← Акыда

Акыда · id 37724

شرح لمعة الاعتقاد - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (239 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

البدء بالدراسة من أثناء الكتاب السؤال كثير من طلاب العلم يريد أن يبدأ الدراسة مع بعض المشايخ فيجده قد قطع شوطاً كبيراً في الدرس فما يصح في هذه المسألة؟ الجواب هذه مسألة في الحقيقة تحتاج إلى علاج، فكثير من طلاب العلم يبدأ الدرس من نصفه، أقول: وهذا يختلف ما بين درس ودرس وما بين شخص وشخص، فإن كان هذا الشخص ممن لديه إلمام بالعلوم الشرعية أو خريج معاهد شرعية أو كليات شرعية فلا يضره أن يبدأ من منتصف الكتاب، وبعد ذلك يرجع إلى النصف الآخر، ما لم يكن الكتاب من الكتب التي يترتب آخرها على أولها، وهذه قليلة مثل: كتب أصول الفقه وبعض كتب علوم الحديث وكتب الفرائض، وبعض كتب علوم القرآن، وغيرها من الكتب المنهجية التي يترتب أولها على آخرها، أما الشروح وأشباه الشروح فإنه لا يضر طالب العلم أن يبدأ في منتصف الكتاب ثم يكمل النصف الأول وإن كان هذا غير طبيعي لكن أحسن من لا شيء، وإذا أمكنه أن يجد الكتاب من أوله أو يبدأ الكتاب من أوله فهذا أولى، ويصبر حتى ينتهي الكتاب الآخر ويبدأ به من أوله، لكن إذا لم يكن ذلك فكما قلت إن كان طالب علم عنده شيء من العلم الشرعي أو خريج المعاهد العلمية أو خريج شريعة أو كليات شرعية فلا مانع من أن يبدأ في الكتاب من منتصفه ما لم يكن من كتب المناهج والأصول، فهذه لابد من البدء بأولها.

стр. 37

دراسة المتن بدون شرح السؤال هل الأفضل لطالب العلم في مثل هذه الدروس الفقهية أن يحضر المتون المشروحة أم المتون فقط بدون شروح، أيضاً التعليقات التي تعلق على المتون الكثير منها موجود في المتون المشروحة؟ الجواب أما غير لمعة الاعتقاد فالأولى أن يسأل أستاذ كل مادة عن الطريقة التي يراها، أما بالنسبة للمعة الاعتقاد فلا مانع من إحضار أحد الشروح، وطبعاً من أيسر الشروح وأكثرها تفصيلاً وعنصرة شرح الشيخ: محمد العثيمين.

стр. 38

أخذ العلم من الكتب دون التتلمذ على الشيوخ السؤال متى تنطبق القاعدة على طالب العلم: من كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه؟ الجواب هذه حكمة بليغة وجيدة، والواقع يدل على ذلك قديماً وحديثاً، وقد يندر نادر في التاريخ بل لا أعرف إلا مثالاً واحداً أن من طلب العلم في وقت متأخر على علماء أصغر منه سناً أو في سنه يعني: ليسوا أكبر منه إلا القليل منهم وأكثر طلبه للعلم على الكتب، ومع ذلك كثرت عنده الأخطاء رغم إمامته في الدين وذكائه وعبقريته، وهو ابن حزم ﵀، فإنه طلب العلم وهو كبير في السن فأخذ العلم عن الكتب وقليل طلبه على المشايخ، وهو ما ترك المشايخ لكنه قليل طلبه على المشايخ، فلذلك صار له نهج يخالف نهج سائر أئمة السلف في كثير من الأمور، وإن كان لا يعد من أئمة الضلالة لكن عنده أخطاء، خاصة في تعامله مع العلماء فتجده يعير المخالف ويلقبه بأشنع الألقاب وإن كان المخالف إماماً كبيراً من أئمة الدين، فتسلط لسانه ﵀ على أهل العلم بسبب أنه ما تلقى العلم بأدبه ولا عن العلماء.

стр. 39

نصائح في قراءة كتب شيخ الإسلام السؤال نريد نصائح لمن أراد قراءة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهل صحيح ما يقال: ليس كل شخص يقرؤها من المبتدئين وغيرهم، بل أناس متبحرون في طلب العلم؛ لأن فيها شيئاً من الصعوبة؟ وما رأيكم هل الأفضل انتقاء بعض الكتب المتنوعة في العلوم المختلفة، أو الاقتصار على فتاوى شيخ الإسلام؟ الجواب في الحقيقة كتب شيخ الإسلام مما ينبغي على طالب العلم المبتدئ ألا يستقل بقراءتها، وإن كان بعضها يصلح لذلك لكن من الصعب تمييزها، الفتاوى هي موسوعة لشيخ الإسلام ابن تيمية، فينبغي لمن أراد أن يقرأها أو يقرأ جزءاً منها أن يقرأها على طالب علم، هذا الأولى، لذلك نعرف بعض المشاهير الذين قرءوا فتاوى شيخ الإسلام أكثر من مرة، ليس عندهم هدي العلماء في تطبيق العلم الشرعي على الحياة والواقع وفي تأصيل العلم الشرعي؛ لأنه قرأها على غير عالم، قد يكون هناك بعض المثقفين من قرأها مرتين أو ثلاث، بل هناك مستشرقون قرءوا كتاب المغني وكتب شيخ الإسلام مرات وما استفادوا منها. والسبب أن التلقي على أسلوب غير صحيح، فتلقي هذه العلوم والتي تؤصل وترجع الأمور إلى مناهجها وأصول الاستنباط وأصول الاستدلال، يجب أن يكون على طلاب العلم والعلماء.

стр. 40

الموقف من جماعة التبليغ السؤال هذا سؤال لن أجاوب عنه مباشرة لكن من المناسب أن أقول رأيي في مثل هذه الأمور كتوجيه عام لإخواني حسب ما أسمع من مشايخنا ومن المعنيين في هذه المسائل، طبعاً السؤال أقرأه عليكم لكن سأحيد عن الجواب بالتفصيل. يقول: ما رأيكم في جماعة التبليغ التي هنا في الرياض وخصوصاً في الحي الفلاني، وهم يحثون على الخروج إلى الدعوة ويجددون المدة إلى آخره؟ الجواب جزى الله خيراً السائل؛ لأن كثيراً من الشباب في رأسه مثل هذه الأمور، ويحق له ذلك، لكن مع هذا اعذروني عن الجواب التفصيلي لكن سأجيب جواباً جماعياً فهذه المسائل تظل محل نزاع بين المشايخ وطلاب العلم، فيتفقون على الأخطاء العقدية والمنهجية في جماعة التبليغ؛ لكن يختلفون في تكوينها تفصيلاً وفي الموقف منها وفي التعامل مع المنتسبين إليها، وهذا الخلاف يرجع به إلى القاعدة التي ذكرتها من قبل، أنها خلاف بين طلاب العلم والمشايخ المعتبرين فمنهم من له رأي متسامح وتبريرات شرعية يرونها، وهناك رأي آخر متشدد بتبريرات شرعية يرونها، ورأي ثالث يتوسط ويفصل وله تبريرات شرعية. فأما من حيث الأصول العقدية والأخطاء في المناهج فهذا أمر لا يختلف عليه أهل العلم في هذا الباب، لكن يختلفون في كيفية التعامل معها، فهذه مسألة خلافية، واتركوا الناس على اجتهاداتهم، ولا مانع أن نؤجل هذه المسألة حتى يتروى في دراستها وتناقش مع المعنيين من العلماء وطلاب العلم ولو طال الوقت فلتتسع صدورنا؛ لأن الله أمرنا بالصبر ثم لا نتخذ موقفاً نتشنج به لا هنا ولا هناك، هذا الذي أنصحكم به، وأنتم معفيون من هذه المسألة إلا من تعرض بشخصه لهذه المسائل مواجهة لابد منها، فإذا واجه أحداً منهم بأمر لابد منه فيسأل طالب علم وإن لم يسأل فيتوكل على الله ويمشي على ما يرشده إليه.

стр. 41

حكم القول أن الله على ما يشاء قدير السؤال هل يصح القول أن الله على ما يشاء قدير؟ الجواب نعم يصح، ولا يتنافى مع أنه على كل شيء قدير.

стр. 42

مذهب المعتزلة والمعطلة في الأسماء والصفات السؤال ذكرت في كلامك بعض الطوائف مثل المعتزلة والمعطلة، فما هو مذهبهم في الأسماء والصفات؟ الجواب الجهمية المعطلة ينكرون الأسماء والصفات جملة وتفصيلاً. والمعتزلة عندهم نوع تعطيل وهو إنكار الصفات وإثبات الأسماء.

стр. 43

أسماء الله توقيفية السؤال هذا سؤال عن درس الأمس يقول: أليس كلمة القديم فيها كمال الله وكذلك الوجود؟ الجواب نعم كلمة القديم فيها جانب يدل على الكمال وكذلك كلمة الوجود، لكن أسماء الله توقيفية بمعنى أنها لا تؤخذ إلا عن الكتاب والسنة، والأمر الثاني أن المعاني التي فيها القديم ليست جديدة ويمكن أن ترجع إلى ما تكلم الله به، وهو الأول الذي ليس قبله شيء. وكذلك الوجود كلمة فيها معنى فاضل وهو معنى الكمال، لكن تغني عنه ألفاظ الشرع الأخرى، مثل: الله الحي القيوم، وسائر أسماء الله . فالمقصود تجنب الألفاظ لا معانيها، وهذه قاعدة: كل معنى كامل يرد على ألسنة البشر فالله أحق به، لكن إن كان اللفظ لم يرد في الكتاب والسنة فإنه يرد معناه إلى ألفاظ الكتاب والسنة ويترك اللفظ لأنه لم يرد، ونحن نجزم بأن مما نتحدث به ما لم يتكلم به الله ولا رسوله ﷺ لا يتضمن الكمال من جميع الوجوه وقد يكون فيه كمال ولو من وجه، فإذاً: نترك المشتبه ونكتفي بما ورد.

стр. 44

أفضلية الصحابة على غيرهم السؤال قبل الدرس دار نقاش بيني وبين أحد الإخوة فقال: إن الأتقياء في هذا العصر أفضل من الصحابة؟ الجواب أول شيء لماذا تتناقشون في مسألة ليس عندكم فيها علم، فإنه يظهر لي أنكم تناقشتم بغير علم، فمثل هذه القضايا الغيبية أو العلمية الخطيرة التي تتعلق بمصير المسلمين: هل الصحابة أفضل أم بعض أفراد الأمة الآن؟ هذه مسائل كبيرة تتعلق بما يسمى بالأسماء والأحكام، والعلماء المتبحرون يتورعون عن الكلام فيها، وإذا تكلموا تكلموا بحذر، فكيف تدور في مجالس الشباب ابتداء. الذي أعرفه في هذه المسألة أن الصحابة هم أفضل الأمة على الإطلاق بجملتهم ثم التابعون ثم تابعوهم. ثم بعد ذلك الأمة فيها فضلاء إلى قيام الساعة، لكن بعد القرون الثلاثة الفاضلة ليس هناك ما يدل على أن هناك عصراً أفضل من عصر ولا مكاناً أفضل من مكان بإطلاق، تفضيل الأمكنة والأزمنة جاء دون تحديد وقت، وجاءت تفضيلات معينة لكن ليس على سبيل الدوام إلى قيام الساعة؛ فهذا المكان الفاضل قد يصبح مفضولاً في يوم من الأيام، والمكان المفضول قد يصبح فاضلاً في يوم من الأيام وهكذا، وسائر النصوص التي فيها تفضيل لا يمكن أن تؤخذ على الإطلاق إلا بدلالة شرعية أخرى كتفضيل الصحابة والذين يلونهم والقرون الثلاثة هذه جاءت مطلقة ومفسرة ومبينة بأنها هذه العصور وما عداها فيس هناك دليل عليه. مسألة: هل يوجد أفراد من أتقياء الأمة في هذا العصر يفضلون عموم الصحابة؟ الجواب: لا. كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: فلا يمكن أن يوجد ممن جاءوا بعد القرون الثلاثة من يكون أفضل من عموم الصحابة، لكن قد يوجد فاضل بعد القرون الثلاثة يفضل بعض أفراد القرون الثلاثة أو بعض أفراد الصحابة في جانب وليس من جميع الجوانب؛ لأن الصحابة لهم فضل الصحبة، بل الصحبة لا يمكن أن تأتى إلا لمن صحب النبي ﷺ ، وهذا فضل آتاه الله هذا الجيل، والله يؤتي فضله من يشاء فليس لأحد هذه الأفضلية. لكن الفضل من حيث العمل قد يوجد، فقد يوجد من يعمل عملاً أفضل من عمل بعض الصحابة، كما ورد في الحديث أنه قد يوجد من هذه الأمة من يأتي في آخر الزمان ويكون أجره أجر خمسين من الصحابة، فهذا يتعلق بالأجر، والأجر لا يلزم منه مطلق الأفضلية كما ذكر شيخ الإسلام، واتفق أهل العلم في ذلك.

стр. 45

التوفيق بين طلب العلم ومتطلبات الحياة السؤال كيف يوفق طالب العلم بين طلب العلم ومتطلبات هذه الحياة التي قد تشغل عن طلب العلم، سواء كانت هذه الأشغال خاصة بالأهل مثلاً، أو الدراسة ومتابعتها إلى غير ذلك من الأشغال؟ وما هي الطريقة المثلى لحفظ الوقت؟ الجواب نعم، الغريب أنه يوجد شعور عند كثير من الناس بأن اليوم كانوا أكثر مشاغل من السابقين، وهذا صحيح من وجه لكن ليس صحيحاً من وجه آخر، أما أن يكون هذا العصر ومتطلبات الحياة مشغلة عن العبادات وطلب العلم الشرعي وضرورات الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة فهذا غير صحيح، بل أنا أدعي أن هذا العصر توفرت فيه الوسائل التي تخدم هذه الأمور أكثر من ذي قبل. صحيح أن التشاغل بالمغريات وبهرجة الحياة وانشغال القلب والذهن والخاطر موجود، أما الوقت فإن الإنسان الجاد يستطيع أن يهيئ لنفسه من الوقت للعبادة وطلب العلم الشرعي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة أكثر مما يتهيأ للسابقين، لتوفر وسائل الحياة التي تخدم الإنسان. ولنأخذ هذه المقارنة بين وسائل الحياة القديمة ووسائل الحياة الحديثة، فالإنسان يجد من وسائل النقل المريح وتهيئة الوقت ما لا يوجد في السابق، ولنضرب مثالاً بالرحلة لطلب العلم الشرعي. الآن يستطيع الجاد أن يتابع درساً أسبوعياً في الرياض وهو في جدة، وكان في السابق إذا أراد أن يرحل إلى عالم يقطع ما بين الرياض وجدة في عشرة أيام على الأقل، ثم يجلس نصف ساعة يتلقى حديثاً ويمشي، وقد يسافر شهراً كاملاً في الأصل، ومع ذلك بارك الله في وقتهم وجهدهم. كان طالب العلم في السابق يعد لنفسه الأكل ثلاث وجبات أو وجبتين في اليوم ويغسل ثيابه ويرتب كتبه ويقضي حوائج أهله الطويلة المدى، فقد كان يذهب للبحث عن ماء -أحياناً- فيظل نصف يوم كامل من أجل أن يجلب قربة ماء، أو يجلب القوت الضروري، وقد يسافر عشرة أيام أو عشرين يوماً لتوفير قوت شهر أو أقل من ذلك وهو طالب علم، اقرءوا السير تجدوا أكثر العلماء كانوا مشغولين بمشاغل الحياة ويكدون على أسرهم ومع ذلك تبحروا في العلم. فإن المسألة مسألة شعور في النفس وانشغال خواطر الناس بجوانب الحياة الفتانة، أما من ناحية الوقت فإن طالب العلم الجاد يستطيع أن يوفر من الوقت ما لا يستطيعه السابقون، فالحمد لله أن كل شيء متوفر حتى عوامل الطقس، فقد كان طالب العلم في السابق إذا اشتد البرد لا يستطيع أن يتلقى العلم؛ لأنه ليس عنده تدفئة فيبحث عن وسيلة، وإذا اشتد الحر لا يستطيع أن يواصل، أما الآن إذا اشتد عليه شيء من هذه الأمور ذهب إلى الوسائل المريحة واستعمل المكيف. وحتى لا أبعدكم كثيراً أخبركم عن أول نشأة في الدراسة النظامية في هذا البلد، فقد كان طلاب العلم أكثر تفوقاً وأكثر تبحراً بكثير من طلاب اليوم، مع أن وسائل الحياة غير متوفرة عندهم كاليوم، كان الواحد إذا خرج من الدراسة انشغل بإعداد الغداء إلى العصر، وقد يتوفر عنده وقت بين المغرب والعشاء، وبعد العشاء ينام مبكراً، ثم بعد صلاة الفجر يذهب إلى الدراسة فأين وقته. وكان يحتاج إلى أن يغسل ثيابه، وإلى أن يعد الحاجات الضرورية وغيرها بنفسه، ومع ذلك كان أكثر تحصيلاً وأكثر علماً وأبرك في اغتنام الوقت، أما اليوم فإن الطالب قد هيئ له السكن ووسائل النقل وأهله مخدومون، فغاية ما يحتاج أن يتصل بهم بالهاتف: هل أنتم طيبون ويطمئن على صحتهم، ومع ذلك فمعاذيره كثيرة ورسوبه كثير، وتخلفه عن الدراسة كثير، وتخلفه عن الامتحان كثير، وتحصيله هين. إذاً: المسألة مسألة شعور نفسي وعدم جدية في ضبط الوقت، ولو ضبط طالب العلم وقته في هذا العصر لوجد من الوقت الشيء الكثير ووجد عنده الفراغ الذي كان لا يوجد عند السابقين، هذا ما يظهر لي، والله أعلم.

стр. 46

الأمور المعينة على الجرأة في الإلقاء السؤال ما هي الأمور التي تعين على الجرأة في إلقاء الكلمات والإمامة الصعبة، وما هو العلاج لمرض الخوف والاستحياء؟ الجواب أولاً: لا ينسى الشخص الذي يشعر بهذه الأمور أن يكثر من الدعاء لله واللجوء إليه، وليدع بما يهمه من هذه الأمة، ومسألة الخطابة ينبغي أن يتدرج فيها، فيعلم الصبيان والحلقات موجودة في كل مسجد، فإن كان كبيراً فليتواضع وليسهم في الدروس المبسطة وحلق الذكر أو حلق تعليم القرآن وغيرها فيشارك فيها ويعلم الصغار؛ لأن الصغار ليس لهم هيبة، ثم يتدرج إلى من هم أكبر، ثم إلى المساجد التي ليس فيها أناس كثر أو بين زملائه ويتحدث بين عدد أكبر في المجالس العامة. وليتحدث أول الأمر بحديث لا يكون طويلاً، بل يأخذ آية ويعلق عليها أو حديثاً ويشرحه؛ لأن الحديث الطويل يشعر غير المعتاد عليه بالرهبة قبل أن يتكلم، لأنه يشعر بأنه قد ينفلت منه الحديث؛ لكن إذا قصر الكلام على جزء قليل فإنه بإذن الله يؤدي يحسن فيتشجع، ولا ينسى أن يستصعب الدعاء في كل خطوة يخطوها، فإذا أراد أن يقوم بخطوة فليدع الله أن ييسر له وأن يوفقه وأن يهديه وأن يفتح قلبه، وإن شاء الله أنه سيعان، والدعاء سلاح المؤمن، لاسيما من يريد الخير، ولاشك أن صاحب مثل هذا السؤال قصده الخير ويريد أن ينفع من قد يعاني من هذه الأمور. هذه الأمور تعالج الحياء وتعالج القلق وتعالج الهيبة من المواقف الجريئة.

стр. 47

الموقف الصحيح من اختلاف العلماء في المسألة السؤال ماذا يفعل طالب العلم إذا لم يترجح عنده مسألة من المسائل فأخذ يتردد بين الأقوال، مثل إرسال اليدين بعد الرفع من الركوع أو وضعهما على الصدر، فأخذ يفعل هذا تارة وهذا تارة؟ الجواب هذا التذبذب دليل قلة الفقه في الدين، فعلى من هذا حاله أن يضع ثقته بعالم من العلماء أو طالب علم وإذا أفتاه بشيء واطمأن إليه شرعاً فعليه أن يذهب إلى قول من يطمئن إليه ويترك الرأي المخالف، ثم يعرف أن هذه مسائل خلافية، بمعنى أن كثيراً من المسائل الخلافية وإن كان فيها راجح ومرجوح فهذا لا يعني أن هناك باطلاً محضاً وحقاً محضاً، فليتسع صدره لهذه الأمور ولا يقلق، ويعمل بقول من يثق به من أهل العلم ويستريح ويترك عنه كلام الناس والجدال معهم، ولا عليه أن يقنع الآخرين، بل عليه أن يعمل بما يسعه شرعاً ولا يهمه الآخرون الذين يخالفونه ما دام ليس من أهل العلم المتمكنين.

стр. 48

سؤال الناس عن صفات الله السؤال سؤال الناس عن العقيدة في صفات الله كأن يقال: أين الله وهل لله كذا من الصفات؟ الجواب هذا في الحقيقة ينبغي ألا يثار علناً، وسبق أن قلت في مناسبة سابقة أن السؤال بأين الله لا ينبغي أن يبتدأ به المتعلمون والعوام وأشباه العوام، وأنه لا يكون إلا في دروس العلم المتخصصة في العقيدة، أما ما عدا ذلك فالناس يقرر لهم هذه الأمور بدون امتحان. أما سؤال النبي ﷺ للجارية فله مناسبة كبيرة، ليعرف هل هي مؤمنة أم لا، وهل عقيدتها سليمة أو غير سليمة أو هل تفهم العقيدة أو لا تفهم، فإذا وجدت هذه المناسبة من عالم أو طالب علم فلا مانع، أما أن يفتن الناس وتلقى هذه الأسئلة على التلاميذ الصغار فهذا يوقعهم في حرج، ويوقعهم في أمر قد يضر بالعقيدة أكثر مما ينفعها. فلذلك لا أرى هذا السؤال ومثله في سائر الصفات، إنما تقر هذه الأمور تقريراً، إلا سؤال طالب العلم الذي يتعلم من أجل الفهم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 49

شرح لمعة الاعتقاد [٤] لقد دلت آيات القرآن وأحاديث السنة على ثبوت صفة الكلام لله ، فالله تعالى يتكلم بما شاء كما شاء متى شاء، والقرآن العظيم من كلام الله تعالى الذي تكلم به على الحقيقة، وقد أنكرت الفرق كثير من الفرق الكلامية صفة الكلام، وبعضهم أولوها وفسروها بمعانٍ تخالف ما عليه مذهب السلف.

стр. 50

كلام الله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل في كلام الله : ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم، يسمعه من شاء من خلقه، سمعه موسى ﵇ منه من غير واسطة، وسمعه جبريل ﵇ ومن أذن له من ملائكته ورسله، وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه، ويأذن لهم فيزورونه، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤]، وقال سبحانه: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، وقال سبحانه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١١ - ١٢]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤]، وغير جائز أن يقول هذا إلا الله].

стр. 51

الكلام صفة من صفات الله تعالى في هذا المقطع إثبات لأصل من أصول أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بكلام الله تعالى، وما ورد فيه من تفصيل في كتاب الله، وفي سنة رسول الله ﷺ ، وما اتفق عليه سلف الأمة. فأولاً: ذكر أن من صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم، يعني: أن الله يوصف بهذا الوصف، أي: أن الله متكلم كما يشاء على ما يليق بجلاله . وقوله: (بكلام قديم)، يشير به إلى أن كلام الله أزلي، من حيث إنه من صفاته، وصفات الله أزلية؛ لأن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. وكلمة (قديم) لم تكن معهودة في عصر الصحابة ومن بعدهم إلى القرن الثاني، وفي منتصف القرن الثاني وما بعده جاء المتكلمون بمصطلحات جديدة لم يكن يعرفها المسلمون، ومن ذلك كلمة (قديم)، فزعموا أن صفات الله لا تقبل أن ترتبط بمشيئة الله . ومن ذلك كلامه، فمنهم من أنكر كلام الله إطلاقاً؛ كالجهمية والمعتزلة، ومنهم من أثبت كلام الله ؛ كطوائف من المعتزلة وأهل الكلام، لكنهم زعموا أن كلام الله معنىً وليس بحروف ولا أصوات، أما السلف فقد فصلوا في كلام الله وقالوا: إن كلام الله من حيث هو أصل وصفة أزلي، قالوا: فهو أزلي النوع، أي: نوع الكلام، وهذه صفة كمال، فإن الله متصف بذلك منذ الأزل. ثم قالوا: إن الكلام حادث الآحاد، بمعنى أن الله يتكلم متى شاء بما شاء، أي أن كلام الله مرتبط بمشيئته، وقد وردنا شيء من آحاد كلام الله على جهة التفصيل، فقد ورد إلينا على سبيل القطع أن الله كلم موسى، وكلم محمداً ﷺ . نرجع إلى كلمة (قديم)، فإنها لم تكن معهودة في عهد السلف، أي: وصف كلام الله، أو شيء من صفاته وأفعاله وأسمائه بأنه قديم، هذا لم يرد على ألسنة السلف الأوائل، لكنهم اضطروا إليه فيما بعد؛ بسبب أن هذه الكلمة صارت تحتمل معان، فمن معاني كلمة (قديم): أزلي، بمعنى أن الله متصف بصفات الكمال منذ الأزل، أي: أن صفاته لا أول لها سبحانه. وهناك معنىً آخر لكلمة (قديم) يرده السلف ويرفضونه، وينزهون الله عنه، وهو القديم بمعنى: المتهالك البالي. إذاً: كلمة (قديم) الأولى أن تستبدل بأزلي، أو لا أول له، أو ليس قبله شيء. قوله: يَسمَعه (من شاء من خلقه)، أو يُسمِعه، أي: يسمعه الله من شاء من خلقه، فالله قد أسمع موسى من غير واسطة، وسمعه جبريل ﵇، ومن أذن له من ملائكته، كما ورد في صحيح مسلم وغيره أن الملائكة يسمعون كلام الله حينما يتنزل الوحي.

стр. 52

تكليم المؤمنين في الآخرة قوله: (وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة)؛ هذا ورد في الصحيحين مقروناً بأحاديث الرؤية ومنفصلاً عنها. كما ورد أن الله يكلم الخلائق يوم القيامة بكلام يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد، وورد هذا في أحاديث حسنة أقرها السلف. كما ورد أنه يكلم عباده أفراداً المؤمن وغير المؤمن، يكلمهم بواحاً ليس بينه وبين أحدهم ترجمان، كما ورد في الأحاديث الصحيحة، وأنه يعاتب عباده ويقرر لهم أفعالهم في الدنيا: ألم تفعلوا كذا؟ ألم أنعم عليكم بكذا؟ ألم أقدر لكم كذا؟ فيقول أحدهم: بلى يا رب! بلى يا رب! هذا أيضاً تكليم خاص، لكنه يكلم الكفار على جهة التوبيخ، فلا يشعرون بلذة هذا التكليم، ولا يهنئون به؛ لأنهم مذنبون، والمذنب يحس بذنبه أمام ربه. أما المؤمنون فإنهم ينعمون بهذا التكليم كما ينعمون برؤيته نسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم. قوله: (ويأذن لهم فيزورونه)، هذا ورد في أحاديث بعضها موقوف وبعضها مرفوع، لكن أغلبها فيه ضعف، وفيها أحاديث حسنة، وقبل أن يورد الآيات أحب أن أذكر الخلاصة التالية بإيجاز: أولاً: أن كلام الله -كما ذكرت- أزلي النوع، يعني: أنه متكلم سبحانه منذ الأزل؛ لأنه الأول الذي ليس قبله شيء، بما في ذلك صفاته وأفعاله. أحاديث الآحاد لها تعلق بالكلام بمشيئة الله، ويعني ذلك: أن الله يتكلم متى شاء بما يشاء ، وأن كلامه بحروف وأصوات مسموعة. ثانياً: أن كلام الله يسمع من قبل من يكلمهم، يسمعه الله من يشاء من عباده، فقد أسمع بعض رسله، وأسمع ملائكته، ويسمع عباده يوم القيامة، ويسمع من يشاء في الدنيا ممن ورد فيهم النص، أما دعوى السماع من الله بغير نص فهي ضلالة، فمن ادعى أنه سمع من الله بغير وحي فإنه بذلك كاذب، ومن ادعى أنه يسمع كلام الله من غلاة الصوفية ونحوهم؛ فقد كذب على الله وأعظم عليه الفرية، إنما يثبت ما ورد في النصوص، وقد انقطع الوحي؛ فلا سبيل إلى إثبات ما لم يثبت عن النبي ﷺ .

стр. 53

الأدلة على كلام الله أما ما ورد في دلالة الآيات فإن الآية الأولى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، ومعنى هذا: أن الله هو الذي كلم موسى، وليس موسى هو الذي كلم الله؛ هذا من ناحية. الناحية الأخرى: أن التكليم لا يمكن أن يحمل على معنىً آخر؛ لأن الآية قاطعة ومحكمة في التصريح بالتكليم؛ لأن الله أشار إلى المصدر على جهة التأكيد فقال: ((وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى))، ثم قال: ﴿تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]؛ لئلا يقال: كلمه وحياً غير مباشر، أو كلمه إلهاماً، أو كلمه برؤيا، أو كلمه بالشجرة، أو كلمه بحروف وأصوات مخلوقة؛ كل ذلك -أي: ما تأول به المتأولون- باطل قطعاً بنص الآية وصريح نطقها. ثم قال: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، وهذا يعني أن الله نادى موسى، وهذا ينفي أن يكون الكلام جاء من الشجرة؛ لأن المنادي هو الله، ولو كان الكلام كلام الشجرة، أو كلاماً خلقه الله في الشجرة، أو حروفاً وأصواتاً اجتمعت فتوافرت على الكلام؛ لكان المنادي هو هذا المخلوق، ولا يليق بأن يكون المنادي هو المخلوق باسم الله ؛ لأنه قال: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، والمرسل هو الله والمصطفي هو الله والمتكلم هو الله؛ إذاً لا يمكن أن يكون الكلام إلا كلام الله. كذلك قوله : ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وهذا يعني أن الله خص البعض بالتكليم، ومعناها: منهم من كلمه الله، لا كما يفهم بعض المبتدعة بأن منهم من كلم ربه، فكل الناس يخاطبون ربهم بالدعاء والعبادة. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]، بمعنى أن الله يكلم بعض عباده بأنواع التكليم، منها ما هو وحي مباشر، ومنها ما هو من وراء حجاب، فكلام الله لموسى من أنواع الوحي المباشر، وكلام الله لمحمد ﷺ الأرجح أنه من وراء حجاب، أي كلامه له عند الإسراء والمعراج. وكذلك الآية التي بعدها: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١١]، يعني: المنادي هو الله ، إذاً هو المتكلم؛ لأنه قال: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١٢]، فلو كان الكلام من الشجرة، أو من مخلوق، أو حروفاً وأصواتاً اجتمعت وهي مخلوقة؛ لما جاز أن تقول هذه الحروف وهذه المخلوقات: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١٢]، فلا بد أن يكون المتكلم هو الله ، وكذلك قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عبد الله بن مسعود ﵁: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء، وروي ذلك عن النبي ﷺ . وروى عبد الله بن أنيس عن النبي ﷺ أنه قال: (يحشر الخلائق يوم القيامة حفاة عراة، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديَّان)، رواه الأئمة، واستشهد به البخاري. وفي بعض الآثار: أن موسى ﵇ ليلة رأى النار فهالته وفزع منها ناداه ربه: يا موسى! فأجاب سريعاً استئناساً بالصوت فقال: لبيك لبيك! أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك وأمامك، وعن يمينك وعن شمالك؛ فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى، قال: فكذلك أنت يا إلهي! أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى!]. في هذا المقطع أشار المؤلف ﵀ إلى كلام ابن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمعه أهل السماء، وروي ذلك عن النبي ﷺ ، وقوله: (روي) هو على وجوه: منها: ما ورد من أن الملائكة تسمع وحي الله إذا نزل، وهذا ثابت، في أحاديث صحيحة، قال المحقق: ذكر البخاري تعليقه موقوفاً على ابن مسعود، باب قول الله تعالى: ﴿لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [طه:١٠٩]، بلفظ: سمع أهل السماوات شيئاً. وهذا اللفظ قد يكون فيه كلام وإسناده حسن، لكن المقصود بسماع كلام الله من قبل أهل السماوات وخاصة الملائكة وارد في نصوص أخرى منها النص التالي الذي ورد في البخاري وغيره، فقد يوهم تضعيف الحديث أو القول بأنه حسن هنا عند بعض المعلقين هداهم الله يوهم أن أصل هذه العقيدة فيه كلام، بينما ليس فيه كلام من حيث إنه ورد بألفاظ أخرى صحيحة، وهو أن الله إذا تكلم بالوحي سمعه أهل السماء -يعني الملائكة- فهذا ثابت عند البخاري وغيره. وما ورد هنا في آخر المقطع من القصة التي فيها أن موسى ليلة رأى النار فهالته إلخ، هذا

стр. 54

القرآن كلام الله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن كلام الله تعالى القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين، بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. وهو سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات]. هنا بدأ يفصل في كلام الله عموماً وفي القرآن على وجه الخصوص، فقال: (ومن كلام الله القرآن العظيم)، أي أن القرآن كلام الله، وكذلك يعد من كلام الله الكتب السابقة المنزلة على أنبيائه السابقين، وإن اختلفت طرق الوحي: فالتوراة من كلام الله ، والإنجيل أيضاً من كلام الله قبل التحريف، والقرآن العظيم كلام الله لكن له خصائص كثيرة، ومنها: أنه محفوظ إلى يوم القيامة، وأنه معجز، وأنه نزل به جبريل ﵇ على قلب محمد ﷺ ، فالقرآن كله نزل عن طريق جبريل إلى نبينا ﵊، أي نزل بطريقة واحدة من طرق الوحي، لأن طرق الوحي كثيرة نزل بها عموم الوحي، لكن القرآن نزل عن طريق جبريل إلى محمد ﷺ ، وجبريل ﵇ سمعه من الله . (منزل) بمعنى: من الله. (غير مخلوق)، بمعنى أنه كلام الله، وكلام الله صفته، وصفات الله لا يعقل أبداً ولا يجوز أن يقال بأنها مخلوقة. (منه بدأ) يعني أن الله تكلم به ابتداء. (وإليه يعود)، هذا إشارة إلى ما ورد من آثار بأن القرآن عند قيام الساعة، وعند انتهاء الدنيا، وعندما يعطل ويهجر يرفعه الله من الصدور والمصاحف، فيصبح الناس ولا يجدون في صدورهم شيئاً، ولا في مصاحفهم شيئاً. (وهو سور محكمات وآيات بينات) بمعنى أنه بين يشرحه ما بعده، فهو آيات بينة، محكمات، يعني: أن آياتها بينة، محكمات من كل معاني الإحكام. (وحروف وكلمات)، وهذا فيه إشارة إلى أن الله تكلم بالقرآن بحرف وصوت على ما يليق بجلال الله .

стр. 55

أجر قراءة القرآن وبعض صفات القرآن قال المؤلف رحمه الله تعالى: [من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، له أول وآخر، وأجزاء وأبعاض، متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف، فيه محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وأمر ونهي]. في النسخة التي أمامي تعليق للمعلق في قوله: (من قرأه فأعربه؛ فله بكل حرف عشر حسنات)، ذكر المعلق أن هذا مأخوذ من حديث ضعيف، وهذا كلام فيه إجمال كان ينبغي أن يفصل فيه، أما القول بأن من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات مطلقاً فهذا ثابت في الأحاديث الصحيحة لا شك فيه، لكن يظهر أن قول المعلق هنا ينصرف إلى الإعراب: من قرأه فأعربه، ومعنى أعربه: أقامه على العربية لم يلحن به، والذي ذكره في الهامش يقول: (أعربوا القرآن؛ فإن من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، وكفارة عشر سيئات، ورفع عشر درجات إلخ)، وذكر أن هذا الحديث ضعيف. نعم، هذا الحديث بهذا اللفظ ضعيف، لكن الأحاديث الواردة في أن من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات ثابتة، بل ورد ما فيه أكثر من ذلك، وأن الله يضاعف لمن يشاء، أما الضعف فينصرف إلى اللفظ الذي يتعلق بإعراب القرآن؛ فينبغي للإنسان أن يتنبه لذلك، لأن من لا يعرف السنة أو لا يعرف الأحاديث يفهم أن الحديث الذي فيه أجر عشر حسنات لمن قرأ القرآن لكل حرف لا يصح، وهذا غير وارد، بل الوارد عكس ذلك. نعم. (له أول وآخر)، بمعنى أن كلام الله له بدايات في نزوله ونهاية، وكذلك كل سورة لها أول وآخر، وكل آية لها أول وآخر، وكل كلمة لها أول وآخر، والقرآن له أول وآخر، سواء من حيث النزول، أو من حيث ترتيب السور، أو من حيث واقعه في المصحف وكتابته. (وأجزاء وأبعاض، متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان مكتوب في المصاحف)؛ كل هذا إشارة إلى الرد على المتكلمين الذين تأثروا بمقولة الجهمية والمعتزلة الذين زعموا أن كلام الله مخلوق، فالمتكلمون ما قالوا: إن القرآن مخلوق، لكنهم قالوا بقول يؤدي باللزوم إلى مثل قول الجهمية والمعتزلة. فالمتكلمون الأشاعرة والماتريدية أو طوائف منهم خاصة غير أهل الحديث منهم زعموا أن كلام الله معنى قائم بنفس الله ، لا يمكن أن يكون فيه حروف ولا أصوات، وأن هذا المعنى عبر عنه جبريل، أو عبر عنه النبي ﷺ ، أو عبر عنه المعبرون بحسب ما أذن الله لهم، فالقرآن من حيث هو معنى كلام الله، لكن من حيث هو حروف وأصوات، وبدايات ونهايات، وجمل وآيات، يزعمون أنه كلام المخلوقين؛ وهذا مرده قول المعتزلة والجهمية الذي أنكروا أن يكون القرآن كلام الله، لكنه قول مؤدب أرادوا أن لا يصادموا به النصوص، فزعموا أن كلام الله هو الكلام النفسي، وأول من قال هذا الكلام ممن ينتسبون إلى السنة ابن كلاب، وتابعه أبو الحسن الأشعري ﵀ في أول أمره أو في مذهبه الأوسط قبل أن ينتقل لمذهب أهل السنة والجماعة جملة وتفصيلاً. ثم تابع أبا الحسن الأشعري تلاميذه الكبار من بعده، ثم توسعوا في هذا القول حتى قالوا بهذه اللوازم التي لم يقل بها أسلافهم. فقال: إن أصل كلام الله معنىً واحد، لما عبر عنه بالعبرية صار توراة، ولما عبر عنه بالعربية صار قرآناً، وهكذا، ففصلوا كلام الله بعضه عن بعض، فجعلوا أصل الكلام معنى، وحروفه وأصواته، وأوله وآخره، وأجزاؤه وأبعاضه، والمتلو منه كله زعموا أنه من فعل البشر. فلذلك أنكروا أن يكون لكلام الله أول وآخر، سواء كلام الله جملة، أو كلامه بالقرآن. كما أنهم أنكروا أن يكون لكلام الله أجزاء وأبعاضاً، كما أنكروا أن يكون هذا المتلو بالألسنة هو كلام الله، أو هذا المحفوظ في الصدور هو كلام الله، أو الذي نسمعه هو كلام الله، أو أن هذا المكتوب في المصاحف هو كلام الله؛ ولذلك لبسوا على الناس، فقالوا: لا يعقل أن يكون هذا الذي في المصحف كلام الله، كيف يعقل وهو بين أيدينا وهو حبر أسود وورق نراه ونلمسه. السلف يفرقون بين الكلام الذي هو كلام الله ، المكتوب المقروء والمتلو، وبين المادة التي كتب بها، والأوراق التي كتب عليها، والألسنة التي تلفظت، والصدور التي حفظت، لا شك أن الصدور من خلق الله، وأن الألسنة من خلق الله، وأن الأصوات من خلق الله، وأن الحبر من خلق الله، وأن الأوراق من خلق الله، لكن ليس هذا هو كلام الله، لو جئنا بهذه الأمور لوحدها ما عرفنا أنها قرآن، لكن لما كتبنا فيها كلام الله عرفنا أن هذا كلامه، وأن المادة المخلوقة ليست هي كلام الله، إنما كلام الله هو ما نفهمه وما نتلوه وما نسمعه، فمن هنا يجب أن نفرق بين المتلو والمقروء والمكتوب، وبين المادة والوسائل التي كتب فيها وتلونا بها. فالوسائل والمادة لا شك أنها مخلوقة، أما المتلو والمقروء المسموع المحفوظ في الصدور فهو كلام الله ، لكنهم لبسوا على الناس في ذلك فوقع في مذاهبهم بعض من وقع من جهلة الناس وقليلي العلم وأصحاب الأهواء.

стр. 56

الأدلة على أن القرآن كلام الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، وهو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [سبأ:٣١]، وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، فقال الله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦]، وقال بعضهم: هو شعر، فقال الله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩]. فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآناً؛ لم يبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو حروف وكلمات وآيات؛ لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد: إنه شعر، وقال : ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥]، فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم. وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٨]، بعد أن أقسم على ذلك وقال: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١] ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١ - ٢]، وافتتح تسعاً وعشرون سورة بالحروف المقطعة. وقال النبي ﷺ : (من قرأ القرآن فأعربه؛ فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه؛ فله بكل حرف حسنة)، حديث صحيح]. في هذا المقطع أراد أن يقيم الحجة والأدلة على أن القرآن كلام الله ، فأولاً في الآية الأولى قوله : ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] يفيد أن القرآن بل نقطع به أن القرآن منزل: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، يعني: من الله . والآية التي بعدها: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨]، وهذا فيه دلالة قاطعة على أنه ليس من فعل المخلوقات، لأنه لو كان من فعل المخلوقات أو من قولهم؛ لأمكنهم أن يأتوا بمثله، ولو على جهة الافتراض. وعندما قال الكافرون: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [سبأ:٣١]، وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] قال الله : ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦]، أي: الذي قال بأن القرآن قول بشر، والذي قال هذا القول هو أحد أقطاب الجاهلية الذين تصدوا لهذا الدين، وللنبي ﷺ بالإنكار والتكذيب، وكان من ضمن مقولاته: إن هذا الذي جاء به النبي محمد ﷺ قول بشر، كما قالت المعتزلة والجهمية: هو قول البشر لأنهم زعموا أنه كلام مخلوق. فالله توعد من قال بأنه قول البشر بأن الله سيصليه سقر، وهي النار، بمعنى أنه قال قولاً عظيماً أوجب أن يتوعد بهذا الوعيد. كذلك الآية التي بعدها، فإن المشركين لما جاء النبي ﷺ بأمر لم يعهدوه في كلامهم؛ قالوا: هذا شعر الشعراء، فذكر الله لهم بأنه لا يليق أن يقوله الشعراء؛ لأنه ذكر من الله وقرآن مبين، بمعنى مبيِّن، وبين الله أنه لم يعلم نبيه الشعر، إذاً هو ليس بشعر، والشعر هو أعلى درجات الكلام عند العرب الذين هم أبلغ الناس، فإذا كان الله نفى أن يكون هذا القرآن شعراً من قول البشر؛ فأولى ألا يكون نثراً من فعل البشر، إذاً هو ليس من كلام الشعراء، إنما هو كلام الله . ثم إن الله تحدى المشركين أن يأتوا بسورة من مثله، والمشركون توافرت عندهم الأسباب لأن يأتوا بمثله لو كان من قول البشر لا سيما أن هممهم توافرت، فأولاً عندهم من الفصحاء والشعراء والبلغاء العدد الكبير الوفير. والأمر الثاني: أنهم شعروا بالتحدي الكبير، والتحدي غالباً يستثير المواهب والقدرات في البشر، فإنهم شعروا بتحد عظيم من النبي ﷺ ، ومن هذا الوحي الذي أنزله ا

стр. 57

حكم من أنكر حرفاً من القرآن قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ﵇: (اقرءوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم، لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه). وقال أبو بكر وعمر ﵄: إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه. وقال علي ﵁: من كفر بحرف منه؛ فقد كفر به كله]. في هذه النصوص إشارة إلى أن القرآن حروف، وأنه يتكون من هذه الحروف التي أنزلها الله ، وفي ذلك رد على الذين قالوا: إن القرآن معان نفسية، أو أنه معان قائمة بذات الله، وأن الحروف والأصوات ليست من كلام الله ، فأراد بذلك أن يثبت أن كلمة (حروف) وردت في السنة ووردت على ألسنة الصحابة، أي: أن القرآن وحروفه من كلام الله لذلك قال علي بن أبي طالب: من كفر بحرف فقد كفر به كله، وهذا يفهم منه أن القرآن كلام الله؛ لأنه لو لم يكن كذلك -يعني: بحروفه وأصواته- لما كفر الصحابة من أنكر الحرف؛ لأنه قد ينكر أحد من الناس حرفاً ولا ينكر المعنى، وإذا كان كلام الله مجرد المعاني؛ فإن إنكار الحرف لا يتطرق إلى المعاني، وعلى هذا لا يعد من أنكر حرفاً كافراً، لكن ما دام كلام الله ، وأن الله تكلم به بحروفه والأصوات التي تليق بجلال الله ، فهذا يعني أن من أنكر حرفاً؛ فقد أنكر حرفاً من كلام الله ، فمن هنا يكفر. فالإشارة إلى تكفير من أنكر حرف دليل على أن الله تكلم بالقرآن بهذه الحروف التي بين أيدينا على ما يليق بجلال الله ، بكلام ليس ككلام البشر؛ لأن الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].

стр. 58

اتفاق المسلمين على عد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واتفق المسلمون على عد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه، ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفاً متفقاً عليه؛ أنه كافر، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف]. كل ذلك تفصيل لمعنى أنه كلام الله، وأنه حروف، وكل ذلك رد على الذين زعموا أن القرآن من حيث هو كلام الله ، لكنه بزعمهم معنىً قائم بالذات، أي: كلام نفسي، ويقصدون بذلك أنه لم يتكلم الله به على هذا النحو الذي نتلوه، إنما ألقاه الله إلى جبريل، أو إلى محمد ﷺ ، أو إلى أحد من خلقه معاني، ثم جبريل أو محمد ﷺ ترجم هذه المعاني إلى الحروف والأصوات. فأراد الشارح أن يذكر مذهب السلف أن من أنكر حرفاً من هذا الكلام فقد كفر، ولو كانت الحروف من صنع المخلوقات؛ لما كان إنكارها كفراً ما دام المعنى ملتزماً، ومؤمَناً به، لكن ما دام الكلام كلام الله بحروفه؛ فإن هذا يعني أن من أنكر حرفاً، ولو لم يؤد هذا الحرف إلى إنكار المعنى من أنكر حرفاً مقطوعاً بوجوده في القرآن؛ فإنه بذلك يكفر. أما قوله: (اتفق المسلمون على عد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه)؛ فهذا إشارة إلى أن القرآن يتكون من سور عديدة، ومن آيات عديدة وكلمات عديدة وحروف عديدة، ولا يعني أنهم اتفقوا على عدد اتفقوا على تفصيل العدد، لكنه يقصد أن القرآن آيات عديدة جداً، وأن القرآن كلمات وسور وحروف، أما عد السور فالمشهور والراجح أن عدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، على اعتبار أن سورة الأنفال سورة والتوبة سورة، أما على اعتبار أنهما سورة واحدة؛ فتكون السور مائة وثلاث عشرة سورة. أما الآيات فقد اختلف فيها، لكن أجمعوا -أي: السلف- على أن القرآن ستة آلاف آية ويزيد، إنما اختلفوا في الزيادة، وليس سبب اختلافهم اختلافهم في ذات القرآن، سبب اختلافهم في العدد بعد الستة آلاف في مفهوم الآية وما يدخل في الآيات وما لا يدخل فيها، فمثلاً: بعضهم أدخل ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ آية من كل سورة فزاد عنده العدد، وبعضهم عدها آية في الفاتحة ولم يعدها في بقية السور، وبعضهم عدها آية في سائر القرآن ولم يعدها في سورة (براءة)، وهكذا. وبعضهم جعل الكلمة الواحدة ليست آية مثل قوله : ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٤]. فمن هنا اختلف العدد اختلافات كثيرة، من أشهرها: قول من قال: إن القرآن ستة آلاف ومائتان وأربع عشرة آية. ومنهم من قال: مائتان وست عشرة آية بعد الستة آلاف. ومنهم من قال: ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية، أو أربع وثلاثون آية، أو خمس وعشرون آية، أو تسع عشرة آية، أو ستة آلاف ومائتان وأربع آيات؛ كل ذلك ذكره أهل العلم كـ السيوطي وابن كثير وغيرهم. كذلك كلمات القرآن اختلفوا في عددها بناء على اختلافهم في مفهوم الكلمة، وهل بعض الحروف أو بعض الآيات تعد كلمة، والجمل هل تعد كلمات، أو كل مقطع من الجملة يعد كلمة. كذلك الحروف، وقد عدَّ بعضهم الحروف بثلاثمائة وثلاثة وعشرين ألفاً وستمائة وواحد وسبعين حرفاً، على اختلاف فيما يدخل في الحروف وما يخرج، كما ذكرت سابقاً. إذاً: قول المؤلف إنهم اتفقوا على عد السور، يقصد به أنها متعددة، وأن الآيات متعددة والكلمات متعددة وكلها كلام الله، هذا معنى قوله. وهذا -كما أسلفت- فيه إشارة إلى الذين قالوا: إن الكلام -أي: كلام الله- إنما هو المعاني، أما السور والآيات والكلمات والحروف فهي من اجتهادات البشر، ومن صنعهم، ومما اتفقوا عليه. حتى الذين وافقوا إجماع الأمة على السور والآيات والكلمات والحروف من المتكلمين؛ جعلوا ذلك يرجع إلى فعل البشر، وأن الأصل الذي هو كلام الله ما هو إلا معنى، أما هذه الحروف المكتوبة المنطوقة، وهذه الكلمات المكتوبة المنطوقة فزعموا أنها مخلوقة، فمن هنا وقعوا في شر ما هربوا منه، أي: حينما هربوا من قول المعتزلة بأنه مخلوق، ذلك بأن المعتزلة كانوا أشجع منهم وأكثر صراحة، فبينوا عقيدتهم الفاسدة بدون مواربة، أما هؤلاء فلفقوا ولبسوا على المسلمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 59

الأسئلة

стр. 60

الجمع بين تكليم موسى بغير حجاب وحجبه عن الرؤية السؤال ورد أن الله كلم موسى ﵇ بغير حجاب، وورد أن موسى سأل الله الرؤية في الدنيا فمنعه، فكيف نجمع بينهما؟ الجواب الكلام بين موسى وبين ربه بغير حجاب، لكن لا يعني أنه ليس بينه وبينه حجاب بالنسبة للرؤية، فلا شك أن موسى ﵇ لم ير ربه، لكنه سمع كلام ربه بواحاً، وكما قال أهل العلم: هذا النوع يختلف عن نوع التكليم الذي كلم الله به محمداً ﷺ .

стр. 61

وجه الدلالة من الحروف المقطعة على أن القرآن كلام الله السؤال لو توضح وجه الدلالة من الحروف المقطعة على أن القرآن كله كلام الله؟ الجواب الدلالة من الحروف المقطعة على أن القرآن كلام الله: هو أن هذه الحروف المقطعة لا نفهم منها معاني، وأنها جاءت على نسق يفيد أن القرآن يتكون من هذه الحروف، فكأنه -والله أعلم- يقول: هذا القرآن يتكون من هذه الحروف التي تتكلمون بها، والتي تنطقون بها، وهي مادة كلامكم ونطقكم وبيانكم، ومع ذلك لا تستطيعون أن تأتوا بمثل هذا القرآن الذي يتكون من هذه الحروف. هذا أقرب قول في وجه ذكر الحروف المقطعة.

стр. 62

معنى قول الطحاوي: (له معنى الربوبية ولا مربوب) السؤال ما معنى قول الطحاوي في العقيدة: له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق؟ الجواب معنى هذا أن الله رب قبل أن توجد المربوبات، وقبل أن يوجد العباد الذين هو ربهم، والمخلوقات التي هو ربها، فالله متصف بالربوبية حتى قبل أن توجد المربوبات. وكذلك الله متصف بأنه هو الخالق قبل أن يخلق المخلوقات، وليس بوجود الخلق اتصف بالخلق وسمي بالخالق، أو اكتسب صفة الخلق، وهذا يعني أن جميع صفات الله يتصف الله بها قبل وجود الموصوفات التي تدل عليها، فالخلق صفة لله ، والله هو الخالق، حتى قبل أن توجد المخلوقات.

стр. 63

حكم قول الصحابي في الأمور الغيبية السؤال ذكر الشيخ ابن عثيمين في شرح اللمعة أثراً صحيحاً عن ابن عباس موقوفاً عليه قال: الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر أحد قدره، فهل قول الصحابي في الأشياء الغيبية المستقبلية له حكم المرفوع؟ الجواب أقوال الصحابة في الغيبيات على نوعين: نوع تحتمله اللغة العربية فقد يكون من اجتهادهم، وهو نوع تحتمله معاني اللغة على وجه صحيح، لا يتعارض مع نصوص الشرع ولا مع قواعده؛ فهذا يكون تفسيراً جائزاً، سواء أخذ به أو لم يؤخذ به، وسواء وافقه العلماء أو لم يوافقوه. ونوع لا يمكن أن يرجع إلى معاني اللغة، أو يستدل به إلا عن طريق الوحي، فهذا إذا ورد عن صحابي، وهو غيبي خالص لا مدخل للغة فيه؛ فإنه في الغالب يكون له حكم المرفوع، لأن الصحابة لا يتكلمون في أمور الغيب بغير علم. هذا هو الغالب، ومع ذلك لا نقطع؛ لأن الصحابي قد يظن وقد يتوهم أن الأمر كذا وهو غير ذلك.

стр. 64

تسمية سور القرآن وترتيب سوره وآياته السؤال من الذي سمى سور القرآن؟ ومن رقم الآيات ورتب السور؟ هل كان هذا باجتهاد أم بوحي؟ الجواب تسمية السور بعضها توقيفي وبعضها اجتهادي، كذلك ترتيب السور بعضه توقيفي وبعضه اجتهادي، وأما ترقيم الآيات فهو اجتهاد من الصحابة ﵃، أما ترتيب الآيات فهو توقيفي عن النبي ﷺ . إذاً: فالسور من حيث الترتيب الواقع الآن في المصحف من اجتهاد الصحابة، وبعضها توقيفي كما ذكر أهل العلم، كذلك الترقيم ليس توقيفياً؛ لأن بعض أهل العلم لا يزال يرى أن الترقيم تدخل فيه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١]، وبعضهم لا يدخل فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم). وبعضهم أيضاً دمج بعض الآيات ببعض، وبعضهم جعلها آية واحدة إلى آخره. ولا يزال الأمر محل خلاف من الناحية العلمية، ولكن من ناحية إخراج القرآن كما عليه المصحف الآن اتفق عليه المسلمون؛ فيجب أن يحترم، ويكون موضع إجماع.

стр. 65

التخيل في صفات الله تعالى السؤال عندما أسمع عن صفات الله في الدرس أو في أي وقت تأتيني تصورات في صفة الله، فهل علي في ذلك شيء؟ الجواب ليس في ذلك -إن شاء الله- شيء ما دام الأمر لا يتعلق باعتقاد ما تتصوره، سبق أن ذكر أهل العلم أنه لا بد عند سماع كلام الله في ذاته أسمائه وصفاته وأفعاله، أو كلام الرسول ﷺ عن وصف ربه، لا بد أن يتصور العاقل السامع أشياء في خياله وفي ذهنه عن هذه الصفات والأفعال، فهل يضره ذلك؟ لا يضره؛ لأنه إذا عرف أن هذه الخيالات أمثال تقرب إليه المعنى، وأنها ليست هي صفة الله ولا أفعاله؛ فهذا أمر لا ينفك منه عاقل وسامع، لكن عليه أن يعتقد أن ما يتخيله ليس هو صفة الله، وليس هو فعل الله، لأن أفعال الله لا تبلغها الأوهام ولا التصورات. فإذاً لا يضرك أن تتصور وتتخيل، إنما يضرك أن تعتقد ما تتصور أو تتخيل، بحيث تجزم أن ما في ذهنك من الخيالات هو الحقيقة اللائقة بالله، أو هو الصفة التي يوصف بها الله، فهذا لا يجوز، أما مجرد التخيل والتصور فلا يمكن أن تفهم المعاني إلا بالتخيل والتصور، لكن استبعد في عقيدتك ما تتخيله وتتصوره، واعلم أن الحقيقة والكيفية التي عليها صفات الله أعظم وأجل مما نتخيله.

стр. 66

معنى (لا يمسه إلا المطهرون) السؤال ألا يحمل قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] على القرآن الذي بين أيدينا؟ الجواب بلى! ورد في تفسير الآية قولان عن السلف: الأول: أنه لا يمسه إلا المطهرون، أي هذا المصحف الذي بين أيدينا ينبغي ألا يمسه إلا إنسان تطهر، على خلاف هل المقصود به المؤمن وإن كان على حدث، أو المقصود به المؤمن المتطهر المتوضي. الثاني: (لا يمسه إلا المطهرون)، أي الملائكة الذين كتبوا القرآن في الكتاب في السماء.

стр. 67

حكم حضور ندوات العلمانيين وأمسيات الشعر الحداثي السؤال ذكرت في الدرس الماضي تحذير السلف من الاجتماع بأهل البدع، فهل يدخل في ذلك حضور ندوات العلمانيين، وكذا حضور الأمسيات الشعرية الحداثية؟ الجواب حضور هذه المناسبات من طالب العلم أو المبتدي لغير حاجة شرعية يدخل في مشاركة أهل البدع، أما إذا كان لفائدة، كأن يريد أن يرد، أو يبين منكراتهم، أو ينقلها لأهل العلم يدافع عن الحق وعن العقيدة؛ فهذا لا مانع، أما الحضور كمستمع ليستفيد أو يتسلى؛ فهذا لا يجوز. فالحاصل أنه لا يجوز لأحد أن يحضر مثل هذا النوع من المحاضرات التي يلقيها أهل البدع إلا لغرض شرعي صحيح يوافقه عليه أهل العلم، فلا يجتهد لنفسه فيقول: أنا عندي مندوحة أو عذر حتى أحضر هذه الأمور، أو أنا سأفعل وأفعل، بل عليه أن يستشير أهل العلم، فقد ينصح من قبل من هم أخبر منه بأن لا يحضر مثل هذه المناسبة.

стр. 68

الأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد السؤال ما الأصل في أحاديث الآحاد في الأمور العقائدية التي تختص بالله وصفاته، نرجو الإفادة؟ الجواب أحاديث الآحاد إذا صحت عن النبي ﷺ فلا فرق بينها وبين غيرها، ولم يرد التفريق بين أحاديث الآحاد وغيرها، سواء في الصفات أو غيرها إلا عندما جاء المتكلمون الذين أولوا صفات الله ووجدوا بعض الصفات إنما ثبتت بطريق الآحاد، وأيضاً وردت لهم بعض العقائد من طريق الآحاد، فكأنهم أرادوا أن يأخذوا بالأحاديث المتواترة والصحيحة عندهم تواتراً، ولا يأخذون بالصحيح من أحاديث الآحاد، وهذا تفريق لم يرد عن سلف الأمة، بل هو تجزئة للدين بغير دليل، فما ثبت عن النبي ﷺ يجب الأخذ به، لا فرق بين الآحاد وغيره، هذا هو الرأي الذي عليه سلف الأمة وعملهم؛ لأنا إذا قلنا هذا، ورد الاعتراض على كثير من أمور الدين، وقد يأتي إنسان ويقول: لماذا فرقتم بين العقيدة وغيرها، فالعبادة أهم من العقيدة؛ لأن العقيدة لا يدركها أكثر الناس تفصيلاً، لكن العبادة كل الناس يعبدون الله، فإذا وردت عبادة من طريق الآحاد لم نأخذ بها. ثم يأتي ثالث ويقول: كذلك الأحكام تحريم وتحليل، فإن حديث الآحاد يتطرق إليه الظن، فإذاً كيف نأخذ به في الحلال والحرام؟ كأنا قلنا على الله بغير علم. فإذاً: من هنا يهدم الدين، فلا فرق بين العقيدة وغيرها، والتفريق حادث، فلا يجوز أن يقال: أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقيدة ولا في الصفات.

стр. 69

الجمع بين تكليم موسى وأن الله لا يكلم بشراً إلا بالوحي السؤال كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]، وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤]؟ الجواب قول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً﴾ [الشورى:٥١] يدخل فيه تكليم موسى ﵇، كلام الله لموسى وحي؛ فلا تعارض بين الآيتين أبداً، والوحي أنواع: منه ما هو كفاح، ومنه ما هو عن طريق جبريل ﵇، ومنه ومنه إلخ. بل إن الآية التي فصل فيها هذه الأنواع من الوحي تفيد أن الوحي هو التكليم الكفاح الذي ليس فيه واسطة، هذا الظاهر من نص الآية.

стр. 70

حكم إطلاق مادة القرآن الكريم السؤال هل يصح أن يقال للقرآن: مادة كما يقال في المدارس: مادة القرآن الكريم؟ الجواب أولاً: المفهوم من كلمة (مادة) معنى درس أو حصة، ومجلس أو نحو ذلك، فإذا كانت المادة تعني درس قرآن؛ فلا مانع، لكن يظهر لي والله أعلم من باب التورع ومن باب الاحتياط أن الاستغناء عنها أولى، فيقال: درس القرآن؛ لأن كلمة (مادة) موهمة، وأكثر المقررات التي يدرسها الطلاب مادية، وإن كان القصد صحيحاً، ولا نستطيع أن نجزم بأن هناك أحداً قصده غير المعنى المتبادر، وهو أنه يقصد مادة الدرس، ورغم صحة القصد إلا أن الأولى اجتناب هذه الكلمة؛ دفعاً للبس.

стр. 71

حكم تقبيل المصحف وقول صدق الله العظيم بعد الانتهاء من التلاوة السؤال ما حكم تقبيل المصحف؟ وقول: صدق الله العظيم بعد الانتهاء من التلاوة؟ الجواب أما تقبيل المصحف تكريماً له فهو الله جائز إن شاء، لكن لا يكون هذا على سبيل التعبد واتخاذه سنة لازمة، لكن لمناسبة أو بسبب يجوز تقبيل القرآن، أما أن يتخذ سنة من السنن والعادات، بحيث يكون كأنه من لوازم الشرع فهذا لم يرد عن السلف. ومثله قول: صدق الله العظيم، إن جاء لمناسبة أو أحياناً فلا مانع، أما التزامه بعد كل قراءة فهو بدعة.

стр. 72

حكم القول بأن القرآن كلام الله لفظاً ومعنى السؤال هل نقول: إن القرآن كلام الله سبحانه لفظاً ومعنىً؟ الجواب نعم، لكن كلمة: (لفظاً) اجتنابها حتى لا يفهم منها معنىً آخر أولى، لكن إذا أريد به التعبير عن عقيدة السلف، بمعنى أن هذا القرآن كله حروفه وأصواته ومعانيه كلها من كلام الله فهذا حق. السلف كرهوا أن يقال: لفظي بالقرآن مخلوق، أو قول: لفظي بالقرآن غير مخلوق؛ كرهوه لأنهم وجدوا أن كثيراً من الجهمية والمعتزلة يلبِّسون على الناس بهذه العبارة، ويقصدون باللفظ والملفوظ الحروف والأصوات والمعاني. وأحياناً قد يقصد باللفظ: الصوت المنبثق من اللسان والشفتين، الذي هو المخلوق والذي هو من فعل البشر أنفسهم؛ فهذا لا شك أنه مخلوق، لكن ينبغي أن لا يقال في اللفظ شيء، لا نفي ولا إثبات، يقال: القرآن كلام الله فقط، ونقف عندها؛ لاشتباه الكلام في مسألة اللفظ.

стр. 73

الدعاء بمستقر الرحمة السؤال أين مستقر الرحمة؟ وهل يصح الدعاء بـ (اللهم اجمعنا في مستقر رحمتك)؟ الجواب أما الدعاء فأظنه صحيحاً؛ لأن المقصود به الجنة، ورحمة الله سبقت عذابه، ورحمة الله وسعت كل شيء، وأعظم رحمة الله أو من أعظم رحمة الله: الجنة، لكن هل وردت؟ هذه ليس عندي الآن فيها خبر، فلا أدري، أما أين مستقر الرحمة؟ فربما قصد: ما المقصود بمستقر الرحمة هنا؟ والجواب: مستقر الرحمة هو الجنة، لكن قد يكون لها معنىً آخر لا أعلمه، فلا أجزم بذلك، ولا أدري هل وردت في النص أو لم ترد.

стр. 74

ضعف حديث: (أنا الله أمامك ومن خلفك) السؤال كلام موسى ﵇ قد يحتج به من قال بوحدة الوجود، أعني قوله: أنا الله أمامك وعن يمينك وعن شمالك؟ الجواب قلت -كما ذكر أهل العلم-: إن هذا لا يصح كحديث؛ فلا داعي أن نعول عليه، واستدلال الاتحادية بمثل هذه الأمور بناء على قاعدتهم أنهم لا يعرفون الصحيح من السقيم، بل يعرجون على الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ويعرفونها أكثر مما يعرفون الصحيحة.

стр. 75

كلام المخلوقين المحكي في كلام الله السؤال ورد في بعض الآيات قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ﴾ [الأعراف:١٠٤]، هل هذه الآيات بالمعنى الذي قاله المخلوقون أم أنه نطق بها كما هي في الآيات؟ وهل تكلم المخلوقون بكلام ثم نزل في القرآن؟ الجواب قصده: هل قول موسى هو قوله بحروفه ومعانيه، وكذلك قول فرعون أو قول غيره؟ أولاً: الله حينما يتكلم وينسب الكلام، أو يذكر كلام من سبقوا أو من لحقوا من خلقه؛ فإنما يذكره على وجه صحيح قطعاً، ولا نفصل: هل هذا كلامه بحروفه أو بغير حروفه؛ لأن هذا أمر غيبي من ناحية، ومن ناحية أخرى قد يكون بعض هذا الكلام ليس بالعربية أصلاً، والقرآن جاء بلسان عربي مبين، لكن كلام الله هو الحق والصدق، ولا بد أن يكون ما تكلم الله به عن هؤلاء القوم هو عين كلامهم، ولو لم يكن بحروفه وبلغته.
следующие страницы →