Полный текст (326 стр.). Показаны 316–326 · переход к 321.
стр. 316
فضل صحابة رسول الله ﷺ والوصية باتباعهم
[وإنما دين الله ما بعث به رسله، وأنزل به كتبه، وهو الصراط المستقيم، وهو طريقة أصحاب رسول الله ﷺ ، خير القرون وأفضل الأمة، وأكرم الخلق على الله تعالى بعد النبيين، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] فرضي عن السابقين الأولين رضاء مطلقًا، ورضي عن التابعين لهم بإحسان، وقد قال النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة: (خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: (من كان منكم مُسْتنّا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب رسول الله ﷺ ، أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بدينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.
وقال حذيفة بن اليمان ﵄: (يا معشر القراء! استقيموا وخذوا طريق من كان قبلكم، فوالله! لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولأن أخذتُم يمينًا وشمالاً لقد ضللتم ضلالا بعيدًا)].
فيما يتعلق بأحاديث النبي ﷺ عن خير القرون، وأن خير القرون قرن النبي ﷺ ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، فقد اختلف السلف في تفسير القرون، هل هي الأجيال، بحيث تشمل المائة السنة الأولى، أم هي مئات السنين، إذ المئون تعد قروناً، والأجيال تعد قروناً؟ الراجح والله أعلم أنه يقصد بذلك المئات، أعني: المائة الأولى والثانية والثالثة، ولذلك شواهد وقرائن كثيرة من التاريخ وحال السلف، وهو الذي يرجحه جمهور السلف، من أن المقصود به الثلاثمائة السنة الأولى.
أيضاً: الخيرية لهذه القرون، بعض الناس من المنافقين ومرضى القلوب والجهلة والذين استجابوا لشبهات الذين بدءوا يتجرءون على نهج السلف، قد بدءوا يشككون في معنى الخيرية، وأن الخيرية لا تعني الخيرية التي نقصدها، أي: المنهج في الدين والعقيدة والتعامل إلى آخر منهج هؤلاء الجيل، وصاروا يفسرون الخيرية بتفسيرات جزئية، منها: أن منهم أخيار، وأن الخيرية المقصود بها أن الأمة في ذلك التاريخ أقرب إلى النبوة، وهذه كلها معان صحيحة، لكن ليست هي كل المعنى، بل الخيرية تشمل جميع هذه المعاني قطعاً، فالخيرية من حيث النوع، أي: نوعية الأخيار في القرون الثلاثة الأولى، لا شك أنهم خير ممن جاء بعدهم، هذا من جانب.
والجانب الآخر أن الفرق لم تستفحل بعد وإن وجدت.
والجانب الثالث: أنه رغم وجود الفرق إلا أن الفرق التي خرجت عن الملة كانت نادرة جداً، إذ لم تخرج فرق الردة إلا بعد القرن الثالث.
والجانب الرابع: أن الأهواء والبدع لم تكن لها شأن في تقرير مصائر الأمة في القرون الثلاثة، بينما بعد القرون الثلاثة الفاضلة صار هناك للبدع دول وشعوب وأقاليم، وكيانات حل وعقد في بعض مصائر الأمة ومصالحها العظمى، ثم أيضاً الخيرية تشمل سلامة المناهج في الجملة، واستقرار الدين من حيث المصادر في الثلاثة القرون الفاضلة، فقد استقر الدين في منهجه العام، واستقر سبيل المؤمنين من حيث تنقية المصادر، فبعد القرون الثلاثة الفاضلة لا توجد -مثلاً- مناهج استطاعت أن تجدد في تدوين السنة ودراسة الأسانيد إلا على قواعد الأولين، واستقرت قواعد حفظ الدين ومناهج الاستدلال كذلك، وهي مهمة، وأهم شيء في نهج الدين تحرير المصادر ومناهج الاستدلال والتطبيق.
فهذه كلها تمت في القرون الثلاثة الفاضلة على الوجه الذي استقر به نهج أهل السنة والجماعة، وما بعده مجرد خدمة فقط، حتى جهود الجهابذة مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن جاء بعده من أئمة السنة لا تعدو أن تكون جهوداً في تجديد الكيان وخدمته الذي بناه أصحاب القرون الثلاثة الفاضلة، كيان الدين من حيث إنه منهج المؤمنين في التلقي والاستدلال والمصادر والتطبيق.
وكذلك التجارب والعبر التاريخية التي مرت في القرون الثلاثة الفاضلة طُّبقت فيها جميع ما تحتاجه الأمة من تطبيقات الدين، وعليه فالخيرية في هذه القرون الثلاثة تعني جميع معاني الخيرية، فهي عامة، ولا تعني معنى معيناً، هذا شيء.
والشيء الآخر في كلام ابن مسعود: (فمن كان مستناً فليستن بمن قد مات)، فقد بدأنا نسمع من بعض المفتونين كلاماً غريباً، وهو أنهم يقولون: أنتم الآن تتعلقون بالمشايخ الأحياء -وهذا غلط- فلا تتعلقون إلا بالأموات! ويستدلون بمثل هذا النص، وهذا يدل على الجهل، فنحن حينما نتبع أئمة الهدى فإنا نقسّم الاتباع من حيث اتباع الأئمة إلى قسمين: القسم الأول: الأئمة الذين ماتوا، بمعنى: أننا عرفنا أنهم ماتوا على ما كانوا عليه من الهداية والتوفيق والعلم، فهؤلاء ضمنّا بإذن الله أن الاقتداء بهم والاهتداء ممن لم يملك
стр. 317
سبيل الله واحد وما عداه سبل باطلة
قال رحمه الله تعالى: [وقد قال عبد الله بن مسعود ﵁: (خط لنا رسول الله ﷺ خطاً، وخط حوله خطوطاً عن يمينه وشماله، ثم قال: هذا سبيل الله، وهذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣])].
في هذا الحديث والآية أصل من الأصول البدهية والمسلّمات والثوابت في الدين، والتي أيضاً بدأ يشكك فيها بعض المفتونين والمنافقين، وذلك حينما نجم النفاق في هذا الوقت، وهي دعوى أن الدين والإسلام يشمل سبلاً، وأن كل هذه السبل مرضية، وأنها على الحق! وهذا عين الباطل، فالدين الحق سبيله واحد وليست سبلاً، والسبل الأخرى إنما هي أهواء وافتراق، وأصحابها من المسلمين نرعى لهم حقهم في الإسلام، لكن لا نجعل بدعهم من الدين، ولا نساوم على السنة، ولا نتنازل عنها قيد شعرة، ولا يكون مبدأ الحوار بيننا وبينهم أن نتنازل عن شيء، وهم يتنازلون عن شيء، ثم بعد ذلك نتقارب، لا، نتقارب في التعامل وفيما يتعلق بمصالحنا العامة في المصالح المعيشية، وفيما فيه مصلحة للإسلام والمسلمين، ودرء للمفاسد وجلب للمصالح، ودفع للضرر عن الأمة من العدو المشترك.
أما أن نتقارب بمعنى نتنازل عن السنة فلا، وأذكر أني حضرت بعض المناسبات أو بعض الفرص التي كان فيها نوع من محاولة جر أهل السنة إلى أن يتنازلوا عن بعض الثوابت التي لا يملكون التنازل عنها، فلما قُدّمت أحد البحوث في هذا الملتقى التي تقول: إنه يجب أن نفرّق بين العقيدة والثوابت، صاح أولئك الذين حضروا -حتى ممن ينتسبون للسنة-: هذا حجر على الآخرين، هذا ظلم، هذا ليس بتفاهم ولا حوار! حتى الناس من أهل السنة قالوا: إذاً لماذا أتينا؟ لا بد أن نتنازل ويتنازلون! فقيل لهم: لا يمكن أن نتنازل، نعم نتنازل في كذا وكذا، أما أن نتنازل عن السنة، والحق البيّن فلا نملك ذلك أصلاً، ولو تنازلنا فإنا سنخسر ديننا وذممنا، والحق ليس فيه تنازلات، بل الحق طريق وسبيل واحد، ليس فيه سبل ولا خيارات، وإن تكلم بهذا بعض الكبار من الدعاة، فهو خطأ وزلل منهم، ولا نتبعهم في ذلك، مع أننا لا نلزم الآخرين، ولا نملك أن نكره أحداً في الدين، لكن لا نتنازل عن الحق، وإن خفيت خدعة التنازلات على بعض المنتسبين للسنة، وبعض من ينتسبون للعلم، فلا يعني ذلك أن هذا هو الحق، فهذه زلات وجهالات، وربما تكون أموراً تعتري القلوب والمصالح، أو أموراً تحدث من أفراد أهل السنة، حتى وإن كانوا علماء، أو منتسبين للعلم لملابسات أخرى، لكنها لا تخرق المنهج، فالصراط الذي نحن عليه هو واحد، ولذلك كثيراً ما نؤكد أن أصول السنة واحدة، ولم يختلف عليها أهل السنة قديماً ولا حديثاً، وما يجري من بعض أهل السنة والعلماء وغيرهم من خلاف على بعض المسائل الملتحقة بالعقيدة فلا يعني ذلك اختلاف في الأصول، ولو قُدّر أن عالماً من علماء السنة خالف في أصل من الأصول، فهذه زلة وليس عيباً في المنهج، مع أني لا أعرف من أئمة السنة الكبار أنه خالف في أصل من الأصول القطعية والثوابت، وأنا أدّعي هذا، وسبق أن عرضت هذا الأمر أكثر من مرة، وقلت: من يدّعي أنه توجد مخالفة من إمام معتبر من أئمة السنة في أصل من الثوابت والقواطع فليأت ببينة، نعم هناك مسائل ملحقة بالثوابت خالف فيها بعض الأئمة؛ لأنها مسائل أشكل فيها الدليل فقط، أما الثوابت والقطعيات والأصول، كأركان الإيمان، وأركان الإسلام، والشفاعة، والرؤيا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد وغيرها من القضايا القطعية، فليس فيها خلاف.
стр. 318
التحذير من طريق اليهود والنصارى
قال رحمه الله تعالى: [وقد أمرنا سبحانه أن نقول في صلاتنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] وقال النبي ﷺ : (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون)؛ وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم يتبعوه، والنصارى عبدوا الله بغير علم.
ولهذا كان يقال: تعوذوا بالله من فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون، وقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤]، قال ابن عباس ﵄: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
وقرأ هذه الآية.
وكذلك قوله تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:١ - ٥]، فأخبر أن هؤلاء مهتدون مفلحون، وذلك خلاف المغضوب عليهم والضالين.
فنسأل الله العظيم أن يهدينا وسائر إخواننا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً].
стр. 319
الأسئلة
стр. 320
أنواع تقنين الشريعة وحكمها
السؤال
ما رأي الشيخ في مسألة تقنين الشريعة؟
الجواب
مسألة تقنين الشريعة من الأمور التي تحتاج إلى شيء من التفصيل، فأولاً: يختلف مفهوم تقنين الشريعة بين علماء الشريعة اليوم وقبل اليوم، فبعضهم يقصد بتقنين الشريعة: عنصرتها ووضعها على شكل فقرات واضحة عند القاضي أو المحامي أو طالب العلم أو غيرهم، بمعنى: وضعها على شكل مواد تشبه المواد القانونية، لكنها فقهية خالصة، فيضم بعضها إلى بعض، وتضم إلى اجتهادات المعاصرين، وتضم إليها المسائل التي تتعلق بالأنظمة الحاكمة عليها، مثل: نظام الحكم، نظام الحكم عندنا الآن ولله الحمد إسلامي شرعي يعتمد على الكتاب والسنة في أكثر من مادة، فمن الممكن مثلاً التقنين، فتربط الأحكام الفقهية بالأصول التي قام عليها هذا النظام، وذلك من باب أنها قواعد شرعية عامة متفق عليها، أو أنها قواعد عامة تنبني على قواعد الشرع، وهذا النوع من التقنين قد يكون سائغاً إذا توافرت الضمانات في ألا يؤدي ذلك إلى مرحلة الخروج من مقتضى الشريعة.
وهناك نوع آخر من التقنين: وهو إعطاء القوانين صفة الشرعية، المسألة عكسية، بمعنى: محاولة تسويغ القوانين وتعديلها، وجعلها نفس المواد، مثل: القانون المصري، فإنه يدّعي بعض واضعيه أنه ينسجم مع المذاهب الفقهية خاصة المذهب الحنفي، وهذه في الحقيقة دعوى عريضة، مع أنك إذا اطّلعت فيه لم تجد فيه من علامات الفقه والشرع سوى في المضامين أو الصياغة، إلا ما يتعلق بالنزعة الإنسانية فقط، فتجد حماية الأخلاق، والعدل، ودفع الظلم، وهذا كلام مجمل تقوله جميع الأمم، لكن لا تجد في هذه القوانين التي رأيتها مصطلحات فقهية شرعية، ويريدون أن يعطوها صفة القانون! بل ويقول لك: إنها تنسجم مع القواعد العامة للمذهب الفلاني.
مع أن عبارة: (القواعد العامة) فضفاضة، فتجد مثلاً القانون الفرنسي والقانون الإنجليزي والقانون المصري الذي يدّعون أنه ينسجم مع الفقه سواء، ولا تجد بينهما فرقاً، فهذا النوع من التقنين لا شك أنه خطير، وليس هو المقصود عندنا -ولله الحمد- في هذا البلد، وأكثر الذين يتكلمون عن التقنين من طلاب العلم أو المشايخ -وهم قلة- يقصدون النوع الأول، والذي هو: وضع الأحكام الفقهية على شكل مواد تقرب للقاضي والحاكم والناظر والمستشار والباحث المسائل الشرعية، بشكل يتناسب مع مستجدات العصر الإدارية والأساليب والوسائل التي تتجدد، فمثلاً: القضاء، فلابد أن يحكم قضايا المرور، وقضايا الاقتصاد، وقضايا الطب الحديث وغيرها؛ لأننا إذا أخذنا زاد المستقنع أو شرح الزاد لا نستطيع أن نأخذ منه أحكاماً واضحة لمعالجة مشكلات معاصرة، مثل: صدام السيارات، فلا يوجد في الفقه القديم أحكام تنص على ذلك، لكن توجد له قواعد ونظائر، لذا فهم يريدون بالتقنين: جعل هذه القواعد والنظائر على شكل مواد تُريح من التخبيط والاجتهاد الخاطئ الذي يكثر في تطبيق القضايا المعاصرة على القديمة، وعليه فنقول: إن تسمية هذا النوع من العمل تقنيناً هو الذي أدخل اللبس على الناس، وإلا فهو يعني عنصرة الفقه المعاصر؛ ليمكن تنفيذه أمام القاضي بدون أن يتعب ذهنياً، فيبحث عن المسألة ويقارب ويقارن، وبدون أن يخالفه المدّعي العام أو المُحامي، أو الخصم أو أي معترض؛ لأن الأمر بين وواضح، فلا يبقى في ضمير القاضي أي شيء.
وأخيراً: أنا أتوقف عن هذه المسألة؛ لأنها في الحقيقة مهمة ويكثر فيها اللبس، والأمر إذا كان -في تقديري وقد أكون مخطئاً- في أيد أمينة، فأرجو ألا يكون فيه حرج، ومع ذلك الذين يتخوّفون، أو يتوجسون خيفة من هذا التوجه معهم الحق؛ لأنه من خلال تجاربي السابقة قد وجدنا الألم، والمؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين، فأنا حينما أرى بعض الغيورين يتوجّسون خيفة من شعارات التقنين، فأنا أعذرهم، لكن ينبغي أيضاً أن يعالجوا الأمور باعتدال وحكمة.
стр. 321
تأثر الكثير من أهل العلم بفكر الإخوان وحكم تصنيفهم ضمن أهل البدع
السؤال
ما رأيكم حول انتشار فكر الإخوان المسلمين في الجامعات والمدارس وغيرها، وتأثر الكثير من أهل العلم بهذا الفكر، وتصنيفهم ضمن أهل البدع، وأنه لا داعي للجهاد إذا كانت أبواب الدعوة مفتوحة؟
الجواب
هذا الكلام فيه جانب حق وجانب باطل، فأما أن تكون دخلتنا عبر مناهج الإخوان وغيرها بعض المناهج البدعية فكرية وعقدية فنعم دخلتنا، وخاصة في جانب المناهج في الدين، ومناهج الدعوة، وفي جانب العقيدة، وقد يكون تأثير الإخوان عقدياً ممن تأثروا بمنهج الإخوان في المملكة، وقد يكون تأثيرهم ضعيفاً جداً، بل لا أعرف أن واحداً مثلاً تحوّل إلى أشعري بسبب أنه إخواني، أو تحوّل إلى صوفي بسبب أنه إخواني، بل تجد بدعاً أخرى، كبدع المواقف من العلماء، وبدع المواقف من الدولة، وبدع الثرثرة في السياسة أكثر من اللازم إلى حد الوسوسة، وبدع مناهج الدعوة والتعبد بها، وبدع التنظيمات التي تتخذ بشكل إلزامي، وبدع الأفكار تجاه السنة وأهلها، فقد تكون من جانب بعضها بدعاً صريحة، وبعضها تدخل في التوجه البدعي، وأخذناها كمفردات ولا نقول: هذه بدعة، لكنها تخدم التوجه البدعي، أو تخدم مناهج أهل البدع، وكذلك: التساهل، والتميع، والإرجاء، والتصوّف مما يتساهل فيه الإخوان، كما أصبح منهج الإخوان منهجاً عاماً يدخل فيه عدة فئات أيضاً، فقد يُصنّفون على أن إخوانهم ليسوا على منهج الإخوان في العقيدة، أو في بعض الأفكار، فهناك مناهج توصف بأنها إخوانية وهي تخالف بعض أصول الإخوان، وقد وجد هذا فعلاً، وهو من أمراضنا اليوم، رغم أن المشاكل التي تجري أسبابها كثيرة، لا يجوز أننا نحيلها على الإخوان وهذا غلط، فنحن نتحمل بتفريطنا وبتقصيرنا في تنشئة الأجيال، ونتحمل جزءاً من المشكلة والمسئولية، وأيضاً عوامل كثيرة أدت إلى ما وصلنا إليه من الفرقة بين الشباب، ووجود مظاهر الغلو والمواقف الحادة من الدولة ومن العلماء، فهذه توافرت فيها عوامل كثيرة، ومن الظلم أننا نرجعها إلى عامل أو عاملين أو حتى عشرة عوامل، بل توافرت فيها عوامل كثيرة جداً، من ضمن هذه العوامل مناهج الإخوان، وتربيتهم للشباب تربية فيها انحراف عن نهج السنة، وعزلهم عن العلماء ولو لم يتعمدوا ذلك، وإنما المنهج التطبيقي للإخوان هو الذي يعزل الشباب الصغار عن العلماء، أيضاً اتخاذ المواقف المريبة تجاه الدولة والمسئولين، فقد ربت طوائف منهم الشباب على هذا المنهج قصدوه أو ما قصدوه، أيضاً إهمال الثوابت عندنا، وإهمال التعلق بدعوة السنة في هذا البلد، وإهمال البيعة، وإهمال شرعية الدولة، بل ربما بعضهم يرى عكس ذلك، لكن لا نتهم النيات، فإذا ما رأوا عكس ذلك فهم أهملوا هذا الجانب وتربية الأجيال عليه، فحدث هذا الفصام، وكان لمناهج الإخوان أثر في ذلك، لكن من جانب آخر أيضاً ليس كل من ينتسب إلى الإخوان أو نُسب يكون بهذه الصفة، خاصة في الآونة الأخيرة بعد الأحداث وبعد التجارب، فقد وجد اعتدال كبير حتى عند كثير ممن ينسبون إلى الإخوان أو ينتسبون، ووجد أيضاً عوامل أخرى كثيرة تسببت في هذا الفصام، فأنا أقول: الأمر يحتاج إلى التوازن.
أيضاً كل الدعوات لها إسهام في جوانب الخير، فيجب أن تُذكر وتشكر، كاحتضان الشباب عما هو أعظم، مثل: صرف الشباب إلى التدين، وإلى الخير، وإلى طلب العلم الشرعي، وإن كان اهتمامهم بالعلم الشرعي ضعيفاً، لكن مع ذلك فمبدأ طلب العلم الشرعي موجود، خاصة وإن كان لا يوجد عند التبليغ، لكن يوجد عند غيرهم، فأقول: هذه الجماعات لها حسنات يجب أن تُذكر وتُشكر؛ لأن القضية قضية غفلة في المجتمع عن الشباب، فلو تصورنا أن الشباب تُركوا من جميع هذه الدعوات فما الذي أمامهم؟ الأحزاب، اتجاهات علمانية، اتجاهات حادة من قوميات، وناصرية، وبعثية، ومخدرات، ومصائب، وانفلات أخلاقي، وانفلات عقدي.
فإذاً: الأمر يؤخذ بتوازن إذا نظرنا إلى ظروف الأمة وأحوالها، ونقول هذا رغم أن الجماعات عندها كثير من الأخطاء، إلا أنها أيضاً حملت معنا شيئاً من العبء في احتضان كثير من شبابنا، فكان المفروض أن تعالج هذه المشكلات بالتناصح، وأن يكون الأمر بعلاج الأخطاء لا بهدم الكيانات؛ لأن الهدم لا يؤدي إلى نتيجة، بل يضر الجميع، فأنا أعتقد أن هذه اللهجة لهجة هدّامة ليست لهجة إصلاح، مع أني لا أدري ماذا قال الشيخ؟ وربما قال كلاماً أحسن من هذا، فإذا كان الأمر -وأنا صرّحت- قد وصل إلى وسائل الإعلام فلا بد أيضاً أن نقول ما نرى أنه الحق، أما أن يقال: إنهم أهل بدع مطلقاً فلا؛ لأنني أعرف أن الغالبية الكبرى من الشباب الذين يُنسبون للإخوان ليسوا من البدع في شيء، وما قلته قبل قليل هو موجود في المناهج وليس في تصرفات الأفراد.
فإذاً: الأمر يحتاج إلى توازن وإلى المعالجة بالحكمة، وأعود فأقول: نعم هذه الأمور توجد، لكن علاجها هو بعلاج الأخطاء لا بالتشهير والتنفير، ولا بالاستعداء، ولا بالمحاسبة على الماضي بالشكل الذي يهدم ولا يبني، فنحتاج إلى أن نتناصح، وإلى أن نصحح أخطاء، وإلى أن نبيّن وجه الحق من غير أن نُسقط ذمم الآخرين، فهؤلاء
стр. 322
واجب المسلمين تجاه ظاهرة تدنيس المصحف
السؤال
ما واجب المسلمين تجاه ما حدث من تدنيس للمصحف؟
الجواب
لاشك أن هذا الأمر شنيع، لكن لابد أن تؤخذ الأمور بالضوابط الشرعية، وخاصة الأمور الكبار التي تتعلق بمصالح الأمة، وأنا أرى أنه لابد من الرجوع إلى أهل العلم والعقل والحكمة في ذلك، كما لابد من إنكار هذا المنكر بالوسائل المتاحة بحدود وضوابط؛ لأنه يجب أن نراعي الظروف التي نعيشها، من حيث إننا لا نستفز عدواً متربصاً خبيثاً، بل لا أستبعد أن يكون لها أصل، لكن ربما يكون لا أصل لها، وإنما هي نوع من إبقاء الحجر الاستفزازي لاستثارة الأمة، ومن أجل التذرع بالتدخل في شئون المسلمين بشكل أكبر، وأنا منذ أن سمعت هذه القصة ورد في خاطري -ولا تزال الأحداث تؤكد ما أظنه- أن القضية قضية استفزازية، وذلك من أجل جر الأمة إلى فتنة عظيمة، فالذي ينبغي أن نأخذ الأمور بقدر، ولا نترك القضية تمر بسلام، بل لابد أن نرجع إلى مشايخنا وعلمائنا والدعاة الراشدين، ونأخذ الأمور بالطرق التي تؤدي إلى أن نحفظ كرامتنا وكرامة ديننا، بدون التصرفات المتشنجة التي يفرح بها العدو، ويتخذها ذريعة لأن يتدخل أكثر، فكفى الأمة هواناً وذلاً فيما هي فيه الآن، فلا نزيد من تصرفاتنا المتشنجة التي تؤدي إلى مزيد من الهوان والذل، فلابد أن يكون هناك تثبت على مستوى يُطمئن إليه، ولذا فهم قد نفوا، وأنا قد قرأت نفيهم، وزعموا أن الصحيفة التي نشرت هذا ما تثبتت، بل كانت مجرد عبارات طليقة، وأن هذا ما ثبت عندنا لكنه من مصدر مسئول، فيبقى الأمر نحسب له حساباً في نتائجه، والإنكار الإعلامي والخطابات مطلوب، لكن إلهاب المشاعر بشكل يؤدي إلى تصرفات هوجاء ترجع إلينا بالضرر في ديننا وأنفسنا، أمر يجب أن نحسب له حساباً.
стр. 323
حقيقة التيامن في الصفوف
السؤال
هل يفضّل كل من في الصف الأيمن على الصف الأيسر في الصلاة؟
الجواب
التيمن مطلوب، وكون الإنسان يكون على يمين الإمام هذا نوع من التيمن، لكن من الأشياء التي يلاحظها بعض المشايخ وبعض أهل العلم: أنه إذا انحاز الناس كلهم إلى اليمين وتركوا شمال الإمام أن هذا يؤدي إلى الخلل في المصافّة، ونحن مأمورون بالتوازن خاصة في العبادة، وبالذات في الصلاة، فقد جاءت التوجيهات الربانية والسنة النبوية بالأمر بالإتقان في كل شيء، لذا فليس من اللائق أن يكون المصلون على جهة من الإمام والجهة الأخرى فاضية، فهذا غير لائق ولا يناسب التوازن في المصافّة، أما إذا كان الأمر مقارب فلا مانع أن الإنسان يختار اليمين.
стр. 324
بيان المقصود بكلمة (الليبرالية)
السؤال
يكثر في هذه الأيام استخدام بعض المصطلحات الغريبة في الصحف، مثل: كلمة (الليبرالية) فما معنى ذلك؟ وما موقفنا من ذلك؟
الجواب
كلمة: (الليبرالية) تعني: العلمانية، وهي عزل الدين عن الدولة وعن الحياة، كما تعني الإعراض عن شرع الله، وكلمة: الليبرالية لكونها ألطف وجديدة فقد فرح بها العلمانيون، وبدأ الواحد يقول: أنا ليبرالي، وما درى أن الناس عندهم عقول، لذا نقول: ليبرالي يساوي علمانياً؛ لأنه ليس هناك فرق، ثم إن هذه المصطلحات كمصطلحات أجنبية بينها نوع من الاختلاف، لكن الغايات والمقاصد واحدة، فكلها مصطلحات تخدم التوجهات الغربية، وكلها تنخر في عقيدة الأمة وفي دينها وأخلاقها وكيانها؛ بل وكلها عوامل هدم.
стр. 325
الجمع بين قوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيماً)، وقوله: (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام)
السؤال
كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾ [الأنعام:١٥٣]، وقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة:١٦]؟
الجواب
هذا كأنه استشكل أو تصور وتوهم أن هناك اختلافاً بين قوله : ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة:١٦] وقوله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام:١٥٣]، وتفسير النبي ﷺ لها وتفسير ابن مسعود، وهو الصحيح، أي: أن المقصود: الصراط المستقيم فاتبعوه، ولا أظن أن هناك تعارضاً، أي: بين مسألة الهداية والإضلال من الله ابتداءً، ومسألة تكليف العباد بأن يسلكوا سبيل الهداية ويتركوا طريق الضلالة، فهذا مما كلّف الله به جميع العباد وأمرهم به، ومع ذلك فمسألة الهداية مبنية على توفيق الله ولا تناقض؛ لأنه قد يقول قائل: إذا كانت مبنية على توفيق الله، فكيف يُطلب منا أن نتبع الصراط ونهتدي به، مع أن هذا أمر مقرر قدراً؟! فنقول: قد سبق الكلام عن هذا، أي: عن مسألة تقدير الله في الهداية والإضلال، السعادة والشقاوة، وقلنا: إنها مبنية على علم الله السابق عن كل إنسان ماذا سيفعل؟ فلما علم الله عن هذا الكافر بأنه سيضل قدّر عليه الضلالة، يعني: كتبها عليه بناء على علمه سبحانه بأنه سيضل، وسيختار طريق الضلالة، وكذلك حينما كتب الله السعادة والهداية على من سعدوا واهتدوا، فلسابق علمه بأنهم سيهتدون في الاختبار وسينجحون في الاختبار، وهذا مبني على علم الله بمصائر العباد بالاختبار، فهذا الأول: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ [المائدة:١٦] بأن الله جعل اتباع الرضوان سبباً للهداية، والتي هي التوفيق، ومع ذلك أمر الجميع بأن يتبعوا الصراط فقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣] فهذا أمر عام، من تبعه صار من المهتدين، وقدّر الله لهم ذلك، وضل من ضل فصار من الضالين، وقدّر الله عليهم ذلك بناء على علمه السابق، فلا تنافي بين هذا وذاك؛ لأن الفارق بين التقدير والاختيار فارق غيبي لا ندرك منه إلا ما تقوم به الحجة علينا، فالقاسم بين التقدير والاختيار للعباد قاسم غيبي لا يعلمه إلى الله ، لكن الفارق فيما يتعلق بأفعالنا أمر بين لكل ذي بصيرة، وهو أن كل عاقل يجد أنه قادر على أن يفعل الشر أو يفعل الخير، وكل عاقل يجد أن عنده تمييزاً فضلاً عن مسلم يدّعي الإسلام، فإنه إذا نظر في أدلة القرآن وأدلة السنة وجد أبواب الهداية مفتوحة، والتحذير من الضلالة بيّنة، وهو إن سلك أبواب الهداية فعن بصيرة مستجابة لأمر الله، ولم يُرغم عن ذلك إرغاماً، وإن سلك طريق الضلالة والعصيان فهو يعلم أن ذلك باختياره، ولم يرغمه أحد ولا ألزمه، ولذلك إذا فقد الإنسان عقله فلا يكلف؛ لأنه لم يعد عنده تمييز بين النافع والضار، بين الصالح والفاسد، والتمييز نوعان: تمييز فطري، ويكون في القضايا العامة، وتمييز شرعي، وهو الذي يُعرف بأدلة الكتاب والسنة، ومن هنا يؤتى كثير من الناس في تفريطه بالأخذ بأدلة الكتاب والسنة، فقد لا يعرف طريق الهداية؛ لأنه لم يتسبب في معرفته، وقد يقع في طريق الضلالة؛ لأنه لم يتسبب في معرفته ليتجنبه، وهذه كلها راجعة إلى أمور يدركها العباد في أنفسهم لو تأملوا وأنصتوا، أما جانب الغيب فهو أمر محجوب عن العباد، ولذلك لما ذكر النبي ﷺ كتابة مصير الإنسان عندما يبلغ (١٢٠) يوماً: شقي أو سعيد، قال الصحابة ﵃: (فبم العمل يا رسول الله؟ قال: اعملوا فكل ميسّر لما خُلق له)، فهناك جانب غيبي، وهو ماذا كتب الله لهذا العبد؟ فإن كان لا يدري، والغيب محجوب عنه، وعنده الأسباب وهي أمامه، فليسلكها، وكلنا الآن يُدرك، بل وكل عاقل يدرك ويجزم أن كل واحد منا يعلم أن المصير المكتوب غيب، كما كلنا يُدرك أيضاً أن سبيل الحق بيّن، وسبيل الضلال بيّن، فإذاً: ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة:١٤ - ١٥]، والله أعلم.
стр. 326
خطأ من يقول: إن الشريعة في أي زمان ومكان تطبق تطبيقاً كاملاً
السؤال
كيف تقول: إن الشريعة تطبق عندنا في كل شيء؟
الجواب
أسألكم بالله هل عرفتم مني هذه العبارة، أو قلت: في الجملة؟! إن مشكلة الفهم في الإسقاط، وينبني على هذا الفهم فوارق، وأنا أعذر الأخ القائل بذلك وأسامحه، لكن كونه ينبني على مثل هذا الكلام أحكاماً خطيرة، ينبغي التثبت عند نقل الكلام، لذا فأقول: حتى في عهد الخلفاء الراشدين أحياناً لا تطبق الشريعة في كل شيء، بل ولا أحد يقول: الشريعة تطبق في كل شيء، لكن قد ترد العبارة بمعنى آخر: أنه مجملاً النظام العام كذلك.
ثم يقول السائل: وفي وزارة التجارة والعمل تطبّق القوانين الوضعية التي ليست في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ في القضايا التجارية وقضايا العمل؟ وأقول: الأصل في الأنظمة أنها مبنية على الالتزام بالشريعة الإسلامية، وهذا نظام الحكم موجود، وأغلب الأنظمة تسند إلى هذا وتشير إليه، مع أنه توجد تجاوزات في بعض الوزارات وغيرها، وهذه التجاوزات لا نستطيع أن نحكم عليها؛ لأن كلانا طرف غائب ولم نتحقق، والأمر يحتاج إلى أن نتثبت عن مدى شرعية مثل هذه الأعمال، أو مخالفتها للشرع، هذا من ناحية.
والناحية الأخرى: ما هي حجة القائمين على هذه الأعمال؟ وهل عندهم مسوغ؟ وهل عندهم تأول؟ وهل عندهم فتاوى؟ وهل هم يزعمون أن هذه ليست محاكم إلى آخر ذلك من الأسئلة الواردة؟ إذاً: هذا يترك للراسخين في العلم، لذا فأنصح نفسي والسائل وأمثاله بأن يترك هذه المسائل للأئمة الكبار الراسخين في العلم، فهم الذين يحكمون فيها، إذ هي قضايا لا تزال تهمهم وأهمتهم قديماً، ولا يزالون يبحثونها، ولهم مع ولاة الأمر كلام كثير، ونصائح وتبادل آراء، والموضوع يناقش وما أُهمل، لكن ومع ذلك قد لا يستطيعون عمل كل شيء، فتبقى أعمال البشر تعتريها الخطأ والسهو والخلل، ويعتريها الانحراف، ومثل هذه الأمور تعتبر من الأمور التي تعد من مصالح الأمة العظمى، فلا يجوز في مثل هذا الدرس أن أفصّل فيها بغير بيّنة، أنا ولا غيري ولا السائل أيضاً، أو يبني مثل هذه الأحكام، فليتق الله في نفسه وفي أمته وفي دينه، وليحرص أن يتفقه، وإذا تمكّن -إن شاء الله- وصار من الراسخين في العلم، فالله يقويه ويعينه، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.