كتب العلم الشرعية، وليحذر أن يقرأ شيئاً من كتب الأهواء والبدع، أو كتب الثقافة غير المأمونة، فإذا استوى واشتد وشهد له مشايخه وأجازوه فلا مانع أن يقرأ في كتب الأهواء بشرط أن يكون لقراءته فائدة معلومة، ليس لمجرد الاستطلاع أو استظهار معلومات جديدة، ولكن لفائدة معلومة محددة يريد أن يصل إليها، كرد بدعة، أو الرد على شبهة، أو لمحاولة تقرير أصل من الأصول، أو نحو ذلك مما فيه فائدة للإسلام والمسلمين، أما ما عدا ذلك فليحذر طلاب العلم من الوقوع في كتب البدع؛ لأنها تستهوي ولذلك نجد غالب عشاق القراءة من المثقفين الذين لم يطلبوا العلم الشرعي على العلماء تستهويهم كتب البدع، ويتلذذون بها، ويشعرون بنشوة عند قراءتها.
وكتب البدع في وقتنا أكثر من مجرد كتب الفرق في الماضي، من كتب البدع: كتب الفرق المعلومة كتب الجهمية، والمعتزلة، والخوارج، والرافضة، لكن من كتب البدع الآن ما قد يخفى على كثير من طلاب العلم فضلاً عن غيرهم، فأكثر ما يسمى بكتب الفكر الإسلامي كتب أهواء وبدع، وأكثر ما يسمى بكتب الثقافة الإسلامية التي انتشرت الآن تدخل في كتب البدع، وأكثر الدراسات والمؤلفات حول الأدب والتاريخ والعلوم الإنسانية إما كتب بدع أو تسير على نهج أهل البدع، ويستثنى القليل من ذلك، لكن هذا القليل لا يعرفه إلا طلاب العلم الخُلّص.
بمعنى أنه ليس كل من حمل راية الثقافة أو حصل على الشهادة أو على كذا من الألقاب نركن إليه في ديننا ونطمئن إلى مشورته، فيما نقرأ وما نترك؟ بل الغالب أن هذا النوع يحتاج إلى توجيه، ولو بلغ الستين والسبعين وما فوق ذلك من عمره، كما يحتاج صبياننا في الكتاتيب.
следующие страницы →