Полный текст (134 стр.). Показаны 106–134 · переход к 111.
стр. 106
القول في تكفير عموم الرافضة
السؤال
هل هناك من أهل العلم من لم يكفر الرافضة؟
الجواب
هذا السؤال فيه غموض، وقد يلتمس العذر لعوامهم والجهلة.
والسلف لم يكونوا يتكلمون عن العوام والجهلة، والحقيقة أن هذه الأمور وقع فيها الخوض عند المتأخرين، وإلا فقد كان المعروف عند الناس عموماً وعند طلاب العلم على وجه الخصوص أن الأحكام دائماً تنبني على رءوس أهل البدع وشيوخهم، وتنبني على أصولهم وقواعدهم وعلى عقائدهم، ولا تنبني على أفراد ولا على العوام، فالحكم على الشيء بما اشتهر به وبما عليه أصوله، فالأصول سواء كانت أشخاصاً أو مذاهب هي التي عليها الحكم، فلا يكفر أصحاب ملة كلهم لمجرد أنه يرى من عوامهم شيء من الجهل بعقائدهم، ومن فعل ذلك فهذا ما عرف القاعدة، فالقاعدة: هي أن الحكم على كل شيء يكون على أصوله وعلى مؤسسيه، أما الأفراد فلاشك أن السلف كانوا يفصلون في مسألة العوام والأتباع.
стр. 107
مدى صحة قول: (كل خلافة في مسجد رسول الله ﷺ فهي خلافة إسلامية)
السؤال
ذكر شيخ الإسلام عن الإمام أحمد رحمهما الله بأنه قال: كل خلافة في مسجد رسول الله ﷺ فهي خلافة إسلامية صحيحة.
فهل هذا القول يكون عاماً حتى في العصور المتأخرة عن عصر الصحابة؟
الجواب
ما فهمت أنا المقصود بالكلام، والشأن هو في ثبوت هذا عن الإمام أحمد، ثم إذا ثبت ما معنى قوله: كل خلافة في مسجد الرسول ﷺ فهي خلافة إسلامية صحيحة؟ كذلك قوله: خلافة إسلامية صحيحة، فيها نظر، والعبارة ليست من عبارات الإمام أحمد.
وعلى أي حال ربما يقصد الإمام أحمد الأمر الذي وقع عن الخلفاء الراشدين؛ فإنهم كانوا في المدينة، ومع ذلك يبقى هذا الكلام ليس نصاً شرعياً.
стр. 108
حكم تفضيل علي على عثمان ﵄
السؤال
هل يضلل من فضل علياً على عثمان في الفضل والخلافة؟
الجواب
تفضيل علي على عثمان بدعة؛ لأن الذي استقر عليه مذهب السلف والأئمة هو تفضيل عثمان على علي، إلا النادر منهم.
فالسلف اتفقوا على تفضيل عثمان على علي، وما أثر عن بعض السلف من أنهم فضلوا علياً على عثمان فقد تراجعوا عنه، مع أنهم قلة، إلا ما أثر عن الحاكم النيسابوري أنه يفضل علياً على عثمان، لكن هذا قليل، وكذلك عبد الرزاق بن همام كان يفضل علياً على عثمان، لكن هذه آراء قليلة بمثابة زلات لبعض أهل العلم، وقعت الشبهة في أذهانهم، وإلا فإنه بعد استقراء النصوص عن النبي ﷺ واستنفاذ الرواية وجمعها تبين قطعاً عند السلف أن الخلفاء الأربعة ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الإمامة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، هذا ما عليه الجمهور، وعلى هذا يعتبر عقيدة، ومن خالفه فهو مبتدع، فإن كان هذا عن شبهة من عالم فتعتبر زلة من العالم ولا يبدع بها، وإن كان ممن ليس من أهل العلم الذين يعذرون بعلمهم فلاشك أن هذا بدعة.
هذا خلاصة ما استقر عليه السلف: أن تفضيل علي على عثمان بدعة، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 109
شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [١٧]
يعتقد أهل السنة جواز الصلاة خلف كل إمام مسلم براً كان أو فاجراً، وكذلك جهاد الكفرة مع الأئمة سواء كانوا عادلين أو ظالمين جائرين، ويرون الدعاء للأئمة بالصلاح والتوفيق، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف، لما في ذلك من تحقيق الجماعة والأمن للأمة، ويرون الكف عما شجر بين الصحابة، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيباً أو تنقصاً منهم ﵃ وأرضاهم.
стр. 110
عقيدة السلف أصحاب الحديث في الصلاة خلف البر والفاجر والجهاد معهم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم براً كان أو فاجراً].
كما هو معلوم أن الشيخ وأئمة السلف جميعاً يقصدون بأصحاب الحديث أهل السنة والجماعة.
وأصحاب الحديث يرون إقامة صلاة الجمعة بشروطها وضوابطها في كل مكان، وليس فقط في الأمصار التي حددتها بعض الفرق أو بعض الفقهاء، ففي جميع أمصار المسلمين تقام صلاة الجماعة وكذلك العيدين وجميع الصلوات الخمس خلف كل إمام مسلم، سواء كان الإمام الأكبر الخليفة، أو ولاته الذين يتولون الصلاة في كل مكان، أو من ولوا وعينوا في المساجد من قبل الولاة والدولة.
فالأصل صحة الصلاة معه براً كان أو فاجراً، لكن الصلاة خلف الوالي أوجب من الصلاة خلف غيره، بمعنى أنه قد يشرع لجماعة المسجد ألا يقدموا من كان فيه فجور إذا لم يكن هو الإمام الأعظم أو الوالي، بمعنى: أنه إذا كان ليس هو الإمام الوالي أو الإمام الأعظم أو الخليفة أو من كان له ولاية عامة، فإنه لا ينبغي أن يتقدم إن كان فاجراً، ومع ذلك إذا تقدم فقد تصح صلاته، أما إذا كان والياً والناس لا يستطيعون أن يزيحوه عن الإمامة فتنبغي الصلاة خلفه؛ درءاً للفتنة والفرقة والفساد، وإن كان فيه فجور أو ظلم، فقد كان السلف يصلون وراء الحجاج، وهكذا بعض الصحابة كانوا يصلون خلفه رغم أنه ظالم.
فإذاً: شروط الإمامة ومواصفات الإمام يجب العمل بها عند الاختيار، أما عند الاضطرار -بمعنى: أن يكون الإمام له الولاية- فهنا لا ينبغي للمسلمين أن يشقوا عصا الطاعة، ولا يتركوا الصلاة خلف هذا الإمام، بل يصلوا حتى وإن كان فيه فجور وظلم، وصلاته إن شاء الله صحيحة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جورة فجرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف، وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف].
وكذلك يرون الصبر على الأثرة منهم، وكل هذه الأمور راجعة إلى أحاديث صحيحة جاءت عن النبي ﷺ ، وهي من وصاياه العظيمة التي أوصى بها هذه الأمة؛ فقد أوصاهم بالصلاة خلف كل إمام مسلم براً كان أو فاجراً، والجهاد مع أئمة المسلمين أبراراً كانوا أو فجاراً، والدعاء لهم بالصلاح والتوفيق والهداية والدعاء لهم علناً وسراً، فالدعاء لهم مشروع، بل هو من مراعاة مصالح المسلمين العظمى ومن تطبيق السنن التي أوصى النبي ﷺ الأمة بها.
وذلك كله راجع إلى قاعدة عظمى جامعة: وهي الصبر على الولاة والصلاة خلفهم وإن كان عندهم فجور، والجهاد والدعاء لهم وغير ذلك من الأمور، وعدم جواز الخروج عليهم أو إثارة الفتنة أو الفرقة عليهم، كل ذلك راجع إلى قاعدة عظيمة من قواعد الدين، تنظمها النصوص الكثيرة التي وردت عن النبي ﷺ ، والنصوص إذا تكاثرت وكانت تتعلق بمصلحة عظمى من مصالح الأمة صارت من ضمن العقائد التي يجب التزامها، فالسلف ﵏ جعلوا هذا من ضمن العقائد التي تميز منهج أهل السنة والجماعة، ومن منهج السلف الصالح الحديث عن مناهج المخالفين، فكل هذه الأمور التي ذكرها راجعة إلى قاعدة عظيمة: وهي أن الجماعة وتحقيق الأمن ودرء الفتن والفرقة والشذوذ من مقاصد الدين العظمى.
أولاً: تحقيق الجماعة بكل معانيها، أي: الاجتماع وعدم الفرقة؛ وذلك مقصد عظيم من مقاصد الشرع، وهذا المقصد نجد أن النصوص تشعر المسلمين -بل توجب عليهم- بأن لا مساومة فيه، ولذلك ورد في الحديث الصحيح أن من جاء يفرق جمع المسلمين فيجب قتله براً كان أو فاجراً، بل يجب قتله كائناً من كان، كما ورد في مسلم وغيره، وفي قوله: (كائناً من كان) إشارة إلى أنه حتى لو كان عالماً زل أو أخطأ، أو كان من أهل التقى والصلاح إذا كان عمله يؤدي إلى الفرقة بين المسلمين فهذا الأمر لا مساومة فيه.
إذاً: هذه المعاني جاءت لتحقيق الجماعة.
ثانياً: تحقيق الأمن للأمة، والأمن لا مساومة فيه أيضاً؛ لأنه لا يمكن أن يستقيم الدين وتقام الصلوات وشعائر الإسلام والحدود، ولا يمكن أن يأمن الناس على دينهم ودنياهم إلا بالأمن، فنظراً إلى أن ترك الصلاة خلف الأئمة وترك الجهاد معهم وترك الدعاء لهم والخروج عليهم أو إثارة الفتنة ضدهم كلها تؤدي إلى الإخلال بالأمن، فلذلك اعتبرها الشرع، كما ورد في الآيات والأحاديث أن الإخلال بالأمن من الأمور العظمى التي لا مساومة فيها.
كذلك درء الفتن أيضاً ودرء المفاسد العظمى على الأمة ودرء الفرقة والشذوذ أيضاً من مقاصد الشريعة، فهذه كلها من مقاصد الدين العظمى ومصالح الأمة الكبرى التي لا يجوز لأحد من المسلمين أن يساوم عليها، ولذلك جاء التأكيد في هذه المعاني، فيجب عدم اتخاذ الفجور أو الظلم ذريعة لخرق هذه القواعد، والأدلة على هذا صريحة كما هو معلوم.
стр. 111
عقيدة السلف أصحاب الحديث فيما شجر بين الصحابة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويرون قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى طاعة الإمام العدل.
ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﵌، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيباً لهم ونقصاً فيهم، ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم، وكذلك يرون تعظيم قدر أزواجه ﵅، والدعاء لهن، ومعرفة فضلهن والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين].
الترضي عن الصحابة ﵃ والكف عما شجر بينهم والمولاة لهم، وكذلك تعظيم أزواج النبي ﷺ ومعرفة قدرهن، كل هذه الأصول مبنية على نصوص قطعية، وعلى إجماع السلف أيضاً، فالصحابة ﵃ زكاهم الله ورضي عنهم، والنبي ﷺ رضي عنهم وتوفي وهو عنهم راضٍ، وأوصى الأمة بحقوقهم، ونهى عن سبهم وعن القدح فيهم، فإذاً التزام هذه الأمور -أي: حقوق الصحابة- أصل من أصول الدين؛ لأنها من وصايا النبي ﷺ ، فهي جزء من الدين وليست مجرد رأي، والسلف عندما يقولون: نرى كذا ونرى كذا فإنهم يعنون بذلك استخلاص هذه القواعد من النصوص، وليس عند السلف شيء يعتقد إلا ويستند على نص صحيح، وما من شيء من أصول السلف، سواء كان من الأمور الاعتقادية العلمية أو العملية، يرونه ويتفقون عليه إلا ويكون له دليل من النص، إما مجموعة نصوص وهو الغالب، أو من نص قاطع، أو قاعدة شرعية استنتجت من عدة نصوص، فعلى هذا فهذه الأمور ليست مجرد رأي مقابل الآراء الأخرى، إنما هي الدين الذي جاء به النبي ﷺ ، ويجب على المسلم أن يدين بهذه الأمور.
فهذه القواعد والمناهج استخلصت من عموم النصوص، ولو سردت جميع النصوص لاحتيج إلى مجلدات، فالسلف اعتادوا أنهم يلخصون العقيدة على هذا المنهج من مجموع النصوص الثابتة.
стр. 112
عقيدة السلف أصحاب الحديث في أن دخول الجنة برحمة الله تعالى وفضله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويعتقدون ويشهدون أن أحداً لا تجب له الجنة وإن كان عمله حسناً وطريقه مرتضى إلا أن يتفضل الله عليه، فيوجبها له بمنه وفضله؛ إذ عمل الخير الذي عمله لم يتيسر له إلا بتيسير الله عز اسمه، فلو لم ييسره له ولو لم يهده لم يهتد له أبداً، قال الله : ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٢١] وقال مخبراً عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] وفي آيات سواهما].
معنى هذا أن أهل السنة يرون أنه لا أحد يستحق الجنة على الله بمجرد عمله، بل بفضل الله ومنه وكرمه؛ لأن دلالة المسلم الموفق على العمل الذي يدخله الجنة إنما هي بتوفيق الله، فلا فضل له بعمله إنما يستحق الإنسان الجنة بفضل الله ورحمته، ولا تجب له استحقاقاً -أي: وجوباً- على الله، أو أنه ضمن ذلك بعمله.
стр. 113
عقيدة السلف أصحاب الحديث في آجال العباد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويعتقدون ويشهدون أن الله أجل لكل مخلوق أجلاً، وأن نفساً لن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً، وإذا انقضى أجل المرء فليس إلا الموت، وليس له منه فوت، قال الله : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران:١٤٥].
ويشهدون أن من مات أو قتل فقد انقضى أجله].
في هذا رد على طوائف من المعتزلة وبعض القدرية الذين زعموا أن المقتول مات قبل أجله الذي قدره الله له، وهذا راجع إلى فلسفة خبيثة عند القدرية عموماً وبعض طوائف المعتزلة الذين قالوا هذا القول، زعموا فيها أن الشر والمكروه -بما فيه القتل- ليس من تقدير الله، وليس من خلق الله، بل هو من فعل القاتل استقلالاً دون أن يكون لله في ذلك سابق تقدير، وذلك راجع إلى فلسفة في الشر، فهم يرون الشر ومنه القتل ليس من تقدير الله، وأنه من فعل الإنسان استقلالاً عن تقدير الله وعن خلقه، فمن هنا زعموا أن هذا الإنسان الذي قتل قتل دون أن يقدر له القتل، فكأنه سبق ما قدره الله من موت هذا المخلوق، أي: أن فعل القاتل سبق تقدير الله، وهذا لاشك أنه باطل مبني على فلسفة معقدة وهي فلسفة القدرية.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الله : ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤]، وقال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨]].
стр. 114
ابتلاء الله العباد بالشياطين ووسوستهم
قال رحمه الله تعالى: [ويعتقدون أن الله سبحانه خلق الشياطين يوسوسون للآدميين، ويقصدون استزلالهم، ويترصدون لهم، قال الله : ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١].
وأن الله يسلطهم على من يشاء، ويعصم من كيدهم ومكرهم من يشاء، قال الله : ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٦٤ - ٦٥].
وقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠] الآية].
مسألة تسليط الشيطان وأن الله ابتلى به العباد فجعله موسوساً، وجعله فتنة للخلق إلى يوم القيامة هذه من الأمور المحققة شرعاً، ولابد من التنويه عنها والإشارة إليها دائماً؛ لأن أكثر الذين يتحدثون عن انحراف البشر الآن، وحتى عن انحراف المسلمين وما عندهم من معاصٍ وفجور وتقصير في حق الله وإعراض عن دين الله ، كثير من الذين يعالجون هذه القضايا حتى ممن ينتسبون للعلم الشرعي، يغفلون عن هذا، خاصة أصحاب الدراسات الاجتماعية والنفسية وغير ذلك، وينسون هذه القضية وهي قضية أن الله ابتلى العباد بالشيطان ووساوس الشيطان، فتجدهم يتكلفون في كثير من أسباب الغواية والضلال والانحراف والفساد وغير ذلك، وينسون هذه القضية قضية تسليط الشيطان على بني آدم، وأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، وأن له سلطاناً على الذين يتولون الذين يغفلون عن ذكر الله ، وأن أعظم أسباب الانحراف هو كيد الشيطان.
أقول: ينبغي التنويه عن هذه المسألة والإشارة إليها والتنبيه عليها من الذين يتولون هذه الأمور من الوعاظ والدارسين، وأيضاً من المختصين في علاج المشكلات الاجتماعية والحسبة وغيرها، فكثير من الذين يتناولون هذه القضية يحتاجون إلى تنبيه الناس إلى أن مكائد الشيطان عظيمة، وأن الشيطان يخالط الأفراد، ويخالط الأسر في بيوتها، ويخالط الناس في مجالسهم إذا لم يذكروا الله وغفلوا عن الأسباب الشرعية التي تطرد الشيطان، هذه مسألة التنبيه عليها مهم جداً؛ لأن الناس غفلوا عن هذه الحقيقة.
стр. 115
عقيدة السلف أصحاب الحديث في السحر والسحرة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويشهدون أن في الدنيا سحراً وسحرة، إلا أنهم لا يضرون أحداً إلا بإذن الله ، قال الله : ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، ومن سحر منهم واستعمل السحر واعتقد أنه يضر أو ينفع بغير إذن الله تعالى فقد كفر].
معنى هذا أن حقيقة السحر قد تنفع أو تضر لكن بإذن الله ، فالسحر قد يكون فيه نفع وقد يكون فيه ضرر أيضاً، لكن هذا النفع والضرر من باب المحرم، وقد يكون من باب الشرك، وهو أيضاً من تقدير الله وليس من استقلالية السحرة أو الشياطين، فالله إذا قدر على بعض العباد الشر فقد يكون من خلال السحر أو فعل السحرة، فالسحر له حقيقة وله تأثير، لكن تأثيره بإذن الله وابتلاء بالعباد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإذا وصف ما يكفر به استتيب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه].
إذا وصف الساحر أشياء شركية أو كفرية كأن يطلب الذبح لغير الله أو الذبح من غير تسمية، أو يطلب الدعاء لغير الله، أو يطلب شيئاً مما يوجب الردة كالاستهزاء بدين الله ، أو الاستهزاء بالقرآن، أو الإساءة إلى القرآن أو نحو ذلك فهذا كفر، وهذا يحدث كثيراً من السحرة، يحدث منهم أن يطلبوا من الجهلة الذين يرتادونهم شيئاً مما يقتضي الردة والكفر، وكثير من الجهال يظنون أن هذا من مقتضيات العلاج العادي، أو أنه علاج ليس فيه شركيات، وأغلب العوام وأشباه العوام لا يعرفون ولا يميزون، لاسيما وأن السحرة يلبسون على الجهلة، فكثير من السحرة الآن مثلاً إذا أراد أن يقوم بعمل يعمله يتلو على من عنده آيات من القرآن ويستغفر، ويأتي بأشياء من الموهمات والأوراد والذكر ويحوقل، ثم يصطاد المسلم الجاهل الغر بالسحر وبالشرك، وقد نُقِل لنا هذا كثيراً عن السحرة الموجودين الآن، فالواحد منهم يخلط الحق بالباطل ويلبس، وقد يتظاهر بأنه صالح، وأنه يستعين بالله ، ثم يوقع هؤلاء الأغرار المساكين في الشركيات.
فالمهم أنه إذا طلب شيئاً شركياً أو ادعاء الغيب أو نحو ذلك فهذا كفر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإذا وصف ما ليس بكفر أو تكلم بما لا يفهم نهي عنه، فإن عاد عزر].
كأن يطلب أشياء غريبة أو يستعمل أرقاماً، أو يستعمل تمتمات وكلمات غير مفهومة، أو يلبس على الناس بأحوال غامضة كأن يستعمل الغرف المظلمة أو الإضاءة غير الطبيعية، أو يستعمل الخرق وغيرها يعني: أيُّ أمر لا يعرف له وجه شرعي ولا وجه معتاد فهذا نوع من الشعوذة، قد لا تصل إلى حد الردة والكفر، لكنها شعوذة ومن كبائر الذنوب، ومع ذلك فالغالب أنها لا تكون إلا من خلال من يستعمل الكفريات، وحتى لا نجعل هذه تبرئة لمن يستعملونها مطلقاً نقول: قد تكون وسيلة إلى استعمال كفريات من حيث يشعر الإنسان أو لا يشعر.
فالمهم أن استعمال هذه الطلاسم والألغاز والعبارات غير المفهومة والطلبات غير المفسرة والأدوية التي لا تجري العادة بأن لها نفعاً هذا كله يدخل في الشعوذة والدجل، وهو مما لا يفهم، وأغلبه من كبائر الذنوب أو الكفر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإن قال: السحر ليس بحرام، وأنا أعتقد إباحته، وجب قتله؛ لأنه استباح ما أجمع المسلمون على تحريمه].
стр. 116
الأحكام والعبادات وعلاقتها بالعقيدة
قال رحمه الله تعالى: [ويحرم أصحاب الحديث المسكر من الأشربة المتخذة من العنب أو الزبيب أو التمر أو العسل أو الذرة أو غير ذلك مما يسكر، يحرمون قليله وكثيره، ويجتنبونه، ويوجبون به الحد.
ويرون المسارعة إلى أداء الصلوات وإقامتها في أوائل الأوقات أفضل من تأخيرها إلى آخر الأوقات.
ويوجبون قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام، ويأمرون بإتمام الركوع والسجود حتماً واجباً، ويعدون إتمام الركوع والسجود بالطمأنينة فيهما، والارتفاع من الركوع والانتصاب منه والطمأنينة فيه، وكذلك الارتفاع من السجود، والجلوس بين السجدتين مطمئنين فيه من أركان الصلاة التي لا تصح إلا بها].
كل هذه الأمور التي ذكرها المصنف تدخل في الأحكام والعبادات، وأحياناً يذكر بعض السلف ومنهم الصابوني هنا بعض الأشياء الاجتهادية التي يرجحها على مذهبه، فمثلاً: قوله: (يوجبون قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام) هذا قول من أقوال الشافعية وليس هو القول الراجح عند جمهور أهل الحديث، وإن كان محل خلاف، لكن أقصد أنه لا يدخل في باب الأمور التي يتميز بها أهل السنة عن غيرهم، بل هو من الخلافيات عند أهل السنة.
أما مسألة إتمام الركوع والطمأنينة فلاشك أنه رأي جمهور أهل السنة، بل اتفاق أهل السنة والجماعة، وهذا فيه إشارة إلى بعض المذاهب التي تساهلت بالأمر، حتى إنها جعلت بعض أعمال الصلاة تؤدى بلا طمأنينة، خاصة بعض الأحناف؛ فإن بعضهم لا يكادون يقيمون الرفع من الركوع، وبعضهم لا يقيم الجلوس بين السجدتين، وكذلك الرافضة، لكن الرافضة هذا ليس بغريب عليهم فكثير من الأحكام يخالفون فيها المسلمين، إنما يستغرب من مثل الأحناف وهم من مذاهب أهل السنة الفقهية، أن يكون منهم عدم الطمأنينة في مثل هذا الركن العظيم من أركان الصلاة، فمن هنا أشار الشيخ إلى مثل هذا الأمر مع أنه من باب الأحكام؛ لكن ذكره لأن هناك من قال به وخلافه شاذ، ولذلك هذه قاعدة عند السلف: أن كل من خالف في أمر من أمور الأحكام شذ فيه عن جمهور السلف يعد خلافه عقدياً، مثل ما جاء في مسألة المسح على الخفين، فإنهم ذكروها في باب العقائد؛ لأن الرافضة أنكرت ذلك، فجاءوا بها في باب العقائد؛ لأن القول بعدمها ترك للدليل، ومن ترك الدليل فقد اختلت عقيدته.
فبعض الأمور تكون خلافية كما قلت، ويكون هذا هو رأي المؤلف، وبعد أن انتهى من الأحكام والعبادات سيتكلم عن الآداب.
стр. 117
آداب أهل الحديث
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويعدون إتمام الركوع والسجود بالطمأنينة فيهما والارتفاع من الركوع والانتصاب منه والطمأنينة فيه، وكذلك الارتفاع من السجود والجلوس بين السجدتين مطمئنين فيه من أركان الصلاة التي لا تصح إلا بها.
ويتواصون بقيام الليل للصلاة بعد المنام، وبصلة الأرحام، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والرحمة على الفقراء والمساكين والأيتام، والاهتمام بأمور المسلمين، والتعفف في المأكل والمشرب والمنكح والملبس، والسعي في الخيرات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبدار إلى فعل الخيرات أجمع، واتقاء سوء عاقبة الطمع، ويتواصون بالحق والصبر، ويتحابون في الدين ويتباغضون فيه، ويتقون الجدال في الله والخصومات فيه، ويجانبون أهل البدع والضلالات، ويعادون أصحاب الأهواء والجهالات.
ويقتدون بالنبي ﷺ وبأصحابه الذين هم كالنجوم بأيهم اقتدوا اهتدوا، كما كان رسول الله ﷺ يقوله فيهم، ويقتدون بالسلف الصالحين من أئمة الدين وعلماء المسلمين، ويتمسكون بما كانوا به متمسكين من الدين المتين والحق المبين، ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرّت في القلوب ضرت، وجرت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت، وفيه أنزل الله قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨]].
ذكر الشيخ جملة من الآداب والأخلاق التي هي من أصول أهل السنة والجماعة، وفي ذلك الإشارة إلى عدة أمور، منها: أن مسألة الآداب والأخلاق ليست مفصولة عن العقائد كما يظن بعض الناس، وليست في درجة دون العقائد؛ فإن العقيدة عند السلف تتمثل بأقوال وأعمال ومناهج، يعني: لابد من منهج في الاعتقاد ومنهج في التعامل ولا ينفك التعامل عن الاعتقاد.
ولذلك نجد أن بعض الفرق التي ضلت خاصة التي تنطعت في الدين، كالخوارج ومن سلك سبيلهم، نجد أن أعظم ضلالاتهم وأكثر انحرافاتهم عن منهج السلف في التعامل أدى بهم هذا إلى الانحراف عن المناهج العلمية فيما بعد، فصار منهجهم في التعامل مع الآخرين وفي التعامل مع المخالفين وفي التعامل مع بقية المسلمين فيه شدة وتنطع.
فمنهج التعامل منهج مهم جداً عند السلف بجزئياته وكلياته، ويرون أنه فعلاً هو الثمرة للاعتقاد وللعقيدة، ومن هنا كان السلف في كتبهم في الآثار وفي العقيدة يؤكدون على هذا المعنى، ويذكرون أهم جوانب التعامل في صلة الأرحام وإطعام الطعام والرحمة على الفقراء والمساكين والأيتام والاهتمام بأمور المسلمين.
وهذا فيه إشارة إلى خطأ أولئك الذين يزعمون أنهم يسعهم عدم الإسهام مع المسلمين في أعمال البر والخير، وأن الواحد ينزوي ويقول: ما لي وما للناس، وهذا في الحقيقة ليس هو منهج السلف، فالمسلم يجاهد ويصبر ويثابر ويحرص على مصالح المسلمين، ولا يلزم أن يكون عمله فقط في مجال الدعوة الخالصة بمفهوم المعاصرين فقط، بل ينبغي أن يتوسع في مفهوم الدعوة، فيساهم في أعمال البر وفي المؤسسات الخيرية، وفي الإسهام في نفع المجتمع في مؤسساته وفي المراكز العلمية وغيرها، وحتى في الجهود الفردية كل ذلك من أبواب البر التي تعتبر من المناهج الأصلية والكبرى عند السلف، فلابد من الاهتمام بأمور المسلمين، والأقربون أولى بالمعروف وأولى بالاهتمام.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول الدين الكبرى التي يغفل عنها كثير من الناس، حتى ظن بعض المسلمين اليوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر موكول على هيئات أو جهات معينة.
نعم، الهيئات تقوم بما يخص الدولة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأفراد في بيوتهم وفي بيئاتهم وفي مجالات عملهم بما يستطيعونه ويملكونه، وبما يتماشى مع قواعد الشرع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا لا يعذر به أحد، فمن هنا لا يجوز لأحد أن يقعد، وليعلم أن من منهج السلف إقامة هذه الشعيرة، وكذلك البدار إلى فعل الخيرات، واتقاء الطمع.
ويتواصون بالحق والصبر عليه، والصبر في كل شيء لابد منه، ولا يمكن أن ينتفع المسلمون بشيء من أعمالهم إلا بالصبر.
ثم ذكر التحاب في الله والتباغض فيه، ثم ذكر اتقاء الجدل في الله، والمقصود من هذا: أن الأصل عند السلف أنهم لا يلجئون للجدل إلا اضطراراً، فالعلم والتعليم هذا أمر مطلوب، ولا يمكن أن يقوم الدين إلا بالعلم والتعليم والتفقه بما في ديننا، لكن الجدال والخصومات والمراء لا تجوز إلا اضطراراً؛ فإن الجدال والمراء من سمات أهل البدع والضلالات.
ثم قال: (ويعادون أصحاب الأهواء والجهالات) يعني: يعادونهم بقدر ما عندهم من الضلالات، فقد يكونون من المسلمين، فيكون لهم من الولاء بقدر ما فيهم من الخير والإسلام، وعلي
стр. 118
الأسئلة
стр. 119
حكم استتابة الساحر
السؤال
ما حكم استتابة الساحر؟
الجواب
استتابة الساحر محل خلاف بين أهل العلم، وقد فرقوا بين الساحر الذي يعم فساده، وبين الساحر الذي لم يظهر فساده، فقالوا: إن الساحر الذي لم يظهر فساده ولم يعم شره يستتاب، وإن الساحر الذي يعم شره ويظهر فساده يقتل لأجل كف الفساد وردع أمثاله، لكن ومع ذلك فالقول بالاستتابة قول وجيه؛ لأنه إذا قبض عليه متلبساً بذنبه في جريمة السحر فيستتاب، بمعنى أن يقال له: إن ما عملته شرك وردة وكفر فيجب أن تتوب إلى الله ، فإذا قال: أتوب إلى الله، ولم يمارس هذا العمل مرة أخرى ولم يرجع إليه، فذلك مطلوب شرعاً، فالاستتابة هي إعلان التوبة وظهور ذلك على عمله والكف عما كان عليه.
стр. 120
حكم استخدام المسلمين للجن في الأمور المباحة
السؤال
هل يجوز استخدام المسلمين للجن في أمور مباحة أو مشروعة؟
الجواب
استخدام الجن لأمر عارض دون تبييت وقصد قد يكون مباحاً بشروطه وضوابطه الدقيقة، لكن الاستخدام المطلق أو المبيت المقصود، أو الاستخدام الذي يتم باتفاق بين الإنس والجن هذا من الاستمتاع الذي حرمه الله ، ولذلك ينبغي الحذر من هذه الظاهرة التي بدأت عند الرقاة والقراء، فاستخدام الجن إن جاء عارض دون قصد، أو جاءت له مناسبة فلا حرج فيه، بشرط ألا يتم بعقد أو عهد بين الإنسي والجني، وألا يكون هناك شروط أو مقايضات بين الجني والإنسي.
فإذاً: الاستعانة العارضة لا حرج فيها، كما كان يفعل كثير من السلف، وكثر هذا عن شيخ الإسلام ابن تيمية، فلا بأس باستعانة عارضة تأتي بدون أن يقصدها الإنسي، أما ما يحدث عند الرقاة الآن من الاستعانة الدائمة بالجن واستحضارهم عند الحاجة، وأخذ العهود والشروط عليهم، وتقييدهم بعقود معينة ومقايضات فهذا من البدع، ومما نهى الله عنه ونهى عنه السلف نهياً شديداً.
стр. 121
حكم سحر التخييل
السؤال
ما حكم سحر التخييل وما يفعله البعض من طعن نفسه بالسكين والمشي على النار ونحو ذلك مما يلبس به؟
الجواب
هناك فرق بين السحر وبين التخييل، وبعض الأعمال التي يعملها بعض الدجالين تكون أعمالاً طبيعية، لكنها تكون بالمران أو باستعمال مواد كيميائية ونحوها، فيظن الناس أنها قمار أو أنها سحر، وبعضها فعلاً سحر، يعني: يسيطر فيها السحر على خيال الإنسان بحيث يرى ما لم يكن، أو يتصور ما لا يحدث أو غير ذلك، فهذا نوع من السحر، لكن كله دجل، وحكمه واحد، فمن استعمل الأمور العلمية الطبيعية للتمويه على الناس، أو من استعمل السحر كله يدخل في الباب العام للسحر، فالقمار والدجل والشعوذة كلها حرام، فالذي يطعن نفسه بالسكين ويمشي على النار إما أنه يستعمل السحر والتخييل، أو أنه فعلاً يفعل ذلك بأمور تعود عليها، فالجسم إذا تعود على شيء قد يعمل ما يشبه الخوارق.
стр. 122
العلاقة بين العقيدة والأخلاق
السؤال
ذكرت أن الآداب لا تنفصل عن العقائد، وهذا ما خالف فيه أصحاب الأهواء، ولكن نجد أن بعض هؤلاء المبتدعة يلبسون على العوام بحسن الخلق؟
الجواب
حسن الخلق أمر فطري في البشر عموماً، لكن المقصود أن المسلم يجب عليه أن يحسن الخلق تعبداً لله وحسبة، وأن يجعل هذا من أصول دينه وركائز منهج السلف ويدين بذلك.
والأمر الآخر أنه ينبغي أن يكون أسبق من غيره إلى حسن الأخلاق، فحسن الخلق عند الكافر قد يكون جبلياً وقد يكون لمصلحة وهو الغالب، وكذلك بعض الفساق والفجار وبعض أهل الأهواء قد يكون عندهم شيء من حسن الخلق؛ لأن حسن الخلق بصوره الكثيرة قد يكون من النزعات الإنسانية، لكن احتساب ذلك عند الله والتدين به والمسابقة إليه والمسارعة هذا أمر زائد ينبغي أن يتحلى به المسلم.
стр. 123
الفرق بين المجانبة والهجر في التعامل مع أهل البدع
السؤال
ما الفرق في التعامل مع أهل البدع بين المجانبة والهجر؟
الجواب
الهجر ربما يكون أعلى درجات المجانبة، فالهجر: المقاطعة الكاملة، والمجانبة الإعراض، ومع ذلك بينهما شيء من التداخل والتشابه، لكن يظهر لي أن معنى المجانبة معنى عام، يعني: مجانبة كتبهم وأقوالهم ومجالسهم وآرائهم إلى آخره، يعني: المسلم يجعل كل ما عليه أهل الأهواء على جنب، ويعرض إعراضاً عاماً، أما الهجر فهو المقاطعة الكاملة.
فإذاً: الهجر نوع من المجانبة، والمجانبة بمعنى أشمل.
والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 124
شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [١٨]
لأهل البدع سمات وعلامات يتميزون بها، من أبرزها: أنهم يلمزون أهل السنة وأهل الحديث ويعادونهم، وهذه سمة عامة في كل طوائف أهل البدع، وإلا فلكل طائفة علامة تختص بها، فالقدرية يسمون أهل السنة جبرية، والجهمية يسمون أهل السنة مشبهة وحشوية، والرافضة يسمون أهل السنة نابتة وناصبة، ويجمعهم بغضهم لأهل السنة حملة الدين؛ لأن ما جاء في الدين يخالف ما هم عليه من البدع والأهواء.
стр. 125
علامات أهل البدع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول المصنف ﵀: [وعلامات البدع على أهلها ظاهرة بادية، وأظهر آياتهم وعلاماتهم: شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي ﷺ ، واحتقارهم لهم، وتسميتهم إياهم: حشوية وجهلة وظاهرية ومشبهة، اعتقاداً منهم في أخبار رسول الله ﷺ أنها بمعزل عن العلم، وأن العلم ما يلقيه الشيطان إليهم من نتائج عقولهم الفاسدة ووساوس صدورهم المظلمة، وهواجس قلوبهم الخالية عن الخير وحججهم العاطلة، بل شبههم الداحضة الباطلة: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٣]، ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨]].
قصد المؤلف بهذا سمة من سمات أهل البدع، وعلامة من أبرز علاماتهم في كل زمان ومكان، وهذه السمة مشتركة عند جميع أهل الأهواء، والتي تتمثل فيما ذكره الشيخ من عداوتهم لأهل السنة والجماعة، ومن لمزهم لأهل الحق وأئمة الهدى، وترتبت الثانية على الأولى، لما عادوا أهل السنة لمزوهم وعيروهم؛ وسبب ذلك هو مخالفتهم للسنة، فإن أهل السنة رووا وقالوا واعتقدوا ما يخالف ما عليه أهل البدع، فعاداهم أهل البدع لذلك.
وذكر الشيخ أنهم عادوا أهل السنة؛ لأنهم حملة أخبار رسول الله ﷺ ، ويقصد بذلك أن أهل البدع في منشأ عداوتهم لأهل السنة إنما عادوهم؛ لأنهم اعتقدوا الحق في صفات الله ، فأثبتوها كما أثبتها الله لنفسه، وأهل الأهواء ينكرون الصفات أو يؤولونها، ونتج عن هذا المنهج وذاك أن أهل السنة حشدوا النصوص الثابتة في القرآن والسنة التي تدل على إثبات الصفات، ورووا الأحاديث، وصاروا هم حملة أخبار رسول الله ﷺ ، فلما صادمت هذه الأحاديث أصول أهل الأهواء والبدع ردوها، فلما ردوها أيضاً طعنوا في رواتها، وأبغضوهم لذلك واحتقروهم وسموهم بهذه الأسماء، مثل: حشوية، وهذه العبارة أول ما أطلقت أطلقت من قبل المعتزلة الذين أطلقوها على طائفة من متأخري الصحابة، وعلى أئمة التابعين والسلف عموماً وعلى رواة الحديث على وجه الخصوص، وقصدوا بهذا أن علم السلف حشو لا قيمة له، بما في ذلك رواية الأحاديث في الصفات، وقصدوا بهذا أيضاً أن السلف أشبه بالرعاع الذين لا يستحقون أن يكونوا في مقدمة المجالس، إنما يجب بزعمهم أن يؤخروا إلى حشو المجالس، أي: مؤخرة الحلق والمجالس، وهذا فيه احتقار للسلف وفيه لمز وتعيير، فسموهم: حشوية؛ لأنهم احتقروهم، وكذلك وصفوهم بالجهل، وقالوا بأنهم جهلة؛ لأنهم زعموا أن من الجهل رواية هذه النصوص التي تثبت الصفات، أو من الجهل إثبات الصفات أيضاً؛ لأنهم زعموا أنه لابد من التأويل، وأن من لم يؤول فهو جاهل، وهذا من التلبيس، فنحن نعلم أن نصوص الصفات من أمور الغيب، ولا سبيل لتأويلها، فإثباتها هو العلم وتأويلها هو الجهل، لكن أهل البدع قلبوا المسألة، فجعلوا إثبات الصفات هو الجهل، والخوض فيها والتعطيل والإنكار هو العلم، ولذلك وصفوا السلف بأنهم جهلة، ووصفوهم أيضاً بأنهم ظاهرية، ويقصدون بأن من لم يؤول على مناهجهم الباطنية الفلسفية فقد أخذ بالظاهر، ونحن نعلم أن نصوص الغيب بما فيها نصوص الصفات قال السلف بأنها تجرى على ظاهرها، يعني: يعتقد بأن لها معاني على الحقيقة التي تليق بالله ، وهذا هو ظاهر النصوص، وهذا هو الاعتقاد الحق، لكن أهل البدع لما ساءهم اعتقاد هذا الظاهر وخالف أصولهم عيروا أهله، هذا من جانب.
من جانب آخر أيضاً: أهل البدع يكذبون على السلف، ويزعمون أنهم في اعتقادهم للصفات إنما أخذوا بظواهر النصوص التي مقتضاها التشبيه، وهذا فيه ظلم للسلف وفيه كذب عليهم، فالسلف حينما أثبتوا ظواهر النصوص في الصفات وغيرها أثبتوا الحقائق والمعاني، ولم يثبتوا التشبيه، بل نفوا التشبيه، لكن أهل البدع يزعمون أن كل من أثبت الظواهر فهو مشبه، وهم حكموا بما لم يلزم، فسموا أهل السنة ظاهرية، وكذلك سموهم: مشبهة أيضاً، فهم يزعمون أن أهل السنة حينما أثبتوا الصفات شبهوا الله بخلقه، وهذا غلط، فأهل السنة قاعدتهم واضحة، وهي أنهم يثبتون لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ كما ورد في النصوص، مع نفي التشبيه، على قاعدة: أن الله ليس كمثله شيء.
وتعيير أهل السنة ولمزهم بهذه الألقاب راجع إلى اعتقادهم في أخبار رسول الله ﷺ أنها بمعزل عن العلم -كما قال الشيخ- هذا هو رأي أهل البدع في النصوص الشرعية؛ لأنهم زعموا أن ظاهرها لا يدل على علم، وأنه لابد من التكلف لاستنتاج العلم الذي فيها، وأن العلم ما يلقيه الشيطان إليهم من نتائج عقولهم الفاسدة، ووساوس صدورهم المظلمة، وهواجس قلوبهم الخالية عن الخير وشبههم الداحضة الباطلة؛ لأنهم في الحقيقة ليس عندهم حجج، إنما عندهم شبه.
ثم ذكر بسنده قول أحمد بن سنان القطان الواسطي: [ليس
стр. 126
علامات القدرية
ذكر علامات الفرق وأبرز علامات الفرق، وهناك علامات عامة للفرق ذكرها من قبل، ومنها موقفهم من أهل السنة وأهلها؛ وأنهم كلهم يبغضون ما لا يوافق أهواءهم من الأحاديث، ويبغضون أهل السنة، ويبغضون رواة الحديث وطلاب العلم الشرعي الذين يروون ما لا يهوون، وهذه قاعدة عامة عند أهل الأهواء، لكن هناك سمات تخص كل فرقة، فمثلاً: علامة القدرية: أنهم يعيرون أهل السنة بأنهم مجبرة، والمقصود بهذا: أن القدرية يزعمون أن الله لم يقدر كل شيء، وأن الله لم يقدر بعض أفعال العباد، فعلى هذا هم يعتقدون بأن من قال: إن الله مقدر لأفعال العباد كلها فإنه قال: بأن الإنسان مجبور؛ لأنهم يرون أن قول أهل السنة بأن الله قدر على العبد كل شيء أن هذا نوع من الجبر؛ فلذلك سموا من أثبت القدر بأنه مجبر، فهم يزعمون أن الله لم يقدر أفعال العباد، وعلى هذا فإنا إذا قلنا: بأن الله مقدر لأفعال العباد، فهذا هو الحق، لكنه عندهم جبر؛ يعني: أن الإنسان مجبور على ما لا يريد وما لا يقصد، وهذا خطأ، فإن الله جبل العباد ولم يجبرهم.
стр. 127
علامة الجهمية
كذلك علامة الجهمية أنهم يسمون أهل السنة: مشبهة، والمقصود بالجهمية نفاة الأسماء والصفات.
ووصف الجهمية وصف عام لكل من أنكر شيئاً من الأسماء والصفات، سواء أنكر الأسماء كلها مع الصفات، أو أنكر الأسماء دون الصفات، أو من أنكر بعض الصفات وأثبت بعضاً، هؤلاء كلهم يسمون الجهمية، وكلهم يسمون من أثبت شيئاً مما يخالف أصولهم مشبهاً، فعلى هذا الجهمية يسمون أهل السنة: مشبهة؛ لأن أهل السنة يثبتون الصفات، وهم -أي: الجهمية- يعتقدون أن إثبات الصفات تشبيهاً.
стр. 128
علامة الرافضة
علامات الرافضة تسميتهم أهل الأثر: نابتة وناصبة، والرافضة يعيرون أهل السنة والجماعة بألقاب كثيرة، ومنها هذه الألقاب.
أما قولهم نابتة: فيقصدون بالنابتة الأحداث الرعاع الهمج الطفيلية؛ لأن النابتة هي النبتة الطفيلية التي تنبت وهي لا قيمة لها وتؤذي الأشجار الأصلية، فهم يزعمون أن أهل السنة طفيليون، وأنهم أحداث رعاع، فسموهم: نابتة.
وكذلك من علامات الرافضة أنهم يسمون أهل السنة نواصب؛ لأنهم يعتقدون أن من لم يقدس آل البيت، ومن لم يعتقد فيهم الإلهية، ومن لم يغل فيهم فقد ناصبهم العداء، وإلا فأهل السنة ليسوا ناصبة، أهل السنة يوالون آل بيت رسوله ﷺ ويعتقدون الولاء لهم، ويصلون ويسلمون عليهم، ويعطونهم حقهم واعتبارهم، لكن الرافضة لا يكفيهم القول المعتدل، إنما يريدون من أهل السنة أن يقدسوا أهل البيت كما قدستهم الرافضة، وأن يعطوهم مقامات الألوهية، ومقامات القداسة، وهذا ما لا يجوز شرعاً، فلذلك من لم يعتقد مثل الرافضة في آل البيت يسمونه: ناصبياً، يعني: أنه نصب العداء لآل البيت.
وكذلك كل فئة تلقب أهل السنة بما تزعم أنه عندها هو الحق، ولذلك فإن هذه الألقاب كما ذكر الشيخ في آخر الدرس لا تصيب أهل السنة، فإنهم في الحقيقة -بحمد الله- ليسوا مشبهة، بل هم مثبتة، وليسوا جبرية؛ لأنهم يقولون بالقدر كما ورد في الكتاب والسنة، وليسوا نابتة ولا ناصبة ولا حشوية ولا إلى آخره، وأن ما عيرهم به خصومهم لا ينطبق عليهم، فتعيير أهل البدع لأهل السنة لا ينطبق على أهل السنة؛ لأنهم ليسوا في الواقع على ما عيروهم به، وكل عيب وصف أعداء أهل السنة أهل السنة به فهم منه برآء، بل يكون العكس هو الصحيح.
وتعيير أهل السنة أتباع النبي ﷺ من قبل أهل الأهواء هو مثل تعيير المشركين للنبي ﷺ ؛ فإنهم عيروه بمذمم عكس محمد، وهو في الحقيقة محمد فعلاً عند الله وعند خلقه، فصار تعييرهم له لا ينطبق عليه؛ لأن النبي ﷺ في حقيقة الأمر وباعتراف عقلاء المشركين محمد ومحمود وليس بمذموم، فكان تسميتهم له هذه التسمية المقلوبة لم تنطبق عليهم، فكذلك تعيير أعداء السنة لأهل السنة لا ينطبق عليهم ولا يصيبهم، بل يكون من لهو القول ومن القول الفاسد.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 129
شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [١٩]
لأهل السنة سمات وعلامات يتميزون بها عن غيرهم، من أبرزها التسليم التام لما ورد في الكتاب والسنة، والعمل بهما وفق مراد الله تعالى ومراد رسوله ﷺ ، وكذلك حبهم لأئمة السنة وعلمائها وأنصارها وأوليائها، وبغضهم لأئمة البدع، وتحذير الناس منهم ومن بدعهم، ومدافعتهم وإذلالهم وإخزاؤهم وهجرهم ومقاطعتهم ونبذهم، حتى يكونوا عبرة لمن يعتبر.
стр. 130
علامات أهل السنة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وإحدى علامات أهل السنة: حبهم لأئمة السنة وعلمائها وأنصارها وأوليائها، وبغضهم لأئمة البدع الذين يدعون إلى النار، ويدلون أصحابهم على دار البوار، وقد زين الله سبحانه قلوب أهل السنة ونورها بحب علماء السنة؛ فضلاً منه ﷻ ومنة].
هذه قاعدة ذكرها المؤلف قبل في المقاطع السابقة، وذكر أيضاً مقابلها: (وهو أن من علامات أهل البدع بغض أهل السنة والجماعة)، أقول: وينضاف إلى هذا أنه ما من أحد من أهل الأهواء تعرض لأحد أئمة السنة الأحياء أو الأموات فيما يتعلق بإمامته في الدين أو لمزه بأمر يتعلق بالسنة التي كان عليها، أو طعن في منهجه، أو طعن في دينه وذمته في أمر يتعلق بمصالح الدين والأمة، إلا ويصاب بفتنة، ويفضحه الله أمام الخلائق، نسأل الله العافية، وفي عصرنا هذا وقعت وقائع تأملتها، ووجدت أن هناك من تجرءوا على بعض أئمة الهدى المعاصرين الأحياء والأموات، وكانت جرأتهم عن هوى -والله أعلم بحالهم، لكن فيما يظهر-، وكانت هذه الجرأة تتعلق بمناهج الدين، فلمزوهم وقالوا فيهم قولاً لا يليق بمسلم أن يقوله، وطعنوا في ذممهم وفي مناهجهم في أمر يتعلق بمصالح المسلمين، فوجدت هؤلاء الذين لمزوا أهل العلم والفضل وأئمة الدين أصيبوا بفتنة، نسأل الله العافية.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أحمد بن سلمة: قرأ علينا أبو رجاء قتيبة بن سعيد كتاب الإيمان له، فكان في آخره: فإذا رأيت الرجل يحب سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وشعبة وابن المبارك وأبا الأحوص وشريكاً ووكيعاً ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، فاعلم أنه صاحب سنة.
قال أحمد بن سلمة ﵀: فألحقت بخطي تحته: ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، فلما انتهى إلى هذا الموضع نظر إلينا -أهل نيسابور- وقال: هؤلاء القوم يتعصبون لـ يحيى بن يحيى، فقلنا له: يا أبا رجاء ما يحيى بن يحيى؟ قال: رجل صالح إمام المسلمين، وإسحاق بن إبراهيم إمام، وأحمد بن حنبل أكبر ممن سميتهم كلهم.
وأنا ألحقت بهؤلاء الذين ذكرهم قتيبة ﵀ أن من أحبهم فهو صاحب سنة من أئمة أهل الحديث الذين بهم يقتدون وبهديهم يهتدون، ومن جملتهم ومتبعيهم وشيعتهم أنفسهم يعدون، وفي اتباعهم آثارهم يجدون، جماعة آخرين منهم: محمد بن إدريس الشافعي المطلبي الإمام المقدم والسيد المعظم، العظيم المنة على أهل الإسلام والسنة، الموفق الملقن الملهم المسدد، الذي عمل في دين الله وسنة رسوله ﵌ من النصر لهما والذب عنهما ما لم يعمله أحد من علماء عصره ومن بعدهم، ومنهم الذين كانوا قبل الشافعي ﵀، كـ سعيد بن جبير والزهري والشعبي والتيمي ومن بعدهم، كـ الليث بن سعد والأوزاعي والثوري وسفيان بن عيينة الهلالي وحماد بن سلمة وحماد بن زيد ويونس بن عبيد وأيوب السختياني وابن عون ونظرائهم، ومن بعدهم مثل: يزيد بن هارون وعبد الرزاق وجرير بن عبد الحميد، ومن بعدهم مثل: محمد بن يحيى الذهلي ومحمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج القشيري وأبي داود السجستاني وأبي زرعة الرازي وأبي حاتم وابنه، ومحمد بن مسلم بن وارة ومحمد بن أسلم الطوسي وعثمان بن سعيد الدارمي ومحمد بن إسحاق بن خزيمة الذي كان يدعى: إمام الأئمة، ولعمري كان إمام الأئمة في عصره ووقته، وأبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل البستي، وجدي من قبل أبي أبي سعيد يحيى بن منصور الزاهد الهروي وعدي بن حمدويه الصابوني، وولديه سيفي السنة: أبي عبد الله الصابوني وأبي عبد الرحمن الصابوني وغيرهم من أئمة السنة الذين كانوا متمسكين بها ناصرين لها داعين إليها دالين عليها].
هؤلاء نماذج لأئمة السنة، وأئمة السنة لا يحص
стр. 131
منهج أهل السنة تجاه أهل الأهواء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذه الجمل التي أثبتها في هذا الجزء كانت معتقد جميعهم، لم يخالف فيها بعضهم بعضاً، بل أجمعوا عليها كلها، واتفقوا مع ذلك على القول بقهر أهل البدع وإذلالهم وإخزائهم وإبعادهم وإقصائهم والتباعد منهم ومن مصاحبتهم ومعاشرتهم، والتقرب إلى الله بمجانبتهم ومهاجرتهم].
هذه العبارات تمثل منهج أهل السنة تجاه أهل الأهواء، أو في معاملة أهل الأهواء، والشيخ لم يرتبها ترتيباً علمياً، وربما بدأ بالأخف قبل الأغلظ، أو أنه خلط بين هذه المسائل.
فأول درجات المنهج في التعامل مع أهل الأهواء: بغضهم وبغض بدعهم، وهذا أمر لا يعذر به أحد من أهل السنة؛ لأن البغض قلبي، أقول: أول درجات التعامل مع أهل الأهواء وأهل البدع البغض لما هم فيه من البدع والأهواء، وهذا يسع جميع أهل السنة؛ لأن البغض أمر قلبي لا يستطيع أحد أن يمنع أحداً منه، والتقرب إلى الله بمجانبتهم كذلك، والتقرب بالمجانبة القلبية هذا أمر أيضاً يستطيعه كل مسلم وكل صاحب سنة.
أما بقية الأمور فتختلف باختلاف أحوال الناس حسب الزمان والمكان والظرف والقدرة والاستطاعة، وحسب المصلحة ودرء المفسدة.
أما المصاحبة والمعاشرة فالأصل أن كل صاحب سنة يستطيع ألا يصاحب صاحب بدعة ويعاشره، إلا في حالات نادرة قد تستثنى عند الضرورة.
أما ما يتعلق بالقهر والإذلال والإخزاء والإبعاد والإقصاء والتباعد الجسماني، وكذلك ما يترتب على هذا من الهجر، وأيضاً ما يملكه ولي الأمر أو أهل الحل والعقد من التأديب والضرب والحبس ونحو ذلك، فهذه أمور تكون بحسب المصلحة ودرء المفسدة، وتكون مشروطة بحسب الإمكان والقوة والقدرة، وما لا يترتب على ذلك فتنة.
إذاً: منهج التعامل مع أهل الأهواء ممكن أن نقسمه إلى ثلاث درجات: الدرجة الأولى: البغض القلبي، وهذا يملكه كل مسلم وكل صاحب سنة.
والدرجة الثانية: ترك المصاحبة والمجالسة، وهذه يملكها أغلب أهل السنة؛ فأغلب أهل السنة يملكون ترك مصاحبة أهل البدع والأهواء.
والدرجة الثالثة: التعزير بأنواعه، وهذه غالباً لا يملكها إلا أهل الولاية والقوة وأهل الحل والعقد، ومن له سلطة أو ولاية، وهذه مشروطة أيضاً بقدير المصلحة ودرء المفسدة.
стр. 132
عقيدة الإمام أبي عثمان الصابوني ونصيحته لإخوانه أهل السنة
قال المصنف ﵀: [وأنا بفضل الله متبع لآثارهم مستضيء بأنوارهم، ناصح لإخواني وأصحابي ألا يزلقوا عن منارهم، ولا يتبعوا غير أقوالهم، ولا يشتغلوا بهذه المحدثات من البدع التي اشتهرت فيما بين المسلمين وظهرت وانتشرت، ولو جرت واحدة منها على لسان واحد في عصر أولئك الأئمة لهجروه وبدعوه، ولكذبوه وأصابوه بكل سوء ومكروه].
الشيخ الصابوني هنا يقصد ما حدث في وقته مما لم يحدث في وقت السابقين.
والشيخ عاش بين القرن الرابع والخامس، وشاهد في وقته كثيراً من البدع: بدع المتصوفة، وبدع الفلاسفة، وبدع الباطنية، وبدع غلاة المتكلمين الذين أنكروا أسماء الله وصفاته، وتكلموا في ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله بما لم يتكلم به حتى الجهمية الأوائل، وتجرءوا بأن يظهروا مصطلحاتهم وأعمالهم البدعية الظاهرة بألسنتهم وبأعمالهم وأقوالهم وأفعالهم وعلاقاتهم، مثل: وحدة الوجود، والاتحاد والحلول، ومثل دعوى الكشف والذوق، ومثل: التعطيل المعلن، ومثل: القول بأن للشريعة ظاهراً وباطناً وغير ذلك مما حدث في وقت الصابوني ولم يكن في عهد الذين سبقوه في القرن الثاني والثالث.
فيقول: إن هذه المحدثات التي في وقته ظهرت وانتشرت، وإنها لو جرت في عهد السلف لوقفوا منها موقفاً أحزم مما وقفه المعاصرون له.
نعم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يغرن إخواني حفظهم الله كثرة أهل البدع ووفور عددهم، فإن ذلك من أمارات اقتراب الساعة، إذ الرسول المصطفى ﵌ قال: (إن من علامات الساعة واقترابها أن يقل العلم ويكثر الجهل) والعلم هو السنة والجهل هو البدعة.
ومن تمسك اليوم بسنة رسول الله ﵌ وعمل بها واستقام عليها، ودعا إليها كان أجره أوفر وأكثر من أجر من جرى على هذه الجملة في أوائل الإسلام والملة، إذ الرسول المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (له أجر خمسين، فقيل: خمسين منهم؟ قال: بل منكم)؛ وإنما قال ﷺ ذلك لمن يعمل بسنته عند فساد أمته.
وجدت في كتاب الشيخ الإمام جدي أبي عبد الله محمد بن عدي بن حمدويه الصابوني ﵀: أنبأنا أبو العباس الحسن بن سفيان النسوي أن العباس بن صبيح حدثهم: حدثنا عبد الجبار بن مظاهر حدثني معمر بن راشد سمعت ابن شهاب الزهري يقول: تعليم سنة أفضل من عبادة مائتي سنة.
وقال عمرو بن محمد كان أبو معاوية الضرير يحدث هارون الرشيد فحدثه بحديث أبي هريرة ﵁: (احتج آدم وموسى)، فقال عيسى بن جعفر: كيف هذا وبين آدم وموسى ما بينهما؟ قال: فوثب به هارون وقال: يحدثك عن الرسول ﵌ وتعارضه بكيف؟ قال: فما زال يقول حتى سكن عنه.
هكذا ينبغي للمرء أن يعظم أخبار رسول الله ﵌، ويقابلها بالقبول والتسليم والتصديق، وينكر أشد الإنكار على من يسلك فيها غير هذا الطريق الذي سلكه هارون الرشيد ﵀ مع من اعترض على الخبر الصحيح الذي سمعه بكيف؛ على طريق الإنكار والاستبعاد له، ولم يتلقه بالقبول كما يجب أن يتلقى جميع ما ورد عن الرسول ﷺ ].
هذه الحقيقة خاتمة جيدة ومناسبة وكثيراً ما نجد أن المؤلفين من السلف قديماً وحديثاً يتحرون في خواتيم أقوالهم ومحاضراتهم وكتبهم ما يناسب المقام، فالشيخ الصابوني ﵀ هنا ختم عقيدته هذه التي سرد فيها مناهج السلف وأصولهم وقواعدهم ومناهجهم وذكر أئمتهم ختمها بخاتمة مناسبة؛ كأنه يقول فيها: هذه عقيدة السلف التي ندين الله بها المأخوذة من أخبار الرسول ﷺ ، والتي ينبغي أن يكون المسلم مسلماً بها؛ لأن العقيدة تنبني على التسليم، بل الدين كله ينبني على القبول والتسليم والتصديق، وأنه لا يجوز لمسلم أن يتردد ولا أن يشك ولا أن يكون عنده ريب أو عنده شيء من التحرج في إثبات هذه العقيدة، بل يسلم كمال التسليم.
فكما بدأ كلامه بضرورة التسليم أيضاً ختم كلامه بضرورة التسليم، وأن مبنى العقيدة على التسليم لله تعالى ولرسوله ﷺ .
قال المصنف رحمه الله تعالى: [جعلنا الله سبحانه من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ويتمسكون في دنياهم مدة محياهم بالكتاب والسنة، وجنبنا الأهواء المضلة والآراء المضمحلة، والأسواء المذلة، فضلاً منه ومنة.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم].
وبهذا ينتهي هذا الكتاب القيم، ونحمد الله على التمام، ونسأل الله تعالى التوفيق والسداد والرشاد، وأن يجعلنا من الهداة المهتدين المستمسكين بسنة رسوله ﷺ ، وبسبيل المؤمنين.
стр. 133
الأسئلة
стр. 134
الدفاع عن هارون الرشيد
السؤال
لو وضحت القول الصحيح في هارون الرشيد؟
الجواب
ما أدري ما المقصود، لكن ربما يشير السائل إلى ما أشاعه الشعوبية وأهل الأهواء وأهل البدع من الطعن في هارون الرشيد وأنه كان صاحب فجور كما يزعمون، وأنه كان صاحب تمتع في الدنيا وإسراف إلى آخره، فأقول: هذا من كذب الرافضة وكذب أهل الأهواء، فأهل الأهواء كلهم يبغضون هارون الرشيد؛ لأنه كان حازماً قوياً في نصر الحق والسنة، وكان إماماً عادلاً معروفاً بعدله وقوته وحزمه ودينه وصدقه، ولذلك لم تظهر الجهمية في وقته، ولم تستطع الظهور لا هي ولا غيرها من أهل الأهواء والبدع، أما من عداه فهو ممن ملئت به كتب التاريخ من الأقوال عنه من أنه كان يفعل ويفعل ويجزل العطاء إلى آخره، هذا أمر إن صح بعضه فإنما هو من الأمور التي لا تعد من الكبائر أو تخرجه من مقتضى السنة، لكن غالبها لا يصح.
والله أعلم.
ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد والرشاد.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.