Полный текст (134 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
حكم المخالف لما ثبت بالكتاب والسنة
السؤال
المخالف لما ثبت بالكتاب والسنة أيكون كافراً أو يكون فاسقاً أو يكون عاصياً؟
الجواب
المخالفة تختلف من حال إلى حال ومن شخص إلى شخص، فإذا كانت المخالفة للثابت في الكتاب والسنة ينبني عليها اعتقاد فاسد فهي كفر، لكن لا يلزم أن يحكم بكفر قائلها حتى يتثبت من حاله، فقد يكون جاهلاً وقد يكون متأولاً، أما من خالف الكتاب والسنة مخالفة عملية لا تعتبر مضادة للكتاب السنة، مع الإقرار بأخذ الحق، كأن يؤمر بأمر ويتركه دون الفرائض، أو ينهى عن شيء ويفعله من صغائر الذنوب وكبائرها فهذا فاسق ومرتكب كبيرة إذا كان الأمر من الكبائر، ويسمى عاصياً، فإن كلمة (عاصي) تنطبق على الأمرين، وليست من الألفاظ والأسماء والأحكام الحدية، لكن الغالب أن المعاصي تطلق على الكبائر والصغائر لا على الكفريات، هذا هو الغالب، وعلى هذا العاصي هو المسلم الذي يقع في الكبائر أو في الصغائر، فعلى أي حال هذه من الألفاظ التي لا نستطيع أن نحكم على أصحابها إلا بالتثبت من حالهم، فالمخالف إن خالف معلوماً من الدين بالضرورة أو قطعيات الكتاب والسنة بعد إقامة الحجة فهذا كفر، أما إذا كان خالف مع عدم قيام الحجة أو مع وجود المعاذير له أو احتمال المعاذير له فلا يحكم بكفره، وإن كان قوله أو فعله كفراً.
стр. 72
شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [١٢]
الإيمان باليوم الآخر وبالبعث بعد الموت يوم القيامة وما يقع منه من أركان الإيمان، فيجب الإيمان بكل ذلك على حقيقته كما وصفه الله تعالى من غير تعطيل ولا تأويل، كما يجب الإيمان بالحوض والميزان والرؤية والجنة والنار كما وردت بها النصوص.
стр. 73
عقيدة السلف أصحاب الحديث في البعث بعد الموت
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، وبكل ما أخبر الله سبحانه من أهوال ذلك اليوم الحق، واختلاف أحوال العباد فيه، والخلق فيما يرونه ويلقونه هنالك في ذلك اليوم الهائل من أخذ الكتب بالأيمان والشمائل، والإجابة عن المسائل، إلى سائر الزلازل والبلابل الموعودة في ذلك اليوم العظيم، والمقام الهائل من الصراط والميزان، ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير والشر وغيرها].
يحسن الإشارة في هذا المقطع الذي ذكر فيه بعض أحوال القيامة إلى أنه يقصد بذلك الإيمان بهذه الأمور على حقيقتها، وأنها حق كما وصفها الله ؛ لأن هناك طوائف من أهل الافتراق في هذه الأمة يقرون بهذه الأمور، لكنهم يتأولونها على غير حقيقتها، فيئول الأمر إلى التعطيل والإلحاد، فيؤولون الصراط بالعدل، وقد يؤولون الميزان كذلك أيضاً بالعدل، وقد يؤولون أيضاً الحوض على غير معنى حسي، ويؤولون الكوثر على غير معنى حسي وهكذا يؤولون كثيراً من مشاهد القيامة بأمور وأحوال معنوية، وهذه نزعة فلسفية نبعت عن مذاهب الفلاسفة التي تنكر ما جاء به الأنبياء أصلاً، لكن بعض الفلاسفة الإسلاميين الذين أخذوا من مناهج بعض الفرق أرادوا التلفيق بين أصول الفلاسفة وبين ما جاء به الأنبياء، فزعموا أنهم يؤمنون بأحوال القيامة التي ذكرها الشارح وغيرها، وأنها حق، لكنهم زعموا أنها أمور معنوية تحدث للأرواح لا للأجساد، وأنها ليس فيها حسيات، أو أنها أمور تحكي أحوالاً معنوية قلبية، أو أحوالاً تحدث للروح، أو أنها وعيد جاء للردع، ووعد جاء للترغيب دون أن تكون لها حقائق.
فالشاهد: أن هذه الأمور كثير من الناس قد يقر بها، لكنهم يتأولونها على غير حقيقتها، فيتميز منهج أهل السنة والجماعة بالإيمان بأحوال القيامة على حقيقتها، وأنها حق كما وصفها الله ، لكنها غائبة عنا من حيث الكيفيات، وإن كانت قد تتشابه في معانيها وألفاظها وحقائقها المجملة مع ما نحسه في الدنيا، لكنها مع ذلك تختلف اختلافاً كبيراً واختلافاً كثيراً بنص القرآن والسنة.
وما يحدث للناس يحدث لأرواحهم وأجسامهم، سواء من النعيم أو العذاب أو مما يدركونه ويحسونه ويتجاوزونه من المشاهد والأحوال، كل ذلك أمور حق على حقيقتها ليست أمثالاً تضرب ولا خيالات، وليست ترمز إلى مجرد معان وغير ذلك مما أولها به المتأولون.
стр. 74
عقيدة السلف أصحاب الحديث في الشفاعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويؤمن أهل الدين والسنة بشفاعة الرسول ﷺ لمذنبي أهل التوحيد ومرتكبي الكبائر، كما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ ].
الشيخ هنا جعل مذنبي أهل التوحيد صنفاً ومرتكبي الكبائر صنفاً، وربما يقصد عطف الخاص على العام، لكنه أيضاً ربما يقصد المغايرة؛ لأن بعض أهل العلم قالوا: إن صاحب الذنوب قد يستحق العذاب وإن لم تكن كبائر، لكن الصحيح والمحقق أن الذنوب الصغائر التي قد يعذب بها من يموت عليها هي الصغائر التي لا تعقبها توبة ويستمر عليه الإنسان، ولذلك من قواعد كثير من السلف أن الصغائر إذا تكاثرت تكون كبائر، والصغائر إذا أصر عليها أصحابها تكون كبائر، فعلى هذا يكون مرجع العبارتين واحداً، وهو أن المقصود به: مذنبي أهل التوحيد الذين أصروا على الذنوب وماتوا بدون توبة، وهذا نوع من أنواع الكبائر.
وهذه الشفاعة التي سيستدل لها هي جزء من شفاعات النبي ﷺ ؛ لأن شفاعاته ﷺ التي ثبتت بالنصوص كثيرة، أوصلها بعضهم إلى ثمانٍ، والثابت منها ست.
هذا الذي لا شك فيه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي).
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة فاخترت الشفاعة؛ لأنها أعم وأكفى، أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين).
وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث: إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، خالصاً من قبل نفسه).
стр. 75
عقيدة السلف أصحاب الحديث في الحوض والكوثر والرؤية
ويؤمنون بالحوض والكوثر، وإدخال فريق من الموحدين الجنة بغير حساب، ومحاسبة فريق منهم حساباً يسيراً، وإدخالهم الجنة بغير سوء يمسهم وعذاب يلحقهم، وإدخال فريق من مذنبيهم النار، ثم إعتاقهم أو إخراجهم منها، وإلحاقهم بإخوانهم الذين سبقوهم إلى الجنة، ولا يخلدون في النار.
فأما الكفار فإنهم يخلدون فيها، ولا يخرجون منها أبداً، ولا يترك الله فيها من عصاة أهل الإيمان أحداً.
ويشهد أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم ﵎ بأبصارهم، وينظرون إليه على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ في قوله: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)، والتشبيه وقع للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي، والأخبار الواردة في الرؤية مخرجة في كتاب (الانتصار) بطرقها].
قوله: (والتشبيه للرؤية بالرؤية) يقصد في الوضوح والجزم والتحقق، شبّه الله رؤية المؤمنين له سبحانه -نسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم- يوم القيامة في الجنة برؤية الناس المبصرين للشمس والقمر وهما طالعتان بارزتان بوضوحهما وعدم إمكان الإنكار لمن يرى، ولذلك قال في الحديث الآخر: (لا تضامون) أي: لا أحد يستطيع أن ينكر عليكم فيضيمكم؛ لأن الإنسان لو كان يرى الشمس وعنده واحد آخر وقال له: هذه الشمس طالعة ثم قال له: تكذب، يكون بذلك ضامه وظلمه، ويكون هذا من أشد الظلم، فهذا مما يدل على حقيقة رؤية المؤمنين لربهم، لا يضامون، ولا أحد يستطيع أن ينكر رؤيتهم، ومن أنكر فهو المكابر الكافر المعاند، نسأل الله السلامة.
الشاهد أنه قال: (والتشبيه للرؤية بالرؤية)، في الوضوح والجزم واليقين وعدم مجال الإنكار فيها أو عدم اللبس، لا المرئي للمرئي، بمعنى: أننا فعلاً لا نشبه الله بهذين المخلوقين الشمس والقمر، والله ليس كمثله شيء.
والرؤية هنا التي جزم بها أهل الحق هي الرؤية التي تواترت بها النصوص، وهي الرؤية التي تكون للمؤمنين في الجنة، لكن هناك نوع من أنواع الرؤية اختلف فيه، وهو رؤية الناس لربهم في المحشر.
ثبت في النصوص الشرعية أن الناس يرون ربهم، لكن ما حقيقة هذه الرؤية؟ الله أعلم؛ لأنه ما ورد أنها بصرية جزماً، ومن هنا وقع الاختلاف في حقيقتها لا في وقوعها، أما وقوعها فليس محل خلاف.
كذلك رؤية النبي ﷺ لربه في المعراج، هل هي رؤية عينية أو قلبية؟ والراجح أنها رؤية قلبية، لكنها خاصة بالنبي ﷺ تميّز بها، وأيضاً لها معان وحقائق تليق بالنبي ﷺ ؛ لأن الله قوى قلبه على مثل ذلك.
وتقييد الرؤية بيوم القيامة جيد، وهو مقتضى النصوص؛ لأن هناك من يدّعي أنه يرى ربه في الدنيا، والآن غلاة الصوفية وغلاة العُبّاد وبعض الفلاسفة وبعض أشباه المجانين المهسترين من بعض المفكرين والعقلانيين وغيرهم يدّعون أنهم يرون ربهم، بل زعم بعضهم أنه يرى ربه مباشرة أو يتحد بربه، حتى إن بعضهم يصل به الأمر إلى الانتحار، ويصل إلى هذه الحقيقة بدعوى أنه يرى ربه في الدنيا، كما حصل من التلمساني -فيما أظن- وبعض العُبّاد الجهلة، فهناك من يدّعي أنه يرى ربه في الدنيا، وهذه الدعوى باطلة لا شك بالإجماع، ومن ادعى أنه يرى ربه في الدنيا فقد أعظم على الله الفرية، كما قالت عائشة ﵂، فـ العفيف التلمساني انتحر آخر أمره، أراد أن يتحد بربه وأن يراه؛ لأنه استحوذت عليه الشياطين، فلما عجز انتحر.
стр. 76
عقيدة السلف أصحاب الحديث في الجنة والنار
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويشهد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا تفنيان أبداً، وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبداً، وكذلك أهل النار الذين هم أهلها خلقوا لها لا يخرجون أبداً، ويؤمر بالموت فيذبح على سور بين الجنة والنار، وأن المنادي ينادي يومئذ: (يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت) على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ ].
أيضاً هذه من قواعد السلف المتفق عليها، وهي أن أهل النار الخُلّص -نسأل الله العافية- من الخالدين فيها، وأن أهل الجنة والذين مآلهم إلى الجنة حتى ممن يطهّرون في النار -نسأل الله أن يجعلنا من أهل الجنة- مخلدين فيها أيضاً، وما نسب إلى بعض أهل العلم من أن النار تفنى وينقطع عذابها، فهذه في الحقيقة شبهة، وليست مفسرة تفسيراً بيناً يجعلنا نجزم بأنهم خرجوا عن هذه القاعدة، وما نسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية من أنه يقول بهذا القول فعند التحقيق يثبت أنه لم يصح أنه يقول به، وغاية ما انتهى إليه بحثه أنه سرد أقوال القائلين بهذا القول وذكر أدلتهم، ولم يعلق عليها بشيء في ذلك الموضع، فطبعت في كتاب مستقل محقق، لكن شيخ الإسلام في عموم مقالاته وآرائه ومواقفه التي رد بها على الآخرين يؤكد مذهب أهل السنة والجماعة في خلود أهل النار الخُلّص فيها، نسأل الله السلامة، فعلى هذا لا ينبغي أن ينسب لـ شيخ الإسلام غير هذا القول، وكما قلت وأكرر: إنه فعلاً ذكر الأقوال، وذكر قولاً نسبه إلى بعض السلف لكنه قولاً مجملاً، وفي الحقيقة عند التحقيق تجد أن القول مضطرب ليس بواضح، ولكل واحد فيه تأوّل، فقول من قال بأن النار ينقطع عذابها، وأنه ينتهي عذاب أهل النار، نسبه إلى طائفة من السلف وذكر أدلتهم واستطرد في هذا استطراداً يظن القارئ بأنه يؤيده وهو لا يؤيده، لكن هذا من تمكنه في البحث ﵀، وقد استقرأ أقوال الناس حتى سردها في صفحات طويلة.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 77
الأسئلة
стр. 78
معنى كلمة (أهل السنة والجماعة)
السؤال
ما معنى كلمة (أهل السنة والجماعة)؟
الجواب
كلمة أهل السنة والجماعة من الكلمات البرّاقة التي تحلو لكثير ممن يريد أن يجلب الناس إليها، لكن السنة والجماعة هي سلوك ومنهج وعمل، وهي أيضاً دين وعلم، وهي علم وعمل، وهي قدوة واهتداء واقتداء بالنبي ﷺ وبصحابته، فمن كان على ذلك فهو من أهل السنة والجماعة، ومن لم يكن على ذلك فلا يكون من أهل السنة وإن ادعى هذا، لكن تحسن الإشارة إلى أن بعض الفرق تدّعي أنها أهل السنة والجماعة لا سيما الأشاعرة والماتريدية، فإنهم يدّعون أنهم أهل السنة والجماعة، وهذه الدعوى تحتاج إلى شيء من التفصيل، فالأشاعرة والماتريدية أصناف، فهناك الأشاعرة والماتريدية أصحاب الأصول الكلامية وهم أغلب الأشاعرة، وهؤلاء ليسوا على منهج أهل السنة والجماعة في أغلب أمور العقيدة، وإن وافقوا أهل السنة والجماعة في الأحكام والإيمان والصحابة وبعض القضايا والقواعد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكثير من أصول الفقه، لكن العبرة بالاعتقاد، فهم في الاعتقاد يخالفون أهل السنة والجماعة، وهم من الفرق التي خرجت عن منهج أهل السنة والجماعة، ولذلك سموا أشاعرة وماتريدية، والسلف كانوا يقولون: من انتسب إلى غير الإسلام والسنة فلينتسب إلى أي دين شاء، فهم أشاعرة وماتريدية، ولو قيل لهم: لستم أشاعرة ولا ماتريدية لغضبوا، وهؤلاء هم غالب الأشاعرة أهل الكلام.
وهناك من ينتسب إلى الأشاعرة من أهل الحديث وأهل الفقه ومن بعض العُبّاد والنُسّاك وغيرهم، وقد لا يكون على مذهب الأشاعرة، قد يكون من أهل السنة، فهذا سني لكن قد يُخطّأ إذا لم يكن صاحب بدعة، أو يبدّع في انتسابه للأشاعرة فقط، وعلى هذا فدعوى الأشاعرة أنهم أهل السنة والجماعة دعوى تحتاج إلى نظر، وليست مسلّمة لهم، وكما قلت: إن الناس إذا اختلفوا في شيء يتحاكمون إلى الكتاب والسنة، ومن كان على نهج السلف فهو من أهل السنة والجماعة وإن لم يكن كذلك، فما خالف فيه يخرج عن أهل السنة والجماعة، وما وافق فيه أهل السنة والجماعة يُنسب في هذه الجزئية إلى أهل السنة، يقال: إنه في كذا على مذهب أهل السنة.
стр. 79
شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [١٣]
الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومن أعظم معاني الإيمان التي يزيد بها: تسليم القلب لله تعالى والإذعان له، وكذلك التقوى واليقين والمحبة والرجاء والتوكل عليه وغير ذلك، إضافة إلى الأعمال الظاهرة التي تدل عليها.
стр. 80
عقيدة السلف أصحاب الحديث في الإيمان
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن مذهب أهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ومعرفة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية].
هذه قاعدة عظيمة من قواعد السلف التي خالف فيها المرجئة، وخالفت فيها كثير من الفرق؛ لأن هذه المسألة خالفت فيها المرجئة الأولى مرجئة الفقهاء، وخالفت فيها أيضاً الأشاعرة والماتريدية وكثير من الفرق الكلامية، وتسمى هذه المسألة: مسألة حقيقة الإيمان، أو تعريف الإيمان، أو دخول الأعمال في مسمى الإيمان كل هذه المسميات راجعة إلى معنى واحد وهو: أن الإيمان عند السلف تصديق القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح.
وقوله: (إن الإيمان قول وعمل)، هذا أصل مقولة السلف.
قال: (ومعرفة)، يقصد بالمعرفة التفصيل والعلم.
وقوله: (يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) أما المقصود بالطاعة فمطلق الطاعة لله وليست فقط الطاعة الظاهرة، ويدخل في الطاعة الأعمال القلبية، وهي تسليم القلب وإذعانه لله ، هذا أعظم معاني الإيمان التي يزيد بها الإيمان، تسليم القلب لله تعالى ولرسوله ﷺ ، والمراد الإسلام بمفهومه الشامل، وكذلك التقوى يزيد بها الإيمان، واليقين يزيد به الإيمان، والمحبة لله ، والخوف والرجاء، والحمد لله والشكر والذكر هذه الأمور إضافة إلى الأعمال التي تدل عليها كلها يزيد بها الإيمان؛ لأن بعض الناس يفهم من معنى الطاعة الطاعة الظاهرة، بينما المقصود بالطاعة أولاً ما يقر في القلب، وما يشتمل عليه القلب من المعاني العظيمة من عبادة الله وحبه والتوكل عليه ورجائه إلى آخره، وهي التي ينبثق عنها العمل، فهذه كلها تزيد وتنقص، فالإنسان قد يضعف إيمانه في قلبه، ويظهر ذلك على أعماله.
إذاً: الزيادة والنقصان شاملة للمعاني القلبية وشاملة للأعمال؛ لأن بعض الناس يفهم أن الزيادة والنقصان في الأعمال فقط، بل قد يوجد إنسان قد تكون له ظروف فتكون أعماله الظاهرة مناسبة وجيدة، لكن قد يكون في قلبه ضعف، فهذا ينقص إيمانه فيما بينه وبين ربه وإن لم نعلم ذلك ظاهراً، ولذلك ثبت في النصوص أنه قد يكون من عباد الله الأخيار الذين لا يُعرف لهم أعمال ظاهرة قد يكون في مقامه عند الله أعظم ممن نرى صلاحه ونشهد له جميعاً بالصلاح، قد يكون أعظم عند الله ولا ندري؛ لأنه قد يكون في قلبه من الإجلال والتعظيم والتقوى والصلاح والاستقامة والاستعانة والرجاء والخوف والتوكل وغيره ما لا نعلمه، وقد يكون عنده من سلامة الصدر وغير ذلك مما هي من أعظم الأعمال ما يجعله من أعظم الناس وأزيدهم إيماناً.
إذاً: زيادة الإيمان ونقصانه مرتبطة بالأمرين: بأعمال القلب، وبأعمال الجوارح، وهذا هو الفارق بين فهم السلف وفهم المرجئة ومن سلك سبيلهم فالمرجئة ومن سلك سبيلهم يجعلون التصديق لا يزيد ولا ينقص، ولا يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان، وإن كان بعضهم كمرجئة الفقهاء الأوائل كـ أبي حنيفة ﵀ وشيخه حمّاد بن أبي سليمان وغيرهم ممن جاء بعدهم وقبلهم يعظّمون الأعمال، بمعنى: أنهم يعظّمون الواجبات ويستشنعون ترك الواجبات وفعل المعاصي، لكنهم مع ذلك أخطئوا في القضية العقدية في مفهوم الإيمان، لكن ومع ذلك فإن المرجئة المتأخرين قصروا في الأعمال واشتهر عنهم التقصير، وهذه نتيجة لازمة؛ لأن السلف حينما ظهر الإرجاء خافوا من هذه النتيجة وحصل ما خافوا منه؛ فإنهم خافوا من أن يؤدي الإرجاء إلى التساهل والإعراض عن دين الله ، وكانوا يصرّحون بذلك، رغم أن مرجئة الفقهاء لم يظهر منهم التقصير إنما ظهر التقصير من مرجئة الجهمية، لكن ومع ذلك خافوا من الإرجاء كله، ووقع ما خافوا منه، ولذلك أصرّوا على إثبات هذا التعريف الذي سمّوه حقيقة الإيمان وسمّوه تعريف الإيمان، ويدخلون الأعمال في مسمى الإيمان، وهو أن الإيمان قول وعمل، القول يشمل قول اللسان وقول القلب، والعمل يشمل عمل القلب وعمل اللسان، وأحياناً يُعرّف بمعنى من معانيه الثلاثة التي سبقت الإشارة إليها، وهي التصديق والقول والعمل.
والمعرفة هي تصديق القلب، ولذلك عند التفصيل يشار إلى المعرفة، لكن عند الإجمال تكون المعرفة بمعنى التصديق، وإن كانت كلمة (معرفة) يتفاداها السلف، يعني: لا ينبغي لطالب العلم أن يستعملها، لكن نحن نعلم أن الصابوني ﵀ استعملها بعقل، فنحملها على المحمل الحسن وإلا لا ينبغي التعبير بالمعرفة؛ لأن المعرفة مجرد الكسب العلمي، قد يكون بتصديق وقد يكون بلا تصديق، ولذلك كان من سمات الجهمية التي ذّموا بها أنهم يسمون الإيمان المعرفة فقط، ويسمّون تقبّل الوحي وطلب العلم معرفة فقط، وهذا خطأ شرعاً؛ لأن المعرفة لا تعني التسليم والإذعان، بينما التصديق فيه معنى التسليم والإذعان؛ لأن من صدّق أذعن، وإن لم يلزم ذلك في بعض الجزئيات، لكن في المعنى العام تصديق الله وتصديق الرسول ﷺ يلزم منه التسليم والإذ
стр. 81
الأسئلة
стр. 82
زيادة الإيمان بالإخبات والخوف والتعظيم لله
السؤال
هل تزيد الحسنات للمسلم بشعوره بالإخبات والخوف والتعظيم لله ؟ ولو كان يحس به المسلم في بعض الأوقات أكثر من الأخرى فهل تزاد له الحسنة أكثر من تلك الأوقات؟
الجواب
نعم هذه من أعظم معاني ما يزيد الحسنات، فالمسلم إذا شعر بشيء من الخوف من الله ورجاء الله والتعظيم لله وتوقيره في القلب لا شك أن هذا يزيد به الإيمان، وزيادة الإيمان ليست مجرد معنى علمي، بل زيادة الإيمان بإذن الله وكما وعد الله تعني زيادة الحسنات، فكل ما يستقر في قلب المؤمن من التقوى والتوكل والخشية لله والتعظيم لله فإنه يؤجر على ذلك، وتكون له بذلك الحسنات العظيمة إن شاء الله كما وعد الله.
ولا شك أنه كلما ازدادت هذه المعاني في القلب ازدادت إن شاء الله حسنات المسلم، وكلما ضعفت ضعفت حسناته، كالأعمال الظاهرة تماماً، بل إن زيادة الحسنات في المعاني القلبية أعظم من معانيها الظاهرة؛ لأن الظاهرة قد يدخلها شيء مما يراه الناس، بينما المعاني القلبية من زيادة التقوى والإخبات والخضوع والتعظيم لله التي بين العبد وبين ربه خالصة، فالغالب -والله أعلم- على مقتضى قواعد الشرع أنها تكون أعظم حسنات وأعظم أجراً.
ونسأل الله أن يزيد إيماننا وأن يوفقنا للصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 83
شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [١٤]
يعتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان لا يزول بالكلية بارتكاب الذنوب والمعاصي غير المخرجة من الملة، بل يبقى أصل الإيمان ومطلق الإيمان، بخلاف المرجئة والمعتزلة القائلين بزوال أصل الإيمان بارتكاب المعاصي والذنوب، وكذلك يعتقد أهل السنة أن الذنوب تنقص الإيمان وتضعفه، بخلاف أهل الإرجاء الذين يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية، وأن إيمان الواحد منهم كإيمان جبريل وميكائيل.
وهذا ضلال وانحراف عن الحق.
стр. 84
عقيدة السلف أصحاب الحديث في حقيقة الإيمان باعتبار زيادته ونقصانه أو زواله
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [قال سفيان بن عيينة ﵀: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: يا أبا محمد تقول: ينقص؟ فقال: اسكت يا صبي! بلى ينقص حتى لا يبقى منه شيء].
وهذا يعني أنه لا يزول بالكلية، وقوله: (لا يبقى منه شيء) يقصد: المعنى الذي أشار إليه النبي ﷺ في قوله في الحديث الصحيح: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، واختلف أهل العلم في معنى زوال الإيمان هنا، أي: نفي الإيمان عن الشخص هل هو زوال أصله بالكلية، أو زوال مقتضى الإيمان، أو زوال الأثر، أو المقصود بأن الإيمان قد يرتفع ويعود؟ ولكل قول دليله.
فالذين قالوا: بأنه يبقى أصله، قالوا: إن هذه الأحاديث التي فيها معنى أن الإيمان يزول، كقوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) فهذه أحاديث وعيد، وهو قصد كمال الإيمان، وقصد مقتضى الإيمان.
والذين قالوا: إنه يزول بالكلية ويعود، استدلوا بمثل قول النبي ﷺ أنه في آخر الزمان: (يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً) فقالوا: إن الإنسان إذا عرض له عارض يقتضي كفره قد لا يبقى هذا العارض، فيكون كفراً غير مخرج من الملة، كذلك زوال الإيمان هنا لا يخرجه من الملة، فيبقى عنده أصل الإيمان ويزول مقتضاه، وهذا هو الأقرب؛ لأنه لو وقع في الردة لترتب على ذلك أحكام كثيرة، من طلاق لزوجته، ومن أمور كثيرة تحتاج لتجديد التوبة، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فإذا نظرنا إلى عموم النصوص فإنا نجد أن مثل قوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) هي من أحاديث الوعيد، وأنه يعني بذلك الإيمان المطلوب من العبد، أما أصل الإيمان ومبدؤه فهو باقٍ، فعلى هذا يكون المقصود هنا -والله أعلم- أنه لا يبقى منه شيء من مقتضياته ولوازمه، لكن لا يزول أصلاً.
وأما النفاق فهو لون آخر، فالنفاق الخالص يكون صاحبه خالياً من الإيمان، حتى من أصل الإيمان، أما النفاق غير الخالص -وهو وجود خصلة أو خصال النفاق- فهذه تنقص الإيمان، وقد يقال بأن هذا لا يكون مؤمناً حين يفعل هذا الفعل، لكن لا يعني خروجه من الملة؛ لأن مسألة نفي الإيمان أو نفي الإسلام أو الحكم بالكفر لا تعني دائماً الخروج من الملة مطلقاً، ويبقى خيط من بقاء أصل الإيمان عند الإنسان وهو مقتضى الفطرة ومقتضى الأصل عند هذا الإنسان الذي لم يرد عندنا ما نجزم به من خروجه من مقتضاه، ومثل هذا نصوص كثيرة فيها نفي الإيمان، أو نفي الإسلام، أو نفي أن يكون من الأمة، أو أن يكون ممن ينتسب إلى النبي ﷺ ، فالنبي ﷺ قال في أشياء كثيرة: (ليس منا)، وقال: (من غشنا ليس منا)، وقال: من فعل كذا فقد كفر، وذكر خصالاً في الأمة فعلها كفر، فهذه نصوص وهناك نصوص أخرى تقتضي أنه لا يخرج المسلم من الإسلام أو من الإيمان بالكلية إلى الردة إلا بما يخرجه بالكلية أو بقاطع من القواطع التي تخرجه من الملة، فإذا جمعنا بين هذه النصوص نجد أن المقصود هنا نفي الكمال، ونفي المقتضى، ونفي اللوازم، ونفي الأثر، ومثله نفي الإيمان عمن يعمل كبيرة؛ لأنا نعلم قطعاً أن الكبيرة لا تخرج الإنسان من الملة، ومثل هذه الكبائر: الزنا، والسرقة وغيرهما.
فإذا كنا نعلم قطعاً أن الزنا والسرقة لا يخرجان الإنسان من الملة، وأنه يبقى مسلماً بمقتضى أحاديث ونصوص كثيرة متواترة عن النبي ﷺ ، فلابد أن نجمع بين النصوص فنقول: هنا قوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) ممكن أن يرتفع عنه مقتضى الإيمان تلك اللحظة، لكن يبقى الأصل وتبقى الجذوة الأساسية ثم تعود، فالفترة التي لا اعتبار لها في فعل ما ينافي الإيمان فترة ليست تبقى عند الإنسان، ولو بقيت فقد يخرج من الملة، فمثلاً: لو استحل إنسان الزنا استحلالاً ولم يفعله فإنه قد يخرج من الملة، لكن هذا الفعل وغيره لا يقتضي -والله أعلم- الردة، وما لم يقتض الردة لا نحكم بالمعنى الأشد فيه، بل نحمله على معنى الوعيد، وعلى معنى زوال المقتضى، وزوال اللازم، وزوال الأثر ونحو ذلك.
أما حلاوة الإيمان المطلقة فلا تكون إلا بالكمال، لكن الشعور بحلاوة الإيمان قد يتجزأ، فالإنسان قد يجد حلاوة الإيمان في عمل من أعمال الخير، حتى وإن كان عنده قصور في الأمور الأخرى، وهذا أمر معلوم، والإنسان قد يجد حلاوة الإيمان في بعض أعمال الطاعات التي يعملها وإن قصر أو أذنب في أمور أخرى، لكن من تكاثرت ذنوبه قد يفقد حلاوة الإيمان، ومن كان الأغلب عليه الاستقامة والصلاح قد يجد كمال حلاوة الإيمان، والله أعلم.
стр. 85
رد السلف على أهل الإرجاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي ومالكاً وسعيد بن عبد العزيز يُنكرون على من يقول: إقرار بلا عمل، ويقولون: لا إيمان إلا بعمل.
قلت: فمن كانت طاعاته وحسناته أكثر فإنه أكمل إيماناً ممن كان قليل الطاعة كثير المعصية والغفلة والإضاعة.
وقال أحمد بن سعيد الرباطي: قال لي عبد الله بن طاهر: يا أحمد إنكم تبغضون هؤلاء القوم جهلاً، وأنا أبغضهم عن معرفة، إن أول أمرهم: أنهم لا يرون للسلطان طاعة، والثاني: أنه ليس للإيمان عندهم قدر، والله لا أستجيز أن أقول: إيماني كإيمان يحيى بن يحيى، ولا كإيمان أحمد بن حنبل، وهم يقولون: إيماننا كإيمان جبريل وميكائيل].
هذا لازم قول المرجئة، وقد تفهم أنت فهماً خاطئاً بأنه يلزم من كلامه كذا، لكن لا يلزم ما دام يمكن أن يفسر كلامه، أما العقيدة التي تستمر وينظر فيها الناس ويواجهها السلف ويواجهون أصحابها ويناظرون فيها، فإن اللازم يلزم فيه حتى لو لم يلتزمه صاحبه، ولذلك بدّعوا كل من قال بالإرجاء حتى وإن فهم الإرجاء فهماً يخالف فهم المرجئة؛ لأنه يعد مبتدعاً بمجرد تعلقه بالإرجاء، وهذه مسألة مهمة جداً يجب أن نفهمها فيما يتعلق بأفعال الناس وأقوالهم.
فنأخذ المرجئة مثالاً: إذا كان الإنسان على مذهب المرجئة، أو قال ببعض أقوال المرجئة، أو انتسب للمرجئة انتساب تمذهب ففي كل هذه الأحوال نعده مبتدعاً، ومع ذلك قد يفسّر الإرجاء بتفسير يخالف المرجئة، لكن كونه وقع في رفع الشعار فقد ابتدع، لكن بدعته أخف، والدليل على هذا أن أئمة السلف أنكروا على أبي حنيفة تعلقه بالإرجاء، مع أنه لم يلتزم ما التزمته المرجئة المتأخرة من التساهل بالأعمال، بل العكس فقد كان أبو حنيفة ومن حوله من الأئمة في ذلك الوقت الذين يقولون بالإرجاء كانوا يعظّمون الأعمال، وكان عندهم من الزهد، والورع، والاستقامة، والحرص على الفرائض، وعدم التفريط، والبعد عن المعاصي، ما يجعلنا نجعلهم كسائر أئمة السلف، بل ربما يفوق بعضهم بعض الآخرين، لكن اللازم يلزمهم اعتقاداً وعلماً بأن هذا لازم المذهب، لا سيما أنه مذهب مقنن ومقرر، له مناهج وأصول وبقي في الناس، فعلى هذا نقول: إن من لازم قول المرجئة، سواء التزمه بعضهم كما صرحوا، أو لم يلتزم كما نفى بعضهم، أنه ما داموا قالوا بأن الإيمان هو التصديق، فيلزم من قولهم هذا أن الناس على حد سواء في إيمانهم، سواء من كان أعظم إيماناً كالملائكة والنبيين والصدّيقين والصالحين، أو من كان أضعف إيماناً كأصحاب المعاصي والفجور؛ لأنهم كلهم صدّقوا، والتصديق في حد ذاته لا يزيد ولا ينقص، إنما قد يزيد اليقين، وبعضهم يخرج اليقين عن مقتضى التصديق، فعلى هذا يعتبر من لوازم قولهم أنه ليس للإيمان عندهم قدر؛ لأنهم قالوا: إيمان أحمد بن حنبل كإيمان جبريل وميكائيل.
والمرجئة في عهد السلف كانوا أكثر إيماناً وأكثر التزاماً لعمل الصالحات والبعد عن المحرمات، لكنهم تأولوا، لكن جاء من بعدهم من المرجئة المتأخرين فصدقت فيهم فراسة السلف، فإن أمرهم أدى إلى الإعراض عن الدين، وفعلاً المرجئة الآن من أكثر الناس إعراضاً عن الدين، وإن كانوا يتفاوتون.
وأما كونهم لا يرون للسلطان طاعة، ففي الحقيقة هذه مسألة تخفى على كثير من طلاب العلم، وهي مسألة مهمة جداً فيما يتعلق بمناهج أهل الأهواء، فمن السمات والمناهج والأصول المشتركة عند جميع أهل الأهواء أنهم كلهم لا يرون للسلطان طاعة، كالمرجئة، والقدرية، والجهمية، والمعتزلة، وأهل الكلام المتأخرين، وخاصة أهل الكلام بالذات، أما من انتسب للكلام كبعض الأشاعرة والماتريدية فقد يقولون بقول السلف في مسألة السلطان، لكن من أصول مذاهبهم أنهم يرون الخروج على السلطان وعدم طاعة السلطان، كذلك من قبلهم الخوارج والسبئية الرافضة ومن سلك سبيلهم كلهم لا يرون للسلطان طاعة، وهذا مبدأ عام عند جميع الفرق إلا النادر، والنادر لا حكم له؛ فلذلك كان بعض السلف يسمون كل أهل الأهواء -أياً كانت شعاراتهم- خوارج، حتى لو لم يكونوا خوارج خلّص، مثل تسميتهم كل من أنكر كلام الله بأنه جهمي، وتسميتهم كل من أنكر الرؤية بأنه جهمي، وقد يكون هذا المنِكر لا يعرف الجهمية ولا يدري ما الجهمية.
فالشاهد: أن من سمات المرجئة قديماً وحديثاً أنهم لا يرون للسلطان طاعة، بمعنى: أنهم يرون الخروج ويستجيزونه، ويخالفون السلف مخالفة جزئية أو كلية في مسألة التعامل مع السلطان.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: قدم ابن المبارك الري فقام إليه رجل من العُبّاد -الظن به أنه يذهب مذهب الخوارج- فقال له: يا أبا عبد الرحمن! ما تقول فيمن يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: لا أخرجه من الإيمان، فقال: يا أبا عبد الرحمن!
стр. 86
لا يكفر أحد من المسلمين بكل ذنب
قال رحمه الله تعالى: [ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوباً كثيرة صغائر وكبائر فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص فإن أمره إلى الله ، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالماً غانماً، غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكبه واكتسبه، ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار].
وعلى هذا تكون عموم الذنوب ثلاثة أصناف: الصنف الأول: الشرك بالله ، يعني: الشرك الخالص شرك العبادة، فهذا لا يغفره الله ، وصاحبه مخلّد في النار، نسأل الله العافية، ويدخل فيه الشرك بالله؛ لأن بعض الناس يفهم من الشرك فقط عبادة الأصنام أو عبادة الأوثان أو دعاء غير الله ، نعم هذه أبرز مظاهر الشرك بالله الشرك العظيم، لكن من الشرك العظيم: الإلحاد بدين الله ، ومن الشرك: عدم طاعة الرسل، ومن الشرك: النفاق الخالص فالنفاق الخالص شرك أيضاً وصاحبه مخلد في النار، نسأل الله العافية.
إذاً: فالمنافقون الخلّص والملاحدة وعُبّاد الأصنام ومن سلك سبيلهم ومن كان على نحوهم كل هؤلاء يعدون من المشركين، وكذلك يدخل غيرهم ممن دخل في الشرك وإن انتسب لغير المشركين، فمثلاً: اليهود الآن مشركون، لأنهم قالوا: عزير ابن الله، وعبدوا مع الله غيره، والنصارى مشركون؛ لأنهم زعموا أن الله ثالث ثلاثة، وزعموا بأن عيسى ابن الله! تعالى الله عما يزعمون ونحو ذلك، فأعطوا البشر خصائص الإلهية فهم مشركون، حتى لو زعموا أنهم يعبدون الله ولا يعبدون غيره.
والشرك يكون في الاعتقاد والعمل، ويكون في العمل فقط، ويكون بالاعتقاد فقط، والتمييز بين الاعتقاد والعمل ليس عندنا عليه أدلة قاطعة؛ لأن الإنسان إذا ظهر منه شيء يحكم بشركه ما لم يأت عارض آخر.
فالشاهد: أن الصنف الأول من الأعمال هو الشرك، سواء من المشركين الخلّص أو ممن وقع في الشرك ولو ادعى الإسلام، فمن وقع في الشرك الخالص فعمله يخرجه من الملة ويكون من أهل النار المخلّدين.
الصنف الثاني: الكبائر، والمقصود بها هنا الكبائر التي تحدث من المسلم، وإلا فكبائر المشركين وكبائر الكفار لا تعادل شيئاً أمام كفرهم الأصلي، فنحن نتحدث عن الكبائر من المسلمين، فالكبائر من المسلم إذا حدثت هذه حكمها أولاً: أنه إذا تاب منها في الدنيا تاب الله عليه، والأصل عندنا أنه تاب، فإذا تاب المسلم من الكبيرة تاب الله عليه، وأصبح كمن لا ذنب له، بل من فضل الله وكرمه ومنّه أن الله يبدّل سيئاته حسنات، وإذا لم يتب وكان مصراً على كبيرته فيبقى التفصيل في أحواله في الآخرة، فإنه مات فاسقاً وعاصياً لكنه مسلم، فيوم القيامة ورد في النصوص أن أهل الكبائر على نوعين: منهم من يغفر الله له فيدخل الجنة بفضل الله ورحمته ومنِّه، ومنهم من يستوجب النار بكبيرته، لكنه لا يخلّد فيها، فيخرج منها بشفاعة النبي ﷺ وبشفاعات أخرى وبرحمة الله وفضله، وليس هناك قسيم ثالث في مسألة أهل الكبائر، فمنهم من يغفر الله له، ومنهم من يُعذّب، ومن يُعذّب لا يخلد في النار.
الصنف الثالث من الذنوب: الصغائر، فالصغائر تكفّرها الأعمال الصالحة، ويكفّرها الاستغفار، والصدقات، وتكفّرها أعمال البر، وتكفرها التوبة المطلقة، وإن لم تكن توبة معينة، إلا أن الصغائر إذا تكاثرت تصبح كبائر؛ لأن الإكثار من الصغائر مبارزة لله ، لذلك قال كثير من السلف: إن الإصرار على الصغيرة كبيرة؛ لأنه مبارزة، فالإصرار كأنه ذنب وزيادة، فهو فيه عناد للشرع، وفيه إعراض عن ذكر الله وأمره، وفيه إعراض عن سنة الرسول ﷺ ، فكثير من أهل العلم وكثير من السلف يعتبر الإصرار على الصغيرة كبيرة، فيدخل في مفهوم الكبائر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكان شيخنا سهل بن محمد ﵀ يقول: المؤمن المذنب وإن عُذِّب بالنار فإنه لا يلقى فيها إلقاء الكفار، ولا يبقى فيها بقاء الكفار، ولا يشقى فيها شقاء الكفار.
ومعنى ذلك: أن الكافر يسحب على وجهه إلى النار، ويُلقى فيها منكوساً في السلاسل والأغلال والأنكال الثقال، والمؤمن المذنب إذا ابتلي بالنار فإنه يدخل النار كما يدخل المجرم في الدنيا السجن على الرجل من غير إلقاء وتنكيس.
ومعنى قوله: (لا يلقى في النار إلقاء الكفار) أن الكافر يُحرق بدنه كله، وكلما نضج جلده بُدّل جلداً غيره؛ ليذوق العذاب، كما بينه الله في كتابه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦].
وأما المؤمنون فلا تلفح وجوههم النار، ولا تحرق أعضاء السجود منهم، إذ حرم الله على النار أعضاء سجوده.
ومعنى قوله: (لا يبقى في النار بقاء الكفار): أن الكافر يُخلّد فيها و
стр. 87
الأسئلة
стр. 88
معنى قول ابن المبارك: (ولو علمت أني قبلت مني حسنة لشهدت أني في الجنة)
السؤال
ما مقصود ابن المبارك بقوله: ولو علمت أني قُبلت مني حسنة لشهدت أني في الجنة؟
الجواب
قصده: لو أني ضمنت أن الحسنة مقبولة فمن الطبيعي أن جميع الحسنات تكون مقبولة، ومن ضمن قبول الحسنات ضمن الجنة، فلا يجزم أحد بأن عمله قُبل، فهو ضرب مثلاً بالحسنة، وهو يقصد جنس الحسنة، وليس مفرد الحسنة، وكأنه يقول: لو علمت أن حسناتي مقبولة لضمنت الجنة؛ لكن من يعلم أنها مقبولة؟ لأن الحسنة قد تُقبل وقد لا تُقبل، وعدم قبولها إما لعارض أو لذنب آخر أو إلى آخره.
فيبدو لي أنه يقصد جنس الحسنات هنا، وضرب مثلاً بحسنة؛ لأنه إذا وجد مبدأ قبول حسنة وجد أصلاً مبدأ قبول الحسنات جميعاً، هذا القصد، وهذا يرجع إلى الأصل والمبدأ ولا يرجع إلى المثال، فالأصل القبول؛ لأنه إذا ضمن أنه قبلت منه حسنة فكأنه جاء بمبدأ أن الحسنات مقبولة مطلقاً، هذا معناها، وإذا قُبلت الحسنة الواحدة مطلقاً فمن الطبيعي أن جميع الحسنات عند صاحب هذا المبدأ تكون مقبولة مطلقاً، كما يقول الجهم، فعلى هذا كأنه يقول: أنا ضامن الجنة؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات، فالحسنات حاكمة على السيئات، والخير مهيمن على الشر، والرحمة أسبق من العذاب، هكذا أصل المبدأ، لكن المسألة راجعة إلى أمور غيبية، فالإنسان يعمل الحسنات يرجو من الله القبول، والقبول ليس بمضمون.
فإذاً: قصد الأئمة بهذا الكلام هو أصل المبدأ مبدأ قبول الحسنة، وإذا قُبلت الحسنة قُبلت غيرها، وإذا قُبلت غيرها محيت السيئات وهكذا، لكن ليست مضمونة.
فـ ابن المبارك يقصد الرد على الذين يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية، والحسنة جزء من الإيمان، فهؤلاء يلغون اعتبار المعاصي؛ لأنهم يرون أن الإيمان هو التصديق في القلب، وأن القلب إذا صدّق لا يضره مع ذلك ذنب، فدائماً السلف يمثّلون الشيء بجزئه؛ نظراً لأن الناس كانت أذهانهم ومداركهم في ذلك الوقت واضحة وصافية، فكانوا يعبّرون عن الشيء بمثاله، ويعبّرون عن الشيء بجزئه، ويرمزون إلى الشيء بمجرد الرمز والباقي يكون معروفاً، فهذا الأمر مترتب على لوازمه، فإن السلف الذين قالوا -سواء من الصحابة أو غيرهم-: لو ضمنا الحسنة لضمنا الجنة، أو عبروا بأي عبارة قصدهم بهذا أصل المبدأ، وكأنهم يقولون للمرجئ: ما دمت تقول: إنه لا يضر مع الطاعة معصية ولا مع الإيمان معصية فهذا يعني: أن الحسنة الواحدة إذا قبلت ضمنا الجنة؛ لأن المعاصي لا اعتبار لها، والحسنة لا تحدث إلا بإيمان، فإذا وجد أصل الإيمان -ما دام أنه لا اعتبار للمعاصي- فكأن الإنسان بالحسنة الواحدة ضمن الجنة، وهذا التزمه بعض المرجئة كمرجئة الجهمية، وبعض المرجئة لم يلتزموها، لكن هو من لوازم القول، فهذا على سبيل التمثيل للإشارة إلى الأصول التي عليها المرجئة لا للمبدأ الذي عليه أهل السنة والجماعة.
стр. 89
معنى أثر عمر: (لو أعلم أن الله قبل مني حسنة لدعوت الله أن يقبضني)
السؤال
ما معنى ما روي عن عمر ﵁ من قوله: لو أعلم أن الله قبِل مني حسنة لدعوت الله أن يقبضني؛ لأنه إنما يتقبل الله من المتقين؟
الجواب
يقصد على مبدأ المرجئة ليس على الأصل الذي عند أهل السنة، فأهل السنة يقولون: قد تُقبل من الإنسان الحسنات، لكنها لا تعني نجاته بالضرورة، فقد تكون سيئاته أكثر من حسناته، والمرجئة لا يقولون هذا، فكأنه يقول: على مبدئكم أيها المرجئة! لو ضمنت أنها قُبلت مني الحسنات لضمنت الجنة.
وظهر لي أن قصده مبدأ الحسنات ليس الحسنة الواحدة، والحسنات بمجموعها، فما دام أن القصد المبدأ فيصبح الأمر مفسّراً على هذا؛ لأن القصد هو الرد على المرجئة، فنستصحب الحال ولا نخرج عن المقام الذي كان هو مبرر الكلام.
стр. 90
شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [١٥]
تارك الصلاة عمداً جاحداً لها يكفر بالاتفاق، والخلاف فيمن تركها كسلاً وتهاوناً، وعامة السلف على كفر تارك الصلاة عموماً.
أما ما يتعلق بأفعال العباد فيعتقد أهل السنة أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى فهو شاءها وقدرها، لكنه سبحانه أقدر العباد عليها -أي: الأفعال الاختيارية- خلافاً للقدرية وغيرهم، فإنهم يقولون: إن العبد يخلق فعله.
وهذا انحراف وضلال؛ لأنهم أثبتوا خالقين، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
стр. 91
حكم تارك الصلاة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واختلف أهل الحديث في ترك المسلم صلاة الفرض متعمداً، فكفّره بذلك أحمد بن حنبل وجماعة من علماء السلف ﵏، وأخرجوه به من الإسلام؛ للخبر الصحيح: (بين العبد والشرك ترك الصلاة، فمن ترك الصلاة فقد كفر).
وذهب الشافعي وأصحابه وجماعة من علماء السلف رحمة الله عليهم أجمعين إلى أنه لا يكفر ما دام معتقداً لوجوبها، وإنما يستوجب القتل كما يستوجبه المرتد عن الإسلام، وتأولوا الخبر: من ترك الصلاة جاحداً، كما أخبر سبحانه عن يوسف ﵇ أنه قال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [يوسف:٣٧]، ولم يك تلبس بكفر فارقه، ولكن تركه جاحداً له].
مسألة كفر تارك الصلاة على أنواع: النوع الأول: من ترك الصلاة كسلاً وتهاوناً، فهذا فيه نزاع وخلاف بين أهل العلم، فبعضهم قال بأنه يكفر؛ بناءً على ظاهر الحديث، ولأن الصحابة ﵃ شددوا على أمر الصلاة، حتى قالوا: ليس شيء من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، أو أنهم ما كانوا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، وهذا نقل لقول جميعهم في الجملة، وبعضهم قال: إن من تركها كسلاً يكون كفره كفر معصية، وإن استوجب القتل عند بعضهم فإنما استوجبه تعزيراً، وبعضهم استثنى من تارك الصلاة كسلاً من داوم على تركها حتى وإن كان كسلاً، وقالوا: من داوم على تركها كسلاً دائماً فإنه يكفر كفراً مخرجاً من الملة، حتى وإن لم يجحد وجوبها.
فعند السلف قول قوي في أن من استمر وداوم على الإعراض عن الصلاة فإنه يكفر كفراً مخرجاً من الملة، أما من تركها كسلاً، بمعنى: أنه يصلي أحياناً ويترك أحياناً، فهذا هو الذي فيه الخلاف، وأما من تركها عمداً فإن كان عن جحد لوجوبها فهذا كافر باتفاق الأئمة قديماً وحديثاً، من تركها عمداً جاحداً لوجوبها فلا شك أنه يخرج من الملة؛ لأنه جحد معلوماً من الدين بالضرورة، وجحد ركناً من أركان الإسلام، وحكمه حكم المعرض عن الدين بالكلية، أما من تركها عمداً مع الإقرار بوجوبها فالقول الراجح أنه أيضاً يكفر كفراً مخرجاً من الملة؛ لأنه تعمد، بمعنى: أنه داوم على تركها عمداً، ويدخل فيمن تركها كسلاً على وجه الدوام؛ لأن المداومة على الترك لا تسمى كسلاً في الحقيقة، وإن كان ظاهرها الكسل، لكن المداومة على الترك تشبه العمد أو هو نوع من العمد.
فعلى هذا يتداخل القول الأول هذا مع القول الثاني فيمن تركها عمداً غير جاحد لوجوبها، بمعنى أنه فرّط عن عمد ولم يكن مجرد تثاقل أو مجرد كسل أو تفريط أو نحو ذلك، إنما تعمد تركها مع تهيؤ الفرص له، ومع الاستعداد لوجود الأسباب الموجبة لإقامة الصلاة وغير ذلك.
فعلى هذا يكون الراجح من هذه الأقوال: أن من ترك الصلاة كسلاً باستمرار فهو نوع من العمد، بمعنى: أن من داوم على تركها لا يؤديها فالظاهر -وهو رأي جمهور السلف والذي تقتضيه النصوص- أنه يعتبر كافراً كفراً مخرجاً من الملة، أما من تركها كسلاً -بمعنى: أنه أحياناً يفعل وأحياناً يترك- فهذا هو محل الخلاف، ومع ذلك كثير من أئمة الدين يرجّحون أنه يكفر كفراً مخرجاً من الملة، لكن يبقى الكلام محل نزاع، وليس هو الإجماع عند السلف ولا حتى قول الأكثر.
أما العمد والاستمرار على تركها عمداً والجحد أيضاً فلا شك أنه باتفاق يكون مخرجاً من الملة.
وفي حال ترك الصلاة سنة أو سنتين أو أشهر طويلة يكون ارتد، وكونه صلى مرة أخرى هذا محل خلاف، هل مجرد إقامة الصلاة تعتبر دخولاً في الإسلام أو لابد أن ينطق بالشهادتين إلى آخره؟ هذا راجع إلى معنى كلام أهل العلم في تجديد الإسلام، وإلا فمن داوم على تركها فلابد أن يجدد إسلامه من جديد، بمعنى: أنه مرتد، لكن هل بعودته إلى الصلاة يعتبر رجع إلى الإسلام؟ هذه المسألة محل خلاف والله أعلم.
فالمهم أن المداومة هي الاستمرار على ترك الصلاة وقتاً طويلاً، أما من يصلي مثلاً غالباً ويترك أحياناً كسلاً، فهذا محل خلاف، والخلاف فيه قوي، وكثير من المحققين من أهل العلم قديماً وحديثاً من الصحابة والتابعين وأئمة السلف إلى يومنا هذا من أئمة الدين نجد أن كثيراً منهم يرجّحون أن من تركها ولو تهاوناً وكسلاً يعتبر مرتداً خارجاً من الملة إذا كانت هذه ظاهرة عنده، بمعنى: أنه يترك أحياناً ويصلي أحياناً، فهذا متلاعب بالصلاة.
والمتهاون القول الراجح أنه مرتد.
وأما ترك الصلاة في المسجد دائماً فهو كبيرة من كبائر الذنوب، يعني: إذا كان يصلي منفرداً في بيته ويترك الصلاة في الجماعة فهذا مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، ولا يعد خارجاً من الملة، وليس بكافر، لكنه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، وأما صلاة الجماعة بأهله فليست هي الجماعة المقصودة، وإنما المقصودة هي جماعة المسجد.
والمؤلف أحياناً يرجّح، أما هنا فساق الأقوال وتركها؛ لأن المسأل
стр. 92
عقيدة السلف أصحاب الحديث في أفعال العباد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد أنها مخلوقة لله تعالى، لا يمترون فيه، ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه].
هذه المسألة راجعة إلى القول في مقادير العباد بما فيها أكساب العباد، وأكساب العباد جزء من مقاديره، والمقصود بأكساب العباد أفعالهم التي يفعلونها؛ فإنها تسمى أكساباً؛ لأنهم يفعلونها بما أعطاهم الله من القدرة والإرادة.
وهذه المسألة في الحقيقة من دقائق مسائل القدر التي خاض فيها المتكلمون خوضاً موّهوا فيه على كثير من الناس ولبّسوا فيه، وخرجوا عن قول السلف، وأدخلوا فيها مسألة الكسب، أي: أفعال العباد، فأهل السنة والجماعة يقولون: إن أفعال المكلفين المختارين الاختيارية هي مخلوقة لله ، فالله علم أفعال العباد وكتبها وشاءها وقدرها سبحانه في سابق علمه، ثم إنه هو الخالق لها، لكنه أقدرهم عليها، فعلى هذا يكون محل الخلاف هو أفعال العباد الاختيارية التي تحدث من طرف المكلفين، وعلى هذا تخرج أفعال العباد غير الاختيارية؛ لأنها بإجماع لا تكون إلا تحت إرادة الله الكونية، ولا تسمى أفعالاً لهم، لكنها تحدث فيهم، فحركة القلب وحركة الدم وجميع الحركات التي تسمى عند الناس اللاإرادية في الإنسان هذه داخلة في تقدير الله الكوني، وليست هي محل الخلاف، محل الخلاف هو أفعال العباد الاختيارية من المكلفين الذين عندهم تمييز وعقل، وإلا فأفعال الأطفال وأفعال المجانين وأفعال المخرّفين وأفعال غير المميزين لا تدخل في الخلاف، وإنما حصل الخلاف هنا في أفعال العباد المكلّفين الذين عندهم قدرة، وفيما يدخل تحت نطاق قدرتهم، هذا هو محل الخلاف، وهذا يسمى أكساب العباد أو كسب العباد، فأهل السنة والجماعة قالوا بالحق الذي تقتضيه النصوص، وردوا متشابه النصوص في هذه الأمور إلى المحكم، فأيقنوا بموجب قطعيات النصوص أن الله هو المقدر لأفعال العباد الاختيارية، وأنه خالقها، وأنه سبحانه علمها وكتبها وشاءها ثم خلقها، وأن ذلك لا يتنافى مع إقدارهم عليها، فإن الله أقدرهم على فعل هذه الأمور، ولأنه هو علّام الغيوب وهو عليم بذات الصدور علم ما العباد فاعلون، وقدّر مقاديرهم.
والخلاف في هذا كثير، لكن أهم من خالفهم متكلمة الأشاعرة والماتريدية، خاصة الأشاعرة فإنهم قالوا: إن أفعال العباد قدرها الله بناء على عزمهم على الفعل، فإن الله لم يُوجد عندهم القدرة على كسب الأفعال إلا حين الفعل، ولم يخلق لهم القدرة لا قبل ولا بعد الفعل، ولم يكن عندهم استعداد ولا مقدرة على الفعل لا قبل ولا بعد، فلذلك صار عندهم نوع من الجبر، والشيخ هنا لم يكن يقصد الرد على هذا الصنف، لكن أنا أشرت إليه؛ لأن الأشاعرة هم الذين يستعملون كلمة الكسب والأكساب؛ فإنهم يرون أن أفعال العباد ليست من مقدورهم مع أنا نعلم أن الله جعل أفعال العباد من خلقه، لكنه جعلها من مقدور العباد، فقالوا: إنها ليست من مقدورهم، بمعنى: أنه لم توجد عندهم القدرة على الأفعال لا قبل الأفعال ولا بعدها، إنما القدرة يصنعها الله ويخلقها أثناء عزم الإنسان على الفعل، ويسمون هذا الكسب، لكن الذين أشار إليهم الشيخ هنا هم القدرية الخالصة، والتي تمثلت بالمعتزلة الذين زعموا أن أفعال العباد ليست من خلق الله ولا من تقديره، إنما قالوا: إن الله أوجد عندهم عموم القدرة، لكن مفردات الأفعال ليست من خلق الله، فهم يزعمون أن الله جعل القدرة الكامنة هي الخالقة للفعل، أي: أنه أعطى الإنسان قدرة كامنة فيه، وهذه القدرة هي المتسببة في الفعل، وكثير منهم لم يصرّحوا بأن الإنسان خالق أفعاله، لكن هذا من لوازم قولهم؛ لأنهم قالوا: مقادير أفعال العباد الاختيارية ليست من تقدير الله، ولم يقدرها الله ، حتى إن بعضهم نفى العلم وقال بأن الله لم يعلمها حتى حدثت، لكن لما صودموا بقوة إنكار السلف قالوا: إنه علمها، فبقوا في الكتابة فبعضهم أنكر الكتابة وبعضهم تأولها وبعضهم أثبتها.
أيضاً ربما بعضهم أثبت المشيئة العامة لكنه نفى الخلق، وقال بأن الإنسان مقدر أفعاله، وأن الإنسان موجد أفعاله، فعلى هذا المعتزلة يرون أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله ، ويزعمون أن ذلك لا يليق في حق الله ؛ لأنهم عندهم شبهة وهي أنهم يقولون بأنه لا يليق بأن الله يخلق أفعال العباد ثم يحاسبهم عليها، خاصة أفعال الشر، فإذاً: بزعمهم لابد أن يكون العباد هم الموجدون لأفعالهم وهم المقدرون لها، وهذا القول هو الذي انتهت إليه المعتزلة؛ ولذلك ألزموا بأن يقولوا بأن هناك خالقاً مع الله ، فقيل لهم: إذا لم تكن أفعال العباد من تقدير الله فلابد أن تكون من تقدير مقدر مع الله حتماً، وأنه يحدث في ملك الله ما لا يشاؤه ولا يريده، فلذلك ألزموا بأن يقولوا بأن الإنسان خالق أفعاله، ومنهم من التزم ذلك أو صرّح بأن الإنسان خالق أفعاله، لكن جمهور المعتزلة يتورعون عن أن يقولوا بأن الإنسا
стр. 93
عقيدة السلف أصحاب الحديث في مسألة الهداية والإضلال
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء لدينه، ويضل من يشاء عنه، لا حجة لمن أضله الله عليه، ولا عذر له لديه، قال الله : ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩]، وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣] الآية، وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف:١٧٩] الآية.
خلق الخلق بلا حاجة إليهم، فجعلهم فرقتين: فريقاً للنعيم فضلاً، وفريقاً للجحيم عدلاً، وجعل منهم غوياً ورشيداً، وشقياً وسعيداً، وقريباً من رحمته وبعيداً، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤]، قال : ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:٢٩ - ٣٠]، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [الأعراف:٣٧].
قال ابن عباس ﵄: هو ما سبق لهم من السعادة والشقاوة].
في هذا المقطع بعض المسائل تحتاج إلى وقفة: الأولى: مسألة الهداية والإضلال، وهذه مسألة في الحقيقة كثيراً ما يخوض فيها الناس، وهي من الأمور التي انبثقت أو خرجت منها شبهات القدرية الأولى والقدرية الثانية، المعلوم من نصوص الشرع القاطعة وما أجمع عليه السلف وهو مقتضى العقل السليم والفطرة، أولاً بأن الله له الحكم وله الأمر، وأنه لا راد لقضائه سبحانه، ولا معقّب لحكمه، وأنه يفعل في خلقه ما يشاء، فلو جعل جميع خلقه من الهداة لكان له ذلك ولا راد لقضائه ولا معقّب لحكمه، ولو جعلهم كلهم إلى غير هذا المصير لكان الله له ذلك؛ لأن الله له الملك وله الأمر ويفعل في ملكه ما يشاء، هذه قاعدة مجملة إذا استشعرها الإنسان استراح من أن يخوض في دقائق الأمور، هذا أمر.
الأمر الآخر: أن مسألة الهداية والإضلال مبنية على علم الله السابق في ماذا سيفعل العباد، والله حينما قدّر على طائفة من عباده الشقاوة قدرها لأنه عالم بأنهم سيسلكون طريق الشقاوة اختياراً لا قسراً؛ لأن الله أعطاهم الاستعداد وأوجد عندهم القدرة وبيّن لهم الطريق، فليس لأحد حجة، فمن هنا كانت كتابة السعادة والهداية والضلال والسعادة والشقاوة مبنية على علم الله السابق عن العباد أنهم فاعلون، ثم بعد ذلك حينما جعل فريقاً للنعيم -نسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم- هذا فضل منه سبحانه، وحينما جعل فريقاً للجحيم هذا مقتضى عدله، وبعض الناس قد لا يفرّق بين العبارتين، أو لا يفهم ما معناها، وقد قلنا بأن الذين أنعم الله عليهم أنعم الله عليهم بفضله سبحانه ورحمته؛ لأن أعمال العباد مهما بلغت من الكمال لا تكافئ شيئاً من نعم الله ، فلو أن إنساناً كان أكثر المعمّرين عمراً وقضى جميع عمره في أكمل عبادة يريدها الله ، فإنه لا يبلغ بذلك مجازاة أو مكافأة نعمة الله عليه؛ بل إن عمله للصالحات هو بتوفيق الله.
إذاً: ليس هناك شيء يكافئ نعمة الله ، وأي عمل يعمله الإنسان لا يكافئ نعمة الله، فنعمة الله على العبد أولاً بوجوده، ثم بتوفيقه له، وتيسير الأمر له، وتهيئة الوسائل العقلية والجوارح والاستعدادات والنبوات والكتب والتوفيق والفطرة والعقل السليم، تهيئة هذه الأمور للعبد ليطيع الله بها، هذه نعمة من الله، ولو لم يهيئها الله للعبد فلا يمكن أن يعبد الله أو يوفق، ثم نعمة التوفيق هي بحد ذاتها نعمة لا يكافئها من العبد عمل أبداً، فعلى هذا تكون هداية من هداه الله والإنعام على من أنعم الله عليه، والحكم بالسعادة والجنة على طائفة من عباده هذا من فضل الله ، ليس بعمل العبد.
المسألة الأخرى: كونه كتب الشقاوة على طائفة من عباده هذا عدل منه، بمعنى: أنه كتبها عليهم بعملهم، ولم تكن الشقاوة مبنية إلا على علم الله عن هؤلاء العباد أنهم سيعصون ويكفرون، ومن هنا كتب الله عليهم الشقاوة.
وهذا راجع إلى معنى التوفيق والهداية، ومعنى عدم التوفيق الإضلال والشقاوة ومترتباتها، ونحن نعلم يقيناً بمقتضى النصوص والفطرة السليمة والعقل الذي يعقل به الإنسان أن الله حينما خلق البشر ما تركهم سدى، ولا تركهم عبثاً، فأوجد عندهم الاستعداد الذاتي بمعرفة الخير وعمله، ومعرفة الشر وتركه، ثم أرسل الرسل وأنزل الكتب، وبيّن للعبد طريق الخير ويسّره لهم وأقدرهم عليه، ورغّبهم فيه وأمرهم به، ثم رتّب عليه الثواب، وهذه حوافز واضحات، ثم بعد ذلك أيضاً خلق الش
стр. 94
عقيدة السلف أصحاب الحديث في الخير والشر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشر والنفع والضر بقضاء الله وقدره، لا مرد لها ولا محيص ولا محيد عنها، ولا يصيب المرء إلا ما كتبه له ربه، ولو جهد الخلق أن ينفعوا المرء بما لم يكتبه الله له لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروه بما لم يقضه الله لم يقدروا، على ما ورد به خبر عبد الله بن عباس ﵄ عن النبي ﵌، وقال الله : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧] الآية.
ومن مذهب أهل السنة وطريقتهم مع قولهم بأن الخير والشر من الله وبقضائه، أنه لا يضاف إلى الله تعالى ما يتوهم منه نقص على الانفراد، فلا يقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان، وإن كان لا مخلوق إلا والرب خالقه، وفي ذلك ورد قول رسول الله ﷺ في دعاء الاستفتاح: (تباركت وتعاليت، والشر ليس إليك)، ومعناه والله أعلم: والشر ليس مما يضاف إليك إفراداً وقصداً، حتى يقال لك في المناداة: يا خالق الشر! ويا مقدر الشر، وإن كان هو الخالق والمقدر لها جميعاً، لذلك أضاف الخضر ﵇ إرادة العيب إلى نفسه، فقال فيما أخبر الله عنه في قوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، ولما ذكر الخير والبر والرحمة أضاف إرادتها إلى الله فقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٨٢]، ولذلك قال مخبراً عن إبراهيم ﵇ أنه قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]، فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى ربه وإن كان الجميع منه ﷻ ].
لعل مما يوضح هذا أن نقول: إن الله خالق كل شيء، وهو مقدر كل شيء، وكل شيء بقدره، الخير والشر وكل شيء من خلقه، لكن لا تنسب إليه مفردات خلق الشر؛ لأن أصل خلق الخير والشر حكمة من الله ، فما دام خلق الشر لحكمة فلا يضاف الشر إليه مباشرة، إنما إلى حكمته، فمن هنا يتبين معنى كلام الشيخ هنا، فالله خلق الشر لحكمة، والله يقول: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]، الفتنة التي يبتلي بها العباد يتبين من ينجح ومن لا ينجح في مثل هذا الابتلاء، فما دام خلق الشر ابتلاءً فالابتلاء جاء لحكمة من الله للعباد، فعلى هذا يكون أصل جميع الخلق الخير والشر لحكمة، فمن هنا يلتغي إضافة مفردات الشر إلى الله ؛ لأن خلق الشر راجع إلى حكمته سبحانه.
стр. 95
عقيدة السلف أصحاب الحديث في مشيئة الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن مذهب أهل السنة والجماعة أن الله مريد لجميع أعمال العباد خيرها وشرها، لم يؤمن أحد إلا بمشيئته، ولم يكفر أحد إلا بمشيئته، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، ولو شاء ألا يعصى ما خلق إبليس، فَكُفْر الكافرين وإيمان المؤمنين بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته، أراد كل ذلك وشاءه وقضاه، ويرضى الإيمان والطاعة، ويسخط الكفر والمعصية، قال الله : ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧]].
стр. 96
الأسئلة
стр. 97
حقيقة التشاؤم من المرأة والدابة والمسكن
السؤال
ثبت في الصحيح قول الرسول ﷺ : (الطيرة شرك)، وجاء في حديث سهل بن سعد أن الرسول ﷺ قال: (إن كان الشؤم في شيء ففي المرأة والفرس والمسكن)، رواه البخاري ومسلم، فهل التشاؤم من الطيرة؟ وكيف الجمع بين هذين الحديثين؟ وهل يقاس على الفرس اليوم وسائل النقل الحديثة؟
الجواب
هذا سؤال جيد ومهم وفيه نوع من التفصيل، لكن أجمل الجواب بما يلي: أولاً: الطيرة شرك، والطيرة المقصود بها التشاؤم من شيء لم يرد في الشرع بأنه مشئوم، والمقصود بالطيرة هنا: التشاؤم الذي يؤدي إلى ترك الشيء أو الإحجام عن العمل أو الترك لا مجرد الاشمئزاز، فمن الطبيعي أن نشمئز من ذكر الشيطان أو من عمل الشيطان أعاذنا الله من الشيطان ومن أعماله ومن الطبيعي أن نشمئز من الكفر وذكر الكفر ومن الكافرين والكفار، فالاشمئزاز والكراهية للشر وأهله هذا من الإيمان ليس من التشاؤم، إنما التشاؤم هو ما يؤدي إلى إحجام الإنسان عن فعل الأسباب أو عن الإقدام على الأشياء، سواء كان إحجاماً قلبياً أو إحجاماً عملياً، فإذا أدى أي شيء من الأعمال إلى أن يترك الإنسان بدون سبب شرعي وإنما لمجرد أن سمع كلمة أو رأى شيئاً لا يعجبه أو خطر له خاطر فأعرض عن العمل، فهذا يعتبر من باب التشاؤم، وهو نوع من الطيرة.
إذاً: فالطيرة هي التطير الذي يؤدي إلى ترك الشيء أو فعله من غير أمر شرعي.
وقوله: (شرك) هذا يدخل فيه جميع أنواع الشرك بما فيه الشرك الأكبر، فإذا كان التطير أدى إلى اعتقاد أن هذا الذي سبب ترك الفعل يضر من دون الله ، كما يتشاءم المشركون بما يدور حول أصنامهم تشاؤماً يؤدي إلى أن يعتقدوا أن هذا المتشائم منه يفعل من دون تقدير الله، فهذا شرك أكبر، لكن غالب صور التطير من الشرك الأصغر، وهو مجرد كراهية الشيء أدت إلى الإحجام خوفاً من أن تكون نتيجة الفعل غير حميدة أو نتيجة الإقدام غير حميدة، فهذا في الحقيقة نقص في الإيمان وشرك دون شرك، ويعتبر من كبائر الذنوب، وهو أغلب ما يقع عند الناس غير المشركين عند عموم المسلمين عن ضعف إيمان، وعن قلة فقه، وعن نوع من الجهل، فهذا شرك دون شرك، وهو الظاهر في عموم أكثر الطيرة التي تحدث عند الناس، ما عدا الذين يشركون أصلاً.
أما التشاؤم في هذه الأمور الثلاثة فقد ورد عن النبي ﷺ فلا يقاس عليها غيرها إلا ما كان في حكمها، ويظهر لي والله أعلم أن السيارة في حكم المركوب الحمار والجمل والفرس.
وأيضاً التطير لا يعني بدون سبب هنا، يعني: الخبر في أن الشؤم يكون في ثلاث لا يفتح باباً للتشاؤم، إنما يعني: أن الإنسان إذا وجد أذى من أحد هذه الثلاث فليتخلص منه، ولا يجوز لأحد أن يعتقد ابتداءً أن المرأة مشئومة، هذا حرام، أو يعتقد ابتداءً أن الفرس مشئوم.
أو يعتقد ابتداء أن المسكن مشئوم، لكن هذه الأمور في الغالب أنها تدور عليها حياة الإنسان أو منافع الإنسان الضرورية، ومنافع الإنسان الضرورية أكثر ما تدور حول هذه الأمور الثلاثة، فمن هنا إذا وجد المسلم أذى كبيراً من هذه الأمور فلا مانع أنه يتخلص منه، فهذا يعتبر نوعاً من الشؤم، لكنه والله أعلم شؤم لغوي لا الشؤم الذي ليس له مبرر أو ليس له مقدمات، فهذه الأمور الثلاثة: المرأة والدابة والسكن الغالب أنه يحدث التشاؤم في بعض حالات أو من بعض أفراد من هذه الأمور، فقد تحدث أمور تنكد على الإنسان فيعد هذا من المعنى العام للتشاؤم لا المعنى الخاص المقصود بالتطير، ففيما يظهر لي أن الشؤم في هذه الأمور لون والتطير لون آخر، وأعود وأقول: إن هذه الأمور الثلاثة إذا واجه الإنسان منها أشياء تبرر التخلص منها فقد يسمى هذا شؤماً، لكن ليس تطيراً، ومع ذلك ليست هذه قاعدة؛ لأن كثيراً من الناس ما يواجه من عسر ومشاكل من هذه الأمور الثلاثة أحياناً يكون بسبب ذنوبه، وأحياناً بسبب تفريطه في الأوراد والأسباب الشرعية.
стр. 98
الجمع بين حديث: (كلتا يديه يمين) وبين حديث: (يقبض السماوات بيمينه والأرض بشماله)
السؤال
ما هو الجمع بين قوله: (كلتا يديه يمين) وقوله: (يقبض السماوات بيمينه والأرض بشماله)؟
الجواب
هذه أجاب عليها أهل العلم بأن المقصود بالشمال اليد الأخرى وليس المقصود بالشمال المعنى المعهود، وإنما هو تعبير عن اليد الأخرى، فهو تجاوز في التعبير.
стр. 99
الكلام في تعليق عمل الإنسان بالأسباب
السؤال
هل هناك قدر معلق إن عمل الإنسان بالسبب كان، وإن لم يعمل لم يكن؟
الجواب
أما معلق استئنافاً فلا، وأما معلق قدراً فنعم، فقد يكون معلقاً قدراً، بمعنى: أن الله جعل تقديره السابق على ما سيفعله الإنسان، لكن التعليق لا يعني أن الله بدا له شيء، أو أنه لا يعلم ما سيفعل العباد، فالتعليق هنا لا يعني إلا فيما يظهر للعباد، أما فيما كتبه الله فليس هناك أمور تعلق، بمعنى: أن الله جعل التخيير فيما يبدو للعباد، كحديث زيادة العمر لمن يصل رحمه، وكحديث: (إن الدعاء والقضاء يلتقيان بين السماء والأرض فيعتلجان، فيغلب الدعاء القضاء)، هذا فيما يتعلق بما يظهر للعباد، أما في تقدير الله السابق فلا شك أن الله قدر ما يكون عليه العبد، قدره سابقاً، إنما لحكمته قد يظهر للعباد بعض الأمور التي تعلق بأشياء معلقة فيما يتعلق بدائرة المعلوم، أما دائرة الغير فلا شك أن الله قدر جميع المقادير، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 100
شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [١٦]
يعتقد أهل السنة أن عواقب العباد مبهمة، فهم لا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، إلا ما جاء فيه النص بعينه، ولكن الأصل في عموم المسلمين أنهم من أهل الجنة، وكذلك لا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل النار إلا ما جاء فيه النص بعنيه، لكن الأصل في عموم الكافرين أنهم من أهل النار، وكذلك انعقد الإجماع على فضل الصحابة وعدالتهم، وأنهم حملوا الأمانة بعد رسول الله ﷺ ، وأنهم خير البشر بعد رسول الله ﷺ ، وينبغي معادات من يسبهم ويطعن فيهم وهم أولى بالطعن منهم.
стр. 101
عقيدة السلف أصحاب الحديث في عواقب العباد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ويعتقد ويشهد أصحاب الحديث أن عواقب العباد مبهمة، لا يدري أحد بما يختم له، ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار؛ لأن ذلك مغيب عنهم، لا يعرفون على ما يموت عليه الإنسان، ولذلك يقولون: إنا مؤمنون إن شاء الله، أي: من المؤمنين الذين يختم لهم بخير إن شاء الله.
ويشهدون لمن مات على الإسلام أن عاقبته الجنة؛ فإن الذين سبق القضاء عليهم من الله يعذبون بالنار مدة لذنوبهم التي اكتسبوها ولم يتوبوا منها، فإنهم يردون أخيراً إلى الجنة ولا يبقى أحد في النار من المسلمين فضلاً من الله ومنة].
هذه المسألة تحتاج إلى شيء من التقعيد والإيضاح، وذلك أنه قد يظهر من كلام المؤلف ﵀ شيء من عدم الوضوح، فالقاعدة أن أهل السنة أهل الحق بمقتضى ما ورد في الكتاب والسنة، لا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار، وربما يظهر شيء من الالتباس مع القاعدة الثانية وهي قوله: (ويشهدون لمن مات على الإسلام أن عاقبته الجنة)، فقد يقال: كيف نقول: لا يحكم لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ثم نقول: نشهد لمن مات على الإسلام بأن عاقبته الجنة؟ وأقول: إنه فرّق -كما ذكر السلف وهو مقتضى النصوص- بين الشهادة العامة لأصناف الناس وبين الشهادة الخاصة للمعين، فإذا كان القصد الجنس فنحن نشهد، وإذا كان القصد الفرد، فنحن لا نجزم، والمقصود بالجنس بأننا نشهد جزماً بأن مصير الكفار الذين يموتون على الكفر إلى النار، لا نتردد في ذلك؛ لأن ذلك حكم الله الذي لا تبديل له، فإن الله حكم على الكفار بأنهم إلى النار، وهذا يشمل الذين ما آمنوا بالرسول ﷺ من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين الخلص والملاحدة والمرتدين، كل هؤلاء لا شك أنهم من أهل النار بلا تردد، ونجزم بأنهم من أهل النار، هذا الكلام عن الجنس وعلى النوع لا على الفرد المعين.
كذلك العكس نقول: إن الأصل في المسلمين أنهم من أهل الجنة، ونشهد بذلك على جنس المسلمين، فمن يموت مسلماً فهو من أهل الجنة قطعاً سواء دخل الجنة لأول وهلة أو كان من أهل الكبائر، إذا لم يَرِدِ الله له المغفرة وعذب بالنار فإنه يدخل بعد ذلك الجنة.
هذه القاعدة نجزم بها؛ لأن المقصود بها جنس الكفار والمقصود بها جنس المسلمين أو عموم الكفار وعموم المسلمين أو نوع الكفار ونوع المسلمين.
فإذاً: هذا فيما يتعلق بالشهادة العامة، أما القاعدة الثانية فهي تتعلق بالفرد بالمعين، فالإنسان إن مات مسلماً نرجو له الجنة وندعو له بذلك، لكن لا نجزم قطعاً إلا لمن ورد النص بحقه سواء كان نوعاً أو فرداً، فمثلاً: نجزم بأن الأنبياء كلهم من ذكروا ومن لم يذكروا لنا من أهل الجنة، وكذلك من ورد ذكرهم في القرآن والسنة بأسمائهم أو أوصافهم نجزم بأنهم من أهل الجنة؛ لأنه ورد ذلك في الكتاب، أما المسلم المعين إذا لم يرد نص في حقه فنحن نرجو له ولا نجزم يقيناً بحيث نعتقد ذلك اعتقاداً نقسم عليه؛ لأن هذا أمر غيبي لا نعلمه؛ ولأننا لا نعلم بما ختم له؛ ولأن الأمور راجعة إلى حكم الله وقضائه، فالله لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه ولا أحد يتألى عليه ولا أحد يتعالى عليه سبحانه، فلا ندري بما ختم الله لهذا الإنسان بعينه، لكننا نرجو له، فتبقى الشهادة هنا بمعنى العموم.
وكذلك الكافر، نحن نجزم بأن جنس الكفار إذا ماتوا كفاراً فإنهم من أهل النار قطعاً، لكن الكافر بعينه فلان بن فلان إذا مات على الكفر فنحن يظهر لنا أنه كافر، ونحكم حكماً عاماً لكن لا نجزم بأن هذا الشخص بعينه من أهل النار قطعاً؛ لأن هذا تأل على الله، ولأن مصائر العباد بيد الله ، ولا ندري بما ختم له، لا ندري فربما ختم له بالإسلام بخاتمة السعادة، وربما أسلم في آخر لحظة فيما بينه وبين ربه قبل الغرغرة، وربما أحدث توبة ولم نعلم بها ففاجأه الموت، فعلى هذا يبقى الاحتمال وارداً ولو واحد بالمليون، وما دام الاحتمال موجوداً فلا نجزم، ثم إن الجزم هو تأل على الله ، والله نهانا أن نتألى عليه.
إذاً: أعود فأقول: إن قول السلف بأنا لا نحكم على واحد بعينه، يعني: الفرد بعينه فلان بن فلان إذا مات على الإسلام لا نجزم بأنه من أهل الجنة قطعاً، لكن نرجو له وإذا مات على الكفر لا نجزم بأنه من أهل النار قطعاً لكن نخشى عليه، أما جنس المسلمين فلاشك إن شاء الله أن مصيرهم إلى الجنة، وأما جنس الكفار الخلص فلاشك أن مصيرهم إلى النار.
وإذا سُمع إنسان ينطق بالشهادة عند الموت فهذه تعتبر علامة من علامات السعادة؛ ولا يجزم بها، لأن مسألة النفاق واردة إلى آخر لحظة، والله قد يحول بين المرء وقلبه، فقد يشهد بلسانه وقلبه في وادٍ آخر، والله أعلم بحال العباد، فما دام وجد الاحتمال سقط الاستدلال.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن مات والعياذ بالله على الكفر فم
стр. 102
المبشرون بالجنة وصفاتهم
قال رحمه الله تعالى: [فأما الذين شهد لهم رسول الله ﷺ من أصحابه بأعيانهم بأنهم من أهل الجنة، فإن أصحاب الحديث يشهدون لهم بذلك، تصديقاً منهم للرسول ﷺ فيما ذكره ووعده لهم، فإنه ﷺ لم يشهد لهم بها إلا بعد أن عرف ذلك، والله تعالى أطلع رسوله ﷺ على ما شاء من غيبه، وبيان ذلك في قوله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]، وقد بشر ﷺ عشرة من أصحابه بالجنة، وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وأبو عبيدة بن الجراح، وكذلك قال لـ ثابت بن قيس بن شماس: (إنه من أهل الجنة.
قال أنس بن مالك: فلقد كان يمشي بين أظهرنا ونحن نقول: إنه من أهل الجنة)].
مسألة الشهادة لأحد بالجنة عن رسول الله ﷺ ثبتت لأناس كثيرين من الصحابة ﵃، ومن غير الصحابة ممن ماتوا قبل الإسلام ممن كانوا من أتباع الأنبياء، فثبتت شهادة النبي ﷺ لأناس غير العشرة، فذكر العشرة لا يعني حصر الشهادة عليهم كما فهم بعض الناس؛ وإنما أطلق عليهم العشرة لأن النبي ﷺ ذكرهم بتعداد في حديث واحد، ولا يعني حصر الشهادة بهم أنها ليست لسواهم، فالنبي ﷺ شهد لأفراد وشهد لأنواع من الناس، كأهل بيعة الرضوان وبيعة الشجرة، وأيضاً النبي ﷺ شهد لأناس بأفرادهم كما هو معروف، وقد بشر بنته فاطمة ﵂ وبشر كل زوجاته بالجنة، وأخبر النبي ﷺ كذلك عن بلال وأخبر عن عدد من الصحابة بأنهم من أهل الجنة، وخبره صدق بأمور ثابتة، لكن هؤلاء العشرة سردهم النبي ﷺ سرداً، وهذا كما ذكر مثلاً: أن علامات الساعة عشر، مع أن علامات الساعة أكثر من عشر، فالعشر إما لأن لها امتيازاً أو أنه ذكرها على سبيل الخبر، ولا يعني: حصر الخبر عليها.
إذاً: فحينما نقول: العشرة المبشرون بالجنة، لا يعني: أنهم هم وحدهم الذين بشروا، إنما لأنه جاء ذكرهم على سبيل التعداد وصرح النبي ﷺ بعددهم وبأشخاصهم دون أن يحصر البشارة عليهم.
стр. 103
عقيدة السلف أصحاب الحديث في بيان أفضل الصحابة وخلافتهم وبيان فضلهم في الجملة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويشهدون ويعتقدون أن أفضل أصحاب رسول الله ﵌ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وأنهم هم الخلفاء الراشدون الذين ذكر رسول الله ﷺ خلافتهم بقوله -فيما رواه سعيد بن جمهان عن سفينة -: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة)، وبعد انقضاء أيامهم عاد الأمر إلى الملك العضوض على ما أخبر عنه الرسول ﵌.
ويثبت أصحاب الحديث خلافة أبي بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ باختيار الصحابة واتفاقهم عليه، وقولهم قاطبة: رضيه رسول الله ﷺ لديننا فرضيناه لدنيانا، يعني: أنه استخلفه في إقامة الصلوات المفروضات بالناس أيام مرضه، وهي الدين، فرضيناه خليفة للرسول ﷺ علينا في أمور دنيانا.
وقولهم: قدمك رسول الله ﷺ فمن ذا الذي يؤخرك؟ وأرادوا أنه ﷺ قدمك في الصلاة بنا أيام مرضه فصلينا وراءك بأمره، فمن ذا الذي يؤخرك بعد تقديمه إياك؟ وكان رسول الله ﷺ يتكلم في شأن أبي بكر في حال حياته بما يبين للصحابة أنه أحق الناس بالخلافة بعده، فلذلك اتفقوا عليه واجتمعوا فانتفعوا بمكانه والله! وارتفعوا به وارتفقوا، حتى قال أبو هريرة ﵁: والله الذي لا إله إلا هو! لولا أن أبا بكر استخلف لما عبد الله، ولما قيل له: مه يا أبا هريرة؟! قام بحجة صحة قوله، فصدقوه فيه وأقروا به.
ثم خلافة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه باستخلاف أبي بكر ﵁ إياه، واتفاق الصحابة عليه بعده، وإنجاز الله سبحانه -بمكانه في إعلاء الإسلام وإعظام شأنه- وعده.
ثم خلافة عثمان ﵁ بإجماع أهل الشورى، وإجماع الأصحاب كافة، ورضاهم به حتى جعل الأمر إليه.
ثم خلافة علي ﵁ ببيعة الصحابة إياه، عرفه ورآه كل منهم ﵃ أحق الخلق وأولاهم في ذلك الوقت بالخلافة، ولم يستجيزوا عصيانه وخلافه.
فكان هؤلاء الأربعة الخلفاء الراشدين الذين نصر الله بهم الدين، وقهر وقسر بمكانهم الملحدين، وقوى بمكانهم الإسلام، ورفع في أيامهم للحق الأعلام، ونور بضيائهم ونورهم وبهائهم الظلام، وحقق بخلافتهم وعده السابق في قوله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمناً﴾ [النور:٥٥] الآية، وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، فمن أحبهم وتولاهم، ودعا لهم، ورعى حقهم، وعرف فضلهم فاز في الفائزين، ومن أبغضهم وسبهم، ونسبهم إلى ما تنسبهم الروافض والخوارج -لعنهم الله- فقد هلك في الهالكين.
قال رسول الله ﵌: (لا تسبوا أصحابي فمن سبهم فعليه لعنة الله)، وقال: (من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن سبهم فعليه لعنة الله)].
خلاصة ما سبق أن الإجماع انعقد عند المسلمين على فضل أصحاب رسول الله ﷺ جملة، وأنهم ثقات عدول، وأنهم حملوا الأمانة بعد رسول الله ﷺ وأقاموا الدين، وأنهم خير البشر بعد الأنبياء في جملتهم، وأن حبهم دين، وأن اتباعهم هو الحق؛ لأنهم الجماعة الذين جعل الله اتباعهم هو السنة ومخالفتهم هي الفرقة والضلال والشذوذ، وأن الصحابة ﵃ أجمعوا على هذا المعنى لما نقلوه عن رسول الله ﷺ وما فهموه من الكتاب والسنة، ثم أجمع على ذلك من جاء بعدهم من التابعين وتابعيهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فكان هذا إجماعاً، ثم يزداد الإجماع عمقاً وقوة في حقوق بعض الصحابة، فالعشرة المبشرون بالجنة أجمع الصحابة أنهم من أهل الجنة، ثم أجمعوا بعد ذلك على فضلهم؛ لأن من لوازم قول النبي ﷺ وتزكيته لهم بأنهم من أهل الجنة أنهم أفضل.
ثم أجمعوا بعد ذلك أيضاً على حقوق الخلفاء الراشدين الأربعة، فكان إجماعاً من جميع الوجوه، ونحن نعرف أن الإجماع بمعناه الحقيقي الشرعي لا ينبني إلا على نصوص سواء كان بنص أو بمجموعة نصوص، اجتمع أهل الحق الذين جعلهم الله يمثلون سبيل المؤمنين على ذلك، فكان ذلك إجماعاً.
وعلى هذا فإن من صور الإجماع المتفق عليها هذه الصور: عدالة الصحابة، والشهادة لمن شهد له النبي ﷺ بالجنة، وبيان حقوق الخلفاء الراشدين الأربعة وأنهم أفضل ا
стр. 104
الأسئلة
стр. 105
الرد على من يقول: (إن صاحب الكبيرة مخلد في النار)
السؤال
كيف الرد على المرجئة الذين يقولون: إن صاحب الكبيرة مخلد في النار؟
الجواب
ليس هذا قول المرجئة، والذين يقولون: صاحب الكبيرة مخلد في النار، يستدلون بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، والذين يقولون بهذا هم الخوارج والمعتزلة، فالصواب أن نقول: كيف الرد على الخوارج والمعتزلة؟ وهم يستدلون بمثل هذه الآية.
وفيما يتعلق بالاستدلال بالنصوص هناك قاعدة مهمة جداً وهي: أن النصوص لابد أن يفسر بعضها بعضاً، فنحن عندنا أدلة تفيد أن مرتكب الكبيرة تحت مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه إذا مات على كبيرته، وأنه إن عذبه يخرج من النار بشفاعة النبي ﷺ ، وبغير شفاعة النبي ﷺ ، كما دلت على ذلك قطعيات النصوص المتواترة، ومن ذلك القاتل، فالقاتل مرتكب كبيرة، والآية التي فيه من باب الوعيد، والوعيد راجع إلى مشيئة الله، هذا شيء.
الشيء الآخر: أن كثيراً من أهل العلم قالوا: إن الخلود لا يعني دائماً الأبدية إلا إذا دلت قرائن وأدلة أخرى؛ فليس كل ما يدل على الخلود يدل على الأبدية، ثم إن الوعيد غير الوعد، الوعد نعلم جزماً أن الله لا يخلف الميعاد، لكن الوعيد تهديد، والله رحمته سبقت عذابه، ولطفه بعباده هو المقدم وكذلك تيسيره للعباد ورحمته بهم هي الأصل، فإن الله قد يتوعد العبد ثم يغفر له، وهذا مقتضى الكرم والكمال لله سبحانه، ألا ترون -ولله المثل الأعلى- أن الإنسان لو توعد غيره وهو قادر على أن يفعل الوعيد، ثم فجأة سمح وعفا ألا يعتبر هذا كرماً؟ فإذا كان قادراً ثم عفا فهذا كمال، ولله المثل الأعلى وهو أولى بالكمال، وكل كمال اتصف به المخلوق فالخالق سبحانه أولى به.
إذاً: لابد من تفسير مثل هذا النص بالنصوص الأخرى، ولذلك من قواعد السلف رد نصوص الوعيد إلى نصوص الوعد، وكذلك نصوص الوعد إلى نصوص الوعيد، فمن أخذ بالوعد وحده فهو مرجئ، ومن أخذ بنصوص الوعيد وحده فهو على منهج الخوارج كما ذكر السلف.
стр. 106
القول في تكفير عموم الرافضة
السؤال
هل هناك من أهل العلم من لم يكفر الرافضة؟
الجواب
هذا السؤال فيه غموض، وقد يلتمس العذر لعوامهم والجهلة.
والسلف لم يكونوا يتكلمون عن العوام والجهلة، والحقيقة أن هذه الأمور وقع فيها الخوض عند المتأخرين، وإلا فقد كان المعروف عند الناس عموماً وعند طلاب العلم على وجه الخصوص أن الأحكام دائماً تنبني على رءوس أهل البدع وشيوخهم، وتنبني على أصولهم وقواعدهم وعلى عقائدهم، ولا تنبني على أفراد ولا على العوام، فالحكم على الشيء بما اشتهر به وبما عليه أصوله، فالأصول سواء كانت أشخاصاً أو مذاهب هي التي عليها الحكم، فلا يكفر أصحاب ملة كلهم لمجرد أنه يرى من عوامهم شيء من الجهل بعقائدهم، ومن فعل ذلك فهذا ما عرف القاعدة، فالقاعدة: هي أن الحكم على كل شيء يكون على أصوله وعلى مؤسسيه، أما الأفراد فلاشك أن السلف كانوا يفصلون في مسألة العوام والأتباع.
стр. 107
مدى صحة قول: (كل خلافة في مسجد رسول الله ﷺ فهي خلافة إسلامية)
السؤال
ذكر شيخ الإسلام عن الإمام أحمد رحمهما الله بأنه قال: كل خلافة في مسجد رسول الله ﷺ فهي خلافة إسلامية صحيحة.
فهل هذا القول يكون عاماً حتى في العصور المتأخرة عن عصر الصحابة؟
الجواب
ما فهمت أنا المقصود بالكلام، والشأن هو في ثبوت هذا عن الإمام أحمد، ثم إذا ثبت ما معنى قوله: كل خلافة في مسجد الرسول ﷺ فهي خلافة إسلامية صحيحة؟ كذلك قوله: خلافة إسلامية صحيحة، فيها نظر، والعبارة ليست من عبارات الإمام أحمد.
وعلى أي حال ربما يقصد الإمام أحمد الأمر الذي وقع عن الخلفاء الراشدين؛ فإنهم كانوا في المدينة، ومع ذلك يبقى هذا الكلام ليس نصاً شرعياً.
стр. 108
حكم تفضيل علي على عثمان ﵄
السؤال
هل يضلل من فضل علياً على عثمان في الفضل والخلافة؟
الجواب
تفضيل علي على عثمان بدعة؛ لأن الذي استقر عليه مذهب السلف والأئمة هو تفضيل عثمان على علي، إلا النادر منهم.
فالسلف اتفقوا على تفضيل عثمان على علي، وما أثر عن بعض السلف من أنهم فضلوا علياً على عثمان فقد تراجعوا عنه، مع أنهم قلة، إلا ما أثر عن الحاكم النيسابوري أنه يفضل علياً على عثمان، لكن هذا قليل، وكذلك عبد الرزاق بن همام كان يفضل علياً على عثمان، لكن هذه آراء قليلة بمثابة زلات لبعض أهل العلم، وقعت الشبهة في أذهانهم، وإلا فإنه بعد استقراء النصوص عن النبي ﷺ واستنفاذ الرواية وجمعها تبين قطعاً عند السلف أن الخلفاء الأربعة ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الإمامة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، هذا ما عليه الجمهور، وعلى هذا يعتبر عقيدة، ومن خالفه فهو مبتدع، فإن كان هذا عن شبهة من عالم فتعتبر زلة من العالم ولا يبدع بها، وإن كان ممن ليس من أهل العلم الذين يعذرون بعلمهم فلاشك أن هذا بدعة.
هذا خلاصة ما استقر عليه السلف: أن تفضيل علي على عثمان بدعة، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 109
شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [١٧]
يعتقد أهل السنة جواز الصلاة خلف كل إمام مسلم براً كان أو فاجراً، وكذلك جهاد الكفرة مع الأئمة سواء كانوا عادلين أو ظالمين جائرين، ويرون الدعاء للأئمة بالصلاح والتوفيق، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف، لما في ذلك من تحقيق الجماعة والأمن للأمة، ويرون الكف عما شجر بين الصحابة، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيباً أو تنقصاً منهم ﵃ وأرضاهم.
стр. 110
عقيدة السلف أصحاب الحديث في الصلاة خلف البر والفاجر والجهاد معهم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم براً كان أو فاجراً].
كما هو معلوم أن الشيخ وأئمة السلف جميعاً يقصدون بأصحاب الحديث أهل السنة والجماعة.
وأصحاب الحديث يرون إقامة صلاة الجمعة بشروطها وضوابطها في كل مكان، وليس فقط في الأمصار التي حددتها بعض الفرق أو بعض الفقهاء، ففي جميع أمصار المسلمين تقام صلاة الجماعة وكذلك العيدين وجميع الصلوات الخمس خلف كل إمام مسلم، سواء كان الإمام الأكبر الخليفة، أو ولاته الذين يتولون الصلاة في كل مكان، أو من ولوا وعينوا في المساجد من قبل الولاة والدولة.
فالأصل صحة الصلاة معه براً كان أو فاجراً، لكن الصلاة خلف الوالي أوجب من الصلاة خلف غيره، بمعنى أنه قد يشرع لجماعة المسجد ألا يقدموا من كان فيه فجور إذا لم يكن هو الإمام الأعظم أو الوالي، بمعنى: أنه إذا كان ليس هو الإمام الوالي أو الإمام الأعظم أو الخليفة أو من كان له ولاية عامة، فإنه لا ينبغي أن يتقدم إن كان فاجراً، ومع ذلك إذا تقدم فقد تصح صلاته، أما إذا كان والياً والناس لا يستطيعون أن يزيحوه عن الإمامة فتنبغي الصلاة خلفه؛ درءاً للفتنة والفرقة والفساد، وإن كان فيه فجور أو ظلم، فقد كان السلف يصلون وراء الحجاج، وهكذا بعض الصحابة كانوا يصلون خلفه رغم أنه ظالم.
فإذاً: شروط الإمامة ومواصفات الإمام يجب العمل بها عند الاختيار، أما عند الاضطرار -بمعنى: أن يكون الإمام له الولاية- فهنا لا ينبغي للمسلمين أن يشقوا عصا الطاعة، ولا يتركوا الصلاة خلف هذا الإمام، بل يصلوا حتى وإن كان فيه فجور وظلم، وصلاته إن شاء الله صحيحة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جورة فجرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف، وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف].
وكذلك يرون الصبر على الأثرة منهم، وكل هذه الأمور راجعة إلى أحاديث صحيحة جاءت عن النبي ﷺ ، وهي من وصاياه العظيمة التي أوصى بها هذه الأمة؛ فقد أوصاهم بالصلاة خلف كل إمام مسلم براً كان أو فاجراً، والجهاد مع أئمة المسلمين أبراراً كانوا أو فجاراً، والدعاء لهم بالصلاح والتوفيق والهداية والدعاء لهم علناً وسراً، فالدعاء لهم مشروع، بل هو من مراعاة مصالح المسلمين العظمى ومن تطبيق السنن التي أوصى النبي ﷺ الأمة بها.
وذلك كله راجع إلى قاعدة عظمى جامعة: وهي الصبر على الولاة والصلاة خلفهم وإن كان عندهم فجور، والجهاد والدعاء لهم وغير ذلك من الأمور، وعدم جواز الخروج عليهم أو إثارة الفتنة أو الفرقة عليهم، كل ذلك راجع إلى قاعدة عظيمة من قواعد الدين، تنظمها النصوص الكثيرة التي وردت عن النبي ﷺ ، والنصوص إذا تكاثرت وكانت تتعلق بمصلحة عظمى من مصالح الأمة صارت من ضمن العقائد التي يجب التزامها، فالسلف ﵏ جعلوا هذا من ضمن العقائد التي تميز منهج أهل السنة والجماعة، ومن منهج السلف الصالح الحديث عن مناهج المخالفين، فكل هذه الأمور التي ذكرها راجعة إلى قاعدة عظيمة: وهي أن الجماعة وتحقيق الأمن ودرء الفتن والفرقة والشذوذ من مقاصد الدين العظمى.
أولاً: تحقيق الجماعة بكل معانيها، أي: الاجتماع وعدم الفرقة؛ وذلك مقصد عظيم من مقاصد الشرع، وهذا المقصد نجد أن النصوص تشعر المسلمين -بل توجب عليهم- بأن لا مساومة فيه، ولذلك ورد في الحديث الصحيح أن من جاء يفرق جمع المسلمين فيجب قتله براً كان أو فاجراً، بل يجب قتله كائناً من كان، كما ورد في مسلم وغيره، وفي قوله: (كائناً من كان) إشارة إلى أنه حتى لو كان عالماً زل أو أخطأ، أو كان من أهل التقى والصلاح إذا كان عمله يؤدي إلى الفرقة بين المسلمين فهذا الأمر لا مساومة فيه.
إذاً: هذه المعاني جاءت لتحقيق الجماعة.
ثانياً: تحقيق الأمن للأمة، والأمن لا مساومة فيه أيضاً؛ لأنه لا يمكن أن يستقيم الدين وتقام الصلوات وشعائر الإسلام والحدود، ولا يمكن أن يأمن الناس على دينهم ودنياهم إلا بالأمن، فنظراً إلى أن ترك الصلاة خلف الأئمة وترك الجهاد معهم وترك الدعاء لهم والخروج عليهم أو إثارة الفتنة ضدهم كلها تؤدي إلى الإخلال بالأمن، فلذلك اعتبرها الشرع، كما ورد في الآيات والأحاديث أن الإخلال بالأمن من الأمور العظمى التي لا مساومة فيها.
كذلك درء الفتن أيضاً ودرء المفاسد العظمى على الأمة ودرء الفرقة والشذوذ أيضاً من مقاصد الشريعة، فهذه كلها من مقاصد الدين العظمى ومصالح الأمة الكبرى التي لا يجوز لأحد من المسلمين أن يساوم عليها، ولذلك جاء التأكيد في هذه المعاني، فيجب عدم اتخاذ الفجور أو الظلم ذريعة لخرق هذه القواعد، والأدلة على هذا صريحة كما هو معلوم.
следующие страницы →