Полный текст (326 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
شرح العقيدة التدمرية [٧]
لقد ضرب الله تعالى لنا الأمثال في القرآن، وذكر من نعيم الجنة ما نجد أسماء مفرادته عندنا في الدنيا، وهذا مع اختلاف الحقائق الأخروية عما في الدنيا، وكان ينبغي لنفاة الصفات الاعتبار بذلك، وألا يلجئوا إلى نفي ما ثبت في القرآن والسنة من صفات الله تعالى، أو ليتفكروا في الروح التي بها قوام الحياة ويعتبروا بذلك في عدم نفي صفات الله تعالى.
стр. 72
المثالان المضروبان لبيان الأصلين المتضمنين إثبات الأسماء والصفات مع نفي المماثلة للمخلوقات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فلا زلنا في المجلد الثالث من الفتاوى في كتاب التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
стр. 73
المثال الأول: نعيم الجنة
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل وأما المثلان المضروبان: فإن الله أخبرنا عمّا في الجنة من المخلوقات من أصناف المطاعم، والملابس، والمناكح، والمساكن، فأخبرنا أن فيها لبناً، وعسلاً، وخمراً، وماء، ولحماً، وحريراً، وذهباً، وفضة، وفاكهة، وحوراً، وقصوراً، وقد قال ابن عباس ﵄: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء].
أراد الشيخ ﵀ هنا أن يبين قاعدة من القواعد التي سبق الكلام عنها في الصفات.
كما قد تكلم عن أصلين سابقين، الأول: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، يعني: أن من أثبت شيئاً من الصفات الواردة في الكتاب والسنة لزمه أن يثبت الباقي؛ لأن الشبهات التي أثارها فيما ينفيه تندرج على ما أثبت، والأجوبة الشرعية والعقلية في نفي الشبهات تندرج على ما نفى كذلك.
الثاني: القول في الصفات كالقول في الذات، وهذا فيه رد على صنف آخر، وهم الذين ينفون جميع الصفات ويثبتون لله الوجود الذاتي أو الذات، فيقول: إن الإثبات فيما أثبتموه ينطبق على ما نفيتموه، والشبهات التي قلتموها في الصفات تنطبق على ما أثبتموه، وهو الذات، وبهذا تنتقض شبهات القول.
ثم ذكر أنه سيبين هذا بعد الأصلين السابقين بمثالين مضروبين: الأول: نعيم الجنة، وبيّن أنه كما أننا نثبت ما جاء في كتاب الله وما صح عن رسوله ﷺ من حقائق في الجنة، فإن هذه الأوصاف والحقائق تشبه ما في الدنيا، ومع ذلك نحن نعتقد ونجزم أن حقائق نعيم الجنة وما ورد في تفصيلاتها، مثل: العنب والخمر واللبن وغيرها، أنها حقائق تختلف تماماً عن الحقائق التي في الدنيا، فهي حقيقة، وما في الدنيا حقيقة، لكن ما في الجنة أعلى وأعظم، ففيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كما قد وصف نعيمها هذا الذي لا يمكن أن يخطر على قلب بشر بنفس الوصف الذي وصف به أحوال المأكولات والمشروبات الطيبة في الدنيا، فإذا كانت حقيقة ما في الجنة تختلف كيفياتها عن حقيقة ما في الدنيا مع اتفاق الألفاظ واتفاق المعاني العامة، فإن إثبات الصفات لله على ما يليق بجلاله كما ثبتت بالكتاب والسنة على وجه يختلف عن كيفيات الصفات المشابهة لها لفظاً في الدنيا، وهي صفات المخلوقين، وهذا أمر لا بد أن يقطع به العقل السليم.
الثاني: الروح، وسيأتي الكلام عنه في وقته إن شاء الله.
стр. 74
افتراق الناس فيما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر
قال ﵀: [وإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا، إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق، وهذا بيّن واضح.
ولهذا افترق الناس في هذا المقام ثلاث فرق: فالسلف والأئمة وأتباعهم: آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة، وإن مباينة الله لخلقه أعظم.
والفريق الثاني: الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة من الثواب والعقاب، ونفوا كثيراً مما أخبر به من الصفات، مثل: طوائف من أهل الكلام.
والفريق الثالث: نفوا هذا وهذا، كالقرامطة، والباطنية، والفلاسفة أتباع المشّائين، ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر].
هذا التقسيم يشمل مواقف الناس من كل أمور الغيب، وأعظم وأجل أمور الغيب ما يتعلق بالله وتعظيمه سبحانه بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو أبعد الغيب عن مدارك الناس، أي: عن أن تدركه حواس الناس وعقولهم على وجه الكيفية، ومع ذلك كل الغيوب غائبة عن العقول، وغائبة عن الحواس، وغائبة عن المدارك.
إذاً: هذه المواقف الثلاثة التي ذكرها الشيخ هي مواقف الناس عموماً من الغيب كله، لكن نحن هنا نتكلم عن الجانب الأعظم من الغيب، وهو المتعلق بالله .
стр. 75
تأويل الباطنية للأمر والنهي
قال ﵀: [ثم إن كثيراً منهم يجعلون الأمر والنهي من هذا الباب، فيجعلون الشرائع المأمور بها والمحظورات المنهي عنها لها تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها، كما يتأولون من الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت، فيقولون: إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، وإن صيام رمضان كتمان أسرارهم، وإن حج البيت السفر إلى شيوخهم، ونحو ذلك من التأويلات التي يُعلم بالاضطرار أنها كذب وافتراء على الرسل صلوات الله عليهم، وتحريف لكلام الله ورسوله عن مواضعه، وإلحاد في آيات الله.
وقد يقولون: الشرائع تلزم العامة دون الخاصة، فإذا صار الرجل من عارفيهم ومحققيهم وموحديهم رفعوا عنه الواجبات وأباحوا له المحظورات.
وقد يدخل في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب.
وهؤلاء الباطنية: هم الملاحدة الذين أجمع المسلمون على أنهم أكفر من اليهود والنصارى.
وما يحتج به على الملاحدة أهل الإيمان والإثبات، يحتج به كل من كان من أهل الإيمان والإثبات على من يشرك هؤلاء في بعض إلحادهم، فإذا أثبت لله تعالى الصفات، ونفى عنه مماثلة المخلوقات كما دل على ذلك الآيات البينات، كان ذلك هو الحق الذي يوافق المعقول والمنقول، ويهدم أساس الإلحاد والضلالات.
والله سبحانه لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإن الله لا مثيل له، بل له المثل الأعلى، فلا يجوز أن يُشرَك هو والمخلوقات في قياس تمثيل، ولا في قياس شمول تستوي أفراده، ولكن يُستعمل في حقه المثل الأعلى، وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به، وكل ما يُنزَّه عنه المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق منزَّهاً عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم، فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة المخلوق، وإن حصلت موافقة في الاسم].
стр. 76
المثال الثاني: الروح
[وهكذا القول في المثل الثاني وهو الروح التي فينا، فإنها قد وصفت بصفات ثبوتية وسلبية، وقد أخبرت النصوص أنها تعرج وتصعد من سماء إلى سماء، وأنها تُقبض من البدن، وتُسل منه كما تسل الشعرة من العجينة.
والناس مضطربون فيها: فمنهم طوائف من أهل الكلام يجعلونها جزءاً من البدن أو صفة من صفاته، كقول بعضهم: إنها النفس أو الريح التي تردد في البدن، وقول بعضهم: إنها الحياة أو المزاج أو نفس البدن.
ومنهم طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم، وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود، فيقولون: لا هي داخلة في البدن ولا خارجة، ولا مباينة له ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عرض، وقد يقولون: إنها لا تدرك الأمور المعينة والحقائق الموجودة في الخارج، وإنما تُدرك الأمور الكلية المطلقة، وقد يقولون: إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة، وربما قالوا: ليست داخلة في أجسام العالم ولا خارجة عنه، مع تفسيرهم للجسم بما لا يقبل الإشارة الحسية، فيصفونها بأنها لا يمكن الإشارة إليها، ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تُلحقها بالمعدوم والممتنع.
وإذا قيل لهم: إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل.
قالوا: بل هذا ممكن، بدليل أن الكليات ممكنة موجودة وهي غير مشار إليها.
وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في العيان، فيعتمدون فيما يقولونه في المبدأ والمعاد على مثل هذا الخيال الذي لا يخفى فساده على غالب الجهال].
يلاحظ أن أكثر كلام هؤلاء الفلاسفة على مختلف أنواعهم يدور على أوهام؛ لأن ما أشار إليه الشيخ من قولهم: بأن الكليات ممكنة الوجود.
مجرد افتراض بنوا عليه أحكاماً، وبنوا على هذه الأحكام لوازم، وهذه اللوازم جعلوها تنسحب على الوحي الذاتي، وتنسحب على المقررات العقلية القطعية، بل حتى الأمور المعلومة في الرياضيات وغيرها.
إذاً: الفلاسفة في الأصل أنهم يعتمدون على الأوهام والتخرصات، وهم الذين أشار الله إلى صنف منهم بقوله: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات:١٠ - ١١] فالتخرُّص هو المنطلق الأساس في كل الأحكام الفلسفية في الأمور الغيبية عن مدارك العقول أو عن الحواس، وأن كل كلام فيها إنما هو ظن، والظن لا يُغني من الحق شيئاً، ولذلك لا نعرف الفلاسفة -هؤلاء الذين يتكلمون في الإلهيات- أنهم قد أصابوا الحق في شيء، فإن وافقوا ما جاء في الكتاب والسنة فذلك ليس من عندهم، بل إن أكثر ما قالوه يخالف الكتاب والسنة ومن براهين بُعدهم عن الحق وأنهم لا يصيبونه: أولاً: أنهم لا يملكون البرهان القاطع لإثبات أوهامهم؛ لأن الأمور الغيبية غير قابلة للتجربة ولا الأمور الحسية.
ثانياً: أن كبارهم الذين يُعتبرون أصحاب مذاهب مستقلة لا يمكن أن يتفقوا، إلا أن المقلد يتبع بعض الشيوخ، والحقائق لا تتعدد، إذاً ليس عند الفلاسفة حقائق.
وبرهان ذلك: ما نقرؤه عنهم في أقوالهم في الروح، فكلها أقوال خطأ، والروح لا يمكن أن يصل فيها الإنسان بعقله وذكائه وبعلمه إلى قول قاطع، ولذلك لما سأل أهل الكتاب والمشركون عن الروح، قال الله : ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] حتى ما علّمنا الله إيّاه من حقائق الغيب هو قليل بمقابل ما لم نعلمه؛ لأن الله ما أطلعنا من أمور الغيب الكبرى إلا على ما نحتاجه، وما لنا فيه مصلحة، وما عدا ذلك -وهو أكثر الغيب- محجوب في علم الله، ولا يمكن أن تصل إليه مدارك الناس ولا عقولهم ولا تجاربهم، لا الحسية ولا العقلية، وكذلك الغيب الذي أُخبرنا به من الكتاب والسنة لا يمكن للناس أن يأتوا فيه بجديد إطلاقاً، فلا يزيدون فيه ولا ينقصون، ولا يتحكمون فيه بقول أكثر مما ورد في الكتاب والسنة، وكل ما قيل في الأمور الغيبية هو رجم بالغيب، سواء من الفلاسفة أو من غير الفلاسفة.
قوله: (الكليات) أي: التصورات الكلية أو العامة، مثل: قول الفلاسفة بأنه لا يمكن أن يكون هذا العالم -المخلوقات الحسية- ناتجاً عن عاقل! وهذه كلية عند كثير من الملاحدة بما فيهم الشيوعيين.
وقد قيل لهم: لماذا؟ قالوا: لأن فيها ما لا يجوز أن يكون، إذ أنه يقع في حياة الناس ظلم، ويقع في حياة الناس فساد، وهذا لا يمكن أن يكون على عاقل.
وهذا تصور فاسد، لكن مع ذلك تُعتبر تصوراً كلياً لا ينبني عليه حكم، ولذلك عنون أحد معاصريهم كتاباً له بـ (العالم ليس عقلاً)؛ لأنهم بنوا على افتراض وهمي، وهذا الافتراض إضافة إلى أنه فاسد، فهو أيضاً مجرد افتراض عقلي عام.
قال ﵀: [واضطراب النفاة والمثبتة في الروح كثير، وسبب ذلك: أن الروح -التي تسمى بالنفس الناطقة عند الفلاسفة- ليست هي من جنس هذا البدن ولا من جنس العناصر والمولدات منها، بل هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس، فصار هؤلاء لا يعرفونها إلا بالسلوب التي تو
стр. 77
أقوال الناس في الجسم
قال ﵀: [وإطلاق القول عليها بأنها جسم أو ليست بجسم يحتاج إلى تفصيل، فإن لفظ: (الجسم) للناس فيه أقوال متعددة اصطلاحية غير معناه اللغوي.
فإن أهل اللغة يقولون: الجسم هو الجسد والبدن، وبهذا الاعتبار فالروح ليست جسماً، ولهذا يقولون: الروح والجسم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤]، وقال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧].
وأما أهل الكلام فمنهم من يقول: الجسم هو الموجود، ومنهم من يقول: هو القائم بنفسه، ومنهم من يقول: هو المركب من الجواهر المفردة.
ومنهم من يقول: هو المركب من المادة والصورة، وكل هؤلاء يقولون: إنه مشار إليه إشارة حسية.
ومنهم من يقول: ليس مركباً من هذا ولا من هذا، بل هو مما يُشار إليه، ويُقال: إنه هنا أو هناك.
فعلى هذا إن كانت الروح مما يُشار إليها ويتبعها بصر الميت، كما قال ﷺ : (إن الروح إذا خرجت تبعها البصر، وإنها تقبض ويعرج بها إلى السماء) كانت الروح جسماً بهذا الاصطلاح.
стр. 78
المقصود بضرب المثل بالروح
والمقصود: أن الروح إذا كانت موجودة حية عالمة قادرة سميعة بصيرة، تصعد وتنزل وتذهب وتجيء، ونحو ذلك من الصفات، والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها؛ لأنهم لم يشاهدوا لها نظيراً، والشيء إنما تدرك حقيقته بمشاهدته أو مشاهدة نظيره، فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات، فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته، وأهل العقول هم أعجز عن أن يحدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها.
فإذا كان من نفى صفات الروح جاحداً مُعطّلاً لها، ومن مثلها بما يشاهده من المخلوقات جاهلاً ممثلاً لها بغير شكلها، وهي مع ذلك ثابتة بحقيقة الإثبات، مستحقة لما لها من الصفات، فالخالق أولى أن يكون من نفي صفاته جاحداً معطلاً، ومن قاسه بخلقه جاهلاً به ممثلاً، وهو ثابت بحقيقة الإثبات، مستحق لما له من الأسماء والصفات].
стр. 79
نتيجة ما سبق
من خلال هذين المثالين: نخلص إلى نتيجة واضحة بيّنة يرد بها الشيخ على جميع الطوائف التي عطّلت، فأنكرت أسماء الله وصفاته أو بعضها، أو تأولوا ولو لم يُنكروا الأسماء والصفات أو بعضها، فهؤلاء كلهم يرد عليهم بهذين المثالين: الأول: يقال لهم: أنتم الآن تؤمنون بأن الله قد وصف الجنة بأوصاف، وألفاظ ومعان، وحقائق هذه الأوصاف تشبه ظاهر ما في الدنيا، سيقولون: نعم، فنحن نوافقكم على ذلك.
فنقول لهم: ومع ذلك نحن نؤمن قطعاً بأن هذه الحقائق التي جاءت ألفاظها مطابقة لما في الدنيا، ولها حقائق أيضاً، كما نعلم قطعاً أنها ليست كحقيقة ما في الدنيا، وهذا أمر يتفقون عليه أو يؤمنون به، وعليه فلله المثل الأعلى، فنحن عندما نُثبت أسماء الله وصفاته كما وردت في الكتاب والسنة، فإنا نثبتها على ما يليق بجلاله، والتشابه اللفظي لا يعني التشابه في الكيفيات، كما أن التشابه اللفظي بين نعيم الجنة ونعيم الدنيا إنما هو تشابه في المعاني العامة وليس في الكيفيات.
الثاني: الروح، فهم يؤمنون بالروح، بل كل عاقل يؤمن بها ويدرك وجودها في أي حيوان، وأن هذه الروح أيضاً قد ورد لها أوصاف في الكتاب والسنة، والناس يدركون لها ذلك، من الحركة، والصعود، والنزول وغير ذلك، ومع ذلك لا يمكن لأحد أن يُدرك كيفيات صفات هذه الروح، مع أنها توصف بصفات ألفاظها تشبه صفات المشاهدات، أي: الأمور الحسية، لكن لا يمكن أن نحكم فيها بأن لها كيفية ككيفيات الأمور الحسية، رغم أنها توصف ويُعلم عنها ظواهر، وهذه الظواهر موجودة في الحسيات التي نعلمها، ومع ذلك لا نُدرك كيفية الروح.
فكذلك من باب أولى -ولله المثل الأعلى- أسماء الله وصفاته نحن نؤمن بأنها حق، وأن لها معاني حقيقية تليق بالله ، لكن لا نعلم كيفيتها، فإذا كان هناك من المخلوقات ما هو موصوف بما يشبه صفات المحسوسات، بل بما يشبه صفات الخالق، فإننا نجزم أن هذا ليس كذلك في الكيفية؛ لأنه لابد لمن استعمل عقله على وجه صحيح أن يصل إلى نتيجة سليمة، وهي أن ما ورد في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته لابد أن تثبت لله على ما يليق بجلاله، وأن إثباتها له ليس تشبيهاً ولا تمثيلاً، وأنه لا يؤدي إلى الحرج كما يزعمون، وأن من أثبت ما أثبته الله ورسوله لله من الأسماء والصفات فلا بد أن يكون محقاً، بدليل أننا نجد الفارق في الكيفيات حتى في المخلوقات، والله أعظم وأجل.
стр. 80
قياس التمثيل والشمول
وأما قول المصنف: (فلا يجوز أن يُشرك هو والمخلوق في قياس تمثيل، ولا في قياس شمول تستوي أفراده).
فإن قياس التمثيل: هو قياس الشيء على فرعه أو أصله، أو: قياس الأشياء على نظائرها وأمثالها، أو أن نقيس شيئاً على شيء من وجه، وليس من كل الوجوه، وهذا من جانب، ومن جانب آخر: قياس التمثيل كأن نقيس أو نشبّه الابن بأبيه.
وأما قياس الشمول فهو: كقياس الإخوة بعضهم على بعض، وهذا يمكن أن يكون من أبسط الأمثلة لذلك.
إذاً: إلحاق الشيء بأصل يعتبر قياساً تمثيلياً وإلحاق الشيء بما يشبهه وليس أصلاً له ولا فرعاً يعتبر قياساً شمولياً.
стр. 81
الأسئلة
стр. 82
المقصود بالفلاسفة المشائين
السؤال
قال شيخ الإسلام: الفريق الثالث نفوا هذا وهذا كالقرامطة والباطنية وأتباع المشائين، ما المقصود بأتباع المشائين؟
الجواب
المشاءون وصف لطائفة من الفلاسفة من عادتهم كثرة الخوض وكثرة التخرص في الوهميات، وذكر عنهم أن من عادتهم أنهم يقررون الأشياء وهم يمشون، ربما يعتقدون أن المشي يفتح النفس ويفتح آفاق التفكير، فيمشي أحدهم ويبدأ يهذي بما يدري وبما لا يدري، ويحلق في الخيالات، ثم يبدأ يعبر عما يتخيل وهو يمشي، وتلاميذه يحلقون به ويسجلون ما يقول.
стр. 83
شرح العقيدة التدمرية [٨]
أهل السنة يثبتون لله تعالى من الأسماء والصفات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ ، وقد انبنى هذا الباب عندهم على قواعد مأخوذة من الكتاب والسنة، وهذه القواعد لابد منها لضبط هذا الباب، والرد على المخالفين فيه.
стр. 84
القواعد التي بني عليها تقرير الأسماء والصفات والرد على المخالفين
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله ﷺ .
أما بعد.
فبعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا، وقد وقفنا في الفتاوى في كتاب التدمرية على الفصل الذي يتعلق بالخاتمة الجامعة، والتي تتضمن قواعد، وهذه القواعد سبع، وقبل أن نشرع في هذه القواعد أُحب أن أستعرضها إجمالاً؛ لأن استحضار هذه القواعد قبل القراءة التفصيلية مفيد جداً، لا سيما أن في بعضها شيئاً من التشابه والتداخل، وكذلك لعل الدخول في القراءة المفصّلة في هذا الدرس في هذا اليوم غير مناسب.
ولذا سأعرض هذه القواعد التي بنى عليها الشيخ تقرير الأسماء والصفات، والرد على المخالفين فيها، ثم إن هذه القواعد وسواها من القواعد المتعلقة بالأسماء والصفات وأفعال الله توجد مفصّلة، وبأمثلة واضحة في كتاب الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: (القواعد المثلى)، وهو كتاب مفيد نافع جداً، وقد استقى الكثير مما ذكره من التدمرية وغيرها، وأنصح كل طالب علم أن يرجع إلى ذلك الكتاب.
أما القواعد التي أشار إليها الشيخ فهي سبع، وفي بعض النسخ ست، ولذلك أُلحقت في الفتاوى القاعدة السابعة بغير ترقيم، وقد استعملت فيها طريقة الحروف؛ لأنها لم تكن موجودة في بعض النسخ الخطية للكتاب.
стр. 85
القاعدة الأولى: صفات الله سبحانه إثبات ونفي
القاعدة الأولى: أن الله موصوف بالإثبات، أي: إثبات ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ ، وموصوف أيضاً بنفي النقائص جملة وتفصيلاً، أي: نفي ما نفاه الله عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ .
إذاً: لابد أن تتضمن الأسماء والصفات والأفعال النفي والإثبات، والنفي والإثبات لا بد أن يدخل فيه ما تقر به العقول السليمة، من أنه لا بد أن يُثبت لله الكمال المطلق، ولا بد أن يُنفى عنه النقص مطلقاً.
стр. 86
القاعدة الثانية: الإيمان بكل ما أخبر به الرسول ﷺ عن ربه
القاعدة الثانية: أن كل ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ في أسماء الله وصفاته وأفعاله وجميع أمور الغيب والدين وجب التسليم به دون مناقشة، والتصديق والإذعان واليقين بأنه حق، وهذا هو الفارق بين المؤمنين الصادقين وبين من في قلوبهم مرض من أهل الأهواء والتأويل والشكوك، فالمؤمنون سلّموا بخبر الله وخبر رسوله ﷺ مطلقاً، وأنه حق على حقيقته على ما يليق بجلال الله ، وأول ذلك ما يتعلق بأسماء الله وصفاته وأفعاله، بل وسائر أمور الغيب، فكل ما أخبر الله به وجب التسليم به، وكل ما ثبت عن رسوله ﷺ وجب التسليم به، وأول ذلك الأسماء والصفات والأفعال، وهذا اليقين أو هذا الإثبات لا يتوقف على إدراك الكيفيات، بل يجب ألا يتطلّع المسلم إلى الكيفيات أصلاً، كما لا يتوقف ذلك حتى على إدراك المعنى؛ لأن المعنى قد لا يُدرك عند بعض الناس وإن كانت المعاني المجملة مُدركة، لكن مع ذلك فإن مدارك الناس تختلف، فبعض الناس قد تعرض له بعض الشبهات وبعض الشكوك، ونحو ذلك من العوارض التي تعرض للبشر، فيضعف يقينه بالله ، وقد لا يُدرك المعنى فيما ثبت عن الله وثبت عن رسوله ﷺ ، وليس الحق موقوفاً على إدراك المعنى عند الفرد، مع أننا نعلم أن الله قد خاطبنا بلسان عربي مبين، وأمرنا بالتدبر، ولا شك أن معاني أسماء الله وصفاته وأفعاله مُدركة بالجملة، لكن ومع ذلك لو أن أحداً من الناس قال: والله لم أُدرك هذا المعنى، ولا أدري كيف أعتقد هذه الحقيقة! فنقول له: إن الحق ليس متوقفاً على إدراكك للمعنى ولا للحقيقة، والمعنى ثابت لله على ما يليق بجلاله.
стр. 87
القاعدة الثالثة: التفصيل في معنى الظاهر المراد من الأسماء والصفات
القاعدة الثالثة: أن الأسماء والصفات والأفعال يراد بها ظاهرها، لكن مع ذلك لا بد من التفصيل في معنى الظاهر؛ لأن الظاهر قد يُراد به: المشاهدات وقياس الغائب على الشاهد، وهذا ليس هو المراد بأسماء الله وصفاته وأفعاله، وقد يُراد بالظاهر: إثبات المعنى والحقيقة، وهذا هو الحق، فعلى هذا إذا قيل: هل ظاهر النصوص مراد أو غير مراد؟ الأصل أنه مراد؛ لأن الله ما خاطبنا إلا بما أراد أن نفهمه ونعتقده، لاسيما -كما هو معروف- إنما جاء ذكر أسماء الله وصفاته وأفعاله في الكتاب والسنة لنعظّم الله بها وندعوه بها، ونعتقد له الكمال المطلق، وننفي عنه النقائص، وهذه هي الغاية الأولى من إثبات الأسماء والصفات، لكن مع ذلك فإن المعنى الظاهر قد يحدث فيه إشكال عند بعض المتحذلقين ممن وقعوا في شبهات المتكلمين والمتفلسفة.
وهنا يرد سؤالاً: هل ظاهر النصوص مراد أو غير مراد؟ نحن نقول: هو مراد ابتداء، لكن مع ذلك نسأل السائل، وخاصة إذا كان ممن عرف بمسالك الكلام والفلسفة: ماذا تقصد بالظاهر؟ إن أردت بالظاهر: تشبيه الله تعالى الله بالمشاهدات فليس هذا هو الظاهر، ولا يُعتقد لله ، وإن أردت بظاهر النصوص إثبات المعاني والحقائق، إذاً فالإنسان السالم من الشبهات والشكوك والفلسفات والكلاميات يعتقد أصلاً أن ظاهر النصوص مراد؛ لأن ظاهرها هو الحق، وليس تشبيهاً، وإن كان السائل ممن عنده ريب أو يتوقع أن عنده شكوكاً وإشكالات يفصّل له، فيقال: إن أردت بالظاهر قياسه على المخلوقات، فالله ليس كمثله شيء، ولا نعلم كيفيات صفاته، وإن أردت بالظاهر المعنى والحقيقة، فلاشك أن أسماء الله وصفاته لها معان وحقائق.
стр. 88
القاعدة الرابعة: المحاذير التي يقع فيها من يتوهم أن مدلول نصوص الصفات هو التمثيل
القاعدة الرابعة: نفي توهم مماثلة الأسماء والصفات لله لصفات المخلوقين، ثم إرادة نفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة محاذير، ومن هذه المحاذير: المماثلة، وتوهم خيالات في الأذهان، وهذه الخيالات غالباً تنطبع عن الواقع.
إذاً: فهذه القاعدة تتلخّص في أنه يجب على المسلم أن ينفي في ذهنه توهم مماثلة الخالق للمخلوقين، أو مماثلة الله لشيء من المخلوقات، وقلنا: نفي توهم؛ لأن التوهم قد يوجد، بل لا بد أن يوجد؛ لأنه لا يمكن أن يفهم الإنسان ألفاظ الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته وأفعاله وسائر أمور الغيب إلا بأن يتخيل في ذهنه خيالات، لذا كانت هذه القاعدة تتعلق بنفي وخيال، واعتقاد أن الله له من الأسماء والصفات والأفعال ما هو أعظم وأجل مما تتخيله أذهاننا، أو نتوهمه ونتصوره بمجرد تصورات، لذا كان نفي الأوهام ضرورياً؛ لأن من لم ينف الأوهام يقع في التشبيه؛ لأنه لا بد أن يعتقد صوراً وأشكالاً في ذهنه، فإذا لم ينف ذلك إما أن يشبِّه، وإما أن يكون عنده ردة الفعل كما عند الجهمية والمعتزلة والمتكلمين، فيعطِّل ويؤول؛ لأنه توهم بأسماء الله وصفاته وأفعاله -تعالى الله- أشياء وأشكالاً، فنفر من هذه الأشكال التي توهمها، وهذه الأشكال مبنية على ما ينطبع في ذهن الإنسان من عالم الشهادة، والله ليس كمثله شيء، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وبهذا يسلم المؤمن من مداخل الشيطان.
стр. 89
القاعدة الخامسة: أنا نعلم ما أخبرنا الله به من وجه دون وجه
هي قاعدة شبيهة بالقاعدة التي قبلها، لكن لها وجه من التوضيح، وهي: أنه يجب على المسلم أن يعلم أن ما أخبرنا الله به، وأخبرنا به رسوله ﷺ عن الله سبحانه في ذاته وأسمائه وصفاته، نعلمه من وجه ولا نعلمه من وجه آخر، فالوجه الذي نعلمه أن هذه الأسماء والصفات والأفعال هي لله على الحقيقة، وأن لها معاني تليق بالله ، وأنها تعني الكمال المطلق لله ، ويجب أن نعظّم الله بذلك ونقدّسه ونسبّحه، ولأنه لا يمكن أن يكون هناك أوصاف بلا معان، وأسماء بلا معان، وأفعال بلا معان، وإذا جُردت الألفاظ من المعاني وقع المسلم في التعطيل، ووقع في وصف الله بصفات المعدوم.
إذاً: لا بد أن نعلم أن ما جاء في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته نعلمه من وجه، وهو أن أسماء الله وصفاته وأفعاله على الحقيقة، وأن لها معاني ثابتة، لكن لا نعلمه من وجه آخر، وهو الكيفيات وسائر أمور الغيب، وفي حق الله أولى، ولله المثل الأعلى، فنحن نؤمن بخبر الله عن الملائكة، وقد جاء تفصيل أحوال الملائكة في القرآن والسنة، وممكن أن كل واحد منا في ذهنه توهمات وتصورات عن الملائكة أو عن بعض الملائكة، كجبريل مثلاً، فجبريل قد وردت له أوصاف كثيرة، وكل منا يتخيل في ذهنه شيئاً من هذه الأوصاف، ونحن نعلم أن أوصاف جبريل لها معاني حقيقة، وهذه المعاني الحقيقية هي الوجه الذي يجب أن نؤمن به، لكن أيضاً في أوصاف جبريل معان وهمية في أذهاننا، ليست حقيقة ما هو عليه، ولا أحد من البشر أو المخلوقين قد رأى جبريل على حقيقته إلا النبي ﷺ ، فقد رآه على حقيقته، وهي حقيقة ليست كحقيقة ما يشاهده الناس من مشاهدات، فإذا كان هذا -ولله المثل الأعلى- في مخلوق نعلم له صفات، ونعلم له أحوالاً، وهذه الأحوال نفهمها من وجه، وهي أنها معان حقيقية وصفات حقيقية، ولا نفهمها من وجه، وهي الكيفيات، فمن باب أولى -ولله المثل الأعلى- ما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته، وكل ما ورد عن الله سبحانه له معان وحقائق نفهمها من وجه، وهو أنها حقيقة على ما يليق بجلال الله، وأنها على الكمال المطلق له ، ولا نفهمها من وجه، وهو الكيفية.
стр. 90
القاعدة السادسة: بيان ضابط النفي والإثبات في الأسماء والصفات
القاعدة السادسة: أنه لابد في هذا الباب -أعني باب الأسماء والصفات- من ضابط للنفي والإثبات، بمعنى: أننا لا ننفي نفياً مطلقاً، ولا نثبت إثباتاً مطلقاً، فالإثبات لا بد أن يُقيد بالنفي، والنفي لابد أن يُقيد بالإثبات، فنثبت لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ ، لكن لابد أن نضبط ذلك مع نفي الكيفيات والمماثلة، نضبطه بضوابط، وهو: أن الإثبات يقتضي إثبات الكمال المطلق، ويقتضي نفي المشابهة، ويقتضي نفي كل النقائص التي نفاها الله عن نفسه، وكل النقائص التي يتوهمها البشر.
إذاً: لابد للإثبات من تقييد، وكذلك النفي، فعندما ننفي عن الله النقائص والعيوب، وعندما ننفي عن الله مماثلته للمخلوقين لابد أن يقيد هذا النفي أيضاً بضوابط، وهو ألا ينصرف النفي إلى نفي ما ثبت في الكتاب والسنة، ولا إلى الإلزام بالمستلزمات التي لا تلزم، وهناك قصة ذكرها الذهبي عن محمود بن سبكتكين، وهو أحد السلاطين المسلمين في الهند في القرن الرابع والخامس الهجري، وقد قال كلمة جيدة، وقاعدة عظيمة فطرية، وعقلية بدهية، وذلك عندما جاءه أحد المتكلمين المشاهير، وأراد أن يدخل في ذهنه مسألة نفي العلو والفوقية لله ، فكان مما قال هذا المتكلم: إنه يلزم من إثبات الفوقية إثبات ضدها، فرد عليه هذا السلطان فقال: ليس أنا الذي يُثبت الفوقية من أجل أن تلزمني، وإنما الذي أثبتها هو الله .
فخرج هذا المتكلم من عند السلطان مغموماً، حتى قيل: إنه أُصيب بمرض فتك به فيما بعد ومات، والله أعلم بالحال.
فتأمل هذه الإجابة الفطرية، وانظر إلى هذا التقرير العقلاني الفلسفي من المتكلم، إذ إنه إذا أثبت الفوقية لابد أن يثبت ضدها، وهذا صحيح في عالم الشاهدة، فكل مخلوق لا بد له من فوق وتحت، لكن هو استعمل القياس على منهج فاسد، فقال هذا المتكلم -كأنه يريد أن يدخل هذا المعنى الكلامي في ذهن السلطان-: يلزم من إثبات الفوقية إثبات ضدها، وصرّح بالضد! فقال له: كيف تلزمني؟! وأنا لست القائل بذلك، وإنما القائل هو الله ، وكان ذلك حجة فطرية تدل على الذكاء والفطنة، وتدل أيضاً على سلامة الاعتقاد.
стр. 91
القاعدة السابعة: أن ما جاء به الشرع يدل عليه العقل إما دلالة مفصلة وإما دلالة مجملة
القاعدة السابعة: أن ما جاء به الشرع يدل عليه العقل إما دلالة مفصّلة وإما دلالة مجملة، وأغلب أسماء الله وصفاته وأفعاله يدل عليها العقل كما يدل عليها الشرع؛ لأنها كمال ظاهر، أما ما لا يدركه العقل مما ثبت به الشرع فإن العقل يسلّم بصحته؛ لأن العقل السليم سلّم لله ولرسوله ﷺ ، وسلّم بصدق القرآن وصدق السنة، فإذا ورد الاسم أو الصفة لله في القرآن أو السنة فإن العقل يسلّم ابتداءً ولا يناقش؛ لأنه قد سلّم بأن خبر الله صادق، وخبر الرسول ﷺ صادق، وعليه فالعقل السليم لابد أن يسلّم بجميع أسماء الله وصفاته وأفعاله، إما على سبيل التسليم المباشر، وهو الإقرار بأن الله عليم حكيم إلى آخر الأسماء والصفات التي تقر عقلاً، أو على سبيل التسليم الإيماني المتضمن التسليم لله ولرسوله ﷺ ، كالصفات الخبرية، من إثبات اليد، والوجه، والعين وغير ذلك، فالعقل لا يستقر بإثباتها، لكن لما ثبتت من المصدر القطعي، لم يكن للعقل قدرة أن يعارض هذا المصدر القطعي؛ لأن العقل مخلوق ضعيف.
إذاً: فالعقل السليم قد سلّم ابتداء بأن كلام الله حق، وكلام رسوله ﷺ حق، والأسماء والصفات التي نثبتها هي كلها من كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وإن جئنا بشيء من عندنا فليرد إلى أصل القاعدة، وهو أن ما دل عليه الشرع دل عليه العقل، وذلك إذا سلم العقل من العوارض، وإلا فالعقل لا يسلم من ذلك؛ لأنه مخلوق ضعيف، فتأتيه عوارض الهوى، والضعف، والمحدودية، والشبهات، والشهوات، والشكوك، ومداخل الشيطان، وعوارض أخرى كثيرة، فكيف ينزع هؤلاء الفلاسفة والمتكلمون إلى جعل العقل حكماً على الشرع؟! لما فعلوا ذلك خاضوا في كلام الله وكلام رسوله ﷺ بما لا يليق، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 92
شرح العقيدة التدمرية [٩]
لقد وضع العلماء في الكلام على أسماء الله تعالى وصفاته قواعد إذا فهمها المرء وتعامل بها سلم مما وقعت فيه الفرق الضالة من وصف الله بأوصاف العدم والنقص، أو القول عليه بغير علم.
стр. 93
مجمل القواعد والأصول في الأسماء والصفات
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقبل أن نشرع في الدرس أحب أن أستعرض بإيجاز المعاني والأصول التي قد درسناها، وذلك من أجل أن يرتبط في الذهن الدرس الحاضر بالدروس الماضية، فأولاً: أشار الشيخ في المقدمات الأولى قبل هذا الفصل إلى قواعد مهمة أجملها وبدأ يفصل فيها الآن، وهي أن الأصل فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته وأفعاله إثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ ، ونفي ما نفاه الله عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ ، فهذه قاعدة لا تتخلف، وهي مقتضى قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
ثم أشار إلى مقدمة للرد على أهل الأهواء الذين أولوا الصفات أو عطلوها، هذه المقدمة قد لخصها الشيخ في أمور عدة: منها: أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، أي: إذا أثبتنا بعض الصفات فيلزمنا إثبات الجميع، والذين أولوا بعض الصفات رد عليهم الشيخ قائلاً: لماذا فرقتم بين الصفات عند تأويل بعضها؟ والصفات كلها غيب، وكلها كمال لله ، وكلها على حقائقها، وكلها جاءت في الكتاب والسنة، فإذا أولتم بعضها فلماذا لم تأولوا البعض الآخر؟ والتفريد لا مبرر له.
ومنها: القول في الصفات كالقول في الذات.
ثم ضرب مثالين عظيمين في أن أسماء الله وصفاته لا يجوز الكلام فيها بأكثر مما ورد في الكتاب والسنة، وأنها أمور غيبية لا يمكن فيها قياس المخلوق على الخالق، أو قياس الخالق على المخلوق، وأن من قاس الخالق على المخلوق وقع في التأويل والتعطيل وفيما نهى الله عنه، ووقع في الإلحاد في أسماء الله وصفاته، أي: الإلحاد الجزئي والكلي، وقد ضرب لهذا مثلاً في الخلق -ولله المثل الأعلى- فقال: هناك من المخلوقات ما لم تحيطوا به علماً، وهي مخلوقات لها أوصاف وأسماء وأحوال، وضرب لذلك مثلاً بالروح، فقال: أنتم الآن تتكلمون في الله بغير ما ورد في الكتاب والسنة، وتتعرضون لأسماء الله وصفاته بعقولكم وأرواحكم بدعوى القياس، مع أن فيكم جميعاً مخلوقاً لم تصلوا فيه إلى نتيجة، وهذا المخلوق له صفات وأحوال وسمات، ومع ذلك لا تحكموا فيه برأي ولا بعقولكم، وهذا المخلوق هو الروح، فكل إنسان معه روح، وهذه الروح تقعد وتنزل، ولها صفات وأحوال، وموصوفة بحقائق، ومع ذلك لا أحد يدري ما الروح؟ مع أنها مخلوق من مخلوقات الله.
إذاً: فلماذا تتحكمون بأسماء الله وصفاته بعقولكم؟ ثم ضرب مثلاً آخر أيضاً بنعيم الجنة فقال: الجنة فيها نعيم، لكن ليس كنعيم الدنيا، ففي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وهي مخلوقة وموصوفة لنا، ومع ذلك فنعيمها من حيث الألفاظ تشبه ألفاظ نعيم الدنيا، ففيها عنب وخمر ولبن وماء وأشياء كثيرة مما يوجد في الدنيا، ومع ذلك فليس هذا كذاك.
ثم ذكر القواعد التفصيلية وخاتمة ستأتي، وهذه القواعد التفصيلية مهمة في الحقيقة، وينبني عليها تصور ما سنقرؤه الآن، وما سنقرؤه مستقبلاً، وما قرأناه في الماضي، والشيخ قد أشار إلى سبع قواعد ذهبية عظيمة جداً استنبطها من النصوص، وستجدون أن لكل قاعدة أدلة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته.
القاعدة الأولى: أنه يجب وصف الله بما وصف به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ بالإثبات والنفي.
القاعدة الثانية: ما جاء في كتاب الله، وثبت عن رسول الله ﷺ في أسماء الله وصفاته وأفعاله وجب قبوله والإيمان به بدون مناقشة.
القاعدة الثالثة: التفصيل في ظواهر النصوص، هل هي مرادة أو غير مرادة؟ لابد من التفصيل، فإن قصد بالظاهر: أنها حقائق فحق، وإن قصد بالظاهر: تشبيه الله بالمشاهدات فلا؛ لأن الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
فيقول: لا تلبسوا على الناس بمثل هذه الأمور، فتقول: إذا كان ظاهرها مراداً فمعناه أننا قد وقعنا في التشبيه، إذاً لابد أن نؤول، فأقول: لا، فإن ظاهرها مراد، لكن ليس ظاهرها ما تتوهمونه، وإنما ظاهرها الحقائق، فالله موصوف بالحقائق على ما يليق بجلاله.
القاعدة الرابعة: نفي ما يتوهم من مماثلة المخلوقين.
القاعدة الخامسة: أن نعلم أن ما أخبر الله به معلوم من وجه، وغير معلوم من وجه آخر، معلوم من حيث أنه حقيقة، وغير معلوم من حيث الكيفية.
القاعدة السادسة: أنه لابد من ضابط للنفي والإثبات في أسماء الله وصفاته.
القاعدة السابعة: أن كثيراً مما جاء به الشرع يدل عليه العقل دلالة إجمالية، لكن العقل لا يستطيع أن يعرف التفاصيل، بل لم يعرف تفاصيل نفسه، ولذا فالتفاصيل يعفى منها العقل، والله ما كلفه بذلك، لكن من حيث الإجمال فنعم؛ لأنه ما من عقل سليم إلا ويدرك الكمال لله ، كما يدرك على جهة الإجمال أن الشرع جاء بمصالح العباد، ويدرك ضرورة البعث، وضرورة النبوات، إلى آخر ذلك على جهة الإجمال، وأما التفصيل فلا، وهذا ما سيفصله الشيخ ف
стр. 94
خاتمة جامعة في صفات الله سبحانه
стр. 95
القاعدة الأولى: أن الله تعالى موصوف بالإثبات والنفي
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل وأما الخاتمة الجامعة ففيها قواعد نافعة: القاعدة الأولى: أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي، فالإثبات كإخباره بأنه بكل شيء عليم].
قوله: (أن الله سبحانه موصوف بالإثبات) أي: إثبات الذات والأسماء والصفات لله ، بمعنى: أنه لا يكون الإيمان بالله مجرد إيمان ذهني كما يقول الفلاسفة وغلاة الجهمية وغيرهم، بل الأمر أعظم من ذلك، فلابد للإيمان بالله من أن تعرف أن الله موصوف بالأسماء والصفات والأفعال، وأنه لابد أن ننفي عنه جميع النقائص، وكل ما يضاد الكمال فهو منفي عنه .
قال رحمه الله تعالى: [فالإثبات كإخباره بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك، والنفي كقوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥].
стр. 96
صفات النفي تتضمن إثبات الكمال والمدح لله
وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتاً، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال; لأن النفي المحض عدم محض].
يعني: أن النفي الخالص عدم خالص، مثل وصف المتكلمين والفلاسفة ومن أعجب بطريقتهم ومنهجهم -ليس فقط في الدين، بل في الدنيا أيضاً، وهذا ثابت عنهم، ولا نقول ذلك لمجرد ظن أو توهم-: بأن الله ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا يوصف، وغير قابل للوصف! إذاً: هذا معدوم وخيال في أذهانهم، بل ولا حتى خيال، فالخيال ممكن أن يتوهم له صفات، ولذلك لا نستغرب هذا من الفلاسفة؛ لأنهم ملاحدة، وأعداء الأنبياء، لكن الغريب ممن ينتسبون للإسلام من المتكلمين الذين أعجبوا بطرائق الفلاسفة، حيث أتونا بهذه البدع، بدع النفي لأسماء الله وصفاته أو بعضها تحت دعوى أن النفي يقتضي تنزيه الله عن التشبيه، والشيخ ﵀ أراد هنا أن يوقظ فيهم الفطرة إن كان عندهم عقول، فيقول: يا قوم! النفي المحض يدل على العدم المحض، والنفي الخالص يدل على العدمية الخالصة، وهذه أمور تعرف بالبداهة، فإذا كان كل شيء ما عندك له إلا النفي فمعناه أن هذا عدم.
стр. 97
أمثلة على النفي المتضمن إثبات الكمال في حق الله تعالى
قال ﵀: [والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء فهو كما قيل: ليس بشيء، فضلاً عن أن يكون مدحاً أو كمالاً، ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال.
فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمناً لإثبات مدح، كقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] إلى قوله: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥].
فنفي السنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبين لكمال أنه الحي القيوم.
وكذلك قوله: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥] أي: لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها، بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته وعيب في قوته.
وكذلك قوله: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ:٣] فإن نفي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السموات والأرض.
وكذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، فإن نفي مس اللغوب الذي هو التعب والإعياء دل على كمال القدرة ونهاية القوة، بخلاف المخلوق الذي يلحقه من التعب والكلال ما يلحقه.
وكذلك قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة كما قاله أكثر العلماء، ولم ينف مجرد الرؤية; لأن المعدوم لا يرى، وليس في كونه لا يرى مدح; إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحاً، وإنما المدح في كونه لا يحاط به وإن رئي، كما أنه لا يحاط به وإن علم، فكما أنه إذا علم لا يحاط به علماً، فكذلك إذا رئي لا يحاط به رؤية].
لذلك جاءت الآية في منتهى البلاغة، ولا شك أنه لم ينف الرؤية فقال: لا تراه الأبصار، بل قال: ﴿لا تُدْرِكُهُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وهذا اللفظ يتضمن ضرورة أن هناك من الأبصار من ستراه، وهي أبصار المؤمنين في الجنة يوم القيامة، فالله ينعم عليهم بأن يمكنهم من التنعم برؤيته، لكن لا يحيطون به سبحانه.
ولذلك لما تكلم بعض المعتزلة الذين عندهم فقه للغة في هذه الآية حاروا وما استطاعوا أن يتخلصوا من دلالتها، مثل: الزمخشري رحمه الله تعالى، فقد أتى بالآيات التي تثبت الرؤية، ومنها قوله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، فأخذ يلف ويدور بطريقة عجيبة؛ لأنه لم يستطع أن يتخلص من فقهه للغة؛ لأنه يعلم أن معنى قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] أي: أنه لا يمكن نفي الإدراك إلا بعد ثبوت الرؤية، وإلا فلماذا ينفي الإدراك، والإدراك هو الإحاطة؟ والله أعظم من أن تحيط به الأبصار، بمعنى: تدركه، لكنها تراه، وهذا التضمن ضروري في معنى اللغة ومقتضى العقل السليم والفطرة.
стр. 98
لا يصف الله نفسه بنفي لا يستلزم ثبوت كمال ضده
قال رحمه الله تعالى: [فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحاً وصفة كمال، وكان ذلك دليلاً على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة، وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها.
وإذا تأملت ذلك وجدت كل نفي لا يستلزم ثبوتاً هو مما لم يصف الله به نفسه، فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهاً محموداً، بل ولا موجوداً.
وكذلك من شاركهم في بعض ذلك كالذين قالوا: لا يتكلم، أو لا يرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يستو على العرش].
من أنكر رؤية الله يوم القيامة فالأصل فيه أنه يكفر، لكن يجب التنبه إلى أنه ليس كل من اعتقد كفراً أو عمل كفراً أو قال كفراً أن يكفر بعينه؛ لأنه قد يكون جاهلاً، وأنا أضرب لكم مثالاً على ذلك: فلو أن واحداً منكم الآن خرج إلى الخارج فقابل مجموعة من العوام السذج الذين لا يفهمون شيئاً، وقال لهم: هل تؤمنون برؤية الله؟ فيمكن أن بعضهم ينكر؛ لأنه يظن أن هذا عظيم وشنيع في الدين، فهو لم يسمع بشيء اسمه: رؤية الله ، لكن هل أنكرها عالماً بمعناها وبأصلها، وعالماً بقدرها في الدين، وعالماً بنصوصها؟ لا، بالرغم أن الرؤية من المتواتر في الدين -رؤية المؤمنين لربهم في الجنة- وأصل من أصول الدين، ثبتت بنصوص قطعية من الكتاب، وقد فسرها النبي ﷺ ، كما أجمع عليها أهل الحق، إذاً إنكار المعلوم من الدين بالضرورة كفر، لكن ليس كل معين يكفر.
стр. 99
وصف المتكلمين لله تعالى بالنفي وما فيه من التشبيه بالمعدوم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا محايد له، إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم، وليست هي صفة مستلزمة صفة ثبوت.
ولهذا قال محمود بن سبكتكين لمن ادعى ذلك في الخالق: ميز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم.
وكذلك كونه لا يتكلم أو لا ينزل ليس في ذلك صفة مدح ولا كمال، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات، فهذه الصفات منها ما لا يتصف به إلا المعدوم، ومنها ما لا يتصف به إلا الجماد والناقص].
هذا تقرير حقيقة بدهية سهلة بينة، وقد ساقها الشيخ بسياق يناسب ألفاظ المتكلمين لإقناعهم؛ لأنه الآن يعالج مرضاً، والكلام هذا لا يصح للأصحاء، ولذلك أنا لا أنصح طلاب العلم أمثالكم الذين سلمت -بحمد الله- عقائدهم وأفكارهم من هذه المعضلات الكلامية والمحارات الخوض فيها، فلذلك سنقتصد فيها، نقرأ قليلاً ثم نتجاوزها بعد قليل إلى القاعدة الثانية.
لكن قبل أن نخرج من هذه القاعدة أحب أن أنبه إلى أن الشيخ يقول: إن هؤلاء الفلاسفة وأهل الكلام ومن قلدهم من المعتزلة والجهمية ومتكلمة الأشاعرة والماتريدية لما أحرجوا بنصوص الصفات وقال لهم السلف: هذه نصوص صريحة صحيحة جاءت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، أخذوا يتحايلون في نفي الصفات بأوهام عقلية، من أجل أن يردوا بها الصفات ويتأولونها، فكان منهم من يرد، ومنهم من يتأول هذه الأوهام العقلية على أنها من مقتضى تعظيم الله وتقديسه، ومن مقتضى نفي التشبيه عن الله ، فقالوا: لا يجوز أن نتصور أن الله داخل العالم، أي: داخل المخلوقات، فنقول: نعم، فلا يليق أن يكون الله داخل مخلوقاته، بل ولم يقل بهذا من يحترم نفسه من عقلاء الناس، وأما أصحاب الهذيان والموسوسين من الفلاسفة فلا اعتبار لهم، لكن لم يقل أحد من عقلاء الناس: إن الله داخل العالم؛ لأنه مقرر في العقول السليمة والفطر المستقيمة وفي الشرع أن الله فوق السموات، فوق عرشه لا داخل المخلوقات.
стр. 100
ما وقع فيه من وصف الله بأنه لا داخل العالم ولا خارجه
وأما قولهم: ولا خارج العالم، فإنهم إنما قالوا ذلك خوفاً من إثبات الفوقية والاستواء، وإثبات الذات لله ، لأنهم إذا أقروا بأنه ليس داخل العالم فقد يكون خارج العالم، يعني: خارج المخلوقات، وهذا كلام في الحقيقة لا يليق أن نقوله في الله؛ لأن الله يجب أن نصفه بما وصف به نفسه لا نقول: خارج ولا داخل أصلاً، لكن ابتلينا بهؤلاء فنضطر من أجل أن نبسط هذه الأمور أن نتكلم بلغتهم على سبيل نفي الباطل.
قولهم: لا خارج العالم، يقصدون به نفي الاستواء والفوقية والعلو، وأن يكون لله وجود حقيقي بذاته، فلذلك قالوا: ولا خارج العالم.
ونحن نقول: ماذا تقصدون بقولكم: (ولا خارج العالم)؟ إن قصدتم بنفي الخارج أن يكون الله ليس بمستو على عرشه، وليس بعلي، فهذا خلاف النصوص وخلاف مقتضى العقول، وكذبتم، وإن قصدتم أننا لا نتصور له وجوداً كوجود العالم خارج العالم فنعم، ليس له وجود كوجود العالم، خارج العالم له وجود يليق بجلاله كما يليق بعظمته سبحانه.
إذاً: فهم من أجل أن يفروا من إثبات الصفات قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، وهذا لا يعقل أصلاً، بل ولا يقول به عاقل يحترم نفسه، كذلك: لا مباين ولا محايد إلى آخره، ولذلك قال أحد العقلاء لمن ادعى ذلك في الخالق: ميز لنا بين هذا الرب الذي تعتقده وبين المعدوم؛ لأنه الذي لا داخل ولا خارج ولا ولا هذا هو الذي لا وجود له.
كما أن الله مستو على عرشه فوق السموات، كما أخبر عن نفسه وأخبر عنه رسوله ﷺ ، وله وجود حقيقي يليق بجلاله، ولابد من هذه الحقيقة، وإلا فإن من تصور غير ذلك فلابد أن يبقى قلبه خاوياً لم يمتلئ بالإيمان الحقيقي، ولذلك كل أهل الكلام الذين تأملوا في حالهم بعد كبر السن أو بعد مدة طويلة وجدوا أنفسهم لا يعتقدون شيئاً، بل وصرحوا بذلك؛ لأنه إذا كنت تعتقد أن رباً ليس داخل العالم ولا خارج العالم، إذاً فأين يكون؟! لا وجود له، وكل الباطل يدور على هذه الفلسفة، لكن لا مانع أن نقرأ مقطعاً يكون فيه مثال وتوضيح، ثم نترك الباقي من الوساوس والأوهام؛ لأن عافية الله أوسع لنا.
стр. 101
القول بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه هو بمنزلة القول بأن الله لا قديم ولا محدث
قال رحمه الله تعالى: [فمن قال: لا هو مباين للعالم ولا مداخل للعالم فهو بمنزلة من قال: لا هو قائم بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدث، ولا متقدم على العالم ولا مقارن له.
ومن قال: إنه ليس بحي ولا ميت ولا سميع ولا بصير ولا متكلم؛ لزمه أن يكون ميتاً أصم أعمى أبكم.
فإن قال: العمى عدم البصر عما من شأنه أن يقبل البصر، ومن لم يقبل البصر كالحائط لا يقال: له أعمى ولا بصير.
قيل له: هذا اصطلاح اصطلحتموه، وإلا فما يوصف بعدم الحياة والسمع والبصر والكلام يمكن وصفه بالموت والعمى والخرس والعجمة.
وأيضاً فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأمور ونقائضها، فإن الله قادر على جعل الجماد حياً، كما جعل عصا موسى حية ابتلعت الحبال والعصي.
وأيضاً: فالذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصاً ممن لا يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها، فالجماد الذي لا يوصف بالبصر ولا العمى ولا الكلام ولا الخرس أعظم نقصاً من الحي الأعمى الأخرس].
نكتفي بهذا، ولا مانع من أن أقول وأؤكد مرة أخرى: لماذا نترك بقية هذا الكلام؟ لأني أشعر أنه يوقعنا في سوء الأدب مع الله ، ويوقعنا في قسوة القلوب، ويوقعنا في حرج نحن في عافية منه، ثم لماذا نناقش أناساً لا عقول لهم؟ يعني: أناساً يقولون في الرب هذا القول، فيكفينا أن نرد عليهم بإجمال، ونحمد الله على العافية.
ولذلك فإن كثيراً من هذه المقاطع التي تشبه هذا المقطع في التدمرية وفي غيرها نتجاوزها، وإذا كان في المنهج الذي كنا عليه في الدروس السابقة إذا بدأ الكلام في محارات، ورد على الرد، وقيل وقالوا، فإنما قصد به شيخ الإسلام أولئك القوم المرضى الموسوسين نسأل الله العافية، أما الأصحاء فلا ينبغي أن يوقعوا أنفسهم في هذه الشبهات.
стр. 102
القاعدة الثانية: وجوب الإيمان بكل ما أخبر به الرسول عن ربه، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف
قال رحمه الله تعالى: [القاعدة الثانية: أن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف؛ لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه.
وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصاً في الكتاب والسنة متفق عليه بين سلف الأمة.
وما تنازع فيه المتأخرون نفياً وإثباتاً].
هذه القاعدة من القواعد العظيمة، وهي من مقتضى ما يسلم به قلب المؤمن والمسلم؛ لأنها قاعدة ينبني عليها تأسيس الدين كله، ليس فقط في الصفات -الصفات أعظم ما يجب من المسلم تجاه ربه ، وهي أعظم مقامات التوحيد- وإنما بكل ما يتعلق بأسماء الله وصفاته والإخبار عنه.
стр. 103
الأربعة المباني التي تجب على المسلم تجاه النصوص الشرعية
هذه القاعدة تتلخص في أن ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ في أسماء الله وصفاته وأفعاله وجميع أمور الدين وجب التسليم له دون مناقشة؛ لأن الكلام فيها كلام عن أمور قطعية توقيفية غيبية، ولأنه لا يمكن أن يسلم للمسلم إيمانه حتى يخضع ابتداء، ويسلم بأن الخبر عن الله وعن رسوله ﷺ حق وصدق، ولابد من أن يبني في قلبه تجاه هذه النصوص أربعة مبانٍ: الأول: التصديق.
الثاني: التسليم بكل معانيه بمعنى: الإيمان والإذعان وقبول الخبر، والاستعداد الكامل للتصديق والعمل، وينبني هذا على التسليم.
الثالث: ثم بعد ذلك القبول، إذا سلمت فاقبل، لأن هناك من يدعي أنه يسلم لكنه لا يقبل.
الرابع: أنه لا يلزم من القبول الفهم، فما كل الناس يفهمون الدين، بل لا يوجد عالم بعد الرسول ﷺ يفهم الدين كله، لكن مجموع العلماء يفهمون الدين.
ولذلك قال النبي ﷺ : (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، لكن قد ينفرد بعض أفراد أهل الحق في ضلالاتهم وأخطائهم، وعلى هذا فلا يمكن أن يحيط أحد بالدين، ولا يلزم من قبول الدين أن تفهمه، بل يجب أن تقبله، فهمت أو لم تفهم، والنبي ﷺ قد بين هذا بياناً واضحاً في أكثر من حديث، ومن ذلك: حديث القدر، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: (إن النبي ﷺ لما رأى الصحابة يتجادلون في القدر قال: فما علمتم منه -يعني: من القرآن والسنة- فاعملوا به، وما لم تعلموا فردوه إلى عالمه)، يعني: قولوا: الله أعلم، ولا تجادلوا فيه.
إذاً: لا يلزم من القبول الفهم، وهذه نقطة مهمة جداً، فبعض الناس إلى اليوم وخاصة أصحاب النزعة العقلانية إذا ما يفهم لم يؤمن ولم يسلم، وإنما يجادل ويشكك في كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، ولذلك فإن الدين كله لم يستوعبه إلا المعصوم ﷺ ، أما بقية البشر فلا، بل أعلم العلماء في الأمة لا يستوعب الدين كله، فتجد عنده نقصاً في أمور.
وعليه فلابد أن يكون الأمر مبنياً على التسليم، والمسلم إذا غرس في نفسه هذه القاعدة، فإن أي خبر يأتيه عن الله في أسمائه وصفاته، في القرآن أو ثبت في الصحيح، فإنه يسلم ويذعن، ويوقن أن خبر الله حق، وخبر رسول الله ﷺ حق.
ثم إن القصد من دراسة أسماء الله وصفاته العمل؛ لأن كثيراً من طلاب العلم قد تجاوز هذا الأمر الخطير، لذا فعندما نتعلم أسماء الله وصفاته وأفعاله إنما المقصود تعظيم الله سبحانه، وغرس معاني الإيمان في قلوبنا؛ لأنه ما من صفة واسم لله إلا وفيه معان، إذا امتلأ بها القلب تحقق معنى الإيمان في المسلم، وكذلك نقصد تزكية أعمالنا، وكذلك المسلم إذا سلم بهذه القاعدة فلا يمكن أن يؤول، ولا يمكن أن يثير شكاً في أسماء الله وصفاته، ولا يمكن أن تشكل عليه ألفاظ الأسماء والصفات، وما ذكره الشيخ هو ما ينطبق على الحديث السابق، فهو أحسن مثال له وأقرب مثال، فإذا جاء هذا الحديث نسلم بأنه حق، وأن النبي ﷺ أخبر بالصدق ونقبله، ولا يلزم من إيماننا أن نفهم.
إلى الآن العلماء يتكلمون في الحديث فهموا منه الحقيقة؛ لكن الكيفية أنى لأحد أن يفهمها؛ لأنها أمر غيب، كيف يكون ذلك؟ لا ندري، ولا يلزم أن ندري، ولا نستطيع أيضاً أن نتوصل إلى ذلك.
стр. 104
الأقوال المجملة لأهل الأهواء والبدع تشتمل على حق وباطل
قال ﵀: [وما تنازع فيه المتأخرون نفياً وإثباتاً].
يقصد بهذه العبارة: ما أحدثه أهل البدع والأهواء من الألفاظ والمعاني عن الله التي لم ترد في الكتاب والسنة، مثل: نفي التشبيه، أو نفي العرض، أو نفي الجوهر، أو نفي الحدوث، إلى آخر الألفاظ التي ما عرفناها في الكتاب والسنة، وكانت النتيجة أن تنازع فيها المتأخرون الذين خالفوا منهج السلف، لكن ما أحدثها الأوائل، ولا تنازع فيها السلف.
стр. 105
التفصيل في الكلام على الجهة والحيز ونحوهما
قال ﵀: [وما تنازع فيه المتأخرون نفياً وإثباتاً، فليس على أحد بل ولا له أن يوافق أحداً على إثبات لفظه أو نفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقاً قبل، وإن أراد باطلاً رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقاً ولم يرد جميع معناه].
قوله: (وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقاً ولم يرد جميع معناه) أي: إذا أطلق الجسم الجوهر العرض الجهة المباينة المفاصلة خارج العالم داخل العالم، وغيرها من هذه الوساوس والأوهام هذه إذا اشتملت على حق وباطل فإننا لا نقبله كله ولا نرده كله، فإذا جاءنا مبطل ونفى الجهة، فإن الأمر يحتاج إلى تفصيل، فنقول له: ماذا تقصد بالجهة إن قصدت بالجهة: أن الله مستو على عرشه، بائن من خلقه، فوق سماواته، فهذا حق، لكن لا نسميه جهة، فأنت الذي سميته جهة! وإن قصدت بالجهة: أن الله سبحانه نحيط به جهة، فهذا غير معقول أصلاً، ولم يقل به أحد من أهل الحق ممن ينتسبون للإسلام والسنة والجماعة حتى تأتي لتتشدق به عندنا.
وعلى أي حال فالمقصود هنا: أن أي لفظ لم يرد في الكتاب والسنة فلا نرده مطلقاً ولا نقبله مطلقاً، بل نفصل.
قال رحمه الله تعالى: [بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى، كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك.
فلفظ: (الجهة) قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقاً، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السموات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم].
هذا التفصيل فيه نعم ولا؛ إن أريد به شيء موجود غير الله من المخلوقات فهذا ينفى عن الله؛ لأن الله غير حال في المخلوقات، وإن أريد بالجهة أيضاً العرش أو السموات وقيل: إن الله ليس بجهة، أي: ليس فوق عرشه، وليس فوق سمواته، فهذا يرد، وإن أريد بالجهة نفس العرش على أنه جهة أيضاً، فهذا لا يقبل، على أنه يسمى العرش جهة، لكنه مخلوق.
ولا شك أننا حينما نقول إنه فوق عرشه، يعني: أنه فوق المخلوقات؛ لأن العرش فوق جميع المخلوقات، والكرسي محيط بجميع المخلوقات.
فإذاً: كلمة: (جهة) إن أريد بها إثبات العلو والفوقية فنثبت العلو والفوقية، لكن نلغي كلمة جهة؛ لأنها محدثة، فنسمي الوصف العلو والفوقية، وإن أريد بالجهة مكاناً يحوي الله ، فهذا باطل ومنفي في حق الله .
قال ﵀: [ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ: (الجهة) ولا نفيه، كما فيه إثبات (العلو) و (الاستواء) و (الفوقية) و (العروج إليه) ونحو ذلك.
وقد علم أنه ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق ، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلاً في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات.
وكذلك يقال لمن قال: الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم؟ أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فان أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل].
أي: أننا لا نثبت لله شيئاً اسمه: الجهة، ولا ننفي عن الله شيئاً اسمه: الجهة؛ لأن هذا كله لم يرد في الكتاب والسنة، مع أن كلمة: (جهة) لها معان عدة، والمعنى الحق نثبته ونرده إلى اللفظ الشرعي، والمعنى الباطل نرده مطلقاً، ومثل ذلك: كلمة (متحيز) و (مباين) وغير ذلك من الألفاظ المحدثة التي لا تثبت لله .
قال رحمه الله تعالى: [وكذلك لفظ: (التحيز)، إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر، بل قد وسع كرسيه السموات والأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: (يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟).
وفي حديث آخر: (وإنه ليدحوها كما يدحو الصبيان بالكرة)، وفي حديث ابن عباس: (ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم).
وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي: مباين لها، منفصل عنها، ليس حالاً فيها، فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه].
تلاحظون بحمد الله وضوح السنة، والشيخ ﵀ يقرر ثم يستدل بأدلة صحيحة، لذا يجب علينا تجاه هذه النصوص أن نستصحب الأصل دائماً، ولا ننسى أن الله ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، بمعنى: إذا جاءت مثل هذه النصوص فإننا نثبتها على ما يليق بجلال الله ، فمثلاً: قول النبي ﷺ : (يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه)، هذا حق، لكن يجب أن ننفي المشابهة التي ترد في أذهاننا، وأقول هذا لأني أدرك أن بعض الناس إذا وردت عليه آيات الصفات تخيل في ذهنه
стр. 106
الأسئلة
стр. 107
بيان الفرق بين الفلاسفة والمتكلمين في العقائد وأصول الفقه
السؤال
ما الفرق بين الفلاسفة والمتكلمين في العقائد وفي أصول الفقه؟ وهل يشبهون المعتزلة أم لا؟
الجواب
الفلاسفة هم الذين يتخرصون في أمور الغيب، وهم الذين لا ينهجون نهج الأنبياء، بل غالبهم من خصوم الأنبياء، فهم من الخراصين الذين جعلوا أوهامهم فيما يتعلق بعالم الغيب حقائق، وزعموا أنها عقليات، كما قد يتوسع بعض الناس في مفهوم الفلاسفة فيدخل فيهم طوائف ممن يتكلمون في بعض العلوم، كالفلك والطب؛ لأن الفلاسفة إضافة إلى كلامهم في الغيبيات يعنون بهذه العلوم، لذا فقد اختلطت المفاهيم عند الناس، وأعني بذلك: الفلاسفة الخلص لا من عنده نزعة فلسفية؛ لأن النزعة الفلسفية قد توجد في كثير من أصحاب العلوم الأخرى، وعلى هذا فإن الفلاسفة لا يلتزمون الشرع، وهذا هو الأصل فيهم، فلا عقيدة ولا شريعة إلا النادر، والنادر لا حكم له.
أما أهل الكلام فيقصد بهم طوائف من المسلمين الذين تأثروا بالنزعات الفلسفية، وأرادوا أن يوفقوا بزعمهم بين الشرع والعقل، أو بين الشرع والفلسفة، فوقعوا في منهج تلفيقي جعلهم يخرجون عن مقتضى السنة، وهم ليسوا فلاسفة خلص، وليسوا على نهج السنة، وإنما هم قوم خلطوا بين مناهج الفلاسفة من وجه وبين الشرع من وجه آخر، والخلط لا يستقيم.
فلذلك ما استقام لهم الأمر، وصارت مناهجهم مخالفة لمناهج السلف في العقائد.
وأما في أصول الفقه فلا أثر واضح للفلاسفة إلا من حيث أن أصول الفقه دخلت فيه كثير من المسائل الكلامية التي تأثر أصحابها بالأصول الفلسفية، بينما المتكلمون هم الذين لهم أثر في أصول الفقه.
وأما هل يشبهون المعتزلة؟ فالمعتزلة طائفة متكلمة، بل هم أهل الكلام الخلص، بينما متكلمة الأشاعرة والماتريدية والكلابية ونحوهم إنما هم عالة على المعتزلة؛ لأنهم -والله أعلم- يعتمدون على العلوم الرياضية والمنطقية، وعلم الفلك قديماً فيه نوع من القرب من الجانب المنطقي، هذا أمر.
الأمر الآخر: أن علم الفلك علم علوي، وهم يزعمون أن لهم قدرة على اكتشاف الأمور العلوية، لذلك تعلقوا بالفلك، أما تعلقهم بالطب فلا أدري ما سببه؟ لكن ربما هذا راجع إلى أن الفلاسفة الأوائل لهم عناية بالطب، فاستمر الفلاسفة الذين بعدهم على هذا النهج، والله أعلم، إنما العلوم الطبيعية التطبيقية لهم عناية بها في الجملة أو في العموم، حتى غير الطب كالكيمياء والفيزياء إلى آخره.
стр. 108
علاقة القول بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه بوحدة الوجود
السؤال
هل قول المتفلسفة والمتكلمين بأن الله ليس بداخل العالم ولا خارجه هو مرادف لما يسمى بوحدة الوجود؟
الجواب
بينهما تداخل وتشابه وتلازم، فإن كثيراً من أصحاب وحدة الوجود قد يقولون بهذا القول؛ لأن أصحاب وحدة الوجود أيضاً ليسوا على تصور واحد في قولهم في الله ، فبعضهم يزعم أن هذا الوجود هو الله، وأنه متحد فيه أو حال فيه، وعلى هذا فإنه قد يعبر بهذا التعبير لهذا المقصد، ومنهم من يرى أن وجود الله إنما هو وجود ذهني، فأيضاً ممكن أن ينطلق منهم هذا الوصف: أنه لا داخل العالم ولا خارجه، والمهم أن هذا ليس من لوازم قول وحدة الوجود، وإنما قد يلزم من بعض الوجوه.
стр. 109
بيان الفرق بين المفوضة وبين من يقول: يجب التسليم بصفات الله مع شرط فهمها
السؤال
بالنسبة لصفات الله يجب التسليم بها بشرط فهمها، لكن بعض السلف يذم من يسمى بالمفوضة، فما الفرق بين هؤلاء؟
الجواب
التسليم بما جاء في حق الله من الأسماء والصفات والأفعال أمر ضروري لكل مسلم، والفهم المشترط قد يقصد به: الإيمان بأن أسماء الله وصفاته وأفعاله حقائق، لا فهم التفصيلات والكيفيات؛ لأن ذلك مستحيل، ولا ينبغي للمسلم أن يطمح إليه، بل حتى الخوض فيه بدعة.
وأما المفوضة فإنهم لا يثبتون إثباتاً حقيقياً، وليس عندهم يقين في الإثبات، فهم متذبذبون، بل إن غالبهم لا يثبت أصلاً؛ لذا سموا مفوضة؛ لأنهم يقولون: نفوض المعنى، أو نفوض الحقيقة، وهذا غير صحيح؛ لأننا إذا فوضناها فقد أثبتناها، فنحن نثبت المعنى ونثبت الحقيقة، لكن على ما يليق بجلال الله ، ونفوض الكيفيات والمعاني الغائبة عن أذهاننا، ولا نتكلم فيها تفصيلاً، لكن نقر بأنها حق على ما يليق بجلال الله .
إذاً: التفويض لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى عدم اليقين.
стр. 110
شرح العقيدة التدمرية [١٠]
عند التصدي لكلام أهل الأهواء في الأسماء والصفات لابد من مراعاة التفصيل، وذلك حتى يتميز الحق من الباطل، فإن كثيراً مما يوردونه من الألفاظ نفياً وإثباتاً قد يراد به معنى صحيح وقد يراد به معنى باطل.
следующие страницы →