Полный текст (326 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
مواطن الاستشهاد في الآيات عند الكلام على الإثبات المفصل
أما الكلام على الإثبات المفصل، فسنمر على مواطن الاستشهاد في الآيات؛ لأني بعد التأمل رأيت أن بعض الآيات قد يخفى وجه الشاهد فيها، وبعض الآيات قد تضمنت أكثر من دليل على الإثبات المفصل، لذا فسنقف على أسماء الله وصفاته وأفعاله والإخبار عن الله في هذه الآيات، مع ما ورد في بعض الآيات من باب الأسماء، وبعضه من باب الصفات، وبعضه يجمع بين الأسماء والصفات، وبعضه من باب أفعال الله ، وبعضه من باب الإخبار عن الله ، وهذا كله يدخل في باب الإثبات المفصل.
أولاً: آية الكرسي معروفة بدلالتها على أسماء الله ، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فهذه كلها أسماء.
وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢] فهذه مع اسم الجلالة: (الله) قد أثبت اسم (الأحد) لله ، وكذلك: (الصمد).
وبعده: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢]، صرحت باسم (العليم)، وباسم (الحكيم)، وتضمن صفة (العلم)، وصفة (الحكمة).
وكذلك: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤]، تضمنت صفة (العلم) و (القدرة)، مع ثبوت الاسمين.
وكذلك: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، تضمنت أيضاً من الصفات: (السمع) و (البصر)، مع ثبوت الاسمين.
وكذلك: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم:٤]، تضمنت صفة (العزة) و (الحكمة)، مع ثبوت الاسمين.
وكذلك: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧] كذلك تضمنت مع ثبوت الاسمين صفة (المغفرة) وصفة (الرحمة).
وكذلك: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤]، تضمنت صفة (المغفرة) وصفة (المودة).
وكذلك: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥]، تضمنت الخبر عن الله ، وأنه ذو عرش، وكذلك اسم (المجيد) وصفة (المجد).
وكذلك: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧]، تضمنت معنى الفعل لله ، وكذلك الإرادة.
وقوله: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]، هذه أسماء لله ، والنبي ﷺ قد شرح معانيها فقال: (الأَوَّلُ الذي ليس قبله شيء، وَالآخِرُ الذي ليس بعده شيء، وَالظَّاهِرُ الذي ليس فوقه شيء، وَالْبَاطِنُ الذي ليس دونه شيء)، فهذه أسماء تضمنت صفات وأخبار الأولية والآخرية والظهور والباطن، (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، تضمنت أيضاً اسم (العليم) وصفة (العلم) لله .
وكذلك قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤].
فقوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ)، تضمنت صفة (الخلق).
وقوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)، تضمنت صفة (الاستواء).
وقوله: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا)، تضمنت عموم علم الله .
وقوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ) تضمنت صفة (المعية) المقيدة بثبوت العلو كما هو معلوم، وليست معية الحلول والاتحاد والمخالطة ووحدة الوجود، وإنما المعية هنا: المعية في العلم.
وقوله: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، تضمنت صفة (البصر) لله .
ثم قوله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨] فقوله: (مَا أَسْخَطَ اللَّهَ) تضمنت صفة لله على ما يليق بجلاله.
وقوله: (وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ) تضمنت صفة لله .
وقوله: (فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) تضمنت فعلاً من أفعال الله.
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، تضمنت صفة (المحبة) لله .
وكذلك قوله: ﴿﵃﴾ [المائدة:١١٩]، تضمنت صفة الرضا لله .
стр. 37
اعتبار سياق آيات الأسماء والصفات عند أهل السنة والجماعة
وكذلك قوله : ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء:٩٣] تضمنت صفة لله على ما يليق بجلاله، والسياق معتبر، لا كما يقول بعض المفتونين: إن أهل السنة لا يهتمون بالسياق، ويزعمون أنهم يجزئون أسماء الله وصفاته، وهذا جهل وضلال وحيدة عن الحق؛ لأني أعرف من قال هذا الكلام من المعطلين وأنه تربى على هذه الأمور ودرسها، لكنه فتن ببعض بني جنسه، ففضل عصبية القوم على الحق، فالله يوصف بمثل هذه الصفات لكن مع اعتبار السياق، بمعنى: أننا لا نفرد الصفة إلا على الوجه اللائق بالله .
وكذلك قول الله : ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ [غافر:١٠]، هذا فعل من أفعال الله ، وقد يفهم منه صفة لله ، لكن مع اعتبار السياق، لأن سياقات النصوص معتبرة عند السلف، فلا تثبت هذه الصفات، مثل: المقت والسخط والغضب إلا على وجه الكمال لله سبحانه، وعلى اعتبار المفهوم من السياق؛ يعني: أن المفهوم من سياق كل آية -بحسب ما وردت- وكل حديث عن النبي ﷺ يتضمن صفة لله -بحسب ما ورد- هذا أمر معلوم عند السلف، ولا بد أن يلتزموه، وهو من لوازم إقرارهم بالصفات.
وكذلك قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢١٠]، فصفة (الإتيان) تثبت لله على نحو ما جاءت في السياق.
وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة:٢٩]، فالاستواء هنا ليس هو الاستواء على العرش -هذه من الأدلة العاضدة لأدلة الاستواء على العرش- وإنما الاستواء هنا يفسر بمعنى: العلو والارتفاع، ولا مانع أن يضاف إلى تفسير معنى الاستواء على العرش، لكن هذا النص وحده ليس هو الدليل على الاستواء على العرش، فالاستواء على العرش قد ورد في نصوص أخرى، فهنا استوى كما يليق بجلاله، والفعل: (استوى) إذا عدي بـ (إلى) ثم أشير إلى السماء فإنها تعني: العلو والارتفاع، وتعني المعاني الكاملة التي تقتضيها المعاني اللغوية.
وكذلك قوله : ﴿فَقَالَ لَهَا﴾ [فصلت:١١]، إثبات صفة (القول) لله على ما يليق بجلاله، وهي فرع عن صفة (الكلام).
وبعد ذلك: ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ [مريم:٥٢]، هذه من أفعال الله .
وكذلك: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ [القصص:٦٢]، هذه من أفعال الله ، وهي مرتبطة بالكلام والصوت.
وكذلك: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
فقوله: (إِنَّمَا أَمْرُهُ) إثبات (الأمر) لله سبحانه.
وقوله: (إِذَا أَرَادَ) إثبات صفة (الإرادة).
وقوله: (أَنْ يَقُولَ) إثبات صفة (القول) لله سبحانه.
وكذلك آيات سورة الحشر كلها في أسماء الله وصفاته، وهكذا بقية النصوص.
стр. 38
الرد على الطوائف التي زاغت وحادت عن سبيل المرسلين
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وذلك أنه قد علم بضرورة العقل أنه لا بد من موجود قديم غني عما سواه].
هذا بداية الرد على الطوائف الأربع -الشيخ قد ذكر منها ثلاثاً، والرابعة قد تضمنها كلامه- وهذه الطوائف زاغت عن سبيل الحق، ووقعوا فيما نهى الله عنه من اتباع المتشابه، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧]، وحادوا في باب أسماء الله وصفاته، وهي: الطائفة الأولى: الذين عطلوا غاية التعطيل، وهم غلاة المعطلة الذين يسلبون عن الله النقيضين.
الطائفة الثانية: الذين قاربوهم ممن وصف الله بالسلبيات وبالنقيض، والسلوب هو: كل وصف لله فيه سلوب، وهؤلاء كلهم فلاسفة.
الطائفة الثالثة: الذين أثبتوا لله الأسماء ونفوا الصفات.
الطائفة الرابعة: الذين نفوا بعض الصفات وأثبتوا البعض، ولم يذكرهم الشيخ، لكنه عند الرد على الجميع سيشملهم، وهؤلاء كلهم يسمون مؤولة ومعطلة ونفاة، مع أنهم يتفاوتون، فمنهم من يعطل تعطيلاً صريحاً، ومنهم من يؤول.
وهذه الطوائف الأربع قد اجتمعت كلها في قدر مشترك، وهو نفي ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ ، والإلحاد في أسماء الله وصفاته إلحاداً كلياً أو جزئياً، والتأويل لما ثبت أو بعض ما ثبت، وعلى هذا فإن هذا الرد من الشيخ سيشمل من أنكر كل شيء، أو أنكر الأسماء دون الصفات، أو أنكر الأسماء مع الصفات، أو بعض الصفات دون بعض، أو أنكر وأول صفة واحدة، فكل هؤلاء يشملهم هذا الرد.
стр. 39
البدهيات التي انطلق منها المصنف في الرد على النفاة والمعطلة والمؤولة
قوله: (علم بضرورة العقل أنه لا بد من موجود قديم غني) يقصد المصنف بذلك قواعد الإثبات التي يرد عليهم بها، وهي: الوجود، والقدم، والغنى، فهذه الأمور يعترفون بها عقلاً، فيثبتوها لمن يسمونه بواجب الوجود، الذي وجوده يخالف وجود المحدثات، فالشيخ ﵀ قد بدأ بما يسلمون به، أي: أنه لابد من موجود، وهذا أولاً، ثانياً: أنه قديم، ثالثاً: أنه غني، وهذه بدهيات انطلق منها الشيخ في الرد على النفاة أو المعطلة أو المؤولة، وهي قواعد مشتركة عند الجميع.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات، كالحيوان والمعدن].
هذا بداية التفصيل من المصنف لما أجمله من الأمور المتفق عليها عند جميع الطوائف، فبدأ بالبرهان الأول وهو: أننا نشاهد حدوث المحدثات، كالحيوان والمعدن وغيرهما.
ثم قال رحمه الله تعالى: [والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع، وقد علم بالاضطرار، أن المحدث لا بد له من محدث، والممكن لابد له من موجد].
هذا الاستدلال أو البرهان الثاني، وهو أن الحادث ممكن وليس بواجب ولا ممتنع، بمعنى: أنه قابل للوجود والعدم، فيفترض العقل أن هذا الوجود الذي يقبل العدم قد بدأ من لا شيء.
стр. 40
الخلق لم يخلقوا من غير شيء ولم يخلقوا أنفسهم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، فإذا لم يكونوا خلقوا من غير خالق، ولا هم الخالقون لأنفسهم تعين أن لهم خالقا خلقهم].
عند التأمل في البراهين القرآنية نجد أنها تتميز عن براهين الفلاسفة وغيرهم بالبساطة والقوة، والإيجاز والوضوح، وهذا إعجاز، فقاعدة: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)، قد يكتب فيها الفلاسفة المجلدات، لكن لبعدهم عن الحق وقعوا في المتاهات والضلالات، مع أن هذه قاعدة فطرية يدركها البليد ومتوسط الذكاء والعبقري، بل والبسيط من أصحاب الفهم الذين لا يكون عندهم عادة قدرة وتمكن في التفكير، ومع ذلك يدركون هذه القاعدة الفطرية.
ولذا فإن الإنسان إذا تأمل هذه القاعدة، وجد أنه لا يمكن أن يحيد عقله السليم عن أنه لا يمكن أن يكون قد خلق الخلق من غير شيء، ثم تأتي درجة ثانية وهي: إذا كانوا خلقوا من غير شيء، فهل يعقل أنهم خلقوا أنفسهم؟! هذه القاعدة في ثلاث عبارات أو عبارتين سليمة من المقدمات المعقدة، ومن الافتراضات الفلسفية، وفي نفس الوقت هي فطرية وضرورية ولازمة، يعني: لا يستطيع أن ينفك عنها العاقل، فكل عاقل لا بد أن يقف عندها بوضوح، وعند ذلك يصل إلى نتيجة جازمة لا شك فيها ولا ريب، بأنهم لم يخلقوا من غير شيء ولم يخلقوا أنفسهم، وهذا يشمل كل المخلوقات.
стр. 41
اتفاق الأسماء لا يوجب تماثل المسميات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود، وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصه، ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد ولا في غيره].
هذا دليل بدهي في الرد على الذين أنكروا الأسماء والصفات، كالجهمية، أو أنكروا بعضها، كالمعتزلة ومن سلك سبيلهم، فهؤلاء كلهم يرد عليهم بمثل هذه القاعدة العقلية البدهية، إذ إن شبهتهم في إنكار الأسماء أو الصفات أو بعضها: أن إثبات هذه الأسماء أو الصفات لله يقتضي التشبيه، فالجهمية يقولون: إذا سمينا الله بالعليم أو الحكيم فقد شبهناه بالمخلوق؛ لأن المخلوق قد يكون حكيماً، وكذلك الذين ينفون الصفة يقولون: الحكمة من صفات المخلوقين، فإذا وصفنا بها الخالق فقد شبهناه بالمخلوق، وبالتالي نفوا عنه الحكمة، وكذلك بقية الصفات، فكان الاشتباه عندهم هو في التشابه اللفظي، والشيخ قد بدأهم من حيث الأساس الذي ينطلقون منه جميعاً، فكلهم يثبتون الوجود لله، سواء الجهمية والمعتزلة ومتكلمة الأشاعرة والمؤولة لبعض الصفات أو لكثير منها، وكلهم يجتمعون على وصف الله باعتبار أنه موجود.
فيقول لهم: أنتم إذا عبرتم عن الله بأنه موجود، أليست كلمة (موجود) اسماً وصفة؟ سيقولون: بلى.
يقول: إذا كان من أجل التشابه اللفظي تنكرون الأسماء والصفات، فكذلك كلمة: (وجود) فيها اشتباه لفظي؛ لأننا كما نصف الله بأنه موجود، والمخلوق موجود، نستطيع أن نقول: المخلوق إذاً غير موجود، لكن ما دام أنه موجود فإذاً هو حي ويرزق، وعليه فكما نفيتم يلزمكم أن تنفوا حتى الوجود، وأما إذا أثبتم الوجود -مع وجود الاشتباه اللفظي- فيلزمكم أن تثبتوا بقية الصفات لله على ما يليق بجلاله، وإن قلتم: نحن نثبت وجوداً يليق بجلال الله، فنحن نقول أيضاً: ونحن نثبت لله بقية الأسماء والصفات على ما يليق بجلاله، فما الفرق؟! وهذه قاعدة تطرد معنا في الدروس التي ستأتي بمشيئة الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلا يقول عاقل إذا قيل إن العرش شيء موجود، وإن البعوض شيء موجود، إن هذا مثل هذا، لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود؛ لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه، بل الذهن يأخذ معنى مشتركا كلياً هو مسمى الاسم المطلق، وإذا قيل هذا موجود، وهذا موجود، فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره، مع أن الاسم حقيقة في كل منهما].
стр. 42
أسماء الله وصفاته مختصة به وإن اتفقت مع ما لغيره عند الإطلاق
قال المصنف ﵀: [ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به، إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره، وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلاً عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص].
يمكن أن نضرب لهذا بأي مثال، كالحكمة والرحمة مثلاً، فالله وصف نفسه بذلك، ووصفه رسوله ﷺ بذلك، وكلمة (حكمة) من الكلمات المطلقة مثل كلمة (وجود)، ومثلها كلمة: (رحمة) و (علم)، إذ لا يمكن أن تنطبق على المعين إلا إذا قرنت بمعين، ومع ذلك قبل أن تقترن بمعين فهي كلمة في الذهن، ولذلك قالوا: في الأذهان وليس في الأعيان، كما أنهم قالوا: إنها بمعنى الإطلاق، والاسم المطلق هو الاسم المجرد عن الموصوف، فنأتي باسم ولا ندري من نقصد به! مع أنه لا يوجد اشتراك بين المسميات إلا في اللفظ، حتى المخلوقات كلها تشترك في كثير من الصفات، لكن بعض الألفاظ المشتركة فيها تباين عظيم جداً، فوجود العرش غير وجود البعوضة -وهذا في المخلوقات نفسها- فالتفاوت بينها تفاوت لا يكاد يتصور من الفوارق العظيمة الهائلة، ولله المثل الأعلى، فكيف بإطلاق اللفظ على الله إذا أطلق؟! فالألفاظ والمعاني والأسماء المجملات عند الإطلاق لا تعني شيئاً، وعند التقييد لا بد أن يلتزم فيها ما يليق بمن أطلقت له، ويبقى اللفظ مشتركاً، والاشتراك لا يعني التشابه والمماثلة إلا في اللفظ، والاشتراك اللفظي ليس اشتراكاً حقيقياً بين الخالق والمخلوق بالذات، بل لا يمكن أن يكون الاشتراك اللفظي بين الخالق والمخلوق اشتراكاً حقيقياً في الكيفيات، وإنما هو اشتراك لفظي فقط، وهذا الاشتراك اللفظي وإن وجد لا يوجب نفي الأسماء والصفات عن الله ؛ لأننا نعلم علم اليقين أن هذه الألفاظ المشتركة إذا أطلقت على الله أطلقت عليه بما يليق بجلاله وعظمته، وأنه ليس كمثله شيء، وإذا أطلقت على المخلوقات فإنها تليق بالمخلوقات من حيث إنها ناقصة وزائلة وفانية، ويعتريها النقص من كل وجه، ففرق بين هذا وذاك.
стр. 43
أمثلة على أن الاشتراك اللفظي بين صفات الخالق والمخلوق لا تعني التماثل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فقد سمى الله نفسه حياً، فقال: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وسمى بعض عباده حيًا، فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم:١٩]، وليس هذا الحي مثل هذا الحي؛ لأن قوله: (الْحَيَّ) اسم لله مختص به، وقوله: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) اسم للحي المخلوق مختص به، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركاً بين المسميين، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق.
ولابد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه .
وكذلك سمى الله نفسه عليمًا حليمًا، وسمى بعض عباده عليمًا فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات:٢٨]، يعني: إسحق، وسمى آخر حليمًا، فقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١] يعني: إسماعيل، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم.
وسمى نفسه سميعًا بصيرًا، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]، وسمى بعض عباده سميعًا بصيرًا فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢]، وليس السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير.
وسمى نفسه بالرءوف الرحيم، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة:١٤٣]، وسمى بعض عباده بالرءوف الرحيم، فقال: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، وليس الرءوف كالرءوف، ولا الرحيم كالرحيم.
وسمى نفسه بالملك، فقال: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر:٢٣]، وسمى بعض عباده بالملك، فقال: ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف:٧٩]، ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف:٥٠]، وليس الملك كالملك.
وسمى نفسه بالمؤمن المهيمن، وسمى بعض عباده بالمؤمن، فقال: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]، وليس المؤمن كالمؤمن.
وسمى نفسه بالعزيز، فقال: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر:٢٣]، وسمى بعض عباده بالعزيز، فقال: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١]، وليس العزيز كالعزيز.
وسمى نفسه الجبار المتكبر، وسمى بعض خلقه بالجبار المتكبر، فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥] وليس الجبار كالجبار، ولا المتكبر كالمتكبر، ونظائر هذا متعددة].
إن كل النصوص السابقة تمثيل للقاعدة السابقة في أسماء الله ، وأن كون أسماء الله مشتركة مع أسماء المخلوقين أو مع أسماء بعض المخلوقين، لا يقتضي الاشتراك في الكيفية، وهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى: لا يقتضي التشبيه، ولو قلنا: إنه تشبيه، معناه: أنه لابد أن نصادم النصوص، ويضطر من يقول ذلك بإلغاء النصوص وردها، وهذا كفر صريح، وكذلك العكس، فلو قال: أنها تقتضي التشبيه، فقد خالف النص القطعي وبداهة العقول من أن الله ليس كمثله شيء.
إذاً: فالمسلم لا يجمع بين هذا وذاك، وكل ما سبق هو في تطبيق القاعدة في أسماء الله .
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك سمى صفاته بأسماء، وسمى صفات عباده بنظير ذلك، فقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]، وقال ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥]، وسمى صفة المخلوق علمًا وقوة، فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣]، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَ
стр. 44
نتيجة ما تقدم
فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي مماثلته لخلقه، فمن قال: ليس لله علم ولا قوة ولا رحمة ولا كلام، ولا يحب ولا يرضى ولا نادى ولا ناجى ولا استوى، كان معطلا جاحداً، ممثلاً لله بالمعدومات والجمادات.
ومن قال له علم كعلمي، أو قوة كقوتي، أو حب كحبي، أو رضا كرضاي، أو يدان كيداي، أو استواء كاستوائي، كان مشبهاً ممثلاً لله بالحيوانات، بل لا بد من إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل.
ويتبين هذا بأصلين شريفين، ومثلين مضروبين -ولله المثل الأعلى- وبخاتمة جامعة].
سيفصل الشيخ ﵀ ما أجمله هنا، مع أنه قد فصل في الأمثلة، لكن أيضاً سيفرع على هذه القاعدة قواعد ثمينة ذهبية جيدة تدل على إحكام هذا المنهج الذي قامت عليه عقيدة السلف، وهو منهج -كما ترون- يعتمد على نصوص الكتاب والسنة، والشيخ هنا في معرض رده على أهل الأهواء والبدع الذي صاروا يثيرون الإشكالات والشبهات والمطاعن على منهج السلف لا يستدل عليهم إلا بالقرآن، فماذا سيقولون؟! ليس عندهم إلا ما عند أهل الأهواء من الزيغ والتلبيس والحيدة عن الحق، نسأل الله العافية والسلامة.
وفي الفصل الآتي سيبدأ بالأصول التي تبنى عليها قواعد الأسماء والصفات في الرد على المعطلة والمؤولة، وسترون أن الشيخ فعلاً في مستهل هذا الفصل سيبدأ بالأصلين اللذين يمثلان القاعدة في الرد على المعطلة وعلى المؤولة بجميع أصنافهم، سواء من أول صفة واحدة، أو من أول عدداً من الصفات، أو من أول جميع الصفات، فقد بنى قاعدة الرد عليهم على أصلين، أحدهما: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، والثاني: القول في الصفات كالقول في الذات.
ثم يستكمل بعد ذلك بقية القواعد على نحو ما سيأتي.
стр. 45
شرح العقيدة التدمرية [٤]
عندما يطلع المرء على عقائد الفرق المخالفة يجد أنه يمكن الرد على كل فرقة بأقوال الأخرى، ومن ذلك أنه يرد على من يثبت بعض الصفات بأن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر.
стр. 46
القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل فأما الأصلان: فأحدهما أن يقال: القول في بعض الصفات كالقول في بعض].
يقصد الشيخ هنا: القول في بعض الصفات من حيث التعطيل أو التأويل أو الإثبات، وعلى هذا يمكن أن نفسر العبارة بأنها: القول نفياً أو إثباتاً، والإثبات سواء كان على جهة الإثبات الشرعي، وهذا لا مجال لطرحه هنا؛ لأنه هو الأصل، وإنما المعروض هنا هو رأي المخالفين والرد عليهم.
إذاً: فالقول في بعض الصفات من حيث التعطيل والتأويل يسمى نفياً، أو من حيث الإثبات خاصة إثبات المشبهة، لاسيما الذين شبهوا بعض الصفات ولم يشبهوا البعض الآخر، فيدخل المشبهة في هذا المجال، وسيأتي لهذا عرض على وجه يحتاج إلى مزيد من التأمل في كلام الشيخ مستقبلاً، إذ إنه قد عد ممن أخطأ في الإثبات المعطلة أنفسهم والمؤولة؛ وهذا فعلاً من باب الإلزام الذي يلزم، إذ إن المعطلة والمؤولة إنما عطلوا وأولوا حينما شبهوا في أذهانهم، فهربوا من التشبيه، فيقول: إن تشبيهكم في بعض الصفات -الذي من أجله عطلتم- لابد أن يحكم جميع الصفات عندكم، ومن هنا تنسحب قاعدة التعطيل عندكم جميعاً، أو قاعدة التأويل عندكم جميعاً، وذلك كله حجة عليكم؛ لأن ما أثبتموه موجود فيما نفيتموه، وكذلك العكس: ما نفيتموه موجود فيما أثبتم.
стр. 47
مناقشة من يثبت الصفات السبع دون غيرها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإن كان المخاطب ممن يقول: بأن الله حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهته، فيجعل ذلك مجازاً ويفسره، إما بالإرادة وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات].
يقصد بهؤلاء: متكلمة الأشاعرة والماتريدية، فالأشاعرة يثبتون سبع صفات والماتريدية يثبتون مع هذه السبع صفة ثامنة يسمونها: التكوين، ويجعلون هذه الصفات حقيقية، وفي الوقت نفسه مع ثبوت صفات أخرى، مثل: المحبة والرضا ينازعون فيها، فمثلاً: (المحبة) يؤولونها بأحد أمرين، أو بأمور كثيرة، لكن أشهر التأويلات عندهم للمحبة: إرادة الإنعام، أو يقولون: هي النعمة، أي: أنها ثمرة محبة العبد لله ، يرونها هي ذات المحبة، عبر عنها بالمحبة مجازاً، وكذلك الرضا يدخل في معنى المحبة، والغضب والكراهة يؤولونها إما بالانتقام أو بإرادة الانتقام، ويجعلون التعبير عن النعمة بالمحبة مجازاً، وكذلك عن النقمة والغضب بالانتقام أو إرادة الانتقام، فيجعلونها مجازاً، أو يفسرون ذلك بالإرادة.
إذاً المقصود بمحبة الله عند هؤلاء الناس: أن الله يريد إنعام العباد، أو بعض المخلوقات، وهي الآثار الظاهرة لمحبة الله ، مثل المطر وغيره، فيقولون: هذه آثار رضا الله ، وقد عبر عنها بذلك مجازاً.
والصفة الثامنة عند الماتريدية: التكوين، وهذه عقوبة من يحيد عن الصراط المستقيم، ولو في أمور جزئية إن صح التعبير، مع أن هذا ليس من الأمور الجزئية، لكن حينما حادوا عن إثبات الصفات اضطروا أن يأتوا بشيء من عندهم، وليس عندهم دليل على أن هناك صفة اسمها: التكوين، فهم ترددوا وخاضوا، بل تورعوا -بزعمهم- عن إثبات ما أثبته الله لنفسه، ولم يتورعوا أن يأتوا بصفة لا دليل لها من الكتاب أو السنة، وهي عندهم من مجموع الإرادة والقدرة، أي: من مجموع صفات ينتج عنها -بزعمهم- شيء اسمه: التكوين، وهو المتمثل بقول الله : ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيقال له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر].
أي: يقال للأشاعرة والماتريدية: إنه لا فرق بين ما نفيتموه من المحبة والرضا والغضب والكراهية ونحو ذلك، وبين ما أثبتموه من الكلام والسمع والبصر ونحو ذلك، فما دام أنكم أثبتم شيئاً من صفات الله فيلزمكم أن تثبتوا الجميع، وما نفيتموه تنسحب علة النفي عندكم على ما أثبتموه، فإما أن تلتزموا قاعدة الفلاسفة المعطلة، وهذا شرط، وإما أن تلتزموا الحق، وهو الإثبات لكل ما أثبته الله لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ على ما يليق بجلاله، فإن الله ليس كمثله شيء.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين، فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل، وإن قلت: إن له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به، قيل لك: وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق به.
وإن قلت: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، فيقال: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، فإن قلت: هذه إرادة المخلوق، قيل لك: وهذا غضب المخلوق.
وكذلك يلزم القول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته، إن نفى عنه الغضب والمحبة والرضا ونحو ذلك مما هو من خصائص المخلوق، فهذا منتف عن السمع والبصر والكلام وجميع الصفات، وإن قيل: إنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين فيجب نفيه عنه، قيل له: وهكذا السمع والبصر والكلام والعلم والقدرة.
فهذا المفِّرق بين بعض الصفات وبعض، يقال له فيما نفاه كما يقوله هو لمنازعه فيما أثبته، فإذا قال المعتزلي:] المقصود بالمعتزلي هنا: الذي يثبت أسماء الله وينفي صفاته سبحانه اللائقة بجلاله.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ليس له إرادة ولا كلام قائم به].
يعني بذلك: أن المعتزلي ينص على أن الله مريد بلا إرادة -تعالى الله عما يزعمون- ومتكلم بلا كلام، وهذا في الحقيقة حيلة إلى التعطيل، وإن كان قد يقصدون به التنزيه، لكن ليس كل من ادعى أنه يقصد الحق يوفق للحق؛ لأن أمور المقاصد ليست هي التي توصل إلى الحق ما لم تكن على الاستقامة، نعم أمور المقاصد في الأمور المشروعة هي التي يبنى عليها الحكم، وأما المقاصد في الأمور غير المشروعة فلا تكون ذريعة للاعتذار عن مثل هؤلاء، أو اعتبار أقوالهم مشروعة، بل إن أقوالهم غير مشروعة وإن حسنت مقاصدهم؛ لأنهم يزعمون -وبعضهم قد يكون ممن يستهويه الشيطان- أنهم بنفيهم لصفات الله أرادوا التنزيه لله ، لكنا لا نوافقهم على ذلك، بل نقول لهم: ليس الأمر كما تزعمون، بل إن منتهى التنزيه لله هو بالخضوع لما جاء عن الله وجاء عن رسوله ﷺ ، والتسليم والرضا والتصديق بذلك.
إذاً: المعتزلي يقول: أنا أقول: إنه مريد، لكن يهدم قوله هذ
стр. 48
الرد على الاحتجاج بإثبات العقل لهذه الصفات
стр. 49
الجواب الأول: عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإن قال: تلك الصفات أثبتها بالعقل].
القائل أو المتكلم هنا: الأشعري والماتريدي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [لأن الفعل الحادث دل على القدرة، والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دل على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضد ذلك.
قال له سائر أهل الإثبات: لك جوابان: أحدهما أن يقال: عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين، فهب أن ما سلكت من الدليل العقلي لا يثبت ذلك، فإنه لا ينفيه، وليس لك أن تنفيه بغير دليل].
قوله: (أن يقال: عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين)، أي: يقال للأشعري: إذا زعمت أيها المتكلم أن إثبات المحبة مثلاً أو الإحسان أو الرضا لله أو الغضب، أو غيرها من الصفات الفعلية لا يدل عليها عقلك، فلا يعني ذلك عدم صحة المدلول؛ لأن ذلك قد ثبت في الكتاب والسنة، وعليه فيلزمك أن تأتي بالدليل الذي يدل قطعاً على رد ما جاء في الكتاب والسنة، ومع ذلك فلن يستطيع الإتيان بدليل، بالرغم أننا نحاجهم بقاعدتهم، لكن نحن أهل السنة والجماعة نقول: هل هناك أقوى دليلاً من كلام الله وكلام رسوله ﷺ ؟! ليس هناك أقوى.
إذاً: يلزمه الدليل حتى ينفي ما يثبت، أما أن يسلط هذه القاعدة الموهمة الملبسة، والتي تشتبه على كثير من الناس، ويقول: العقل لا يدل على هذه الصفات، وهي ثابتة في الكتاب والسنة، فذلك كلام مرفوض؛ لأن ثبوتها عندنا لا تتوقف على العقل، فهي فوق العقل، وكلام الله فوق العقل، وما ثبت عن رسول الله ﷺ فوق العقل.
كما أن إثبات الصفات الفعلية، كالمحبة والرضا والغضب والنزول لا يدل عليها العقل كما تزعم، فلا يعني ذلك عدم وجود المدلول، وهو إثبات الصفة، فإن النافي هنا هو الذي يحتاج إلى دليل؛ لأن الثبوت هو الأصل، ونحن لم نثبت شيئاً من عندنا، لكن إن أثبتنا شيئاً من عند أنفسنا فيلزمنا الدليل، أما إذا قلنا: قال الله، وصح عن رسول الله ﷺ ، فكيف نطالب بالدليل ونحن أهل الدليل؟! إن هذا من التلبيس الذي ينطوي على بعض الأغرار من الناس، وخاصة ممن لم يوفق لطريق السلف، أو عندهم شيء من الغرور، أو قلة الفقه في الدين، لذا فإن كثيراً من الناس إذا جئته بمثل ذلك ينبهر، ولا يعرف كيف يرد؛ لأنه ما عرف أصول الاستدلال، وكيف يكون الرد على مثل هذه الشبهات.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [لأن النافي عليه الدليل كما على المثبت، والسمع قد دل عليه ولم يعارض ذلك معارض عقلي ولا سمعي، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض المقاوم].
هذه فائدة مهمة جداً لطلاب العلم اليوم، وهي أن من أسباب الفتنة على المثقفين وشبابنا في العصر الحاضر تلبيس أصحاب الأهواء والافتراق والبدع عليهم، بأن يقولوا في كثير من أمور الدين، أو في القضايا التي تتعلق بمناهج السلف وأصول السنة: هذا أمر ليس عليه دليل، أو أحياناً يقولون: هذا لا يدل عليه العقل، أو أن هذا ينفيه العقل، أو أن العقل ينفر منه، أو أن العقل لا يصدقه، أو أحياناً يقولون: هذا الأمر الفلاني الذي جاء في الشرع يتنافى مع العلم الحسي والحديث.
وسأضرب لكم مثالاً على ذلك: كثير من الأطباء النفسيين وخاصة ممن ليس عندهم ورع ولا تقوى -أستثني الأخيار وهم بحمد الله كثير- لا يعترفون بتأثير القرآن، ويقولون: هذه توهيمات نفسية، فسواء قرأت القرآن أم لم تقرأ، فإذا أوهمت المريض بأنك تعالج فربما يبرأ بمجرد توهمه أنه يعالج، ثم نقول لهم لماذا؟ قالوا: ليس عندنا دليل علمي، وهذا غير قابل للقياس المادي، وللاستقراء العلمي الظاهر المادي، ثم النتيجة: أن هذا ليس بعلم، وإنما هو تقاليد أو أعراف أو توهمات أو شعور نفسي، وعلى هذا نجد الكثير من الكتاب والمفكرين ردوا أشياء كثيرة من الإسلام، بدعوى أنها لا يقبلها العلم، فنحن نرد عليهم بهذه القاعدة، فنقول: عدم الدليل المادي لا يدل على عدم صحة الشيء، وإذا كان هذا الأمر غيباً فإنه لا يحتاج إلى دليل مادي.
ونقول لهم أيضاً من وجه آخر: كما أن عقولكم لا تثبت وهي عاجزة عن الإثبات، فكذلك هي لا تنفي، إذاً: أخرجوا العقل إذا كانت عقولكم لا تثبت، وهي كذلك لا تستطيع أن تنفي، لذا فليس عند هؤلاء الذين يخبطون في الغيب وفي الدين قدرة على النفي، كما أنهم يزعمون أن عقولهم لا تثبت، مع أن العقل السليم يوافق الشرع، لكن عقولهم قاصرة، فنقول لهم: عقولكم القاصرة في حين أنها لا تثبت، فكذلك لا تقدر على النفي، وكذلك العلم المادي الحديث، فكما أنه لا يستطيع أن يتناول أمور الغيب لا بالإثبات ولا بالنفي، فنقول: فكذلك العلوم التجريبية العلمية الحديثة، فكما أنها لن تثبت أو لا تستطيع أن تثبت الغيب ولن تستطيع ذلك، فكذلك لا تستطيع أن تنفي، إذاً فأخرجوا العلم والعقل من أن تجعلوه أداة للكفر والإلحاد، ولو كان للعلم لسان لخاصم هؤلاء، ولو كان للعقل لسان لخاصم هؤلاء الذين افتروا عليه وبهتوه وعرضوه لتكذيب كلام الله وكلام رسوله صلى الله
стр. 50
الجواب الثاني: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبتت به تلك من العقليات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الثاني: أن يقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبت به تلك من العقليات، فيقال: نفع العباد بالإحسان إليهم دل على الرحمة كدلالة التخصيص على المشيئة، وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكافرين يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالشهادة والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه، والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته -وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة- تدل على حكمته البالغة; كما يدل التخصيص على المشيئة وأولى، لقوة العلة الغائية، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة].
في الحقيقة هذا رد علمي موضوعي كما يعبر به كثير من المعاصرين الذين يعجبون بالشعارات الغربية ممن يسمون بالعلمية والموضوعية، فإذا أخذناه على مقاييسهم فهذا الكلام علمي وموضوعي واستقرائي وعقلي، ولا يستطيع أن ينفك عنه لا المؤولة ولا المعطلة، والشيخ هنا قد رجع إلى الأشاعرة وقال لهم: كما أنكم أثبتم الصفات السبع، وقيل لكم: لماذا أثبتموها؟ قلتم: أثبتناها بالعقل، ونحن إذا تأملنا عقلاً لوجدنا أن الفعل الحادث دل على قدرة الله ، وأن التخصيص كون المخلوقات مميزة بعضها عن بعض، هذه سماوات وأرضون وأحياء وأموات، هذا يسمى تخصيصاً، ووجود التمييز بين المخلوقات يدل على الإرادة، والإحكام -إحكام المخلوقات- يدل على العلم، وهذه الصفات كلها مستلزمة للحياة؛ لأنه لا يمكن أن يكون قادر ومريد وعالم إلا حياً، والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام، فنقول لهم: اطردوا هذه القاعدة.
كما نقول أيضاً: وجود الرحمة والنفع، أي: نفع العباد بالإحسان، يدل على الرحمة، وكذلك التخصيص يدل على المشيئة والحكمة، مع أن الشيخ لم يذكر الحكمة في هذا المقام، لكنه أتى بها بعد ذلك، فدلالة التخصيص كما تدل على المشيئة تدل على الحكمة أيضاً، وأنتم قلتم: تدل على الإرادة، أو أضيفوا مع الإرادة الحكمة، وإكرام الطائعين يدل على المحبة، وعقاب الكافرين يدل على البغض، وهكذا بقية الأمور، فنقول لهم: كما أثبتم القدرة بالفعل، والتخصيص بالإرادة، والعلم بالإحكام، وبقية الصفات، كالحياة والسمع والبصر؛ لأنها من لوازم الحياة، فكذلك بقية الصفات، مثل: الرحمة والمحبة والمشيئة والبغض والحكمة ونحو ذلك، فكل هذه دلت عليها مخلوقات الله ، وشئون الله في خلقه دلت على هذه الصفات، والله له في خلقه شئون نراها يومياً في حياتنا الخاصة والعامة، وكلها دليل على بقية صفات الله، فنرى أثر محبة الله في عباده، ونرى أثر غضب الله في عباده، ونرى أثر حكمة الله في مخلوقاته، ونرى أثر كثير من أفعال الله، مثل الرزق والإحياء والإماتة وغير ذلك في مخلوقاته، فلماذا جعلتم بعض الأشياء دالة على نوع من الصفات، ولا يدل على النوع الآخر منها؟ إن هذا هو دليل انغلاق أهل الأهواء على أهوائهم، وعدم إدراكهم لعموم القواعد الشرعية، ولذا فإن المتأمل سيلاحظ أنه لا يوجد كما عند أهل السنة والجماعة في تعميم دلالات النصوص على الوجه الصحيح، فهؤلاء يغلقون دلالات النصوص بأهواء يضعونها لأنفسهم، وينتقون في الاستدلال انتقاء، فلا يأخذون بشمولية الاستدلال، وإلا فأدلتهم العقلية كما ذكر الشيخ هي دليل عليهم، وكما أن العقل يدل على الصفات السبع، فكذلك يدل على بقية الصفات من باب الضرورة، وكلها كمال، فلماذا كانت الإرادة والعلم كمالاً، والمحبة والحكمة غير كمال؟! إن هذا مما يعجب منه صاحب العقل السليم.
كما أنهم يقولون بعدة وجوه، فلا يثبتون السمع على حقيقة ما يثبته السلف، ولهم في ذلك تأولات كثيرة، لكن نوجزها: فهم يرون أن السمع هو العلم بالمسموعات، فيردونها إلى العلم، والبصر هو العلم بالمبصرات، وهذا مجمل قولهم، وإلا فلهم في ذلك مسالك عجيبة، فهم في الحقيقة لا يثبتون حتى السمع والبصر على وجهها الشرعي، ولذلك أكثر ما رد عليهم المعتزلة في إثبات السمع والبصر، يعني: أنهم هم قد يوافقونهم في بعض الصفات الأخرى، لكن في السمع والبصر قال المعتزلة للأشاعرة: لماذا أثبتم السمع والبصر ولم تثبتوا اليد والوجه؟ بالرغم أن قاعدتهما واحدة، والمعتزلة يقولون نحو ما قالت الأشاعرة: كما أنكم تقولون: اليد لا تكون إلا الجارحة، يقولون: نحن لا نعرف السمع إلا الجارحة، والبصر إلا الجارحة، وهؤلاء لا نوافقهم كلهم، لكن هكذا يضرب بعضهم بعضاً، لذا فأقول: إثباتهم للسمع والبصر على غير قاعدة عقلية صحيحة، وأيضاً على غير القاعدة المطردة عندهم، لكنهم تورعوا عن نفي السمع والبصر، ولذلك أولوهما، وأكثر ما يدور تأويلهم على أن البصر العلم بالمبصرات، والسمع العلم بالمسموعات.
стр. 51
شرح العقيدة التدمرية [٥]
يتشبث منكرو الصفات بشبهة الفرار من التجسيم والتشبيه، ومن هؤلاء من يثبت الأسماء ومنهم من ينفيها أيضاً لكنه يثبت الوجود، وأقوال هؤلاء باطلة على كل تقدير كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ههنا.
стр. 52
شبهة التجسيم ومناقشة من يثبت الأسماء دون الصفات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات ويقر بالأسماء كالمعتزلي الذي يقول: إنه حي عليم قدير، وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة.
قيل له: لا فرق بين إثبات الأسماء وإثبات الصفات، فإنك إن قلت: إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي تشبيهاً أو تجسيماً، لأنا لا نجد في الشاهد متصفاً بالصفات إلا ما هو جسم، قيل لك: ولا نجد في الشاهد ما هو مسمى حي عليم قدير إلا ما هو جسم، فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا للجسم فانف الأسماء؛ بل وكل شيء؛ لأنك لا تجده في الشاهد إلا للجسم، فكل ما يحتج به من نفى الصفات يحتج به نافي الأسماء الحسنى، فما كان جوابا لذلك كان جوابا لمثبتي الصفات].
المعتزلي يقول: إن الله حي، ثم يقول: بلا حياة -تعالى الله- عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، فالشيخ ﵀ ضبط عليهم هذا الكلام، وقال: أنتم قلتم: بأنه حي عليم قدير، فلماذا نفيتم الحياة والعلم والقدرة؟ قالوا: لأن الحياة والعلم والقدرة من حيث هي صفات لا توجد إلا فيما هو أجسام، فرد عليهم الشيخ: فكذلك تسمية الله بالحي والعليم والقدير لا تعرف عندنا بما نعرفه قبل أن يأتينا الخبر أو مجملات المعقولات إلا ما هو من أوساط الأجسام بالنسبة لمداركنا، فإذا كنا نعرف أن المخلوق حي عليم قدير، وتعترفون بذلك، وتقولون أيضاً: إن الخالق حي عليم قدير، فالتشابه موجود، ونحن نقول: إن التشابه لفظي، بينما هم يقولون: التشابه إذا وقع فإنه يكون حقيقياً، وعلى ذلك فإنهم قالوا: بأنه حي بلا حياة، عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، فأثبتوا: الحي العليم القدير، ونفوا: الحياة والعلم والقدرة، ولم يفرقوا بينهما، فالشيخ -كما ذكرنا- ضبط عليهم هذه المسألة فقال: لا فرق بين أن تسموه أو تصفوه، فكما أنكم لا تعرفون الأوصاف إلا في المخلوقات، فكذلك يقال لكم: لا تعرفون المسميات إلا في المخلوقات بالنسبة لمدارككم أنتم، فلا فرق بين القاعدتين.
стр. 53
نسبة القول إلى فرقة من الفرق لا ينفي وجود من يخالف فيه منهم
لكن ينبغي أن تفهم قاعدة في عموم ما سيرد من الكلام على الفرق، بل قاعدة في كل الكلام على الفرق، وهي مسألة مهمة ترجع إلى أصل -يجهله كثير من المعاصرين- من الأصول التي يتعامل بها السلف مع المخالفين وأهل الأهواء، وهي أنهم يحكمون على العموم، وإن وجد من لا يقول بهذه الأقوال من أهل الأهواء، أعني: أن السلف إذا قالوا: قالت الجهمية، فإنهم يعنون أحد أمرين: إما أن يكون قولاً مشهوراً عندهم، وإن اختلفت عليه في التفصيلات، أو يكون قولاً للأغلبية من الجهمية، وقد يرد احتمال ثالث وهو: أن يكون هذا القول لرءوس وكبار الجهمية، وكذلك المعتزلة، فكثيراً ما ينسب إليهم السلف أقوالاً، ثم يأتي بعض الجهلة ويقول: وجدت عند الجاحظ أو القاضي عبد الجبار أنهم لا يقولون بما يقول عنهم السلف، فنقول: هذا ناتج عن استقراء ناقص عندك، وناتج عن جهلك بقاعدة السلف، فالسلف ينظرون إلى العموم، فإذا نسبوا إلى المعتزلة قولاً فإنهم قد تثبتوا منه وخاصة الأقوال الشهيرة، لكن يكون إما قول أغلبهم أو قول رءوسهم، أو يكون قولاً التزموه في العموم، وإن اختلفوا في تفصيلاته، مثل: الأصول الخمسة التي لا يقول بها كل المعتزلة، بل وضعها لهم أحدهم، لكن في الجملة هي منهجهم، وكثير منهم قد يخالف بعض هذه الأصول، وعلى هذا فإن ما يثيره بعض المفتونين من دعوى أن السلف يفترون على خصومهم، وأنهم يتقولون عليهم، هذا ناتج عن جهل هؤلاء المفتونين، فالسلف حينما ينسبون قولاً إلى فرقة معينة، وخاصة الأقوال المشهورة، إنما ذلك بعد التثبت والاستقراء، وإلا فقد يزل الواحد من علماء السلف وقد يخطئ، لكن الكلام على ما اشتهر عند السلف من حكمهم على أهل الأهواء في مجملات الأمور، وكله راجع إلى هذه القواعد، من أنهم يرون أن المقولة إذا اشتهرت فإنها تنسب إلى العموم وإن خالفها بعضهم، وكذلك إذا قال بها الرءوس فإنها تنسب إلى العموم وإن خالف بعضهم، وأيضاً إذا قال بها الأغلب، فإنها تنسب إلى العموم وإن خالف بعضهم، وهذه قاعدة في كل ما يتعلق بنسبة الآراء إلى الناس، بل نجد ما حكاه الله عن كثير من الأمور من المشركين والمنافقين واليهود والنصارى هو قول الغالبية أحياناً، أو قول مشهور لهم، ولو لم يكن قول الغالبية، وتأملوا ما وصف الله به كفريات اليهود والنصارى، مع أنها أقوال لبعضهم، وليست لكلهم، لكن لأنها معتمدة وهي المشهورة، أو قال بها شيوخهم أو رءوسهم، أو كانت قول الأغلب، فإنه يقال بها، لأننا لو استثنينا في كل شيء لفسدت المعاني، وعليه فكلما ننسب قولاً إلى المعتزلة ونستثني فسد المعنى، مع أن من المعتزلة من لا يلتزم نفي الصفات دائماً، بل منهم عدد كبير، وإن لم يكن أكثرهم يثبتون بعض الصفات أو يثبتون الصفات، فليس العبرة بمن خرج أو شذ، وإنما العبرة في الأصول والمناهج العامة، وأقول هذا لأنه تثار قضية الآن وهي: أن السلف قالوا عن المعتزلة ما لم يقولوا به، ودعوى أثيرت: أن من المعتزلة من يثبت الصفة، نعم من المعتزلة من يثبت الصفة، لكن ليست العبرة بهذا، وإنما العبرة بالعموم، فتجد الآن كبار العقلانيين وعلى رأسهم حزب التحرير معتزلة، بل إنهم أشد حماساً للاعتزال من المعتزلة أنفسهم، وقد ذكرت في أحد كتبي ما يدل على ذلك بالوثائق والنصوص، فمعتزلة العصر أشد اعتزالاً من الأوائل، وأثبت من خلال واقع تراجم الرجال أن المعتزلة الأوائل أكثر ورعاً وتعظيماً لله وللدين، وللرسالة والسنة من المعتزلة الجدد، فهم معتزلة أكثر من المعتزلة؛ لأن أصولهم تقوم على ذلك، مع استثناء أشخاص لاشك، لكن هناك أشخاص يخرجون من القاعدة، لكن العبرة في التوجه، فالتوجه العقلاني المشهور الآن في العالم الإسلامي توجه اعتزالي بلا شك ولا ريب، وليس الأمر تقولاً عليهم؛ لأنهم كلهم -إلا النادر والنادر لا حكم له- يتباكون على المعتزلة، ويؤصلون قواعدهم ويمجدونهم، ويتفقون على أنه لا يمكن أن تنهض الأمة الإسلامية من جديد إلا أن تحيي تراث المعتزلة وتعمل به، وهذا شعارهم اليوم.
стр. 54
مناقشة الفلاسفة الذين ينفون الأسماء والصفات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإن كان المخاطب من الغلاة نفاة الأسماء والصفات، وقال لا أقول: هو موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير; بل هذه الأسماء لمخلوقاته إذ هي مجاز؛ لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم.
قيل له: وكذلك إذا قلت: ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، كان ذلك تشبيهاً بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات.
فإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات.
قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجوداً معدوماً أو لا موجوداً ولا معدوماً، ويمتنع أن يكون يوصف ذلك باجتماع الوجود والعدم أو الحياة والموت أو العلم والجهل، أو يوصف بنفي الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل.
فإن قلت: إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلاً لهما، وهذان يتقابلان تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب والإيجاب، فإن الجدار لا يقال له أعمى ولا بصير، ولا حي ولا ميت، إذ ليس بقابل لهما.
قيل لك: أولاً: هذا لا يصح في الوجود والعدم؛ فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب باتفاق العقلاء، فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر.
وأما ما ذكرته من الحياة والموت، والعلم والجهل، فهذا اصطلاح اصطلحت عليه المتفلسفة المشاءون، والاصطلاحات اللفظية ليست دليلاً على نفي الحقائق العقلية].
سمي الفلاسفة المشاءون بذلك لأنهم غالباً من الناس الذين يسرحون في الخيال، إلى حد أنهم من مبالغتهم في التمادي في الأوهام والخيالات يمشي أحدهم فيسجل خواطره أو يمليها على من حوله، وهذا من علامات إفلاسهم في العلم، فيمشي ويفكر أحدهم مجرد تفكيرات خيالية، ويهذي، فيبدأ تلاميذه يكتبون، وقد وجدنا صورة تاريخية عجيبة تدل على مدى ضياع هؤلاء، هذه الصورة للإمام الرازي قبل توبته ورجعته إلى منهج الحق، فقد كان مرة يمشي ومعه تلاميذه يعدون بالعشرات، فيمشي ويهذي من هذا الهذيان والطلاب يسجلون، ويعيشون حالة من الزهو والغرور، حتى يظنون أنهم على شيء، فمروا بامرأة عجوز جالسة في الشمس، فتعجبت من هذه الأبهة وهذا الحشد مع هذا الرجل، فقالت لأحد الماشين مع الرازي: من هذا؟ فأنكر عليها وقال: كيف لا تعرفين هذا؟ قالت: أهو السلطان؟ قال: لا، قالت: أهو فلان، وذكرت الوجهاء الذين تعرف، فنفى أن يكون منهم، فأراد أن يعرفها بشيخه، قال: هذا شيخنا فلان الذي يعرف على وجود الله ألف دليل، فقالت: تعساً له وتباً، إن كان كذلك فوالله إن في نفسه ألف شك، أفي الله شك؟! فهؤلاء المشاءون يمشي ويهذي، ولو كان يتكلم بعلوم حسية لقلنا: هذا نافع ومفيد، ولو كان يتكلم بتقرير الشرع والدين لقلنا: هذا نافع ومفيد، لكن يتكلم في هذه الخيالات، في امتناع الوجود وامتناع العدم والسلبيات والأمور التي هي من طبيعة المتكلمين والفلاسفة، فهذا -نسأل الله العافية- من علامة الإفلاس، فالمشاءون هم الذين يسلكون هذه الطريقة، وكان على هذا طائفة من الفلاسفة قبل الإسلام، فقد كانت طوائف منهم يستعملون هذا الأسلوب، فيمشي ويفكر، والآخرون يكتبون ما يقول، ويناقشون ويتجادلون على هذا النحو.
стр. 55
الرد على طائفتي المعتزلة الخلص، وفلاسفة ومتكلمة الصوفية
قال ﵀: [وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل:٢٠ - ٢١]، فسمى الجماد ميتاً، وهذا مشهور في لغة العرب وغيرهم.
وقيل لك، ثانياً: فما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت والعمى والبصر، ونحو ذلك من المتقابلات أنقص مما يقبل ذلك، فالأعمى الذي يقبل الاتصاف بالبصر، أكمل من الجماد الذي لا يقبل واحداً منهما، فأنت فررت من تشبيهه بالحيوانات القابلة لصفات الكمال، ووصفته بصفات الجامدات التي لا تقبل ذلك.
وأيضاً فما لا يقبل الوجود والعدم أعظم امتناعا من القابل للوجود والعدم، بل ومن اجتماع الوجود والعدم ونفيهما جميعاً، فما نفيت عنه قبول الوجود والعدم كان أعظم امتناعاً مما نفيت عنه الوجود والعدم، وإذا كان هذا ممتنعاً في صرائح العقول فذاك أعظم امتناعاً، فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم هو أعظم الممتنعات، وهذا غاية التناقض والفساد.
وهؤلاء الباطنية منهم من يصرِّح برفع النقيضين: الوجود والعدم، ورفعهما كجمعهما، ومنهم يقول: لا أثبت واحداً منهما، فامتناعه عن إثبات أحدهما في نفس الأمر لا يمنع تحقق واحد منهما في نفس الأمر، وإنما هو كجهل الجاهل، وسكوت الساكت الذي لا يعبر عن الحقائق، وإذا كان ما لا يقبل الوجود ولا العدم أعظم امتناعاً مما يقدَّر قبوله لهما -مع نفيهما عنه- فما يقدر لا يقبل الحياة ولا الموت، ولا العلم ولا الجهل، ولا القدرة ولا العجز، ولا الكلام ولا الخرس، ولا العمى ولا البصر، ولا السمع ولا الصمم: أقرب إلى المعدوم والممتنع مما يقدر قابلاً لهما مع نفيهما عنه، وحينئذ فنفيهما مع كونه قابلاً لهما أقرب إلى الوجود والممكن، وما جاز لواجب الوجود قابلاً وجب له، لعدم توقف صفاته على غيره، فإذا جاز القبول وجب، وإذا جاز وجود القبول وجب.
وقد بسط هذا في موضع آخر، وبُيِّن وجوب اتصافه بصفات الكمال التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه.
وقيل له أيضاً: اتفاق المسميين في بعض الأسماء والصفات: ليس هو التشبيه والتمثيل الذي نفته الأدلة السمعيات والعقليات، وإنما نفت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز أن يشركه فيه مخلوق، ولا يشركه مخلوق في شيء من خصائصه .
وأما ما نفيته فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك تشبيهاً وتجسيماً تمويه على الجهال الذين يظنون أن كل معنى سماه مسم بهذا الاسم يجب نفيه، ولو ساغ هذا لكان كل مبطل يسمي الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس، ليكذِّب الناس بالحق المعلوم بالسمع والعقل.
وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف الناس عقلهم ودينهم، حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة وأبلغ الغي والضلالة.
وإن قال نفاة الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة مستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع.
قيل: وإذا قلتم: هو موجود واجب، وعقل وعاقل ومعقول، وعاشق ومعشوق، ولذيذ وملتذ ولذة، أفليس المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا؟ فهذه معان متعددة متغايرة في العقل، وهذا تركيب عندكم، وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيداً].
هذا الرد على طائفتين، والشيخ ﵀ قد خلط بين طائفتين: الطائفة الأولى: المعتزلة الخلَّص الذين يثبتون الأسماء وينفون الصفات، ويقولون: إن إثبات الصفات يستلزم تعدد الموصوف، وأن ذلك تركيب ممتنع.
والطائفة الثانية: فلاسفة ومتكلمة الصوفية الذين زعموا أنهم يتورعون عن وصف الله بما وصف به نفسه من الصفات، خاصة الفعلية والذاتية أيضاً، في حين أنهم لا يتورعون عن وصف الله بأوصاف أحدثوها من عند أنفسهم، وهذا أيضاً يوجد -كما قلت- عند الصوفية وعند الباطنية، مثل: وصف الله بأنه: عقل، وعاقل، ومعقول، وعاشق، ومعشوق، ولذيذ، وملتذ، ولذة، فهذه لا تليق بالله ، فإن ما سمى الله به نفسه وما وصف به نفسه يُغني عن مثل هذه الألفاظ المحتملة للمعاني، فهم حينما تورعوا بزعمهم، وحين ترددوا في إثبات ما أثبته الله لنفسه لم يتورعوا عن إطلاق هذه الألفاظ التي هي أقرب إلى التشبيه، فإنه لا يليق أن نصف ما يجب لله من المحبة أنه عشق، فالعشق له معنى عاطفي، وله معنى أيضاً مفهوم عند البشر يخرج عن حد الاعتدال، ولا يليق أن تسمى العبادة لله ، وما يشعر به المسلم من السعادة وقرة العين بأنها لذة وملتذ، وكذلك ما يصف به فلاسفتهم من وصف الله بأنه عاقل، فإن هذا ليس من أوصاف الكمال، فالعقل هبة من الله للخلق، والله متصف بالحكمة وهي أعظم من مجرد وصف العقل وهكذا، فالذين يقولون مثل هذه الأوصاف هم فلاسفة الصوفية ومتصوفة الفلاسفة، الذين تورعوا بزعمهم عن إثبات ما أثبته الله لنفسه، ثم خاضوا في أوصاف الله وأسمائه بما لم يرد به الشرع، بل ينافي أيضاً صفات الكمال حتى عند البشر.
стр. 56
إبطال أقوال نفاة الصفات على كل تقدير
قال ﵀: [فإن قالوا: هذا توحيد في الحقيقة وليس هذا تركيباً ممتنعاً.
قيل لهم: واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة، وليس هو تركيباً ممتنعاً.
وذلك أنه من المعلوم في صريح العقول أنه ليس معنى كون الشيء عالماً هو معنى كونه قادراً، ولا نفس ذاته هو نفس كونه عالماً قادراً، فمن جوّز أن تكون هذه الصفة هي الموصوف فهو من أعظم الناس سفسطة، ثم إنه متناقض، فإنه إن جوّز ذلك جاز أن يكون وجود هذا هو وجود هذا، فيكون الوجود واحداً بالعين لا بالنوع.
وحينئذ فإذا كان وجود الممكن هو وجود الواجب كان وجود كل مخلوق -يُعدم بعدم وجوده، ويوجد بعد عدمه- هو نفس وجود الحق القديم الدائم الباقي الذي لا يقبل العدم.
وإذا قدر هذا كان الوجود الواجب موصوفاً بكل تشبيه وتجسيم، وكل نقص وكل عيب، كما يُصرِّح بذلك أهل وحدة الوجود الذين طردوا هذا الأصل الفاسد، وحينئذ فتكون أقوال نفاة الصفات باطلة على كل تقدير].
هذا الكلام التالي هو عبارة عن قاعدة ذهبية، هذه القاعدة تعتمد على نصوص الشرع وعلى العقل السليم، وهي التي ينبني عليها الحوار مع هؤلاء، سواء فيما سبق أو فيما يأتي، وهي قاعدة عظيمة ينبغي التنبه لها.
قال ﵀: [وهذا باب مطّرد، فإن كل واحد من النفاة لِما أخبر به الرسول ﷺ من الصفات، لا ينفي شيئاً -فراراً مما هو محذور- إلا وقد أثبت ما يلزمه فيه نظير ما فر منه، فلا بد في آخر الأمر من أن يُثبت موجوداً واجباً قديماً متصفاً بصفات تميزه عن غيره، ولا يكون فيها مماثلاً لخلقه، فيُقال له: هكذا القول في جمع الصفات وكل ما تثبته من الأسماء والصفات: فلا بد أن يدل على قدر تتواطأ فيه المسميات، ولولا ذلك لما فُهم الخطاب، ولكن نعلم أن ما اختص الله به، وامتاز عن خلقه أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال].
بهذا ندرك مدى جهل وخطأ وفرية الذين يتهمون السلف بالتشبيه، وهذه القاعدة هي عند السلف، فإنهم حينما يثبتون لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ ، سواء من الأسماء أو الصفات أو الأفعال، فإنهم إنما يثبتون ذلك على ما يليق بجلال الله، وعلى الحقيقة التي وصف الله بها نفسه كما يليق بجلاله، دون أن نتوهم الكيفيات، وأن الاشتراك اللفظي بين أسماء الله وبين مسميات الخلق إنما هو تواطؤ في المسميات، ومن أجل خطاب البشر؛ لأنه لا يمكن أن يفهم البشر معاني أسماء الله وصفاته وعظمتها وكمالها إلا بلسان عربي مبين، ولولا أن الله وصف نفسه باللسان الذي نعرفه -مع أننا ندرك أن الكيفية ليست من مداركنا- لما فُهم الخطاب، ولكن نعلم مع إيماننا بحقيقة ما ورد من أسماء الله وصفاته وأفعاله أن ذلك أعظم مما يخطر على البال؛ لأن الله ليس كمثله شيء.
стр. 57
حقيقة أسماء الله وصفاته ليست هي الصور التي في الأذهان
ومن هنا أنبه إلى ما ذكرته أكثر من مرة، وهو أن المسلم عندما يسمع خطاب الله ، وكلام رسوله ﷺ في القرآن والسنة، لا بد أن يتوهم في ذهنه صوراً تقريبية تقرب الحقيقة له، ولكن هذه أمثال تُضرب، فحقيقة أسماء الله وصفاته أعظم وأجل من أن تكون هي التي في الأذهان، فمثلاً: يسمع المسلم قوله : ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٣ - ٤]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] لابد أن يكون في ذهن السامع صورة تخطر لهذه المعاني، وهذه الصورة ليست هي حقيقة وصف الله قطعاً، ولذلك الجهمية والمعتزلة أخطئوا حينما اعتقدوا ما توهموه، أو ظنوا أنهم لا بد أن يعتقدوا ما توهموه، بينما نحن نقول غير ذلك؛ لأن ما يفهمه المخاطب إنما هو مجرد أوهام وأمثال في ذهنه تقرب إلى الحقائق العامة لا الحقائق المقيدة، الحقائق المطلقة في الأذهان وليست في الأعيان والواقع، وحينما نحول هذه المعاني إلى الواقع فإنها فيما يختص بالله أعظم من أن نتخيله أو نتصوره أو يخطر بالبال، فإن الله له الكمال المطلق وليس كمثله شيء، لكن ومع ذلك ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
وأما إطلاقها على المسميات المعلومة فبحسب حالها، فالمخلوق ناقص وقاصر وفانٍ، ولا شك أن وجود هذه المسميات في المخلوقات على الوجه الذي يليق بالمخلوقات من النقص، وإطلاقها على الله على الوجه الذي يليق بالله سبحانه من الكمال الذي لا يمكن أن يخطر على بال، فإذا كان هناك من مخلوقات الله فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فلله المثل الأعلى، فصفاته وأسمائه من باب أولى ألا تخطر على قلب بشر، وهذه عقيدة السلف، ومن هنا ندرك جناية وخطأ الذين يتّهمون السلف بالتشبيه.
стр. 58
الأسئلة
стр. 59
ادعاء الصوفية أنهم من أهل السنة والجماعة
السؤال
يقول هذا السائل: إنه سافر إلى بلد أفريقي، وسمع إذاعة الصوفية وكان اسمها: صوت أهل السنة والجماعة، فهل الصوفية يرون أنهم من أهل السنة والجماعة؟
الجواب
نعم فغالب الصوفية، وخاصة الذين ينتسبون للمذاهب الأربعة أو المذاهب الثلاثة يدعون أنهم من أهل السنة والجماعة، لكن يندر أن يوجد صوفي حنبلي، بينما قد يوجد صوفية مالكية أو شافعية أو أحناف، أو يكون ممن ينتسب للمذاهب الكلامية، وكذلك الصوفية الذين ينتسبون للأشاعرة والماتردية هم أكثرية الصوفية، وهؤلاء أيضاً يدّعون أنهم من أهل السنة والجماعة.
стр. 60
حكم الاستغاثة بصفة من صفات الله
السؤال
ما حكم الاستغاثة بالصفات في مثل قوله: إلهي برحمتك أستغيث؟
الجواب
أولاً (برحمتك أستغيث) هي دعاء لله ، وليست استغاثة بصفة، فيجب أن نفرق بين قولنا: برحمتك أستغيث، واللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك.
وبك منك ونحو ذلك، وبين دعاء الصفة، دعاء النداء، فبرحمتك أستغيث هي دعاء لله ، فلا حرج بمثل هذا الدعاء.
стр. 61
الزمخشري من كبار المعتزلة
السؤال
هل كان الزمخشري معتزلياً؟
الجواب
نعم، فهو من كبار المعتزلة، لكن من أفاضلهم، فقد كان له عناية بكتاب الله ، وهو من علماء اللغة، ومن المتبحرين في كثير من العلوم الشرعية، كما عُرف عنه الورع والزهد والعبادة، لكنه معتزلي في الصفات، وكثير من أصول المعتزلة أو أكثرها يعتقدها.
стр. 62
بيان المقصود بمصطلح السمعيات
السؤال
ما المقصود بالسمعيات؟
الجواب
كثيراً ما يستعمل السلف كلمة السمعيات خاصة بعد القرن الثالث عندما يتكلمون في أمور العقائد، والمقصود بالسمعيات: كل أمور الدين التي لا تخضع للاجتهاد، وخاصة الأمور الغيبية، وسميت سمعيات لأنها جاءت عن طريق السمع، أي: الوحي، والوحي يسمى السمع؛ لأنه مسموع من النبي ﷺ ، والنبي ﷺ قد سمعه من جبريل، فغُلِّب هذا الوصف على كل الوحي، وعلى هذا فإن القرآن سمعي والسنة سمعية.
إذاً: السمعيات عند علماء العقيدة هي: كل ما ثبت بالنصوص الشرعية مما لا دخل للعقول فيه، أو كل أمور الغيب والأخبار، وأحياناً قد يحدد بعض العلماء السمعيات بأشراط الساعة وأحوال الآخرة، لكن هذا التحديد -في الحقيقة- غير علمي ولا منضبط، والتعميم هو الصحيح، وهي أن السمعيات: كل ما ثبت في القرآن والسنة من أمور الغيب؛ لأنه مسموع، ولا دخل للعقل فيه.
стр. 63
شرح العقيدة التدمرية [٦]
يتعلل نفاة الصفات في نفيهم بالتنزيه والفرار من التشبيه، وكان يلزمهم على هذا نفي الذات الإلهية، فإنه يلزم من المحذور في إثباتها كالذي يلزم من إثبات الصفات، وما أجابوا به عن هذا الإلزام يجاب عنهم به في إثبات الصفات.
стр. 64
التحقق بمقتضى أسماء الله وصفاته
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله ﷺ .
أما بعد.
فلا زلنا في دروس العقيدة في المجلد الثالث من الفتاوى، وقد وصلنا إلى الأصل الثاني، وقبل أن نشرع في الدرس أحب أن أشير إلى قاعدة مهمة يجب أن يستصحبها المسلم دائماً عندما يتأمل أسماء الله وصفاته وأفعاله، ولا سيما طالب العلم، وكما تعرفون هذه الرسالة، أعني: (رسالة التدمرية) جلها أو أغلبها في تقرير الصفات لله والرد على المخالفين، ولا شك أن هذا أصل عظيم من أصول الدين، بل هو أعظم أصل في تقرير أسماء الله وصفاته وأفعاله التي يجب أن يعتقدها المسلم، ثم ما يستتبع ذلك من ضرورة الدفاع عن العقيدة ونفي أقوال المبطلين والجاهلين والمتأولين بأسماء الله وصفاته، والرد على المخالف -كما تعلمون- أصل عظيم من أصول الإسلام، لكن مما يجب على طالب العلم بأن يستصحبه عندما يخوض في مسائل الخلاف مع أهل الأهواء والبدع في أسماء الله وصفاته قاعدة عظيمة جداً، وهي: ألا ينسى أن المقصود بتقرير أسماء الله وصفاته والدفاع عنها إنما هو تعظيم الله ، وليس مجرد المعرفة العلمية، أو مجرد استعراض قوة المسلم أمام المخالفين، أو قوة أهل السنة أمام المخالفين، أو عرض الحجج وقوتها، فليس هذا هو المقصود، وإنما هذه وسائل، فالكلام في أسماء الله وصفاته وأفعاله تقريراً ودفاعاً إنما هو وسيلة لتعظيم الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وإلى دعاء الله بذلك، وعليه فيجب أن تكون الغاية الأولى عند تعلم هذا الأصل: توحيد الله وتعظيمه وإجلاله، وعبادته على هذا الأصل، أي: دعاء الله بأسمائه وصفاته كما أمر الله .
كما أن أسماء الله وصفاته لا بد أن تُثمر ثمرتها في قلب المسلم، لا سيما طالب العلم الذي يتكلم عن هذه الأمور على جهة التفصيل، فيجب أن يمتلئ قلبه من خلال استعراضه لأسماء الله وصفاته وأفعاله، ونفي الباطل والنقص عن الله ، والمحبة لله، والخشية له، والرجاء منه، ثم ما يستتبع ذلك من اليقين والإنابة والتوكل، وسائر الأعمال القلبية التي لا بد أن تُثمر ثمرتها في الجوارح وعلى اللسان.
وهذا الأصل -كما قلت- ينبغي أن يكون بدهياً، لكن مع ذلك لا بد من التنبيه له بين وقت وآخر؛ لأن طالب العلم إذا اشتغل بالردود فربما يقسو قلبه، فتنصرف همّته إلى مجرد الرد ومقارعة الحجة بالحجة، فيغفل عن أن يتأثر قلبه وتتأثر جوارحه ولسانه بتعظيم أسماء الله وصفاته وأفعاله.
ولذلك نجد بعض المشتغلين بهذا العلم أو بهذا الجانب يغفلون عن هذه القاعدة، والشيخ ﵀ كما تعلمون لا يزال يرد على الذين ينفون الصفات، سواء أولئك المعطلة كالجهمية والفلاسفة والغلاة الذين ينفون الأسماء والصفات، أو من دونهم ممن يؤولون أو ينفون البعض ويثبتون البعض.
والشيخ الآن سيقرر الأصل الثاني في الرد عليهم على النحو التالي:
стр. 65
القول في الصفات كالقول في الذات
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وهذا يتبين بالأصل الثاني، وهو أن يقال: القول في الصفات كالقول في الذات].
من أجل أن نربط الأصل الثاني بالأصل الأول، فقد قرر الشيخ في الأصل الأول أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، وكان هذا رداً على المؤولة أكثر مما هو رد على النفاة، ثم هنا سحب نفس القاعدة في الرد على المعطّلة النفاة، فكما يقال: إن القول في بعض الصفات كالقول في البعض، كذلك يقال هنا: إن القول في الصفات كالقول في الذات؛ لأن كثيراً من غلاة المعطّلة لا ينفون الذات أو خصائص الذات، مثل: الوجود، فهي أهم خصائص الذات عندهم، ولذلك هم لا ينفونها، والوجود لابد أن يقبل الوصف، وما قبِل الوصف فلا بد أن يكون ذاتاً.
قال ﵀: [وهو أن يقال: القول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل سائر الصفات].
وكذلك الأفعال؛ لأن الشيخ يجمل، والأفعال داخلة في الصفات، والصفات كما تعلمون على نوعين: صفات ذاتية، وصفات فعلية.
فالصفات الذاتية مثل: اليد، والوجه، والصفات الفعلية مثل: النزول، والاستواء.
стр. 66
بواعث أهل الأهواء والبدع لإثارة السؤال عن كيفيات الصفات
قال ﵀: [فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟].
وقبل أن يرد الشيخ على هذا القول أحب أن أنبه إلى أنه باستقراء آراء أهل البدع والأهواء والافتراء، سواء منهم الغلاة الملحدة، مثل: الفلاسفة والباطنية، أو من دونهم من المعطّلة الذين انتسبوا إلى الإسلام، أو من دونهم من المؤولة، كل هؤلاء يوردون هذا السؤال، لكن إيراده منهم هو على وجوه كثيرة، وأهم البواعث لإيراد هذا السؤال -حسب الاستقراء- في نظري ثلاثة بواعث: الأول: أن يكون هذا السؤال من المشبهة المجسمة، وخاصة الرافضة الأوائل، فقد كانوا مشبهة، فيقولون: لا بد أن يكون الاستواء كاستواء المخلوق -تعالى الله عما يزعمون- وإلا فكيف استوى؟! وهذا السؤال بدعي لا يجوز بحال، لكنه غالباً ينشأ من أهل الباعث الأول، أي: من أهل التشبيه.
الثاني: أن يكون السائل من أهل التأويل والتعطيل، كالجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم، وهؤلاء ينشرون هذا السؤال من أجل إنكار الصفة، يعني: أن غايتهم عكس الأولين، ولذلك إذا أرادوا أن يحرجوا المثبت ويجرّوه إلى التأويل -إذا كان جاهلاً- قالوا له: كيف استوى؟ فإذا فسّر الاستواء، قالوا: إذاً أنت شبّهت؛ حتى يلزموه بالتأويل أو التعطيل، وعلى ذلك كان أول ما نشأ السؤال على وجه واسع من المعطّلة بعد المشبّهة.
الثالث: إثارة هذه الأمور عند من لم يفقه العقيدة، ومنشأ ذلك: الجهل والشك والريب، سواء من السائل أو ممن أثيرت عنده هذه المسائل فاضطر أن يسأل، ولذلك نجد أن الذين يسألون هذه الأسئلة إما متعالم مغرور من أصحاب الفلسفة والتجهّم وأهل الكلام، وإما من جاهل لا يعرف كيف يثبت، فينشأ عنده السؤال عن إشكال.
إذاً: البواعث عندنا كثيرة، لكن أهمها التشبيه، ثم أهل التعطيل والتأويل يثيرون هذا السؤال من أجل إلزام الناس بالتشبيه، ثم بالتأويل والتعطيل، أو يكون من جاهل أو شاك، أو نحو ذلك ممن يخوضون في هذه المسائل على غير وجه شرعي.
стр. 67
جواب من سأل عن كيفية صفة من صفات الله
قال ﵀: [فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟ قيل له -كما قال ربيعة ومالك وغيرهما ﵄: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة؛ لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر ولا يمكنهم الإجابة عنه.
وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟ فإذا قال: لا أعلم كيفيته.
قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له، فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله، وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟! وإذا كنت تقر بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر، مستوجبة لصفات الكمال، لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره وكلامه ونزوله واستواؤه ثابت في نفس الأمر، وهو متّصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم وكلامهم ونزولهم واستواؤهم].
بعد أن بين الشيخ كيفية الرد على مثل هذه الأسئلة -وسيفصل أيضاً بشكل أوسع- أحب أن أذكر بالقاعدة الأصلية التي أراد الشيخ أن يُرجع الناس إليها، وهي قاعدة السلف التي كان عليه النبي ﷺ وصحابته وأئمة السلف، وأهل الاستقامة من الراسخين في العلم وأتباعهم من أهل السنة والجماعة إلى قيام الساعة، هذه القاعدة الأصلية التي من اعتقدها لا يمكن أن ينشأ عنه أصلاً هذا السؤال، ولا حتى الباعث للسؤال، وهي: أن الأصل في أسماء الله وصفاته وأفعاله إثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ ، من غير تمثيل ولا تشبيه؛ لأن الإثبات مبني على قوله : ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، مع ما ورد قبل ذلك في أول الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
وكذلك نفي ما نفاه الله عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ ، والنفي جاء مفصلاً ومجملاً، فإن الله نفى النقائص عن نفسه إجمالاً، ونفى ما رماه به أهل الباطل تفصيلاً، وعلى هذا فإن المسلم إذا أخذ بقاعدة الإثبات مع قاعدة النفي سلمت عقيدته، ولم ينشأ عنده أصلاً السؤال عن الكيفية ولا الباعث على السؤال.
إذاً: الباعث على السؤال إما أن يكون من مشبّه، وإما أن يكون من معطِّل، وإما أن يكون من جاهل.
فالجاهل يُعلّم، والمعطِّل والمشبه يرد عليهما قولهما؛ لأنهما خرجا عن القاعدة.
стр. 68
مناقشة من يثبت بعض الصفات دون بعض
قال ﵀: [وهذا الكلام لازم لهم في العقليات وفي تأويل السمعيات، فإن من أثبت شيئاً ونفى شيئاً بالعقل، أُلزم إذاً فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة، نظير ما يلزمه فيما أثبته، ولو طولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا لم يجد بينهما فرقاً].
стр. 69
عدم التفريق بين أسماء الله وصفاته لازم للأشاعرة في العقليات
يشير الشيخ هنا أشار إلى أمر في مسألة العقليات والسمعيات، إذ يقول: هذا الكلام، أي: عدم التفريق بين شيء من أسماء الله وصفاته مع بعضها، لازم لهم في العقليات.
يعني: فيما يُثبته العقل لله ، أو فيما يثبته العقل في كل أمر من الأمور، لكن الكلام هنا عمّا يتعلق بأسماء الله وصفاته، فمثلاً: العقول تُثبت أموراً يعترف بها أهل الكلام، فتُثبت كمالات الله ويقولون: هذه صفات عقلية، ويسمونها: صفات عقلية، مثل: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة ونحو ذلك، فهذا الكلام لازم لهم في العقليات، أي: فيما أثبتوه من العقليات وما نفوه مما يشبهها مما جاء في السمعيات التي ثبتت في القرآن والسنة.
إذاً: فالعقليات هي الأمور التي يثبتها العقل ولا ينكرونها؛ لأنها عندهم -بزعمهم- تثبت عقلاً ولو لم تثبت شرعاً، مع أنها قد ثبتت شرعاً قبل أن تثبت عقلاً، مثل: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة.
بينما السمعيات ينكرونها؛ لأنهم يرون أنها ليست من مدارك العقل حتى يثبتها، والسمعيات كاليد والوجه التي أُثبتت لله في الكتاب والسنة، إذ لا طريق إلى إثباتها بمجرد العقل، يعني: لو لم ترد في الكتاب والسنة ما استطعنا أن نوردها، ولا أن نتكلم فيها، ولا أن نثبتها لله ، مع أن كل أسماء الله وصفاته وأفعاله جاءت عن طريق السمع، أي: الوحي، لكن مع ذلك بعضها تدركه بداهة العقول والفطر، وبعضها لا يمكن أن نثبتها لله لو لم يأت بها القرآن وصحيح السنة عن رسول الله ﷺ ، فمثلاً: لا نستطيع أن نثبت، أو لا يستطيع أحد من الخلق أن يثبت لله اليد، لولا أنها ثبتت في الكتاب والسنة إثباتاً عقلياً مجرداً، وكذلك الاستواء والنزول والمجيء وغير ذلك.
فالشيخ يقول: نظراً لأنهم أثبتوا بعض الصفات العقلية فهذا يلزمهم أيضاً فيما أثبتوه من العقليات نفسها، فهم قد ثبتوا الحياة والعلم والقدرة والإرادة عقلاً ونفوا الحكمة، وهناك طوائف من أهل الكلام ممن يدّعون الإسلام ينفون الحكمة عن الله ، فيقول لهم عقلاً: لم أثبتم الحياة والعلم والإرادة ونفيتم الحكمة؟ فإن كان هناك علة في نفي الحكمة فهي موجودة في إثبات الحياة وهكذا كذلك في السمعيات، ثم ما بين العقليات والسمعيات.
كما يقال لهم أيضاً حتى في السمعيات البحتة: ما دام أن هذا قد ورد في الكتاب والسنة، ولا يمكن للعقل أن يدركه، فلابد من إثباته؛ لأن العقل قد سلّم بصحة ما جاء في كتاب الله وصح عن رسوله ﷺ ، فهذا العقل يجب أن يسلّم بالخبر عن صفات الله الخبرية السمعية التي لا يمكن أن يدركها، أو أن يثبتها مجرداً عن دلالة السمع أو دلالة الوحي.
إذاً: من أثبت شيئاً -كالعلم والحياة، لأن هذا عقلي- ونفى شيئاً بالعقل -كاليد والوجه- أُلزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته، ولو طولب بالفرق بين المحظور في هذا وهذا لم يجد بينهما فرقاً، وعليه فالقاعدة واحدة كما ذكر الشيخ في الأصل الأول والأصل الثاني.
стр. 70
تأويل متكلمة الأشاعرة والماتريدية لبعض صفات الله باللازم هو لازم لهم في الصفات الأخرى
قال ﵀: [ولهذا لا يوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض -الذين يوجبون فيما نفوه، إما التفويض وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ- قانون مستقيم، فإذا قيل لهم: لِم تأولتم هذا وأقررتم هذا والسؤال فيهما واحد؟ لم يكن لهم جواب صحيح، فهذا تناقضهم في النفي، وكذا تناقضهم في الإثبات، فإن من تأول النصوص على معنى من المعاني التي يثبتها، فإنهم إذا صرفوا النص عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى معنى آخر، لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه، فإذا قال قائل: تأويل محبته ورضاه، وغضبه وسخطه، هو إرادته للثواب والعقاب، كان ما يلزمه في الإرادة نظير ما يلزمه في الحب والمقت، والرضا والسخط].
هؤلاء هم متكلمة الأشاعرة والماتردية أو طائفة منهم الذيني يؤولون المحبة والرضا والغضب والسخط، لكن قد تختلف تأويلاتهم، واختلافهم في التأويلات من الحجة عليهم، ومع ذلك فالشيخ هنا ضرب مثالين لأنواع التأويل: هذا واحد، والثاني سيأتي، فيقول: إن أهل الكلام يؤولون المحبة والرضا بإرادة الثواب، والغضب والسخط لله بإرادة العقاب، يقول: فهذا الكلام يلزمكم أيضاً في الصفات الأخرى، أي: لماذا فسّرتم فقط المحبة والرضا بإرادة الثواب، وأثبتم صفات أخرى مثل: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والخلق وغيرها؟! لأنهم يثبتون هذا ويؤولون ذاك، وكذلك في بقية الصفات، وهناك من يؤول تأويلاً آخر، وسيأتي الإشارة إليه أيضاً على نفس القاعدة.
فالشيخ يقول: الذين أوّلوا المحبة والرضا بإرادة الثواب، والغضب والسخط بإرادة العقاب، يثبتون الإرادة، والإرادة نفسها لها تفسير هو من لوازمها، فيقول: أنتم تقولون بالإرادة، مع أن الإرادة حسب ما نعرف في المخلوقات ألا تكون الإرادة إلا عند عاقل إذا كانت المسألة مسألة قياس، مع أن هذا لا يجوز لله ، لكن من باب ضرب استدلالاتهم ببعضها ليسقط استدلالهم على التأويل، أيضاً يقول: الإرادة لا يمكن أن تكون إلا بباعث وقصد في النفس، فهل نصرف أيضاً إثبات الإرادة عن الله ؟ لأن أي معنى لا بد أن يكون له حقيقة ولوازم، وأي لفظ من الألفاظ له حقيقة ولوازم، هذه الحقيقة تُثبت لكل موصوف بحسبه، فألفاظ أسماء الله وصفاته حقائق، لكنها على ما يليق به، وأسماء وصفات المخلوقين حقائق، لكنها على ما يليق بهم، ولذلك هذه الحقائق لا تثبت ولا تُصرف إلى لوازمها، وهم الآن قد صرفوا الغضب إلى لازم، ومن لازم الغضب غالباً الانتقام، ومن لوازم المحبة غالباً الثواب، فهم فسّروا الصفات بلوازمها، فهو يقول: فكذلك الإرادة فسّروها بلازمها، وإلا فلماذا جعلتم لله إرادة ولم تثبتوا له محبة ورضا؟! ثم إن إثبات اللازم لا يعني إسقاط حقيقة الملزوم، فإذا كان أحياناً من لوازم المحبة الثواب، ومن لوازم السخط العقاب، فلا يعني ذلك أن يُفسَّر الأصل بلازمه، وإلا لقلنا بهذا في جميع أسماء الله وصفاته، حتى يصير الأمر راجعاً إلى الخلق؛ لأن آثار الصفات هي في الخلق، فيرجع تفسير الصفات كلها إلى الخلق نفسه، ومن هنا تنتفي، وهذا ما يذهب إليه الفلاسفة الذين لا يرون لله وجوداً حقيقياً، وإنما وجوداً مجرداً، ويفسّرون جميع أسماء الله وصفاته، أو دلالات عظمته بالخلق نفسه، وكذلك الذي يفسّر اللازم وينفي الحقيقة لا بد وأن يحصر الصفات والأفعال بالمخلوقين، ولذلك فعلاً نجدهم - أي: أهل الكلام - دائماً يفسّرون أفعال الله بمخلوقاته، فلا يثبتون لله الأفعال، فأفعاله هي مخلوقاته، مع أن المخلوقات هي آثار أفعاله وصفاته .
قال ﵀: [فإذا قال قائل: تأويل محبته ورضاه، وغضبه وسخطه هو إرادته للثواب والعقاب، كان ما يلزمه في الإرادة نظير ما يلزمه في الحب والمقت، والرضا والسخط، ولو فسّر ذلك بمفعولاته -وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب- فإنه يلزمه في ذلك نظير ما فر منه، فإن الفعل لابد أن يقوم أولاً بالفاعل، والثواب والعقاب المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه ويرضاه، ويسخطه ويبغضه المثيب المعاقب، فهم إن أثبتوا الفعل على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد مثلوا، وإن أثبتوه على خلاف ذلك فكذلك الصفات].
стр. 71
شرح العقيدة التدمرية [٧]
لقد ضرب الله تعالى لنا الأمثال في القرآن، وذكر من نعيم الجنة ما نجد أسماء مفرادته عندنا في الدنيا، وهذا مع اختلاف الحقائق الأخروية عما في الدنيا، وكان ينبغي لنفاة الصفات الاعتبار بذلك، وألا يلجئوا إلى نفي ما ثبت في القرآن والسنة من صفات الله تعالى، أو ليتفكروا في الروح التي بها قوام الحياة ويعتبروا بذلك في عدم نفي صفات الله تعالى.
стр. 72
المثالان المضروبان لبيان الأصلين المتضمنين إثبات الأسماء والصفات مع نفي المماثلة للمخلوقات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فلا زلنا في المجلد الثالث من الفتاوى في كتاب التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
стр. 73
المثال الأول: نعيم الجنة
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل وأما المثلان المضروبان: فإن الله أخبرنا عمّا في الجنة من المخلوقات من أصناف المطاعم، والملابس، والمناكح، والمساكن، فأخبرنا أن فيها لبناً، وعسلاً، وخمراً، وماء، ولحماً، وحريراً، وذهباً، وفضة، وفاكهة، وحوراً، وقصوراً، وقد قال ابن عباس ﵄: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء].
أراد الشيخ ﵀ هنا أن يبين قاعدة من القواعد التي سبق الكلام عنها في الصفات.
كما قد تكلم عن أصلين سابقين، الأول: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، يعني: أن من أثبت شيئاً من الصفات الواردة في الكتاب والسنة لزمه أن يثبت الباقي؛ لأن الشبهات التي أثارها فيما ينفيه تندرج على ما أثبت، والأجوبة الشرعية والعقلية في نفي الشبهات تندرج على ما نفى كذلك.
الثاني: القول في الصفات كالقول في الذات، وهذا فيه رد على صنف آخر، وهم الذين ينفون جميع الصفات ويثبتون لله الوجود الذاتي أو الذات، فيقول: إن الإثبات فيما أثبتموه ينطبق على ما نفيتموه، والشبهات التي قلتموها في الصفات تنطبق على ما أثبتموه، وهو الذات، وبهذا تنتقض شبهات القول.
ثم ذكر أنه سيبين هذا بعد الأصلين السابقين بمثالين مضروبين: الأول: نعيم الجنة، وبيّن أنه كما أننا نثبت ما جاء في كتاب الله وما صح عن رسوله ﷺ من حقائق في الجنة، فإن هذه الأوصاف والحقائق تشبه ما في الدنيا، ومع ذلك نحن نعتقد ونجزم أن حقائق نعيم الجنة وما ورد في تفصيلاتها، مثل: العنب والخمر واللبن وغيرها، أنها حقائق تختلف تماماً عن الحقائق التي في الدنيا، فهي حقيقة، وما في الدنيا حقيقة، لكن ما في الجنة أعلى وأعظم، ففيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كما قد وصف نعيمها هذا الذي لا يمكن أن يخطر على قلب بشر بنفس الوصف الذي وصف به أحوال المأكولات والمشروبات الطيبة في الدنيا، فإذا كانت حقيقة ما في الجنة تختلف كيفياتها عن حقيقة ما في الدنيا مع اتفاق الألفاظ واتفاق المعاني العامة، فإن إثبات الصفات لله على ما يليق بجلاله كما ثبتت بالكتاب والسنة على وجه يختلف عن كيفيات الصفات المشابهة لها لفظاً في الدنيا، وهي صفات المخلوقين، وهذا أمر لا بد أن يقطع به العقل السليم.
الثاني: الروح، وسيأتي الكلام عنه في وقته إن شاء الله.
стр. 74
افتراق الناس فيما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر
قال ﵀: [وإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا، إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق، وهذا بيّن واضح.
ولهذا افترق الناس في هذا المقام ثلاث فرق: فالسلف والأئمة وأتباعهم: آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة، وإن مباينة الله لخلقه أعظم.
والفريق الثاني: الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة من الثواب والعقاب، ونفوا كثيراً مما أخبر به من الصفات، مثل: طوائف من أهل الكلام.
والفريق الثالث: نفوا هذا وهذا، كالقرامطة، والباطنية، والفلاسفة أتباع المشّائين، ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر].
هذا التقسيم يشمل مواقف الناس من كل أمور الغيب، وأعظم وأجل أمور الغيب ما يتعلق بالله وتعظيمه سبحانه بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو أبعد الغيب عن مدارك الناس، أي: عن أن تدركه حواس الناس وعقولهم على وجه الكيفية، ومع ذلك كل الغيوب غائبة عن العقول، وغائبة عن الحواس، وغائبة عن المدارك.
إذاً: هذه المواقف الثلاثة التي ذكرها الشيخ هي مواقف الناس عموماً من الغيب كله، لكن نحن هنا نتكلم عن الجانب الأعظم من الغيب، وهو المتعلق بالله .
стр. 75
تأويل الباطنية للأمر والنهي
قال ﵀: [ثم إن كثيراً منهم يجعلون الأمر والنهي من هذا الباب، فيجعلون الشرائع المأمور بها والمحظورات المنهي عنها لها تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها، كما يتأولون من الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت، فيقولون: إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، وإن صيام رمضان كتمان أسرارهم، وإن حج البيت السفر إلى شيوخهم، ونحو ذلك من التأويلات التي يُعلم بالاضطرار أنها كذب وافتراء على الرسل صلوات الله عليهم، وتحريف لكلام الله ورسوله عن مواضعه، وإلحاد في آيات الله.
وقد يقولون: الشرائع تلزم العامة دون الخاصة، فإذا صار الرجل من عارفيهم ومحققيهم وموحديهم رفعوا عنه الواجبات وأباحوا له المحظورات.
وقد يدخل في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب.
وهؤلاء الباطنية: هم الملاحدة الذين أجمع المسلمون على أنهم أكفر من اليهود والنصارى.
وما يحتج به على الملاحدة أهل الإيمان والإثبات، يحتج به كل من كان من أهل الإيمان والإثبات على من يشرك هؤلاء في بعض إلحادهم، فإذا أثبت لله تعالى الصفات، ونفى عنه مماثلة المخلوقات كما دل على ذلك الآيات البينات، كان ذلك هو الحق الذي يوافق المعقول والمنقول، ويهدم أساس الإلحاد والضلالات.
والله سبحانه لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإن الله لا مثيل له، بل له المثل الأعلى، فلا يجوز أن يُشرَك هو والمخلوقات في قياس تمثيل، ولا في قياس شمول تستوي أفراده، ولكن يُستعمل في حقه المثل الأعلى، وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به، وكل ما يُنزَّه عنه المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق منزَّهاً عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم، فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة المخلوق، وإن حصلت موافقة في الاسم].
следующие страницы →