Полный текст (326 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الأصل الأول: توحيد الإلهية
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [الأصل الأول: توحيد الإلهية، فإنه سبحانه أخبر عن المشركين -كما تقدم- بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله، يدعونهم ويتخذونهم شفعاء بدون إذن الله، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨]].
стр. 282
أنواع الشرك الواقع في الأمم والطوائف والفرق
هذا نوع من أنواع الشرك، وهو النوع الأكثر والغالب فيما وقعت فيه الأمم عامة وفيما وقع فيه مشركو العرب خاصة، فقد كان الأغلب في شركهم أنهم زعموا أن من يقدّسونهم من أشخاص أو أحجار أو أشجار أو أشياء غيبية غائبة أو حاضرة من الصالحين وغير الصالحين، أن هؤلاء وسطاء لهم، وأنها تشفع لهم عند الله، وقد يعبدون الله من وجه، ويعبدون هذه الأصنام من وجه، وقد يفرد طوائف منهم العبادة للأصنام؛ زعماً منهم أنهم ليس لهم دالة على الله لارتكابهم للمعاصي والآثام، ليس لهم وجه بأن يعبدوا الله، وهذا من عبث الشيطان بهم، وبعضهم يعبد الله ويعبد هذه الأصنام، وبعضهم قد يعتقد -وهذه مسألة يغفل عنها كثير من الناس اليوم- فيها النفع والضر، وقلبه يتوجه إليها عند الضرورة.
النوع الثاني: هناك من يعبد غير الله مباشرة، ويزعم أن في المعبود خصائص الإله، وهذا ما عليه كثير من مشركي المجوس والهنود وغيرهم، فلا يعبدون الله أصلاً، بل يعبدون الصنم مباشرة، لا لأنه وسيط؛ بل لأنه عندهم هو المستحق للعبادة، وهذا النوع من الشرك أغلب ما يكون في البلاد البعيدة عن بلاد العرب.
وهناك نوع آخر، لكن قد لا يكون من هذا النوع: وهو ادعاء خصائص إلهية أو ربوبية في أحد المخلوقات، حتى وإن لم يوجه له عبادة ولا رجا ولا خشيه، لكنه إذا اعتقد أن مخلوقاً من المخلوقات فيه خصيصة من خصائص الرب فهذا شرك اعتقادي، وهذا يقع فيه كثير من الفلاسفة، والذين يستكبرون عن العبادة، فتجد في قلوبهم تقديساً لشيء من المخلوقات، ويدّعون أن في بعض المخلوقات خصائص الرب أو بعض خصائص الرب، وهذا النوع من الشرك يوجد عند طوائف من الأمم.
النوع الآخر: شرك الحلول، وهو أن يعتقد أن الله حل في شيء من المخلوقات، كالروح أو العقل أو النفس أو في أي من تعبيراتهم الكثيرة، فمثلاً: خرافة العقل الفعّال، فيرون أن العقل الفعّال هو الله، وأن هذا العقل الفعّال وجد في المحركات للكون، وهذا نوع من الحلول، وبعضهم يرى أنه حل في بعض المخلوقات أو في كلها جزءاً من الإلهية حلول روح أو حلول عقل أو حلول نفس أو أي نوع من الحلول، وأحياناً يكون الأمر أكبر من ذلك، فقد يكون أحياناً اتحاداً، وهذا قمة الشرك، أي: اعتقاد أن الكون كله هو الله، وأنه ليس هناك وجود ذاتي لله غير وجود المخلوقات.
وهذه كلها دخلت على العرب قديماً، ودخلت على المسلمين تحت مذاهب شتى، خاصة مع الطرق الصوفية التي صارت أوعية، ولذلك من خلال الطرق استطاع أمثال ابن عربي وابن الفارض والسهروردي المقتول ومن نحا نحوهم أن يُدخلوا وحدة الوجود على المنتسبين للإسلام من خلال الطرق، ومن خلال التصوف الذي يسلّم للشيخ، ويعتقد أنه مهما عمل فعمله كله بركة، ولو كان شركاً خالصاً.
قال رحمه الله تعالى: [فأخبر أن هؤلاء الذين اتخذوا هؤلاء شفعاء مشركون، وقال تعالى عن مؤمن يس: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس:٢٢ - ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤]، فأخبر سبحانه عن شفعائهم أنهم زعموا أنهم فيهم شركاء، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤] وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [السجدة:٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام:٥١].
وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَكَ
стр. 283
من تحقيق شهادة التوحيد إفراد الله بجميع أنواع العبادة
قال رحمه الله تعالى: [ومن تحقيق التوحيد أن يعلم أن الله تعالى أثبت له حقاً لا يشركه فيه مخلوق، كالعبادة والتوكل، والخوف والخشية، والتقوى، كما قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:١١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر:٦٤] إلى قوله: ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٦]، وكل من الرسل يقول لقومه: ((اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)).
وقد قال تعالى في التوكل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٠]، وقال: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩]، فقال في الإتيان: ((مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ))، وقال في التوكل: ((وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ)) ولم يقل: ورسوله؛ لأن الإتيان هو الإعطاء الشرعي، وذلك يتضمن الإباحة والإحلال الذي بلغه الرسول، فإن الحلال ما أحله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرّعه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
وأما الحسب فهو الكافي، والله وحده كاف عبده، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، فهو وحده حسبهم كلهم.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، أي: حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين هو الله، فهو كافيكم كلكم، وليس المراد أن الله والمؤمنين حسبك، كما يظنه بعض الغالطين؛ إذ هو وحده كاف نبيه وهو حسبه، ليس معه من يكون هو وإياه حسباً للرسول.
وهذا في اللغة كقول الشاعر: فحسبك والضحاكَ سيف مهند وتقول العرب: حسبك وزيداً درهم، أي: يكفيك وزيداً جميعاً درهم.
وقال في الخوف والخشية والتقوى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢] فأثبت الطاعة لله والرسول، وأثبت الخشية والتقوى لله وحده، كما قال نوح ﵇: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:٢ - ٣] فجعل العبادة والتقوى لله وحده، وجعل الطاعة للرسول، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله.
وقد قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤]، وقال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، وقال الخليل ﵇: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨١ - ٨٢].
وفي الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: (وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي ﷺ : إنما هو الشرك، أو لم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣])، وقال تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل:٥١]، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:٤١]].
ذكر الشيخ هنا بعض الألفاظ في العبادة، فبعضها من الألفاظ التوحيدية الخالصة، وبعضها تحتاج إلى شيء من التفصيل، وبعض هذه المعاني الإيمانية والقلبية لا يجوز صرفها إلا لله ، وبعضها قد يشتبه مع الفطري الغريزي، فمثلاً: مقام التقديس والتعظيم لا يكون إلا لله، أما المقام الفطري فهو أمر لا يدخل في المنهي عنه، فمثلاً: التوكل
стр. 284
الأصل الثاني: حق الرسول ﷺ
قال رحمه الله تعالى: [الأصل الثاني: حق الرسول ﷺ ، فعلينا أن نؤمن به، ونطيعه، ونتبعه، ونرضيه ونحبه ونسلم لحكمه، وأمثال ذلك، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤]، وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، وأمثال ذلك].
نقف عند هذا الحد؛ لأن الموضوع الجديد يتعلق بتقسيم أهل الضلال، وهو تقسيم منهجي يحتاج إلى مزيد تعليق.
نسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 285
الأسئلة
стр. 286
بيان مذهب السلف والخلف في أسماء الله وصفاته
السؤال
نرجو التعليق حول قول القائل: إن السلف قالوا في الآيات والأحاديث الواردة في الصفات: نؤمن بها كما وردت، ونترك بيان المقصود منها لله تعالى، فيثبتون اليد والعين كل ذلك بمعان لا ندركها، ونترك الإحاطة بعلمها لله، لا سيما وقد نُهينا عن ذلك في قول النبي ﷺ : (تفكّروا في خلق الله ولا تتفكّروا في الله، فإنكم لن تقدروه حق قدره)، ثم يقول: إن الخلف قالوا: إننا نقطع بأن معاني ألفاظ هذه الآيات والأحاديث لا يُراد بها ظواهرها، فهي مجازات، ولا مانع من تأويلها، ولو بحثت الأمر لعلمت أن مسافة الخلاف بين الطريقين لا تحتمل شيئاً من هذا، لو ترك كل منهما التطرف والغلو، وأن البحث في هذا لا يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة، وهي: النفور عن الله تعالى، ثم يقول: يتفق السلف والخلف على التأويل، وينحصر الخلاف بينهما: أن الخلف زادوا تحديد المعنى المراد؟
الجواب
على أي حال أنا لا أدري كلام من هذا؟ إذ إن الكلام يحتاج إلى أن يُنظر فيه كله، فقد اشتمل على أمور بيّنة وأمور فيها عمومات، وفرق بين مذهب السلف ومذهب الخلف في هذا الجانب، فالسلف يثبتون ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ ، من غير تشبيه وتمثيل وتكييف، وينفون ما نفاه الله عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ ، من غير أن يُعطّلوا أو ينكروا الصفات.
أما مسألة المعاني فهذا كلام مجمل، فإن قصد به المعنى الذي هو مراد الله فهذا يُثبت بالحقيقة التي يريدها الله ، والسلف يثبتون ذلك، لكن أحياناً قد ترد بعض النصوص التي يُشكل تفسيرها، فيقولون: الله أعلم بمراده، أو نجريها على ظاهرها، ويقصدون بالظاهر الحقائق التي تليق بالله، وهذا هو الظاهر؛ لأنه ما جاء السياق إلا لإثبات حق، ولإثبات كمال لله ، وما وراء الظاهر من الكيفيات التي لا يعلمها إلا الله فنتوقف فيه، أما مذهب الخلف فهو يخالف، ولا شك أن الحق لا يتعدد؛ لأنه إذا تعدد ضاع الناس، وهذا في المعطيات، بينما في الاجتهاديات يتعدد الصواب أو عدمه؛ لأن الاجتهاديات مبنية على أن الناس تُعبِّدوا بأن يستنبطوا المعاني من النصوص، ومن هنا قد يخطئ، ومن يخطئ عن اجتهاد فهو مأجور، ومن يصيب عن اجتهاد فله أجران، ومن أخطأ ولم يقصد الخطأ فلا يضره ذلك؛ لأن المسائل الاجتهادية تتعلق بممارسات الناس، فيجري فيها الخلاف على ضوء اختلاف النصوص أو منازع الاجتهاد من النصوص، أما القطعيات، ومنها: أسماء الله وصفاته وأفعاله فلا يجوز تعدد المعنى فيها؛ لأنه إذا تعدد ماذا يعتقد الناس؟! هل تقول: والله أظن الحق كذا! وكذا! وإذا قلت ذلك فهل نستطيع أن نعتقد شيئاً؟ ولذلك الخلف الذين خالفوا منهج السلف في الإثبات ليس لهم رأي واحد، فقد ضاعوا وأضاعوا الناس من خلفهم، فضاعت من خلفهم ملايين المسلمين فيما يتعلق بالله في أسمائه وصفاته وأفعاله.
إذاً: مذهب الخلف ليس هو مذهب الحق، وكون بعضهم يقع في مثل هذه المذاهب عن اجتهاد وتأوّل، وقد تكون زلّة من غير قصد، فلا يعني ذلك أن اجتهاده سائغ، فنحن قد نعذره من حيث إنه أخطأ الحق من غير قصد، وأخطأ الحق من غير عمد، لكن لا يجوز أن نقول: الحق عند هؤلاء وعند هؤلاء، أو نقول: السلف على حق، والخلف على حق! فالحق لا يتعدد.
стр. 287
شرح العقيدة التدمرية [٢٩]
الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة، وقد ضلت فيه طوائف عدة من هذه الأمة، ويرجع أصل الخلاف إلى ثلاث فرق رئيسية: مجوسية، وهم الذين كذبوا بقدر الله وإن آمنوا بأمره ونهيه، ومشركية، وهم الذين أقروا بالقضاء والقدر وأنكروا الأمر والنهي، وإبليسية، وهم الذين أقروا بالأمرين لكنهم جعلوا هذا متناقضاً من الرب ، وطعنوا في حكمته وعدله، أما أهل السنة فيؤمنون بهذا وهذا مع التسليم التام لله .
стр. 288
مذاهب الفرق الضالة في القدر
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل: وإذا ثبت هذا فمن المعلوم أنه يجب الإيمان بخلق الله وأمره بقضائه وشرعه].
قوله: (بخلق الله) يقصد بها: القدر كله، والذي هو متعلق بربوبية الله سبحانه، فكل معاني الربوبية تجتمع في معنى الخلق؛ لأن الخلق هو مبدأ الربوبية من حيث المخلوقات لا من حيث الخالق، فالله ربوبيته وخلقه متصف بها قبل وجود المربوبات والمخلوقات، لكن من حيث نشأة الربوبية ومن حيث وجود المربوبات فإنه يتعلق ذلك بربوبية الله وقدره.
وقوله: (وأمره) يشمل الأمر القدري والشرعي، ثم قال: (بقضائه وشرعه) فالقضاء جزء من الخلق، والشرع جزء من الأمر، فقوله: (بخلق الله وأمره) أعم، فالخلق يشمل القضاء وغير القضاء، والأمر يشمل الشرع وغير الشرع، فهو قد خصص بعد تعميمه.
والشيخ هنا سيذكر بعد هذا الكلام تقسيم أهل الضلال في القدر إلى ثلاثة أقسام، وعلى هذا نقول: إن مذاهب الناس في القدر أربعة: الأول: مذهب أهل الحق، وهو الإيمان بقدر الله إيماناً كاملاً، فيؤمنون بالقدر خيره وشره من الله .
ثم المذاهب الثلاثة التي سيذكرها، وكلها مذاهب ضالة وباطلة.
قال رحمه الله تعالى: [وأهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرق: مجوسية، ومشركية، وإبليسية].
يقصد هنا: المناهج لا جزئيات المقالات، فكلمة (مجوسية) و (مشركية) يدخل فيها مئات المذاهب، لكن هو ذكر جماع مذاهب الباطل، يعني: أصول مذهب أهل الباطل في الديانات والفرق والأفراد، قديماً وحديثاً، وهذه المناهج هي: المنهج المجوسي، والمنهج المشركي، والمنهج الإبليسي، وسيشرح الشيخ كل واحد على حده.
стр. 289
منهج فرقة المجوسية في القدر
قال رحمه الله تعالى: [فالمجوسية الذين كذبوا بقدر الله، وإن آمنوا بأمره ونهيه، فغلاتهم أنكروا العلم والكتاب، ومقتصدوهم أنكروا عموم مشيئته وخلقه وقدرته، وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم].
سمي هؤلاء بالمجوسية؛ لأن أشهر من عُرف من الأمم بالتكذيب بالقدر هم المجوس، وهذا تسبب في أنهم عبدوا إلهين، وزعموا أن الشيطان هو خالق الشر، فعبدوه من دون الله، ويسمونه: إله الشر، وهم أكثر من تعمّق في هذه المسألة إلى حد أنهم ألّهوا الشيطان وعبدوه من دون الله، ولا يزال إلى الآن توجد فرقة في العراق هم من عبدة الشيطان، وهي نزعة أو فصيل من فصائل الاتجاه المجوسي، وإن كانوا ينتسبون إلى ديانة أخرى، والمهم أن هذه النزعة أصلها في المجوس، ويوجد مثلها أو ما هو أقل منها عند جميع الأمم، ونظراً لأن الله قد كتب الافتراق على جميع الأمم، فإنه ما من فرقة من فرق الديانات الكتابية إلا وفيها فرقة مجوسية قدرية، وكذلك هذه الأمة حين كتب الله أنها ستفترق، وأنها ستتبع سَنن من كان قبلها من الأمم، فقد تأثرت بسنن المجوس، فدخلت الفلسفة المجوسية إلى المسلمين من خلال مذهب القدرية الأولى، والتي أنكرت جميع مراتب القدر، بمعنى: أنها أنكرت علم الله بالشر، وكتابته للشر، ومشيئته وخلقه، ثم نشأ عنها مذهب المعتزلة -لما رأوا قوة مواجهة السلف لهذا المذهب، وأن السلف كفّروا من يُنكر العلم والكتابة بقطعية النصوص- الذين تأولوا لأنفسهم وقالوا: بنفي قدر الله فيما يتعلق بالمشيئة والخلق، وقالوا أيضاً: إن الله لا يشاء الشر ولا يخلقه، ولذلك أُلزموا بأن يقولوا: بأن الإنسان خالق أفعال، وهذا إلزام عقلي حتمي؛ لأنهم إذا كانوا يزعمون أن الله لم يقدر الشر، ولم يشأه، ولم يخلقه، مع أن الله قال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]، وقال: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، إلا أنهم مع ذلك حين قالوا بهذه المقولة قال لهم السلف: إذاً هذه الأفعال التي هي أفعال الشر وتقولون بأنها ليست من خلق الله، لابد أن يكون لها خالق، وبالنسبة للإنسان فلأنه نشأتْ منه أفعال الشر، فإنه يكون خالق أفعال، وعليه فهذا المذهب راجع إلى القدرية المجوسية.
стр. 290
منهج فرقة المشركية في القدر
قال رحمه الله تعالى: [والفرقة الثانية: المشركية، الذين أقروا بالقضاء والقدر، وأنكروا الأمر والنهي، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨] فمن احتج على تعطيل الأمر والنهي بالقدر فهو من هؤلاء، وهذا قد كثر فيمن يدعي الحقيقة من المتصوفة].
سمي هؤلاء بالمشركية لأن غالب المشركين على هذا المبدأ، إذ إنهم يقرون بأن الله هو الرب سبحانه، وأنه الخالق، وأنه المدبّر، ولذلك جاءت أسئلتهم في القرآن، وبيّن الله أنهم أقروا بهذه الأمور، لكن حينما جاءتهم الأوامر الشرعية والنهي، وعندما جاءهم النبي ﷺ بالدين، وطلب منهم أن يعبدوا الله وحده، وطلب منهم مقتضى لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبوا الأمر والنهي، وبقوا على مجرد دعوى أنهم موحدون بتوحيد الربوبية، وهذا ما عليه كل من يقع في الشرك من الأمم، وممن ينتسب إلى الإسلام، فيزعمون بأنهم يعظمون الله ، وبأنهم يؤمنون بتوحيد الربوبية، ويظنون هذا هو التوحيد، لكنهم يخلون بالأمر والنهي، إما بالابتداع في الدين، وإما بالإعراض.
وأما النصارى فمنهم فِرَق، حيث تجتمع فيهم هذه الفرق كلها، فمنهم فرق قدرية، وأغلب النصارى قدرية فيما يظهر لي، والله أعلم.
стр. 291
منهج فرقة الإبليسية في القدر
قال رحمه الله تعالى: [والفرقة الثالثة: وهم الإبليسية الذين أقروا بالأمرين، لكن جعلوا هذا متناقضاً من الرب ، وطعنوا في حكمته وعدله، كما يُذكر ذلك عن إبليس مقدمهم، كما نقله أهل المقالات، ونُقل عن أهل الكتاب].
стр. 292
مذهب أهل السنة في القدر
قال رحمه الله تعالى: [والمقصود أن هذا مما تقوله أهل الضلال، وأما أهل الهدى والفلاح فيؤمنون بهذا وهذا، ويؤمنون بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، وأحاط بكل شيء علماً، وكل شيء أحصاه في إمام مبين.
ويتضمن هذا الأصل من إثبات علم الله، وقدرته، ومشيئته، ووحدانيته، وربوبيته، وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه، مما هو من أصول الإيمان].
стр. 293
إثبات أهل السنة للأسباب
قال رحمه الله تعالى: [ومع هذا فلا يُنكرون ما خلقه الله من الأسباب، التي يخلق بها المسببات، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف:٥٧]، وقال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة:١٦]، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦]، فأخبر أنه يفعل بالأسباب].
هنا الأدلة صريحة بأن نسبة كل الأمر إلى الله ، وكل الأمر يأتي بالأسباب حتى الشر، كقوله : ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة:٢٦] فالضلالة بأسباب، والهداية بأسباب، والأسباب كلها من الله ، وهذا يتبين بشكل أوضح من خلال الكلام القادم، لكن كيف يقال: بأن ننسب الشر إلى تقدير الله؟ نعم يقال ذلك؛ لأن الله ما فعل ذلك ولا قدره إلا لحكمة؛ ليميز الخبيث من الطيب، والهدى من الضلال، وليميّز أيضاً بين أهل الهدى وأهل الضلال في النهاية، ولأن الدنيا دار امتحان، والامتحان لا يمكن أن يُميّز فيه بين الناجح وغير الناجح، بين الهالك والفائز، إلا بمثل هذا التمييز، كما قال الله : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] فمرد ذلك كله إلى حكمة الله .
وهؤلاء غالباً يسمون بـ (أهل الكسب)، أي: كسب الأشياء، فيقولون: إن الله يفعل عند الأسباب لا بالأسباب، وهذه فلسفة سيتكلم عنها الشيخ بتفصيل أكثر، لكن يقصدون بها أن الله إنما يخلق القدرة للقادرين، فالإنسان الحي الذي يتحرك يخلق الله له القدرة على الحركة أثناء عزمه على الفعل، مع أنه لم توجد عنده قدرة لا قبل ولا بعد، وهذه فلسفة لا طائل تحتها، ولا تعدو أن تكون نوعاً من التحكم، وإساءة الأدب مع الله سبحانه، وكأن الله عاجز عن أن يجعل هذا الإنسان أو الحيوان قادراً على الفعل قبل أن يفعل بعده، ولذلك سموا بـ (أهل الكسب) بمعنى: أن الإنسان يكسب الشيء فجأة وصدفة من غير قصد.
стр. 294
ضلال من أنكر الأسباب وشرك من جعلها هي المبدعة
قال رحمه الله تعالى: [ومن قال: إنه يفعل عندها لا بها، فقد خالف ما جاء به القرآن، وأنكر ما خلقه الله من القوى والطبائع، وهو شبيه بإنكار ما خلقه الله من القوى التي في الحيوان، التي يفعل الحيوان بها، مثل قدرة العبد].
هؤلاء يقولون: إن الإنسان والحيوان لا يفعل بالأسباب، وإنما يفعل عندها، يعني: أن هناك قدرة موازية للعزم على الفعل، وهذه القدرة ليست موجودة عند الفعل، لا عند الإنسان ولا عند الحيوان، فمثلاً: القدرة على المشي لمن أعطاه الله قدرة على المشي، أو أعطاه الوسيلة لذلك، لذا يقولون: كونه عنده قدمان سليمتان لا يعني أنه قادر على المشي، لكن إذا عزم على المشي وجدت القدرة، وهذه فلسفة لا تغني شيئاً، وإنما هي تحصيل حاصل، مع أن الله قد أوجد عنده القدرة قبل أن يفعل وعندما يفعل وبعدما يفعل، وهذه راجعة إلى مسائل أخرى سيأتي الكلام عنها فيما بعد.
قال رحمه الله تعالى: [كما أن من جعلها هي المبدعة لذلك فقد أشرك بالله، وأضاف فعله إلى غيره، وذلك أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه].
وهذا ليس إلى ما لا نهاية، بل تنتهي الأسباب إلى قدرة الله وإرادته، يعني: أن الأسباب ليست متسلسلة إلى ما لا نهاية، لكن القصد أن الأسباب تتسلسل إلى القدرة لله حينما خلق بـ (كن) أو خلق بأسباب أخرى سبحانه.
قال رحمه الله تعالى: [ولابد من مانع يمنع مقتضاه إذا لم يدفعه الله عنه، فليس في الوجود شيء واحد يستقل بفعل شيء إذا شاء إلا الله وحده، قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات:٤٩] أي: فتعلمون أن خالق الأزواج واحد].
قبل أن نتجاوز هذا، هناك مسألة مهمة في هذا الباب، إذا تصورها الإنسان سلم اعتقاده في هذا الجانب: وهي أن الله جعل الأسباب متسلسلة إلى منشأ السبب الأول، وهو قدرة الله سبحانه، والتي أيضاً تكون لله على ما يليق بجلاله، هذه الأسباب أحياناً قد تصل إلى مئات الأسباب، سبب وراء سبب وهكذا، حتى يرجع الأمر إلى القدرة الأولى والأخيرة، وهي قدرة الله سبحانه، فالله خالق كل شيء ومقدّر لكل شيء، فإذا أراد شيئاً قال له: كن، فيكون، لكن إذا كانت مسألة الأسباب ستأتي فعلى سبيل المثال: حياة الإنسان والحيوان من حيث حياة الرطوبة وغيرها راجعة إلى الماء، فالله جعل من الماء كل شيء حي، الماء ما سببه؟ المطر، والمطر ما سببه؟ البخار، والبخار ما سببه؟ إذاً: حسب ما يطلع الله عباده من الأسباب، وأحياناً يصلون إلى نهاية، قد تكون هناك أسباب غيبية أيضاً لا نعلمها، لكن ومع ذلك مرد الأمر في النهاية إلى المسبب الأول وهو الله ؛ لئلا نقول: إن الأسباب متسلسلة إلى ما لا نهاية فهذا لا يُعقل ويستحيل، لا بد أن تنتهي إلى نهاية وهي قدرة الله ومشيئته.
стр. 295
جهل من قال: إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ولهذا من قال: إن الله لا يصدر عنه إلا واحد، لأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، كان جاهلاً، فإنه ليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيء، لا واحد ولا اثنان، إلا الله الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون، فالنار التي خلق الله فيها حرارة لا يحصل الإحراق إلا بها، وبمحل يقبل الاحتراق، فإذا وقعت على السَّمَنّدَل والياقوت ونحوهما لم تحرقهما، وقد يُطلى الجسم بما يمنع إحراقه، والشمس التي يكون عنها الشعاع لابد من جسم يقبل انعكاس الشعاع عليه، فإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف لم يحصل الشعاع تحته، وقد بُسط هذا في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أنه لابد من الإيمان بالقدر، فإن الإيمان بالقدر من تمام التوحيد، كما قال ابن عباس ﵄: هو نظام التوحيد.
فمن وحّد الله وآمن بالقدر تم توحيده، ومن وحّد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده].
في بداية الكلام أشار الشيخ إلى مسألة هي في الحقيقة فلسفة، حيث أراد بها الرد على الذين عندهم النزعات الفلسفية، ومن تأثر بمقولة: إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وهذه فيها صيغ كثيرة عند طوائف من الفلاسفة، وأشهرها: أنهم يزعمون أن الذي يدير الكون على جهة التفصيل ليس هو الله ، لأن الله واحد، والواحد لا يصدر عنه إلا واحد، فينكرون الأفعال لله ، ولا يعتقدون أن الله فعّال لما يريد، ولذلك بعضهم وضعوا صنماً وسيطاً يزعمون أنه يدبّر الكون، وسموه بـ (العقل الفعّال)، وتسميه الصوفية بـ (الغوث) أو (القطب)، فهذا عندهم هو الذي يحكم جزئيات الأفعال في الكون، ويخلق الأسباب ويدير الكون، وهذا ناتج عن نظرتهم التجريدية الإلحادية لله ، فهم لا يرون لله وجوداً فعلياً ذاتياً، ومن هنا لا يرون أن الله يفعل، ويزعمون أن توحيده يقتضي تنزيهه من الفعل، ولذا نجد أثر هذه المقولة عند الفرق الكلامية من الجهمية مثلاً، إذ إنهم ينكرون الأسماء والصفات عموماً؛ لأنهم لا يرون أنه قابل للتسمية ولا الوصف، ومن ذلك ألا يُسمى خالقاً، ولا مدبراً، ولا فعّالاً، ولا يوصف بذلك.
ثم جاءت المعتزلة وخففت هذا الضلال، فأخذت بنصفه وتركت نصفه، فأثبتت الأسماء وأنكرت الصفات، وذلك ناتج عن أنهم لا يرون أن الله قابل للوصف؛ لأن ذلك يلزم منه إثبات وجوده الذاتي، وإذا ثبت وجوده الذاتي ثبت علوه واستواؤه على عرشه، وأنه فعّال لما يريد، وهم ينكرون ذلك.
ثم تسلسلت هذه المقولة الخبيثة إلى علماء الكلام من غير المعتزلة، ممن يُنسبون للمتكلمين، وكذلك الذين ينتسبون للأشعري والماتريدي، فأنكروا أيضاً الصفات الفعلية لله ، ثم بعد ذلك أنكروا الصفات الذاتية، وكل ذلك أيضاً راجع إلى هذه النزعة، أي: أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، مع أنهم لا يصرّحون بها، لكنهم أخذوا بلوازمها، فأنكروا الأفعال لله .
قال رحمه الله تعالى: [ولابد من الإيمان بالشرع، وهو الإيمان بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، كما بعث الله بذلك رسله، وأنزل كتبه].
стр. 296
حاجة الإنسان إلى الشرع في سيره إلى الله وفي معاشه
قال رحمه الله تعالى: [والإنسان مضطر إلى شرع في حياته الدنيا، فإنه لابد له من حركة يجلب بها منفعته، وحركة يدفع بها مضرته، والشرع هو الذي يميز بين الأفعال التي تنفعه، والأفعال التي تضره، وهو عدل الله في خلقه، ونوره بين عباده، فلا يمكن الآدميين أن يعيشوا بلا شرع يميزون به بين ما يفعلونه ويتركونه.
وليس المراد بالشرع مجرد العدل بين الناس في معاملاتهم، بل الإنسان المنفرد لابد له من فعل وترك، فإن الإنسان همام حارث، كما قال النبي ﷺ : (أصدق الأسماء حارث وهمام) وهو معنى قولهم: متحرك بالإرادة، فإذا كان له إرادة فهو متحرك بها، ولابد أن يعرف ما يريده، هل هو نافع له أو ضار؟ وهل يُصلحه أو يفسده؟ وهذا قد يعرف بعضه الناس بفطرتهم، كما يعرفون انتفاعهم بالأكل والشرب، وكما يعرفون ما يعرفون من العلوم الضرورية بفطرتهم، وبعضه يعرفونه بالاستدلال الذي يهتدون به بعقولهم، وبعضه لا يعرفونه إلا بتعريف الرسل وبيانهم لهم، وهدايتهم لهم].
المعارف غير العقيدة، وهذا مما يجب التنبه له، لا سيما بعدما كثر الذين لا يفهمون العقيدة، وبدءوا يشككون في المسلّمات، زعماً منهم أن العقل هو الذي يقرر الثوابت، مع أن هناك فرقاً بين المعرفة والاعتقاد، فالمعرفة قد تتحول إلى اعتقاد وقد لا تتحول، والاعتقاد هو الأمر اللازم شرعاً، سواء كان مما تقتضيه الفطرة والعقل السليم أو لا تقتضيه، بمعنى: سواء كان مما ندركه أو لا ندركه.
ومن هنا فإن مفهوم العقيدة أخص وألزم من المعرفة، وعلى سبيل المثال: فإن العقول السليمة والفطر المستقيمة تُدرك كمال الله ، لكن هل كل عقل يُدرك ذلك؟ لا، فليس كل عقل يدرك ذلك، فبعض العقول قد يعتريها الخلل، والهوى، والنقص، والخواطر، والوساوس، والأوهام إلى غير ذلك، بل غالب العقول وأكاد أجزم أنه يندر أن يوجد العقل السليم الذي يقرر هذه الثوابت العلمية المعرفية، والتي هي ثوابت شرعية بموجب النصوص، ولذا أقول: إن العقول السليمة والفطر المستقيمة تقرر كمال الله ووحدانيته، وأنه الخالق وحده، وتقرر وجوب العدل الذي هو من أصول الاعتقاد عندنا، ودفع الظلم عن الخلق، وتقرر حاجة الناس إلى شرع يحكمهم، وهذا الشرع ينبغي ألا يكون منهم، بل ممن هو عليم خبير بالخلق، والعقول السليمة تدرك ذلك.
ثم إن العقول السليمة أيضاً تُدرك ضرورة البعث، لكن ومع ذلك هل ممكن أن هذه المعارف تتحول إلى حقائق يقينية بدون ما يرد بها الشرع على جهة الإلزام؟ أقول: في الأمر شك؛ لأن البشر لا يطيع بعضهم بعضاً في المعارف، فلو أن واحداً من الناس أو مجموعة من الناس قرروا قضية فطرية، فإنهم لا يستطيعون أن يقولوا للناس: إنها لازمة، إلا بتكلف ودلائل وبراهين قد تقنعهم وقد لا تقنعهم، لكن إذا قالوا: هذا هو حكم الله الذي جاء من السماء، هذا الوحي المعصوم، أصبح عقيدة عند من يدين بالوحي، وهذا شيء.
والشيء الآخر: أن الفطر السليمة وافقت الشرع، لكن حينما وافقت الشرع هل جاءت لنا بالتفاصيل؟ هناك تفاصيل تتعلق بجميع القضايا التي تدركها العقول على الإجمال، وهناك تفاصيل لا يمكن أن تُدركها العقول إلا بالوحي، وهي مناط الاختبار والتكليف، فمثلاً: عندما تُدرك العقول كمال الله ، فهل تستطيع أن تصف الله وتسميه بأسمائه الحسنى كما جاء في الكتاب والسنة؟ لا؛ لأن من أوصاف الله ما لا يمكن أن تصل إليها العقول ولو لم يرد في الكتاب والسنة، كإثبات الاستواء على العرش، واليد، والوجه، والنزول، والمجيء، والكلام وغير ذلك من الصفات الثابتة، والعقل السليم لا ينكرها ما دام أنها قد ثبتت، لكن قبل أن تثبت لا يستطيع أن يقول فيها بشيء، فمثلاً: البعث، فإن العقل السليم والفطرة يُدرك مجملات البعث، لكن هل يعرف عذاب القبر ونعيمه، والبعث، والحشر، والنشور، والصحف، والميزان، والصراط، وتفاصيل نعيم الجنة، وتفاصيل عذاب النار؟ كل ذلك لا تدركه العقول.
إذاً: المجملات لا تقرر العقيدة، وإنما تقرر المعارف فقط، والعقيدة التي ينجو بها العبد عند الله لا تقررها العقلية السليمة استقلالاً، ولا الفطر المستقيمة استقلالاً، كما أن المجملات لا تنفع، فإن من المشركين من عقلاء الكفار الآن من يدرك هذه المجملات، وكتبوا في ذلك كتابات، وهي موجودة الآن، لكن هل تنفعهم؟ هل تدخلهم الإسلام؟ لا.
стр. 297
حسن الأفعال وقبحها وما يعرف منه بالعقل
قال رحمه الله تعالى: [وفي هذا المقام تكلم الناس في أن الأفعال هل يُعرف حسنها وقبيحها بالعقل، أم ليس لها حسن ولا قبيح يعرف بالعقل؟ كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبينا ما وقع في هذا الموضع من الاشتباه، فإنهم اتفقوا على أن كون الفعل يلائم الفاعل أو ينافره يُعلم بالعقل، وهو أن يكون الفعل سبباً لما يحبه الفاعل ويلتذ به، وسبباً لما يبغضه ويؤذيه.
وهذا القدر يعلم بالعقل تارة، وبالشرع أخرى، وبهما جميعاً أخرى، لكن معرفة ذلك على وجه التفصيل، ومعرفة الغاية التي تكون عاقبة الأفعال من السعادة والشقاوة في الدار الآخرة لا تعرف إلا بالشرع، فما أخبرت به الرسل من تفاصيل اليوم الآخر، وأمرت به من تفاصيل الشرائع لا يعلمه الناس بعقولهم، كما أن ما أخبرت به الرسل من تفصيل أسماء الله وصفاته لا يعلمه الناس بعقولهم، وإن كانوا قد يعلمون بعقولهم جمل ذلك.
وهذا التفصيل الذي يحصل به الإيمان، وجاء به الكتاب هو ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ:٥٠]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء:٤٥].
ولكن توهمت طائفة أن للحُسن والقبح معنى غير هذا، وأنه يعلم بالعقل، وقابلتهم طائفة أخرى ظنت أن ما جاء به الشرع من الحُسن والقُبح يخرج عن هذا، فكلا الطائفتين اللتين أثبتتا الحُسن والقُبح، العقليين أو الشرعيين، وأخرجتاه عن هذا القسم غلطت].
يعني: أنه لابد من التفصيل، وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة، وسيأتي بيانه، ولذلك قالت المعتزلة: بأن الحُسن والقُبح عقليان، بينما الأشاعرة والماتريدية وبعض المتكلمين قالوا: الحُسن والقُبح شرعيان، والصحيح: أن الحُسن والقُبح منه ما هو عقلي، ومنه ما هو شرعي، فالعقول بالجملة تحسّن العدل والفضائل، وتحسّن التزام شرع الله، وتحسّن الخير، وتُقبِّح الشر والرذائل والظلم، لكن هذا على جهة الإجمال، أما التفصيل فلا بد أن يأتي به الشرع؛ لأن هناك أموراً لا تُدرك العقول حُسنها وقُبحها إلا بالشرع؛ لأنها غيب بحت خالص.
إذاً: التفصيل هو الصحيح، وكون العقول لها مدخل في التحسين والتقبيح لكن ليس على جهة التفصيل، فعلى هذا أخطأت الفئتان عندما بالغوا في التحسين والتقبيح، وقالوا: كل حسن هو ما حسّنه العقل، وكل قبيح ما قبّحه العقل، لذا فإن الشرع قبّح أشياء لو لم يأت بها الشرع ما استطاع العقل أن يقبّحها، والعكس كذلك، أي: أن هناك أشياء حسّنها الشرع لو لم يأت بها الشرع ما استطاع العقل أن يحسّنها.
قال رحمه الله تعالى: [ثم إن كلتا الطائفتين لما كانتا تنكر أن يوصف الله بالمحبة والرضا، والسخط والفرح ونحو ذلك مما جاءت به النصوص الإلهية، ودلت عليه الشواهد العقلية، تنازعوا بعد اتفاقهم على أن الله لا يفعل ما هو منه قبيح، هل ذلك ممتنع لذاته، وأنه لا يتصور قدرته على ما هو قبيح، وأنه سبحانه منزّه عن ذلك، لا يفعله لمجرد القُبح العقلي الذي أثبتوه؟ على قولين.
والقولان في الانحراف من جنس القولين المتقدمين، أولئك لم يفرقوا في خلقه وأمره بين الهدى والضلال، والطاعة والمعصية، والأبرار والفجار، وأهل الجنة وأهل النار، والرحمة والعذاب، فلا جعلوه محموداً على ما فعله من العدل أو ما تركه من الظلم، ولا ما فعله من الإحسان والنعمة، وما تركه من التعذيب والنقمة، والآخرون نزّهوه بناء على القبح العقلي الذي أثبتوه، ولا حقيقة له، وسووه بخلقه فيما يحسن ويقبح، وشبهوه بعباده فيما يأمر به وينهى عنه].
على أي حال هذه فلسفة، والوسط والتفصيل في هذه الأمور هو الحق، والظاهر من كلام الفلاسفة، وتبعهم المعتزلة في هذه المسألة بالذات، وبعض طوائف المتكلمين، أنهم قالوا: بأن الله كونه لا يفعل القبيح راجع إلى أنه لا يتصور منه ذلك ولا يقدر عليه، ولذلك عبّروا عن الله بعبارات منها: أنه لا يقدر ولا يفعل، وهذا من سوء الأدب مع الله ، والخوض فيما لا طاقة للعقول به، وهو أيضاً نوع من التكلّف الذي نهى الله عنه، ثم إنه يُلزم بإلزامات كلها باطلة، فلذلك الأولى للمسلم ألا يتحدث عن هذه الأمور، فإن الله فعّال لما يريد، وهو لا يفعل الشر؛ لأنه ليس مقتضى الحكمة، فالله كما أنه فعّال لما يريد فهو سبحانه عليم خبير حكيم، والحكمة هي وضع الأمور في مواضعها، فلا يقال: إنه لا يقدر على فعل الشر، وكذلك العكس، والذين قالوا: إن هذا مقتضى ثوابت هي لازمة لله ، ليس بصحيح؛ لأن الله لا يلزمه شيء.
стр. 298
مخالفة من ينظر إلى القدر ويعرض عن شرع الله ودينه
قال رحمه الله تعالى: [فمن نظر إلى القدر فقط، وعظم الفناء في توحيد الربوبية، ووقف عند الحقيقة الكونية، لم يميّز بين العلم والجهل، والصدق والكذب، والبر والفجور، والعدل والظلم، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، والرشاد والغي، وأولياء الله وأعدائه، وأهل الجنة وأهل النار.
وهؤلاء مع أنهم مخالفون بالضرورة لكتب الله ودينه وشرائعه].
стр. 299
مخالفة القدرية لضرورة الحس والذوق والعقل والقياس
قال رحمه الله تعالى: [فهم مخالفون أيضاً لضرورة الحس والذوق، وضرورة العقل والقياس، فإن أحدهم لابد أن يلتذ بشيء ويتألم بشيء، فيميّز بين ما يأكل ويشرب، وما لا يأكل ولا يشرب، وبين ما يؤذيه من الحر والبرد، وما ليس كذلك، وهذا التمييز بين ما ينفعه ويضره هو الحقيقة الشرعية الدينية.
ومن ظن أن البشر ينتهي إلى حد يستوي عنده الأمران دائماً فقد افترى، وخالف ضرورة الحس].
يقصد الشيخ بهذا طوائف قد لا تكون ظاهرة عند عموم الناس، لكن مذهب هذه الطوائف قد أثّر في عقائد كثير من أهل الأهواء والبدع والافتراء لا سيما الصوفية.
وهذه الطوائف كانت موجودة قبل الإسلام في بعض عُبّاد الأمم، خاصة الأمم الشرقية والأمم الغربية، كما يوجد عند اليونان والرومان فلاسفة يتعبّدون بالفلسفة وبمناهج فلسفية، ويزعمون أن الإنسان بالتعبد والتحنّث يتّحد بالله ، أو يكون له حلول مع الله، أو أنه إذا ارتقى إلى القمة في التعبد لم يعد بحاجة إلى أن يأتمر بالأمر، ولا أن ينتهي عن النهي.
كما لم يعد بحاجة إلى أن يلتزم بالشرع؛ لأنهم يقولون: الشرع إنما جاء لترويض العوام، أما الخواص فقد ارتقوا إلى درجة ليسوا بحاجة معها إلى أن يلتزموا بالشرع، ومن هنا زعموا أنهم فوق الأنبياء، وأنهم بالتعبد لم يعد لهم حاجة ولا إحساس بفعل المأمورات وترك المنهيات، وهذا المذهب انتقل إلى المسلمين بعدما شاعت الطرق، وقبل أن توجد الطرق لم يكن لهذا المذهب وجود فعلي، رغم وجود كلام في القرن الثاني والثالث، إلا أن هذه كنزعة فعلية موجودة ما كانت توجد إلا على شكل بذور ليست كاملة، يعني: أن بذورها في القرن الثاني والثالث كانت ظاهرة عند بعض العباد، مثل مقولة: لا أعبدك رجاء جنتك ولا خوف نارك، وإنما أعبدك محبة لك ونحو ذلك من المقولات الباطلة والفاسدة.
وهذه النزعة فعلاً راجعة إلى مسألة إلغاء الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والعمل بشرع الله، لكنها لم تكن إلى حد إلغاء الشرع، فقد كان هؤلاء يدعون أنهم يتورعون، وأنهم يعملون بأركان الدين وواجباته، وإن قعدوا عن أمور وواجبات أخرى أيضاً، لكنهم لم يجرءوا على إلغاء الشرع في سلوكياتهم.
فبعد القرن الثالث لما شاعت الباطنية، وشاعت الطرق، دخلت هذه المذاهب عبر الطرق، فوجد من غلاة الطرقية والصوفية من يعتقد هذا المذهب، ويستغني بزعمه عن الشرع؛ لأنه وصل إلى درجة الفناء، أي: أنه يفنى بالرب من كثرة التعبد والتحنث والتفكر في الله، فيندمج ويحل في الله على ما يعتقدون من الوثنية المعروفة عندهم، وأنه بهذا الحلول لم يعد بحاجة إلى أن يأتمر بأمر ولا ينتهي عن نهي، وهذه النزعة ما تزال موجودة، لكنها قليلة، ولا تزال توجد عند بعض الغلاة من هذا الصنف.
والحقيقة الكونية تتلخص في أمور الربوبية، وهي: اعتقاد أن هذا العابد أصبح ذرة من هذا الكيان، والكيان هو الله، يعني: أنهم يقولون بوحدة الوجود والاتحاد والحلول، وهذه كلها ترجع إلى فلسفة الحقيقة الكونية.
قال رحمه الله تعالى: [ومن ظن أن البشر ينتهي إلى حد يستوي عنده الأمران دائمًا فقد افترى، وخالف ضرورة الحس، ولكن قد يعرض للإنسان بعض الأوقات عارض، كالسكر والإغماء ونحو ذلك مما يشغل عن الإحساس ببعض الأمور، فأما أن يسقط إحساسه بالكلية مع وجود الحياة فيه فهذا ممتنع، فإن النائم لم يفقد إحساس نفسه، بل يرى في منامه ما يسوءه تارة وما يسره أخرى، فالأحوال التي يعبر عنها بالاصطلام والفناء والسكر ونحو ذلك إنما تتضمن عدم الإحساس ببعض الأشياء دون بعض، فهي مع نقص صاحبها لضعف تمييزه لا تنتهي إلى حد يسقط فيه التمييز مطلقًا.
ومن نفى التمييز في هذا المقام مطلقًا، وعظم هذا المقام، فقد غلط في الحقيقة الكونية والدينية قدرًا وشرعًا، وغلط في خلق الله وفي أمره، حيث ظن أن وجود هذا لا وجود له، وحيث ظن أنه ممدوح، ولا مدح في عدم التمييز والعقل والمعرفة.
وإذا سمعت بعض الشيوخ يقول: أريد ألا أريد، أو إن العارف لا حظ له، وأنه يصير كالميت بين يدي الغاسل ونحو ذلك فهذا إنما يمدح منه سقوط إرادته التي لم يؤمر بها، وعدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه، وأنه كالميت في طلب ما لم يؤمر بطلبه، وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه.
ومن أراد بذلك أنه تبطل إرادته بالكلية، وأنه لا يحس باللذة والألم، والنافع والضار، فهذا مخالف لضرورة الحس والعقل، ومن مدح هذا فهو مخالف لضرورة الدين والعقل].
في الحقيقة الشيخ في مثل هذه المقامات كثيراً ما يميل إلى التفصيل الذي يدخل المعاني الصحيحة المحتملة في بعض العبارات؛ لأنه وجد من بعض المنتسبين للسلف من اغتر بهذه المصطلحات، فاستعمل فيها المعاني الشرعية ظناً منه أنها تتضمن المعاني الشرعية كما فعل ابن القيم في كتابه: (مدارج السالكين)، فقد حاول أن يعطي المصطلحات البدعية وجهاً من المعاني الشرعية لتكون معاني على المشروع لا على المبتدع، وكذلك الشيخ هنا قد تكلف ليقول: إن هناك بعض الصالحين من قد يستعمل الفناء بمعنى العبادة التي هي التسليم والتذلل لله ، ف
стр. 300
أنواع الفناء
стр. 301
الفناء الديني الشرعي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والفناء يراد به ثلاثة أمور: أحدها: هو الفناء الديني الشرعي الذي جاءت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وهو أن يفنى عما لم يأمر الله به بفعل ما أمر الله به، فيفنى عن عبادة غيره بعبادته، وعن طاعة غيره بطاعته وطاعة رسوله، وعن التوكل على غيره بالتوكل عليه، وعن محبة ما سواه بمحبته ومحبة رسوله، وعن خوف غيره بخوفه، بحيث لا يتبع العبد هواه بغير هدى من الله، وبحيث يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]، فهذا كله هو مما أمر الله به ورسوله].
هذا هو المعنى الذي أشار إليه الشيخ قبل قليل، وهو التسليم لله ، لكن كيف يسمى فناء؟ الحقيقة هذا يشكل، وشيخ الإسلام ﵀ قد أوقع من بعده من أهل السنة خاصة في إشكال في هذا الأمر، نعم هو أراد أن يجر الذين ابتلوا إلى الحقائق الشرعية بهذا الاستدراج، لكن مع ذلك كونه يعتبر هذا فناء مشروطاً، أو أن هذا التعبد لله هو حقيقة العبادة والتسليم والذل له سبحانه، وأن الإنسان لا يلتفت إلى غير مراد الله، ولا يهتم بغير ما يريده الله، فلا يبالي إلا بما يحبه الله، لكن كيف نسميه فناء؟ الأمر فيه تكلف شديد، لعل للشيخ ما ذكرته من الأعذار.
стр. 302
الفناء عند بعض الصوفية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما الفناء الثاني: وهو الذي يذكره بعض الصوفية، وهو أن يفنى عن شهود ما سوى الله تعالى، فيفنى بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، بحيث قد يغيب عن شهود نفسه لما سوى الله تعالى، فهذا حال ناقص قد يعرض لبعض السالكين، وليس هو من لوازم طريق الله، ولهذا لم يعرف مثل هذا للنبي ﷺ والسابقين الأولين.
ومن جعل هذا نهاية السالكين، فهو ضال ضلالاً مبينًا، وكذلك من جعله من لوازم طريق الله فهو مخطئ، بل هو من عوارض طريق الله التي تعرض لبعض الناس دون بعض، ليس هو من اللوازم التي تحصل لكل سالك].
سنلاحظ أن النوع الثاني ملتبس مع النوع الثالث، لكن قبل أن نقرأ الثالث أحب أن نقرب النوع الثاني للمصطلحات المشهورة، وهو أن النوع الثاني من الفناء: هو فناء أصحاب الاتحاد والحلول، والنوع الثالث: هو فناء أصحاب وحدة الوجود، فالنوع الثاني ضلال وشرك، وهو أن يعتقد هذا العبد -بزعمه- أنه اتحد مع الله ، ومع ذلك لكل واحد منهما مسمى، فهذا عبد وهذا معبود، بمعنى: أنه تبقى عنده نسبة من الفارق بين الخالق والمخلوق، لكن هذه النسبة ليست بجانب العبادة، فيرى أنه حل واتحد بالله تعالى، إما اتحاداً كلياً أو جزئياً، فهذه فلسفات لا تنتهي، وبعضهم يرى أنه حلت فيه روح من الله، أو أنه حلت فيه شيء من الأمور المقدسة، مثل: أرواح الملائكة، أو أرواح أخرى، أو العقل الفعال، فلكل منهم مسلك، والحلول قد يكون من باب تقديس المخلوق ليتصف ببعض صفات الخالق أو العكس، لاعتقاد أن صفات الخالق هي التي أيضاً وجدت في المخلوق، وبينهما دور، لكن مع ذلك هي فلسفات.
إذاً: أقول: من أجل أن نفرق بين الثاني والثالث، فالأول واضح، وهو المقصود به العبادة الحقة، لكن سمي فناء تجوزاً، والثاني هو فناء الاتحاد والحلول الذي لا يزال يرى أن وجود الخالق له خصائص، ووجود المخلوق له خصائص، لكن في العبادة اندمج هذا العابد مع المعبود، وأما الثالث الذي سيذكره فهو فناء أصحاب وحدة الوجود، الذين لا يفرقون بين خالق ومخلوق مطلقاً، فيرون عين هذا الكون هو الله بجملته ومفرداته.
стр. 303
الفناء عن وجود السوى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما الثالث: فهو الفناء عن وجود السوى، بحيث يرى أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق، وأن الوجود واحد بالعين، فهو قول أهل الإلحاد والاتحاد، الذين هم من أضل العباد.
وأما مخالفتهم لضرورة العقل والقياس، فإن الواحد من هؤلاء لا يمكنه أن يطرد قوله، فإنه إذا كان مشاهدًا للقدر من غير تمييز بين المأمور والمحظور، فعومل بموجب ذلك، مثل أن يضرب ويجاع، حتى يبتلى بعظيم الأوصاب والأوجاع].
هناك قصة طريفة تبين أثر هذه المذاهب والفلسفات على بعض العباد الأوائل، وهي ناتجة عن جهل، والقصة مشهورة ذكرها حتى بعض السلف الذين ذكروا قصص العباد، وهي: أن رجلاً تمنى أن الله يبتليه ليحصل على أجر الصبر من الله ، فابتلاه الله بحبس البول، فضاقت به الأرض بما رحبت، وأصبح يركض من غير شعور، فاشترى لوزاً للأطفال ووزعها عليهم، وقال: ادعوا لأخيكم الكذاب.
يعني: أنه ظن لو امتحن سيصل إلى درجة الفناء، بحيث لا يشعر بالألم، وأنه سيصبر ليعظم أجره، فلما ابتلي بمثل هذه المصيبة عرف أنه لا يطيق، وكذلك كلام الشيخ هنا، فلو أن أحدهم ابتلي بعظيم الأوصاب والأوجاع ما ادعى أنه فني، ثم كيف يفنى والله لا يضره شيء، وكيف يدعي أنه متحد وإذا أصابه شيء تألم! وإذا شعر بالجوع احتاج للأكل، وإذا شعر بالعطش احتاج للماء أو يموت! قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإن لام من فعل ذلك به وعابه فقد نقض قوله، وخرج عن أصل مذهبه، وقيل له: هذا الذي فعله مقضي مقدور، فخلق الله وقدره ومشيئته متناول لك وله، وهو يعمكما، فإن كان القدر حجة لك فهو حجة لهذا، وإلا فليس بحجة لا لك ولا له.
فقد تبين بضرورة العقل فساد قول من ينظر إلى القدر، ويعرض عن الأمر والنهي].
стр. 304
الواجب في شرع الله وقدره عملاً
قال رحمه الله تعالى: [والمؤمن مأمور بأن يفعل المأمور، ويترك المحظور، ويصبر على المقدور، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٢٠]، وقال في قصة يوسف: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠]، فالتقوى فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر:٥٥]، فأمره مع الاستغفار بالصبر، فإن العباد لابد لهم من الاستغفار أولهم وآخرهم، قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (يأيها الناس! توبوا إلى ربكم، فوالذي نفسي بيده! إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)، وقال: (إنه ليُغَان على قلبي، وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة).
وكان يقول: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطئي وعمدي، وهزلي وجدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر)].
إكمال الحديث: (أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت).
стр. 305
الأسئلة
стр. 306
حكم التعبير عن العقائد وغيرها بالفكر
السؤال
هل التعبير عن بعض العقائد بالفكر، مثل: الفكر التكفيري، مع أن قضية التكفير عقيدة، يجوز أم لا؟
الجواب
هذا من باب الاصطلاحات، والتكفير قد يكون عقيدة وقد يكون فكراً، والفكر هو نتاج الناس الذي ينبني على الأمور التي يخترعونها بالاجتهادات، والفكر أحياناً يكون آراء الناس في القضايا القطعية، وهذا فكر مردود، وأحياناً يكون آراء الناس فيما يتعلق بالأمور الاجتهادية في الشرع، فتسميته فكراً تجوزاً مقبول نوعاً ما، كذلك آراء الناس في أمور الحياة التي ليست داخلة في الكتاب الشرعي هي فكر.
إذاً: العقيدة الثابتة لا يجوز أن تسمى فكراً؛ لأن هذا نوع من التهوين من شأنها، ونوع من القول بأنها ليست ثوابت ولا مسلمات، ولأن الأفكار هي نتائج آراء الناس وتأملاتهم، وهي ليست بقطعيات ولا يتعبد الآخرون بها، وعلى هذا فإن العقيدة لا تسمى فكراً، أما ما عدا ذلك فيجوز تسميته فكراً، ومع ذلك إذا أمكن أنه يلتزم بالمعاني الشرعية فنسمي الأمور الاجتهادية في الدين اجتهاداً، ونسمي ما يتعلق بالأمور غير الشرعية من آراء الناس آراء، وهذا أولى، لكن مع ذلك أعود وأقول: العقائد لا يجوز تسميتها فكراً.
стр. 307
بيان أقوال أهل العلم في الجنب
السؤال
ما قول أهل العلم في الجنب، هل هو صفة أم ماذا؟
الجواب
هذه مختلف فيها اختلافاً كبيراً، وقد اتفق السلف على أنها من الألفاظ التي تمر كما جاءت، وأنها لا تكيف، لكن يبقى هل هي صفة أو غير صفة؟ المسألة سهلة والخلاف فيها قائم، وهذه من نماذج الأمور الخلافية في العقيدة، يعني: أن هناك مسائل ملحقة بالاعتقاد يرد فيها الخلاف، ليست من المسلمات ولا القطعيات، فالعقيدة من حيث المسلمات والقطعيات والأصول والثوابت لا خلاف فيها بين السلف على الإطلاق، لكن تبقى مسائل ملحقة بالعقيدة يختلف عليها، إما لتنازع الأدلة فيها، أو لأن الحكم فيها غير بين، مثل: مسألة الجنب، فقد ورد فيها النصوص، والسلف كلهم متفقون على أنها تثبت كما جاءت، وبعض الناس إذا قال: قال بعض أهل العلم: إنها ليست بصفة.
يظن أنه ينفيها، لا، فهو لا ينفيها ولا يؤولها، وإنما يثبتها كما جاءت، يعني: لا نتحكم في أن نقول: إنها صفة، وقال بعضهم: تكون صفة، ولذا فالنزاع في هذا ليس في أصل ورودها ولا في ثبوتها، وإنما النزاع هل تسمى صفة أو هي خبر عن الله؟ أما أنها خبر عن الله فبالاتفاق، لكن هل يوقف على أنها خبر؟ لا، فبعض السلف يقول: إنها تثبت كصفة لله .
إذاً: المسألة من الخلافيات، ولا يجوز أن يقف عندها المسلم، وفي الحقيقة أنا أنصح كل طالب علم فضلاً عن عامة المسلمين ألا يقف عند هذه الأمور، ولا يشغل نفسه بها، بل يكفي أن يعتقد أن ما جاء فيه الخبر عن الله حق وصدق، ما دام أنه ثبت بالنص، والجنب وردت في القرآن وفي السنة، فلا داعي لأن يخوض الإنسان فيها بأكثر مما ورد، بل يسلم بأنها حق على الحقيقة على ما يليق بجلال الله سبحانه، سواء سميت صفة أو خبراً، فالأمر سهل ما دام أنها ثبتت بالنص.
стр. 308
بيان معنى (الحقيقة) في كلام شيخ الإسلام
السؤال
كثيراً ما تتردد عبارة (الحقيقة) في قول شيخ الإسلام، وقد كثر ذكر الحقيقة من المتصوفة؟
الجواب
( الحقيقة) التي أشرت إليها قبل قليل، وأشار إليها الشيخ، يزعمون بها أن الإنسان إذا وصل إليها استغنى عن امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، فيسمون هذا حقيقة، ويرون أن هذا مرادف أو مغاير للشريعة، فالشريعة أحكام تحكم السلوكيات العامة، وهذه الأمور التي تحكم السلوكيات العامة يرون أن العابد منهم لا يحتاجها؛ لأنه وصل إلى حقيقة التوحيد الذي هو الفناء، فلا يحتاج إلى الشرع والأوامر والنواهي، والله أعلم.
стр. 309
شرح العقيدة التدمرية [٣٠]
العبد بطبعه ضعيف فهو بحاجة إلى مولاه وخالقه في كل أموره، حتى في عمل الطاعات، ولذلك فالعبد المؤمن يلزم الاستغفار؛ لأنه مقصر حتى مع قيامه بما أمره الله تعالى، وهو أيضاً يعبد ربه ويستعينه في تأدية تلك العبادة، ويستعينه في كل أموره، فهذا هو الفارق بين المؤمن الحق من غيره ممن لا يستعين بربه في جميع أموره أو في بعضها، وخير مثال للمؤمن الصادق هم الصحابة رضوان الله عليهم، الذين أثنى عليهم ربهم في كتابه، وأخبر أنه راض عنهم، وكذلك أثنى عليهم رسوله ﷺ في سنته، فينبغي الاقتداء بهم.
стр. 310
حاجة العباد إلى الاستغفار ووجه اقتران التوحيد والاستغفار
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد ذكر عن آدم أبي البشر أنه استغفر ربه وتاب إليه، فاجتباه ربه فتاب عليه وهداه، وعن إبليس أبي الجن لعنه الله أنه أصر متعلقًا بالقدر فلعنه وأقصاه، فمن أذنب وتاب وندم فقد أشبه أباه، ومن أشبه أباه فما ظلم، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٢ - ٧٣].
ولهذا قرن الله سبحانه بين التوحيد والاستغفار في غير آية، كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت:٦]، وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود:١ - ٣].
وفي الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم وغيره: (يقول الشيطان: أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا).
وقد ذكر سبحانه عن ذي النون أنه نادى في الظلمات: ﴿أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٨]، قال النبي ﷺ : (دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه)].
هذا الوعد حق، لكن هو كسائر النصوص العامة المجملة التي تحتاج إلى أن يرجع في تفسيرها تفصيلاً إلى نصوص أخرى؛ لأن قوله ﷺ : (ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه) حق، لكن بشرط أن تتوافر الشروط وتنتفي الموانع، وهذا في كل عمل، كما أن الله وعد من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله بأن يدخل الجنة، لكن هذا مشروط بشروط وانتفاء موانع، وكذلك من حقق أركان الإيمان، وحقق أركان الإسلام، وحقق بعض الأخلاق التي ذكرها النبي ﷺ ، فهذه كلها من ألفاظ الوعد، ترد إلى ما يفصلها، وبعض الناس يقول: أنا أدعو ولا أجد أن الله فرج عني كربتي، فلعله تخلفت عنده شروط ووجدت عنده موانع، فالإنسان عندما يدعو الله ولا يستجاب له، فلا يعني ذلك أن وعد الله يخلف، ولا يعني أن خبر النبي ﷺ أيضاً يخلف، بل يعني ذلك أن الموانع قد خفيت عليه، أو أن الذهول والغفلة جعلت الإنسان يقع في موانع إجابة الدعاء، وعدم تحقق الشروط وهو لا يدري، فهو معرض للخطأ والنسيان، والسهو والخلل، والأهواء والأدواء، وأمراض النفوس، وكيد الشيطان، فكل هذه الأمور صوارف عن الحق، وصوارف عن أسباب الأخذ بدواعي الإجابة، لذا فليعلم الإنسان أنه لو دعا ولم يجد نتيجة الدعاء أنه قد أوتي من قبل العمل، ومع ذلك غالباً أن من كرر الدعاء يستجاب له؛ لأن كثيراً ممن يدعون الله يستعجلون الإجابة، ولذلك النبي ﷺ شرط في إجابة الدعاء: (ما لم يعجل) وكذلك لابد أن يكون من قلب حاضر لا من قلب لاه أو ساه، وأن يكون ذلك مسبوقاً بالعمل بالواجبات والأركان، فلا يكون الإنسان مخلاً بالفرائض، ثم يريد أن يتحقق له ما طلبه من ربه .
стр. 311
لابد للعبد في الأمر من أصلين وفي القدر من أصلين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وجماع ذلك: أنه لابد له في الأمر من أصلين، ولابد له في القدر من أصلين، ففي الأمر عليه الاجتهاد في الامتثال علماً وعملاً، فلا تزال تجتهد في العلم بما أمر الله به، والعمل بذلك، ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في المأمور، وتعديه الحدود.
ولهذا كان من المشروع أن يختم جميع الأعمال بالاستغفار، فـ (كان النبي ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا)، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧]، فقاموا بالليل وختموه بالاستغفار، وآخر سورة نزلت قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]، وفي الصحيح (أنه كان ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفرلي.
يتأول القرآن)].
أشار الشيخ هنا إلى الأصلين اللذين لابد منهما في الأمر: الأول: الاجتهاد في الامتثال، فيجتهد العبد بتوجه قلبه إلى الله ، بالمحبة والخوف والرجاء والاستعانة والإنابة إليه .
الثاني: أن يستغفر ويتوب من تفريطه في المأمور، والاستغفار والتوبة يكون بأمرين: باللسان، وبعمل الجوارح، بأن يعمل ما يكفر به ذنوبه من كثرة الذكر والاستغفار والتسبيح والتهليل وعمل الصالحات، فهذا نوع من الاستغفار أو نوع من التوبة، والاستغفار يكون أوسع من التوبة من وجه، والتوبة أوسع من الاستغفار من وجه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما في القدر فعليه أن يستعين بالله في فعل ما أمر به، ويتوكل عليه، ويدعوه، ويرغب إليه، ويستعيذ به، ويكون مفتقرًا إليه في طلب الخير وترك الشر، وعليه أن يصبر على المقدور، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإذا آذاه الناس علم أن ذلك مقدر عليه].
كما جعل الشيخ هنا القدر في أصلين: أولاً: أن يستعين بالله، ثانياً: الصبر على المقدور، ومن مقتضى الصبر أن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإذا علم ذلك المؤمن، وعلم أن ما أصابه إنما هو لحكمة وفائدة غائبة عنه؛ هان عليه أي مقدور، وتحمل أي شيء يصيبه، وهذا معنى قول النبي ﷺ : (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن)؛ لأن غير المؤمن لا تتوافر عنده الصفات الشرعية للرضا بالمقدور والصبر عليه، وحلاوة تلقي المقدور، ولأن المؤمن هو الذي إذا قوي إيمانه تلقى المقدور بأمن وطمأنينة وسعادة، ووجد لذلك طعماً في قلبه وفي حسه ومشاعره، وهذا لا يكون إلا للمؤمن، بينما غير المؤمن قد يكون بطبعه أو بفطرته الصبر، لكنه لا يتلذذ ولا يسعد بقيمة هذا الصبر؛ لأنه لا يؤمل بالآجل الذي وعد الله به عباده الصابرين.
стр. 312
محاجة آدم وموسى ﵉
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن هذا الباب احتجاج آدم وموسى لما قال: (يا آدم! أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، فبكم وجدت مكتوبًا علي من قبل أن أخلق: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]؟ قال: بكذا وكذا سنة، قال: فحج آدم موسى) وذلك أن موسى لم يكن عتبه لآدم لأجل الذنب، فإن آدم قد كان تاب منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولكن لأجل المصيبة التي لحقتهم من ذلك، وهم مأمورون أن ينظروا إلى القدر في المصائب، وأن يستغفروا من المعائب، كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [غافر:٥٥]].
رغم أن السياق واضح في قصة آدم وموسى ﵉، إلا أنه مع ذلك قد يكون فيه نوع من اللبس أحياناً؛ لأن القصة جاءت على سياق أن آدم سأل موسى، فقال: فبكم؟ وهذا تقرير أصل، وكأنه قال: يا موسى! ألست تعلم أن ذلك مكتوباً ومقدراً علي؟ قال: بلى أعلم.
قال: إذاً انتهى الأمر.
فالمصيبة التي حدثت قدر، أما الذنب فإن موسى لم يعتب عليه؛ لأنه يعرف أنه استغفر ربه فغفر له، لكنه عاتبه على المقدور الذي هو عقوبة الذنب، لأن هناك ذنباً وهناك عقوبة الذنب، فالذنب انتهى أمره، وموسى ﵇ أفقه من أنه يعاتب آدم على ذنب حدث، ثم استغفر منه وغفر الله له، لكن المصيبة التي عمت البشرية جمعاء هي كون آدم نزل من الجنة إلى الأرض، إلى الكدح والنكد، فهذا هو مجال العتاب، لذلك قال له: أنت تسببت في هذا القدر، وآدم ﵇ يعلم أن موسى مؤمن بالقدر، وأنه يعرف أن هذه مقادير، لكن أراد أن ينبهه لأمر قد يكون غفل عنه، وهو قوله: ألم تعلم أن ذلك مقدور علي، أي: أن الله قد كتبه علي، بصرف النظر عن كونه كتبه قبل كذا أو كذا سنة، فهذا مجرد تقرير خبر جديد فيه فائدة أخرى، ككتابة المقادير، لكن القصد من كلام آدم لموسى أن يقول له: أنت تعلم أن هذا مقدر علي، قال: نعم أعلم.
قال: إذاً القدر لا يد لي فيه، وهي المصيبة التي قد حصلت، والذنب قد استغفرت منه.
стр. 313
مراعاة الشرع والقدر توجب العبادة والاستعانة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فمن راع الأمر والقدر -كما ذكر- كان عابدًا لله، مطيعًا له، مستعينًا به، متوكلاً عليه، من الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في مواضع، كقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣]، وقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى:١٠]، وقوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٢ - ٣]].
نجد أن الفرق بين الأصلين في هذه النصوص واضح جداً.
فقوله: (إياك نعبد) تعني: الأصل الأول، وهو تحقيق الأمر، فنعبدك استجابة لأمرك.
وقوله تعالى: (وإياك نستعين) تحقيق للمقدور، بأن الاستعانة لا تكون إلا بالله ، وهي عبادة، إذ إنها نوع من التوكل على مقدور الله سبحانه.
كما في الآيتين تضمن واستلزام، فـ (إياك نعبد) كما أنها عبادة واستجابة للأمر، فهي كذلك نوع من الخضوع للقدر، لكنها إلى الأمر أقرب؛ و (وإياك نستعين) كما أن فيها استعانة بقدرته، إلا أنها تتضمن العبادة؛ لأن الاستعانة عبادة، ولذا فكل عبارة في أحد الأصلين تستلزم الأصل الآخر.
وكذلك الآية التي بعدها: (فاعبده) إذ هي في أصل الأمر، و (توكل عليه) في أصل القدر، وبينهما كذلك تضمن وتلازم كما بين العبارتين السابقتين.
وقوله: (عليه توكلت) بدأ في مسألة الاعتماد، وهي نوع من الربوبية والقدر، ثم قال: (وإليه أنيب) كذلك فيها جانب قدر، وجانب أمر، كما في العبارتين هنا التأكيد على الأمرين أكثر، بمعنى: أن وضوح القدر والشرع في العبارتين أكثر من العبارات التي سبقت، فالتوكل كما أنه نوع عبادة، فهو كذلك أخذ بالأسباب وتسليم لقدر الله، والإنابة بالعبادة فهي أقرب إلى الأمر، وكذلك بقية النصوص على هذا النهج.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فالعبادة لله والاستعانة به، وكان النبي ﷺ يقول عند الأضحية: (اللهم! منك ولك)، فما لم يكن بالله لا يكون، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وما لم يكن لله فلا ينفع ولا يدوم].
стр. 314
شروط قبول العبادة
قال رحمه الله تعالى: [ولابد في عبادته من أصلين: أحدهما: إخلاص الدين له، والثاني: موافقة أمره الذي بعث به رسله.
ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول في دعائه: (اللهم! اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا).
وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ﴾ [الملك:٢].
قال: أخلصه وأصوبه.
قالوا: يا أبا علي! ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إذا كان العمل خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السُّنَّة.
ولهذا ذم الله المشركين في القرآن على اتباع ما شرع لهم شركاؤهم من الدين ما لم يأذن به الله من عبادة غيره، وفعل ما لم يشرعه من الدين، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، كما ذمهم على أنهم حرموا ما لم يحرمه الله، والدين الحق أنه لا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه].
стр. 315
أقسام الناس في عبادة الله والاستعانة به
قال رحمه الله تعالى: [ثم إن الناس في عبادته واستعانته على أربعة أقسام].
يقصد بـ (الناس) عموم البشر، المسلمين وغير المسلمين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فالمؤمنون المتقون هم له وبه، يعبدونه ويستعينونه.
وطائفة تعبده من غير استعانة ولا صبر، فتجد عند أحدهم تحريًا للطاعة والورع ولزوم السنة، لكن ليس لهم توكل واستعانة وصبر، بل فيهم عجز وجزع.
وطائفة فيهم استعانة وتوكل وصبر، من غير استقامة على الأمر، ولا متابعة للسنة].
الأقسام الأربعة هي كالتالي: الأول: المؤمنون المتقون الذين جمعوا بين الأمرين، ولا يعني ذلك أن الذين بعدهم ليسوا كلهم من المؤمنين، كما لا يفهم أن هذا يشمل كل المسلمين، بل هو خاص بأهل السنة والاستقامة الذين يجمعون بين الأمرين على وجه معتدل، فيعبدون الله ويستعينونه على وجه شرعي، ويمتثلون الأمر ويخضعون للقدر، وعملهم هو الخالص الصواب بإذن الله، ويرجون ذلك.
الثاني: طوائف من المسلمين، أو طائفة من المسلمين تعبد الله ، لكن ليس عندهم صبر، ولا عندهم كبير استعانة، فاستعانتهم ضعيفة، وهذا ما عليه عامة أصحاب الغفلة من المسلمين، وهو لازم مذهب بعض المعتزلة، إذ من لوازم مذهب بعض المعتزلة في القدر أنهم يرون أن أفعال الإنسان ليست من فعل الله ، بل هي من فعل الإنسان نفسه، فألزموهم بأن الإنسان خالق أفعاله، لذلك ما كانت عندهم قوة الاستعانة والصبر، مع أنهم قد يكون عندهم ورع ولزوم سنة، وهذا كثير في رءوس المعتزلة، فتجد عندهم ورع، وتجد عندهم اهتمام بالطاعات، وليس هذا عند كلهم، وإلا فمنهم من عرف بعكس ذلك، ولزومهم للسنة هو لزوم ظاهر، بمعنى: أنهم يلتزمون شعائر الإسلام الظاهرة، لكنهم في جانب التوكل والاستعانة عندهم ضعف؛ لأنه من الطبيعي ما دام أنهم يرون أن الإنسان موجد لأفعاله أن يقل توكله على الله، وما دام أن الإنسان يعتقد بأنه هو الذي يوجد أفعاله، فنتيجة تلقائية يضعف توكله على الله، سواء عملوا بها أو لم يعملوا، وهذا كما قلت ليس خاصاً بالمعتزلة، أو بطوائف المعتزلة، بل هو سمة عامة لكل أصحاب التقصير وضعاف الإيمان، وأصحاب الغفلة من المسلمين.
الثالث: فئة من المسلمين فيهم استعانة وتوكل وصبر، لكنهم لا يستقيمون على الشريعة، وهؤلاء غالباً أصحاب الطرق الصوفية، وقد بدأت هذه السمة حتى عند العباد الأوائل، أي: قبل أن تكون طرقاً، فالعباد في أواخر القرن الأول الهجري والثاني والثالث قبل أن تظهر الطرق، العباد الذين سلكوا مسالك التنطع في العبادة، والذين سلكوا مسالك المناهج البدعية في العبادة أياً كان نوعها، عامتهم ليس عندهم استقامة على الأمر، ولا متابعة للسنة، وإنما متابعة للجهل والتقليد، ولأنهم أيضاً سيطرت عليهم الأهواء، فهم لا يطلبون العلم الشرعي ولا يتفقهون في الدين، ويتلقون دينهم عن عباد الأمم وعن الكتب، فلذلك صارت استقامتهم على الأمر الشرعي ضعيفة، وإلا لو استقاموا على الأمر الشرعي ما أنشئوا مذاهب تحريم الزواج، وتحريم طلب العيش، وتحريم طلب العلم، فالذي يفعل ذلك ما استقام على دين الله، وإن كان يجتهد ويقول: إن العلم دُخل، أي: دخله الرياء، والشيطان أسس فيهم المذاهب بشبهات، فتجد العباد الأوائل أصحاب الورع حينما انقطعوا عن الناس، وانقطعوا عن الجمعة والجماعات، وانقطعوا عن العلم الشرعي لاتهامهم نيات الناس، إذ قالوا: كل الذين سلكوا هذه المسالك نيتهم فيها شيء! فنقول لهؤلاء: ما الذي يمنعك أن تجرد نيتك، فتطلب العلم، وتطلب العيش، وتطلب الرزق، وتحضر الجمع والجماعات، وتعاشر العلماء وأهل العلم؟! إذاً: هذه الطائفة هي التي أسست مذاهب الصوفية والطرق، وأغلب أصول الطرق الصوفية تقوم على هذا الأصل، فتجد عند الواحد منهم توكلاً وصبراً على العبادة، وصبراً على السفر، وصبراً على العبادات البدعية وغير البدعية، وأغلب ما يتعب أهل هذا الصنف: التعبدات البدعية التي ابتدعوها من عند أنفسهم، وعلى سبيل المثال: ننظر كيف يكدح المساكين أصحاب البدع في الحج، فيتلفون أموالهم وتضيع أوقاتهم في تتبع البدع، ويضيع أجرهم؛ لأنهم عبدوا الله من غير استقامة، وأذكر أني رأيت ورأى غيري أن أناساً يحملون رجالاً أو نساء مسنين على ظهورهم، ويصعدون بهم غار حراء، والشباب الأقوياء يحتاج الواحد منهم إلى ساعة ونصف لكي يصل إلى الغار، وهذا يحمل فوق ظهره عجوزاً، ويظن أنه يتعبد لله بذلك، وكذلك تتبعهم للمشاهد والآثار بشكل مرهق، في حين أن الله أراح الحاج بأن يقر في منى، ويتعبد ويسبح ويهلل ويلبي ويكبر ويستغفر ويصلي مع المسلمين، ويشهد مناسك الحج، ويجلس في المشاعر والشعائر، وهذا المسكين يتعب نفسه في أمور بدعية! وبهذا نعرف أن هذه الطائفة فيها استعانة وتوكل وصبر فيما يتعلق بمسالكهم في العبادة البدعية، لكنهم من غير استقامة على الأمر ولا متابعة للسنة.
بينما أوائل المعتزلة قد اشتهروا بالورع ولزوم السنة الظاهرة، والشيخ قد جمع بين فئتين: طوائف من المعتزلة، وأهل البدع من العقلانيين الكلاميين، مع أن كل أهل
стр. 316
فضل صحابة رسول الله ﷺ والوصية باتباعهم
[وإنما دين الله ما بعث به رسله، وأنزل به كتبه، وهو الصراط المستقيم، وهو طريقة أصحاب رسول الله ﷺ ، خير القرون وأفضل الأمة، وأكرم الخلق على الله تعالى بعد النبيين، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] فرضي عن السابقين الأولين رضاء مطلقًا، ورضي عن التابعين لهم بإحسان، وقد قال النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة: (خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: (من كان منكم مُسْتنّا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب رسول الله ﷺ ، أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بدينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.
وقال حذيفة بن اليمان ﵄: (يا معشر القراء! استقيموا وخذوا طريق من كان قبلكم، فوالله! لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولأن أخذتُم يمينًا وشمالاً لقد ضللتم ضلالا بعيدًا)].
فيما يتعلق بأحاديث النبي ﷺ عن خير القرون، وأن خير القرون قرن النبي ﷺ ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، فقد اختلف السلف في تفسير القرون، هل هي الأجيال، بحيث تشمل المائة السنة الأولى، أم هي مئات السنين، إذ المئون تعد قروناً، والأجيال تعد قروناً؟ الراجح والله أعلم أنه يقصد بذلك المئات، أعني: المائة الأولى والثانية والثالثة، ولذلك شواهد وقرائن كثيرة من التاريخ وحال السلف، وهو الذي يرجحه جمهور السلف، من أن المقصود به الثلاثمائة السنة الأولى.
أيضاً: الخيرية لهذه القرون، بعض الناس من المنافقين ومرضى القلوب والجهلة والذين استجابوا لشبهات الذين بدءوا يتجرءون على نهج السلف، قد بدءوا يشككون في معنى الخيرية، وأن الخيرية لا تعني الخيرية التي نقصدها، أي: المنهج في الدين والعقيدة والتعامل إلى آخر منهج هؤلاء الجيل، وصاروا يفسرون الخيرية بتفسيرات جزئية، منها: أن منهم أخيار، وأن الخيرية المقصود بها أن الأمة في ذلك التاريخ أقرب إلى النبوة، وهذه كلها معان صحيحة، لكن ليست هي كل المعنى، بل الخيرية تشمل جميع هذه المعاني قطعاً، فالخيرية من حيث النوع، أي: نوعية الأخيار في القرون الثلاثة الأولى، لا شك أنهم خير ممن جاء بعدهم، هذا من جانب.
والجانب الآخر أن الفرق لم تستفحل بعد وإن وجدت.
والجانب الثالث: أنه رغم وجود الفرق إلا أن الفرق التي خرجت عن الملة كانت نادرة جداً، إذ لم تخرج فرق الردة إلا بعد القرن الثالث.
والجانب الرابع: أن الأهواء والبدع لم تكن لها شأن في تقرير مصائر الأمة في القرون الثلاثة، بينما بعد القرون الثلاثة الفاضلة صار هناك للبدع دول وشعوب وأقاليم، وكيانات حل وعقد في بعض مصائر الأمة ومصالحها العظمى، ثم أيضاً الخيرية تشمل سلامة المناهج في الجملة، واستقرار الدين من حيث المصادر في الثلاثة القرون الفاضلة، فقد استقر الدين في منهجه العام، واستقر سبيل المؤمنين من حيث تنقية المصادر، فبعد القرون الثلاثة الفاضلة لا توجد -مثلاً- مناهج استطاعت أن تجدد في تدوين السنة ودراسة الأسانيد إلا على قواعد الأولين، واستقرت قواعد حفظ الدين ومناهج الاستدلال كذلك، وهي مهمة، وأهم شيء في نهج الدين تحرير المصادر ومناهج الاستدلال والتطبيق.
فهذه كلها تمت في القرون الثلاثة الفاضلة على الوجه الذي استقر به نهج أهل السنة والجماعة، وما بعده مجرد خدمة فقط، حتى جهود الجهابذة مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن جاء بعده من أئمة السنة لا تعدو أن تكون جهوداً في تجديد الكيان وخدمته الذي بناه أصحاب القرون الثلاثة الفاضلة، كيان الدين من حيث إنه منهج المؤمنين في التلقي والاستدلال والمصادر والتطبيق.
وكذلك التجارب والعبر التاريخية التي مرت في القرون الثلاثة الفاضلة طُّبقت فيها جميع ما تحتاجه الأمة من تطبيقات الدين، وعليه فالخيرية في هذه القرون الثلاثة تعني جميع معاني الخيرية، فهي عامة، ولا تعني معنى معيناً، هذا شيء.
والشيء الآخر في كلام ابن مسعود: (فمن كان مستناً فليستن بمن قد مات)، فقد بدأنا نسمع من بعض المفتونين كلاماً غريباً، وهو أنهم يقولون: أنتم الآن تتعلقون بالمشايخ الأحياء -وهذا غلط- فلا تتعلقون إلا بالأموات! ويستدلون بمثل هذا النص، وهذا يدل على الجهل، فنحن حينما نتبع أئمة الهدى فإنا نقسّم الاتباع من حيث اتباع الأئمة إلى قسمين: القسم الأول: الأئمة الذين ماتوا، بمعنى: أننا عرفنا أنهم ماتوا على ما كانوا عليه من الهداية والتوفيق والعلم، فهؤلاء ضمنّا بإذن الله أن الاقتداء بهم والاهتداء ممن لم يملك
стр. 317
سبيل الله واحد وما عداه سبل باطلة
قال رحمه الله تعالى: [وقد قال عبد الله بن مسعود ﵁: (خط لنا رسول الله ﷺ خطاً، وخط حوله خطوطاً عن يمينه وشماله، ثم قال: هذا سبيل الله، وهذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣])].
في هذا الحديث والآية أصل من الأصول البدهية والمسلّمات والثوابت في الدين، والتي أيضاً بدأ يشكك فيها بعض المفتونين والمنافقين، وذلك حينما نجم النفاق في هذا الوقت، وهي دعوى أن الدين والإسلام يشمل سبلاً، وأن كل هذه السبل مرضية، وأنها على الحق! وهذا عين الباطل، فالدين الحق سبيله واحد وليست سبلاً، والسبل الأخرى إنما هي أهواء وافتراق، وأصحابها من المسلمين نرعى لهم حقهم في الإسلام، لكن لا نجعل بدعهم من الدين، ولا نساوم على السنة، ولا نتنازل عنها قيد شعرة، ولا يكون مبدأ الحوار بيننا وبينهم أن نتنازل عن شيء، وهم يتنازلون عن شيء، ثم بعد ذلك نتقارب، لا، نتقارب في التعامل وفيما يتعلق بمصالحنا العامة في المصالح المعيشية، وفيما فيه مصلحة للإسلام والمسلمين، ودرء للمفاسد وجلب للمصالح، ودفع للضرر عن الأمة من العدو المشترك.
أما أن نتقارب بمعنى نتنازل عن السنة فلا، وأذكر أني حضرت بعض المناسبات أو بعض الفرص التي كان فيها نوع من محاولة جر أهل السنة إلى أن يتنازلوا عن بعض الثوابت التي لا يملكون التنازل عنها، فلما قُدّمت أحد البحوث في هذا الملتقى التي تقول: إنه يجب أن نفرّق بين العقيدة والثوابت، صاح أولئك الذين حضروا -حتى ممن ينتسبون للسنة-: هذا حجر على الآخرين، هذا ظلم، هذا ليس بتفاهم ولا حوار! حتى الناس من أهل السنة قالوا: إذاً لماذا أتينا؟ لا بد أن نتنازل ويتنازلون! فقيل لهم: لا يمكن أن نتنازل، نعم نتنازل في كذا وكذا، أما أن نتنازل عن السنة، والحق البيّن فلا نملك ذلك أصلاً، ولو تنازلنا فإنا سنخسر ديننا وذممنا، والحق ليس فيه تنازلات، بل الحق طريق وسبيل واحد، ليس فيه سبل ولا خيارات، وإن تكلم بهذا بعض الكبار من الدعاة، فهو خطأ وزلل منهم، ولا نتبعهم في ذلك، مع أننا لا نلزم الآخرين، ولا نملك أن نكره أحداً في الدين، لكن لا نتنازل عن الحق، وإن خفيت خدعة التنازلات على بعض المنتسبين للسنة، وبعض من ينتسبون للعلم، فلا يعني ذلك أن هذا هو الحق، فهذه زلات وجهالات، وربما تكون أموراً تعتري القلوب والمصالح، أو أموراً تحدث من أفراد أهل السنة، حتى وإن كانوا علماء، أو منتسبين للعلم لملابسات أخرى، لكنها لا تخرق المنهج، فالصراط الذي نحن عليه هو واحد، ولذلك كثيراً ما نؤكد أن أصول السنة واحدة، ولم يختلف عليها أهل السنة قديماً ولا حديثاً، وما يجري من بعض أهل السنة والعلماء وغيرهم من خلاف على بعض المسائل الملتحقة بالعقيدة فلا يعني ذلك اختلاف في الأصول، ولو قُدّر أن عالماً من علماء السنة خالف في أصل من الأصول، فهذه زلة وليس عيباً في المنهج، مع أني لا أعرف من أئمة السنة الكبار أنه خالف في أصل من الأصول القطعية والثوابت، وأنا أدّعي هذا، وسبق أن عرضت هذا الأمر أكثر من مرة، وقلت: من يدّعي أنه توجد مخالفة من إمام معتبر من أئمة السنة في أصل من الثوابت والقواطع فليأت ببينة، نعم هناك مسائل ملحقة بالثوابت خالف فيها بعض الأئمة؛ لأنها مسائل أشكل فيها الدليل فقط، أما الثوابت والقطعيات والأصول، كأركان الإيمان، وأركان الإسلام، والشفاعة، والرؤيا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد وغيرها من القضايا القطعية، فليس فيها خلاف.
стр. 318
التحذير من طريق اليهود والنصارى
قال رحمه الله تعالى: [وقد أمرنا سبحانه أن نقول في صلاتنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] وقال النبي ﷺ : (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون)؛ وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم يتبعوه، والنصارى عبدوا الله بغير علم.
ولهذا كان يقال: تعوذوا بالله من فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون، وقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤]، قال ابن عباس ﵄: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
وقرأ هذه الآية.
وكذلك قوله تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:١ - ٥]، فأخبر أن هؤلاء مهتدون مفلحون، وذلك خلاف المغضوب عليهم والضالين.
فنسأل الله العظيم أن يهدينا وسائر إخواننا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً].
стр. 319
الأسئلة
стр. 320
أنواع تقنين الشريعة وحكمها
السؤال
ما رأي الشيخ في مسألة تقنين الشريعة؟
الجواب
مسألة تقنين الشريعة من الأمور التي تحتاج إلى شيء من التفصيل، فأولاً: يختلف مفهوم تقنين الشريعة بين علماء الشريعة اليوم وقبل اليوم، فبعضهم يقصد بتقنين الشريعة: عنصرتها ووضعها على شكل فقرات واضحة عند القاضي أو المحامي أو طالب العلم أو غيرهم، بمعنى: وضعها على شكل مواد تشبه المواد القانونية، لكنها فقهية خالصة، فيضم بعضها إلى بعض، وتضم إلى اجتهادات المعاصرين، وتضم إليها المسائل التي تتعلق بالأنظمة الحاكمة عليها، مثل: نظام الحكم، نظام الحكم عندنا الآن ولله الحمد إسلامي شرعي يعتمد على الكتاب والسنة في أكثر من مادة، فمن الممكن مثلاً التقنين، فتربط الأحكام الفقهية بالأصول التي قام عليها هذا النظام، وذلك من باب أنها قواعد شرعية عامة متفق عليها، أو أنها قواعد عامة تنبني على قواعد الشرع، وهذا النوع من التقنين قد يكون سائغاً إذا توافرت الضمانات في ألا يؤدي ذلك إلى مرحلة الخروج من مقتضى الشريعة.
وهناك نوع آخر من التقنين: وهو إعطاء القوانين صفة الشرعية، المسألة عكسية، بمعنى: محاولة تسويغ القوانين وتعديلها، وجعلها نفس المواد، مثل: القانون المصري، فإنه يدّعي بعض واضعيه أنه ينسجم مع المذاهب الفقهية خاصة المذهب الحنفي، وهذه في الحقيقة دعوى عريضة، مع أنك إذا اطّلعت فيه لم تجد فيه من علامات الفقه والشرع سوى في المضامين أو الصياغة، إلا ما يتعلق بالنزعة الإنسانية فقط، فتجد حماية الأخلاق، والعدل، ودفع الظلم، وهذا كلام مجمل تقوله جميع الأمم، لكن لا تجد في هذه القوانين التي رأيتها مصطلحات فقهية شرعية، ويريدون أن يعطوها صفة القانون! بل ويقول لك: إنها تنسجم مع القواعد العامة للمذهب الفلاني.
مع أن عبارة: (القواعد العامة) فضفاضة، فتجد مثلاً القانون الفرنسي والقانون الإنجليزي والقانون المصري الذي يدّعون أنه ينسجم مع الفقه سواء، ولا تجد بينهما فرقاً، فهذا النوع من التقنين لا شك أنه خطير، وليس هو المقصود عندنا -ولله الحمد- في هذا البلد، وأكثر الذين يتكلمون عن التقنين من طلاب العلم أو المشايخ -وهم قلة- يقصدون النوع الأول، والذي هو: وضع الأحكام الفقهية على شكل مواد تقرب للقاضي والحاكم والناظر والمستشار والباحث المسائل الشرعية، بشكل يتناسب مع مستجدات العصر الإدارية والأساليب والوسائل التي تتجدد، فمثلاً: القضاء، فلابد أن يحكم قضايا المرور، وقضايا الاقتصاد، وقضايا الطب الحديث وغيرها؛ لأننا إذا أخذنا زاد المستقنع أو شرح الزاد لا نستطيع أن نأخذ منه أحكاماً واضحة لمعالجة مشكلات معاصرة، مثل: صدام السيارات، فلا يوجد في الفقه القديم أحكام تنص على ذلك، لكن توجد له قواعد ونظائر، لذا فهم يريدون بالتقنين: جعل هذه القواعد والنظائر على شكل مواد تُريح من التخبيط والاجتهاد الخاطئ الذي يكثر في تطبيق القضايا المعاصرة على القديمة، وعليه فنقول: إن تسمية هذا النوع من العمل تقنيناً هو الذي أدخل اللبس على الناس، وإلا فهو يعني عنصرة الفقه المعاصر؛ ليمكن تنفيذه أمام القاضي بدون أن يتعب ذهنياً، فيبحث عن المسألة ويقارب ويقارن، وبدون أن يخالفه المدّعي العام أو المُحامي، أو الخصم أو أي معترض؛ لأن الأمر بين وواضح، فلا يبقى في ضمير القاضي أي شيء.
وأخيراً: أنا أتوقف عن هذه المسألة؛ لأنها في الحقيقة مهمة ويكثر فيها اللبس، والأمر إذا كان -في تقديري وقد أكون مخطئاً- في أيد أمينة، فأرجو ألا يكون فيه حرج، ومع ذلك الذين يتخوّفون، أو يتوجسون خيفة من هذا التوجه معهم الحق؛ لأنه من خلال تجاربي السابقة قد وجدنا الألم، والمؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين، فأنا حينما أرى بعض الغيورين يتوجّسون خيفة من شعارات التقنين، فأنا أعذرهم، لكن ينبغي أيضاً أن يعالجوا الأمور باعتدال وحكمة.
следующие страницы →