← Акыда

Акыда · id 37724

شرح لمعة الاعتقاد - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (239 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شرح لمعة الاعتقاد [١] لمعة الاعتقاد من أحسن متون العقيدة السلفية وأشملها، وقد ضمنها الموفق ابن قدامة ﵀ كثيراً من القواعد الشرعية والأصول الدينية التي تفيد المسلم في معرفة طريقة السلف في التعامل مع النصوص المتعلقة بأسماء الله تعالى وصفاته.

стр. 2

كيفية طلب العلم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعل عملنا خالصاً لوجهك الكريم، وبعد: فلعل من أهم الأمور التي ينبغي أن يعنى بها المسلمون جميعاً وطلاب العلم على وجه الخصوص في هذا العصر هو العناية بالعلوم الشرعية على أصول صحيحة سليمة، ونحن نرى بحمد الله بوادر التفات المسلمين إلى العلم الشرعي في جميع بقاع الدنيا ولا سيما الشباب، وهذا أمر يبشر بخير، ولا شك أنه إن شاء الله من علامات الخير لهذه الأمة ونهضتها على فقه من دينه. ومع ذلك قد يعتري هذا التوجه شيء من الخلل والتقصير بسبب الفتور الذي حصل بين المسلمين في العصور الأخيرة في تحصيل العلم الشرعي، وبسبب استحداث وسائل لطلب العلم أكثرها مستمد عن غير المسلمين لا يخدم الفقه الشرعي ولا يؤدي إليه بطريق سليم، فمن هنا اختلطت على الناس الوسائل والمناهج والأساليب. ولعل من أهم الأمور التي ينبغي أن أنبه لها بمناسبة هذه الدورة أن مما يجهله كثير من طلاب العلم الأسلوب الصحيح لطلب العلم الشرعي على أسس سليمة تؤدي إن شاء الله إلى ثمار طيبة وسليمة. ومن هذه الأسس: أن العلم الشرعي الأصل فيه أن يُطلب على تدرج وأن يُطلب بالتلقي المباشر عن المشايخ الكبار ثم من دونهم ممن يتقنون ولو علماً من العلوم، ولا يشترط أن يتعلم جميع الشباب على الكبار؛ لأن هذا قد لا يتهيأ للجميع، المهم أن يُطلب العلم على أسس سليمة ومنها التلقي المباشر، ولا يُكتفى بمجرد الوسائل، أي الأخذ عن الكتب أو الأشرطة أو النشرات أو غيرها، فهذا لا يكفي، بل ربما يكون ضرره أكثر من نفعه، فعلى هذا لا بد من إعادة الأصول الصحيحة السليمة لتلقي العلم الشرعي. ومما كثر الخلل فيه أن كثيراً من طلاب العلم لا يتلقونه على أسلوب صحيح من حيث التدرج، والأصل في العلم الشرعي أن يؤخذ تدرجاً، فتؤخذ الأوليات والأصول من المتون الأساسية حفظاً واستيعاباً وهو الأصل، وإن لم يتوفر الحفظ فعلى الأقل لا بد من الاستيعاب للمتون الأساسية في كل علم، بحسب توجه الشخص وميوله وبحسب قدرته واستعداده، فمن عنده استعداد كبير ومواهب فهذا يأخذ أصول العلوم الشرعية واللغوية كلها، ومن ليس عنده قدرة أو استعداد أو وقت فليأخذ ما يناسبه أو ما يرى أنه يحتاجه أو تحتاجه الأمة في وقته. فعلى هذا لا بد من أخذ المتون أولاً، ثم بعد ذلك الشروح الوسيطة، ثم بعد ذلك الشروح البسيطة، وقد حرص كثير من طلاب العلم جزاهم الله خيراً في الآونة الأخيرة على أخذ هذا المنهج الذي كان عليه سلف الأمة، بمعنى أن يبدأ بالمتون حفظاً واستيعاباً، أو استيعاباً، ثم ما بعدها، ومن ذلك: هذه الدورة التي ستبدأ هذا اليوم إن شاء الله، ولا ننسى أن ندعو لمن تسبب في نشأتها وخروجها إلى حيّز التنفيذ، وعلى رأسهم إمام هذا المسجد جزاه الله خيراً، وجزى الله خيراً كل الإخوة والمشايخ الذين استعدوا لإلقاء هذه الدورة والإسهام فيها. أما عن هذا الدرس فهو في متن لمعة الاعتقاد في التوحيد، واللمعة من الكتب أو المتون الشاملة التي ينبغي أن يُعنى بها طلاب العلم. وعلم العقيدة توافرت له بحمد الله في هذا العصر مراجع ومتون وشروح كافية لمن أراد أن يطلبها، وهي متوفرة بأيدي طلاب العلم. والمفترض في طلب العلم للعقيدة أن يبدأ بمثل هذا المتن أو ما يسبقه ككتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب والأصول الثلاثة والمسائل الأربع، ونحوها من الكتب الموجزة، ثم مثل هذا المتن الجيد المركز، ومثله متن الطحاوية، ومثله أيضاً منظومة الشيخ حافظ الحكمي ﵀ التي شرحها بمعارج القبول والمتون الشاملة أولى من غيرها، وأقصد بالمتون الشاملة المتون التي تشمل أصول عقيدة السلف الصالح من أولها إلى آخرها في الجملة، وذلك أن المتون على نوعين: متون تأخذ شعبة من شعب العلم، ومتون تكون شاملة، ومتون تكون في أكثر العلم أو بعضه أو نصفه أو ثلثه، ومتون تكون في جميع أصول العلم، ومنها هذا المتن لمعة الاعتقاد؛ فإنه في أصل علم العقيدة ويشمل الأصول المهمة جميعها، ومثله كما قلت متن الطحاوية ومنظومة الشيخ حافظ، فإن هذه المتون الثلاثة من أحسن المتون التي ينبغي أن يبدأ بها طالب العلم في تحصيل العقيدة السلفية الصحيحة.

стр. 3

التعريف بالموفق ابن قدامة بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين. قال الشيخ الإمام العلامة موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي قدّس الله تعالى روحه. الشيخ الإمام موفق الدين أبو محمد من أعلام السنة، ومن مشاهير أئمة السلف، عاش في قرنين: القرن السادس وفي القرن السابع، وهو من الأئمة المجتهدين الذين نفع الله بهم الأمة، وهو مقدسي دمشقي، مقدسي من حيث النشأة والمولد فكان من أهل فلسطين، ولد قرب بيت القدس، ثم الدمشقي لأنه هاجر وهو صغير بسبب ما حدث من فتن وحروب واستيلاء النصارى على بيت المقدس فهاجر مع أسرته إلى دمشق وتلقى العلم فيها وفي بغداد، ثم استقر في دمشق وتعلم وعلّم فيها. وللشيخ ﵀ جهود عظيمة في نصر السنة وفي التأليف، وكان مع علمه وفضله وإمامته في الدين كان مجاهداً في سبيل الله في حروب المسلمين ضد الصليبيين، كعادة العلماء الأئمة الأعلام. والشيخ ﵀ له مصنفات عظيمة نفع الله بها الأمة إلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة، ومن أعظمها هذا الكتاب، وله كتب في الفقه ومن أشهرها وأعظمها كتاب المغني وهو مغن كاسمه، فهو موسوعة فقهية كبيرة وليس مجرد شرح، وهو صاحب روضة الناظر الكتاب المشهور في أصول الفقه الحنبلي.

стр. 4

قواعد في الأسماء والصفات قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن، جل عن الأشباه والأنداد، وتنزه عن الصاحبة والأولاد، ونفذ حكمه في جميع العباد لا تمثله العقول بالتفكير]. (لا تمثله): بمعنى لا تتوهم له شبيهاً ولا مثيلاً، وهذا يعني أن العقول لا يمكن أن تحيط بكيفية ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وأشار بهذا إلى أن الله ليس كمثله شيء، واختياره هذه العبارة دليل على التزامه لنهج السلف، بل هو من أئمة السلف. قوله: (لا تمثله)، بمعنى أنها لا يمكن أن تحيط به ولا بمثله؛ لأن الله ليس كمثله شيء.

стр. 5

قاعدة الإثبات والنفي في الأسماء والصفات قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا تتوهمه القلوب بالتصوير، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير]. هنا ذكر الشيخ قاعدة ولعلنا نجعلها القاعدة الأولى؛ لأننا بإذن الله سنضبط أكثر القواعد التي أشار إليها الشيخ، بعضها ستأتي على شكل إشارات وبرقيات سريعة؛ لأن الإمام كان يكتب في وقته للناس وكانوا في استيعابهم للعقيدة أكثر من استيعاب المعاصرين، ونحتاج الآن في هذا العصر الذي كثر فيه تشقيق العلم وتفصيله إلى أن نيسر الانتفاع بهذه القواعد، ففي قوله: [ليس كمثله شيء وهو السميع البصير] إشارة إلى القاعدة التي قررها الله في كتابه الكريم، وهي قاعدة في أسماء الله وصفاته كلها، وهي قاعدة الإثبات والنفي، وهنا بدأ بالنفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] لدفع توهم المشابهة قبل تقرير الإثبات، وهذا نهج تفرد به أهل السنة والجماعة والسلف عن بقية الفرق التي هلكت، بمعنى أنهم يقررون نفي المماثلة والمشابهة لئلا ينصرف الذهن عند سماع صفات الله وأسمائه وأفعاله إلى التشبيه والتمثيل، فإذا استقر في ذهن المسلم أن الله ليس كمثله شيء ثم سمع قوله : ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] اندفع التشبيه واندفع التمثيل وتوهم ذلك. فإذاً هذه قاعدة، وهي: أن الله موصوف بالإثبات، أي إثبات ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسول الله ﷺ ، ونفي النقائص عن الله جملة وتفصيلاً. فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فيها نفي للنقائص، وفيها نفي للمماثلة والمشابهة. وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فيها إثبات، وهذه القاعدة الأساسية التي ينبني عليها توحيد الأسماء والصفات.

стр. 6

لله الأسماء الحسنى والصفات العلى قال المصنف رحمه الله تعالى: [له الأسماء الحسنى والصفات العلى]. هذه قاعدة ثانية تتفرع عن الأولى، وهو أن الله له الأسماء الحسنى مطلقاً، وله الصفات العلى مطلقاً، فيتفرع عن هذه القاعدة أصول سيذكرها الشيخ بعد قليل؛ لأن الأسماء الحسنى قد يدخل البعض فيها أشياء يرى أنها حسنى وهي لا تليق بالله ، أو ينفي أشياء يرى أنها غير حسنى، وهي من الكمال، إذاً هنا لا بد من ضابط يُضبط به معنى الحسنى ومعنى العلى، وستأتي الإشارة إلى هذه الضوابط إن شاء الله. قال المصنف رحمه الله تعالى: [له الأسماء الحسنى والصفات العلى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٥ - ٧] أحاط بكل شيء علماً، وقهر كل مخلوق عزة وحكماً]. قوله: (وقهر كل مخلوق عزة وحكماً) نرجعه إلى الأصل، وهو أن الله موصوف بالكمال، وأن له الأسماء الحسنى وكذلك الصفات والأفعال، فكل شيء حسن وعلي وعظيم فالله موصوف به، فمن هنا قوله: (قهر)، قد يتوهم بعض السامعين والقارئين أن القهر يراد به القهر الذي يكون فيه شيء من الظلم، والله منزّه عن ذلك، فقهر الله قهر ربوبية، وقهر العلم والعزة والحكم والكمال؛ لأن القهر الذي يتصف به المخلوق قد يكون فيه ظلم واعتداء، والله ليس كالمخلوق بل له الكمال الكامل، فإذا جاءتنا مثل هذه العبارات التي يكون فيها عند المخلوق نوع من التفسير الذي لا يليق بالله ، فإذاً نحملها على معنى الكمال لله ، وأن قهر الله قهر ربوبية، وهو مع ذلك رحيم ودود عليم حكيم.

стр. 7

وصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ الملقي: [ووسع كل شيء رحمة وعلماً، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]. موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم]. هذه قاعدة ثالثة في الأسماء والصفات: وهو أن الله إنما يوصف بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله ﷺ فيما صح من السنة، وهذا يعني أنه سيأتي شيء منها وأشير إلى بعضها الآن تتميماً للفائدة، وهو أن ما جاء في كتاب الله وعلى لسان رسوله ﷺ من الصفات والأسماء والأفعال لله سبحانه فهو الكمال المطلق الذي لا يمكن أن يأتي البشر بأفضل منه، وعلى هذا فإن أسماء الله وصفاته توقيفية، وعلى هذا فإن البشر لا يمكن أن يأتوا أو يتوهموا كمالاً إلا وفي الكتاب والسنة ما هو أعظم منه، فإذا نطق الناس بكمال أو تصوروا كمالاً من الكمالات فإنها لا بد أن تتضمنها أسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة، خاصة الأسماء الشاملة مثل اسم الجلالة الله، ومثل الحي القيوم، والعلي العظيم، والأحد، والصمد، فإن هذه تشمل كل كمال يمكن أن ينطق به بشر، بأي لغة وبأي زمان وفي أي مكان، وتشمل كل كمال يمكن أن يتصور. بل يوجد مما حجبه الله على الخلق من أسماء الله وصفاته ما لا يمكن أن تتحمله عقول البشر، كما ورد عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) فمعنى هذا أن الله استأثر في علم الغيب عنده من أسمائه وصفاته ما لم يخطر على قلب بشر، ولم يوح الله به إلى أحد من خلقه حتى أكمل الخلق وهو رسول الله ﷺ . ويتبين هذا فيما جاء في حديث الشفاعة العظمى أنه ﷺ يسأل ربه بمحامد يلهمه الله إياها كان لا يعرفها في الدنيا.

стр. 8

الإيمان بكل ما صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن وجب الإيمان به]. هذه قاعدة رابعة، وهي: كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى ﷺ من صفات الله في ذاته وأسمائه وأفعاله وجب الإيمان به، بمعنى التسليم والتلقي بالقبول كما شرحه الشيخ، ومعنى التسليم أن يستقر هذا في القلب تصديقاً وإيماناً وتعظيماً لله ، وعدم مناقشة ولا اعتراض ولا تأويل ولا تعطيل ولا غير ذلك مما يزيد عن اللفظ الوارد في الشرع، فإن هذا معنى التسليم؛ لأن أسماء الله وصفاته غيبية، والغيب لا يتم الإيمان به إلا بالتسليم به، وكل من ناقش بقصد الاعتراض أو التشكيك فإنه لم يسلم، وكل من جادل بعد أن يُنهى ويتبين له النهي عن الجدال فإنه لم يسلم. إذاً: ما جاء في القرآن وصح عن المصطفى ﷺ من أسماء الله وصفاته وأفعاله وذاته فلا بد من الوقوف عنده إيماناً وتسليماً وقبولاً، ثم يترتب على ذلك ما سيقوله الشيخ ﵀.

стр. 9

التسليم والقبول لما ورد من الأسماء والصفات وعدم التأويل والرد لها قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل]. وهذه قاعدة خامسة ترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل، وقصده بذلك أن ما ورد من أسماء الله وصفاته يمر كما جاء مع الإيمان بأنه حق على حقيقته كما يليق بجلال الله ، ولا يُتعرض لألفاظ أسماء الله وصفاته وأفعاله، لا بتشكيك ولا باعتراض ولا بسؤال تعنّت ولا بسؤال عن الكيفية، ولا برد للفظ ولا للفظ والمعنى، ولا للمعنى، الرد يشمل اللفظ، ويشمل المعنى، ويشمل المعنى واللفظ جميعاً فإن من رد اللفظ وآمن بالمعنى فقد اختل تسليمه كما يفعل المؤولة والأشاعرة الماتريدية، فمثلاً إذا جاء قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٠] قالوا: المقصود به النعمة، إذاً فقد نفوا كلمة (يد) فهم يردون اللفظ ويثبتون المعنى وهذا خلل، والعكس عند المفوضة إذ يقولون: نؤمن بأن هذا اللفظ قاله الله لكن لا نعرف أن له معنى ولا له حقيقة، وهذا تفويض بمعنى التعطيل، وقد قال السلف بأنه كفر، والأول ضلالة وخطأ، أي التسليم بالمعنى دون اللفظ. إذاً: لا يُتعرض له برد، والرد -كما قلت- يشمل رد اللفظ، ورد اللفظ والمعنى، ورد المعنى. وكذلك التأويل وهو نوع من الرد، والتأويل بمعنى العدول عن إثبات ألفاظ أسماء الله وصفاته ومعانيها إلى معان أخرى يتوهمها المتكلم أو يتوهمها المؤول، وسيأتي لهذا أمثلة لكن لا مانع من ضرب مثال الآن من أجل الإيضاح. مثلاً: المؤولة لم يثبتوا أن الله استوى على العرش، فإذا جاء قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] لا يثبتون الاستواء ويقولون: المقصود استولى، ويسمونه تأويلاً ويزعمون أنه لا بد منه، ولهم في ذلك شبهات، وما من صاحب ضلالة أثّرت في الأمة وبقيت في فرقة من الفرق إلا وله شبهة، بل أول معصية وقعت من إبليس لعنه الله كانت بشبهة، لكن الشبهة ليست حقاً، لكن بمعنى أنها تشتبه على خالي الذهن وعلى ضعيف العلم، وتشتبه على ضعيف الإيمان، وتشتبه على من ليس عنده ما يحصنه من عقيدة سليمة، فشبهتهم أنهم زعموا أن إثبات الاستواء يعني إثبات مماثلة المخلوقات، والله ليس كمثله شيء، يستوي كما يليق بجلاله، المهم أنهم أولوا الاستواء إلى معان كثيرة، فمنهم من قال هو الاستيلاء، ومنهم من قال هو بمعنى الهيمنة، ومنهم من قال الاستواء بمعنى الحفظ والملك إلى آخر ذلك من معان لا تكاد تحصى. فإذاً التأويل هو رد يخالف قاعدة السلف، والتشبيه والتمثيل معروف، وإن كان بينهما شيء من الفرق، فالتمثيل ادعاء أن الله يماثله شيء من مخلوقاته أو يماثل شيئاً من مخلوقاته، وهو أبلغ من التشبيه، وسيأتي الكلام على التمثيل والتشبيه في مقام آخر، على جهة التفصيل.

стр. 10

القاعدة في فهم ما يشكل من الأسماء والصفات قال المصنف رحمه الله تعالى: [وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، اتباعاً لطريق الراسخين في العلم]. هذه قاعدة سادسة، وهي أن ما أشكل مما يتعلق بأسماء الله وصفاته وأفعاله على السامع أو القارئ يرد إلى قائله، وإلا فالأصل في الدين أنه لا يُشكل على الراسخين في العلم كما أشار الشيخ بعد ذلك، لكن قد يُشكل لأن مفاهيم الناس وإدراكاتهم تتفاوت، وفهمهم للغة يتفاوت، واستحواذ الشبهات والوساوس تختلف من شخص لآخر، فقد يُشكل على بعض الناس معنى أو لفظ من أسماء الله وصفاته وأفعاله، أو ترد عليه خواطر لا يستطيع دفعها، فهذه قاعدة فإذا أشكل أمر من هذه الأمور في أسماء الله وصفاته وأفعاله فلا بد من الرجوع إلى القاعدة الأصلية، وهي أن ما قاله الله يُثبت على حقيقته كما يليق بجلال الله، فقوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] نؤمن بأن هذا اللفظ حق لأن الله تكلم به، وأن معناه أيضاً حق. والشيخ عبّر بتعبير فيه إيهام وسيأتي إيضاحه إن شاء الله، فقوله: (وترك التعرض لمعناه)، أقول يجب إثبات لفظ الله أو فعله أو وصفه الذي يرد في الكتاب والسنة، ثم إثبات أن هذا اللفظ له حقيقة تليق بجلال الله ، وله معنى أيضاً يليق بجلال الله . اللفظ وحقيقته ومعناه لا بد من الإيمان بهما على ما يليق بجلال الله مع استحضار القاعدة الأصلية وهي أن الله ليس كمثله شيء سبحانه فقوله: (وجب إثباته لفظاً) أي: إقرار أن لفظه مقصود، وأن له معنى وحقيقة، لا كما يقول المؤولة بأن اللفظ غير مراد إنما هو من باب تقريب المعنى إلى الأذهان! فهذا غير صحيح؛ لأن الله له الكمال المطلق، ويستطيع أن يعبّر لنا بتعبير لا يكون فيه هذا الإشكال الذي يرد ويوقع الناس في الحرج، ويوقعهم في تأويلات لا تنتهي، ويخرجون عن العقيدة السليمة إلى عقائد لا نهاية لها كما فعل المؤولة.

стр. 11

معنى قول المصنف: (وترك التعرض لمعناه) قوله: (وترك التعرض لمعناه) قصده هنا ترك التعرض لمعنى الكيفية، يعني التعرض للصورة والشبه والخيالات والتحديد والتشخيص واللون والشكل والبعد والمسافة هذه الأشياء يجب أن نبعدها عن الأذهان في حق الله ، هذا معنى التعرض لمعناه، أي المعنى الغيبي الذي لا يعلمه إلا الله ، أما المعنى بمعنى الحقيقة فإنه لا بد من إثباتها لأن الله لا يكلمنا إلا بحق، والقرآن حق، وكلام الله حق، وهو بلسان عربي مبين، يعني مبيّن، فلو كانت ألفاظاً ليس لها معان لما كان مبيناً ولا مبيّناً ولا يليق ذلك بكلام الله . ثم قال: (ونرد علمه إلى قائله)، وذلك إذا بقي الإشكال في الذهن، كإنسان أشكل عليه لفظ من أسماء الله وصفاته وأفعاله فتأمل ولم يجد جواباً، ولم يعرف ما يقوله أهل العلم، فإنه يبقى على الأصل فيقول: الله أعلم بمراده، وأن الله متصف بهذا الوصف ومسمى بهذا الاسم، لكن المعنى أرده إلى قائله، يعني: أسلّم بأني عجزت أن أثبت هذا المعنى، فعلى هذا أسلّم بأنه حق وصحيح، وأنه يليق بجلال الله حتى ولو لم أدرك معناه، هذا من جانب من جانب آخر: رد العلم إلى القائل حتى عند الراسخين في العلم الذين يفهمون معاني أسماء الله وصفاته يردون العلم إلى عالمها من جانب الكيفية وذلك شامل لكل أصول الدين الغيبية، خاصة ما يتعلق بأسماء الله، وصفاته، وأفعاله، والقدر، وأخبار الغيب فالأصل فيها كلها أن ترد إلى عالمها، فإن كنا عرفنا حقائقها فلنؤمن بحقائقها، وإن لم نُدرك الحقائق نؤمن بأنها حق كما يليق، وأن الله ما أخبرنا إلا بشيء واقع ليس خيالاً ولا توهماً ولا مجرد تصورات تقريبية كما يقول الفلاسفة، إنما هي حق على مراد الله . وقوله: (ونجعل عهدته على ناقله)، هذا فيما يتعلق باللفظ المنقول، فإذا كان منقولاً في القرآن فلا يحتاج إلى أن نقول عهدته على ناقله؛ لأنه متواتر، والقرآن كلام الله؛ لكن هذا يتعلق بالسنة، فالسنة قد يرد في أسماء الله وصفاته بعض الأحاديث الحسنة والضعيفة، أو آثار لم نجزم بثبوتها فنترك العهدة على الناقل، أما ما صح من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ فلا يقال عهدته على ناقله، إنما العهدة على الأمة أن تؤمن به، فمن ثبت عنده شيء من الدين صارت عهدته عليه إن كان من الأمور العملية عمل بما يستطيعه، وإن كان من الأمور الاعتقادية وجب اعتقاده، ولا يسع أحداً أن يتخلص أو يتبرأ أو يتنصل مما ثبت عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ .

стр. 12

مراتب التأويل وأسبابه وعواقبه قال المصنف ﵀: [اتباعاً لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)) [آل عمران:٧]. وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أمّلوه وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]]. في هذا الكلام فائدة عظيمة أشار إليها الشيخ تتعلق بالتأويل وبأسبابه وبعواقبه. أما ما يتعلق بالتأويل فإن الله ذكر التأويل هنا على سبيل الذم، ووصف أصحابه بأنهم أهل زيغ، والزيغ هنا على درجات، فإن كان التأويل تأويل تعطيل وإنكار وجحد كتأويل غلاة الجهمية فهو كفر بإجماع السلف، وإن كان التأويل تأويل تحريف وعدول عن ألفاظ كلام الله ومعانيها المباشرة إلى معان أخرى، فهذا يتراوح بين الكفر والبدعة والخطأ بحسب نية قائله. الأول: لا يحتمل الخطأ ولا يحتمل أن يكون بدعة إلا بدعة الكفر. الثاني: درجات، فمنه ما يكون كفر كتأويل كثير من المعتزلة الذين أصروا على نفي معاني أسماء الله وصفاته. ومنه ما هو ضلالة وبدعة كتأويل المتكلمين الذين أُقيمت عليهم الحجة. ومنه ما هو خطأ كتأويل بعض أئمة السنة الذين اشتبه عليهم الأمر. هذا ما يتعلق بالتأويل، أما ما يتعلق بسبب التأويل فقد أشار الله إلى أهم أسباب التأويل، وهي: ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله إما أحد الأمرين أو كلاهما، قد يكون بعض الناس قصده بالتأويل الفتنة فعلاً كالجهمية وغلاة المعتزلة والزنادقة الذين بدءوا التأويل على المسلمين كالرافضة والباطنية والفلاسفة وغلاة المتكلمين هؤلاء لا شك أنهم ممن يبتغي الفتنة، فهم ما بين زنديق كافر أصلاً يدّعي الإسلام ويريد أن يحرف الأمة ويضلها، وما بين إنسان يحب الشهرة ويحب الارتقاء ولو على حساب العقيدة، وما بين ضال يريد أن يضل الناس معه، وما بين صاحب هوى إلى آخره فهؤلاء صنف واحد. ومنهم من يبتغي التأويل بمعنى أنه توهم أن التأويل ضروري، ويظن أنه لا يليق أن يوصف الله بهذه الأسماء والصفات المباشرة، وأن الله يعني أمراً آخر تعبدنا بالبحث عنه، وهذه شبهة المتكلمين الذين ما كفّرهم السلف لكنهم بدّعوهم كمتكلمي الأشاعرة والماتريدية؛ فإنهم لا يبتغون الفتنة أصلاً في قصدهم والله أعلم، إنما يبتغون التأويل، يعني قصدوا التأويل إما تأثراً بالفلسفة والعقليات وهي تجر أصحابها إلى ويلات، وإما زعماً منهم أن ظاهر الألفاظ في الكتاب والسنة يقتضي المشابهة فأرادوا الخروج عن هذه الشبهة، وإما وإما إلى آخره من ابتغاء التأويل، ومنهم من يبتغي الأمرين، وهم غلاة المؤولة ما بين فلاسفة وما بين زنادقة، يبتغي الفتنة والتأويل جميعاً. وعلى أي حال فإن الوقوع في التأويل في صفات الله وأسمائه وأفعاله من علامات الزيغ، سواء كان هذا الزيغ كفراً أو ضلالة أو بدعة أو خطأ. الفائدة الثانية ما يتعلق بقوله: (ثم حجبهم عما أمّلوه)، فمن تأمل تاريخ المؤولة يجد أنهم قُطعوا عن مقاصدهم ورد الله كيدهم في نحورهم، سواء منهم من كان يقصد الفتنة في الإسلام أو من ضل عن حسن نية لكنه لا يصل إلى نتيجة إلا بالرجوع إلى الحق، أما الضالون الذين أرادوا الفتنة والتأويل فإنهم ما وصلوا بحمد الله إلى أن يؤثروا في عقيدة المسلمين، وهيأ الله لهم من أئمة الإسلام من تصدى لهم وكشف أساليبهم ووسائلهم وبين فضائحهم، وانجلى الأمر للأمة، وهلك من هلك عن بينة نسأل الله العافية، وحي من حي عن بينة نسأل الله أن يثبتنا على القول الثابت في الدنيا والآخرة. النوع الآخر ممن حجبوا عما أمّلوه هم من لم يكونوا أهل كفر وضلالة ولكنهم ممن استهوتهم الكلاميات والعقليات من المتكلمين، فإنهم ظنوا أنهم بهذا الأسلوب بأسلوب التأويل سيصلون إلى نتيجة تنزيه الله ، لكن ما وصل واحد منهم إلى نتيجة، بل كل واحد منهم يُعلن الإفلاس خاصة الكبار الذين بُني على جهودهم علم الكلام المنحرف، فكلهم وصلوا إلى القناعة بأن أسلوبهم خطأ وأعلنوا ذلك، ولنأخذ نماذج من ذلك. أبو الحسن الأشعري ﵀ ولج علم الكلام وعايش المعتزلة ثم وجد أن هذا طريق مسدود لا يثبت تنزيهاً لله ، وأنه ليس هناك أفضل في تنزيه الله من الكتاب والسنة ومنهج السلف، ورجع إلى ذلك وصار حرباً على المؤولة حتى قال أئمة السنة: إنه الرجل الثاني في الحرب على المتكلمين والجهمية والمعتزلة بعد الإمام أحمد. إذاً إمام المؤولة رجع عن التأويل وأوصى كل من جاء بعده بأن يتركوه، ثم جاء بعده من الأئمة كـ الشهرستاني

стр. 13

قاعدة الإيمان بالسمعيات والتصديق بها قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ في قول النبي ﷺ : (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا) و (وإن الله يرى في القيامة) وما أشبه هذه الأحاديث: نؤمن بها ونصدق بها لا كيف ولا معنى، ولا نرد شيئاً منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله ﷺ ]. هذه قاعدة ليست من القواعد الأولى لكنها قاعدة أخرى تتعلق بالسمعيات جميعاً، تشمل الأسماء والصفات وغيرها، فهي قاعدة عامة في الغيبيات والسمعيات. والمقصود بالسمعيات هي الأمور التي أخبرنا الله بها ولا دخل للعقول فيها إثباتاً ولا نفياً لا يمكن للعقول أن يكون لها فيه قول؛ لأنها غيبية بحتة، جاءت وما عرفناها إلا من خلال الكتاب والسنة، وأكثر أمور العقيدة بهذه الصورة. فالأصل في السمعيات والغيبيات ما ذكره الإمام أحمد بن حنبل في هذه القاعدة، وهي الإشارة إلى النزول والرؤية، وهي أن الأصل فيها الإيمان بها أولاً، كما جاء في الكتاب والسنة، دون أي اعتبار لتوهم ولا لتصور ولا لشبهة، ولا التماس للمعاني البعيدة التي يرمي إليها أهل الشبهات والشهوات، فنقف عند حد النص ونقول: نؤمن بأن النزول حق فنؤمن به، ثم نصدّق بها، بمعنى ألا يرد مجال للتشكيك ولا للتكذيب ولا للشبهة ولا لأي معنى يلقيه الشيطان في قلوب مرضى القلوب نصدّق بأن كلام الله حق وأن ما صح عن رسول الله ﷺ حق، فلا ندع مجالاً يجعل القلب يروغ عن الحق.

стр. 14

معنى الإيمان بلا كيف ولا معنى ثم قال: (ولا كيف) وهذه مرحلة ثالثة بعد الإيمان والتصديق، فالإيمان والتصديق يشملهما معنى التسليم. قوله: (ولا كيف)، بمعنى لا نسأل عن الكيفية، بل لا نعتقد الكيفية، ولا نتصورها ولا نتخيلها، ولا أقصد أننا نطردها من الأذهان، فالذهن لا بد أن يتخيل أو يتصور عند سماع النص، فهذا أمر لا ينفك منه عاقل، بل لا تستطيع أن تفهم كلام الله إلا بالتخيل، لكن العبرة فيما بعد التخيل، فإن الأصل في هذه الخيالات أنها مقربات للحقيقة، وإلا فالحقيقة غير ما تتخيله. مثلاً: سمعت عن نعيم الجنة، فلا بد أن تتخيل عن هذا الخبر خيال، وما تتخيله حق وحقيقة لكن ليس كما تتخيله من أمور الدنيا التي انطبعت في ذهنك، ففي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وإن تشابهت الأسماء والأشكال فإنها لا تتشابه الحقائق والطعوم والكيفيات. إذاً: فالمقصود بعدم الكيف ألا تعتقد الصورة التي تنقدح في ذهنك، أما أن تتصور فلا بد أن تتصور، لكن اعتقد أن هذه الصورة ليست هي الحقيقة. وفي أسماء الله وصفاته عندما تسمع نصوصها في القرآن وفي الحديث فلا بد أن يمر في ذهنك صورة، فاجزم أن هذه الصورة ليست الحقيقة التي عليها اسم الله ولا صفته ولا فعله؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وأن حقيقة أسماء الله وأفعاله أعظم من أن نتخيلها أو نتصورها. إذاً (لا كيف (بمعنى أنك لا تحدد الكيفية في ذهنك، ولا في اعتقادك، ولا بكلامك، ولا تعتقدها، ولا تتكلم بها، ثم لا يسأل أيضاً عن الكيفية، فلا ينبغي لأحد أن يسأل كيف، فإن سأل الجاهل أعلم بالضوابط الشرعية، أما إن سأل المتعنت فيؤدب فإن أمكن تعزيره عزر، وإلا فعلى الأقل يؤدب بالكلام فمن سأل عن كيفية أسماء الله وصفاته وأفعاله متعنتاً بعد بيان الحكم له ولا بد أن يؤدب، أما من سأل وهو جاهل فيعلم الأدب مع أسماء الله وصفاته وأفعاله، ويقال إن أفعال الله وأسماءه وصفاته تثبت بدون كيف لا بسؤال ولا بفعل ولا بتصور ولا بتوهم، ولا معنى، بمعنى ولا كيف فليس بينهما فرق، أي لا نكيف ولا نؤول فلا نكيف المعاني ولا نؤولها، وإلا فالمعنى العام لا بد أن نثبته، فقول النبي ﷺ : (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا) لا بد أن نثبت أن لها معنى، بمعنى أن الله ينزل كما يليق بجلاله، هذه حقيقة، فالمعنى أن الحقيقة تُثبت لكن الكيفية تُنفى. ثم قال: (ولا نرد شيئاً منها)، أي لا نرد النصوص، ثم لا نرد معاني النصوص وحقائق النصوص، فلا نرد النصوص لمجرد أننا لا نعلقها كما فعلت المعتزلة والجهمية فالجهمية ردوا النصوص الصحيحة الصريحة رغم أنها متواترة، مثل حديث الرؤية وأن المؤمنين يرون ربهم في الجنة يوم القيامة، فقد روي عن أكثر من ثلاثين صحابياً بألفاظ مترادفة كلها تدل على المعنى الحقيقي كما يليق بجلال الله، لكن المعتزلة ردوها وقالوا: الصحابة بشر، ويعتريهم كذا وكذا، إلى آخره فردوا الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ بدون أن يتحفظوا في الرد.

стр. 15

قاعدة أن الله لا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله قال المصنف رحمه الله تعالى: [ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله ﷺ ، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية]. هذه القاعدة السابعة، وهي: أن الله لا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ ، بمعنى: لا يأتينا متحذلق بألفاظ جديدة ويقول: هذه كمالات وأنا أثبت لله الكمالات، نعم الكمال يثبت لله لكن يرد إلى ألفاظ الشرع، ولنأخذ على هذا مثالاً: بعض المتكلمين زعموا أن من أسماء الله الموجود، وزعموا أن من أسماء الله القديم، ونحن نقول: إن الله موجود، لكن يُغنى عنها قوله : ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فلا داعي لكلمة موجود لأنها لم ترد في ألفاظ الشرع. كذلك القديم، والقديم ورد ما يغني عنها وزيادة وهو قوله : ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ [الحديد:٣]، وشرحها النبي ﷺ وفسّرها في حديث صحيح بمعنى الأول الذي ليس قبله شيء، فالأول تغني عن قديم؛ لأن كلمة قديم فيها معنى سلبي، فأحياناً يُطلق في لغة العرب على الشيء المتهالك المستخدم الذي تنتهي مدته، فلا يليق هذا. فكلمة (القديم) إن كانت بمعنى شرح اللفظ فلا مانع، أما بمعنى إثبات الاسم فلا يجوز، والسلف الذين أطلقوها قصدهم شرح معنى قول الله : ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ [الحديد:٣] فيقال: إذا قال إنسان: ما معنى الأول؟ نقول: هو القديم الذي ليس قبله شيء في معنى شرح لمعنى الأول، لكن لا نثبتها مستقلة. إذاً: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه؛ لأن ألفاظ كلام الله وكلام رسوله ﷺ في ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله كافية، وما ورد من ألفاظ أخرى تدل على الكمال تؤخذ معانيها وترد إلى ألفاظ الكتاب والسنة، والألفاظ الجديدة المستحدثة تُبعد. قال المصنف رحمه الله تعالى: [﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه لا نتعدى ذلك ولا يبلغه وصف الواصفين. نؤمن بالقرآن كله مجمله ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ وتثبيت القرآن. قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله]. هذه قاعدة عظيمة عند الإشكال، فالإنسان إذا أشكل عليه معنى من معاني أسماء الله وصفاته وأفعاله، فليسلم على هذه القاعدة، آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، هذا هو التفويض الصحيح السليم، بمعنى أنك تفوض أمرك إلى الله ، وتؤمن بما جاء عن الله على مراد الله، فأنت تؤمن بالحق والحقيقة التي أرادها الله. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار، والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله، وقد أمرنا باقتفاء آثارهم والاهتداء بمنارهم]. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وآله، وصحبه أجمعين.

стр. 16

الأسئلة

стр. 17

المقصود من قول المؤلف: (بلا حد ولا غاية) السؤال ما المقصود من قول المؤلف رحمه الله تعالى: (بلا حد ولا غاية)؟ الجواب هذا من الكلام المجمل الذي فصّل فيه السلف، وهو نفي الحد والغاية وكانت هذه الكلمة لا تُعرف في العصور الأولى قبل ظهور فرق أهل الكلام كالجهمية والمعتزلة، لكن بعد كثرة البلوى بها تكلم فيها السلف على نحو يقصدون فيه التنزيه لله ، ونفي المعنى الباطل الذي أراده الذين أطبقوا على كلمة (حد وغاية). فأول ما جاء الكلام عن الحد والغاية من الجهمية والمعتزلة، وكان ذريعة لنفي صفات الله وأفعاله، فمثلاً قالوا في مسألة إثبات العلو الذاتي والفوقية والاستواء: إنها تقتضي الحد والغاية، وأن الله محدود وله غاية، كذلك قالوا في الرؤية: إذا أثبتناها فإنها تعني أن لله حداً وغاية، لأن الذي يُرى محدود! كذا زعموا، وزعموا أن الذي يستوي محدود، وأن الذي يكون في السماء محدود، وأن الذي ينزل يكون له حد وغاية إلى آخره، فباسم نفي الحد والغاية نفوا الصفات. ففصل السلف في معنى الحد والغاية، وقالوا: إن قصد بالحد ما يحد بالذهن والتصور من أن الله يحيط به البصر، وأن من الممكن أن نصفه بنهاية كنهايات المخلوقات فهذا لا يمكن ولا يليق بالله ، وهذا هو الذي عناه ابن قدامة حينما قال: (بلا حد ولا غاية)، بمعنى أنه ليس للعقول أن تتصور لله حداً كما أن للمخلوقات حدوداً، ولا أن تتصور أن لله غاية ونهاية كما أن للمخلوقات غاية ونهاية، فإن الحد والغاية المفهومات في حق المخلوقات لا يليقان بالله لأن الله ليس كمثله شيء وهو أعظم وأجل من أن تدركه أو تحيط به أو تحده العقول أو الأبصار. فهذا هو المعنى الذي نفاه المؤلف؛ لكن أيضاً من أجل الإيضاح هناك معنى آخر للحد والغاية يدخل فيه الكمال، فهذا لا ينفى من أجل ألا يُنفى أسماء الله وصفاته، فيقال لمن نفى الحد والغاية من أهل التأويل والتعطيل: ماذا تقصد بالحد والغاية؟ إن قصدت بالحد والغاية أن الله ليس مختلطاً بالمخلوقات، له حد يفصله عنهم أو للمخلوقات حد يفصلها عن الله، أو أن الله ليس هو مخلوقاته، وليس ممتزجاً بها، وأنه سبحانه مستو على عرشه كما يليق بجلاله فهذا حق لا ننفيه، لكن لا نسميه حداً، وإن سميته حداً فأنت مبطل. ويقال للنافي: وأنت إن نفيت هذه الأمور على أساس أنها حد وغاية فأنت ظالم ومبتدع وزائغ، فمن نفى الاستواء على أنه حد، ومن نفى الفوقية على أنها حد أو جهة أو غاية، ومن نفى كون الله في السماء بمعنى أنه في العلو، ومن نفى أن الله يُرى يوم القيامة بدعوى أن هذه حدود وغايات، فهو مبطل ولا نوافق على كلامه هذا معنى قول الشارح (بلا حد وغاية)، بمعنى أن الله ليس كالمخلوقات التي تحدها الحدود ولها نهايات كالنهايات التي ترى وتبصر وتلمس.

стр. 18

أفضل شروح لمعة الاعتقاد السؤال ما هي أفضل الشروح على هذا المتن المبارك؟ الجواب الشروح الميسورة الآن والمتبادلة في أيدي الناس أفضلها من حيث العنصرة والتبويب والترتيب، ومعالجة الكثير من القضايا التي يحتاجها طلاب العلم اليوم شرح فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، وهو بحمد الله متوفر.

стр. 19

معنى قول الإمام أحمد: (لا كيف ولا معنى) السؤال ما معنى قول الإمام أحمد ﵀: (لا كيف ولا معنى)؟ الجواب يقصد أن أسماء الله وصفاته مثل النزول والاستواء وكون الله يُرى نؤمن بها بدون أن نعتقد الكيفية، والكيفية هي أن نتصور شيئاً ونعتقد أنه هو الحقيقة اللائقة أو التي عليها صفات الله فالمقصود بلا كيف من حيث الاعتقاد ولا من حيث التصور ولا من حيث السؤال، فلا نقول: كيف ينزل؟ ولا نتحكم بعقولنا في تصوير الكيفية التي ينزل بها الله ، ولا نثير الإشكال في الكيفية ونطمح إلى معرفة تفاصيلها.

стр. 20

القول الفصل في متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم السؤال ما القول الفصل في متقدمي ومتأخري الأشاعرة، وما أصابهم من خلط، نريد جواباً شافياً كافياً؟ الجواب متقدمو الأشاعرة إذا قُصد بهم من قبل البغدادي والشهرستاني والجويني فهم في الجملة أقرب إلى السنة، وأغلبهم أهل سنة وأهل حديث لكن وقعوا في بعض التأويلات التي قل أن يسلم منها من يتعلم علم الكلام أو يبدأ به أو يتتلمذ على المتكلمين وإن كان صاحب سنة. فمن بدأ حياته بكتب المتكلمين وما أشبهها من كتب التاريخ وكتب الفرق وكتب الأدب، فإنه لا يسلم في الغالب إلا النادر، والنادر لا حكم له، وكذلك من تلقى العلم في أول علمه وأول طلبه على غير أهل الاستقامة ففي الغالب أنه لا يسلم من الهفوات، وهذه قاعدة لا يستثنى منها إلا النادر والنادر لا حكم له. فإذاً الأئمة الكبار الأوائل من أئمة الأشاعرة كالإمام أبي الحسن الأشعري الذي تابع الكلابية في بعض المسائل بعد رجوعه إلى السنة، وتلميذه الطبري وليس المقصود بالطبري أبا جعفر الإمام، بل طبري آخر أظنه أبو الحسين وكـ البيهقي وابن فورك والباقلاني هؤلاء أئمة لهم اعتبارهم وإن كانوا يتفاوتون أيضاً، ولهم فضلهم وعلمهم وأغلب ما وقعوا فيه تابعوا فيه غيرهم ممن وقعوا في التأويل على غير قواعد، إنما نقلوه عن بعض الجهمية على سبيل الإعجاب بهذا الأسلوب، وظناً منهم أنه تنزيه لله ، وقد كان ابن الثلجي من أهل الحديث ثم أخذ ببعض تأويلات المريسي ولم يكن جهمياً خالصاً لكنه وقع في ذلك، ثم سار كثير من الكلابية والأشاعرة على نهج ابن الثلجي بسبب التمذهب أولاً لأن الأوائل منهم كلهم أحناف، ومنهم بعض الشافعية، هؤلاء الأئمة فيهم خير كثير، ومن الصعب أن نحكم عليهم بأنهم من الأشاعرة بالمعنى الجديد حينما ظهر أشاعرة المتكلمين، فنقول: إنهم أخطئوا وأولوا وهم أقرب إلى السنة منهم إلى أهل الكلام، بل إن أكثرهم لهم مؤلفات في ذم الكلام، مثل البيهقي فله كلام طيب في ذم الكلام، والخطابي له كلام طيب في ذم الكلام، ومع ذلك وقعوا في بعض التأويلات، فهؤلاء الأصل فيهم أن يُترحم عليهم وأن يُدعى لهم بالمغفرة ولا يُعتدى عليهم، لكن لا يوافقون فيما خالفوا فيه السنة وخالفوا فيه السلف، ويقال: أخطئوا في كذا وكذا، يدخل معهم من جاء بعدهم أمثال النووي وابن حجر وغيرهم فإنهم أئمة سنة وأئمة هدى لكنهم وقعوا في بعض التأويلات يغفر الله لنا ولهم، وهي بمثابة زلات العلماء التي تُغتفر لهم ولا يُقدح فيهم بسببها. الصنف الثاني: هم من أوائل الأشاعرة ويعتبرون من أهل الكلام ويذمون على كلامهم، ويقال: هؤلاء هم أصل الأشاعرة المتأخرين. الذين بدءوا بالأسس من أمثال ابن فورك والباقلاني؛ لكن الذين عمّقوا هذه الأسس وأصّلوا بعض المسائل الكلامية هم أمثال الشهرستاني والبغدادي وأبو المعالي الجويني والغزالي ويسمى بحجة الإسلام، والإيجي والآمدي فهؤلاء أساطين علم الكلام، والعجيب أنهم كلهم ما بين معلن لترك علم الكلام والإفلاس، وما بين متحير مات على حيرته وإن كان البغدادي لم يثبت عنه شيء بين، لكن ورد ما يدل على أنه اضطرب في آخر حياته، أما الشهرستاني فقد ثبت اضطرابه، وكذلك البقية كلهم ثبت ما بين رجوعهم إلى السنة وتسليم العجائز، وما بين إعلان الإفلاس، هؤلاء هم أهل الكلام وهم الذين أسسوا المذهب الكلامي الذي عليه الأشاعرة اليوم، والذي فتح باب التأويل على مصراعيه ووضع له قواعد كلامية مستمدة من قواعد الجهمية والفلاسفة والمعتزلة، وبعدهم سار الأشاعرة على هذا النهج إلى يومنا هذا.

стр. 21

الرد على من استدل على التفويض المذموم بكلام الإمام الشافعي السؤال ما هو الرد على من استدل على التفويض المذموم بكلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى؟ الجواب إن الإمام الشافعي من المثبتين للصفات على حقيقتها، وله في ذلك كلام، فيرد كلامه إلى كلامه. الأمر الثاني: أنه من أئمة السلف الذين لم يُعرفوا بالتفويض السلبي المذموم، بل عُرف بالإثبات، وعلى هذا لا يمكن أن يكون قصده التفويض السلبي الذي هو بمعنى عدم اعتقاد المعنى والحقيقة؛ لأن الشافعي من أئمة السلف، ولو كان قصده المعنى الآخر لما ترك، فلا بد أن ينبهه الآخرون. فإذاً: مراده مراد بقية السلف الذين قالوا هذا القول ويقصدون به على مراد الله من حيث الكيفية، ومن حيث الحقيقة الغيبية لا الحقيقة المعنوية بمعنى أنه يثبت المعنى والحقيقة على مراد الله . ثم إن الاستدلال به على العكس هو الصحيح، وذلك أن الشافعي قال هذه الكلمة لما شكك المؤولة بألفاظ كلام الله وزعموا أن الله لا يريدها، قالوا في قوله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] إن الله لا يريد اليدين، إذاً غيّروا مراد الله فأراد أن يثبت أنها على مراد الله، وحينما قالوا في قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] إن الله لا يقصد معنى الاستواء الحقيقي إنما يقصد معنى آخر عبّر عنه تعبيراً بلاغياً فعدلوا عن مراد الله، أراد الشافعي أن يثبت أن الحق أن يثبت كلام الله على مراد الله، ومراد الله هو أن الله تكلم بهذا الكلام بحق على معنى حقيقي يليق بجلال الله؛ لأن الله تكلم بلسان عربي مبين، وخاطبنا بلسان نفهمه. إذً المعنيان اللذان يريدهما الشافعي وهما الكيفية أو معنى إثبات الحقيقة هو ظاهر كلامه، أما المعنى التفويضي الذي هو بمعنى إنكار المعنى، أو عدم الإقرار به، أو التنصل منه كما يفعل المفوضة فهذا لا يليق أن يكون من الشافعي، ثم لو كان منه لا يمكن أن يتركه الأئمة بدون تنبيه.

стр. 22

معنى قول ابن قدامة: (الذي لا يخلو من علمه مكان) السؤال ما معنى قول ابن قدامة ﵀: (الذي لا يخلو من علمه مكان)؟ الجواب بمعنى أن علم الله شامل ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] فإن الله عالم بخلقه العلم الكامل وعلمه محيط بكل شيء من المخلوقات، هذا بدهي عند أصحاب الفطرة السليمة والعقول المستقيمة، لذلك فإن الإخوة السامعين بحمد الله كلهم لا يشكل عليهم أبداً أن الله علمه في كل مكان، لكن لماذا قال الإمام موفق الدين وغيره من الأئمة هذه المقولة وهذه العقيدة وصرحوا بها؟ لأن هناك طائفة من الجهمية والمعتزلة تابعوا فلاسفة الصابئة والمجوس وفلاسفة اليونان والهند وغيرهم من الثنوية وغيرهم زعموا أن هناك خالقاً مع الله له تصرف في بعض الكون علماً وتدبيراً وألوهية يستقل بها عن علم الله وتدبيره، وهذه في الأصل فكرة المجوس وانتقلت إلى طوائف من الصابئة، وإلى طوائف من النصارى، وإلى طوائف من الهنود والفلاسفة اليونان وغيرهم، ثم انتقلت إلى المسلمين عبر ما أخبر به النبي ﷺ في الحديث الصحيح (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة شبراً بشبر وذراعاً بذراع) فمصداقاً لهذا الحديث وقعت نفس المقولة عند طوائف من القدرية الذين ورثتهم المعتزلة والجهمية فيما بعد. والقدرية زعموا أن للإنسان استقلالاً في بعض أفعاله أو في كل أفعاله، فمنهم من زعم أن للإنسان استقلالاً في كل أفعاله فعلى هذا يلزم أن الله لا يعلم أفعاله إلا إذا حدثت، فجعلوا هناك مساحة من أفعال الإنسان لا يعلمها الله ولم يقدرها إلا إذا حدثت، وعلى هذا يقدرون أن هناك من الأفعال ما يحدث في هذا الكون في زمان ما ومكان ما من بعض مخلوق -وهو الإنسان- لا يعلمه الله كذا زعموا، ولما واجههم السلف بقوة وعنف وكفّروهم أثبتوا العلم لكنهم أنكروا القدر. فرداً لهذه المقولة التي يزعم أصحابها أنه قد يحدث العباد أفعال الشر دون علم الله ولا تقديره، أراد أن ينفي هذه المقولة بمثل هذا القول أن الله علمه في كل مكان وفي كل زمان ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢] وأن الله علم كل ما يكون، كيف يكون، ومتى يكون، وما هو كائن كذلك.

стр. 23

التفريق بين الفرق الزائغة ومراتبها السؤال ذكرت أن الزيغ قد يكون كفراً وقد يكون فسقاً، فما هي الفرق التي يكون زيغها كفراً، وما هي الفرق التي يكون زيغها فسقاً أو معصية؟ الجواب أما زيغ الكفر فهو زيغ غلاة الرافضة؛ لأنهم يتأولون تأويلاً يخرجهم عن الملة، والباطنية وهم امتداد للرافضة، فزيغهم زيغ كفر، ثم غلاة الجهمية وغلاة المعتزلة زيغهم زيغ كفر، ثم الفلاسفة وأقصد بالفلاسفة المسمون بالإسلاميين زيغهم زيغ كفر، وغلاة المتصوفة زيغهم زيغ كفر، والمشبهة الممثلة زيغهم زيغ كفر. أما من زيغهم زيغ ضلالة وبدعة وفسق فهم أهل الكلام من متكلمة الأشاعرة والماتريدية والكلابية، والكرامية، ومن نحا نحوهم هؤلاء وقعوا حسب حكم السلف الذين عايشوهم وعاصروهم في البدعة والفسق والضلالة. أما الذين زيغهم زيغ الخطأ فهم المنتسبون للأشاعرة والماتريدية من أئمة الحديث وأئمة العلم، فلا يعتبرون زائغين بمعنى أنهم مبتدعة ولا ضُلّال، إنما زاغوا عن الحق بمعنى أخطئوا، فالخطأ درجات والفسق درجات والبدعة درجات والضلالة درجات، والزيغ درجات، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.

стр. 24

شرح لمعة الاعتقاد [٢] طلب العلم ضرورة ملحة في حق الشباب المسلم؛ حتى يتمكن من خدمة أمته ونفع نفسه ومجتمعه، وطلب العلم له أصول وضوابط وآداب، يجب على طالب العلم أن يعلمها ويعمل بها؛ حتى يكون علمه نافعاً له في دنياه وأخراه.

стр. 25

كيفية إحياء العلم الشرعي وبيان أهميته الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. بادئ ذي بدء أنقل لكم سلام الشيخ الأخ الدكتور: عبد الرحمن بن صالح المحمود واعتذاره عن إقامة الدرس في هذا اليوم، مع- إن شاء الله- استئناف الدرس في الأسبوع القادم، وعذره وعكة بسيطة إن شاء الله أن يعافيه ويشفيه. وهو إن شاء الله بخير لكنه قد يصعب عليه أداء الدرس هذا اليوم، وعلى هذا رغب الإخوان المنظمين للحلقة جزاهم الله خيراً أن يعوض بعض الوقت ونسد الفراغ ولعلنا نتكلم عن بعض الأمور العامة حول هذه الحلقة وسائر الحلقات العلمية استكمالاً لما بدأنا أو بدأتم الحديث عنه في الدرس الماضي بالأمس. ولعل من أهم هذه الأمور ما يتعلق بطلب العلم الشرعي والفقه في الدين وبعض الضوابط والأصول التي تهم طالب العلم في هذا العصر، وما يتفرع عن ذلك من اللوازم العلمية والعملية التي يجب أن يتحلى بها الشباب، ولا مانع أن نترك وقتاً للأسئلة أطول حول هذه الأمور. أما الكلام عن الدرس الأصلي وهو كتاب العمدة وما حوله وكيفية أدائه وشرحه وحفظه، فهذا أتركه للشيخ حفظه الله معكم في الأسبوع القادم إن شاء الله.

стр. 26

طلب العلم ضروري لكل مسلم أما ما يتعلق بمسألة طلب العلم الشرعي، فأحب أن أشير إلى ضرورة طلب العلم الشرعي لكل شاب وطريقة السلف في هذا الأمر. فأولاً: نعرف أن الله كلف كل مسلم أن يتعلم أمور دينه وعلى هذا فكل مسلم مطالب بأن يتعلم؛ لكن ما الحد الذي يتعلمه كل شخص؟ هذا مما يخفى على كثير من الناس. هناك من أمور الدين ما لا ينفع الجهل به لأحد من المسلمين ذكراً أو أنثى، وكل بالغ عاقل يستطيع أن يتعلم، وهي الأمور الأساسية للدين مثل أركان الإيمان وأركان الإسلام وأصول الإسلام القطعية، والحلال القطعي والحرام القطعي والعمليات المتعلقة بظواهر الدين وشعائره التي يستطيع كل مسلم أن يفهمها سواء عمل بها أو لم يعمل، بمعنى: سواء استطاع أن يعمل بها أو لم يعمل، لاسيما وأن كثيراً من أمور العقائد ليست من العمليات، لكن لابد من الإيمان بها. فعلى هذا فإن طلب حد أدنى من الأصول الشرعية أمر يجب أن يتعلمه كل مسلم، ويجب أن تسعى الأمة إلى تعليم أجيالها هذه الضروريات لكل وسيلة متاحة، وكان الناس على هذا أو كان المسلمون طيلة العصور السابقة على هذا الأصل لا يخلون به إلا في حالات نادرة، خاصة في البوادي والأرياف، فقد يكون هناك شيء من الإخلال غير المقصود عن جهل أو تفريط غير مقصود، حيث تعتري الناس ظروف معينة، وإلا فالمسلمون جميعاً كانوا يحرصون على تعليم أبنائهم الأصول الضرورية. فلذلك كان على كل مسلم أن يأخذ القدر الضروري من العلم الشرعي، وكان أهل العلم يبدءون تعليم الصغار في الكتاتيب فيعلمونهم أولاً القرآن الكريم والقراءة والكتابة، فكان كل طفل يوجه إلى الكتاتيب ويتعلم هذه الأساسيات ثم بعد ذلك يرتقي إلى دروس العلم الشرعية وما يتفرع عنها من علوم أخرى تنفع المسلمين. وما كانوا يرتبطون بسن معينة كما حصل الآن في أنظمة التعليم التي تربط التعليم بسن معين وبمراحل معينة تجعل الناس على وتيرة واحدة الذكي منهم والغبي، بل كان المعلمون يعلمون أبناء المسلمين هذه الأساسيات فإذا وجدوا عند بعضهم شيئاً من الاستعداد أقرءوه المتون الأساسية حفظاً وشرحاً، فإذا وجدوا منه استعداداً أكثر نقلوه إلى شرح المتون، فإذا وجدوا عنده استعداداً أكثر نقلوه إلى شروح الشروح وإلى ما نسميه الآن الموسوعات، وكتب السنن والآثار وكتب الفقه المطولة وكتب اللغة المطولة هذا أمر.

стр. 27

إحياء العلم الموسوعي عند طائفة من شباب المسلمين الأمر الآخر: وهو مما يجهله كثير من طلاب العلم فضلاً عن عامة الشباب وعامة الأمة، وهو ضرورة السعي إلى إحياء العلم الموسوعي عند طائفة من شباب المسلمين، وأقصد بالعلم الموسوعي العلم الشرعي المنوع وما يخدم العلم الشرعي، وما يخدم الأمة من علوم أخرى. وذلك باصطفاء النابهين من أبنائنا والتعرف على مواهبهم والعناية بهم، بحيث يكونون علماء يتوسعون في العلوم الشرعية المتنوعة، وعلوم اللغة المتنوعة، والعلوم الأخرى المتنوعة التي تخدم الأمة، لاشك أن مناهج التعليم والمدارس تؤدي شيئاً من المطلوب، لكن لا تؤدي المطلوب كله؛ لأنها ربطت بوقت وبأنظمة معينة وجعلت على مستوى العموم من أبناء الأمة، الذكي والمتوسط وما دون المتوسط وما فوق الذكي. فعلى هذا فإن مناهج التعليم تخرج أناساً عندهم استعداد للعلم ولا تخرج علماء، نعم قد تخرج متخصصين في بعض شعب الحياة، وبعض التخصصات الشرعية في شعب معينة لا تفي بالغرض الذي تحتاجه الأمة، ولو استمر الأمر على هذا الوضع بأن يتكل الناس على هذا الأسلوب فإنهم سيفاجئون يوماً من الأيام بأنهم فقدوا العلماء المتبحرين الموسوعيين الذين يلبون طلب الأمة ويشبعون رغباتها في حاجاتها الشرعية والعلمية. ذلك أنه بحمد الله لا يزال عندنا بقية من العلماء والمشايخ الذين أخذوا العلم على أصوله الصحيحة؛ لكن لو استمر الأمر على ذلك ولم يستدرك، ستنقرض هذه الفئة ونخرج بفئات المتخصصين الذين ينفعون الأمة في تخصصات لكن ليس عندهم الشمول في النظر فقد نفاجأ بآراء عجيبة ومواقف شاذة واجتهادات بعيدة عن الصواب بسبب حجب كثير من المتعلمين على ضوء التخصصات عن العلوم الأخرى. فتجد الآن ظواهر هذا قد بدأت، تجد عندنا من هو متخصص في الفقه تخصصاً دقيقاً وقد يشبع رغبة الأمة في هذا الجانب؛ لكنه قد يجهل بدهيات اللغة ويجهل بدهيات العقيدة وقد يجهل بدهيات الحديث والتفسير إلى غير ذلك، فلا يكون سوياً في مواقفه ولا في أحكامه ولا في اجتهاداته، بل ربما تخرج عنه المواقف الغريبة الشاذة. وكذلك في العقيدة والحديث والتفسير، قد يخرج متخصص في التفسير لكنه ليس له علم بالحديث ولا الإيمان الضروري، وقد يخرج متخصص في الحديث لكنه غير ملم بالعقيدة والجوانب الأخرى وهكذا. فاستمرار الاتكال على التخصصات قد يؤدي إلى أمور لا تحمد عقباها، وكما قلت لا يعني هذا أني أستهين بجوانب التخصصات فهي تخدم الأمة، لكن تحتاج إلى الضوابط والروابط؛ لأن العلماء الموسوعيين الذين يجمعون بين هذه التخصصات يكونون المرجع الشامل العام للأمة ولأصحاب التخصصات على نمط أئمة الهدى ومشايخنا الكبار الذين تعلموا سائر العلوم على حد سواء. ولذا لابد من اعتماد برامج دقيقة في الدورات وحلق الذكر ومجالس العلم ودروس العلماء في تخريج طائفة من شباب الأمة يتعمقون في الفقه في الدين بسائر تخصصاته بحسب قدراتهم ومواهبهم، وذلك بالبدء على الطريقة التي بدأت تظهر الآن كثيراً في هذه البلاد، وهي تعليم الشباب العلوم الأساسية من خلال المتون، ثم معرفة من يتفوق منهم في هذه المتون وإعطائه أكبر قدر ممكن منها بحيث لا يتخصص في متن واحد أو متنين، بل يأخذ المتون الأساسية في القرآن وعلومه، وكذلك في الحديث وما يخدمه، ثم في العقيدة وما يخدمها، والفقه وما يخدمه، وفي اللغة وما يخدمها وهكذا. ثم يتوسع حتى فيما يسمى بالعلوم الأدبية والإنسانية بقدر ما تحتاجه الأمة وبقدر ما يقدر عليه هو كما كان عليه أئمتنا، ثم يصطفى من هؤلاء الشباب من عندهم المقدرة والموهبة على المواصلة في الشروح، فيأخذ في كل علم الشرح الذي يناسب لهذا المتن الذي قرأه، ولا مانع أن يقرأ في وقت واحد خمسة شروح لخمسة علوم أساسية أو أكثر من ذلك، أو عشرة شروح لعشرة علوم أساسية. ثم بعد ذلك يتوسع، فإذا وجد أنه موسوعي، بمعنى أن عنده من الذكاء والاستعداد ما يجعله يستوعب أكثر العلوم عني به حتى يصير مرجعاً للأمة هو ومن يشبهه ممن يسلكون هذا المنهج. وقد لا يتمكن من التوسع الكامل فليتوسع فيما يستطيعه، فإذا وجد أنه لا يستطيع التوسع إلا في علمين أو ثلاثة فليتوسع في ذلك، لكن نكون قد ضمنا أنه فهم بدهيات العلوم الأخرى، وهذه مسألة ضرورية، حتى لا يأتينا إنسان حاذق في علم يجهل أساسيات علوم شرعية أخرى فتفقد الأمة الثقة فيه أو تثق فيه على غير بصيرة، فيضل ويضل، وهذا مما كان العلماء يحذرون منه.

стр. 28

انتقاء الكتب والعلوم وأمر آخر يتعلق بانتقاء الكتب وانتقاء العلوم: كثير من الشباب يسترسل مع ميل نفسه ومع خبراته المحدودة في اختيار الكتب واختيار العلوم، بمعنى أنه لا يستشير ولا يرجع إلى من هو أعلم منه من المشايخ وطلاب العلم في سلوك طريق العلم وما يناسب من العلوم والكتب وقد يسمع بكتاب من الكتب فيعجبه ما ذكر في هذا الكتاب فيقرؤه وهو قد لا يناسبه؛ لأن الثناء على أي كتاب لا يعني بالضرورة صلاحيته لكل شخص حتى وإن كان كتاباً موثوقاً لأنه قد يصلح لشخص ولا يصلح لشخص آخر، كأن يصلح للمتوسط ولا يصلح للمبتدئ وهكذا. فينبغي لكل سالك لطريق العلم أن يعرف كيف ينتقي العلم المناسب وكيف ينتقي الكتاب المناسب، ثم كيف يتدرج في هذا العلم وفي هذه الكتب.

стр. 29

الضابط لضمان تحصيل العلم على أصوله السليمة ويتفرع عن هذه المسألة أيضاً مسألة ثالثة، وهي: ما الضابط الشرعي لضمان تحصيل العلم على أصوله السليمة عما يعتري الإنسان أحياناً من التعالي والتعالم والغرور والإعجاب أو سوء الأدب أو الجهل بأدب العلم والعلماء، والأدب مع المشايخ ونحو ذلك، فما الذي يضمن لطالب العلم أن يأخذ بالضوابط الصحيحة السليمة لطلب العلم الشرعي. أقول كما قال أهل العلم: إنه من الضروري لطالب العلم الذي يريد أن يأخذ العلم على أصوله السليمة أن يتلقاه عن أهله ولا يستقل بنفسه في طلب العلم، ولا يكتفي بأخذ العلم عن أقرانه ومن هم في سنه أو أكبر منه قليلاً فإن هذا يؤدي إلى كوارث لها نماذج في التاريخ قد لا يتسع الوقت لذكرها، أعني كوارث تؤدي إلى الأهواء وإلى النزاعات وإلى الصدام بين الأمة، وإلى الاستهانة بالعلم وأهله، وإلى خرق عصا الجماعة والطاعة بين المسلمين. فمن هنا كان من الضروري لطالب العلم أن يكون طالب علم ينفع نفسه وينفع أمته وأن يطلب العلم على أهله كما جاء في الأثر وبعضهم رفعه حديث إلى النبي ﷺ أنه قال: (يحمل هذا العلم -وقيل: هذا الدين- من كل خلف عدوله) يعني: من كل عصر العدول فيه، والعدول هم الرجال الثقات العلماء المتبحرون. ثم إذا تدرج الشخص واستوفى ما عند طلاب العلم الكبار انتقل إلى المشايخ الكبار، إذا لم يمكنه أن يدرس عليهم ابتداء، ومع ذلك فإن هذه المسألة محسومة في عصرنا بكثرة طلاب العلم والمشايخ بقدر يقيم الحجة على الآخرين ولا يعتذر أحد من الناس بأن يقول: لا أجد من أتعلم على يديه، بل كثير من الدروس تشكو النقص والقلة، وكثير من المشايخ لو وجد طلاب العلم لجلس لهم. أما لماذا هذا؟ أولاً: لأنه سبيل المؤمنين وسبيل أهل العلم وأئمة السنة، والله حذر من اتباع غير سبيل المؤمنين. والأمر الثاني: كما أشير في النصوص إلى أن العلم يؤخذ عن العلماء، والعلماء هم ورثة الأنبياء. والأمر الثالث: أن العلم ليس مجرد تحصيل وضبط في الذاكرة، إنما العلم أدب وسمت وهدي، وهذا لا يتم إلا بالقدوة الذي يؤخذ عنه العلم، ثم إنه ثبت أن من أعظم أسباب الانحراف في هذه الأمة والوقوع في الأهواء هو طلب العلم في معزل عن العلماء. إن أخذ العلم عن غير أهله كالأصاغر أو أهل البدع والأهواء أو بأخذ العلم عن مجرد الكتب والوسائل خطأ، فكثير من رءوس الأهواء الذين نعرفهم في التاريخ، والذين أضلوا الأمة وأحدثوا الافتراق كلهم معروفون بجفاء العلماء، وبأخذ العلم عن غير أهله، أو بطريقة غير سليمة، وارجعوا إلى التاريخ تجدوها ابتداء من أصول الشيعة الرافضة والخوارج الذين هم أول فرق نشأت، فنجد أن الأشخاص الذين تبنوا هذا الاتجاه وصاروا رءوساً في هذه الفرق الأوائل ممن كانوا يستهينون بالصحابة وبعلم الصحابة، بل كانوا يقدحون في علماء الصحابة ويزعمون أنهم متدينون وأنهم على صلاح واستقامة. بل ذكر النبي ﷺ الخوارج منهم بأنكم تحقرون صلاتكم عند صلاتهم وصيامكم عند صيامهم ومع ذلك ضلوا بسبب الإخلال بهذه المسألة، وهي أنهم تركوا فقه الصحابة واستهانوا به واعتدوا بأنفسهم بزعمهم أئمة بأخذهم على الكتاب والسنة دون تلقيه عن رجال فهلكوا، ثم كبار الشيعة كذلك كلهم يرجعون إلى السبئية. أما القدرية الأوائل مثل معبد الجهني وغيلان الدمشقي فلم يعرف أنهم تلقوا عن العلماء بل كان عندهم شيء من الخروج عن سمت أهل العلم، ثم واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد ما ظهروا ببدعتهم إلا عندما اعتزلوا شيخ الأمة في ذلك الوقت وعالمها وهو الحسن البصري ثم الجهم بن صفوان وصفه العلماء بأنه ممن عرف بعدم تلقي العلم عن أهله وبعدم مجالسة العلماء فقد نقل الذهبي وغيره أن من أهم سماته أنه لم يجالس العلماء. أقول: إن الوسائل التي هيأها الله لنا في هذا الوقت وهي الأشرطة والكتب والنشرات والصحف وغيرها من الوسائل الأخرى لتعليم الشرع جيدة ومفيدة، لكن لا تخرج علماء، نعم تعلم الأمة دينها وتفقه الناس وتعلمهم الأساسيات والضروريات، وتساعد طالب العلم على أخذ العلم الشرعي، فهي رافد من الروافد، لكن أن تكون هي الأصل فهذه مزلة وخطورة نخشى على الأمة من عواقبها. وقد بدأت بوادر طلب العلم على غير أصوله تظهر من خلال بعض النزعات والاتجاهات عند طائفة من شباب الأمة وإن كانت قليلة؛ لكن نخشى أن تزيد هذه الظاهرة بسبب هذا التوجه، وهو التنكب عن سبيل العلماء والاستهانة بهم وترك التلقي عنهم وهكذا يستقل الطالب بنفسه كي يتعالى ويغتر ويخرج كل بمذهب. والمعروف من خلال التاريخ ومن خلال الواقع أن كل الذين تعلموا على غير العلماء لا يخضع بعضهم لبعض، بل كل واحد منهم يقول: أنا لها، ويخرج كل واحد بمذهب، وإذا التقوا في بعض الأصول فإنهم لا يخضع بعضهم لبعض كما حصل من أتباع الفرق، أتظنون أن الفرق على قلب رجل واحد؟ لا. فالخوارج يجتمعون في أصلين أو ثلاثة أما بقية ال

стр. 30

موقف طالب العلم من الخلاف بين العلماء هذه مسألة أيضاً بحمد الله محسومة عند أهل العلم، والخلاف على درجات، ويهمني ما يتعلق بنوع المخالف، فالأصل في الخلاف أنه إذا كان هناك اجتهاد سائغ من إنسان مستقيم على السنة أنه لا يؤدي إلى التباغض ولا إلى التعادي ولا إلى التحاسد ولا إلى التنافر ولا إلى البراء، أما إذا كان المخالف صاحب بدعة سواء كانت مخالفته صغيرة أو كبيرة فيجب أن يجتنب لمخالفته وأن يحذر منها. فمن باب أولى أن يكون الخلاف من العلماء أمراً تتسع له صدور الأمة، والعلماء لابد أن يختلفوا، والصحابة قد اختلفوا، ومن جاء بعدهم اختلفوا لكن لم يتنازعوا في الدين، بمعنى أن الخلاف لم يوصلهم إلى التباغض أو إلى شيء من الافتراق والخروج عن الجماعة، وإعلان البراء من بعضهم، وإعلان العداء بين الأمة أو بينهم وبين الآخرين، فهذا لم يحصل بين علماء الأمة المعتبرين من أهل السنة والجماعة قديماً وحديثاً، نعم قد يرد بعضهم على بعض وقد يرد بعضهم قول بعض لكن لا يصل الأمر عندهم إلى المنازعة في الدين. وهكذا يجب أن يكون المسلمون عموماً وطلاب العلم على وجه الخصوص، والشباب بصفة أخص، هكذا يجب أن يقفوا من الخلاف الحاصل بين العلماء المجتهدين من هذه الأمة الذين هم أهل الاستقامة وأهل الحق وأهل السنة. فالخلاف بينهم أمر ضروري ولا يضر، بل يوجب علينا أن نصبر على ما يحدث، وأن يناصح الجميع، وأن يبقى حق الجميع في القلوب، سواء كان هذا الخلاف في الأمور الفقهية أو في محدثات العصر أو في أمور الدعوة ووسائلها وأساليبها أو في مستجدات الحياة التي لا تزال محل اجتهاد، فإن هذه الأمور كلها لا تزال محل خلاف ولن تزال إلى أن تقوم الساعة؛ فلا نتصور أو نتوهم أن الناس سيكونون على قلب رجل واحد ويرجعون إلى مرجع واحد، فإن هذا يخالف سنن الحياة وسنن الله في خلقه. إذاً: الخلاف واقع لابد لكنه ما دام بين أهل الحق وأئمة الهدى من العلماء والمشايخ المعتبرين في عقيدتهم وفي استقامتهم من أهل السنة والجماعة فإنه يجب ألا يؤدي إلى شيء من الاستهانة بهم ولا التنقص من قدرهم ولا ترك التلقي عنهم، ولا يؤدي إلى البراء ولا إلى الجرأة على أعراضهم بسب أو لمز أو اتهام أو نحو ذلك مما قد يجرأ عليه بعض الجاهلين، وهو أمر يجب أن نستبعده، وإذا حدث فهو الحالقة التي تفرق بين المسلمين، وربما تعاقب الأمة بسبب هذا الاتجاه لو توجهت إليه لا قدر الله. يجب أن نحرص على جمع الكلمة وأن نعتذر للعلماء، وندعو لكل إنسان يريد الخير لهذه الأمة في غيابه وفي حضرته، فلا نجرؤ على أحد بمجرد ذنب أو لمجرد خطأ أو اجتهاد مهما كان هذا الاجتهاد، حتى ولو كان في ظاهره ضرر أو حيف أو نحو ذلك مما يتذرع به بعض الجاهلين للجرأة على العلماء أو الدعاة أو نحوهم. فإن هذه الخلافات طبيعية؛ لكن ليس من الطبيعي ولا من الجائز، وليس من الدين أن يؤدي ذلك إلى الفرقة ولا المنازعة ولا إلى العداء ولا إلى البراء ولا إلى التهاجر واستباحة الكلام في الأعراض والكلام في الأشخاص. بعض الناس لقلة فقهه لا يفرق بين الكلام في الشخص والكلام في المسائل المختلف عليها، وطالب العلم إذا كان الاجتهاد في مسائل تخالف الآخرين ثم أدى ما عليه وبلغ اجتهاده دون أن يشير إلى أحد من الناس أو يتهم أحداً، فإننا لا نلومه في ذلك؛ لأن هذا هو ما يرى أنه حق ما لم يتعلق بأمور فيها مفسدة أو تؤدي إلى مفسدة عظمى، أما ما عدا ذلك من الأمور الاجتهادية فلا نحجر على أحد ما لم يعتد على غيره أو يقدح أو يلمز المخالفين، فإذا قدح أو لمز المخالفين أو اغتابهم فإنه قد خرج عن الخط الشرعي السليم.

стр. 31

الأسئلة

стр. 32

الموقف من الاختلاف بين الطحان والألباني السؤال ما رأيكم فيما حدث من اختلاف وجهة نظر بين بعض المشايخ المشهورين مثل الشيخ عبد الرحيم الطحان والشيخ الألباني؟ الجواب سمعت بعض ما حدث في هذه المسألة وأرى أن فيه نوعاً من المبالغة من الناس، وكل هؤلاء فيهم خير، وإن كان قد يوجد بعض الأخطاء وجل من لا يخطئ، فالبشر معرض للأخطاء وليس معصوماً في الدين إلا النبي ﷺ ، فعلى هذا فإن هؤلاء كلهم لهم حقوق وكلهم فيهم خير، ولا ينبغي أن ينشغل الشباب بهذه المسائل؛ لأنها ليست مما كلفوا به شرعاً، إنما كلفوا بأن يهتموا بالعلم الشرعي ويهتموا بالدين ويتركوا المسائل التي ليست من اختصاصهم أو ليس بمقدورهم أن يتثبتوا فيها. وأعود وأقول: الأسماء التي ذكرت، سواء الشيخ عبد الرحيم الطحان أو الشيخ الألباني كلهم ممن لهم إسهام في نفع الإسلام والمسلمين والدعوة إلى الله وفي العلم الشرعي، وكلهم لهم حق علينا بأن ندعو لهم بالغيب، وإن كان منهم من أخطأ فيكتب له في ذلك أو يناصح أو يراسل ويدعى له بالتوفيق والسداد، فليسوا أئمة ضلالة ولا بدعة، بل هم محسوبون من أهل الحق والخير. هذا ما أحسبه وما أعرفه.

стр. 33

الكتب التي ينصح طالب العلم باقتنائها السؤال ما الكتب التي تنصحني باقتنائها بصفتي مبتدئاً في طلب العلم؟ الجواب مسألة اقتناء الكتب تحتاج إلى شيء من التفصيل؛ لكن الغالب أن صاحب مثل هذا السؤال مبتدئ، بمعنى أنه بادئ في طلب العلم سواء كان صغير سن أو كبيره، فهذا يجب أن يستشير من حوله ممن يصاحبهم من أهل بيته أو جيرانه أو مشايخه أو أساتذته أو من طلاب العلم في الحي، فيستشيرهم خطوة بخطوة. وعلى أي حال فمن الضروري لكل طالب علم أن يكون عنده الكتب الأساسية في العلوم الأساسية، فبعد كتاب الله لابد أن تكون عنده الكتب الأساسية في الحديث. طبعاً الكتب المطولة غالية، وقد لا يتمكن منها كل الناس؛ لكن هناك مختصرات، مثل مختصر صحيح البخاري ومختصر صحيح مسلم، وهناك كتب في الحديث شاملة ومفيدة يجب أن يقتنيها كل مسلم، مثل رياض الصالحين وفي التفسير يجب أن يكون عنده تفسير ابن كثير. ثم بعد ذلك يأتي بتفاسير أخرى مثل تفسير الطبري وتفسير ابن السعدي وتفسير البغوي وهكذا، ولا يلزم أن يكثر من كتب التفسير. وفي الفقه يحسن أن يكون عنده كتب تسهل مراجعته في الفقه مثل: الروض المربع أو الروض الندي أو العمدة أو غيره من الكتب المتوسطة، أو المختصرة جداً مثل زاد المستقنع ونحوه. وهكذا الكتب الأولية لابد منها في كل فن، بعد ذلك يرتقي الإنسان في شراء الكتب حسب الأولويات وحسب قدرته المادية. وإذا أراد أن يؤسس مكتبة فلابد أن ينوعها من كتب السنن والصحاح والتفاسير الأساسية التي ذكرتها، ومن كتب الفقه الأساسية أربعة أو خمسة، ثم من كتب الحديث وعلوم الحديث بعد كتب السنن، ومن كتب اللغة سواء كانت معاجم أو كتب اللغة التي تفصل النحو، والمعاجم ضرورية، ومن أفضلها في العصر الحاضر المعجم الوسيط الذي يجمع بين القديم والحديث، وهو معجم متوسط في ثلاثة مجلدات سهلة ويجمع بين كتب المعاجم القديمة وبين المصطلحات الحديثة، وعربت في مجامع اللغة وصدر عن مجمع اللغة في مصر. والحاصل أنه ينبغي أن ينوع فلا يسلك ما يسلكه بعض الشباب بأن يملأ مكتبته بنوع من التخصص وتكون فقيرة للتخصصات الأخرى، فهذا لا ينبغي.

стр. 34

الأمور التي تعين على طلب العلم السؤال ما الأمور التي تعين على طالب العلم؟ وهل طلب العلم موهبة؟ وما هو الفتور في طلب العلم؟ الجواب الأمور التي تعين على طلب العلم: أولها: قوة العزيمة، وثانيها: مخالطة طلاب العلم والبعد عن مجالس الثرثرة والمجالس الضائعة المتروكة وما أكثرها، وعن المغريات من وسائل اللهو وإضاعة الوقت ومجالس القيل والقال، فإن هذه في الغالب تصرف طالب العلم وتصرف قلبه، بل تجعله ينفر من العلم حتى وإن كان عنده رغبة لكنه يجد نفسه تنجذب إلى الملهيات وإلى المجالس الفارغة وغيرها، فينبغي أن يبتعد عن مثل هذه المجالس التي تضيع الأوقات. الأمر الثالث: كثرة دعاء الله والاستعانة به في هذه الأمور، فيلح على الله فإنه يسدده ويهديه ويرشده. ثم الدروس الجادة المفيدة، والدروس كلها مفيدة إن شاء الله لكن تتفاوت في جديتها وفي فائدتها، فبعض الدروس قد يكون نفعه عاماً لا يصلح لطالب العلم المتخصص الذي يريد علماً شرعياً، فإذا حضره قد يظن أنه كاف، فينصرف عن طلب العلم الجاد، فإذا أراد أن يطلب العلم بجدية لا يستطيع أن يروض نفسه عليها. ثم مما يعين على طلب العلم تنظيم الوقت تنظيماً جيداً دقيقاً؛ ولا يضيعه في المشغلات والملهيات من أمور الحياة وبهرجها، لأنها تجعل الإنسان متشاغلاً، وإن لم يكن مشغولاً فإنه يشعر أنه مشغول، وأظنكم تجدون هذا كلكم. والدنيا قد ضحكت للناس جميعاً فأشغلت قلوبهم وخواطرهم مما يجعلهم يشعرون بالتشاغل، نعم طلب العلم منه ما هو موهبة ومنه ما هو ضروري لكل مسلم. أما الاستمرار في العلم والتبحر فيه فلا شك أنه موهبة؛ لكن موهبة تغذيها قوة الاستعداد وقوة الإرادة والاستعانة بالله ، وكثرة دعائه ومجالسة طلاب العلم والصالحين.

стр. 35

التوفيق بين التخصص غير الشرعي وطلب العلم الشرعي السؤال رجل يجد من نفسه حباً للعلم الشرعي وقدرة على طلبه، وهو مع ذلك متخصص دراسياً في علم اللغة والآداب وله في ذلك نفس طويل خاصة فيما يتعلق بالآداب الأجنبية، فبم تنصحه وهو لا يستطيع التوفيق بينهما؟ الجواب إن شاء الله أنه يستطيع، والحقيقة أن هذه المسألة من المسائل التي تحتاج إلى علاج، وهي تعتبر مرضاً من أمراض المثقفين وأمراض كثير من شبابنا، وهذا المرض هو أن بعضهم قد تلجئه الحياة وطلب العلم في أول حياته إلى أن يسلك مسلكاً في طلب غير العلم الشرعي ويفاجأ أنه تخصص في هذا العلم وتبحر، لكنه بعيد عن العلم الشرعي، فيكون عنده إذا كبر شيء من القلق، وأقول: يحق له ذلك، مع أن الناس تحتاج إلى شيء من التوازن في دراسة هذه الظاهرة، ذلك أن الأمة بحاجة إلى سائر العلوم، فالذي يسلك الأدب تحتاج إليه الأمة في جانب والذي يسلك التاريخ تحتاجه الأمة في جانب والذي يسلك علم الاجتماع تحتاجه الأمة في جانب، والذي يسلك الطب تحتاجه الأمة في جانب، لكن لا يكون ذلك على حساب الإخلال بالجوانب الأخرى الضرورية، فليس من الضروري أن يكون كل شخص طالب علم شرعي، وليس من الضروري أن كل من سلك مسلكاً في العلوم الإنسانية أو العلوم الطبيعية أن يكون متبحراً في العلم الشرعي، لكن هناك قدر ضروري وهناك قدر نحتاجه فيما بعد. إذا استوفى الإنسان العلم الذي يخصه ووجد عنده فراغاً يجب أن يرجع إلى العلم الشرعي ولا يستمر على ما هو عليه، بل يخدم الأمة في العلم الذي تخصص به، ويرجع إلى طلب العلم الشرعي والتبحر فيه في نفس الوقت، هذا شيء. والشيء الآخر: لو قدر أنه لا يتمكن من أن يتبحر فلابد من الإيمان بالقدر الضروري من العلوم الشرعية؛ ليصبح طالب علم، فأنتم ترون أن كثيراً من الشباب يعجبه أن يكون مثقفاً، والمثقف هو الذي يلم من كل علم بطرف. فإذا تكلم الناس في أي علم من العلوم تكون عنده معلومات أساسية تجعله يشارك ولو بعض المشاركة فيتباهى بأنه مثقف يستطيع أن يشارك في كل علم. إذاً: من كان عنده هذه النزعة فليعرف أنه ينبغي أن يتفقه في العلم الشرعي وأن يكون عنده علم بالأساسيات، ما دام عنده وقت وعنده استعداد حتى ولو مضى من عمره سنون أو تورط بتخصص قد لا يعجبه فيما بعد. ومع ذلك أقول: على الذين تخصصوا في التخصصات غير الشرعية وأفادوا فيه الأمة ألا يندموا فإن الله سينفع بهم وعليهم أن يحتسبوا، أقول هذا لأني لاحظت بعض الشباب قد ينكص ويتراجع عن العلم الذي حصله ويندم عليه ويترك المجال الذي سلكه، ويترك فراغاً فيه فيرجع إلى العلم الشرعي من الصفر ويتخلى عن تخصصه الذي استعد له من قبل، وهذا لا يجوز بل ربما يكون من قبيل الفرار من الزحف. إنسان مثلاً: تعمق في الأدب وصار مدرساً في الأدب، ثم بدا له أن يترك الأدب لمجرد أنه ما سلك الطريق الذي يناسبه فيما بعد أو الذي يرضي نزعته الدينية، هذا غير صحيح، فليبق على ما هو عليه ويرجع إلى العلم الشرعي يتعلم منه ما يناسبه والذي يستطيعه أو يتبحر فيه، فيجمع بين حسنتين. إذاً: الأمر يحتاج إلى شيء من التوازن في النظرة، فلا يفرط في العلوم الشرعية ولا يفرط في العلم الذي حصله وأفاد فيه الأمة أو يمكن أن يفيدها فيها بدعوى أنه يريد أن يستأنف العلم الشرعي من جديد، وهذه الأمور كما قلت لا يمكن أن يحكم بها مثلي إلا باجتهاد عارض، لأنها قد تحتاج إلى دراسة متأنية وعلاج من محاضرات وندوات ومؤتمرات وكتب تطرح فيها الآراء وتناقش بين طلاب العلم.

стр. 36

البدء بالدراسة من أثناء الكتاب السؤال كثير من طلاب العلم يريد أن يبدأ الدراسة مع بعض المشايخ فيجده قد قطع شوطاً كبيراً في الدرس فما يصح في هذه المسألة؟ الجواب هذه مسألة في الحقيقة تحتاج إلى علاج، فكثير من طلاب العلم يبدأ الدرس من نصفه، أقول: وهذا يختلف ما بين درس ودرس وما بين شخص وشخص، فإن كان هذا الشخص ممن لديه إلمام بالعلوم الشرعية أو خريج معاهد شرعية أو كليات شرعية فلا يضره أن يبدأ من منتصف الكتاب، وبعد ذلك يرجع إلى النصف الآخر، ما لم يكن الكتاب من الكتب التي يترتب آخرها على أولها، وهذه قليلة مثل: كتب أصول الفقه وبعض كتب علوم الحديث وكتب الفرائض، وبعض كتب علوم القرآن، وغيرها من الكتب المنهجية التي يترتب أولها على آخرها، أما الشروح وأشباه الشروح فإنه لا يضر طالب العلم أن يبدأ في منتصف الكتاب ثم يكمل النصف الأول وإن كان هذا غير طبيعي لكن أحسن من لا شيء، وإذا أمكنه أن يجد الكتاب من أوله أو يبدأ الكتاب من أوله فهذا أولى، ويصبر حتى ينتهي الكتاب الآخر ويبدأ به من أوله، لكن إذا لم يكن ذلك فكما قلت إن كان طالب علم عنده شيء من العلم الشرعي أو خريج المعاهد العلمية أو خريج شريعة أو كليات شرعية فلا مانع من أن يبدأ في الكتاب من منتصفه ما لم يكن من كتب المناهج والأصول، فهذه لابد من البدء بأولها.

стр. 37

دراسة المتن بدون شرح السؤال هل الأفضل لطالب العلم في مثل هذه الدروس الفقهية أن يحضر المتون المشروحة أم المتون فقط بدون شروح، أيضاً التعليقات التي تعلق على المتون الكثير منها موجود في المتون المشروحة؟ الجواب أما غير لمعة الاعتقاد فالأولى أن يسأل أستاذ كل مادة عن الطريقة التي يراها، أما بالنسبة للمعة الاعتقاد فلا مانع من إحضار أحد الشروح، وطبعاً من أيسر الشروح وأكثرها تفصيلاً وعنصرة شرح الشيخ: محمد العثيمين.

стр. 38

أخذ العلم من الكتب دون التتلمذ على الشيوخ السؤال متى تنطبق القاعدة على طالب العلم: من كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه؟ الجواب هذه حكمة بليغة وجيدة، والواقع يدل على ذلك قديماً وحديثاً، وقد يندر نادر في التاريخ بل لا أعرف إلا مثالاً واحداً أن من طلب العلم في وقت متأخر على علماء أصغر منه سناً أو في سنه يعني: ليسوا أكبر منه إلا القليل منهم وأكثر طلبه للعلم على الكتب، ومع ذلك كثرت عنده الأخطاء رغم إمامته في الدين وذكائه وعبقريته، وهو ابن حزم ﵀، فإنه طلب العلم وهو كبير في السن فأخذ العلم عن الكتب وقليل طلبه على المشايخ، وهو ما ترك المشايخ لكنه قليل طلبه على المشايخ، فلذلك صار له نهج يخالف نهج سائر أئمة السلف في كثير من الأمور، وإن كان لا يعد من أئمة الضلالة لكن عنده أخطاء، خاصة في تعامله مع العلماء فتجده يعير المخالف ويلقبه بأشنع الألقاب وإن كان المخالف إماماً كبيراً من أئمة الدين، فتسلط لسانه ﵀ على أهل العلم بسبب أنه ما تلقى العلم بأدبه ولا عن العلماء.

стр. 39

نصائح في قراءة كتب شيخ الإسلام السؤال نريد نصائح لمن أراد قراءة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهل صحيح ما يقال: ليس كل شخص يقرؤها من المبتدئين وغيرهم، بل أناس متبحرون في طلب العلم؛ لأن فيها شيئاً من الصعوبة؟ وما رأيكم هل الأفضل انتقاء بعض الكتب المتنوعة في العلوم المختلفة، أو الاقتصار على فتاوى شيخ الإسلام؟ الجواب في الحقيقة كتب شيخ الإسلام مما ينبغي على طالب العلم المبتدئ ألا يستقل بقراءتها، وإن كان بعضها يصلح لذلك لكن من الصعب تمييزها، الفتاوى هي موسوعة لشيخ الإسلام ابن تيمية، فينبغي لمن أراد أن يقرأها أو يقرأ جزءاً منها أن يقرأها على طالب علم، هذا الأولى، لذلك نعرف بعض المشاهير الذين قرءوا فتاوى شيخ الإسلام أكثر من مرة، ليس عندهم هدي العلماء في تطبيق العلم الشرعي على الحياة والواقع وفي تأصيل العلم الشرعي؛ لأنه قرأها على غير عالم، قد يكون هناك بعض المثقفين من قرأها مرتين أو ثلاث، بل هناك مستشرقون قرءوا كتاب المغني وكتب شيخ الإسلام مرات وما استفادوا منها. والسبب أن التلقي على أسلوب غير صحيح، فتلقي هذه العلوم والتي تؤصل وترجع الأمور إلى مناهجها وأصول الاستنباط وأصول الاستدلال، يجب أن يكون على طلاب العلم والعلماء.

стр. 40

الموقف من جماعة التبليغ السؤال هذا سؤال لن أجاوب عنه مباشرة لكن من المناسب أن أقول رأيي في مثل هذه الأمور كتوجيه عام لإخواني حسب ما أسمع من مشايخنا ومن المعنيين في هذه المسائل، طبعاً السؤال أقرأه عليكم لكن سأحيد عن الجواب بالتفصيل. يقول: ما رأيكم في جماعة التبليغ التي هنا في الرياض وخصوصاً في الحي الفلاني، وهم يحثون على الخروج إلى الدعوة ويجددون المدة إلى آخره؟ الجواب جزى الله خيراً السائل؛ لأن كثيراً من الشباب في رأسه مثل هذه الأمور، ويحق له ذلك، لكن مع هذا اعذروني عن الجواب التفصيلي لكن سأجيب جواباً جماعياً فهذه المسائل تظل محل نزاع بين المشايخ وطلاب العلم، فيتفقون على الأخطاء العقدية والمنهجية في جماعة التبليغ؛ لكن يختلفون في تكوينها تفصيلاً وفي الموقف منها وفي التعامل مع المنتسبين إليها، وهذا الخلاف يرجع به إلى القاعدة التي ذكرتها من قبل، أنها خلاف بين طلاب العلم والمشايخ المعتبرين فمنهم من له رأي متسامح وتبريرات شرعية يرونها، وهناك رأي آخر متشدد بتبريرات شرعية يرونها، ورأي ثالث يتوسط ويفصل وله تبريرات شرعية. فأما من حيث الأصول العقدية والأخطاء في المناهج فهذا أمر لا يختلف عليه أهل العلم في هذا الباب، لكن يختلفون في كيفية التعامل معها، فهذه مسألة خلافية، واتركوا الناس على اجتهاداتهم، ولا مانع أن نؤجل هذه المسألة حتى يتروى في دراستها وتناقش مع المعنيين من العلماء وطلاب العلم ولو طال الوقت فلتتسع صدورنا؛ لأن الله أمرنا بالصبر ثم لا نتخذ موقفاً نتشنج به لا هنا ولا هناك، هذا الذي أنصحكم به، وأنتم معفيون من هذه المسألة إلا من تعرض بشخصه لهذه المسائل مواجهة لابد منها، فإذا واجه أحداً منهم بأمر لابد منه فيسأل طالب علم وإن لم يسأل فيتوكل على الله ويمشي على ما يرشده إليه.
следующие страницы →