Полный текст (134 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ذكر بعض الفروق المنهجية بين أهل السنة وبين أهل البدع في العقيدة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فهنا الشيخ الصابوني ﵀ سيذكر شيئاً من الفروق المنهجية، فبعد ما ذكر مسألة الصفات تفصيلاً، ومسألة كلام الله والرؤية، بدأ يشير إلى الفروق المنهجية بين أهل السنة وبين مخالفيهم من أهل البدع، وأهل البدع كما تعلمون مناهجهم واحدة، وإن كانت تختلف طرائقهم ووسائلهم وتعبيراتهم، لكن مناهجهم في تقرير الدين واحدة، وكلها تقوم على الهوى، وهذا مما ينبغي أن يلم به طالب العلم؛ لأن طالب العلم إذا أدرك وعرف مناهج أهل البدع، سواء في تلقي الدين أو في مصادر الدين أو في منهج الاستدلال أو في تقرير العقيدة وبيانها أو في الدفاع أو في المواقف، أو في الحكم على المخالفين أو في الولاء والبراء ونحو ذلك، تميزت له كثير من الأشياء التي تخفى على أكثر الناس، سواء فيما يصدر عن أهل البدع قديماً أو في الحديث، فمن ألم بمناهج أهل الأهواء وفرق بينها وبين المنهج الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة، وعرف وجوه التفريق استطاع أن يميز بإذن الله، وأن يملك الميزان الدقيق الذي يميز به بين البدعة والسنة فيما يتعلق بعقائد الناس وأقوالهم وأحوالهم وعوائدهم وممارساتهم ومواقفهم، لاسيما مع كثرة التلبيس في عصرنا هذا من قبل كثير من أصحاب الاتجاهات والحزبيات والشعارات؛ فإن تلبيسهم على الناس كثر، وكثير من طلاب العلم احتار؛ لأنه ما أدرك أو ما عرف الموازين الدقيقة التي قررها السلف بين البدعة والسنة وبين الحق والهدى وبين الحق والباطل وبين الهدى والهوى، فالشيخ هنا سيشير إلى شيء من الفروق في المناهج بين أهل البدع وبين أهل السنة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والفرق بين أهل السنة وبين أهل البدع أنهم إذا سمعوا خبراً في صفات الرب ردوه أصلاً ولم يقبلوه أو في الظاهر ثم تأولوه بتأويل يقصدون به رفع الخبر من أصله].
في الحقيقة أن الفراغ هنا لا ندري ما هو، لاسيما أنه ربما يكون طويلاً أو كلمة غير واضحة، فمن الصعب أن نتقول على الشيخ، لكن الظاهر من خلال السياق أنه يقصد عبارة (أنهم خضعوا لمفهوم الظاهر) بمعنى: أنهم اعتقدوا الظاهر المبني على قياس الخالق بالمخلوق، وهذه مشكلة أهل الأهواء، ويتبين هذا من خلال تقعيد القاعدة.
قال أبو عثمان: (الفرق بين أهل السنة وبين البدعة أنهم -أي: أهل البدع- إذا سمعوا خبراً في صفات الرب ردوه أصلاً)، هذا منهج الجهمية والمعتزلة إذا وردهم النص من الكتاب والسنة في الصفات التي تنافي أصولهم ردوا النص، فالجهمية لا تتورع عن رد النصوص، وكذلك المعتزلة لا تتورع عن رد الأحاديث، وقد لا ترد القرآن، ولكن تتأول القرآن.
وهنا يشير إلى مذهب الفئة الثانية، وهم أهل الكلام والكثير من المعتزلة، والساقط هنا يشير إلى أنهم أخضعوا الفهم الظاهر للنصوص لأوهامهم وعقولهم، والله أعلم ما هو الساقط، لكن الذي أراده هنا وفسره أن أهل الأهواء إذا ما ردوا النصوص فإنهم اعتقدوا لها ظاهراً بحسب ما علموه من واقع المخلوقات، فإذا وردهم الخبر في إثبات اليد لله اعتقدوا الظاهر وهو التشبيه، ثم أرادوا أن ينفروا مما اعتقدوه فوقعوا في التأويل، فهو يريد أن يقرر الأصل الثاني لأهل البدع، فالأصل الأول الرد، والأصل الثاني هو التأويل، والمنهج الأول رد النصوص، والمنهج الثاني هو التأويل، فالتأويل هو منهج الأشاعرة والماتريدية ومن سلك سبيلهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم تأولوه بتأويل يقصدون به رفع الخبر من أصله، وإبطال عقولهم وآراؤهم فيه، ويعلمون حقاً يقيناً أن ما قاله رسول الله ﷺ فعلى ما قاله].
يبدو لي أن المعنى الذي يريده الشيخ من كلمة (وإبطال) هو إبطال الحقيقة الواردة في النص، أي: حقيقة الصفة الواردة في النص، وتقديم ما تتوهمه عقولهم وآراؤهم فيه، أو تقديم أحكام عقولهم وآرائهم في هذا، والعقول والآراء لا تحكم بالغيب، لكن حكموها فلما حكموها وقعوا في الضلالة، فأشار هنا إلى أنهم حكموا عقولهم، هذا ظاهر مراده، فتكون هذه قاعدة ثالثة من مناهج أهل الأهواء: المنهج الأول: رد النصوص.
والمنهج الثاني: تأويل النصوص.
والمنهج الثالث: إبطال دلالات النصوص وتحكيم العقول فيها.
والعقول مسكينة؛ فعقل الإنسان ما أدرك نفسه، فأي عاقل من العقلاء مهما أوتي من الذكاء وقوة العقل لو قيل له: صف لنا عقلك، وكيف يعمل عقلك؟ لما استطاع، لكن هم حملوا العقول ما لا تطيق وستخاصمهم يوم القيامة.
ويحتمل أن العبارة الساقطة صرفها إلى منهج السلف، وكأنه يريد أن يذكر أن السلف لا يحكمون عقولهم، هذا وارد، بمعنى: أنه انتهى من تقرير أقوال أهل البدع وذكر أنهم يحكمون عقولهم، وأن السلف لا يحكمون عقولهم؛ لأن السقط طويل فيما يظهر من كلام المحقق، فإنه قال: إنه بياض مقداره صفحة.
ثم أشار إلى منهج السلف بأنهم لا يحكمون العقل ولا يدخلون عقولهم، فعلى هذا نقول: إن الشيخ بدأ في تقرير منهج السلف فيما بعد في قوله:
стр. 37
قصة الجعد بن درهم مع وهب بن منبه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى يونس بن عبد الصمد بن معقل عن أبيه أن الجعد بن درهم قدم على وهب بن منبه يسأله عن صفات الله تعالى، فقال: ويلك يا جعد! بعض المسألة؛ إني لأظنك من الهالكين، يا جعد! لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يداً وعيناً ووجهاً لما قلنا ذلك، فاتق الله! ثم لم يلبث جعد أن قتل وصلب].
وهب بن منبه ﵀ تفرس في الجعد أنه صاحب هوى، وأن هواه سيلقيه إلى مثل هذه الضلالة، وهذا النص عن وهب نقل كثيراً، وهو كما تعلمون من الآثار المشهورة، وقد قرر فيه عقيدة أو منهج السلف ومنهج المخالفين في وقت واحد، فأما منهج السلف فهو إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ دون تردد ودون تأويل ولا تحريف ولا تمثيل، لذلك قال: (ويلك يا جعد! بعض المسألة؛ إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يداً وعيناً ووجهاً لما قلنا ذلك)، فهو بهذا يقرر منهجاً من مناهج السلف، وهو إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ ، ثم يقرر بالعكس منهجاً من مناهج أهل الأهواء وهو عدم اليقين فيما أثبته الله تعالى لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ ، وعدم اليقين يتمثل في هذه الحادثة وفي هذا الأثر أولاً بالسؤال عن صفة الله، فلا يسأل عن صفات الله وهو يعلم أنها غيب وهو يعلم أن الله لا تحيط به الأهواء ولا تدركه العقول لا يسأل عنها إلا مشكك أو مبطل أو صاحب هوى أو مريض القلب، وإلا فلمَ يسأل، فلذلك قال له وهب: (ويلك يا جعد! بعض المسألة)، يعني: اقصر عن السؤال، ولا تسأل عن مثل هذا السؤال.
ثم قال: (إني لأظنك من الهالكين)؛ لأنه يعرف أن من مناهج أهل الأهواء إثارة مثل هذه الأسئلة؛ فإن كان تشكيكاً فهو مرض، والمرض إذا لم يوفق صاحبه لعلاجه تمادى به حتى يصبح من الأمراض المستعصية التي تؤدي إلى الهوى، وإذا كان على سبيل التعنت وسبيل الإحراج فهو كذلك هوى، وقد يكون على سبيل التلقي عن الآخرين وهو الغالب، بمعنى: أن الجعد تلقى مثل هذه الإشكالات عن فلاسفة الصابئة وعن فلاسفة اليهود وفلاسفة النصارى وعن الفرق والملل الذين كان يعايشهم، وقد ذكر أهل العلم في سيرته أنه طاف بعض المناطق التي يوجد فيها فلاسفة، ويوجد فيها بعض الفئات من أهل الكتاب الذين عندهم إشهار لهذه البدع فيما بينهم، فعايشهم وخالطهم فوجد عندهم هذا الشك؛ فلذلك سأل هذا السؤال، فتفرس فيه وهب بن منبه أنه من الهالكين، بمعنى: أنه سلك طريق الهالكين، وأخذ عنهم، ولذلك وقع في قلبه البدعة فأثار السؤال من باب الإشهار لهذه البدعة، فربما ما استطاع أن يعطل أو يؤول لكنه سأل، وهذه طريقة أهل البدع في بدايتهم يثيرون الإشكالات والأسئلة التي تقرر مذاهبهم؛ لأنهم لا يجرءون على تقريرها من أول وهلة، ومع ذلك بعد وفاة وهب بن منبه -بل وربما قبلها- ظهرت حقيقة الجعد التي تفرسها أو توسمها وهب حيث أعلن التعطيل، ثم لما أنكر بعض صفات الله وبعض أفعاله مثل الخلة والتكليم، لما ظهر ذلك منه تصدى له السلف وناظروه وأقاموا عليه الحجة، وأمروه أن يكف عن إفساد العوام وطلاب العلم، فلم يكف، فناظروه مرة أخرى وثالثة ورابعة؛ ناظروه بالقرآن والسنة والحجة العقلية فلم يرتدع، فرأوا ضرورة قتله؛ لكف فساده عن الأمة، فقتل.
وقصته مع خالد بن عبد الله القسري معروفة كما سيذكر المؤلف ﵀ بعد قليل.
المهم أن في هذا تقريراً لمنهج السلف في أصل إثبات الصفات، وكشفاً لمنهج المخالفين في الصفات الذي يبدأ بالتشكيك وإثارة الإشكالات والتعطيل والإلحاد في أسماء الله وصفاته.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وخطب خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بالبصرة فقال في آخر خطبته: انصرفوا إلى منازلكم وضحوا، بارك الله لكم في ضحاياكم؛ فإني مضحٍ اليوم بـ الجعد بن درهم؛ فإنه يقول: لم يتخذ الله إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً سبحانه وتعالى عما يقوله الجعد علواً كبيراً، ونزل عن المنبر فذبحه بيده، وأمر بصلبه].
стр. 38
اعتقاد السلف أصحاب الحديث في نزول الرب سبحانه
أكمل المصنف ﵀ الكلام على صفة الاستواء، وقرر بعض الأصول المنهجية التي خالف فيها أهل الأهواء أهل السنة، ثم عاد إلى تقرير الصفات تفصيلاً، ومن الصفات التي سيقررها صفة نزول الرب ، وهذه الصفة ثبتت بأحاديث صحاح لا يمكن دفعها، وهي من الصفات الثابتة لله على ما يليق بجلاله دون تحكم في كيفيتها أو في لوازمها التي ربما توهم التشبيه، فالكيفية واللوازم التي توهم التشبيه يجب على المسلم ألا يعتقدها، وألا يقف عندها.
وهنا أنبه على مسألة نبهت عليها كثيراً وهي: أن كل صفة فعلية أحياناً قد يشتبه أمرها على بعض الناس خاصة غير المختصين، فيحسن الإشارة إلى أن أي سامع لخطاب الله وخطاب رسوله ﷺ ولخبر الله وخبر رسوله ﷺ فيما يتعلق بأمور الغيب، وعلى رأسها أسماء الله وصفاته وأفعاله، إذا سمع شيئاً من ذلك مثل النزول قد يتوهم في خاطره أشياء، ويتخيل خيالات لا ينفك العاقل عن هذه الخيالات، فما الموقف من هذا الخيال؟ أقول: إن الخيال لا يستطيع الإنسان أن ينفك منه؛ لأن الخيالات هي الأمور التي تقرب معنى الحقائق، لكن يجب أن يعتقد السامع أنما يتخيله في حقيقة النزول ليس هو ما عليه الله ؛ لأن الله سبحانه أحد صمد، ليس كمثله شيء.
فإذاً: ما تتوهمه وتتخيله عندما تسمع الصفات فاعلم أنه قطعاً ليس حقيقة الصفة، سواء كانت صفة ذاتية أو صفة فعلية، والصفة الذاتية مثل: اليد والعين، والصفة الفعلية مثل: النزول والمجيء، فهي صفات تثبت لله على ما يليق بجلاله مع الجزم بأن هذا الفعل ليس كفعل المخلوقين، فالنزول ليس كنزول المخلوقين، ولا تلزم فيه اللوازم المعهودة في الأشياء المخلوقة.
وذلك لما نسي أهل الأهواء هذه القاعدة، قاعدة: أن ما نتصوره ونتوهمه ليس هو حقيقة في صفة الرب -أي: ليس هو كيفية صفة الرب- وقعوا في التشبيه، يعني: وضعوا للنزول كيفيات في أذهانهم فلما وضعوها اعتقدوها، فلما اعتقدوها عرفوا أن اعتقادها باطل، فأرادوا أن يفروا منها ففروا إلى أمر أشنع وهو التعطيل والتأويل، مع أن القاعدة: أن أسماء الله وصفاته وأفعاله حقيقة على ما يليق بجلال الله سبحانه، والله ما خاطبنا بها ولا خاطبنا بها رسوله ﷺ إلا لأنها حقائق، لكنها حقائق تختلف عن حقائق ما نعهده في المخلوقات.
إذاً: فالنزول يثبت لله ثبوتاً قطعياً حقيقة على ما يليق بجلال الله سبحانه، مع نفي ما نتوهمه من التشبيه أو التكييف أو الهيئة أو الشكل أو اللوازم، إلا اللوازم التي تعتبر حقاً؛ لأن اللوازم نوعان: لوازم باطلة، وهي الكيفيات، ولوازم حق، وهي التي تستلزمها الصفات، فمن اللوازم الحق في مثل صفة النزول أن نعلم أن من لوازم نزول الله : نزول رحمته؛ لأن الله ينزل رحمة بالعباد، ولذلك يأمرهم بأن يدعوه، لكن ليس النزول هو الرحمة، إنما الرحمة لازم من لوازم النزل، وكما نقول في اليد: من لوازم إثبات اليد: الكرم لله ، ومن لوازم إثبات اليد: القوة، ومن لوازم إثبات اليد: القدرة، ومن لوازم إثبات اليد: الخلق، فهذه لوازم حق وكمال لله ، لكن لا نعدل بها عن أصل الصفة.
وكذلك النزول؛ نعلم أنه بنزول الله تثبت رحمته ويثبت أمره وأيضاً قد تنزل ملائكته إلى آخره، هذه أمور تتعلق بلوازم الصفة، لكن لا نكتفي باللوازم عن إثبات الصفة، ولا يقال في الصفة: إنها تقصر على لازمها، بل هذا هو منهج أهل الأهواء.
إذاً: امتاز منهج السلف أنهم يثبتون الصفات بما في ذلك صفة النزول وكذلك الاستواء حقيقة لله على ما يليق بجلاله مع إثبات اللوازم التي تقتضي الكمال لله سبحانه في هذه الصفات، أما ما نتوهمه ونتخيله فيجب ألا نعتقده، والانفكاك عن الخيال صعب؛ لأن كثيراً من ألفاظ الصفات لا يستطيع المسلم أن تثبت في ذهنه معانيها إلا بتخيله، لكن يجب ألا يعتقد الخيال، وأن يعرف أن الخيال أوهام في نفسه، وهو أمور وأمثال تقرب للحقيقة، والله أعلم.
стр. 39
معنى قول السلف في الصفات: (أمروها كما جاءت)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون ما أثبته رسول الله ﷺ وينتهون فيه إليه ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله].
وهذه قاعدة، لكنها قاعدة تحتاج إلى تفسير، ومن قواعد السلف ومناهجهم: أنهم يمرون الخبر كما جاء، والخبر هو ما جاء في القرآن وما ثبت عن رسول الله ﷺ ، وأول هذه الأخبار وأعظمها وأجلها وأكملها الأخبار عن الله ، والأخبار عن ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله.
فالخبر الصحيح إذا ثبت عن الله تعالى يذكر على ظاهره، ومعنى يذكر على ظاهره بأن ظاهره حقيقة لا أن ظاهره ما نتوهمه من التشبيه، ولذلك خلط كثير من الناس في تقرير هذه القاعدة، ووقع عندهم شيء من الخلط، وبعضهم نفاها عن السلف، وبعضهم أثبتها من باب التعيير للسلف أنهم يقصدون بالظاهر التشبيه، فأهل الكلام نقدوا قول السلف في هذه القاعدة، وقالوا: إن عقيدة السلف إثبات الظاهر، ويقصدون بإثبات الظاهر التشبيه والتجسيم، وهذا خطأ، فالسلف حينما أثبتوا ظاهر ألفاظ النصوص يقصدون الحقيقة لا يقصدون الظاهر الذي هو الكيفية أو التشبيه، وكذلك العكس: هناك من تردد في إثبات هذه القاعدة عن السلف؛ ظناً منه أنه يلزم من إثباته إثبات التشبيه، مع أن الصحيح أن السلف قالوا بها، وقالوا: إن ألفاظ نصوص الصفات تثبت على ظاهرها، ويقصدون بالظاهر الحقيقة اللائقة بالله ، أي: أن ألفاظ أسماء الله وصفاته الواردة في النصوص هي حق على حقيقتها، وهذا هو ظاهرها، أما الظاهر الذي هو التكييف فلا شك أنه منفي بالنصوص القاطعة، مثل قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
стр. 40
معنى قول السلف: (يكلون علمه إلى الله)
هنا قاعدة جديدة وهي قوله: (يكلون علمه إلى الله)، وهذه أيضاً التبست على بعض الناس، وظن أنهم يكلون حقيقته، وهذا خطأ، وهو قول المتكلمين الذين زعموا أن قول السلف: إننا نكل علمه إلى الله، معناه: أننا نكل الحقيقة إلى الله، وليس كذلك، بل الحقيقة ثابتة؛ لأن الله ما كلمنا إلا بالحق وكلامه حق وكلام رسوله حق.
فليس المقصود أن السلف يكلون علمه إلى الله يعني: يكلون حقيقته، وإنما المقصود بأنهم يكلون علم الكيفية إلى الله، فالتكييف هذا هو الذي يوكل إلى الله؛ لأنه ليس بمقدور العقول أن تعرفه.
فإذاً: قوله: (ويكلون علمه إلى الله) ينصرف إلى معنيين: أحدهما الحق، والثاني: باطل، أما أن يكلوا علمه، يعني: كيفيته، فنعم، هذا هو الحق، فالسلف يكلون علم ألفاظ الصفات، أي: كيفيتها إلى الله ، والمعنى الثاني باطل وهو ما يقوله أهل الأهواء بأن معنى قوله: (يكلون علمه) أي: يكلون حقيقته فلا يثبتون الحقيقة إلا بتأويل أو تعطيل، وهذا باطل.
стр. 41
عقيدة السلف أصحاب الحديث في صفة المجيء والإتيان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك يثبتون ما أنزله الله عز اسمه في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله : ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] وقوله عز اسمه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]].
هذا استمرار لتقرير الصفات الفعلية، فبعدما ذكر النزول ذكر المجيء والإتيان، والمجيء والإتيان هما بمعنى واحد، وردت نصوصهما ومعانيها مترادفة، وكذلك يقال في المجيء ما يقال في الإتيان؛ فإن الله يجيء يوم القيامة كما يليق بجلاله، ومجيئه ليس محكوماً بنوع مجيء المخلوقين أو تحرك المخلوقات، فالله أعظم وأجل من أن يكون مجيئه كمجيء المخلوقات، بل هو حقيقة لله على ما يليق بجلاله وتثبت لوازمه، فمن لوازم مجيء الله مجيء رحمته، ومن لوازم مجيء الله يوم القيامة أنه يفصل بين عباده، ومن لوازم المجيء أنه يجيء ومعه الملائكة كما ورد في نصوص أخرى، وكل ذلك يثبت على حقيقته على ما يليق بجلال الله من غير تحكم بالكيفية ومن غير تعطيل ولا تأويل، فلا يقال في المجيء: مجيء رحمته أو مجيء أمره أو نحو ذلك مما عدل به المتأولون أو المؤولة عن الحق، إلى أمور أحياناً تعتبر من باب اللوازم وأحياناً من تخيلاتهم وتخرصاتهم على كلام الله وعلى كلام رسوله ﷺ ، فقالوا على الله بغير علم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقرأت في رسالة الشيخ: أبي بكر الإسماعيلي إلى أهل جيلان: أن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن رسول الله ﷺ ، وقد قال : ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠]، وقال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، ونؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف، فلو شاء الله سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل فانتهينا إلى ما أحكمه، وكففنا عن الذي يتشابه، إن كنا قد أمرنا به في قوله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧]].
هنا أيضاً قرر قواعد جديدة من قواعد السلف ومناهج المخالفين، فأولاً: هنا في مسألة الإشارة إلى النزول قال: (ونؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف) يعني: كما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ ، وهذا فيه إشارة إلى أن السلف يلتزمون ألفاظ الشرع في أسماء الله وصفاته وأفعاله وجميع الأمور الغيبية، ويلتزمون ألفاظ الشرع كما ساقه الله وذكره وكما نطق به الرسول ﷺ وذكره، وهذه قاعدة عظيمة سلمت بها مناهج السلف وعقائدهم، وسلموا لله وأذعنوا ولم يقعوا فيما وقع فيه غيرهم من التخرص على الله، فآمنوا بما جاء عن الله كما جاء بنصه.
ولذلك تجدون السلف في تقرير العقائد يلتزمون نصوص الشرع، لكن أحياناً في الشرح والبيان قد يأتون بالمرادفات، وقد يأتون ببعض الألفاظ التي تبين، وما استجد عند الناس من مصطلحات هذا من باب التوسع في الإخبار عند الشرح والبيان، أما في التقرير فإنهم يلتزمون ألفاظ الشرع، وعكس ذلك أهل الأهواء، فأهل الأهواء لا يلتزمون ألفاظ الشرع، بل العجيب أن أهل الأهواء من مناهجهم أنهم ينكرون ما ثبت في الكتاب والسنة من ألفاظ الشرع في أسماء الله وصفاته وتقرير العقيدة، ينكرونه ويتحفظون عليه ويترددون في إثباته بالتعطيل والتأويل، في حين أنهم يجسرون ويجرءون على إثبات ما لم يثبته الله لنفسه، بل أغلب ما أثبتوه لله مما لم يثبت في الكتاب والسنة، وقالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا مباين ولا في جهة، وزعموا أنهم ينزهون الله وهم تكلموا على الله بغير علم وقالوا بأشياء لم تثبت في الكتاب والسنة، وإنما هي من أوهامهم وخيالاتهم، وجحدوا ما ثبت في الكتاب والسنة، وهذه عقوبة من الله ، فوكلهم الله إلى عقولهم فردتهم عقولهم إلى ما لم يثبت، وسبق لنا الإشارة إلى مذهب الماتريدية كأنموذج؛ فالماتريدية أثبتوا لله سبع صفات وأولوا الباقي، ثم مع هذا أثبتوا صفة ثامنة لم ترد لا في الكتاب ولا في السنة وليس لها وجه من العقل، يعني: ما ثبت عن الله أنكروه وأولوه ولم يكتفوا بذلك، بل جاءوا بصفات لم تثبت في الكتاب والسنة.
فإذاً: أهل الأهواء خالفوا هذه القاعدة تماماً، فمن منهج السلف تقرير العقيدة بألفاظ الشرع خاصة في أسماء الله وصفاته وأفعاله، والسل
стр. 42
الأسئلة
стр. 43
مدى صحة ما اتهم به خالد القسري من الزندقة
السؤال
ما مدى صحة ما اتهم به خالد بن عبد الله القسري من الزندقة؟
الجواب
أولاً: قبل إجابتي على هذا السؤال أحب أن أشير إلى مسألة تتعلق بالتاريخ الذي كتب: الأمر الأول: التاريخ الذي سطر لا أصل له، ليس فيه أسانيد.
والأمر الثاني: أن الذين كتبوا التاريخ أغلبهم من أهل الأهواء.
والأمر الثالث: الذين كتبوا التاريخ من أهل السنة كـ ابن جرير الطبري وابن كثير نقلوا عن الإخباريين من أهل الأهواء وتركوا العهدة على الرواة.
إذاً: فروايات التاريخ تالفة إلا ما جاء بإسناد صحيح، وهذا قليل، وما جاء بإسناد صحيح من روايات التاريخ فيدخل في باب الآثار، وما عدا ذلك فالتاريخ لا أصل له، ومن ترهات المؤرخين ومن مجازفات الإخباريين وكذبهم أنهم قالوا في بعض الناس قولاً لا يصح، وقد بالغوا فيما حكوه عن خالد بن عبد الله القسري مبالغة شديدة؛ لأنه ضدهم، فأغلب الإخباريين الذين كتبوا التاريخ هم من النوع الذين قتل خالد بن عبد الله أسلافهم وقتل أجناسهم، وما داموا لا يتقون الله ولا يخافونه وهم أصحاب أهواء وشيوخهم هم الذين قتلهم خالد بن عبد الله القسري من الطبيعي أن يكتبوا خلافه أو ضده.
ثانياً: خالد بن عبد الله القسري نسب إليه بعض الظلم وهذا -والله أعلم- أنه كان فيه شيء من القسوة والظلم، لكن لا يعني وجود القسوة والظلم فيه أنه ليس بصاحب عقيدة أو صاحب قوة في الحق، بل كثير من الأقوياء في الحق يكون عندهم شيء من الظلم، وكثير من الظلمة يكون عندهم شيء من القوة في الحق.
ولذلك أشار النبي ﷺ إلى مثل هذا بقوله: (إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر)، لاسيما صاحب السلطان والسيف، وصاحب السلطان والسيف أحياناً قد يعمل ما لا يدركه الناس أو يجرؤ على ما لا يجرؤ عليه غيره، وقد تأخذه الحمية ويأخذه مقامه إلى تجاوز الحد في الأمر الشرعي، وقد قتل زنادقة كثيرين حتى سمي قصاب الزنادقة، والسلف مدحوه في ذلك، والسلف لا يتفقون على أمر فيه نظر، فهم مدحوه بأنه قصاب الزنادقة.
فأقول: إن الذين قتلهم خالد بن عبد الله القسري كان قتلهم كلهم صادراً عن رأي العلماء وعن أمرهم بما فيهم الجعد بن درهم صاحب هذه القصة، وقد قتله خالد بن عبد الله القسري استجابة لأمر العلماء الذين رأوا ضرورة قتله؛ لأنه مفسد في الأرض.
وقصة القسري مع الجعد صحيحة مستفيضة.
стр. 44
شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [٦]
نزول الرب إلى السماء الدنيا من أفعاله سبحانه، وهو من أفعال الكمال، وعقيدة السلف أهل الحديث إثبات صفة النزول وغيرها إثباتاً يليق بجلاله سبحانه، من غير تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تأويل، فينبغي على المسلم أن يلتزم منهج السلف في العقيدة وغيرها؛ حتى يسلم من الوقوع فيما وقع فيه أهل البدع.
стр. 45
موقف السلف أصحاب الحديث ممن سأل عن كيفية صفات الله من النزول وغيره
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو بكر بن زكريا الشيباني سمعت: أبا حامد بن الشرقي يقول: سمعت أحمد السلمي وأبا داود الخفاف يقولان: سمعنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله ﷺ : (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا).
كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب: كيف؟ إنما ينزل بلا كيف.
حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم العدل حدثنا محبوب بن عبد الرحمن القاضي حدثني جدي أبو بكر محمد بن أحمد بن محبوب حدثنا أحمد بن حمويه حدثنا أبو عبد الرحمن العباسي حدثنا محمد بن سلام قال: سألت عبد الله بن المبارك عن نزول ليلة النصف من شعبان، فقال عبد الله: يا ضعيف! ليلة النصف؟! في كل ليلة ينزل، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن كيف ينزل؟ أليس يخلو ذلك المكان منه؟ فقال عبد الله: ينزل كيف شاء.
وفي رواية أخرى لهذه الحكاية: أن عبد الله بن المبارك قال للرجل: إذا جاءك الحديث عن رسول الله ﷺ فاخضع له].
في هذا وأمثاله أذكر بعض الوقفات والعبر أوجزها بما يأتي: أولاً: السلف ﵏ قبل ظهور الجهمية والمعتزلة لم يكن أحد منهم يسأل عن مثل هذه الأسئلة إطلاقاً لا من عامة الناس ولا من طلاب العلم، ولا حتى من أهل الأهواء الذين قد يكون في قلوبهم مرض لكنهم لا يجرءون، ما كان أحد يجرؤ أن يسأل عن شيء في صفات الله إطلاقاً في القرن الأول كله، وقد يقال: إن هناك بعض نوازع الأسئلة كانت في القرن الأول لكنها ليست مذاهب، وإنما كانت أسئلة ساذجة، وكانت فيها نوع من الحذر والتحفظ، كما أنها أيضاً لم تكن ذات تأثير على الناس، بمعنى: أنه أثر عن بعض الخوارج أنهم كانوا يسألون أسئلة غير لائقة بالله ، لكن الناس كانوا يعرفون أن ذلك راجع إلى فساد مذهبهم، ولم يكن هذا يروج عند الناس ولا يسأله طالب علم ولا حتى عامي على الفطرة، ما يسأله إلا إنسان بلي ببدعة معينة كبدع الخوارج، والخوارج أهل خصام وجدل يخاصمون حتى في الله .
فأقول: لم يكن في القرن الأول إلا مثل هذه الومضات البسيطة، ولم تكن هناك مذاهب ولا مناهج، أما في القرن الثاني فصارت أسئلة عن هذه الأمور، وإن كان العلماء قاوموها بشدة، فأئمة السلف: الإمام مالك وعبد الله بن المبارك وغيرهم كانوا يقامونها، حتى الإمام أبو حنيفة من الأوائل الذين ظهرت على وقتهم هذه الأسئلة كانوا يجابهون أهلها بقوة وعنف، لكن ومع ذلك ظهرت على أساس أنها مناهج لأهل الأهواء، فكانوا يسألون عن أمور الغيب عموماً، وعن بعض صفات الله على وجه الخصوص، وهذه السمة سمة خطيرة في الناس إذا وجدت فهي تدل على ضعف الإيمان، وعلى تمكن البدعة وعلى فساد المناهج في الدين.
ولذلك ينبغي أن يعوّد الناس وطلاب العلم خاصة على تعظيم الله وتوقيره بعدم إثارة الأسئلة، إلا في الحالات النادرة التي لا يجد الإنسان فيها محيصاً من السؤال، كأن يتردد الأمر ويحيك في نفسه ويخشى على نفسه أن يكون ذلك نوعاً من التفكير أو الوسواس الذي يسيطر عليه، فإذا وصل الأمر إلى هذا الحد فليسأل أهل العلم بسؤال لا يعلن ويكون بأدب وفيه تعظيم لله وإجلال.
كذلك مما ينبغي أن يستفاد من مثل هذا الأثر أنه ما كان ينبغي لطلاب العلم أن يجهلوا مثل هذه الأمور، وهذا عكس ما يفهمه بعض الناس، فبعض الناس قد يقول: إن الخوض في مثل هذه المسائل والإكثار منها لا ينبغي، وأقول: لا ينبغي عند عامة الناس، لكن طلاب العلم المتخصصين في دروس العقيدة ليس عليهم حرج أن يفصلوا ويخوضوا في هذه الأمور؛ لأنها أمور قالها الناس، والأمور التي قالها الناس لابد من الكلام فيها بوجه الحق لحماية من لم يبتل بها أولاً، وللرد على من ابتلي بها ثانياً، حتى وإن كان التعرض لمثل هذه الأمور قد يكون قليلاً، مع أنه ليس بقليل.
وطلاب العلم يتعرضون الآن لزخم عنيف من الأفكار التي تتعلق بتأويل صفات الله ، وفي الآونة الأخيرة ظهرت كتب وانتشرت مقالات، وبدأ أصحاب التأويل يجرءون على الحديث فيها بيننا، فلابد أن نحصن طلاب العلم بخاصة في هذه الأمور، وأيضاً بالأخص الذين يدرسون دروس العقيدة فليس عليهم حرج أن يدرسوا مثل هذه الأمور، وإن كان فيها أحياناً افتراضات قد لا تليق، أو أمور يكون فيها شيء من الحرج مثل السؤال عن النزول.
النقطة الأخيرة: أنه ينبغي أن نعوّد أنفسنا ونعوّد غيرنا ممن لنا عليهم ولاية معنى تعظيم الله عز
стр. 46
ذكر أدلة إثبات صفة النزول لله إلى السماء الدنيا
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وخبر نزول الرب كل ليلة إلى سماء الدنيا خبر متفق على صحته مخرج في الصحيحين من طريق مالك بن أنس عن الزهري عن الأغر وأبي سلمة عن أبي هريرة ﵃.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ينزل ربنا ﵎ في كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه؟ ومن يستغفرني فأغفر له؟).
ولهذا الحديث طرق إلى أبي هريرة].
فيما يتعلق بمسألة النزول أحب أن أنبه على أمرين: الأمر الأول: ما يتعلق بوقت النزول، فقد وردت نصوص كثيرة ذكرت أو تفاوتت في وقت النزول، من هذه النصوص ما يشير إلى أن وقت النزول حين يمضي ثلث الليل.
ومنها: ما يشير إلى أن وقت النزول من نصف الليل.
ومنها: ما يشير إلى أن وقت النزول الثلث الأوسط الذي يبدأ من النصف حتى يبقى سدس الليل.
ومنها: ما يشير إلى أن النزول إلى الثلث الأخير إلى طلوع الفجر، وهذه الأدلة ليس بينها تعارض، فهذا يدل على تنوع نزول الرب ، وتنوع النزول بحسب والله أعلم أقدار الليالي والمناسبات الفاضلة وغيرها، وقد يكون النزول أحياناً يشمل الليل كله، وقد يكون يشمل نصف الليل، وقد يشمل شيئاً من النهار، كما ورد في نزول الرب عشية عرفة بين النهار والليل، وقد ورد أيضاً أن الله ينزل مطلقاً في يوم عرفة.
فالمهم أن هذه النصوص ليس بينها تعارض، إنما هي دلالة على أن نزول الرب يتفاوت بحسب الأحوال، وأن ذلك راجع إلى مشيئته سبحانه، فلا تعارض بين هذه النصوص.
الأمر الثاني: أن النزول من أفعال الرب ﵎، وهو من أفعال الكمال، ويجب على المسلم أن يضبط نفسه سواء في هذه الصفة أو في غيرها، لكن نحن نتكلم عن صفة النزول، فعليه أن يضبط نفسه بألا يتوهم للنزول أوهاماً ولوازم، وسبق أن أشرت إلى أن المسلم لابد أن يتصور ويتخيل خيالات كلما ترد إليه ألفاظ الشرع بما فيها ألفاظ النزول، لكن هذه الخيالات لا تعدو مخ الإنسان الضعيف المحدود، وليست هي الحقيقة عن الله ؛ لأن حقيقة نزول الرب سبحانه لا يمكن أن تصل إليها العقول ولا تدركها الأوهام، ولا يمكن أن تعرف بحدود، ولا يمكن أن تشبه بأي نوع من الأنواع المعهودة عند الناس في عالم الشهادة، ولا تقاس بالمقاييس العلمية.
فإذاً: لابد أن نعتقد النزول لله على ما يليق بجلاله، وأن ذلك كمال، وأنه من أفعاله سبحانه التي تليق به، وما يتصوره الإنسان من الأوهام والتصورات والخيالات فهو منفي عن الله قطعاً؛ لأن الله ليس كمثله شيء، والحديث عن اللوازم لا ينبغي حقيقة، بل أرى أنه من الإثم، فالحديث عن اللوازم مثل الكلام عن الإخلاء والكلام عن الإملاء أو الملء أو نحو ذلك مما أشار إليه بعض السلف في الآثار هذا حكاية ما قاله الناس، ولعل للسلف عذراً، وهو بيان أن هذه الأمور باطلة، كما أن الله رد على الذين زعموا أن لله صاحبة وأن لله ولداً، هذه أمور شنيعة يستشنعها الإنسان بفطرته، ومع ذلك ذكرها الله في القرآن؛ لأنها عقائد لقوم موجودين بين الناس ويدعون إليها، فكذلك السلف قد يعذرون في ذكر هذه الأمور؛ لأنها عقائد لبعض الناس، وصاروا يدعون إليها، ومن ذلك الإخلاء وما يترتب عليه أو ما يقال حوله، لكن المسلم ما دام في عافية ولم يسمع من أحد شيئاً وليس ممن يواجه هذه الأمور، الأولى له ألا يتحدث في هذه الأمور ولا يتكلم عنها إلا عند تقرير العلم عند الضرورة.
стр. 47
الأسئلة
стр. 48
الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية وإمكان الجمع بينهما
السؤال
ما الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية؟ وهل يمكن الجمع؟
الجواب
بعض الصفات تجتمع، والصفات الذاتية: هي الصفات التي تتعلق بذات الباري ، مثل: اليد، والوجه، والعين، والقدم؛ لأنها متعلقة بالذات، أما الصفات الفعلية: فهي أفعاله سبحانه، مثل: النزول، والمجيء، والضحك، والرضا، والغضب، هذه أفعال، وهي تثبت لله على ما يليق بجلاله، وقد يكون من الصفات ما هو فعلي وذاتي كصفة الكلام، فصفة الكلام ذاتية؛ لأن الله متكلم منذ الأزل وقادر على الكلام، والكلام كمال يوصف الله به، وصفة الكلام فعلية؛ لأن الله يتكلم متى شاء، والله سبحانه كلم آدم وكلم موسى وكلم محمداً ﷺ في المعراج، وتكلم بالقرآن، ويتكلم يوم القيامة وينادي العباد بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد، هذا كلام يعتبر فعلاً من أفعال الله ، وكلامه أيضاً من حيث الأصل هو من الصفات الذاتية.
стр. 49
حكم وصف المعين بالشرك
السؤال
القول بأنه لا يحكم على أحد بالشرك حتى يستفصل عن حاله والقوائم الموجبة لوصفه بالشرك، قد يقال على ذلك: إنه لا يمكن وصف أحد بالشرك، فما الضابط في هذه المسألة؟
الجواب
لا نقول: لا يمكن وصف أحد بالشرك، فالمشركون الذين يطوفون بالقبور إذا كانت هذه عادتهم أنهم يطوفون بها تعبداً فالأصل فيهم الشرك، يعني: أن القبورية الذين يرتادون القبور ويطوفون بها هؤلاء مشركون، هذا هو الأصل فيهم، لكن أنا أقصد الإنسان الطارئ، ولذلك أنا فرقت بين الذين يطوفون بالقبور من أهل البيئات الذين وجدت فيهم القبورية وبين غيرهم؛ فهؤلاء وقعوا في البدعة عمداً وقلدوا فيها واتبعوا غيرهم وحكمهم حكم المتبعين فلا فرق بينهم وبين من أسس هذا الشركيات.
وقبل كان الناس ليس عندهم وسيلة للسفر السهل والوصول إلى تلك المناطق والانتقال من بيئة إلى بيئة، وإنما كان الناس يرحلون من بلاد إلى بلاد بصعوبة، وكانوا قلة، أما الآن فيذهب إلى تلك البلاد التي فيها مقابر وطواف بالقبور مئات من الناس وآلاف وينتقلون من بيئات نقية طاهرة لا تعرف البدعيات إلى تلك البيئات مباشرة، وقد يكون بعضهم لا يعرف ما الذي يجري، وقد يجهل هذه الأمور، أما الذين الأصل عندهم البدعة والذين استمرءوا هذه البدع وعاشوا بينها فهؤلاء لهم حكم آخر، لكن مع ذلك الحكم المعين يحتاج إلى وضع الضوابط الشرعية.
والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 50
شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [٧]
من صفات الله تعالى الثابتة له بالأدلة الصحيحة صفة النزول إلى سماء الدنيا، وقد وردت الأدلة بوصف النزول بعدة أحوال، فثبت وصفه بأنه ينزل في الثلث الأول من الليل، وينزل في نصف الليل، وينزل في الثلث الأخير من الليل، وينزل عشية عرفة، فهو ينزل على أحد هذه الأوجه كما يليق به .
стр. 51
ذكر بعض أدلة إثبات صفة النزول لله إلى السماء الدنيا
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ولهذا الحديث -أي: حديث النزول- طرق إلى أبي هريرة: رواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : (إذا مضى نصف الليل أو ثلثاه ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فيعطى؟ هل من داعٍ فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ حتى ينفجر الصبح)، وفي رواية سعيد بن مرجانة عن أبي هريرة زيادة في آخره وهي: (ثم يبسط يديه فيقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم).
وفي رواية أبي حازم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الأخير فينادي: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ فلا يبقى شيء فيه الروح إلا علم به، إلا الثقلان: الجن والإنس، قال: وذلك حين تصيح الديوك، وتنهق الحمير، وتنبح الكلاب)، وفي رواية موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى عن عبادة بن الصامت زيادات حسنة].
جاء في هذا الحديث زيادة: (وذلك حين تصيح الديوك) والحقيقة أن الزيادة هذه فيها غرابة، والمحقق قال: لم أجد تخريجاً له، لاسيما أن في آخر الحديث قال: (وذلك حين) وهذا يظهر أنه إدراج من أحد الرواة والله أعلم، لاسيما أنه فيه ما يعارض النصوص (وذلك حين تصيح الديوك)، والديوك تصيح حين ترى الملائكة خاصة في بعض أوقات الصياح، أما نهيق الحمير فمرتبط برؤية الشيطان، فالنص أو المتن هذا فيه نكارة وغرابة، وأقترح لو أن أحد الإخوان يتولى البحث عن هذا الإدراج لعله يجد فيه زيادة إيضاح في بعض كتب الحديث أو الآثار.
وكما قلت: المحقق قال: لم أجد تخريجاً له، لكن مع ذلك مجال البحث واسع.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهي التي أخبرنا بها أبو يعلى حمزة بن عبد العزيز المهلبي قال: أنبانا عبد الله بن محمد الرازي قال: أنبأنا أبو عثمان محمد بن عثمان بن أبي سويد قال: حدثنا عبد الرحمن -يعني: ابن المبارك - قال: حدثنا فضيل بن سليمان عن موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (ينزل الله ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: ألا عبد من عبادي يدعوني فأستجيب له؟ ألا ظالم لنفسه يدعوني فأغفر له؟ ألا مقتر عليه رزقه فيدعوني فأرزقه؟ ألا مظلوم يذكرني فأنصره؟ ألا عانٍ يدعوني فأكفه؟ قال: فيكون كذلك إلى أن يطلع الصبح ويعلو على كرسيه)].
أيضاً: عبارة (ويعلو على كرسيه) فيها غرابة، وتحتاج إلى من يتصدر لبحثها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي رواية أبي الزبير عن جابر من طريق مرزوق أبي بكر الذي خرجه محمد بن إسحاق بن خزيمة مختصرة.
ومن طريق أيوب عن أبي الزبير عن جابر الذي خرجه الحسن بن سفيان في مسنده.
ومن طريق هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: (إن عشية عرفة ينزل الله فيه إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء ويقول: انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً ضاحين جاءوا من كل فج عميق؛ يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، فلم ير يوم أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة).
وروى هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن رفاعة الجهني حدث أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مضى ثلث الليل أو شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من يستغفرني فأغفر له؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ حتى ينفجر الصبح)].
هذا الحديث من الأحاديث التي جمعت بين ألفاظ الأحاديث الأخرى، وكما قلت: إنه ثبت عن النبي ﷺ وصف النزول بعدة أحوال، ثبت وصفه بأنه في الثلث الأخير وأنه في الثلث الأول وأنه في نصف الليل، ومن سياق الأحاديث يبدو أن ذلك راجع إلى نوع النزول، وأن نزول الرب ﵎ أحياناً يحدث على هذا الوجه، أي: من ثلث الليل الأول، وأحياناً يحدث على الوجه الآخر، أي: من نصف الليل، وأحياناً يحدث على الوجه الثالث، وهو: الثلث الأخير من الليل، وأحياناً يحدث عشية، كما في يوم عرفة،
стр. 52
شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [٨]
لقد أفاض السلف الصالح في ذكر النصوص الثابتة الدالة على نزول الرب إلى السماء الدنيا كل ليلة، وبينوا أن ذلك النزول نزول يليق بجلال الله سبحانه، لا يشبه نزول المخلوقين، فيجب على المسلم التسليم والابتعاد عن تحريف النصوص أو ردها، وفي إثبات هذه النصوص ومعرفة معانيها وتفويض كيفيتها فوائد عظيمة؛ كرضا الله ، واغتنام الأوقات الفاضلة بالتقرب إليه سبحانه وقت تنزله، ودعاؤه وغير ذلك.
стр. 53
من أدلة إثبات صفة النزول لله إلى السماء الدنيا والرد على من أولها
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبي مسلم الأغر قال: أشهد على أبي سعيد وأبي هريرة أنهما قالا: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يمهل حتى إذا كان ثلث الليل هبط إلى هذه السماء، ثم أمر بأبواب السماء ففتحت، فقال: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داعٍ فأجيبه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من مضطر أكشف عنه ضره؟ هل من مستغيث أغيثه؟ فلا يزال ذلك مكانه حتى يطلع الفجر في كل ليلة من الدنيا).
وعن أبي إسحاق عن الأغر أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا كان ثلث الليل نزل ﵎ إلى السماء الدنيا، فقال: ألا هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ ألا هل من تائب يتاب عليه؟).
وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (ينزل الله تعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، ثلاثاً، من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر).
سمعت الأستاذ أبا منصور على إثر هذا الحديث الذي أملاه علينا يقول: سئل أبو حنيفة عنه فقال: ينزل بلا كيف، وقال بعضهم: ينزل نزولاً يليق بالربوبية بلا كيف، من غير أن يكون نزوله مثل نزول الخلق، بالتخلي والتملي].
بدأ بالتخلي والتملي، فالتخلي التخلية، والتملي المل، بمعنى: ما يلزم من نزول الخلق أو نزول المخلوقات لا يلزم في حق الله ؛ لأنه سبحانه ليس كمثله شيء، وله الكمال المطلق.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [لأنه ﷻ منزه عن أن تكون صفاته مثل صفات الخلق، كما كان منزهاً أن تكون ذاته مثل ذوات الخلق، فمجيئه وإتيانه ونزوله على حسب ما يليق بصفاته، من غير تشبيه وكيف].
لو عمل أهل التعطيل والتأويل بهذه القواعد لسلموا مما وقعوا فيه من معارضة كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ، ولسلموا مما وقعوا فيه من الاشتباه والتشكيك، وما وقعوا فيه من الحيدة عن الحق والوقوع فيما نهى الله عنه وما نهى عنه رسوله ﷺ ، وذلك لو أنهم اعتقدوا مثل هذه الأمور وأثبتوها على ما يليق بجلال الله، فهي ثبتت عن رسول الله ﷺ ، وبعضها ثبتت في القرآن والسنة قطعاً، فما دامت ثبتت فلا داعي للتمحل بتأويلها؛ لأن من اعتقد هذه الأمور على ما يليق بجلال الله، واعتقد أن الله له الكمال المطلق، وأنه سبحانه لا تكون هذه الأمور في حقه كما هي في حق المخلوقات، وأن أفعاله لائقة بجلاله، وهي ثابتة بكلام رسوله ﷺ الذي بين عن الله وهو أعرف الناس بربه، لو عرفوا هذه القواعد والتزموها لما وقعوا في التأويل، لكن اشتبهت عليهم الأمور بتفريطهم في هذه الأمور، فلما اشتبهت صار عندهم شيء من القلق والفزع؛ لأن الاشتباه هو الذي استقر في أذهانهم، والتشبيه هو الذي اعتقدوه، فلما اعتقدوه واستقر في قلوبهم، وما وفقوا وسددوا للعمل بمقتضى القواعد الأخرى، لجئوا إلى التعطيل وإلى التأويل.
فالجهمية والفلاسفة وغلاة الصوفية والباطنية ومن سلك سبيلهم هؤلاء لجئوا إلى التعطيل، يعني: إنكار أن تكون هذه أسماء وأفعال وصفات لله ، فقالوا: إنها مجرد ألفاظ أريد بها معان فسروها كما أرادوا.
وأهل الكلام متأخرة الأشاعرة والماتريدية لجئوا إلى التأويل، وهو صرف معاني هذه الألفاظ إلى معان متوهمة؛ لأنهم لما توهموا التشبيه اضطروا لأن يصرفوا ألفاظ كلام الله ، فمثلاً: لفظ (النزول) لما اعتقدوا التشبيه حادوا به عن المعنى الحق إلى معنى آخر لجئوا إليه بتوهماتهم، والمعاني التي لجئوا إليها صارت أشد إضراراً بعقيدة المسلمين من إضرار المعطلة؛ لأن المعطلة أمرهم بين؛ فهم ينكرون، والإنكار بين يعرفه كل ذي فطرة وكل ذي عقل، لكن التأويل أمره ملبس، فلذلك التبست عقائدهم على كثير من عامة المسلمين فاعتقدوها، وقالوا عن النزول بأنه نزول الأمر أو نزول الملائكة أو نزول الرحمة إلى آخره، مع أن نزول الملائكة حق ونزول الأمر حق ونزول الرحمة حق، لكن للباري نزوله الذي يليق بجلاله، هذا أمر وذاك أمر آخر.
وقولهم: المقصود بالنزول والمجيء نزول الملائكة، ونزول الأمر، ترد عليهم آيات أخرى ونصوص أخرى تبين نزول الرب، كقوله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، فمن هنا أحكمت آيات الله بحيث لا يتناولها التأويل، لكنهم اشتبهت عليهم لمرض قلوبهم، ومريض القلب يحجب عن الحق، خاصة إذا حاد عن مذهب السلف؛ لأن مذهب السلف موجود وبين، فمن انتحل غيره ابتلي بأن يعمى عن الحق، ولذلك ثبت أن مؤولة النزول
стр. 54
ذكر سبب إفاضة السلف في نقل النصوص الواردة في نزول الرب إلى السماء الدنيا كل ليلة وفائدة ذلك
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب (التوحيد) الذي صنفه وسمعته من حافده أبي طاهر رحمه الله تعالى].
حافده يعني: حفيده.
قال رحمه الله تعالى: [باب ذكر أخبار ثابتة السند رواها علماء الحجاز والعراق في نزول الرب إلى السماء الدنيا كل ليلة، من غير صفة كيفية النزول مع إثبات النزول.
فنشهد شهادة مقر بلسانه مصدق بقلبه مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر النزول من غير أن نصف الكيفية؛ لأن نبينا ﷺ لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى السماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل، والله ولى نبيه ﷺ بيان ما بالمسلمين إليه الحاجة من أمر دينهم، فنحن مصدقون بما في هذه الأخبار من ذلك النزول، غير متكلفين للنزول بصفة الكيفية، إذ النبي ﷺ لم يصف كيفية النزول.
وعن مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت محمد بن المنكدر يزعم أنه سمع أم سلمة زوج النبي ﷺ تقول: نعم اليوم يوم ينزل الله تعالى فيه إلى السماء الدنيا، قالوا: وأي يوم؟ قالت: يوم عرفة.
وروت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (ينزل الله تعالى في النصف من شعبان إلى السماء الدنيا ليلاً إلى آخر النهار من الغد، فيعتق من النار بعدد شعر معز بني كلب، ويكتب الحاج، وينزل أرزاق السنة، ولا يترك أحداً إلا غفر له إلا مشركاً أو قاطع رحم أو عاقاً أو مشاحناً)].
أول الحديث ورد بأسانيد صحيحة، أما آخره فالله أعلم أنه لم يثبت بأسانيد صحيحة، ومسألة نزول الله ليلة النصف من شعبان هذه ثابتة، والغالب أن أحاديثها صحيحة، لكن ينبغي أن نتنبه إلى أنه لم يرد النص في تخصيص هذه الليلة بشيء من العبادات، يعني: لا شك أنها ليلة ورد أن الله ينزل فيها، ولها خصوصية من هذا الوجه، وعلى هذا فالله أعلم أن من تحرى قيامها لا على جهة أن قيامه أمر به شرعاً، لكن لأنه تحرى نزول الرب فهذا لا حرج فيه، بشرط ألا يسمي هذه صلاة معينة، ولا أن يقصد بها أن هذه عبادة سنوية لابد أن تكون من فرائض الدين أو سننه الملزمة، ولا أن يضع لهذه الليلة خصائص أخرى من احتفال أو عناية بأعمال معينة، كأن يخصصها بعمرة أو يخصصها بشيء لقصد أن ذلك مشروع، فإنه لم يشرع لهذه الليلة أعمال، والصحابة والتابعون ومن تبعهم رووا هذا الحديث، ولم يذكروا أن النبي ﷺ خصص لها أعمالاً، مثلها مثل شهر رجب، فشهر رجب شهر فاضل، وهو من أشهر الله الحرم، وقد يكون هذا الفضل ينعكس على أعمال المسلمين في الخير، لكن لا يعني: أنه يتخصص فيه أعمال معينة بذاتها أو عبادات معينة بذاتها كما يقولون في الصلاة الرجبية، وكما يقولون في الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، كل هذه بدع.
فالناس يخلطون بين المشروع وبين غير المشروع، وبين ما ثبت فيه النص وما لم يثبت فيه النص، فقد ثبت النص بأن ليلة النصف من شعبان لها خصوصية نزول الرب ﵎، وفي هذا إشارة إلى أن من قامها فلا حرج عليه، لكن لا يتعبد بذلك، بمعنى: أن يعتقد أنه من فرائض الدين أو من الأمور التي يلزم بها الناس أو يدعو إليها أو يضع لها صفة معينة أو اسم معين أو احتفال معين.
والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن عطاء بن يسار قال: حدثني رفاعة بن عرابة الجهني قال: (صدرنا مع رسول الله ﷺ من مكة، فجعلوا يستأذنون النبي ﷺ فجعل يأذن لهم، فقال النبي ﷺ : ما بال شق الشجرة الذي يلي النبي ﷺ أبغض إليكم من الآخر؟ فلا ترى من القوم إلا باكياً، قال: يقول أبو بكر الصديق: إن الذي يستأذنك بعدها لسفيه، فقام النبي ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه، وكان إذا حلف قال: والذي نفسي بيده أشهد عند الله ما منكم من أحد يؤمن بالله واليوم الآخر، ثم يسدد إلا سلك به في الجنة، ولقد وعدني ربي أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفاً بغير حساب ولا عذاب، وإني لأرجو ألا تدخلوها حتى تتبوءوا ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكنكم في الجنة، ثم قال ﷺ : إذا مضى شطر الليل -أو قال: ثلثاه- ينزل الله إلى السماء الدنيا، ثم يقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني فأجيبه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى ينفجر الصبح) هذا لفظ حديث الوليد.
قال شيخ الإسلام: قلت: فلما صح خبر النزول عن الرسول ﷺ أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ﷺ ، ولم يعتقدوا تشبيهاً له بنزول خلقه، ولم يبحثوا عن كيفيته؛ إذ لا سبيل إليها بحال، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه
стр. 55
الأسئلة
стр. 56
المقصود بالتخلي والتملي
السؤال
ما المقصود بقوله: (التخلي والتملي)؟
الجواب
المقصود بالتخلي: ألا يتصور أن الله يخلي مكاناً، والتملي ألا نتصور أن الله يملأ مكاناً دون مكان؛ لأن هذه من التصورات، وخيالاتنا الطفولية لا تليق بالله ، ولا ينبغي أن نحكم بها على صفات الله.
стр. 57
شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [٩]
كان موقف السلف حازماً مع من يشكك في ثوابت الدين، أو يحاول المساس بها؛ ولذا لم تظهر البدع في عهدهم كفرق لها مناهجها ودعاتها، وإنما ظهر أفراد دعوا إلى أمور تخالف الدين فكان السلف لهم بالمرصاد، فمنهم من قتل، ومنهم من أدب وعزر، ومنهم من اقتصر على هجره ونبذه وتحذير الناس من مجالسته ومخالطته، كل ذلك حماية لجناب التوحيد.
стр. 58
الرد على من أنكر أو أول صفة مجيء الله وإتيانه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو عبد الله -أعني: ابن أبي حفص -: هذا عبد الله بن عثمان -وهو عبدان شيخ مرو- يقول: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة: قلنا لهؤلاء: أرأيتم قول الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] وقوله : ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠]؟ وهل يجيء الملك صفاً صفاً؟ قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفاً صفاً، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى بذاك، ولا ندري كيفية جيئته.
فقلنا لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيتم من أنكر أن الملك لا يجيء صفاً صفاً ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب، قلنا: فكذلك من أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب].
هذه من أساليب السلف في الرد، وهي أساليب تميزت بالوضوح والإيجاز مع قوة الحجة والبعد عن التكلف، وهي حجة عقلية، هذه الحجة العقلية جمعت بين الاستدلال الشرعي والعقلي، فهي حجة كافية لمن أراد أن يقف على الحق، ولو تأملتم ما فيها من معاني ملزمة لوجدتم أنها كافية، لكن غالب أهل الأهواء تقوم أهواؤهم على المراء والجدل والانتصار للنفس والرأي، وإلا فهي أدلة شرعية عقلية فطرية فيها البساطة والوضوح واليسر، بعيدة عن التعقيد وعن التفلسف أو إثارة الإشكالات والمراء والجدل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي: أنا لا أؤمن برب يزول عن مكانه، فقل أنت: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء].
كذلك هذه من الحج السهلة القوية الفطرية التي لا تحتاج إلى مزيد تكلف، والذي يريد الحق يتبين له الكلام أو الحق من مثل هذا الكلام الموجز البين المبسط الواضح الذي يفهمه صغار طلاب العلم فضلاً عن كباره.
стр. 59
موقف السلف من أخبار الصفات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن جرير بن عبد الله في الرؤية، وقول رسول الله ﷺ : (إنكم تنظرون إلى ربكم كما تنظرون إلى القمر ليلة البدر)، فقال له رجل في مجلسه: يا أبا خالد! ما معنى هذا الحديث؟ فغضب وحرد، وقال: ما أشبهك بـ صبيغ! وأحوجك إلى مثل ما فعل به! ويلك! ومن يدري كيف هذا؟ ومن يجوز له أن يجاوز هذا القول الذي جاء به الحديث، أو يتكلم فيه بشيء من تلقاء نفسه إلا من سفه نفسه واستخف بدينه، إذا سمعتم الحديث عن رسول الله ﷺ فاتبعوه، ولا تبتدعوا فيه، فإنكم إن اتبعتموه ولم تماروا فيه سلمتم، وإن لم تفعلوا هلكتم.
وقصة صبيغ الذي قال يزيد بن هارون للسائل: ما أشبهك بـ صبيغ وأحوجك إلى مثل ما فعل به! هي: ما رواه يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب: (أن صبيغاً التميمي أتى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرني عن ﴿الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات:١]، قال: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن ﴿الْحَامِلاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات:٢]، قال: هي السحاب، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن ﴿الْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات:٤] قال: الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن ﴿الْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ [الذاريات:٣] قال: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته، قال: ثم أمر به فضرب مائة سوط، ثم جعله في بيت حتى إذا برأ دعا به، ثم ضربه مائة سوط أخرى، ثم حمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى الأشعري: أن حرم عليه مجالسة الناس، فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى الأشعري، فحلف له بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان يجده شيئاً، فكتب إلى عمر بخبره، فكتب إليه: ما إخاله إلا قد صدق، خل بينه وبين مجالسة الناس)].
مثل هذا الإجراء من عمر ﵁ أفاد الأمة وأدب الناس دهراً طويلاً، ولذلك تأخر القول بالقدر، مع أنه من النزعات التي تحدث في الأمم قبل غيرها، خاصة ضعاف العقول وضعاف الدين فإنهم ينزعون إلى التشكيك في القدر، ودخول المفسدين في الديانات من خلال القدر عادة يبدأ مبكراً، لكن هذا الموقف الحازم من عمر ﵁ وما سبقه من تهديده لـ بطريق في الشام ونحو هذه الأمور التي كان عمر يدافع بها عن العقيدة هذا أجّل القول في القدر إلى ما بعد منتصف القرن الأول الهجري.
ثم إن هذه القصة وردت في سياقات كثيرة ولها أسانيد بعضها صحيح، وفي هذه القصة أن صبيغاً كان يسأل، ومجرد السؤال ليس فيه عيب، لكن كان صبيغ يثير هذه الإشكالات عند الجهال، وكان يكرر هذا الكلام بين الجهلة، كما جاء في سياق آخر في القصة، وكان ينهاه أهل العلم ولا ينتهي، ويثير هذه المسائل وغير هذه المسائل، والأمور الغيبية وأمور القدر كان يثير منها أشياء على سبيل المراء والجدل والتعنت والتعالي والغرور، فمحاورة عمر ﵁ معه كانت أنموذجاً لما كان يحدث، وإلا لو كان جاء ليستفهم من عمر كما يستفهم طلاب العلم لما أدبه عمر على هذا النحو، لكن عمر ﵁ عرف ما كان يحدث منه في أكثر من موقع وأكثر من مقام، كما هو معروف في القصة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى حماد بن زيد عن قطن بن كعب سمعت رجلاً من بني عجل يقال له: فلان -خلته ابن زرعة - يحدث عن أبيه قال: رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة كأنه بعير أجرب، يجيء إلى الحلق، فكلما جلس إلى قوم لا يعرفونه ناداهم أهل الحلقة الأخرى: عزمة أمير المؤمنين.
وروى حماد بن زيد أيضاً عن يزيد بن أبي حازم عن سليمان بن يسار: أن رجلاً من بني تميم يقال له: صبيغ قدم المدينة، فكانت عنده كتب، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فبلغ ذلك عمر، فبعث إليه، وقد أعد له عراجين النخل، فلما دخل عليه جلس، فقال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ، قال: وأنا عبد الله عمر، ثم أهوى إليه فجعل يضربه بتلك العراجين، فما زال يضربه حتى شجه، فجعل الدم يسيل على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد والله ذهب الذي كنت أجد في رأسي].
هنا أحب أن نقف على بعض الفوائد: الفائدة الأولى: فيما يتعلق بمنهج السلف في الهجر
стр. 60
الأسئلة
стр. 61
شروط المحبة في الله وضوابطها
السؤال
هل للمحبة في الله شروط؟
الجواب
المحبة في الله أهم ضابط لها أن يكون المحبوب من أولياء الله ومن المتقين الصالحين، وألا يكون للمحبة أغراض أخرى أو دوافع أخرى عاطفية أو دنيوية أو غيرها.
стр. 62
الغلو بين الرافضة والصوفية
السؤال
ما هو الفرق بين غلو الرافضة وغلو الصوفية؟
الجواب
لا فرق بين غلو الرافضة وغلو الصوفية إلا في الشكليات، وفي المصطلحات فقط، أما المؤدى العقدي فلا فرق بين غلو الصوفية وغلو الرافضة.
стр. 63
حكم ذبائح الدروز والنصيريين
السؤال
ما حكم ذبائح الدروز والنصيريين؟
الجواب
الدروز والنصيريون ومن كان على شاكلتهم لا تؤكل ذبائحهم، فإذا جزمت بأن ما في أيديهم أو ما يبيعونه من الطعام من ذبحهم فلا يجوز أكله أبداً بحال.
والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 64
شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [١٠]
من سمات أهل البدع أنهم يتكلمون في أسماء الله وصفاته بما ليس له أصل في الشرع، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون؛ بل تجدهم يخوضون في دين الله بغير علم ولا هدى ولا صراط مستقيم، فوقعوا فيما وقعوا فيه من الزيغ والضلال والانحراف والشرك، وهذا مما جعل أئمة السلف يضعون قواعد عامة متينة في التعامل مع النصوص الشرعية، بحيث تحفظ على الناس عقائدهم ودينهم.
стр. 65
أهم سمات أهل البدع عند مالك بن أنس وغيره من السلف
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام الصابوني رحمه الله تعالى: [حدثنا أشهب بن عبد العزيز سمعت مالك بن أنس يقول: إياكم والبدع، قيل: يا أبا عبد الله! وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، لا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون].
مثل هذا الكلام كثير عن السلف، وهو ذكر وصف أهل البدع ببعض أصولهم، وهذه راجعة إلى المختلف، فأحياناً يفسرون الشيء بجزئه، ولا يقصدون إخراج أنواع البدع الأخرى وأهلها، وإنما يقصدون القاسم المشترك، أو السمة العامة، وهذا كثير عند السلف، وقد خلط بسبب عدم فهمه كثير من الناس، وزعموا تحديد معان معينة على قول معين.
وفي هذا الكلام ذكر أهم سمات أهل البدع في نظر مالك بن أنس: السمة الأولى: الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته، وهذه سمة عامة في عموم أهل البدع لا يخرج منها إلا النادر القليل، والنادر لا حكم له.
فمن السمات العامة لأهل البدع والأوصاف العامة: أنهم يتكلمون في أسماء الله وصفاته وأفعاله بما ليس له أصل في الشرع.
السمة الثانية: أن هذا يندرج تحته ما دونه، ولذلك في الحقيقة هذا من فقه السلف؛ فإنهم أحياناً يذكرون البدعة بأعلى معانيها أو بأعلى صورها؛ لأنه يدخل بالمفهوم الضروري فيها ما دونها، فإذا كان من تكلم في ذات الله وأسمائه وصفاته يعتبر مبتدعاً، فكذلك من تكلم فيما دونها من أمور الدين، وهذا هو أعظم ما تكلموا فيه، وما تحته يندرج في مفهوم أهل البدع، وعلى هذا كل من تكلم في الدين -سواء في الأسماء والصفات أو في القدر أو في الصحابة أو في سائر أصول الدين- فهو مبتدع.
السمة الثالثة: أنهم لا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون، وهذا عام في جميع مقالات أهل البدع، فجميع مقالات أهل البدع تحكمها هذه القاعدة، أي: أن أهل البدع ما سكتوا عما سكت عنه الصحابة، ولو سكتوا عما سكت عنه الصحابة لما وقعوا في البدع، سواء كانت بدعاً اعتقادية أو علمية أو عملية، والسكوت يعني: الترك، سواء ترك بالقول أو ترك بالاعتقاد أو ترك بالفعل، فلو تركوا ما لا يعنيهم وتركوا ما لم يتقرر في الشرع لما وقعوا في البدع.
стр. 66
مذهب السلف أصحاب الحديث في أهل الأهواء والبدع وتحذيرهم منهم ومن بدعهم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الشافعي ﵀: لأن يلقى الله العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك أحب إلي من يلقاه بشيء من الأهواء].
وهذا أيضاً قاسم أو مفهوم عام عند السلف؛ فإنهم يعتقدون أن المعاصي أسهل من البدع، وذلك لأمور: أولاً: لأن البدع غالباً تكون من مرض القلوب المرض المزمن؛ لأن الشهوات مرض عارض، أما الشبهات والأهواء فهي مرض متأصل؛ لأن الشهوة يندفع إليها الإنسان برغبة عارضة، أما الشبهة والبدعة فهي مرض القلوب، ولأنها -أي: البدعة- انحراف عن الحق بالعمد، ولذلك كان السلف لا يسمون العالم المجتهد إذا وقع في بدعة مبتدعاً، وإنما يسمون فعله زلة؛ نظراً لأنه لا يتعمد، فالعالم الذي له قدر في الدين وجلالة ورسوخ في العلم مثل الإمام أبي حنيفة ومثل قتادة بن دعامة السدسي ومثل الحاكم النسيابوري ومثل عبد الرزاق ومثل ابن أبي رواد ونحو هؤلاء الذين نسبت إليهم بدع وقالوا ببدع فعلاً العلماء سموها زلات، وقالوا: رمي أحياناً ببدعة، أو رمي بالقدر أو نحو ذلك؛ لأنهم يعرفون أن هؤلاء الأئمة ما كان قصدهم الهوى.
إذاً: فالأهواء أعظم من الذنوب؛ لأن صاحبها في الغالب لا يقع فيها إلا عن عمد أو تقليد بتقصير؛ لأنه قد يكون المبتدع عامياً، لكنه قصر، فبسبب جهله وإعراضه عن دين الله وإعراضه عن منهج السلف قلد غيره، والتقليد مذموم في حد ذاته، حتى في الأحكام، إنما الممدوح الاتباع.
ثانياً: أن صاحب الهوى في الغالب يظن أنه على حق، ومن هنا يقل أن يتوب، وأما أصحاب الشهوات والفجور والمعاصي فيعرفون أنهم مخالفون، ولذلك تؤنبهم ضمائرهم، ولهم أمل أن يتوبوا، لكن صاحب البدعة حتى لو حدثت عليه الكوارث يصر على بدعته، ولذلك نجد أن الكوارث والمصائب تتسبب -بإذن الله- في توبة العصاة، بينما الكوارث والمصائب تتسبب في تمادي أهل البدع في بدعهم، ولذلك قال بعض السلف: قلّ أن يتوب صاحب بدعة من بدعته.
لا يقصد أن الله لا يتوب عليه، بل يقصد أنه قل أن يوفق للتوبة؛ لأنه مصر على الهوى، ومصر على البدعة، فيبتليه الله ويحجب عنه الحق، فتكون من باب العقوبة العاجلة على أصحاب الهوى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وسأل رجل عمر بن عبد العزيز عن شيء من الأهواء، فقال: الزم دين الصبي في الكتاب، والأعرابي، واله عما سوى ذلك].
هذه أيضاً قاعدة عظيمة يجب أن نستفيد منها وأن نجعلها منهجاً في تعليمنا الدين، وفي تقويمنا للناس وفي رعايتنا لمن حولنا من الأطفال والكبار والصغار والعوام، وهي أن الفطرة التي عليها الأطفال والعوام خير للناس ولأصحابها بكثير من الأهواء مهما كانت مبررة ومقننة، ومهما كانت تحمل شعار العلم؛ وذلك لأن دين الصبي في الكتاب والأعرابي يتميز أولاً بأنه على الفطرة والبراءة الأصلية، ومن كان على الفطرة والبراءة الأصلية فالله يتولاه ويعذره بجهله ولا يقع في الأمور الكبار في الغالب؛ لأنه على الفطرة والبراءة الأصلية، فهذا أقرب وأحرى بأن يوفق ويسدد ويعان، ويعصمه الله باعتصامه بالفطرة والبراءة الأصلية.
هذا أمر.
والأمر الثاني: أن دين الصبي ودين الأعرابي بعيد عن التكلف وعن الخوض فيما لا يعنيه، ويقصد بذلك العوام أيضاً، فدين الصبي والأعرابي هو ما عليه عموم المسلمين عموم العوام، سواء كانوا عامة أو كانوا صبياناً أو كانوا أعراباً أو نحو ذلك، فهذه الفئات من الناس على السلامة الأصلية؛ لأنهم بعيدون عن الجدال في الدين، وعن التكلف وعن الخوض فيما لا علم لهم به، بل يتورعون عن ذلك، ولذلك نجد -وهذا تأملته كثيراً وأرجو أن تتأملوه معي- أن أكثر العوام الآن أكثر تورعاً من بعض طلاب العلم في الوقوع في المشتبهات الفكرية والعقدية وغيرها، فأكثر العوام عندهم تورع وحساسية فطرية جيدة، وأتمنى لو يبقون عليها، وإن كان قد كثرت الآن المؤثرات والمفسدات للفطرة، لكن مع ذلك لا يزال عموم عوامنا الذين لم يخالطوا أهل الجرب عندهم هذا الحس الصافي؛ والنفور من البدع، كالنفور من المعاصي عندهم، ولذلك يستنكرون بعض المصطلحات وبعض الشعارات والانتماءات والمفاهيم التي سادت بين بعض الشباب، فتجد العوام يستنكرونها، ولا يستوعبونها، وتجد عندهم شيئاً من الحساسية منها، ليس ذلك فقط لجهلهم، وإنما لبقائهم على الفطرة، وهذا معنى قوله: الزم دين الصبي.
كذلك يتميز دين الصبي والأعرابي والعامي في الغالب بالتسليم، فتجد رغم أنه قد يرتكب بعض الأشياء، وقد يتكلم أحياناً بكلام فيه مجازفة، لكن ليس هذا عن تأصيل، بل غالب الصبيان والأعراب والعوام على التسليم لله والتسليم للرسول ﷺ ، ويوقرون ويعظمون كل ما يصدر عن الله، ويوقرون ويعظمون كل ما يصدر عن رسول الله ﷺ ، ومن هنا يوقرون أهل العلم إذا وثقوا فيهم.
ومن هنا أيضاً أحب أن أنبه على خطأ بعض المجتهدين هداهم الله، الذين يحاولون أن يظهروا نقد العلماء أمام ا
стр. 67
مذهب السلف أصحاب الحديث في نصوص الصفات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه].
هذه أيضاً قاعدة، ويقصد بتفسيره تلاوته، بمعنى: أن كل ما وصف الله به نفسه في كتابه أو وصفه به رسوله ﷺ في ذاته وأسمائه وأفعاله وصفاته فتفسيره تلاوته، بمعنى: أنه حق، وليس تلاوته على معنى أنها عبارات جوفاء، بل تلاوته بمعنى أنه كلام الله، فيتلى لأنه حق على حقيقته، ولا نبحث عما وراء الألفاظ إذا كان البحث عما وراء الألفاظ يشكل، ولا نتعمق إلا بقدر ما تدركه مداركنا أو مدارك الناس، فبعض الناس لا يفهم من اللفظ إلا مجرد معناه المعنى المباشر، وبعض الناس قد يفهم المنطوق وما رآه من مفهوم.
فإذاً: ما وصف الله به نفسه تفسيره تلاوته، بمعنى: ألا يتعدى نطقه، وهذا يعتبر قاعدة في منع التأويل؛ لأنه إذا أول لم يكن تفسيره تلاوته، بل تكون تلاوته لها شكل، ومعناه له شكل آخر، وكذلك السكوت عنه، يعني: ليس المراد السكوت عن تحقيقه أو اعتقاده، لكن السكوت عن التنقيب والبحث فيما لا علم للإنسان به.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي وسفيان ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث في الصفات والرؤية فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف.
قال الإمام الزهري إمام الأئمة في عصره وعين علماء الأمة في وقته: على الله البيان، وعلى الرسول ﷺ البلاغ، وعلينا التسليم].
أيضاً هذه من قواعد السلف العظيمة، أما قوله: (أمروها كما جاءت بلا كيف) فالمقصود: أنها تمر كما جاءت على استصحاب الأصول، وقوله: (كما جاءت) أي: أنها جاءت على أنها حق وصدق، وأنها تعني معاني الكمال لله ، هذا معنى (كما جاءت)، وليس كما جاءت حروفاً فقط جوفاء، لذلك بعض المؤولة وبعض المفوضة فهموا من (كما جاءت) أنه ليس لها معانٍ؛ وهذا غلط عظيم؛ لأنها جاءت تعبر عن الكمال لله ، والكمال لله حقيقة، إذاً: هي ألفاظ تتضمن حقيقة، ومعنى: (أمروها كما جاءت) يعني: لا تؤولها، وليس بمعنى: لا تعتقدوا حقيقتها، وهذا هو المعنى المباشر الذي يدركه الإنسان بفطرته وحسه وبالمعنى اللغوي المباشر، فأمروها كما جاءت يعني: أنها جاءت لإحقاق الحق، جاءت على أنها بلسان عربي مبين، جاءت على أنها كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، جاءت على أنها تحكي العقيدة السليمة؛ هكذا جاءت، جاءت على أنها لا تحتاج إلى تأويل متكلف، ولا تحتاج إلى أن نصرفها عن معانيها إلى معانٍ متوهمة ومظنونة.
وكذلك نمرها بلا كيف؛ لأنها جاءت بلا تكييف، فلا داعي لأن نكيفها، وهذا هو المعنى الصحيح، لذلك أجد أن بعض طلاب العلم يتحرز أحياناً من هذه العبارة ويقول: هذه العبارة تؤيد المفوضة، وأقول: ليس بصحيح أبداً، بل هذا نوع من تعبير السلف الصحيح السليم، كما أنا نقول: إنها حق على حقيقتها -أي: ألفاظ كلام الله كذلك نقول: تمر أيضاً كما جاءت، فلا داعي أن يتردد طلاب العلم في هذه العبارة؛ لأنها أثرت عن كثير من السلف، وكونها اتخذت ذريعة للتفويض فهذا لا يعني أنها لا تفسر تفسيراً صحيحاً، أو أننا نتهرب من إثباتها واعتقاد حقيقتها، فهي كلمة جيدة وقاعدة عظيمة.
وكذلك قوله: (على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم)، كذلك هذه تتضمن قواعد عظيمة جداً، وتعتبر من القواعد المثبتة للسنة في بداية نوازع الفرق والأهواء والبدع في وقت الزهري، ففي وقت الزهري ظهرت فرق كثيرة منها: القدرية، ومنها: المرجئة، ومنها: أوائل الجهمية وأوائل المعتزلة؛ لأن الزهري توفي سنة (١٢٥هـ) فـ الزهري توفي في بداية ظهور الفرق، فكان كلامه هذا عبارة عن تقعيد عظيم لقواعد ذهبية، لو جمعت هذه القواعد مع بعض قواعد السلف في كتاب مستقل ونظمت ورتبت وبوبت لكانت كافية عن التكلف في البحث عن أصول الرد عن أهل الأهواء.
يقول: (على الله البيان)، معناه: أن الله بين، بمعنى: أن كلامه بين في أسمائه وصفاته وأفعاله، وفي جميع قواعد الشرع، بين لا يحتاج إلى تأويل بين لا يحتاج إلى تفويض بين لا يحتاج إلى توقف بين لا يحتاج إلى تكييف.
وقوله: (وعلى الرسول البلاغ) معناه: أن الرسول ﷺ بلغ كما أمره ربه، فلذلك يجب على المسلم ألا يستشكل من ألفاظ أحاديث النبي ﷺ كما استشكل أهل البدع، فأهل البدع الآن لا يطيقون أحاديث الصفات، وهذا قدح في بيان النبي ﷺ ، فنراهم إلى اليوم كثير منهم لا يطيق ذكر أحاديث الصفات خاصة؛ لأنهم يرون أنها تعني التجسيم وتعني التشبيه، وأن سياقها وذكرها فيه حرج، وكما قال الرازي مقعداً لهم: إن الرواة رووا بالمعنى فلذلك قالوا: ما لم يقله النبي ﷺ ، وهذه شبهات كبار هوادم للدين، بل هذه معاول، والنبي صلى الله عليه
стр. 68
شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [١١]
لقد أورد علماء الإسلام مناهج الأخلاق وغيرها من الأعمال في كتب العقائد؛ لأنها من العقيدة وداخلة فيها، فالإيمان قول وعمل، والجوانب العملية التطبيقية في العقائد أهم من الجوانب الإيمانية المعرفية؛ لعدم الاختلاف فيها في الغالب، فقد يقر ويعترف بها المسلم والمنافق، لكن المحك هو العمل.
стр. 69
النصوص والآثار الموضحة بأن مناهج الأخلاق وغيرها من الأعمال من العقيدة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن بعض السلف: قدم الإسلام لا يثبت إلا على قنطرة التسليم.
وقال رسول الله ﷺ : (إن هذا الدين بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: الذين يحيون سنتي من بعدي، ويعلمونها عباد الله).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: المتبع للسنة كالقابض على الجمر، وهو اليوم عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله.
وعن مسروق قال: دخلنا على عبد الله بن مسعود ﵁ فقال: يا أيها الناس! من علم شيئاً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦].
وعن محمد بن كعب القرظي قال: (دخلت على عمر بن عبد العزيز، فجعلت أنظر إليه نظراً شديداً، فقال: إنك لتنظر إلي نظراً ما كنت تنظره إلي وأنا بالمدينة، فقلت: لتعجبي، فقال: وممَ تعجب؟ قال: قلت: لما حال من لونك، ونحل من جسمك، ونفى من شعرك، قال: كيف ولو رأيتني بعد ثلاثة في قبري، وقد سالت حدقتاي على وجنتي، وسال منخراي في فمي صديداً؟ كنت لي أشد نكرة، حدثني حديثاً كنت حدثتنيه عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قلت: حدثني عبد الله بن عباس ﵄ يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ قال: إن لكل شيء شرفاً، وأشرف المجالس ما استقبل به القبلة، لا تصلوا خلف نائم ولا محدث، واقتلوا الحية والعقرب وإن كنتم في صلاتكم، ولا تستروا الجدر بالثياب، ومن نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فإنما ينظر في النار، ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الذي يجلد عبده، ويمنع رفده، وينزل وحده، أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ الذي يبغض الناس، ويبغضونه، أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ الذي لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة ولا يغفر ذنباً، أولا أنبئكم بشر من ذلك؟ الذي لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره، من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يد غيره، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله، إن عيسى ﵇ قام في قومه فقال: يا بني إسرائيل! لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، ولا تظلموا، ولا تكافئوا ظالماً، فيبطل فضلكم عند ربكم، الأمور ثلاثة: أمر بين رشده فاتبعوه، وأمر بين غيه فاجتنبوه، وأمر اختلف فيه فكلوه لله ].
في هذه الآثار وما تخللها أيضاً من عظات ونصائح يتبين لنا جانب من جوانب مناهج السلف كثيراً ما يوردونه في كتب الآثار وكتب السنن وكتب العقائد، حتى إن بعض الناس قد يقول: لماذا يوردون هذه الجزئيات والأحكام في باب العقائد؟ وهي في جميع كتب السنة المطولة إلا النادر، مثل كتب اللالكائي وكتب الصابوني وكتب ابن بطة وابن خزيمة وغيرهم من أئمة السلف، نجد أن هؤلاء في الكتب المطولة يسمونها كتب العقائد والآثار والسنن يوردون مثل هذه المعاني، وهي متفرقة كما ترون من خلال سياقها هنا، لكن يجمعها جانب منهجي إذا عرفناه أرجعنا كل جزئية إلى أصولها، هذا الجانب المنهجي هو أن السلف يرون أن مسألة السلوك والآداب وأساليب التعامل مع الناس ومع الآخرين، أو أساليب التعامل مع الأشياء أنها من مناهج الدين، بصرف النظر عن جزئياتها التي يختلف عليها، فقواعد الآداب من مناهج الدين، وقواعد السلوك من مناهج الدين، وقواعد التعامل مع الآخرين؛ والتعامل مع الأشياء، والتعامل مع الأمور ومع الأحداث كلها من مناهج الدين، وكذلك جانب الموعظة والرقائق والزهديات من مناهج الدين، وجانب أسس الأخلاق -وهو أهم هذه الأمور- أيضاً من مناهج الدين، فلذلك كانوا يوردون هذه الأمور على سبيل الاستشهاد بما ترجع إليه أصولها، ولذلك ورد في آخر أثر عمر بن عبد العزيز وما أورده له أيضاً زائره -وهو محمد بن كعب القرظي - بعض القضايا المنهجية التي فيها إشارة إلى ما ذكرته.
فمن ذلك: الاستفادة من الحكم التي وردت وأثرت عن بني إسرائيل، سواء نسبت إلى التوراة والإنجيل أو إلى غيرهما، وهذه خاضعة للقاعدة التي نبه عليها النبي ﷺ بقوله: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)، وأنهم لا يصدّقون ولا يكذّبون؛ لأنه قد يرد عنهم بعض الأشياء التي تعتبر من المناهج العامة في الدين، أو المناهج العامة في الأخلاق والسلوكيات، لكنها لا تؤخذ تشريعاً، إنما تؤخذ كمناهج؛ لأن مناهج الأنبياء متفقة؛ لأن المناهج داخلة في باب العقائد، فمثلاً: لا يعقل أن يك
стр. 70
الأسئلة
стр. 71
حكم المخالف لما ثبت بالكتاب والسنة
السؤال
المخالف لما ثبت بالكتاب والسنة أيكون كافراً أو يكون فاسقاً أو يكون عاصياً؟
الجواب
المخالفة تختلف من حال إلى حال ومن شخص إلى شخص، فإذا كانت المخالفة للثابت في الكتاب والسنة ينبني عليها اعتقاد فاسد فهي كفر، لكن لا يلزم أن يحكم بكفر قائلها حتى يتثبت من حاله، فقد يكون جاهلاً وقد يكون متأولاً، أما من خالف الكتاب والسنة مخالفة عملية لا تعتبر مضادة للكتاب السنة، مع الإقرار بأخذ الحق، كأن يؤمر بأمر ويتركه دون الفرائض، أو ينهى عن شيء ويفعله من صغائر الذنوب وكبائرها فهذا فاسق ومرتكب كبيرة إذا كان الأمر من الكبائر، ويسمى عاصياً، فإن كلمة (عاصي) تنطبق على الأمرين، وليست من الألفاظ والأسماء والأحكام الحدية، لكن الغالب أن المعاصي تطلق على الكبائر والصغائر لا على الكفريات، هذا هو الغالب، وعلى هذا العاصي هو المسلم الذي يقع في الكبائر أو في الصغائر، فعلى أي حال هذه من الألفاظ التي لا نستطيع أن نحكم على أصحابها إلا بالتثبت من حالهم، فالمخالف إن خالف معلوماً من الدين بالضرورة أو قطعيات الكتاب والسنة بعد إقامة الحجة فهذا كفر، أما إذا كان خالف مع عدم قيام الحجة أو مع وجود المعاذير له أو احتمال المعاذير له فلا يحكم بكفره، وإن كان قوله أو فعله كفراً.
стр. 72
شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [١٢]
الإيمان باليوم الآخر وبالبعث بعد الموت يوم القيامة وما يقع منه من أركان الإيمان، فيجب الإيمان بكل ذلك على حقيقته كما وصفه الله تعالى من غير تعطيل ولا تأويل، كما يجب الإيمان بالحوض والميزان والرؤية والجنة والنار كما وردت بها النصوص.
стр. 73
عقيدة السلف أصحاب الحديث في البعث بعد الموت
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، وبكل ما أخبر الله سبحانه من أهوال ذلك اليوم الحق، واختلاف أحوال العباد فيه، والخلق فيما يرونه ويلقونه هنالك في ذلك اليوم الهائل من أخذ الكتب بالأيمان والشمائل، والإجابة عن المسائل، إلى سائر الزلازل والبلابل الموعودة في ذلك اليوم العظيم، والمقام الهائل من الصراط والميزان، ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير والشر وغيرها].
يحسن الإشارة في هذا المقطع الذي ذكر فيه بعض أحوال القيامة إلى أنه يقصد بذلك الإيمان بهذه الأمور على حقيقتها، وأنها حق كما وصفها الله ؛ لأن هناك طوائف من أهل الافتراق في هذه الأمة يقرون بهذه الأمور، لكنهم يتأولونها على غير حقيقتها، فيئول الأمر إلى التعطيل والإلحاد، فيؤولون الصراط بالعدل، وقد يؤولون الميزان كذلك أيضاً بالعدل، وقد يؤولون أيضاً الحوض على غير معنى حسي، ويؤولون الكوثر على غير معنى حسي وهكذا يؤولون كثيراً من مشاهد القيامة بأمور وأحوال معنوية، وهذه نزعة فلسفية نبعت عن مذاهب الفلاسفة التي تنكر ما جاء به الأنبياء أصلاً، لكن بعض الفلاسفة الإسلاميين الذين أخذوا من مناهج بعض الفرق أرادوا التلفيق بين أصول الفلاسفة وبين ما جاء به الأنبياء، فزعموا أنهم يؤمنون بأحوال القيامة التي ذكرها الشارح وغيرها، وأنها حق، لكنهم زعموا أنها أمور معنوية تحدث للأرواح لا للأجساد، وأنها ليس فيها حسيات، أو أنها أمور تحكي أحوالاً معنوية قلبية، أو أحوالاً تحدث للروح، أو أنها وعيد جاء للردع، ووعد جاء للترغيب دون أن تكون لها حقائق.
فالشاهد: أن هذه الأمور كثير من الناس قد يقر بها، لكنهم يتأولونها على غير حقيقتها، فيتميز منهج أهل السنة والجماعة بالإيمان بأحوال القيامة على حقيقتها، وأنها حق كما وصفها الله ، لكنها غائبة عنا من حيث الكيفيات، وإن كانت قد تتشابه في معانيها وألفاظها وحقائقها المجملة مع ما نحسه في الدنيا، لكنها مع ذلك تختلف اختلافاً كبيراً واختلافاً كثيراً بنص القرآن والسنة.
وما يحدث للناس يحدث لأرواحهم وأجسامهم، سواء من النعيم أو العذاب أو مما يدركونه ويحسونه ويتجاوزونه من المشاهد والأحوال، كل ذلك أمور حق على حقيقتها ليست أمثالاً تضرب ولا خيالات، وليست ترمز إلى مجرد معان وغير ذلك مما أولها به المتأولون.
стр. 74
عقيدة السلف أصحاب الحديث في الشفاعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويؤمن أهل الدين والسنة بشفاعة الرسول ﷺ لمذنبي أهل التوحيد ومرتكبي الكبائر، كما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ ].
الشيخ هنا جعل مذنبي أهل التوحيد صنفاً ومرتكبي الكبائر صنفاً، وربما يقصد عطف الخاص على العام، لكنه أيضاً ربما يقصد المغايرة؛ لأن بعض أهل العلم قالوا: إن صاحب الذنوب قد يستحق العذاب وإن لم تكن كبائر، لكن الصحيح والمحقق أن الذنوب الصغائر التي قد يعذب بها من يموت عليها هي الصغائر التي لا تعقبها توبة ويستمر عليه الإنسان، ولذلك من قواعد كثير من السلف أن الصغائر إذا تكاثرت تكون كبائر، والصغائر إذا أصر عليها أصحابها تكون كبائر، فعلى هذا يكون مرجع العبارتين واحداً، وهو أن المقصود به: مذنبي أهل التوحيد الذين أصروا على الذنوب وماتوا بدون توبة، وهذا نوع من أنواع الكبائر.
وهذه الشفاعة التي سيستدل لها هي جزء من شفاعات النبي ﷺ ؛ لأن شفاعاته ﷺ التي ثبتت بالنصوص كثيرة، أوصلها بعضهم إلى ثمانٍ، والثابت منها ست.
هذا الذي لا شك فيه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي).
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة فاخترت الشفاعة؛ لأنها أعم وأكفى، أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين).
وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث: إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، خالصاً من قبل نفسه).
стр. 75
عقيدة السلف أصحاب الحديث في الحوض والكوثر والرؤية
ويؤمنون بالحوض والكوثر، وإدخال فريق من الموحدين الجنة بغير حساب، ومحاسبة فريق منهم حساباً يسيراً، وإدخالهم الجنة بغير سوء يمسهم وعذاب يلحقهم، وإدخال فريق من مذنبيهم النار، ثم إعتاقهم أو إخراجهم منها، وإلحاقهم بإخوانهم الذين سبقوهم إلى الجنة، ولا يخلدون في النار.
فأما الكفار فإنهم يخلدون فيها، ولا يخرجون منها أبداً، ولا يترك الله فيها من عصاة أهل الإيمان أحداً.
ويشهد أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم ﵎ بأبصارهم، وينظرون إليه على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ في قوله: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)، والتشبيه وقع للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي، والأخبار الواردة في الرؤية مخرجة في كتاب (الانتصار) بطرقها].
قوله: (والتشبيه للرؤية بالرؤية) يقصد في الوضوح والجزم والتحقق، شبّه الله رؤية المؤمنين له سبحانه -نسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم- يوم القيامة في الجنة برؤية الناس المبصرين للشمس والقمر وهما طالعتان بارزتان بوضوحهما وعدم إمكان الإنكار لمن يرى، ولذلك قال في الحديث الآخر: (لا تضامون) أي: لا أحد يستطيع أن ينكر عليكم فيضيمكم؛ لأن الإنسان لو كان يرى الشمس وعنده واحد آخر وقال له: هذه الشمس طالعة ثم قال له: تكذب، يكون بذلك ضامه وظلمه، ويكون هذا من أشد الظلم، فهذا مما يدل على حقيقة رؤية المؤمنين لربهم، لا يضامون، ولا أحد يستطيع أن ينكر رؤيتهم، ومن أنكر فهو المكابر الكافر المعاند، نسأل الله السلامة.
الشاهد أنه قال: (والتشبيه للرؤية بالرؤية)، في الوضوح والجزم واليقين وعدم مجال الإنكار فيها أو عدم اللبس، لا المرئي للمرئي، بمعنى: أننا فعلاً لا نشبه الله بهذين المخلوقين الشمس والقمر، والله ليس كمثله شيء.
والرؤية هنا التي جزم بها أهل الحق هي الرؤية التي تواترت بها النصوص، وهي الرؤية التي تكون للمؤمنين في الجنة، لكن هناك نوع من أنواع الرؤية اختلف فيه، وهو رؤية الناس لربهم في المحشر.
ثبت في النصوص الشرعية أن الناس يرون ربهم، لكن ما حقيقة هذه الرؤية؟ الله أعلم؛ لأنه ما ورد أنها بصرية جزماً، ومن هنا وقع الاختلاف في حقيقتها لا في وقوعها، أما وقوعها فليس محل خلاف.
كذلك رؤية النبي ﷺ لربه في المعراج، هل هي رؤية عينية أو قلبية؟ والراجح أنها رؤية قلبية، لكنها خاصة بالنبي ﷺ تميّز بها، وأيضاً لها معان وحقائق تليق بالنبي ﷺ ؛ لأن الله قوى قلبه على مثل ذلك.
وتقييد الرؤية بيوم القيامة جيد، وهو مقتضى النصوص؛ لأن هناك من يدّعي أنه يرى ربه في الدنيا، والآن غلاة الصوفية وغلاة العُبّاد وبعض الفلاسفة وبعض أشباه المجانين المهسترين من بعض المفكرين والعقلانيين وغيرهم يدّعون أنهم يرون ربهم، بل زعم بعضهم أنه يرى ربه مباشرة أو يتحد بربه، حتى إن بعضهم يصل به الأمر إلى الانتحار، ويصل إلى هذه الحقيقة بدعوى أنه يرى ربه في الدنيا، كما حصل من التلمساني -فيما أظن- وبعض العُبّاد الجهلة، فهناك من يدّعي أنه يرى ربه في الدنيا، وهذه الدعوى باطلة لا شك بالإجماع، ومن ادعى أنه يرى ربه في الدنيا فقد أعظم على الله الفرية، كما قالت عائشة ﵂، فـ العفيف التلمساني انتحر آخر أمره، أراد أن يتحد بربه وأن يراه؛ لأنه استحوذت عليه الشياطين، فلما عجز انتحر.
следующие страницы →