← Акыда

Акыда · id 37726

شرح عقيدة السلف للصابوني - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (134 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [١] لقد اهتم السلف بعلم التوحيد، فألفوا فيه المطولات والمختصرات، وممن كان له اهتمام بذلك الأمر العظيم -الذي هو توحيد الخالق سبحانه- شيخ الإسلام الصابوني في كتابه عقيدة السلف وأصحاب الحديث، فقد قام بجمع أهم مسائل أصول الدين بكلمات مختصرة مع شمول واستيفاء، ووفق منهج السلف في التلقي والاستدلال والتقرير.

стр. 2

نبذة من ترجمة الإمام أبي عثمان الصابوني الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. الصابوني هو: أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عامر بن عابد الصابوني النيسابوري الحافظ المفسر المحدث الفقيه الواعظ الملقّب بشيخ الإسلام، وأما لفظ (الصابوني) فقد ذكر السمعاني في كتاب (الأنساب) أنه نسبة إلى عمل الصابون، وقال: هو بيت كبير بنيسابور الصابونية، لعل بعض أجدادهم عمل الصابون فعرفوا به، وأما نسبه من جهة أمه فقد ذكر تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى نقلاً عن عبد الغافر الفارسي في كتابه (السياق في ذيل تاريخ نيسابور) أنه النسيب المعم المخول المدلي من جهة الأمومة إلى الحنفية والفضلية والسيشانية والقرشية والتميمية والمزنية والضبية من الشعب النازلة إلى الشيخ أبي سعد يحيى بن منصور السلمي الزاهد الأكبر على ما هو مشهور من أنسابهم عند جماعة من العارفين بالأنساب؛ لأنه أبو عثمان إسماعيل بن زين البيت ابنة الشيخ أبي سعد الزاهد بن أحمد بن مريم بنت أبي سعد الأكبر الزاهد]. حياته: ولد في بوشنج من نواحي هراة في النصف من جمادى الآخرة، سنة (٣٧٣هـ). قال عبد الغافر الفارسي: كان أبوه عبد الرحمن أبو نصر من كبار الواعظين بنيسابور ففتك به لأجل التعصب والمذهب وقتل. وإسماعيل بعد حول سبع سنين أقعد بمجلس الوعظ مقام أبيه، وحضر أئمة الوقت مجالسه، وأخذ الإمام أبو الطيب سهل بن محمد الصعلوكي في تربيته وتهيئة أسبابه، وكان يحضر مجالسه ويثني عليه، وكذلك سائر الأئمة كالأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني والأستاذ الإمام أبي بكر بن فورك، وسائر الأئمة كانوا يحضرون مجلس تفسيره، ويتعجبون من كمال ذكائه وعقله وحسن إيراده الكلام عربيه وفارسيه، وحفظه للأحاديث، حتى كبر وبلغ مبلغ الرجال ولم يزل يرتفع شأنه حتى صار إلى ما صار إليه، وهو في جميع أوقاته مشتغل بكثرة العبادات ووظائف الطاعات، بالغ في العفاف والسداد وصيانة النفس، معروف بحسن الصلاة وطول القنوت واستشعار الهيبة حتى كان يُضرب به المثل، ووصفه عبد الغافر بأنه الإمام شيخ الإسلام الخطيب المفسّر المحدث الواعظ، أوحد وقته في طريقته، وعظ المسلمين في مجالس التذكير سبعين سنة، وخطب وصلى في الجامع -يعني: بنيسابور- نحواً من عشرين سنة. وقال: كان أكثر أهل العصر من المشايخ سماعاً وحفظاً ونشراً لمسموعاته وتصنيفاته، وجمعاً وتحريضاً على السماع، وإقامة لمجالس الحديث، سمع الحديث بنيسابور وبسرخس وبهراة وبالشام وبالحجاز وبالجبال، وحدث بكثير من البلاد، وأكثر الناس في السماع منه. وقد ذكر السيوطي والداوودي في كتابيهما (طبقات المفسرين) وأوردا أنه أقام شهراً في تفسير آية، وهذا يدل على سعة علمه في تفسير القرآن الكريم، وكان الصابوني ﵀ يحترم الحديث ويهتم بالأسانيد. وقد حكى الفقيه أبو سعيد السكري عن بعض من يوثق بقوله من الصالحين أن الصابوني قال: ما رويت خبراً ولا أثراً في المجلس إلا وعندي إسناده، وما دخلت بيت الكتب قط إلا على طهارة، وما رويت الحديث ولا عقدت المجلس ولا قعدت للتدريس إلا على طهارة. ولعل هذا القدر كافٍ في تقديم نبذة عن الصابوني، وأيضاً من أراد أن يستزيد فهذا موجود في الكتاب، خاصة ثناء العلماء عليه؛ لأن هذا يبيّن منزلة الصابوني ﵀ عند أهل السنة.

стр. 3

أهم ما تميز به كتاب عقيدة السلف أصحاب الحديث قبل أن نبدأ بقراءة مقطع من الكتاب، أحب أن أشير إلى أهم ما يتميز به هذا الكتاب: هذا الكتاب الذي هو عقيدة السلف للصابوني تميز بالتزام منهج السلف في التأليف والتقرير، فهو من حيث ترتيب مسائل العقيدة التزم منهج السلف بالبدء بمسائل التوحيد العظمى بتقرير الشهادتين، ثم بالصفات وما يجب لله ، ثم بأصول الدين بحسب ترتيبها حسب الأهمية. كما أنه التزم منهج السلف في الاستدلال، فكان واضح الاستدلال من الكتاب والسنة. وأيضاً تميّز بالاستيفاء والشمول، وقد عرض أكثر أصول الدين عرضاً جيداً ومرتباً، والتزم في ذلك منهج السلف. وأخطاؤه في الاعتقاد هي في جزئيات الاعتقاد وهي قليلة؛ أقول هذا لأنه من المعلوم أنه لا يسلم عالم من خطأ أو مخالفة لرأي جمهور السلف، وهو لم يخالف الإجماع في شيء، ولم يخالف القضايا القطعية، ولم يقع في بدعة بحمد الله، لكنه أحياناً قد يرجّح المرجوح، وقد يميل إلى قول يخالفه فيه أكثر العلماء من السلف، وهذه مسألة بدهية ينبغي أن يعرف كل طالب علم أنها لا بد أن توجد عند كل عالم، لكنها تقل أو تكثر بحسب توفيق الله للعالم وتبحّره وإمامته. ثم إنه أيضاً كان سياقه لكثير من مسائل أصول الدين فيه سهولة وبساطة وليس فيه تعقيد، وهو بعيد عن المسائل الكلامية والتعبيرات الفلسفية التي قد يقع فيها أحياناً حتى بعض السلف من غير قصد، فكان أسلوبه سهلاً، والتزامه لألفاظ السلف من أحسن ما رأينا من كتب السلف. ثم إنه تميّز بالإيجاز مع الإسناد، قلّ أن نجد من كتب السلف الشاملة في قضايا العقيدة أن تكون موجزة، فقد تميّز مع وجود الإسناد بالإيجاز، ويعتبر كتابه خلاصة سهلة لأصول السلف يستوعبها طالب العلم المتبحر ويستيفد منها، كما أنه يستفيد منها طالب العلم المبتدئ ولا تصعب عليه. ولو جرد من الأسانيد أيضاً لصار مثل كثير من متون العقيدة السهلة، وأتمنى أن يتصدى أحد الإخوان لاستخلاص قضايا العقيدة من كتاب الصابوني، وتجريدها من التكرار والأسانيد، لمن أراد أن يحفظها أو يقرأها ويدرسها، وأيضاً الأسانيد لها ميزة؛ لأنها تربط القارئ بأعلام السلف وبأعلام الحديث من الرواة، ثم يتبين بالسند مدى صحة كل رواية وكل أثر أو حديث، وهذا مخدوم الآن بحمد الله، فالآن أكثر كتب السلف -ومنها هذا الكتاب- خدم بتحقيق نصوصه، فممكن أن يشار في كل نص يرد إلى ما توصل إليه الباحثون والعلماء من حكمه وقول أهل العلم فيه. وفي البداية يحسن أننا نقرأ الروايات بأسانيدها حتى نتعرف على أشهر رجال الإسناد عند الصابوني.

стр. 4

سند كتاب عقيدة السلف أصحاب الحديث إلى مؤلفه قال رحمه الله تعالى: [أخبرنا قاضي القضاة بدمشق نظام الدين عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح الصالحي الحنبلي إجازة مشافهة أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد بن المحب المقدسي إجازة إن لم يكن سماعاً، أخبرنا الشيخان: جمال الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عمر بن شكر وأبو عبد الله محمد بن المحب عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسيان. قال الأول: أخبرنا إسماعيل بن أحمد بن الحسين بن محمد العراقي سماعاً أخبرنا أبو الفتح عبد الله بن أحمد الخرقي إجازة. وقال الثاني: أنبأنا أحمد بن عبد الدائم ﵀، وأخبرنا المحدث تاج الدين محمد بن الحافظ عماد الدين إسماعيل بن محمد بن بردس البعلي في كتابه، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن الخباز شفاهاً، أخبرنا أحمد بن عبد الدائم إجازة إن لم يكن سماعاً، أنبأنا الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي، أنبأنا الخرقي سماعاً، أنبأنا أبو بكر عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني حدثنا والدي شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن فذكره. وأخبرنا قاضي القضاة عز الدين عبد الرحيم بن محمد بن الفرات الحنفي إجازة مشافهة، أنبأنا محمود بن خليفة بن محمد بن خلف المنبجي إجازة أنبأنا الجمال عبد الرحمن بن أحمد بن عمر بن شكر بسنده قال:

стр. 5

سبب تأليف الصابوني كتابه عقيدة السلف أصحاب الحديث [الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه أجمعين. أما بعد]. بدأ كلام الصابوني الآن بعد ذكر السماعات وذكر أسانيد الكتاب نفسه، وهذه عادة أهل العلم قديماً كانوا يثبتون الروايات والكتب بالإسناد، وهذا أمر طيب، وهو مما يدل على حرصهم على توثيق العلوم، كحرصهم على توثيق الحديث. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإني لما وردت آمد طبرستان وبلاد جيلان متوجهاً إلى بيت الله الحرام وزيارة قبر نبيه محمد صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه الكرام]. مسألة الزيارة من الأمور التي عبّر فيها المؤلف الصابوني ﵀ بغير منهج السلف؛ لأن قصد المدينة لا ينبغي أن يعبّر عنه بزيارة القبر وإنما يعبّر عنه بزيارة المسجد؛ لأنه من المساجد التي تشد إليها الرحال، لكن أطلق ذلك نظراً إلى أن من يأتي من الآفاق ويزور المسجد لابد أن يسلّم على النبي ﷺ ، ومن المشروع له أن يسلّم على عموم الصحابة كذلك، ويسلّم على أهل المقابر هناك، فبعضهم قد يتجاوز ويعبّر عن السفر إلى زيارة المسجد بزيارة القبر، وربما ذلك من تعظيم الرسول ﷺ ، لكن العبارة لا توافق السنة في التعبير العام، ولذلك علّق عليه المحقق تعليقاً جيداً وقال: لعله يقصد السفر إلى مسجد الرسول ﷺ ، فإن بعض العلماء يسمون السفر لزيارة المسجد ويصرفون العبارة إلى معنى زيارة القبر؛ لوجود القبر هناك، وهذا فيه لبس، لكن مع ذلك قد يلتمس فيه العذر لمثل الصابوني، وقد يكون يرى خلاف رأي الجمهور، وليس هناك ما يمنع أن يرى خلاف رأي الجمهور، وتكون هذه من أخطائه ﵀، لكنها ليست في الأمور التي تخالف القطعيات. ثم قال: إن شيخ الإسلام ذكر أن طائفة من العلماء يسمون السفر للصلاة في المسجد زيارة لقبره ﷺ ، ويقولون: تستحب زيارة قبره أو السفر لزيارة قبره، ومقصودهم بالزيارة هو السفر إلى مسجده، وأن يفعل في مسجده ما يشرع من الصلاة والسلام عليه ﷺ والدعاء له والثناء عليه. أقول: يحتمل هذا، يحتمل أنهم أحياناً يعبّرون بهذا عن ذلك، تغليباً لحق الرسول ﷺ بالسلام عليه، لكن لا يقصدون إنشاء السفر الإنشاء البدعي، وإنما إنشاء السفر لزيارة المسجد. قال المصنف رحمه الله تعالى: [سألني إخواني في الدين أن أجمع لهم فصولاً في أصول الدين التي استمسك بها الذين مضوا من أئمة الدين، وعلماء المسلمين، والسلف الصالحين، وهدوا ودعوا الناس إليها في كل حين، ونهوا عمّا يضادها وينافيها جملة المؤمنين المصدقين المتقين، ووالوا في اتباعها وعادوا فيها، وبدّعوا وكفّروا من اعتقد غيرها، وأحرزوا لأنفسهم ولمن دعوهم إليها بركتها وخيرها، وأفضوا إلى ما قدموه من ثواب اعتقادهم لها، واستمساكهم بها، وإرشاد العباد إليها، وحملهم إياهم عليها، فاستخرت الله تعالى وأثبت في هذا الجزء ما تيسر منها على سبيل الاختصار؛ رجاء أن ينتفع به أولو الألباب والأبصار، والله سبحانه يحقق الظن، ويجزل علينا المن بالتوفيق والاستقامة على سبيل الرشد والحق بمنه وفضله]. نقف على هذا المقطع لنبدأ -إن شاء الله- من بداية تقريره لأصول الدين، ونسأل الله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.

стр. 6

الأسئلة

стр. 7

حكم قول: قاضي القضاة السؤال ما حكم قول المصنف: قاضي القضاة؟ الجواب هذه من العبارات التي يتساهل بها العلماء إذا كان المقصود بها مجرد الثناء، ليس المقصود بها التعظيم الذي يخرج عن الحد الشرعي، وتجدون هذا في كثير مما يكتبه علماء السلف في تراجمهم للأعلام، فـ الذهبي مثلاً وهو من أدق الناس وأحرصهم على تفادي العبارات المبالغ فيها، والعبارات التي لا تجوز شرعاً نجده في مسألة الوصف والثناء -خاصة للأموات- تكون عنده بعض العبارات المبالغ فيها، ولكن ليس قصدهم معاندة الحق، وإنما قصدهم مجرد الثناء لا التعظيم الممنوع، فعلى هذا إذا كان القصد وصف الواقع بالتعبير في قاضي القضاة عن كونه رئيساً للقضاة، أو أكبر القضاة، أو مرجع القضاة أو ما يشبه هذه العبارات فأرجو ألا يكون في ذلك حرج، بمعنى أن نعذر أئمة السلف الذين عبّروا بهذا التعبير، وقصدوا بقاضي القضاة أنه كبيرهم أو رئيسهم أو شيخهم أو مرجعهم أو أكبرهم أو أعلمهم إلى آخره، فهذا مما يصلح التجوز فيه، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 8

شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [٢] أجمع السلف الصالح على إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به في كتابه، وما أثبته له رسوله ﷺ في سنته، ونفي ما نفاه سبحانه عن نفسه، وما نفاه عنه رسول الله ﷺ ، فالسلف أهل السنة وسط، فهم لا يشبهون الله بخلقه، ولا يعطلونه عن أسمائه وصفاته، بل يثبتونها إثباتاً يليق بجلاله سبحانه من غير تأويل ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل.

стр. 9

عقيدة السلف أصحاب الحديث في صفات الله الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى: [قلت وبالله التوفيق: أصحاب الحديث -حفظ الله أحياءهم ورحم أمواتهم- يشهدون لله تعالى بالوحدانية]. مما يحسن التنبيه له أن الشيخ دائماً في تعبيره عن أصحاب الحديث هو وغيره من أئمة السلف يقصدون بالسلف أهل السنة والجماعة، وعُبِّر عنهم بأصحاب الحديث لأنهم هم حملة الحديث دراية ورواية، ولأنهم أجدر الناس بالاستمساك بالسنة؛ ولأنهم هم الذين عنوا بسنة النبي ﷺ من كل وجه بأصولها ومناهجها وقواعدها وتصحيحها وتضعيفها، وكل ما تعنيه الكلمة من حمل الحديث الذي تضمن الدين كله، وأصحاب الحديث لا يخرجهم هذا الوصف عن أن يكونوا أصحاب قرآن، بل أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن والسنة، ويعبر عنهم بالفرقة الناجية، والسلف الصالح، والطائفة المنصورة، فمن أوصافهم أنهم أصحاب الحديث، كما أن من أوصافهم أنهم أهل السنة، وأنهم الجماعة، والفرقة الناجية، والطائفة المنصورة، والسلف الصالح ونحو ذلك. فهذه كلها أوصاف حقيقية لأهل السنة والجماعة وليست من الأوصاف المتغايرة، بل كلها تعني أهل الحق والاستقامة أصحاب السنة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [أصحاب الحديث -حفظ الله تعالى أحياءهم ورحم أمواتهم- يشهدون لله تعالى بالوحدانية، وللرسول ﷺ بالرسالة والنبوة، ويعرفون ربهم بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به، ونقلت العدول الثقات عنه، ويثبتون له ﷻ ما أثبت لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسم، ولا يعتقدون تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيديه]. هذه قاعدة عند السلف أجمعوا عليها، وهي: إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسول الله ﷺ ، ولا يعتقدون التشبيه؛ نظراً لأن الإثبات مظنة التشبيه عند قاصري الفهم والفقه، فإن السلف لا يعتقدون التشبيه، ثم ضرب أمثلة لذلك. [فيقولون: إنه خلق آدم بيديه، كما نص سبحانه عليه في قوله عز من قائل: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين أو القوتين، تحريف المعتزلة الجهمية أهلكهم الله]. والذين يقولون بهذا الآن هم الأشاعرة والماتريدية، فهم أخذوا هذه المقولة عن الجهمية، ولذلك متأخرو السلف لا يفرقون بين الأشاعرة والماتريدية والجهمية، بل يصفونهم جميعاً بأنهم جهمية، وذلك راجع إلى أنهم أخذوا أصول الجهمية في الصفات وقالوا بها تماماً، حتى إن الأشاعرة لا يثبتون إلا سبع صفات، ومذهبهم هذا قريب جداً بل هو نسخة جديدة لمذهب الجهمية، فالجهمية الذين ثار عليهم السلف وذموهم وحذروا منهم كان هذا مذهبهم: تأويل الصفات؛ لأن الجهمية مرت بمراحل: المرحلة الأولى في القرن الثاني أو أغلب القرن الثاني: كانت تُنكر الصفات إنكاراً بالكلية، لكنها في القرن الثالث ومع كثرة المحاورات بينها وبين السلف، ومع وجود الكتب والآثار والمصنفات التي كتبها أئمة الإسلام لطّفوا المذهب فقالوا بالتأويل، وأول من اشتهر عنه التأويل بشر المريسي، فهذا المريسي أوّل الصفات تأويلاً ولم ينكرها كما أنكرتها الجهمية الأوائل، ومع ذلك عد مذهبه امتداداً للجهمية، وهو جهمي جلد، ولذلك فإن منهجه هذا أخطر على المسلمين من مناهج السابقين؛ فالسابقون الذين ينكرون الأسماء والصفات بالكلية أو ينكرون الصفات كالمعتزلة كان الناس ينفرون من مذاهبهم؛ لأنها مذاهب مصادمة للعقل السليم والفطرة والنصوص مصادمة تامة، لكن حينما جاء هذا الرجل الخبيث بشر المريسي ترك التعطيل الذي هو الإنكار وبدأ يؤوّل، وكتب في ذلك مصنفات في تأويل الصفات، ومر على الصفات في القرآن وعلى الصفات في السنة فكان إما أن يؤوّل وإما أن يرد النصوص، وخاصة الأحاديث، ثم هذا التأويل انتقل من الجهمية إلى بعض المنتسبة للمذاهب مثل ابن شجاع الثلجي الحنفي، فقد أخذ مذهب المريسي وقال به، ونسب مصنفه إلى نفسه، ثم انتقل هذا إلى الأحناف، ثم صار من أصول الأشاعرة والماتريدية بعد ذلك، وأوائل الأشاعرة والماتريدية لم يكونوا يتعرضون للصفات، إلا بعض الصفات الفعلية، فإنهم أنكروا أنها تتعلق بمشيئة الله متابعة لـ ابن كلاب، حتى جاء القرن السادس والسابع والثامن فانتقلت أصول الجهمية المتأخرة إلى الأشاعرة والماتريدية، وتولى نشرها وتبناها أولاً أبو المعالي الجويني قبل رجعته إلى مذهب أهل السنة والجماعة، ثم الرازي، والرازي قعّد لها وأسسها كما كان يفعل المريسي

стр. 10

معنى قول السلف: ويجرون اللفظ على الظاهر قال رحمه الله تعالى: [وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع، والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعزة، والعظمة، والإرادة، والمشيئة، والقول، والكلام، والرضا، والسخط، والحب والبغض، والفرح، والضحك وغيرها، من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله ﷺ من غير زيادة عليه، ولا إضافة إليه، ولا تكييف له، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه بتأويل منكر يستنكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولونه في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧]]. نقف عند هذا، لكن يحسن التعليق على العبارة التي سبقت قبل قليل وهي قوله: (ويجرونه على الظاهر)، هذه العبارة في الحقيقة مزلة عند كثير من الناس الذين لا يفهمون معناها إذ قالها السلف، بمعنى: أنهم يمرّون نصوص الصفات على ظاهرها، ويعنون بذلك الظاهر الذي يفهمه المخاطبون في الجملة؛ لأن الظاهر ممكن أن يصرف على معنيين: المعنى الأول -وهو المقصود في صفات الله : وهو أن الظاهر منها في خطاب الله حينما أخبرنا بأسمائه وصفاته كذلك حينما أخبرنا رسوله ﷺ بأسمائه وصفاته، فإن ظاهر الخبر وظاهر النصوص إثبات ذلك على الحقيقة، فالظاهر هو الحقيقة التي تليق بالله ، فإذا سمعنا قوله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] فالظاهر من ذلك إثبات اليدين لله حقيقة على ما يليق بالله، هذا معنى إجراء النصوص على ظواهرها عند السلف، بمعنى: أننا ما دمنا خوطبنا فالظاهر من الخطاب أو الأمر الذي يظهر من الخطاب أن الله ما خاطبنا إلا بالحقيقة، وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ظاهرها إثبات اليد لله على ما يليق بجلاله، فهذا المعنى الظاهر الذي هو الحقائق. وهناك معنى آخر قد يقصد به كلمة الظاهر: وهذا المعنى هو الذي اضطرب فيه كثير ممن أخطئوا فهم أقوال السلف، أو لجئوا إلى هذه العبارة من أجل إثبات تأويلاتهم، فزعموا أن الظاهر هو التشبيه، وزعموا أن قوله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ظاهره مجرد اللفظ، فعلى هذا لابد أن يصرف إلى معنى آخر، أو أن ظاهره المشابهة، أو الجارحة، أو ما يتوهم الإنسان مما يفهمه من المعاني في عالم الشهادة أن الظاهر هو المعاني التي يدركها الإنسان بحواسّه، فيقولون: ما دمنا فهمنا هذا الظاهر، فإذاً لابد أن يكون للصفة معنى آخر غير الظاهر وهو ما قصدوا به النفي أو التأويل. فإذاً: ليس مقصود السلف الظاهر الذي هو التشبيه، أو الظاهر الذي يتوهمه الإنسان ويقيس به على عالم المخلوقات، إنما الظاهر هو المعنى الحقيقي، وهو بالنسبة لصفات الله إثبات الصفة على ما يليق بجلاله، وهذا يعبّر به السلف كثيراً؛ فيقولون: تجرى على ظاهرها، هذا يترك على ظاهره إلى آخر ما يعبّرون به عن الإثبات إثبات الحقيقة وعدم التكييف، وعدم الكلام في الكيفية، والله أعلم. والسلف يكلون علم الكيفية إلى الله لا علم الحقيقة، فالحقيقة لابد أن تثبت، وهذا هو الفارق بين فهم السلف وفهم غيرهم، سواء من المشبّهة أو المعطّلة، هو أن السلف يفهمون من معاني صفات الله الحقيقة، وأولئك ينكرون الحقيقة، هذا هو الفارق، فالسلف يثبتون الحقيقة على ما يليق بجلال الله ؛ لأن الله ليس كمثله شيء.

стр. 11

الأسئلة

стр. 12

مدى صحة كون الطيب والمطلب من أسماء الله السؤال هل الطيب والمطّلب من أسماء الله ؟ الجواب الطيب من أوصاف الله وليس من أسمائه، وأما المطّلب فليس من أسماء الله .

стр. 13

حكم تقسيم التوحيد إلى أكثر من ثلاثة أقسام السؤال أصناف التوحيد الثلاثة: هل صحيح أن بعض أهل العلم قسّموه إلى أكثر من ذلك؟ الجواب نعم، مسألة التقسيمات هذه أمور اصطلاحية ترجع إلى استقراء المعاني واستقراء الألفاظ، فتوحيد الله لا ينقسم، لكن من الناحية العلمية التنظيرية لا شك أننا نجد أنه أقسام فالخبر عن الله هو توحيد الأسماء، والخبر عن صفات الله هو توحيد الصفات، والخبر عن أفعال الله هو توحيد الأفعال وما يتعلق بتوحيد الربوبية، أما ما يتعلق بالعبادة لله فيسمى توحيد العبادة أو الإلهية، ويمكن تقسيم التوحيد إلى أكثر من ذلك أيضاً إلى خمسة أقسام أو عشرة، هذا ممكن؛ لأنك إذا أخذت مفردات العبادة وجدت أن كلها توحيد، فمثلاً: توحيد التوكل معناه: وحّدت التوكل على الله ، وهكذا توحيد الإنابة، وتوحيد اليقين، وتوحيد الإحسان، وتوجه الإنسان إلى الله ، وتوحيد التدبير لله ، وتوحيد الرزق؛ لأنه لا رازق إلا الله وهكذا، لا يوجد أي مانع، فتقسيم التوحيد تقسيم اصطلاحي علمي فني، يقتضيه الفهم للإنسان، فأي إنسان يستقرئ نصوص التوحيد يجد أنها أنواع فمثلاً: الأشياء التي تتعلق بإثبات الربوبية هذه من الممكن أن تسمى: توحيد الربوبية، والأشياء التي تتعلق بإثبات الإلهية ممكن أن تسمى: توحيد الإلهية، والنصوص التي تتعلق بإثبات الصفات لله ممكن أن نسميها: توحيد الصفات، والأسماء ممكن أن نسميها: توحيد الأسماء، وأفعال الله ممكن أن نسميها: توحيد الأفعال، وليس في ذلك حرج. لكن الأقسام الرئيسية للتوحيد هي ثلاثة: الربوبية، وهذا واضح جداً. الإلهية، وهذا واضح جداً. الأسماء والصفات، وهذا واضح جداً. ويمكن أيضاً اختصار أنواع التوحيد إلى اثنين: توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية، وتدخل الأسماء والصفات في توحيد الربوبية من وجه وفي توحيد الإلهية من وجه آخر، وأغلب الأسماء والصفات تدخل في توحيد الربوبية.

стр. 14

الفرق بين السلف وأصحاب الحديث السؤال عنون الصابوني ﵀ كتابه (عقيدة السلف أصحاب الحديث)، فهل هناك فرق بينهما؟ الجواب ليس هناك فرق بين السلف وأصحاب الحديث، لكن من باب توضيح العبارة، والسلف كانوا يطلقونها في ذلك الوقت، وعنوان الصابوني دليل على أن السلف كانوا يعرفون هذه العبارة، بل كان إطلاق السلف وأصحاب الحديث هي الأصل عندهم. فأصحاب الحديث هم أهل السنة، وأهل السنة كلهم أصحاب حديث حتى العوام منهم، وبهذا يفرّق بينهم وبين الفرق المخالفة لأهل السنة، فالشيعة، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، والجهمية، والمعتزلة، والمتكلمة والأشاعرة والماتريدية هم خلاف أهل الحديث، فكل الفرق جانب وأهل الحديث جانب آخر، فمخالفوهم لا يسمون أصحاب حديث، ولذلك هم أنفسهم يلمزون أهل الحديث، وهذا مما يعد تزكية ورداً قاطعاً على أهل الأهواء، فأهل الأهواء لا ينتسبون لأهل الحديث كلهم، وليس هناك منهم من ينتسب لأهل الحديث إلا أفراد، وأما فرقة فما أعرف فرقة من الفرق التي اشتهرت في التاريخ تنسب نفسها لأهل الحديث، وهذا من فضل الله ؛ لئلا يلتبس الأمر على الناس، مع وجود من ينتسب لأهل السنة والجماعة من الأشاعرة، وهذا الأمر فيه واضح.

стр. 15

أفضل المتون العلمية في علم العقيدة والحض على حفظ المنظومات فيها السؤال ما هي أفضل المتون العلمية في علم العقيدة؟ وما رأيك في حفظ المنظومات؟ الجواب المتون العلمية أشهرها الآن متن الطحاوية، وليس الشرح، ولمعة الاعتقاد، وبعض الكتب التي ألّفها مشايخنا فسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز له متن جيد في العقيدة، والشيخ صالح الفوزان كذلك له متن جيد في العقيدة، والشيخ محمد بن عثيمين له متن جيد في العقيدة وكلها جيدة ومختصرة وليست بالطويلة، وتصلح للحفظ. أما حفظ المنظومات في العقيدة فهو جيد جداً، ومن أحسنها منظومة الشيخ حافظ الحكمي. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 16

شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [٣] القرآن العظيم كلام الله منه بدأ وإليه يعود، وهو كتابه ووحيه وتنزيله، غير مخلوق؛ لأنه صفة من صفاته سبحانه، ومن اعتقد أن القرآن مخلوق فهو على ضلال مبين، وهو الذي تحفظه الصدور، وتتلوه الألسنة، ويكتب في المصاحف.

стр. 17

عقيدة السلف أصحاب الحديث في القرآن الكريم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أحب أن أنبّه إلى عبارة الشيخ التي كان يستعملها كثيراً ويستعملها السلف في وقته كثيراً أيضاً وهي التعبير عن أهل السنة والجماعة والسلف بكلمة (أهل الحديث)، ولا يقصد أهل الحديث مجرد الرواة أو المحدثين، إنما يقصد أهل الحديث الذين هم أهل السنة والجماعة؛ لأن أهل السنة والجماعة قدوتهم أهل الحديث المستمسكون بالحديث العالمون بالحديث دراية ورواية؛ فينبغي أن يفهم هذا أنه كلما يقول: أهل الحديث، إنما يقصد أهل السنة والجماعة، ولذلك سمى الكتاب: عقيدة السلف أصحاب الحديث، وجعل كلمة (أصحاب الحديث) مرادفة للسلف، وهم أهل السنة والجماعة. قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى: [ويشهد أهل الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله، وكتابه، ووحيه، وتنزيله غير مخلوق، ومن قال بخلقه واعتقده فهو كافر عندهم]. ستأتي كثيراً الإشارة إلى كفر من قال بخلق القرآن، وهذا اتفاق عند السلف: أن من قال بأن القرآن مخلوق فقد كفر؛ لأن القضية استبانة بأدلتها، ثم إنها إجماع عند السلف، والعجيب أن هذه المسألة مع مسألة الرؤية من الأمور التي لم يشذ فيها أحد من السلف عن بقيتهم، فكثير من مسائل الأصول قد يكون لبعض الأئمة فيها قول ربما لم يكن عليه السلف إما في جملة القول أو في بعض الجزئيات، إلا هذه المسألة مسألة القول بأن القرآن منزّل من الله غير مخلوق، ومسألة القول بإثبات الرؤية؛ فهذه من المسائل القطعية التي لم يشذ فيها أحد ممن يعتد به، فهي إجماع. كذلك ذكر أن من اعتقد بأن القرآن مخلوق فقد كفر، وهذا حكم لكن لا يعني الحكم على المعيّن بإطلاق، فإن المعيّن الذي يقول بأن القرآن مخلوق نقول: بأنك قلت كفراً، لكن لا نكفّره حتى نعرف أنه عرف الدليل وعرف الحق وعرف وجه الاستدلال، ووجدت في حقه شروط التكفير، وانتفت موانع التكفير فإذا وجدت كُفّر المعيّن، أما ما عدا ذلك فيبقى الحكم عاماً، وربما يقول قائل: إن السلف ما كانوا يقولون بهذا القول في وقتهم، وأقول: نعم، حينما اشتهرت في ذلك الوقت قضية القول بخلق القرآن عند المعتزلة والجهمية وابتلي الناس بها قامت الحجة على الناس؛ لأن السلف أقاموا الحق، وصارت هذه القضية مشهورة في كل مجلس وفي كل مسجد وفي كل مكان وقامت الحجة فيها على الناس جميعاً؛ لأن السلف تكلموا وكتبوا وتحدثوا عند ذلك في المنابر والمناظرات، ولم يعد لأحد حجة في وقتهم، فكان من قال بخلق القرآن حُكم بكفره؛ لأنه قال ضد الحق، أما حين يغفل الناس عن هذه المسائل مثل ما يكون في عصرنا فيحتاج الأمر إلى تأن، فمن قال بأن القرآن مخلوق فهو كافر، لكن إذا حدث من معيّن هذا القول فيجب أن نتثبت من حاله، فقد يكون جاهلاً، فالجاهل يعلّم، وهذا هو الغالب في أكثر الناس، وأكثر الناس لو امتحنته -والامتحان بدعة- ربما يقول الباطل ويظنه هو الحق، فالعامي ما الذي يدريه؟ بل حتى طالب العلم المبتدئ والشاب الناشئ لو سألته ربما يقول الباطل ويظنه هو الحق. فإذاً: لا ينبغي امتحان الناس في هذه المسألة ولا التعجّل في حكم الكفر على المعيّن، لكن الحكم العام على العين والرأس؛ لأنه إجماع ولا يجوز لأحد أن يحيد عن هذا الإجماع.

стр. 18

حقيقة القرآن وحكم من زعم أن القرآن مخلوق أو لفظي بالقرآن مخلوق قال المصنف رحمه الله تعالى: [والقرآن الذي هو كلام الله ووحيه هو الذي نزل به جبريل على الرسول ﷺ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فصلت:٣ - ٤]، كما قال : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٥]، وهو الذي بلغه الرسول ﷺ أمته، كما أمر به في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] فكان الذي بلغهم بأمر الله تعالى كلامه ، وفيه قال ﷺ : (أتمنعونني أن أبلّغ كلام ربي؟)، وهو الذي تحفظه الصدور، وتتلوه الألسنة ويكتب في المصاحف، كيفما تُصُرِّفَ بقراءة قارئ، ولَفْظِ لافظ وحفظ حافظ، وحيث تلي، وفي أي موضع قرئ وكتب في مصاحف أهل الإسلام، وألواح صبيانهم وغيرها، كله كلام الله ﷻ غير مخلوق، فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم. سمعت شيخنا الحاكم أبا عبد الله الحافظ ﵀ يقول: سمعت أبا الوليد حسان بن محمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، فمن قال: إن القرآن مخلوق، فهو كافر بالله العظيم، لا تقبل شهادته، ولا يعاد إن مرض، ولا يصلى عليه إن مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه. فأما اللفظ بالقرآن فإن الشيخ أبا بكر الإسماعيلي الجرجاني ذكر في رسالته التي صنفها لأهل جيلان: أن من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فقد قال بخلق القرآن]. هذا احتراز جيد، يعني: أن من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق، وقصده القرآن نفسه كما كان يفعل الجهمية حينما اشتد نكير السلف، ورجحت كفة السلف حتى عند السلطان أيام المتوكل وما بعده، فإنه حينما قويت شوكة السلف ضد المخالفين لجأ الجهمية إلى مثل هذه العبارات الموهمة، فبدلاً من أن يقول أحدهم: القرآن مخلوق، يقول: بأن لفظه بالقرآن مخلوق، ويقصد الملفوظ نفسه، وهو كلام الله، فهذا عبارة عن تحايل على القول الباطل وهروب من التصريح بما يصادم قول السلف، فلجأ كثير من الجهمية إلى مثل هذا التعبير، كما أن بعض الناس أيضاً يقول هذا من باب السفسطة ومجرد التفلسف، والسلف كانوا يكرهون هذا في العقيدة ويبدّعون من فعله. إذاً: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وإن كان قصده حركة لسانه والصوت الذي هو صوته الذي خلقه الله ، فينبغي أن يبدّع؛ لأن هذا ذريعة إلى حيل الجهمية، وقول على الله بغير علم، وتلبيس على الناس؛ فأغلب الناس يلتبس عليه الأمر، ولا يفرق بين لفظه بالقرآن وبين القرآن نفسه، فلذلك السلف بدّعوا من قال هذا الأمر على القصدين: أما من قصده قول الجهمية فهذا كفر. قال رحمه الله تعالى: [وذكر ابن مهدي الطبري في كتاب (الاعتقاد) الذي صنفه لأهل هذه البلاد: أن مذهب أهل السنة والجماعة القول بأن القرآن كلام الله سبحانه ووحيه وتنزيله وأمره ونهيه غير مخلوق، ومن قال: مخلوق، فهو كافر بالله العظيم، وأن القرآن في صدورنا محفوظ، بألسنتنا مقروء، في مصاحفنا مكتوب، وهو الكلام الذي تكلم الله به، ومن قال: إن القرآن بلفظي مخلوق، أو لفظي به مخلوق، فهو جاهل ضال كافر بالله العظيم]. حينما يقول: القرآن بلفظي مخلوق أو لفظي به مخلوق، فهو جاهل ضال كافر بالله العظيم، يعني: بالاحتراز السابق، وهو: أنه أراد بذلك القرآن نفسه الذي هو كلام الله، هذا أمر، الأمر الآخر كما قلت: إن الجزم بكفره بالله العظيم مبني على حال الناس في ذلك الوقت في وقت السلف في القرون السابقة، فكان الناس الأمر عندهم مستبين، والقضية قضية من القضايا الكبرى بين أهل السنة والمخالفين، ويعتبر القول بخلق القرآن هو شعار الجهمية، وهذا أمر بيّن عند العوام وغير العوام، فكان ذلك مقتضى هذا الحكم القاسي؛ لأن الناس قامت عليهم الحجة. قال رحمه الله تعالى: [وإنما ذكرت هذا الفصل بعينه من كتاب ابن مهدي لاستحساني ذلك منه، فإنه اتبع السلف أصحاب الحديث فيما ذكره، مع تبحره في الكلام وتصانيفه الكثيرة فيه وتقدمه وتبرزه عند أهله. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ﵀ قال: قرأت بخط أبي عمرو المستملي سمعت أبا عثمان سعيد بن إشكاب الساش يقول: سألت إسحاق بن إبراهيم بنيسابور عن اللفظ بالقرآن؟ فقال: لا ينبغي أن يناظر في هذا، القرآن كلام الله غير مخلوق. وذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀ في كتابه (الاعتقاد) الذي صنفه في هذه المسألة، وقال: أما القول في ألفاظ ا

стр. 19

الأسئلة

стр. 20

بيان ما يترتب على القول بخلق القرآن وقصد القائلين بذلك السؤال ما الذي يترتب على القول بخلق القرآن؟ وماذا يقصد المعتزلة والجهمية عندما أخذوا بهذا القول؟ الجواب القول بخلق القرآن يؤدي إلى إنكار كلام الله ، ويؤدي إلى القول بأن الله لم يتكلم، وهذا استنقاص لله ، فإن الكلام صفة كمال، ثم إنه يؤدي إلى إنكار أفعال الله ؛ لأن كلام الله من أفعاله، وإنكار أفعال الله إنكار لكثير من صفات الكمال، لأن من يفعل أعظم ممن لا يفعل، فالأفعال من صفات الكمال. ولأن القول بخلق القرآن يؤدي إلى ضعف تقديس القرآن؛ لأنه إذا اعتقد المسلم أن هذا القرآن الذي بين يديه مخلوق، لم تعد عنده القداسة كما لو كان يعتقد أن هذا القرآن كلام الله، وهذا فرق يجده كل مسلم في نفسه، ولذلك تجرأ بعض المعتزلة على تحريف كلام الله على أساس أنه مخلوق، حرّفوا بعض الآيات، وتعمد بعضهم التحريف، وبعضهم صرّح بأنه يتمنى لو يحك بعض آيات القرآن من المصحف؛ لأنه لو كان يعتقد أن القرآن كلام الله ما قال هذا القول، ولما استطاع أن يجرؤ عليه. فمن اعتقد من الناس بأن القرآن غير كلام الله ضعف تقديسه عندهم، ثم إنه سيكون هناك أيضاً زعزعة لثقة المسلمين بدينهم؛ لأنهم إذا اعتقدوا أن القرآن كلام البشر أو فعل المخلوق أو كلام المخلوق لم يعد له قوة في أحكامه وأوامره ونواهيه وأخباره، وصار محلاً للشك وللتأويل وغير ذلك، ولذلك الذين قالوا بخلق القرآن هم الذين حرّفوه، وهم الذين أولوه، وهم الذين قالوا فيه الأقوال الشنيعة وصرفوه عن معانيه. أما ماذا يقصد الجهمية والمعتزلة؟ فيقصدون إنكار صفات الله الفعلية وما يستتبع ذلك من إنكار بقية الصفات، ثم إنهم لو قالوا: إن القرآن كلام الله لزمهم أن يثبتوا الصفات التي أنكروها، وهم لا يلتزمون بهذا الالتزام وغير ذلك من الأمور التي تتعلق بفلسفتهم في أسماء الله وصفاته وأفعاله، وأعظم من ذلك هو تصورهم الخاطئ عن الله ، فإن الجهمية والمعتزلة لا يرون أن الله له وجود ذاتي، ولا أنه يفعل ما يشاء، ولا أنه يتكلم، ولا أنه يجيء وينزل، ويرون أن وجود الله وجوداً معنوياً أو عقلياً أو روحياً فقط، فإذا أثبتوا الكلام لزمهم أن يثبتوا لله الكمالات والصفات التي ينفونها.

стр. 21

حكم قراءة الأذكار لما يترتب عليها السؤال من يقرأ بعض الأدعية المأثورة: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، قد يقرؤها يريد ما يترتب عليها مما ورد، بحفظ الله لصاحبها، هل هذا على الصواب أم لا؟ الجواب نعم لا حرج، لكن ينبغي أن يكون بذلك ممتثلاً لطاعة الله وعابداً ومتوجهاً إليه، يتأله لله، ثم بعد ذلك لا يمنع أن يقصد بالتعوذ دفع الشر عنه، بل هذا هو الحكمة من تشريع هذه التعوذات التي ذكرها النبي ﷺ مثل: أعوذ بكلمات الله التامات فالحكمة منها أن يدفع الإنسان بها الشرور والضر، فليس عليه حرج أن يقصد بها حفظ نفسه، فما شرعت إلا لذلك، مع التعبد والتوجه إلى الله بذلك.

стр. 22

حكم قول: (مولانا) للرجل السؤال ما الحكم في قول: مولانا، للرجل؟ الجواب ينبغي تجنب الكلمة؛ لأن الله هو المولى.

стр. 23

شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [٤] يعتقد السلف أهل الحديث ويشهدون أن الله سبحانه فوق سماواته، مستو على عرشه استواء يليق بجلاله، بخلاف أهل البدع من المؤولة والمعطلة والمفوضة، فأهل الحديث يثبتون ما أثبته الله له من العلو والفوقية والاستواء وغير ذلك مما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ .

стр. 24

عقيدة السلف أصحاب الحديث في استواء الله وعلوه على عرشه الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قبل أن نبدأ بالقراءة أحب أن أنبه إلى أن هذا عنوان لمسألة جديدة وهي مسألة العلو والفوقية والاستواء، جمعها الشيخ الصابوني في موضع واحد، وذلك لاقتران هذه الأمور بعضها ببعض، فالاستواء يدل على العلو والفوقية، وكذلك العلو والفوقية تضمنت معنى الاستواء، بمعنى: أن أدلة الاستواء تدل على العلو والفوقية، وكذلك أدلة العلو والفوقية تؤيد أدلة الاستواء فهو هنا يقرر العلو والفوقية والاستواء لما بينهما من الاقتران، ولذلك الذين أولوا الاستواء اضطروا إلى تأويل الفوقية والعلو، وكذلك العكس أيضاً، فالذين أولوا العلو والفوقية اضطروا إلى تأويل الاستواء، وإن كانت مسألة الاستواء هي أول ما بدأ المعطلة فيها، بمعنى: أن تعطيل الاستواء كان قبل الكلام في العلو والفوقية، خاصة عند المتكلمين الذين ورثوا الجهمية والمعتزلة، فإنهم تجرءوا على تأويل الاستواء قبل جرأتهم على إنكار العلو والفوقية لله ، أي: بذاته سبحانه، وكذلك الجهمية كانت الشرارة الأولى لإنكار العلو عندهم بدأت بإنكار الاستواء، فهي متلازمة؛ لأن من أثبت العلو والفوقية جاز أن يثبت في مبدئه الاستواء ما دام ثبت فيه النص، وكذلك العكس من أثبت الاستواء لله كما يليق بجلاله لزمه بالضرورة إثبات العلو والفوقية لله تعالى بذاته. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويعتقد أهل الحديث ويشهدون أن الله سبحانه فوق سبع سماوات على عرشه كما نطق به كتابه في قوله في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقوله في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس:٣]، وقوله في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢]، وقوله في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩]، وقوله في سورة السجدة: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤]، وقوله في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]]. هنا قرر المصنف أدلة الاستواء أولاً؛ لأنها أدلة قاطعة في إثبات الاستواء لله بذاته على ما يليق بجلاله، ثم إنها مستلزمة للدلالة على العلو، وكذلك سيبدأ الآن بعد قليل في المقطع التالي في إثبات أدلة العلو؛ لأنها عاضدة لأدلة الاستواء؛ فأدلة العلو تعضد أدلة الاستواء، بينما أدلة الاستواء تستلزم إثبات العلو. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأخبر الله سبحانه عن فرعون اللعين أنه قال لـ هامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]، وإنما قال ذلك لأنه سمع موسى ﵇ يذكر أن ربه في السماء، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٧] يعني: في قوله: إن في السماء إلهاً. وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف ﵏ لم يختلفوا في أن الله تعالى على عرشه، وعرشه فوق سماواته]. أيضاً في كلام فرعون الذي ذكره الله وفي محاولته الرقي في السماء فيه دلالة على أن مسألة العلو مسألة فطرية، وأن فرعون نظراً لأنه في الباطن مستيقن ببعض الأمور الفطرية بما فيها علو الله ، ففرعون طلب من هامان أن يبني له صرحاً، فلو لم يكن عنده شيء من المعرفة الفطرية بأن الله في السماء مع ورود ذلك على لسان موسى لما كلّف نفسه وأخذ هذا الأمر بجد، لكن عنده نزعة فطرية للاعتراف بأنه إن كان هناك إله لموسى فإنه سيكون في السماء، هذه تدل عليها الآية، والله أعلم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [يثبتون من ذلك ما أثبته الله تعالى ويؤمنون به، ويصدقون الرب ﷻ في خبره، ويطلقون ما أطلقه من استوائه على عرشه، ويمرونه على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله]. في هذه العبارات شيء من الترادف وشيء من الخلاف أيضاً؛ لأن هذه العبارات في الحقيقة عبارات موجزة في سطرين لكنها ترمز إلى قواعد، فقوله: (يثبتون من ذلك ما أثبته الله لنفسه)، يعني بذلك: أن الأصل في كل ما ورد عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ في أسماء الله وصفاته وأفعاله إثبات ما أثبته الله لنفسه، ليس للناس في ذلك دخل، وليس لعقول الناس تدخل في هذا الأمر، هذه القاعدة الأولى. القاعدة الثانية: قال: (ويؤمنون به

стр. 25

أنواع العلم بأسماء الله وصفاته وبيان معناها وذكر الأدلة قوله: (ويكلون علمه إلى الله) وعلم أسماء الله وصفاته على نوعين: النوع الأول: إثبات الحقائق كما يليق بجلال الله، فهذا لابد أن يعتقد ولا يفوّض. النوع الثاني وهو الذي قصده الصابوني هنا في قوله: (ويكلون علمه): وهو الكيفيات، ليس المقصود بالعلم الحقيقة هنا، المقصود بالعلم هنا الكيفية، فالسلف يكلون حقيقة أسماء الله وصفاته وأفعاله إلى الله ، والمراد كيفياتها، أما حقيقتها التي هي معانيها الثابتة فليست محل إشكال ولا توقف؛ لأن الله خاطبنا بها بلسان عربي مبين، والله خاطبنا بها لنعتقدها له سبحانه، ولنعتقد له الكمال من خلالها. فمن هنا لابد أن يفهم في هذه العبارة وما يشبهها على ألسنة السلف -وهي كثيرة- أن قولهم: (ويكلون علمه إلى الله) ليس المقصود تفويض الأمر بلا إثبات، وليس المقصود التوقف بلا إثبات، وليس المقصود التأويل، إنما المقصود الكيفيات، فالكيفيات لا يعلمها إلا الله ، فتكون من باب الأمور الغيبية التي يوكل علمها إلى الله. قال رحمه الله تعالى: [ويقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧] كما أخبر الله تعالى عن الراسخين في العلم أنهم يقولون ذلك، ورضي منهم فأثنى عليهم به. أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي حدثنا محمد بن داود بن سليمان الزاهد أخبرني علي بن محمد بن عبيد أبو الحسن الحافظ من أصله العتيق حدثنا أبو يحيى بن كبيسة الوراق حدثنا محمد بن الأشرس الوراق أبو كنانة حدثنا أبو المغيرة الحنفي حدثنا قرة بن خالد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة ﵂ في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] قالت: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر. وحدثنا أبو الحسن بن إسحاق المدني حدثنا أحمد بن الخضر أبو الحسن الشافعي حدثنا شاذان حدثنا ابن مخلد بن يزيد القهستاني حدثنا جعفر بن ميمون قال: سئل مالك بن أنس عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالاً، وأَمر به أن يُخرج من مجلسه]. هذه الكلمات تمثل قواعد أيضاً عند السلف، ولا تزال هي القواعد التي يرد بها على المؤولة؛ لأنها محكمة من كل وجه، وهي عصارة فهم السلف لمقتضى النصوص، فهذا التقعيد للإثبات هو خلاصة مقتضى نصوص الشرع الواردة في الكتاب والسنة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، وذكرت على عدة وجوه كلها متشابهة ومتقابلة، فالكلام الذي نسب إلى أم سلمة سواء ثبت عنها أو لم يثبت هو قواعد صحيحة ذهبية ميّزت منهج السلف عن غيرهم في هذا الأمر في صفة الاستواء وفي غيرها، فهذه قاعدة تقال في جميع الصفات، فيقال: الاستواء غير مجهول، ويقال: النزول غير مجهول، ويقال: المجيء غير مجهول، ويقال: الغضب لله غير مجهول، وهو كما يليق بجلاله، وهكذا بقية الصفات، والكيف غير معقول فالاستواء أو غيره من الصفات يقال: إنه غير مجهول، بمعنى أنه عُلم بخبر الله تعالى وخبر رسوله ﷺ أولاً، وثانياً: عُلم بأنه حقيقة لله على ما يليق بجلاله، فهو غير مجهول لدى المخاطبين لا سيما أن المخاطب المؤمن إذا سمع كلام الله في صفاته أو كلام رسول الله ﷺ في صفات الله أثبتها لأول وهلة على الحقيقة، ثم زال عنه التشبيه باستشعار القاعدة الأخرى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فلابد من استشعار هذا المعنى دائماً، وإثبات الصفة لله على الحقيقة؛ لأنا خوطبنا بحقائق نعلمها، لكن الكيفيات المعلومة في المخلوقات منفية عن الله ، فتثبت الصفات لله مع نفي التشبيه والمماثلة. إذاً: فالاستواء غير مجهول، بمعنى: أن له حقيقة، هذه الحقيقة هي بالنسبة للمخلوقات لها معنى ناقص، وبالنسبة لله لها معنى كامل، فاستواء الله يناسب كماله وهو غير مجهول. وكذلك الكيف غير معقول، بمعنى: أن العقول لا تدرك الكيفيات، وليس بأنه غير معقول لا تؤمن به العقول، بل هنا غير معقول، بمعنى: لا تدركه العقول على جهة الكيفية، وبعض الناس فهمهم غلط، وكثير من المؤولة استندوا إلى هذه المسألة وجعلوها وسيلة للتأويل إلى هذه العبارة، خاصة متأخرة الأشاعرة والماتريدية، ففسروا كلمة (الكيف غير معقول) بأن معنى ذلك أن ظواهر أسماء الله وصفاته غير معقولة، وغير معروفة الحقيقة، أو لا يؤمن بحقائقها، فلجئوا إلى التأويل، أما السلف فمقصودهم بغير

стр. 26

كلام ابن خزيمة فيمن أنكر علو الله قال المصنف رحمه الله تعالى: [سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ في كتاب (التاريخ) الذي جمعه لأهل نيسابور، وفي كتابه (معرفة الحديث) اللذين جمعهما ولم يسبق إلى مثلهما، يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: من لم يقل بأن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته، فهو كافر بربه، حلال الدم، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقي على بعض المزابل حتى لا يتأذى المسلمون ولا المعاهدون بنتن رائحة جيفته، وكان ماله فيئاً لا يرثه أحد من المسلمين، إذ المسلم لا يرث الكافر، كما قال النبي ﵌: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) رواه البخاري]. في مثل كلام ابن خزيمة ﵀ نجد أن السلف أحياناً يلجئون إلى مثل هذه الأساليب القوية الرادعة، لكن ذلك عندهم على شروط وضوابط، يعني: هذا الكلام قد يقول بعض الناس: إنه كلام فيه قوة وفيه قسوة، لكن الصحيح أنه مقتضى الضرورة والحال في ذلك الوقت؛ ففي عهد ابن خزيمة ﵀ ظهرت بعض نبتات الجهمية والمعتزلة وقويت، ثم إنه كان في وقته بداية ميل للمتكلمين إلى أصول الجهمية؛ فمتكلمة الأشاعرة والماتريدية في عهد ابن خزيمة بدأت مناهجهم تميل إلى مسالك الجهمية والمعتزلة في صفات الله ، فاضطر إلى مثل هذه العبارات القوية؛ لأن فيها حماية لعقائد الأمة، لاسيما وهو إمام من الأئمة الكبار، فإذا صدر عنهم مثل هذا الكلام -وهم ممن تعتد الأمة بإمامتهم وتعتبرهم قدوة كـ ابن خزيمة في وقته فإنه كان يعتبر إمام المسلمين-، فإن صدور مثل هذا الكلام يعتبر بمثابة البيان الرادع القوي الذي يخوف به أهل الأهواء والبدع، ثم إنه يبين لأهل الغيرة من أهل الحل والعقد أن الأمر يحتاج إلى إجراء يحمي عقيدة الأمة، ثم إنه أيضاً يحصن العوام وأمثال العوام من عقائد الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم بمثل هذه الكلمات القوية الرادعة. ولذلك يصدر هذا الكلام عن إمام لكن لا يمكن أن يصدر مثله عن طويلب علم مبتدئ؛ لأن هذا في الغالب يكون فيه تجاوز للحد من قبل من لم يكن له إمامة في الدين، ولذلك نجد أن الأمة في القرون الثلاثة الفاضلة كانت تمثل مثل هذه الأقوال القوية للسلف في حق رءوس الأهواء وكبارهم، فمثلاً: لما استفحل أمر معبد الجهني في القدر وقفت منه الأمة موقفاً حازماً بولاتها وعلمائها وعوامها، ثم لما ورث غيلان هذه البدعة القدرية وصار يدعو إليها علناً قسا معه السلف قسوة أدت إلى قتله لكف شره، مع أنهم لم يقولوا بكفره، لكن حكموا عليه بمثل حكم ابن خزيمة هنا، فصار حكمهم من أقوى المحصنات للأمة الرادعة لأهل الأهواء من ناحية والحامية لعامة المسلمين من العوام وطلاب العلم من ناحية أخرى؛ لأن الناس إذا سمعوا مثل هذا الكلام عن الأئمة عرفوا أن الأمر شنيع؛ فإذا قيل: إن غيلان قتل من أجل بدعته لا يجرؤ عامي ولا طالب علم أن يفكر باستساغة هذه البدعة مرة أخرى. ثم لما ظهر الجعد بن درهم كذلك وأعلن القول بالتعطيل وحاوره العلماء ولم يجدوا منه استجابة للرجوع إلى الحق حكموا بقتله؛ كفاً لشره وفساده، وكان حكمهم -قبل أن ينفذ عليه الحد الشرعي- فيه واضح، ثم قالوا ذلك في الجهم بن صفوان، ثم قالوا ذلك في عدد من كبار المعتزلة والجهمية، وكما قال الشافعي في حق حفص الفرد، وكما قال غيره في ابن الراوندي وغيره في المريسي ثم لما صار وقت ابن خزيمة بدأت الجهمية والمعتزلة وأفراخ المتكلمين الأوائل تخرج أعناقها ببدعتها، فاضطر ابن خزيمة لمثل هذا الكلام، سواء امتثل كلامه أو لم يمتثل، فهو بمثابة الروادع القوية، ومن هنا نفسر قسوة ابن خزيمة ﵀ على أهل البدع في ذلك الوقت؛ لأنه كان لابد من مثل هذا الإجراء والعبارات القاسية التي يكون بها الردع وتكون بها الحماية، وكذلك أي إمام تكون له إمامة وقبول عند الأمة قد يحمي الأمة بمثل هذه العبارات وبمثل هذه المواقف القوية، لكن ليس مثل هذا لكل من طلب العلم أو لكل من تصدى لبدعة، فقد ينتكس عليه منهجه، وقد يستفز الخصوم بمثل هذه العبارات إذا استعملها وهو غير مطاع، ولكن يأخذ الأمور على أصولها الشرعية بهدوء وحكمة.

стр. 27

كلام الشافعي واستدلاله بحديث الجارية على علو الله قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإمامنا أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁ احتج في كتابه المبسوط في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة وأن غير المؤمنة لا يصح التكفير بها، بخبر معاوية بن الحكم ﵁، وأنه أراد أن يعتق الجارية السوداء لكفارة، وسأل رسول الله ﷺ عن إعتاقه إياها فامتحنها رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ لها: (من أنا؟ فأشارت إليه وإلى السماء، تعني: أنك رسول الله الذي في السماء، فقال ﷺ : أعتقها؛ فإنها مؤمنة)، فحكم رسول الله ﷺ بإسلامها وإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية، وإنما احتج الشافعي رحمة الله عليه على المخالفين في قولهم بجواز إعتاق الرقبة الكافرة في الكفارة بهذا الخبر، لاعتقاده أن الله سبحانه فوق خلقه وفوق سبع سماواته على عرشه كما هو معتقد المسلمين من أهل السنة والجماعة سلفهم وخلفهم؛ إذ كان ﵀ لا يروي خبراً صحيحاً ثم لا يقول به. وقد أخبرنا الحاكم أبو عبد الله ﵀ قال: أنبأنا الإمام أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه قال: حدثنا إبراهيم بن محمود قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي ﵀ يقول: إذا رأيتموني أقول قولاً وقد صح عن النبي ﷺ خلافه فاعلموا أن عقلي قد ذهب. قال الحاكم ﵀: سمعت أبا الوليد غير مرة يقول: حدثت عن الزعفراني أن الشافعي ﵀ روى يوماً حديثاً فقال السائل: يا أبا عبد الله! تقول به؟ قال: تراني في بيعة أو كنيسة؟! ترى علي زي الكفار؟! هو ذا تراني في مسجد المسلمين علي زي المسلمين مستقبل قبلتهم، أروي حديثاً عن النبي ﷺ ثم لا أقول به؟!]. خلاصة هذا الكلام كله هو في مسألة تقرير العلو، وأن مما استدل به على تقرير العلو ما جاء في سؤال الجارية؛ لأن النبي ﷺ سألها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء، فاعتبر هذا دليل الإيمان، وهذا فيه إثبات علو الله علواً ذاتياً وعلواً معنوياً، فالله هو العلي بكل معاني العلو: علو القدر وعلو القهر وعلو الذات وعلو الصفات وعلو الأسماء وعلو الأفعال وجميع أنواع العلو.

стр. 28

موجز كلام السلف في أدلة العلو المحكمة والصريحة الخلاصة: أنه هنا أراد أن يقرر العلو مقترناً بالاستواء والاستواء مقترناً بالعلو وهما متشابهان، وقد ذكر الأئمة أدلة العلو الصريحة ونوجزها الآن؛ لأنه هنا انتهى من مسألة الاستدلال على العلو والعرش، وسيدخل في موضوع جديد نجعله للدرس القادم، لكن أحب أن أوجز كلام السلف في أدلة العلو التي هي محكمة وقوية وذكرها أكثر من واحد من الأئمة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع، وابن القيم في رده على الجهمية في الصواعق وفي غيره، وكذلك لخص هذا الرد ابن أبي العز في (شرح العقيدة الطحاوية)، فتتلخص أدلة إثبات العلو والاستواء -خاصة العلو الذاتي لله بما يلي: أولاً: التصريح بالفوقية لله ، فقد ورد التصريح بأن الله فوق عباده، كقوله : ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، وقوله : ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، فهذا تصريح بالفوقية لله ، وأصحاب التأويل يقولون: إن الفوقية تشعر بالجهة، فيقال لهم: ما الجهة التي تهربون منها؟ سيقولون: الفوق والعلو، فهربوا من إثبات الحق ووقعوا فيما وقعت فيه الفلاسفة الملاحدة الذين ينكرون أن يكون لله وجود ذاتي. وكذلك من أقوى أدلة العلو: ثبوت النزول، سواء نزول الباري أو نزول الأشياء منه، فقد أنزل الله القرآن وتنزل الملائكة من عنده، والنزول ثابت بنصوص قطعية، خاصة أحاديث النزول لله على ما يليق بجلاله، وخاصة النزول الذي ثبت له في الثلث الأخير من كل ليلة، كما ورد عن النبي ﷺ : (ينزل ربنا في الثلث الأخير من كل ليلة) ونزوله عشية يوم عرفة أو يوم عرفة يباهي بالحجاج ملائكته، فهذا النزول ثبت في مقتضى النص الصحيح الصريح الذي لا يمكن دفعه، ولكن على ما يليق بجلال الله ، ونحن نعلم قطعاً أن النزول لا يلزم منه إخلاء العرش، ولا يلزم منه ما يلزم عند المخلوقات من نوع الحركة ونوع الانتقال، وإلا فالله لابد أن يثبت له ما أثبته لنفسه. فالنزول دليل على إثبات العلو والفوقية، وهو يتضمن معنى الاستواء. ومن ذلك أيضاً: صعود الأشياء إليه، قال : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، وكذلك رفع الأشياء إليه ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، وكقوله في حق عيسى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] فالرفع لا يكون إلا إلى أعلى، ولا يكون إلا لموجود له وجود ذاتي، وإلا فما معنى الرفع لو كان الوجود لله -تعالى عما يزعمون- مجرد وجود ذهني مطلق، كما تقول الجهمية وتابعهم الأشاعرة ومن سلك سبيلهم؛ فإنهم قالوا: إن وجود الله مجرد وجود عقلي أو مجرد وجود اعتباري أو علو اعتباري فقط، كما قالوا: إن العلو علو القدر، ولاشك أن لله علو القدر على وجه الكمال، وكذلك علو الذات، ولو كان مجرد علو القدر لما كان هناك معنى لكل هذه النصوص التي تصرح بالفوقية والنزول والمجيء والصعود والرفع، لا يكون لها معنى وإنما تكون مجرد ألفاظ لا معنى لها. وكذلك ثبت أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في الدعاء إلى الله ، وتوجه القلوب الفطري إلى الله توجه يجده حتى الكافر، بل حتى الحيوان نجده يشخص ببصره إلى العلو وإلى الفوقية، وهذا أمر فطري. أيضاً: سؤال النبي ﷺ الجارية وغير الجارية بكلمة: أين الله؟ هذا دليل قاطع على أن الله له وجود لا يليق إلا أن يكون بالفوق والعلو، وأن وجود الله مباين ومفاصل لوجود مخلوقاته، وأنه مستوٍ على عرشه، إضافة إلى أدلة الاستواء وغير ذلك، كل هذه الأمور أدلة صريحة قطعية تثبت لله العلو الذاتي بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله مع علو القدر والقهر وعلو الاعتبار وعلو المعنى، وهذا لا شك فيه. فالسلف حينما يثبتون شيئاً يثبتون لوازمه بالضرورة، فهذه أدلة قاطعة على العلو الذاتي لله لا مفك منها، لكن أهل التأويل لا يستطيعون أن يأخذوا بها؛ لأنهم إذا أخذوا بها انهدمت قواعدهم كلها ورجعوا إلى قول أهل السنة، ولو أخذوا بأدلة العلو لزم أن يقولوا بالاستواء، وإذا قالوا بالاستواء لزمهم أن يقولوا بالمجيء والنزول ثم بقية صفات الله ، وكذلك العكس. إذاً: أهل البدع والتأويل لو أثبتوا أي صفة لزمهم إثبات الباقي، فإن أثبتوا الاستواء لزمهم إثبات العلو والفوقية، وإن أثبتوا العلو والفوقية لزمهم الاستواء، وإذا أثبتوا الجميع لزمهم إثبات المجيء والنزول على ما يليق بجلال الله وبقية الصفات، لكن لتسلم قواعدهم الباطلة عمموا الحكم، وهذا مصداق قول النبي ﷺ عن أهل الأهواء: (تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه) نفوا شيئاً من الصفات فاضطرهم هذا النفي إلى نفي غيرها، ثم إلى نفي البا

стр. 29

الأسئلة

стр. 30

الفرق بين الكيف والكيفية السؤال هل هناك فرق بين السؤال عن الكيف والسؤال عن الكيفية؟ الجواب لا فرق؛ فالكيفية مشتقة من الكيف، والكيف: هو السؤال عن الحقيقة الذاتية التي يتشكل منها الشيء.

стр. 31

مدى صحة مقالة: (الله على عرشه استوى، وهو في كل مكان بعلمه) السؤال هل هذه المقالة صحيحة: الله على عرشه استوى، وهو في كل مكان بعلمه؟ الجواب لا حرج، هذا مقتضى النصوص، فالله على عرشه استوى وهو بعلمه في كل مكان، يعني: أن الله أحاط علمه بكل شيء.

стр. 32

حقيقة العقيدة التي تدرس في الأزهر السؤال سمعنا بأن الأزهر في مصر يدرس عقيدة الأشاعرة ويعتقدونها، فهل هذا صحيح؟ الجواب الذي أعرفه نعم، لا يزال أكثر فروع الأزهر تدرس عقيدة الأشاعرة، لكن ومع ذلك بدأت بعض الكليات والأقسام في الأزهر وفروعه تدرس عقيدة السلف من خلال الطحاوية وغيرها، لكن السمة السائدة هي دراسة مذهب الأشاعرة والماتريدية.

стр. 33

الصفات التي يؤولها الأشاعرة والماتريدية السؤال ما هي الصفات التي يؤولونها؟ الجواب يؤولون جميع الصفات ما عدا سبع صفات، والباقي كلها يؤولونها خاصة المتأخرين، وهذا في عموم الأشاعرة، وقد يكون من الأشاعرة من هو أقرب إلى أهل الحديث فيثبت أكثر من سبع صفات، ومنهم من يقول بهذا المبدأ، ومنهم من هو بين ذلك.

стр. 34

أول من قال: (إن الله بائن من خلقه) السؤال هل لم يسبق ابن المبارك إلى قوله: بائن من خلقه؟ الجواب هذا ليس صحيح، لكن ما اشتهرت الكلمة قبل وقته، يعني: أنها ما استفاضت وأعلنت من قبل إمام من أهل السنة على الملأ، وجعلت من شعارات أهل السنة إلا في وقته، أما قبل ذلك فقد تكلم فيها بعض الأئمة بحذر وبحدود ضيقة، فلم تشتهر، فهو أشهرها؛ لأنه إمام، فنقلها عن الناس بالرواية والإسناد، وتناقلتها وسائل الإعلام في ذلك الوقت، وهم الرواة والكتب التي صنفت.

стр. 35

شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [٥] هناك فروق منهجية في العقيدة وغيرها بين أهل السنة وأهل البدعة يستطيع صاحب الحق أن يميز بها بين البدعة والسنة، فيما يتعلق بعقائد الناس وأقوالهم وأحوالهم وعوائدهم وممارساتهم ومواقفهم، ومما امتاز به أهل السنة أنهم يثبتون صفات الله كما أثبتها لنفسه، ومن ذلك صفة النزول والمجيء والإتيان.

стр. 36

ذكر بعض الفروق المنهجية بين أهل السنة وبين أهل البدع في العقيدة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهنا الشيخ الصابوني ﵀ سيذكر شيئاً من الفروق المنهجية، فبعد ما ذكر مسألة الصفات تفصيلاً، ومسألة كلام الله والرؤية، بدأ يشير إلى الفروق المنهجية بين أهل السنة وبين مخالفيهم من أهل البدع، وأهل البدع كما تعلمون مناهجهم واحدة، وإن كانت تختلف طرائقهم ووسائلهم وتعبيراتهم، لكن مناهجهم في تقرير الدين واحدة، وكلها تقوم على الهوى، وهذا مما ينبغي أن يلم به طالب العلم؛ لأن طالب العلم إذا أدرك وعرف مناهج أهل البدع، سواء في تلقي الدين أو في مصادر الدين أو في منهج الاستدلال أو في تقرير العقيدة وبيانها أو في الدفاع أو في المواقف، أو في الحكم على المخالفين أو في الولاء والبراء ونحو ذلك، تميزت له كثير من الأشياء التي تخفى على أكثر الناس، سواء فيما يصدر عن أهل البدع قديماً أو في الحديث، فمن ألم بمناهج أهل الأهواء وفرق بينها وبين المنهج الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة، وعرف وجوه التفريق استطاع أن يميز بإذن الله، وأن يملك الميزان الدقيق الذي يميز به بين البدعة والسنة فيما يتعلق بعقائد الناس وأقوالهم وأحوالهم وعوائدهم وممارساتهم ومواقفهم، لاسيما مع كثرة التلبيس في عصرنا هذا من قبل كثير من أصحاب الاتجاهات والحزبيات والشعارات؛ فإن تلبيسهم على الناس كثر، وكثير من طلاب العلم احتار؛ لأنه ما أدرك أو ما عرف الموازين الدقيقة التي قررها السلف بين البدعة والسنة وبين الحق والهدى وبين الحق والباطل وبين الهدى والهوى، فالشيخ هنا سيشير إلى شيء من الفروق في المناهج بين أهل البدع وبين أهل السنة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [والفرق بين أهل السنة وبين أهل البدع أنهم إذا سمعوا خبراً في صفات الرب ردوه أصلاً ولم يقبلوه أو في الظاهر ثم تأولوه بتأويل يقصدون به رفع الخبر من أصله]. في الحقيقة أن الفراغ هنا لا ندري ما هو، لاسيما أنه ربما يكون طويلاً أو كلمة غير واضحة، فمن الصعب أن نتقول على الشيخ، لكن الظاهر من خلال السياق أنه يقصد عبارة (أنهم خضعوا لمفهوم الظاهر) بمعنى: أنهم اعتقدوا الظاهر المبني على قياس الخالق بالمخلوق، وهذه مشكلة أهل الأهواء، ويتبين هذا من خلال تقعيد القاعدة. قال أبو عثمان: (الفرق بين أهل السنة وبين البدعة أنهم -أي: أهل البدع- إذا سمعوا خبراً في صفات الرب ردوه أصلاً)، هذا منهج الجهمية والمعتزلة إذا وردهم النص من الكتاب والسنة في الصفات التي تنافي أصولهم ردوا النص، فالجهمية لا تتورع عن رد النصوص، وكذلك المعتزلة لا تتورع عن رد الأحاديث، وقد لا ترد القرآن، ولكن تتأول القرآن. وهنا يشير إلى مذهب الفئة الثانية، وهم أهل الكلام والكثير من المعتزلة، والساقط هنا يشير إلى أنهم أخضعوا الفهم الظاهر للنصوص لأوهامهم وعقولهم، والله أعلم ما هو الساقط، لكن الذي أراده هنا وفسره أن أهل الأهواء إذا ما ردوا النصوص فإنهم اعتقدوا لها ظاهراً بحسب ما علموه من واقع المخلوقات، فإذا وردهم الخبر في إثبات اليد لله اعتقدوا الظاهر وهو التشبيه، ثم أرادوا أن ينفروا مما اعتقدوه فوقعوا في التأويل، فهو يريد أن يقرر الأصل الثاني لأهل البدع، فالأصل الأول الرد، والأصل الثاني هو التأويل، والمنهج الأول رد النصوص، والمنهج الثاني هو التأويل، فالتأويل هو منهج الأشاعرة والماتريدية ومن سلك سبيلهم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم تأولوه بتأويل يقصدون به رفع الخبر من أصله، وإبطال عقولهم وآراؤهم فيه، ويعلمون حقاً يقيناً أن ما قاله رسول الله ﷺ فعلى ما قاله]. يبدو لي أن المعنى الذي يريده الشيخ من كلمة (وإبطال) هو إبطال الحقيقة الواردة في النص، أي: حقيقة الصفة الواردة في النص، وتقديم ما تتوهمه عقولهم وآراؤهم فيه، أو تقديم أحكام عقولهم وآرائهم في هذا، والعقول والآراء لا تحكم بالغيب، لكن حكموها فلما حكموها وقعوا في الضلالة، فأشار هنا إلى أنهم حكموا عقولهم، هذا ظاهر مراده، فتكون هذه قاعدة ثالثة من مناهج أهل الأهواء: المنهج الأول: رد النصوص. والمنهج الثاني: تأويل النصوص. والمنهج الثالث: إبطال دلالات النصوص وتحكيم العقول فيها. والعقول مسكينة؛ فعقل الإنسان ما أدرك نفسه، فأي عاقل من العقلاء مهما أوتي من الذكاء وقوة العقل لو قيل له: صف لنا عقلك، وكيف يعمل عقلك؟ لما استطاع، لكن هم حملوا العقول ما لا تطيق وستخاصمهم يوم القيامة. ويحتمل أن العبارة الساقطة صرفها إلى منهج السلف، وكأنه يريد أن يذكر أن السلف لا يحكمون عقولهم، هذا وارد، بمعنى: أنه انتهى من تقرير أقوال أهل البدع وذكر أنهم يحكمون عقولهم، وأن السلف لا يحكمون عقولهم؛ لأن السقط طويل فيما يظهر من كلام المحقق، فإنه قال: إنه بياض مقداره صفحة. ثم أشار إلى منهج السلف بأنهم لا يحكمون العقل ولا يدخلون عقولهم، فعلى هذا نقول: إن الشيخ بدأ في تقرير منهج السلف فيما بعد في قوله:

стр. 37

قصة الجعد بن درهم مع وهب بن منبه قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى يونس بن عبد الصمد بن معقل عن أبيه أن الجعد بن درهم قدم على وهب بن منبه يسأله عن صفات الله تعالى، فقال: ويلك يا جعد! بعض المسألة؛ إني لأظنك من الهالكين، يا جعد! لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يداً وعيناً ووجهاً لما قلنا ذلك، فاتق الله! ثم لم يلبث جعد أن قتل وصلب]. وهب بن منبه ﵀ تفرس في الجعد أنه صاحب هوى، وأن هواه سيلقيه إلى مثل هذه الضلالة، وهذا النص عن وهب نقل كثيراً، وهو كما تعلمون من الآثار المشهورة، وقد قرر فيه عقيدة أو منهج السلف ومنهج المخالفين في وقت واحد، فأما منهج السلف فهو إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ دون تردد ودون تأويل ولا تحريف ولا تمثيل، لذلك قال: (ويلك يا جعد! بعض المسألة؛ إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يداً وعيناً ووجهاً لما قلنا ذلك)، فهو بهذا يقرر منهجاً من مناهج السلف، وهو إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ ، ثم يقرر بالعكس منهجاً من مناهج أهل الأهواء وهو عدم اليقين فيما أثبته الله تعالى لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ ، وعدم اليقين يتمثل في هذه الحادثة وفي هذا الأثر أولاً بالسؤال عن صفة الله، فلا يسأل عن صفات الله وهو يعلم أنها غيب وهو يعلم أن الله لا تحيط به الأهواء ولا تدركه العقول لا يسأل عنها إلا مشكك أو مبطل أو صاحب هوى أو مريض القلب، وإلا فلمَ يسأل، فلذلك قال له وهب: (ويلك يا جعد! بعض المسألة)، يعني: اقصر عن السؤال، ولا تسأل عن مثل هذا السؤال. ثم قال: (إني لأظنك من الهالكين)؛ لأنه يعرف أن من مناهج أهل الأهواء إثارة مثل هذه الأسئلة؛ فإن كان تشكيكاً فهو مرض، والمرض إذا لم يوفق صاحبه لعلاجه تمادى به حتى يصبح من الأمراض المستعصية التي تؤدي إلى الهوى، وإذا كان على سبيل التعنت وسبيل الإحراج فهو كذلك هوى، وقد يكون على سبيل التلقي عن الآخرين وهو الغالب، بمعنى: أن الجعد تلقى مثل هذه الإشكالات عن فلاسفة الصابئة وعن فلاسفة اليهود وفلاسفة النصارى وعن الفرق والملل الذين كان يعايشهم، وقد ذكر أهل العلم في سيرته أنه طاف بعض المناطق التي يوجد فيها فلاسفة، ويوجد فيها بعض الفئات من أهل الكتاب الذين عندهم إشهار لهذه البدع فيما بينهم، فعايشهم وخالطهم فوجد عندهم هذا الشك؛ فلذلك سأل هذا السؤال، فتفرس فيه وهب بن منبه أنه من الهالكين، بمعنى: أنه سلك طريق الهالكين، وأخذ عنهم، ولذلك وقع في قلبه البدعة فأثار السؤال من باب الإشهار لهذه البدعة، فربما ما استطاع أن يعطل أو يؤول لكنه سأل، وهذه طريقة أهل البدع في بدايتهم يثيرون الإشكالات والأسئلة التي تقرر مذاهبهم؛ لأنهم لا يجرءون على تقريرها من أول وهلة، ومع ذلك بعد وفاة وهب بن منبه -بل وربما قبلها- ظهرت حقيقة الجعد التي تفرسها أو توسمها وهب حيث أعلن التعطيل، ثم لما أنكر بعض صفات الله وبعض أفعاله مثل الخلة والتكليم، لما ظهر ذلك منه تصدى له السلف وناظروه وأقاموا عليه الحجة، وأمروه أن يكف عن إفساد العوام وطلاب العلم، فلم يكف، فناظروه مرة أخرى وثالثة ورابعة؛ ناظروه بالقرآن والسنة والحجة العقلية فلم يرتدع، فرأوا ضرورة قتله؛ لكف فساده عن الأمة، فقتل. وقصته مع خالد بن عبد الله القسري معروفة كما سيذكر المؤلف ﵀ بعد قليل. المهم أن في هذا تقريراً لمنهج السلف في أصل إثبات الصفات، وكشفاً لمنهج المخالفين في الصفات الذي يبدأ بالتشكيك وإثارة الإشكالات والتعطيل والإلحاد في أسماء الله وصفاته. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وخطب خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بالبصرة فقال في آخر خطبته: انصرفوا إلى منازلكم وضحوا، بارك الله لكم في ضحاياكم؛ فإني مضحٍ اليوم بـ الجعد بن درهم؛ فإنه يقول: لم يتخذ الله إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً سبحانه وتعالى عما يقوله الجعد علواً كبيراً، ونزل عن المنبر فذبحه بيده، وأمر بصلبه].

стр. 38

اعتقاد السلف أصحاب الحديث في نزول الرب سبحانه أكمل المصنف ﵀ الكلام على صفة الاستواء، وقرر بعض الأصول المنهجية التي خالف فيها أهل الأهواء أهل السنة، ثم عاد إلى تقرير الصفات تفصيلاً، ومن الصفات التي سيقررها صفة نزول الرب ، وهذه الصفة ثبتت بأحاديث صحاح لا يمكن دفعها، وهي من الصفات الثابتة لله على ما يليق بجلاله دون تحكم في كيفيتها أو في لوازمها التي ربما توهم التشبيه، فالكيفية واللوازم التي توهم التشبيه يجب على المسلم ألا يعتقدها، وألا يقف عندها. وهنا أنبه على مسألة نبهت عليها كثيراً وهي: أن كل صفة فعلية أحياناً قد يشتبه أمرها على بعض الناس خاصة غير المختصين، فيحسن الإشارة إلى أن أي سامع لخطاب الله وخطاب رسوله ﷺ ولخبر الله وخبر رسوله ﷺ فيما يتعلق بأمور الغيب، وعلى رأسها أسماء الله وصفاته وأفعاله، إذا سمع شيئاً من ذلك مثل النزول قد يتوهم في خاطره أشياء، ويتخيل خيالات لا ينفك العاقل عن هذه الخيالات، فما الموقف من هذا الخيال؟ أقول: إن الخيال لا يستطيع الإنسان أن ينفك منه؛ لأن الخيالات هي الأمور التي تقرب معنى الحقائق، لكن يجب أن يعتقد السامع أنما يتخيله في حقيقة النزول ليس هو ما عليه الله ؛ لأن الله سبحانه أحد صمد، ليس كمثله شيء. فإذاً: ما تتوهمه وتتخيله عندما تسمع الصفات فاعلم أنه قطعاً ليس حقيقة الصفة، سواء كانت صفة ذاتية أو صفة فعلية، والصفة الذاتية مثل: اليد والعين، والصفة الفعلية مثل: النزول والمجيء، فهي صفات تثبت لله على ما يليق بجلاله مع الجزم بأن هذا الفعل ليس كفعل المخلوقين، فالنزول ليس كنزول المخلوقين، ولا تلزم فيه اللوازم المعهودة في الأشياء المخلوقة. وذلك لما نسي أهل الأهواء هذه القاعدة، قاعدة: أن ما نتصوره ونتوهمه ليس هو حقيقة في صفة الرب -أي: ليس هو كيفية صفة الرب- وقعوا في التشبيه، يعني: وضعوا للنزول كيفيات في أذهانهم فلما وضعوها اعتقدوها، فلما اعتقدوها عرفوا أن اعتقادها باطل، فأرادوا أن يفروا منها ففروا إلى أمر أشنع وهو التعطيل والتأويل، مع أن القاعدة: أن أسماء الله وصفاته وأفعاله حقيقة على ما يليق بجلال الله سبحانه، والله ما خاطبنا بها ولا خاطبنا بها رسوله ﷺ إلا لأنها حقائق، لكنها حقائق تختلف عن حقائق ما نعهده في المخلوقات. إذاً: فالنزول يثبت لله ثبوتاً قطعياً حقيقة على ما يليق بجلال الله سبحانه، مع نفي ما نتوهمه من التشبيه أو التكييف أو الهيئة أو الشكل أو اللوازم، إلا اللوازم التي تعتبر حقاً؛ لأن اللوازم نوعان: لوازم باطلة، وهي الكيفيات، ولوازم حق، وهي التي تستلزمها الصفات، فمن اللوازم الحق في مثل صفة النزول أن نعلم أن من لوازم نزول الله : نزول رحمته؛ لأن الله ينزل رحمة بالعباد، ولذلك يأمرهم بأن يدعوه، لكن ليس النزول هو الرحمة، إنما الرحمة لازم من لوازم النزل، وكما نقول في اليد: من لوازم إثبات اليد: الكرم لله ، ومن لوازم إثبات اليد: القوة، ومن لوازم إثبات اليد: القدرة، ومن لوازم إثبات اليد: الخلق، فهذه لوازم حق وكمال لله ، لكن لا نعدل بها عن أصل الصفة. وكذلك النزول؛ نعلم أنه بنزول الله تثبت رحمته ويثبت أمره وأيضاً قد تنزل ملائكته إلى آخره، هذه أمور تتعلق بلوازم الصفة، لكن لا نكتفي باللوازم عن إثبات الصفة، ولا يقال في الصفة: إنها تقصر على لازمها، بل هذا هو منهج أهل الأهواء. إذاً: امتاز منهج السلف أنهم يثبتون الصفات بما في ذلك صفة النزول وكذلك الاستواء حقيقة لله على ما يليق بجلاله مع إثبات اللوازم التي تقتضي الكمال لله سبحانه في هذه الصفات، أما ما نتوهمه ونتخيله فيجب ألا نعتقده، والانفكاك عن الخيال صعب؛ لأن كثيراً من ألفاظ الصفات لا يستطيع المسلم أن تثبت في ذهنه معانيها إلا بتخيله، لكن يجب ألا يعتقد الخيال، وأن يعرف أن الخيال أوهام في نفسه، وهو أمور وأمثال تقرب للحقيقة، والله أعلم.

стр. 39

معنى قول السلف في الصفات: (أمروها كما جاءت) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون ما أثبته رسول الله ﷺ وينتهون فيه إليه ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله]. وهذه قاعدة، لكنها قاعدة تحتاج إلى تفسير، ومن قواعد السلف ومناهجهم: أنهم يمرون الخبر كما جاء، والخبر هو ما جاء في القرآن وما ثبت عن رسول الله ﷺ ، وأول هذه الأخبار وأعظمها وأجلها وأكملها الأخبار عن الله ، والأخبار عن ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله. فالخبر الصحيح إذا ثبت عن الله تعالى يذكر على ظاهره، ومعنى يذكر على ظاهره بأن ظاهره حقيقة لا أن ظاهره ما نتوهمه من التشبيه، ولذلك خلط كثير من الناس في تقرير هذه القاعدة، ووقع عندهم شيء من الخلط، وبعضهم نفاها عن السلف، وبعضهم أثبتها من باب التعيير للسلف أنهم يقصدون بالظاهر التشبيه، فأهل الكلام نقدوا قول السلف في هذه القاعدة، وقالوا: إن عقيدة السلف إثبات الظاهر، ويقصدون بإثبات الظاهر التشبيه والتجسيم، وهذا خطأ، فالسلف حينما أثبتوا ظاهر ألفاظ النصوص يقصدون الحقيقة لا يقصدون الظاهر الذي هو الكيفية أو التشبيه، وكذلك العكس: هناك من تردد في إثبات هذه القاعدة عن السلف؛ ظناً منه أنه يلزم من إثباته إثبات التشبيه، مع أن الصحيح أن السلف قالوا بها، وقالوا: إن ألفاظ نصوص الصفات تثبت على ظاهرها، ويقصدون بالظاهر الحقيقة اللائقة بالله ، أي: أن ألفاظ أسماء الله وصفاته الواردة في النصوص هي حق على حقيقتها، وهذا هو ظاهرها، أما الظاهر الذي هو التكييف فلا شك أنه منفي بالنصوص القاطعة، مثل قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].

стр. 40

معنى قول السلف: (يكلون علمه إلى الله) هنا قاعدة جديدة وهي قوله: (يكلون علمه إلى الله)، وهذه أيضاً التبست على بعض الناس، وظن أنهم يكلون حقيقته، وهذا خطأ، وهو قول المتكلمين الذين زعموا أن قول السلف: إننا نكل علمه إلى الله، معناه: أننا نكل الحقيقة إلى الله، وليس كذلك، بل الحقيقة ثابتة؛ لأن الله ما كلمنا إلا بالحق وكلامه حق وكلام رسوله حق. فليس المقصود أن السلف يكلون علمه إلى الله يعني: يكلون حقيقته، وإنما المقصود بأنهم يكلون علم الكيفية إلى الله، فالتكييف هذا هو الذي يوكل إلى الله؛ لأنه ليس بمقدور العقول أن تعرفه. فإذاً: قوله: (ويكلون علمه إلى الله) ينصرف إلى معنيين: أحدهما الحق، والثاني: باطل، أما أن يكلوا علمه، يعني: كيفيته، فنعم، هذا هو الحق، فالسلف يكلون علم ألفاظ الصفات، أي: كيفيتها إلى الله ، والمعنى الثاني باطل وهو ما يقوله أهل الأهواء بأن معنى قوله: (يكلون علمه) أي: يكلون حقيقته فلا يثبتون الحقيقة إلا بتأويل أو تعطيل، وهذا باطل.
следующие страницы →