Полный текст (74 стр.). Показаны 36–74 · переход к 41.
стр. 36
نظرة العقلانيين إلى ثوابت الدين
إذاً: واضح موقفهم من المرجعية الشرعية، ومحاولة إسقاطها، لكن يأتينا سؤال آخر: هل لهم موقف واضح من ثوابت الإسلام وأصول الاعتقاد؟ الشيخ: كل كلامنا حول هذا الموضوع، وقد يطول الكلام في هذا، لكن المستقرئ لتراث أو إنتاج هؤلاء العلمي يدرك ذلك، وقد تذهب الكلمات العابرة، والمشاركات العابرة في الفضائيات أو في غيرها قد تكون نتيجة ارتجالات، ولكن سنحاكمهم إلى الكتب والمقالات والبحوث.
فسنجد -إذا نظرنا إلى مجموع ما يكتبون وما يقولون وما يبحثون وما يطرحونه طرحاً جاداً- أنهم يرون أن جميع ثوابت الدين ليست ثوابت؛ بمعنى أنها قابلة للنظر.
المقدم: كأنها متغيرات عندهم.
الشيخ: قابلة للنقاش.
الشبهة الثانية -وهي الأخطر: أنهم يزعمون أو بعضهم أو كبارهم- أنه لا شيء هناك يتفق عليه، وأخص بذلك الحداثيين، فالحداثيون يزعمون أن كل شيء متغير، وأن الثوابت هذه ما هي إلا تقارير وأوهام وأساطير التاريخ.
وهذا ناتج عن زيغ إن كان متعمداً، أو عن جهل مطبق ولذلك قلت: هؤلاء أغلبهم من أصحاب الجهل المركب؛ لأن المرء منهم جاهل ولا يدري أنه جاهل بالدين.
إذاً: هم يقولون: مساحة الثوابت غير مستقرة، وهذا فهم خاطئ، فنحن نقصد بالثوابت الأمور المستقرة الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.
وإن اتسع وقت المستقبل -إن شاء الله- فسأسرد نماذج الثوابت التي لا خلاف عليها؛ لأجل أن يفهم أني لا أتكلم من فراغ.
المقدم: حتى لا يقال: يتكلم عن علم ولا يعرفه.
الشيخ: مثلاً: أركان الإيمان، فهم عندهم شك في بعض أركان الإيمان، فيخوضون في القدر وينكرونه.
وعندهم شك في مسألة النبوة والوحي، فالوحي يهدمونه هدماً، وأصلحهم -إن صح التعبير- ممن أعرف من الكبار يقول: الوحي عرفان يجده الشخص من نفسه، وقد لا يُفهَم هذا الكلام بدقة، لكن قصدي أنه يرى أن الوحي صادر عن بشر، وهذا من كبارهم ومن مراجعهم في العصر الحديث.
الأمر الآخر: أنهم يكثرون الشكوك حول الثوابت، فبعضهم قد لا يستطيع أن يهدم، ولكنَّه يشكك، ويدخل في محارات الأمور المعضلة حول الثوابت ليثير الشبهات.
стр. 37
أنموذج الحدود شاهد على تجاوز العقلانيين لثوابت الدين
المقدم: لو أخذنا مثالاً حتى يتضح كيف يحاولون أن يشككوا في هذه الثوابت.
الشيخ: مثل الحدود، أليست من ثوابت الدين؟ المقدم: بلى! الشيخ: أغلبية العلمانيين لا يطيقون مجرد أن تتكلم عن الحدود، فكيف تكون ثابتاً من الثوابت عندهم؟! ولا يتصورون أن الحدود تصلح في هذا العصر؛ ولذلك عطلت في أكثر البلاد الإسلامية، وأما في بلادنا -ولله الحمد- فلا تزال قائمة، وأنا أسأل الله أن يثبت ولاتنا على هذا المنهج، وأنا أعرف أن الدولة -وفقها الله لكل خير- تلقى من المضايقات والهجوم الشيء الذي تحمد على الصبر عليه، فقد صبرت وصابرت ولا تزال تدافع، وبدلاً من هذه الأقلام التي تسلط على الحدود نحتاج إلى هذه الأقلام التي تدافع عن الشرع وعن الحدود.
فهم لا يستسيغون الحدود، ويرون أنها من الأمور التي طبقت في عهد من العهود الإسلامية ولا تصلح في هذا العصر؛ فلذلك سموا بالعصرانيين.
المقدم: من أنكر حداً من الحدود فما حكمه يا شيخ؟ الشيخ: الحدود الثابتة لا شك في أن إنكارها.
المقدم: إذاً: هم على خطر عظيم، فهي مسألة إسلام أو كفر.
الشيخ: هذه من الأمور التي ليست محل خلاف، ولئلا يلتبس الأمر علينا، يجب أن نعرف أن الكفر كفران: كفر لا مجال للنقاش فيه؛ ككفر من لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وككفر إنكار الثوابت، ومنها الحدود، وهناك كفر هو محل خلاف.
فأغلب صور الكفر هي محل خلاف، وكفر دون كفر.
إذاً: فإنكار حد من حدود الله كفر لا شك فيه، وهذا محل إجماع بين العلماء المعتبرين.
стр. 38
نظرة العقلانيين إلى الوحي والنبوة
المقدم: لكننا نلحظ في موقفهم من القرآن الكريم هم لا ينكرون القرآن، ولكن يحاولون أن يفسروه بتفسير خاص لهم.
الشيخ: ينبغي أن نسلسل أفكارهم بإيجاز حول نظرتهم إلى الوحي كله: القرآن والسنة.
فنظرتهم غالباً تقوم على أن هذا إنتاج إنساني، فالنبي ﷺ عندهم رجل عبقري، يقول هذا من يحسن الظن منهم بالنبي ﷺ ، وإلا فبعضهم قد يرميه ببعض النقائص.
المقدم: رجل عبقري؟! يعني: ليس بنبي عندهم؟! الشيخ: النبوة عندهم تعني أنه اشتمل بقوة عبقريته وحدسه وقوة فراسته على الوحي؛ فصار هذا هو النبوة.
المقدم: هذا عند الغلاة منهم؟ الشيخ: هو -حسب تقديري- في الأغلبية، لكن بعضهم لا يعبر بهذا التعبير، وبعضهم يوجد في مفاهيمه، فليس هذا كلامه، لكن هذا لازم كلامه، فلازم موقفهم أنهم يرون أن النبوة ما هي إلا عبقرية، وما هي إلا جهد إنساني من إنسان فذ يسمونه مصلحاً.
وكذلك القرآن لا يرون أنه كلام الله حقيقة، وهنا امتداد لقول المعتزلة، لكن قد لا يفقهون قول المعتزلة بحذافيره، يعني: يرون أن القرآن نتيجة البيئة ومؤثراتها ونتيجة حلول مشكلات معينة، وليس عندهم تصور أن القرآن كلام الله، وأنه -أيضاً- يتضمن شرع الله، وأن القرآن دستور الحياة إلى قيام الساعة، وأن القرآن يعالج جميع أمور الحياة صغيرها وكبيرها، ليس عندهم هذا التصور.
стр. 39
منهجية دعوى الفهم الخاص للقرآن عند العقلانيين
المقدم: بعض العقلانيين عندنا قد يقول: أنا أؤمن بالله ، وأؤمن بالنبي ﵊، وأؤمن بأن القرآن هو كلام الله، لكن هذا القرآن فهمه أبو بكر ﵁ بفهمه الخاص، وفهمه الحسن البصري كذلك، وأفهمه أنا بفهم خاص! الشيخ: هذه من معضلاتهم، وهذا دليل جهلهم؛ فنصوص القرآن وما صح من السنة منها ثوابت ليست قابلة للجدل في نصها ومفهومها، وليست محلاً للنقاش.
ومنها نصوص هي عبارة عن قواعد للشرع، فتطبيق جزئيات الحياة على ضوئها يحتاج إلى اجتهاد المجتهدين الذين يملكون القدرة على الاجتهاد، لماذا؟ لأن النصوص يفسر بعضها بعضاً، ويبين بعضها بعضاً، ويخصص بعضها بعضاً، وبعضها ناسخ وبعضها منسوخ، فمن الذي يستطيع أن يميز بعضها عن بعض؟ إنه العالم الذي يدرك هذا كله.
ثم إنهم ليس لهم قاعدة في الاجتهاد، بمعنى أن فقهاء الإسلام كلهم عندهم قواعد في الاجتهاد منضبطة بضوابط الشرع، وأما هؤلاء فليس عندهم قاعدة.
ثم إننا لو تركنا كلاً يفسر القرآن برأيه؛ فمعنى هذا أننا أسقطنا المرجعية الأساسية، مرجعية الرسول ﷺ الذي فسر القرآن بقوله وفعله وتقريراته، وكذلك الصحابة الذين أمر النبي ﷺ بأن يكونوا قدوة، وكذلك سبيل المؤمنين، فهذا عبارة عن حيدة عن الدين بحيلة، وخروج عن مقتضى الدين بحيلة أني أفهم كما يفهمون، وأننا رجال كما أنهم رجال، ولكن هل الرجال كالرجال؟! المقدم: وهذا فيه إسقاط لثوابت الإسلام ونصوص الشريعة.
الشيخ: لا شك في أن أكبر وسيلة مريحة لهم تقرب لهم سبيل الهدم هي أنهم يقولون: هذه النصوص ننظر إليها كما ينظر إليها الآخرون.
فنقول: نعم، تنظرون إليها بشروط، فأنا -مثلاً- لست متخصصاً في الأدب؛ لأجرؤ على أن أتناول النقد الأدبي كما يتناوله أصحابه، ولو تجرأت عليه لعابوني كلهم، فكيف بالشرع؟! وكيف بالدين الذي له قواعد وأسس شرعية ثابتة، رسمها القرآن ورسمها النبي ﷺ ورسمها سلف الأمة؟! فلماذا يتجاوزون التخصص في القول على الله بغير علم وهم من أكثر الناس حرصاً على أن لا ينقدوا في جوانب التخصصات الأخرى؟! إن الأديب لا يقتحم الطب، ولو اقتحمه عابه أصحابه قبل الآخرين، فلماذا يقال في الشرع الذي هو دين الله وله أسس ثابتة في الاستدلال بغير علم؟ كيف نأخذ بالنصوص؟ وكيف نستدل بها؟ وكيف نعرف النص الذي يستدل به والنص الذي لا يستدل به؟ إنها أمور يعرفها كل عاقل بفطرته.
فهم تجاوزوا الحق بدعوى أننا نجتهد كما يجتهد الآخرون.
стр. 40
موقف العقلانيين من شمولية الشريعة
المقدم: ننتقل إلى نقطة أخرى جوهرية في هذا الموضوع، وهي أن لهم موقفاً تجاه الصلة بين الدين والحياة، وتجاه شمولية هذه الشريعة، فما تعليقكم على ذلك؟ الشيخ: هم درجات، لكن غالبهم لا يرون أن الدين يحكم جميع أمور الحياة.
المقدم: هذا الغالب.
الشيخ: هذا الغالب، وهذا هو المنهج الذي هم عليه، لكن منهم أناس فيهم تدين تأثروا بالفكر، ومنهم أناس يدارون الآخرين، ومنهم أناس يستصعبون إخراج المجتمعات مما ألفته؛ فيأتون ويقولون: نحن نأخذ بعموم الدين، لكن الدين مفاهيم عامة، وقواعد، ونظم مشتركة، فدعونا من الجزئيات.
فيتنصلون من الدين بهذه الدعوى، وأغلب هؤلاء من أصحاب الغفلة، أغلبهم ليسوا من أصحاب النيات والأهواء، بل من الذين انخدعوا بهذا التوجه.
المقدم: كأنك تشير إلى -يا شيخ- أن أغلبهم يريدون فصل الدين عن الحياة.
الشيخ: هذا هو الأصل عندهم، فصل الدين عن الحياة جزئياً أو كلياً هو الأصل عندهم، وهذا هو المنهج، لكن يتفاوتون.
المقدم: لكن عندما ننظر الآن إلى نظرتهم لشمولية الشريعة، وأن الدين لا بد له من أن يسود جميع نواحي الحياة، ألا يرى هؤلاء القوم -من خلال معرفتك لهم -يا شيخ- ودراستك حول هذا الموضوع والبحث في هذا الأمر- ألا يرون أن هذا يعد من الكفر، أي: فصل الدين عن الدولة، أو عن الحياة.
الشيخ: المشكلة أن هؤلاء بعيدون عن قضية الكفر، لا يميزون بين الكفر وغير الكفر، وأغلبهم يتعاطف مع الكفار من حيث طرح مناهج الحياة أكثر من تعاطفه مع المسلمين.
إن المسلمون عندهم مشاكل جعلت هذا الصنف يحكم على المسلمين من خلال مشكلاتهم، ولا يفصل الدين عن واقع الناس، فالناس انحرفوا، وكثير من المسلمين انحرفوا، فهو يحكم على الدين من خلال واقع الأمة، فمن هنا تجد ميله إلى الغربيين وميله إلى الكفار أكثر من ميله إلى المسلمين.
كما أنهم ليس عندهم تمييز حدي بين الإسلام والكفر، ولا بين المسلم والكافر، فكيف نتصور منه أنه يرى أن عزل الدين عن الحياة كفر؟! إنه يرى أن عزل الدين عن الحياة من سنة التطور، ومن مقتضى الحياة، وفحوى الشريعة، وانظر إلى هذه الكلمة المائعة، فما معنى فحوى الشريعة؟! إنه الهوى.
стр. 41
أعمال الإسلام الظاهرة لا تشفع للأفكار الخبيثة
المقدم: بعضهم يقول: يا جماعة! أنتم تصفوني باللبرالي أو العقلاني مع أني أصلي وأصوم وأزكي وأحج مع المسلمين، فهل هناك تعارض بين هذه الصفة وهذه الأفعال؟ الشيخ: أولاً: يجب أن نفرق بين الصفة بالعموم وبين الأفراد، فنحن نتكلم عن مناهج وعن جماعات أو فرق أو أحزاب أو توجهات، ولكن عندما نأتي للأفراد يجب أن نتثبت ونتحقق.
المقدم: أهل هذا التوجه بعمومهم يقولون: نحن نصلي وندين الله ، ولكن هذه أفكار عامة لنا.
الشيخ: علينا أن نحكم موازين الشرع، فالشرع ما دل على أن إقامة الصلاة فقط هي الدين، وما دل على أن إقامة شعائر الإسلام الظاهرة فقط هي التي تحتسب ديناً.
إن إقامة الشعائر العامة يستوي فيها المؤمن الكامل مع المنافق الذي هو في الدرك الأسفل من النار، الذي ذنبه أعظم من ذنب المشرك.
فليس كل من جاء ليخدعنا بمثل هذا الأسلوب ننجرُّ معه ونقول: أي والله هو يصلي ويصوم! نعم نحن لا ندري بحاله كفرد.
وأوجه كلامي للإخوة المشاهدين، فأقول: الفرد ما أمرنا بتتبع حاله، لكن إذا ادعى هذه الدعوى فهو الذي ورط نفسه، فإذا قال: هذه أفكاري، لكني أصلي وأصوم؛ فإنا نقول: نحكم عليك من الوجهتين: فكونك تصلي وتصوم يجعلك من المسلمين ظاهراً، لكن حينما أعلنت الفكر الآخر حكمت على نفسك، ونقضت عملك بقولك أو بعملك.
فإذا كان الدين يشمل الأمور العبادية وغير العبادية؛ فسنحاكمهم بأفكارهم، وإن صلوا وصاموا، أو أقروا بالصلاة والصيام، مع أنهم في عمومهم -نسأل الله أن يهديهم- من أبعد الناس عن إقامة شعائر الإسلام.
стр. 42
الاحتكام إلى الموازين الشرعية قاعدة الحوار مع العقلانيين
المقدم: منهم من حاول أن يستدل على مناهجه بأدلة شرعية هو يراها، كما في كتاب (الإسلام وأصول الحكم) وغيره، ويقول: كما أنكم -أيها العلماء- ألفتم فنحن ألفنا.
الشيخ: نحن نحكم الموازين الشرعية في هذا وذاك، والموازين الشرعية ليست قولي ولا قوله، إنما الموازين الشرعية هي مقررات الإسلام، فينبغي عليه أن يتعلم مقررات الإسلام، فإن خضع لها تحاكمنا إليها، وإن لم يخضع لها فمعنى ذلك أن نبحث عن الحد الأدنى لنتفق نحن وإياه عليه ثم نتدرج معه، وهذا يسمى أسلوب الحوار، ولذلك أرجو من الشباب من طلاب العلم الذين يدخلون في الحوار ألا يستعجلوا في الحوارات، بل ينبغي أن يعرفوا أسلوب الحوار والجدل وطريقته.
فلكل فئة من الناس أسلوب في الحوار، فهؤلاء العلمانيون واللبراليون ونحوهم من أصحاب هذا التوجه يحتاجون الآن إلى تخصص ينبري لهم، وقد ظهرت الآن دراسات جيدة ورسائل، ولكنها ما وصلت إلى حد وضع أساليب التطبيق بالشكل الكافي، فأنا أقول: يمكن أن نجيبهم على هذا فنقول: إلى أي شيء نحتكم؟ فسنأتي لهم بأولويات الإسلام، وبأوليات الثوابت، ونتدرج معهم، فما أقروا به نقف عنده، ثم نناقشهم على ضوئه، وإلا فسيبقى الكلام عائماً، وهذا عبارة عن ضياع للوقت فعندما يدعي أنه كذا وكذا ثم نأخذه بدعواه، فإننا نتحقق من دعواه، فهل دعواه صادقة، فإذا قال: أنا أحتكم للكتاب والسنة نقول: إذاً ما طريقة رجوعك إلى الكتاب والسنة؟ المقدم: كأنك تنادي -يا شيخ- بإيجاد دراسات وكتب تحاول أن تأخذ شبهات هؤلاء القوم وترد عليها بطريقة حوارية.
الشيخ: منهجية وعلمية، هذا الذي أرى أنه ملح الآن.
стр. 43
موقف العقلانيين من التدين والالتزام
المقدم: المسألة الأخيرة التي نريد أن نتوقف عندها لأن لها صلة بهذا الموضوع هي التدين، فهل عندهم مشكلة مع التدين؟ الشيخ: لا شك، فهذه تنتج عن تلك، هذا شيء.
الشيء الآخر: أن أغلبهم أصحاب أهواء، وأغلبهم ممن يحبون الشهوات، ولا يقعون فيها فحسب، فكثير من المؤمنين يقع في الشهوات، ولكن لا يحبها، بل ينفر منها، تجد المتدين قد يقع في شهوة أو يقع في فجور -لا قدر الله-، لكنه يوجد عنده تأنيب ضمير، وأما هؤلاء فمنهج أغلبهم يقوم على استسهال هذه الأمور، على التساهل، وعلى التمييع، وعلى التفريط، هذا هو الأصل.
وبناء على هذا فمن الطبيعي أن أي إنسان له مسلك في الحياة ينفر مما يكون ضد مسلكه.
فهم يستسهلون الشهوات، خاصة فيما يتعلق بالمرأة وتبرج المرأة، فقضية المرأة أقام أكثرهم الدنيا من أجلها ولم يقعدها.
فهو فقط يريد أن يحرر المرأة، أو يريد أن يتمتع بالمرأة، وأنا أقول: هذا هو الغالب من خلال كتاباتهم، وما أدينهم إلا من كتاباتهم، فغالبهم يريد التمتع، ولأجل ذلك هل تجدهم يكثرون الكلام عن المرأة كجدة؟ المقدم: أبداً! الشيخ: أو كطفلة؟ المقدم: أبداً! ولا عن حقوق الزوجة.
الشيخ: لا، المرأة يريدونها سكرتيرة، أو مذيعة، هذا هو الغالب.
إنني أعلم أناساً هناك يدافعون عن قضايا المرأة، ونحن نعلم أن للمرأة قضية وللرجل قضية.
ولذلك أقول طرفة ينتقدني بعض الناس فيها، وهي أنه إذا كان حجم ظلم المرأة (٧٠%)، فمعنى ذلك أن هناك ظلماً للرجل قد يكون بنسبة (٣٠%)، فلماذا لا يكون للرجل جمعية؟ المقدم: ليس لهم هوى في هذا الأمر.
الشيخ: ما لهم هوى.
المقدم: نكمل -يا شيخ- موقفهم من التدين في الحلقة القادمة.
الشكر الجزيل لك شيخ ناصر.
باسمكم جميعاً -مشاهدينا الكرام- نتقدم بالشكر الجزيل لفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل، أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
وفي الحلقة القادمة نكمل هذا الموضوع، ونناقش موضوعاً حساساً وهاماً، وهو موقف العقلانيين من المرأة عموماً، والمرأة المسلمة خصوصاً.
وإلى أن نلتقي بكم في حلقة قادمة نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 44
الاتجاهات العقلانية المعاصرة أصولها ومناهجها [٣]
لقد ركب أرباب المدرسة العقلانية وأتباعهم موج الضلال الهادف إلى خلع ربقة التدين عبر نظرتهم الاحتقارية للمتدينين، واعتبارهم التدين أمراً تاريخياً، ومسايرة الغرب في الطعن في الدين، ورفع شعار الرأي والرأي الآخر في كل قضية دينية ودنيوية، والمناداة بحقوق المرأة المحققة لشهواتهم، ورميهم علماء الإسلام بالإقصائية والعدوانية، وغير ذلك من المسالك الخبيثة التي يسعون بها لتحقيق مآربهم.
стр. 45
سبب ضعف التدين والنفرة من المتدينين عند ذوي الاتجاهات العقلانية
стр. 46
النظرة الدنيا المحتقرة لمضامين الشريعة
بسم الله الرحمن الرحيم.
مشاهدينا الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامجكم: (حراسة العقيدة).
تتميز دعوة الأنبياء بتقديس الكتب المنزلة من عند الله تعالى، وقد أتى هذا الوحي موافقاً للعقول السليمة والفطر المستقيمة، أما دعاة العقلانية فقد دعوا إلى تقديس العقل البشري مع نقصه، وتوهموا التناقض بين العقل والنقل.
وللعقلانيين مواقف من قضايا عديدة، أشرنا إلى بعضها في حلقات سابقة، وسنحاول أن نجيب في هذا اللقاء عن عدد من الأسئلة.
فهل من مشكلة بينهم وبين التدين ومظاهر الصلاح؟ وما حقيقة دعوتهم لحقوق المرأة وتحررها من القيود الاجتماعية؟ وما السر وراء شعارات حرية الرأي والرأي الآخر الإقصائية، وغيرها من اللافتات التي يرفعونها؟ في حلقة (الاتجاهات العقلانية المعاصرة أصولها ومنهجها) سيكون محور حديثنا مع الأستاذ الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل، أستاذ العقيدة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
أهلاً بكم فضيلة الشيخ.
الشيخ: أهلاً بك وبالمشاهدين.
المقدم: شيخنا الكريم! تحدثنا عن بعض الموضوعات والقضايا الأساسية، وهذه الحلقة تعتبر الحلقة الثالثة في هذا الموضوع: (الاتجاهات العقلانية المعاصرة أصولها ومنهجها).
في نهاية الحلقة السابقة تحدثتم -حفظكم الله- حول مسألة هامة، ألا وهي: موقفهم من التدين، وأخذنا منكم وعداً باستكمال هذا الموضوع في هذه الحلقة بإذن الله تعالى.
الشيخ: الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فموقفهم من التدين هو ثمرة المنهج الذي يقوم عليه هذا الاتجاه بمختلف طوائفه وأطيافه.
فنظراً لأن نظرتهم للدين نظرة دونية، وغالباً ما تكون نظرتهم للحياة وللإسلام على أساس تغليب الرأي الشخصي والهوى، أو المؤثرات.
وربما تكون المؤثرات الخارجية في هذا العصر هي الأشد، بمعنى أنهم غالباً يستقون أصولهم ومناهجهم ومفاهيمهم وأطروحاتهم من ثقافة واردة أو وافدة، وهذا الاتجاه يقوم على رواد مستغربين، وأقصد بالمستغربين الذين تتلمذوا على الغرب، والأمم الغربية التي لها مواقف مخالفة للإسلام مخالفة جذرية.
فهؤلاء الذين هم أصحاب الاتجاهات العقلانية وغيرها ينطلقون من هذه المفاهيم والمنطلقات، فمن هنا تكون موقفهم من الإسلام بوصفه دين، ومن الشريعة بوصفها تطبيقات، ومن العقيدة بوصفها ثوابت، ثم ممن يحملون هذا الدين وهذا الحق اليوم، المستمسكون بالدين، وعلى رأسهم العلماء والعباد.
فنظرة هذه الفئة للصالحين نظرة دونية، بمعنى أنهم لا ينفرون من سلوكيات الاستقامة لأنها تتنافى مع رغباتهم وآرائهم فحسب، بل أيضاً يحتقرون المضامين التي يدين بها المستمسكون بالإسلام، فيحتقرون المضامين نفسها التي هي مضامين الإسلام.
وإن كنا لا نتهمهم كلهم بأنهم يردون الإسلام، لكن إذا أحسنا الظن ببعضهم فهم يفسرون الإسلام بتفسيرات على ضوء الثقافة الوهمية.
فمن هنا كان من الطبيعي أن يكون موقفهم من التدين والمتدينين موقفاً سلبياً، فينظرون إلى المتدينين نظرة سلبية، وينظرون إليهم نظرة احتقار.
لكن الكثيرين منهم لا يصرحون بذلك؛ لأنهم -كما ذكرت سابقاً- عندهم نوع من المداراة والتلطف في العبارة؛ لأجل أن تقبل آراؤهم.
إذاً: فهم ينفرون من المتدينين ومن التدين لأنه يخالف أهواءهم، ولذلك تجد عندهم مفاهيم معكوسة، فهم لا يميلون إلى الفضيلة بمعناها الشرعي، كالحجاب، والستر، والحياء، ويرون هذه قيوداً، فمن الطبيعي أن ينظروا إلى من يتميز بالحياء والفضيلة وكل معاني الستر من رجل أو امرأة نظرة دنيا.
стр. 47
اعتبار الدين أثراً تاريخياً
الأمر الآخر: أنهم يفسرون أصول الدين وثوابته بأنها موضة انتهت، فكثير من الموروثات تجاوزها الزمن، فجعلوا ثوابت الدين مثل الأدوات التي يستعملها الإنسان، فالإنسان الآن يستعمل أدوات متطورة، فأصبحت الأدوات القديمة آثاراً.
فهم يسحبون نفس المفهوم على التدين، فيرون التدين ما هو إلا حشر الإنسان في غابر التاريخ، ثم يتبع هذا أنهم يفسرون التدين -سواء الظاهر والباطن- بأنه عوائد وتقاليد وموروثات، ويصفونه بأنه يحمل سمات الجمود إلخ.
وينبني على هذا أمر آخر، وهو أنهم حينما يعبرون عن التدين يعبرون بتعبيرات منفرة، ويرون أن المتدينين يعيشون في أوضاع تجعلهم غير قابلين للتطور، ولا قابلين لمواكبة الحياة إلخ.
فهذه التفسيرات صارت توحي إلى الأجيال الذين يتلقون مثل هذه المذاهب والاتجاهات بأن التدين أمر شخصي، وأنه لا يساير الحياة، وأنه ممارسة ينبغي أن تحسب لأصحابها، ولا تعمم.
стр. 48
كيفية دحض افتراءات العقلانيين على الدين والمتدينين
المقدم: لذلك -يا شيخ- نسمع الآن بعض ألفاظهم مثل الظلامية، والقسوة أو التعقيد، حيث يسمون المتدينين بالمعقدين مثلاً، فكيف نستطيع أن نناقشهم، أو نحاورهم، أو نبين ضلال هذا الكلام؟ الشيخ: أرى أن مثل هذه الأمور لا تناقش بتفصيلاتها، فهذه تحتاج إلى كشف أصولها ومناهجها من ناحية، ومن ناحية أخرى تحتاج إلى أن نعرضها على قواعد الشرع عرضاً واضحاً بالدليل والبرهان العلمي، والاستقراء الدقيق والدراسات والإحصائيات؛ لأن أكثر ما يعتمدون عليه الآن أنهم يوهمون الناس بأن المجتمعات الإسلامية تضيق بالتدين.
وقد يكون عندهم نوع من الاستقراء الناقص، والانتقائية غير الرشيدة، فيحشرون هذه الأصول أو المقررات التي يزعمون أنهم وصلوا إليها، ويجعلونها هي المنطلقات لإقناع الآخرين، بينما يكون الأمر خلاف ما يدعون تماماً، وهذا ما سنناقشه بعد إن شاء الله تعالى.
وجواباً على سؤالك أقول: إنه ينبغي أن نؤصل، وأن نربط الناس بالموازين الشرعية، وأن نطرح الحلول الإسلامية الشرعية المؤصلة لقضايا العصر؛ لنقطع عليهم خط الرجعة، ونضيق عليهم الهوة، وندحض هذا الادعاء الذي يدعونه.
стр. 49
المسايرة العقلانية للموقف الغربي تجاه المسلمين
المقدم: ألا تلاحظ أن هناك توافقاً بين مواقف هؤلاء العقلانيين وبين ما يراد للأمة من أمم الكفر بالطعن في التدين؟ الشيخ: كيف؟ المقدم: هناك محاولات غربية في عدم تطبيق الشريعة، أو الطعن في المتدينين، فبعض العقلانيين أو المنافقين أصبحوا أدوات لأولئك في تمثيل هذا الأمر واقعاً؟ الشيخ: بعضهم كذلك، وبعضهم يخدم هذا الاتجاه وهو لا يشعر، وكل هذه الاتجاهات تخدم توجهات الأمم الأخرى، خاصة القوى التي أصبحت الآن تسمى قوى عظمى لها هيمنة ظاهرة، فهذه لما صار لها على المسلمين نكاية في هذه المرحلة التي نعيشها، فتحكمت في بعض أمصار المسلمين وفي بعض البلاد الإسلامية تحكماً ظاهراً؛ تقوى أصحاب هذا الاتجاه بها؛ لأنهم ظنوا أن تحكم هذه القوى في بعض الأمة الإسلامية يعني بداية النصر لهم، والعكس هو الصحيح، فهذا بداية نهضة الأمة ورجوعها إلى دينها، لكنهم ينتهزون الفرص، فهم الآن لا يتبنون هذه المناهج بغير قصد، بل أغلبهم يتبنونها بقصد الطرح الغربي المعادي للأمة، ولكن يصبونه في قوالب الإصلاح، وفي قوالب التطوير، وفي قوالب التنوير، وفي قوالب المسايرة إلخ.
стр. 50
انتهاج دعوى الإقصاء سبيل العقلانيين في طمس معالم الحق
المقدم: أيضاً يقولون: عندما تحبون أنتم التدين لماذا تقصون الآخر؟! وهذا أيضاً من الشعارات الزائفة.
الشيخ: هذا من أكبر الشعارات الهدامة أو الفعالة، فهم يعتبرون صمود أهل الحق على الحق، ويعتبرون إظهار الحق والاعتزاز به، ويعتبرون إنكار الباطل -حتى وإن كان بحكمة ورفق- إقصاء.
وأهم من هذا اعتزاز الأمة بدينها، واعتزاز المسلم بسلوكه الإسلامي، والانتماء للدين الحق، والانتماء للسنة والجماعة، ويتبعه التدين بمعنى التمسك بالإسلام، فهذا كله يسمونه إقصاء للآخر، فإذا كنت تعتز بدينك، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتناصح الآخرين، وتبين الضلالة للناس لئلا يقعوا فيها، وتبين الحق وتدعو إليه؛ اعتبروا هذا نوعاً من التميز غير المشروع، ويترتب عليه الإقصاء للآخر.
ولذلك دعني أقف وقفة عند مسألة الإقصاء، فأقول: أولاً: يجب أن نعرف أنهم يقصدون بالإقصاء: إنكار الباطل بأي صورة من الصور، كإنكار عقدي، أو إنكار علمي، أو إنكار وجداني، أو إنكار بالسلوك، فأي إباء للباطل بجميع صوره -حتى الصور الجزئية الصغيرة- يعتبرونه نوعاً من الإقصاء لأهل الباطل، ولعل هذا -إن شاء الله- يمر منه نماذج في خلال الحلقات القادمة بقدر ما يتيسر.
والحقيقة أنا لو أخذنا هذه الدعوى بالميزان العلمي الموضوعي المتجرد بالتتبع والإحصاء والاستقراء؛ لوجدنا أنهم هم الذين يمارسون أقصى وأقسى أنواع الإقصاء.
المقدم: عجيب! الشيخ: أي نعم؛ لأن الإقصاء إذا أخذناه -أولاً- بالمفهوم اللغوي فإنه يعني: رفض الآخر، وهذا الرفض إذا كان ينبني على أسس علمية وشرعية فهو أمر طبيعي فطري في بني الإنسان.
بل الإقصاء هو الحاصل عند الذين يتباهون بديمقراطيتهم الآن، فهم يمارسون أقصى درجات الإقصاء.
المقدم: مثل ماذا يا شيخ؟ الشيخ: مثلاً: لما أراد الغرب أن يدخل في هذه الحرب الاستباقية أعلن مبدأ: (من لم يكن معي فهو ضدي)، أليس هذا إقصاء للبشرية؟ المقدم: بلى.
الشيخ: حتى الذين انساقوا مع هذا التيار من الأمم رغبة أو رهبة -أو لاجتماع المصالح على المسلمين- هم -في الحقيقة- يعانون من الإقصاء، ولولا القوة والهيمنة لأعلنوا ذلك.
فهذا هو الإقصاء بأعلى درجاته: إقصاء اليهود للأمم الأخرى، وإقصاء الدول الغربية التي تحمل لواء الصليبية والحرب على الإسلام، فهذه أعلى درجات الإقصاء ممن يمجد هؤلاء ويرى أنهم مثال وأنموذج للديمقراطية، فالديمقراطية الآن تحمل بأصحابها لا بمعناها، فمعناها يحتاج تفصيل؛ إذ الديمقراطية تحمل معاني صحيحة ومعاني باطلة، لكن أقصد الديمقراطية كشعار يمارس أصحابه اليوم -ومنهم هؤلاء العقلانيون عندنا- أقصى درجات الإقصاء للآخر، هذا أمر.
الأمر الآخر: نجد أنهم -بناءً على ما سبق من الكلام الماضي- يمارسون الإقصاء -في الحقيقة- من خلال نفورهم وازدرائهم وسخريتهم من المؤمنين ومن الصالحين، وهذا ظاهر، وهو ما نهج عليه أسلافهم خصوم الأنبياء الذين قالوا لنوح ﵇: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ﴾ [هود:٢٧]، فمن هم الأراذل عندهم؟! إنهم أتباع نوح ﵇ خيار الخلق في جميع أنواع الخيرية، والخيار من أتباع الأنبياء ليسوا -كما يتوهم هؤلاء- عبارة عن عباد يتقوقعون في زوايا المساجد، بل هم رواد الحياة، تجدهم ينشطون في أمور الدنيا والدين؛ ولذلك كابدوا وجاهدوا وأقاموا حضارات.
أعود فأقول: هم يقصدون بالإقصاء: الولاء والبراء الذي قرره الله في كتابه، وهو من ثوابت الدين، ويقصدون بالإقصاء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقصدون بالإقصاء: الأحكام الشرعية التي يقول بها المتدينون، وتقسيم البشر على ضوء التقسيم الشرعي، أي: مؤمن وكافر، ومستقيم وفاجر، مع أن هذا الأمر لا نمارسه كتسلط على العباد، بل نحن نحكم بأحكام الشرع.
ولا يفوتني في نهاية هذا التعليق أن أشير إلى مسألة مهمة ينبغي أن أذكرها في كثير من المواضع التي تحتاج إليها، وهي أن هؤلاء الذين يتهمون الأخيار بالإقصائية قد يتذرعون ويستدلون ببعض المواقف الفردية للمؤمنين، كبعض المواقف الفردية لأهل الحسبة، أو بعض المواقف الفردية للدعاة، أو غيرهم من عامة المسلمين، فيستدلون بالمواقف التي تخرج عن المنهج، فيأخذونها ويجعلونها ذريعة لاتهام المؤمنين بالإقصائية، واتهام المتدينين بالإقصائية.
أقول: هذه التصرفات والسلوكيات ليست على المنهج، ونحن نحكم بحكم الإسلام في التفريق بين تصرف البشر والمنهج، فنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر بالحكمة، ونجاهد في سبيل الله إذا توافرت عندنا شروط الجهاد، ونناصح الخلق بما أمر الله به، وندعو الناس، كما أننا نعتز بديننا، ونعتز بمقوماتنا، واعتزازنا لا يعني احتقار الآخرين، بل يعني دعوة الآخرين للحق.
стр. 51
الممارسات الديمقراطية حل غربي لغياب المنهج الشرعي
المقدم: هم -كما ذكرت يا شيخ- يقصون المجتمع الإسلامي بأكمله، فهناك مجتمع يريد تطبيق الشريعة، ويريد أن يعود إلى دين الله ، وهم يمارسون أحياناً -بالسيطرة على صحيفة إعلامية أو نحو ذلك- نوعاً من الإقصاء، ويلبسون على الناس بأن المجتمع هو الذي يطالب بهذا الأمور.
الشيخ: هذه أيضاً نقطة منهجية، والحقيقة أنه ينبغي أن ندرك الفرق بين المجتمعات المسلمة التي تدين بالإسلام حقاً، وبين المجتمعات التي ليس عندها دين كالإسلام إلهي شامل، وإلا فغالب الأمم الآن تدين بديانات، أليس كذلك؟ المقدم: بلى.
الشيخ: لكن ليس هناك دين يحمل منهج الحق الكامل المعصوم الشامل إلا دين الإسلام؛ لأنه دين الله الذي ارتضاه لعباده، وهو الباقي المحفوظ.
فيجب أن نفرق بين المسلمين وغير المسلمين في مسألة حرية الفرد، أو الممارسة الديمقراطية.
فنحن أمة ذات اختصاصات، ففي مصالح الأمة العظمى، والمصالح الشرعية، والمصالح الكبرى وما يتعلق بأمن الأمة وما يتعلق بولايتها، وما يتعلق بالمرجعية، وما يتعلق بحفظ الجماعة، وما يتعلق بحفظ البلاد ومقدَّراتها؛ في كل ذلك لا يستشار الناس، ولا نريد أن نصير مثل أمريكا وأوروبا؛ حيث يكون الرئيس أحياناً دمية في توجهات الغوغائية.
نعم، تكون الاستشارة فيما يتعلق بمصالح دنيا الناس، كالمجالس البلدية ونحو ذلك مما يتعلق بحقوق الأفراد.
المقدم: مجلس الشورى كذلك.
الشيخ: أي نعم، والمراد الشورى التي تكون عن طريق الناس الناضجين، فهذه أطر شرعية صحيحة، لكن لا يستفتى الناس في القضايا المحسومة شرعاً، فهذا غلط، فالديمقراطية لا تدخل في ثوابتنا؛ لأن الله هو الذي قررها، والديمقراطية لا تنفي حقاً مما ثبت في الشرع، ولا ينبغي أن تفرض علينا باطلاً.
إن الغرب ليس عندهم دين يرتكزون عليه، فمن هنا احتاجوا إلى أن يستشير بعضهم بعضاً، ومع ذلك فإن تماديهم في الديمقراطية في القضايا الكبرى والمصالح العظمى أوقعهم في مشكلات ربما تؤدي إلى سرعة انهيارهم، ومع ذلك نقول: هذا أمثل ما يمكن أن يصل إليه الغربيون وغيرهم من الدول التي تحكم بذلك، فأمثل ما يصلون إليه هو هذا الطريق الديمقراطي، أما نحن فنأخذ من الديمقراطية ما يحقق الشورى بضوابطها الشرعية.
ولا نلغي الفرد، ولا نقيد حريته، لكن حريته منضبطة بالإسلام، ولا ننتهك الثوابت باسم الديمقراطية.
إن بعض الصور الديمقراطية تعتبر قريبة من النكتة، لكن وراؤها ما وراءها لو أخذت الأمور بدراسات.
ففي بعض الدول الإسلامية التي استشيرت فيها الغوغائية في بعض القضايا دون الرجوع إلى الشرع وصلوا إلى نتائج مخزية.
وأذكر أن أحد الباحثين في إحدى الدول قال: إنَّه في الدولة الفلانية كان من أسباب ترشح امرأة للرئاسة أنَّ صورها عرضت بشكل عاطفي في الشوارع وغيرها.
فهذا استهوى شباباً، واستهوى بعض البسطاء لمجرد الصورة والشكل، وهذا يدل على عدم نضج، فهل هذا طريق شرعي؟ المقدم: لا.
الشيخ: ليس طريقاً شرعياً، فهذه الأمور الكبرى تسند إلى أهل الحل والعقد، والديمقراطية معتبرة لكن في حدود، مثلما فعل الخلفاء الراشدون في ضبط الشورى.
стр. 52
تعميم الرأي والرأي الآخر شعار المدرسة العقلانية
المقدم: من الشعارات التي نريد أن نتحدث حولها -شيخ ناصر - شعار نسمعه كثيراً في وسائل الإعلام، حتى في مجالس الناس، وهو (الرأي والرأي الآخر)، فهل هو شعار حقيقي؟ الشيخ: الشعارات ينبغي أن تؤخذ دائماً بشيء من الموضوعية والتقعيد، لكن الحقيقة أنَّ أصحاب هذه الاتجاهات العلمانية واللبرالية ونحوها من الذين ليس عندهم فقه للإسلام حقيقي، والذين مواقفهم تجاه الإسلام سلبية جزئياً أو كلياً يجمعهم الإطار العام، فأكبر وسيلة عندهم: التشكيك في ثوابت الأمة ودينها، سواء أكانت عقدية أم علمية أم سلوكية، مثل الحجاب، ومثل قضايا المرأة، ومثل قضايا الشباب، ومثل قضايا الحرية الفردية إلخ.
فهذه القضايا يطرحون فيها أفكاراً تنافي الإسلام وتضاده مضادة حادة بدعوى الرأي وحرية الرأي، أو الرأي والرأي الآخر؛ ولذلك ليس من المناسب أن نطرح القضايا تفصيلاً.
أنا أريد أن أذكر إخواني بقواعد شرعية، وهي أيضاً عقلية فطرية يدركها كل إنسان، حتى لو لم يتفقه في الدين، ذلك أن نأخذ شعار الرأي والرأي الآخر -أو ما يسمونه أحياناً (حرية الرأي) - بمنطق عقلي.
فهل كل مصالح الأمة وقضاياها الكبرى في دينها وأمنها ومستقبلها وتخصصات المتخصصين فيها خاضعة لكل رأي؟ المقدم: لا.
الشيخ: هل كل قضية فيها رأي ورأي آخر؟ المقدم: لا.
الشيخ: إن أي أمة عندها ثوابت، فما معنى الثوابت؟ معنى الثوابت: الأصول القطعية التي استقرت، فلا تقبل الرأي؛ لأنها فوق الرأي، فهل ثوابتنا الإسلامية فوق الرأي لأننا نحتقر عقول الناس أو لأننا نصادر حرياتهم؟! المقدم: لا، بل لأنها من الله .
الشيخ: لأنها من الله الحكيم الخبير، تعبدنا بها، ولأنها فوق مداركنا، فلو أخذناها بأسلوب علمي موضوعي لوجدناها فوق مداركنا.
فهل أركان الإيمان تدركها مداركنا تفصيلاً؟! المقدم: لا.
الشيخ: وهل أركان الإسلام تدركها مداركنا تفصيلاً؟ المقدم: لا.
الشيخ: بل شرعها الله، وهذا نموذج للثوابت.
إذاً: فهذه الثوابت ليس فيها رأي ورأي آخر، فالرأي والرأي الآخر لا يمكن أن يمس ثوابت أمة ذات دين باق كامل تكفل الله بحفظه، بل لا يجوز ولا يسوغ أن يدخل الرأي والرأي الآخر في القضايا القطعية في مصالح الأمة العظمى التي قررها الإسلام.
مثلاً: المرجعية الشرعية هي الرجوع إلى الراسخين في العلم الذين قرن الله طاعتهم بطاعة رسوله ﷺ وطاعة أولي الأمر، فهذه القضية محسومة، فالاجتهاديات الكبرى التي تحتاج إلى الرسوخ في العلم من الثوابت عندنا أن مرجعها العلماء.
وكذلك مسألة حفظ الأمن، فهذه تنبني على طاعة السلطان وطاعة الأمير، فهذه أيضاً مقررات شرعية هي ثوابت.
فالسلطان المسلم تجب طاعته بالمعروف، والسمع له وحفظ الأمن تحت لوائه، والدعاء له، والنصح، وكثير من هؤلاء يرون مناصحة ولاة الأمر نوعاً من السذاجة.
المقدم: لماذا يرونها سذاجة؟ الشيخ: لأنه ينبغي عندهم أن تقاوم -بزعمهم- الاتجاهات السياسية التي يتبناها الحكام بتيارات سياسية تكافئ هذه السلطات، يعني: منازعة السلطان، إما منازعة بالقوة وهذا قليل، وإما منازعة بالإثارة والتصعيد، ومنازعة بالغوغائية، أو طرح الأطروحات السياسية التي تؤدي للتصادم مع الحاكم.
المقدم: لكن بعض الدول عندها في نظامها أو في دستورها السماح للمعارضة بأن تشكل نفسها، وأن تعارض بعض المبادئ وبعض القوانين معارضة، وأيضاً معارضة قانونية في إطار معين تحكمه تلك الدولة.
الشيخ: هذه أمور لا أستطيع أن أدخل في تفاصيلها، لكن في الإجمال أقول: كل ما يخالف الشرع من هذه الأمور يجب العدول عنه، وأغلب الدول تطرح الطرح السياسي على نمط الغرب، وفي الوقت نفسه لا تمارس هذه الأطروحات السياسية كما يمارسها الغرب، وهذه ازدواجية في العالم الإسلامي الآن، فأغلب الدول الإسلامية -ما عدا بعض الدول القليلة التي دستورها ونظامها يقوم على شرع الله، كهذه الدولة المباركة: المملكة العربية السعودية نسأل الله أن يثبتها على الحق، وأن ينصرها- أكثر هذه الدول تمارس تعاملها مع شعوبها بالدساتير الغربية، وهي دساتير مستوردة، وفي نفس الوقت لا تطبقها، فهي تعمل بازدواجية يدركها الآن كل إنسان، حتى الساذج في الشارع يدرك هذا.
إذاً: فوجود اختراق الأسس الشرعية في الأنظمة ليس حجة علينا.
المقدم: كأنك ترى -يا شيخ- أن الأمور التي هي من دين الله، ومن القطعيات والثوابت لا يمكن أن يدخل فيها مسألة الرأي والرأي الآخر.
الشيخ: نعم.
стр. 53
مساحة الرأي والرأي الآخر المفتوحة
المقدم: لكن المسائل التي قد تكون فيها مصالح للناس يفتح فيها باب المشورة في هذا الأمر، وللناس أن يتبادلوا الآراء فيما يصلح أمرهم.
الشيخ: نعم.
دعني أستكمل الحديث؛ فأنا لم أنته.
الأصل الأول: أن الثوابت ومصالح الأمة الكبرى والواجبات المسندة إلى فئات معينة -مثل واجبات الحكام على ضوء شرع الله، وواجبات العلماء على ضوء شرع الله- ليست محل نقاش، فبقي هناك مساحة كبيرة جداً للرأي والرأي الآخر.
فالثوابت أسس محدودة، لكنها هي ضمانات حفظ الدين، بل هي ضمانات حفظ الأمة في دينها ودنياها.
فهذه الضمانات هي التي لا تمس، وتبقى مساحة الرأي الآخر في الاجتهادات الشرعية بشروطها، وهذا باب مفتوح، فباب الرأي الآخر في مصالح الدنيا المنضبطة بضوابط الشرع مفتوح.
وكذلك في القضايا المستجدة، بمعنى: أن كل ما عدا الثوابت مساحة واسعة للرأي والرأي الآخر لكن بضوابطه، وكل شيء بضوابطه، حتى غير علوم الشرع.
فإذا كان الإنسان يريد أن يناقش قضية في الطب فهل يناقشها بمجرد رأي ورأي آخر؟ المقدم: لا بد من أن يكون متخصصاً.
الشيخ: بل متخصصاً ومؤهلاً، فالدين من باب أولى؛ لأن القول فيه بالرأي قول على الله بغير علم.
المقدم: حتى المسائل الفقهية التي هي قابلة للنقاش بين العلماء لا ينبغي للشخص غير المتخصص أن يدخل فيها وأن يرجح هذا أو ذاك، وهو يعتبر من المقلدين أصلاً.
الشيخ: صحيح.
المقدم: هل بقي شيء في هذه النقطة أم ننتقل إلى محور آخر؟ الشيخ: الوقت ضاق، وإلا فعندي مسائل.
стр. 54
العدوانية المنتهجة من ذوي الاتجاه العقلاني
المقدم: من الشعارات التي نسمعها أحياناً رميهم لأهل الخير وأهل الحق بالعدوانية، فهل هذا المصطلح له وجاهة؟ الشيخ: الحقيقة كما قال صاحب المثل: رمتني بدائها وانسلت.
فهذا الشعار هو واقعهم في الحقيقة، كما قلنا في مسألة الإقصائية، فهم يرون أن اعتزاز المسلم بدينه، وتمسكه بشعائر الإسلام، وتمييزه بين الحق والباطل، ومناصحته للآخرين، وإنكاره للمنكر نوعاً من الإقصائية، وكذلك نفس العبارة الأخرى التي ذكرتها وهي العدوانية.
فنظراً لأنهم يرون عدم التمييز بين كثير من مظاهر الحق ومظاهر الباطل، ويرون عدم التمييز بين المنكر والمعروف، وبين الفضيلة وغير الفضيلة، ويرون سلوك التمييز إقصائية، وإن كانوا يتفاوتون، لكن في الجملة يضعف عندهم التمييز بين المختلفات، إلا على ضوء مقررات عقلية يرونها.
فمن هنا يرون أن إنكار المنكر، أو عدم قبول الباطل، وعدم التسامح الذي يؤدي إلى تمييع الدين إقصائية.
المقدم: يعني: من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وحاول أن يقيم دين الله ويطبق شرع الله يرون أنه عدواني، وأنه شخص لا يحترم آراء الآخرين، ويتهجم عليهم.
الشيخ: نعم، ولعلي أركز على ما يقصدونه بالعدوانية بالدرجة الأولى، فهم يقصدون بالعدوانية: أولاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فيرون أن إنكارك للمنكر حتى لو كان بحكمة نوع من العدوانية.
ثانياً: البراءة من الباطل وأهل الباطل، وإن كانت بأسلوب حكيم، يرون أن هذا نوع من العدوانية.
ولعلنا -إن شاء الله- في مناسبة أخرى نتكلم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل أوسع.
وأما كيف نرد فهذا -في الحقيقة- يختلف من شخص إلى آخر، أعني الذي يريد أن يرد، أو يريد أن يتخذ موقفاً إيجابياً تجاه هذه المواقف السلبية ضد الخير وأهله، فهذا يختلف من شخص إلى شخص.
فمن كان عنده شيء من العلم فليرد بالتأصيل والتقعيد وبالدليل، وإذا لم يكن عنده شيء من العلم فلا يدخل في التفاصيل، بل ينبغي أن يبدي ما يعرفه من الحق بأسلوب فيه رفق وحكمة وأناة، دون الاستجابة للاستفزاز، أو الاستجابة لردود الأفعال.
ثم إن هذه الأمور طبيعي أن تحدث؛ لأنها ابتلاء، فينبغي لمن يسمع مثل هذه الأمور من السخرية بالمؤمنين، أو سبِّ أهل الخير ألا ينفعل؛ لأنه يعرف أنه بذلك مأجور، وأن الله ناصر دينه، وأنه سيدافع عن الذين آمنوا، فيأخذ الأمور بشيء من التدرج والحكمة والصبر، والتثبت من القول؛ إذ إن كثيراً مما يحصل من بعض الغيورين استعجال، فتجد القضية ليست على ما صوروا، فمن هنا لزم التثبت من القالة أو من الموقف، ثم معالجته بشيء من الحكمة والرفق، والرجوع إلى أهل الاختصاص.
стр. 55
التجرد والموضوعية وقيدهما في الشريعة
المقدم: هناك مصطلحات نسمعها يطالبونك بها عندما تناقشهم في بعض قضاياهم، كالتجرد والموضوعية في الطرح العلمي، فهل هم يتقيدون بهذا؟ الشيخ: هذا كما سبق، فالحقيقة أن مفهومهم للتجرد مفهوم خاطئ.
ومسألة التجرد إنما تصح في جانبين: الأول: في الأمور العلمية البحتة، سواء أكانت تطبيقية أم نظرية، فالأمور العلمية البحتة التي تتعلق بدنيا الناس لا بد لأي باحث يريد أن يصل فيها إلى الحقيقة من أن يتجرد من أي رأي سابق أو تعصب.
المقدم: كأن يدرس ظاهرة معينة من ظواهر المجتمع.
الشيخ: أي نعم.
المقدم: ويعرف مقياسها ونسبة النتيجة في هذا الأمر، فهنا لا بد له من أن يتجرد.
الشيخ: نعم، فإذا كان إنسان يريد أن يصل إلى مدى جنوح التغير في أخلاق معينة؛ فينبغي له ألا يتبنى نتيجة سابقة بناءً على خلفياته السابقة حتى يدرس ويحصي ويمارس العملية من خلال الميدان، فيصل إلى نتيجة، فهذا التجرد فيه هو الأصل.
الجانب الثاني: التجرد ممن لا يملك الحق، كإنسان ليس عنده دين، أو دينه غير صحيح، كدين وثني أو دين كتابي محرف، فهذا من الطبيعي أن يحتاج إلى التجرد؛ لأن الأسس التي انبنى عليها دينه، أو القناعات الموجودة في بيئته غير شرعية ولا عقلية، فيحتاج إلى أن يتجرد.
ولكن لا يسوغ للمسلم أن يتجرد عن الحقيقة الشرعية الثابتة؛ لأن معنى هذا التنصل من الحق، وأحياناً يكون ذلك ردة.
فلا يسعني -مثلاً- أن أتجرد في مسألة من حكم الله بكفره، مثل أبي جهل وأبي لهب أليسا كافرين مشركين؟ المقدم: بلى.
الشيخ: وأتت النصوص القطعية بذلك؟ المقدم: نعم.
الشيخ: لا يسع باحثاً أن يقول: أنا سأبحث الآن عبر كتب التاريخ، وعبر النصوص، وعبر أقوال الأدباء والشعراء حتى أصل إلى نتيجة أن أبا جهل كافراً أم لا؟ لأن هذا تجرد عن الحق الذي تقرر في الثوابت.
نعود فنقول: الثوابت -سواء أكانت عقدية أم علمية أم أخلاقية- لا يسع المسلم أن يتجرد عنها؛ لأن التجرد خروج من الحق، والخروج من الحق بهذه الصورة قد يكون ردة، فهو خطير.
فمن هنا كان التجرد في الموضوعات العلمية القابلة للبحث، أما الحق فلا يسع المسلم التجرد منه.
إذاً: دعواهم التجرد معكوسة، فهم الآن باسم التجرد العلمي يشككون في ثوابت الدين، وباسم التجرد أحياناً يجورون على أهل الحق، وباسم التجرد أحياناً يروجون الباطل، في حين أنهم إذا أتوا إلى كثير من الثوابت زعزعونها، خاصة في القضايا الحساسة، مثل قضايا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقضايا المرأة، ففي هذه القضايا لا يتجردون من الهوى، بل يتجردون من الحق تجرداً واضحاً بيناً في ثوابت الدين التي يعرفونها في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأعني طوائف منهم ممن يعلمون نعرف أنهم يتعمدون، والدليل على هذا أنهم يحرفون النصوص عن دلالاتها.
المقدم: لذلك تجد بعض دراساتهم الاجتماعية، أو الاستبانات التي توزع، أو الاستفتاءات غير متجردة؛ لأنها تريد من المشارك أن يجيب بجواب محدد يخدم الهدف الذي رسموه.
الشيخ: هذا يعتبر تقصيراً، وأحياناً ينشأ عن عدم خبرة في صياغة الأسئلة أو غيرها.
المقدم: وأحياناً يكون عن هوى.
الشيخ: قد يكون عن هوى.
стр. 56
موقف العقلانيين من المرأة
المقدم: من الأمور المهمة في هذا الإطار -اتجاهات العقلانيين المعاصرة- التي نود -شيخ ناصر - أن نتحدث عنها موقفهم من المرأة، وحبذا لو كان الحديث عن الثوابت العامة والأصول العامة في هذا الأمر؛ لأن التفاصيل في قضية المرأة والدخول فيها قد يطول.
الشيخ: أولاً: لا بد من أن أشير إلى أن كثيراً من القضايا التي يثيرونها حول المرأة هي من الثوابت، وفيها ما هو قابل للرأي والرأي الآخر، وهذا من أجل أن ننصف، لكنهم -مع الأسف- يلبسون الحق بالباطل، فيدخلون من خلال القضايا التي هي محل للرأي -مثل بعض تفصيلات الحجاب، وبعض تفصيلات قوامة الرجل، وبعض تفصيلات الاختلاط، وبعض التفاصيل التي هي محل خلاف- على الثوابت، وهذا أحياناً يكون متعمداً، وهو في كبارهم، وأحياناً يكون غير متعمد، ولكن نتيجة جهل، ونتيجة قلة فقه في الدين.
فكثير مما يثار حول المرأة هو من الثوابت، وسأشير إلى هذا على جهة الإجمال.
وقبل ذلك أذكر إخواني بأننا نعتقد أن من ثوابتنا التي لا تقبل الجدل: أن ديننا دين شامل كامل محفوظ، وأنه دين صالح لكل زمان ولكل مكان، وأنه -أيضاً- وضع الحلول لكل المشكلات، وإن قصرت الأمة، بمعنى: أن الإسلام يتضمن حلولاً لجميع المشكلات الصغيرة والكبيرة، ويتضمن دواعي نهضة الأمة في كل مكان، وأسباب النصر والنهضة في كل زمان وكل مكان، ولكن المشكلة في ممارسات المسلمين، في تخلفهم عن دينهم، وفي افتراقهم إلى آخر ذلك من الأمور المعروفة.
فما دام أن هذا الثابت محل اتفاق؛ فهناك -إذاً- ثوابت في الإسلام تتعلق بالمرأة، وهي بيت القصيد.
فمن هذه الثوابت: أن المرأة إنسان كالرجل، والمرأة المؤمنة لها حقها كالرجل في الجملة، فهي إنسان كريم له حقوقه، وتوزن المرأة بميزان الإيمان والعمل الصالح كالرجل تماماً؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]، فلا فرق بين المؤمن والمؤمنة في الحساب عند الله وفي الأجر على العمل وفي الحساب على التقصير في الإجمال.
وتبقى بعض التفصيلات حول الواجبات وحول العقوبات الجزئية، وهذه راجعة إلى خصوصية كل جنس من ذكر أو أنثى.
الثابت الثاني: أنه في كثير من الأمور ليس الذكر كالأنثى، وهم يخلطون في هذه القضية، فيقولون: الناس سواسية، ويقولون: المرأة نصف المجتمع، وإذا كانت نصف المجتمع فماذا يعني ذلك؟ إنَّ المرأة كريمة ومحفوظة في الإسلام، ولها حقوقها، وعليها واجبات، وهذا معلوم قطعاً، لكن في كثير من الأمور ليس الذكر كالأنثى.
بل إن هؤلاء من أصحاب الاتجاهات العقلانية يرون أن هناك خصائص للرجل لا يريدون أن يتنازلوا عنها.
المقدم: إذاً دعوى المساواة ليست عملية؟ الشيخ: لأن المساواة في كل شيء مستحيلة، وأما العدل فنعم، وهم يموهون علينا وعلى أجيالنا بقضية المساواة، فهل الرجال يستوون؟ المقدم: لا يستوون.
الشيخ: إذاً: تستحيل المساواة، فكيف يستوي الرجل والمرأة؟! إن المرأة عليها واجبات غير واجبات الرجل، والرجل عليه واجبات غير واجبات المرأة، وتبقى التفاصيل، لكن في الإجمال ليس الذكر كالأنثى.
المقدم: إذاً: هذه الدعوى ليست موضوعية.
الشيخ: ولا يريدون أن تكون موضوعية؛ لأنهم لو جعلوها موضوعية لما طرحوها بهذا الشكل المنكوس المعكوس.
وهناك أمر آخر وهو أن المرأة لها حقوق محفوظة في الإسلام، وعليها حقوق، كما أن الرجل له حقوق وعليه حقوق، فهناك حقوق عامة مشتركة بين الجميع، وهذه ليست محل خلاف، وهناك حقوق وواجبات ليست مشتركة، فيجب أن تبقى للمرأة خصائص تختص بها، وللرجل خصائص يختص بها، سواء في الحقوق أو في أداء الأعمال.
وأمر ثالث: أن هناك قواعد عامة لا تعني الغض من قدر المرأة، وهي أن القوامة للرجل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٤].
المقدم: وهذا مما ينتقدونه أصلاً.
الشيخ: هذا كلام الله العليم الخبير.
المقدم: نعم.
سبحانه.
الشيخ: وأنا أعجب -ولا ينقضي عجبي- من أنهم كثيراً ما يدندنون حول هذه القضية، قضية أن المرأة ظلمت وأن جميع مقاليد الأسرة جعلت بيد الرجل، وأنَّ الرجل سلط على المرأة.
فطريقتهم -كما أشرنا إليها سابقاً- انتقائية، ويبدو لي أنَّ كثيراً منهم يعانون من مشكلات معينة، فيصبونها على المجتمع، أو يحكمون على المجتمع بمعاناتهم، ولا أقول: كلهم.
الأمر الآخر: أنهم يأخذون بعض المشكلات التي تقع فيها مظالم للمرأة فيجعلونها ذريعة لباطلهم، نعم توجد مظالم لها، لكن توحد مظالم للرجل، وأنا أعتقد أنه في الآونة الأخيرة لما نفخت بعض النساء بأكثر مما يطقن ظلمن الرجال، ولذلك نقول: لا مانع من أن يقيموا جمعيات حقوق المرأة، ولكن لماذا لا تقام جمعيات لحقوق الرجل كما تقام للنساء؟! المقدم: لا يريدون هذا.
الشيخ: إذاً: القضية في
стр. 57
الاتجاهات العقلانية المعاصرة أصولها ومناهجها [٤]
يتميز منهج أهل السنة والجماعة بكونه المنهج الآخذ بوصية النبي ﷺ في التمسك بسنته ولزوم الجماعة حال افتراق الأمة، ولكونه منهجاً لا يروق لأرباب المدرسة العقلانية مسلكه؛ إذ يصادم تقريراتهم العقلية الفاسدة؛ اتخذوا تجاهه موقف العداء، وسلكوا في الصد عنه جملة من الوسائل، ومن أبرزها قذف الشبهات المفتراة حوله، كدعوى اختلاط مشاربه، ودعوى اختلاف السلف في الثوابت، ودعوى حصول الفرقة في أنقى عصوره، ودعوى تأثر هذا المنهج بمناهج السلاطين، ونحو ذلك مما هو ظاهر كذبه وزيفه.
стр. 58
مقترحات بين يدي الموضوع
стр. 59
الرد على الإساءة إلى الإسلام عبر الوسائل الإعلامية
بسم الله الرحمن الرحيم.
مشاهدينا الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامجكم (حراسة العقيدة).
منذ أن شع نور الإسلام تكالب الأعداء عليه بين مسفه ومكذب وحاقد وحاسد، وتوالى الهجوم على كل من اقتفى هدي النبي ﷺ ، ووجه أصحاب المذاهب الضالة سهامهم إلى منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة، لذا نجد العقلانيين في زماننا هذا يحذون حذوهم بتشكيك في أصول الإسلام، وهجوم على أتباع الحق.
وفي هذا اللقاء نحاول الإجابة على الدعاوى التي يطرحها أرباب الاتجاهات العقلانية المعاصرة.
فهل أهل السنة والجماعة مختلفون في ثوابت الدين؟ وهل عقيدة السلف لها مشارب متعددة؟ وهل وصف أهل السنة والجماعة وصف لا أصل له؟ وهل مذهب السلف محصور فيما يسمونه بالوهابية أو الحنابلة؟ بداية -مشاهدينا الكرام- أرحب بضيف البرنامج الأستاذ الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
أهلاً ومرحباً بكم فضيلة الشيخ! الشيخ: مرحباً بك -أستاذ تركي - وبالمشاهدين.
المقدم: نرحب بكم -مشاهدينا الكرام- مرة أخرى.
شيخنا الكريم! وردت علينا عن طريق منتديات الصفوة في النافذة الخاصة بحراسة العقيدة بعض الاقتراحات، وبعض التساؤلات.
فهذه إحدى الأخوات ترحب بهذا البرنامج، وتذكر أن هناك من تعمد الإساءة إلى عقيدة الإسلام في الصحف، وفي بعض المجلات، وفي مواقع الإنترنت أيضاً، وتقترح أن يكون للشيخ ناصر العقل مكان في إحدى الصحف للرد التأصيلي على هذه الشبهات، وهذه الأشياء التي يتناقلها أناس غير متخصصين.
الشيخ: على أي حال هي طلبت واجباً، وأنا لا أعتذر، ولكني أجدني مشغولاً بأمور هي أولى بالنسبة لي؛ لوضعي كأستاذ في الجامعة، وعندي كثير من الأمور الملزمة، فأرجو -إن شاء الله- أن أتمكن من تحقيق بعض هذا المطلب، وأنا لست وحدي في الساحة، فهذا الاقتراح يجب أن يكون مطروحاً على جميع المتخصصين، وأنا لا أتنصل من المسئولية.
المقدم: وأنت من كبار المتخصصين في هذا المجال.
الشيخ: على أي حال نسأل الله الإعانة، فهو اقتراح وجيه، ومحل تطبيق إن شاء الله.
стр. 60
التفصيل في مسائل العقلانية والليبرالية ونحوهما
المقدم: هنا أخ آخر يقترح نفس الاقتراح، وهو معجب بالبرنامج، ومعجب بطرحكم حفظكم الله، ويقول: هل ستناقشون مسائل عقلانية ولبرالية وتنويرية وعصرانية؟ يقول: نريد أشياء مفصلة في هذا الباب.
الشيخ: علي أي حال فإننا في مثل هذه الحلقات لا نزال نناقش، لكن الوقت لا يتسع لمناقشة تفصيلية؛ ولذلك ركزنا -ولا نزال نركز- على الأصول والمناهج والضوابط العامة، أما الدخول في التفاصيل فهذا أمر لا ينتهي.
هذا إن كان يقصد الطرح من خلال هذا البرنامج وأمثاله، وأما إن كان يقصد الطرح المكتوب أو المشاركات الأخرى أو الدورات العلمية والمحاضرات، فهذا -ولله الحمد- حاصل، ولكن يحتاج إلى شيء من الدفع الإعلامي والنشر، ونسأل الله أن يعين على ذلك.
المقدم: هو يسأل فيقول: هل اللبراليون هم منافقو هذا الزمان؟ الشيخ: الكلام في مثل هذه الأمور حساس، وإذا نظرنا إلى المفهوم العام للنفاق، فإنه يدخل فيه النفاق الخالص الذي لا يعلمه إلا الله، وإذا نظرنا إلى هذه الاتجاهات على مختلف طرائقها ومناهجها ومختلف أطيافها التي هي العقلانية والحداثة والعصرانية والتجديد بالمعنى السلبي، وكذلك العلمنة، واللبرالية وغيرها، سنجدها كلها يجمعها منهج واحد يشكل أصلاً من أصول النفاق.
لكن لا يلزم أن يكون كل فرد من أصحاب هذه الاتجاهات متهماً بالنفاق، فهذا أمر صعب.
المقدم: وقد أكدت -يا شيخ- من بداية الحلقات -وما زلت تؤكد- على أننا في هذا البرنامج سنطرح ونناقش المسألة كمفاهيم عامة، دون تنزيلها على أناس معينين.
الشيخ: ولا على تيارات؛ لأنها تختلف.
وأذكر بأن هذه المسميات يجمعها وصف النفاق في السابق، إنما التغير الآن تغير مصطلحات وشعارات.
стр. 61
الإعلان للبرنامج وكتابة محتواه خطياً
المقدم: يقترح الأخ أن يكون هناك إعلان للبرنامج، وبناءً على هذا الاقتراح رفعنا ذلك لإدارة البرامج، وإن شاء الله سينفذ.
كما يقترح اقتراحاً آخر، وهو اقتراح بناء أيضاً، وهو كتابة الحلقات خطياً، وهذا الاقتراح نرحب به ونتمنى من الإخوة والأخوات في منتديات الصفوة ومن المشاهدين أن يتبنوا مثل هذه المشاريع؛ لأن المشايخ والعلماء مشغولون بأشياء كثيرة وبأعباء كثيرة، ولا يساعدهم الوقت على متابعة مثل هذه الأمور.
وسنتابع كل من يكتب هذه الحلقات عن طريق منتديات الصفوة، وسنعرضها على الشيخ بإذن الله تعالى؛ حتى يؤيدها الشيخ، أو يعدل ما يشاء فيها.
الشيخ: جزاكم الله خيراً، وأنا مستعد لأبذل ما أستطيعه، لكن كتابة الحلقات: ليس عندي لها وقت.
المقدم: هناك اقتراح آخر يقول: نتمنى أن تكون لكم زاوية خاصة في إحدى الصحف لمناقشة هذه القضايا، وسبق الجواب على ذلك منكم.
стр. 62
عقيدة أهل السنة والجماعة تحت مجهر المدرسة العقلانية
стр. 63
دعوى تعدد مشارب عقيدة أهل السنة ومصادرها
شيخنا الكريم! النقاش في هذه الحلقة عن مواقف الاتجاهات العقلانية المعاصرة من عقيدة السلف أهل السنة والجماعة.
بداية دعني أسألك: هل عقيدة السلف متعددة المشارب؟ أي: هل مصادرها متعددة؟ الشيخ: الحقيقة أن هذه دعوة يثيرها كثيرون، ولعل أول من أثارها بشكل مقنن -إن صح التعبير- هم المستشرقون، فالمستشرقون يرون أن الإسلام كله خليط من مشارب اليهودية والنصرانية والمؤثرات البيئية، وأن الإسلام استفاد مما عند العرب، سواء الجانب العقدي والجانب الأخلاقي والجانب التعاملي، ومما عند غير العرب من الأمم المجاورة، فزعموا أن الإسلام خليط من عدة مشارب، وهذا الزعم نفسه تبناه كثير من أصحاب الاتجاهات الفكرية والعقلانية منذ زمن، وأصحاب الأفكار العصرانية خاصة، فهم يزعمون أن منهج السلف هو نتيجة مؤثرات كثيرة، من ضمنها المؤثرات الشخصية، أي: نزعات الأشخاص الذين هم أئمة السلف.
ثم يقولون أيضاً: هو نتيجة تأثير البيئة، أي: ما عند الناس من تقاليد وأعراف، سواء العرب والعجم الذين دخلوا في الإسلام، ونظراً لأنهم لا يفرقون بين عقيدة السلف الصافية وبين عقائد المتكلمين -وأحياناً يخلطون بينهما- زعموا أن العقيدة تطورت من خلال التاريخ، والتطور في سنن الحياة وفي العلوم الاجتهادية وفي البحوث العلمية البحتة كائن، لكن العقائد ليس فيها تطور.
المهم أنهم زعموا أن عقيدة السلف -كغيرها- تطورت فتأثرت بالمؤثرات البيئية والجغرافية والسياسية، وبتدخل السلاطين، وبتدخل الأهواء والفلسفات إلى آخره، فشكلت خليطاً بزعمهم، وهذا عن من يحسن منهم النظرة إلى عقيدة السلف، فيزعم أن عقيدة السلف شكلت خليطاً من هذه المؤثرات، وهذا كله جهل، فعقيدة السلف -والمقصود بها الثوابت- ليس لها مصدر إلا الكتاب والسنة، أي: الوحي المعصوم.
المقدم: هل مع المستشرقين حق في قولهم: إن الإسلام استفاد من الأديان السابقة، اليهودية والنصرانية؟ الشيخ: هم يستغلون بعض وجوه التشابه في الديانات؛ ليجعلوها برهاناً لهم على تأثر الإسلام، بتلك الديانات، وهذا راجع إلى أنهم لا يؤمنون بالإسلام أصلاً، ومن ناحية أخرى: لا يفقهون الدين، وقد يكون عندهم معلومات، ولكنها معلومات لا تنظمها قواعد، بل تنظمها منطلقاتهم الشخصية، كل واحد منهم له منطلق شخصي ديني وبيئي وعقلي، أعني: المستشرقين.
وكذلك من أخذوا بمنهجهم من المستغربين الذين هم العقلانيون، فهؤلاء ينطلقون من خلفيات معينة ومن قناعات معينة ومن قلة الفقه في الدين.
إنَّ الإسلام عقيدة وشريعة، فالعقيدة هي عقيدة الأنبياء جميعاً، ولذلك يوجد في العقيدة الإسلامية ما هو موجود في البقية الباقية في التوراة والإنجيل، فهما محرفان، لكن يوجد فيهما إشارة إلى النبي ﷺ وبعثته، ويوجد فيهما إشارة إلى الإيمان بالبعث، ويوجد فيهما إشارة إلى بعض الإلهيات.
المقدم: الوصايا العشر؟ الشيخ: الوصايا العشر وغيرها، يوجد بعض الحق في التوراة والإنجيل قرره الإسلام على وجه أصفى وأكمل، وبعيد عن الغبش والخلط، فظنوا أن هذا الاقتران والتشابه يعني الاستمداد، والحال أن النبي ﷺ ما استمد شيئاً إلا مما أوحى به إليه ربه ، فهذا نوع من اللبس والالتباس والتلبيس حيث لبسوا على الناس بحكم وجود وجوه التشابه، حتى فيما يتعلق بالأخلاقيات وبعض الأحكام، بل حتى فيما يتعلق بمشابهة الفقه الإسلامي لبعض الدساتير أو الأنظمة الوضعية من بعض وجوه التشابه، فجعلوه وسيلة أو ذريعة للقول بأن الإسلام خليط من مصادر شتى.
المقدم: هل تأثر منهج السلف مع الهجمة الفلسفية في عهد المأمون وما تبعه من العصور بالمناهج الكلامية والفلسفية؟ الشيخ: لا، فالسلف لا يملكون أن يجددوا في ثوابت الدين شيئاً، السلف الصالح يتميز منهجهم في العقيدة بأنهم أخذوا بمنهاج النبوة، لا يزيدون ولا ينقصون، ولا أحد يملك أن يزيد أو ينقص في العقيدة السلفية، عقيدة أهل السنة والجماعة؛ لأنها هي الحق، وهي الإسلام الذي ثبت بخصائص الثوابت نفسها، لذا لا يمكن أن يتصور هذا عقلاً ولا شرعاً من أجل أن نقول مثل هذه المقالة، فعقيدة السلف عبارة عن ثوابت لا دخل لاجتهادات السلف فيها فضلاً عن غيرهم.
стр. 64
الرد على دعوى تعدد مصادر ومشارب عقيدة أهل السنة
المقدم: القضية مثلاً بشيء من التفصيل دعواهم أن عقيدة السلف لها مشارب متعددة ولها مصادر مختلفة، ما هي طريقة الرد عليها بشكل مجمل؟ الشيخ: ينبغي أولاً أن تعرف أسباب هذا التصور عندهم؛ لأنه إذا عرفنا سبب قولهم هذا القول، وعلى أي أساس بنوا ذلك؛ هدمنا أصولهم بقواعد الحق.
الأمر الثاني: أننا نحتاج إلى أن نشيع التأصيل الشرعي الذي يجهلونه هم ويجهله كثير من الناس، بل كثير من أجيال أهل السنة والجماعة المتأخرين من الشباب يجهلون هذه الثوابت؛ لأنهم لم يتلقوها بشكل منهجي يقاوم الغزو الذي استهدف العقيدة.
فأنا أقول: هؤلاء يرد عليهم بالتذكير بثوابت الحق، أي: ما هي مصادر الدين؟ ثم ما هو المنهج؟ فحينما نقول: ما هي مصادر الدين؟ نقول: هي الكتاب والسنة، ثم نأتي بالأدلة التي دلت على أنه لا يجوز استمداد الدين من غير الوحي من القرآن والسنة بدلالاتهما ومعرفة كيف كان النبي ﷺ يبين ذلك وكيف كان يطبقه.
فالنبي ﷺ كان بين للصحابة ورباهم على ألا يتلقوا الدين من غير الوحي.
وقد حدثت حادثة هي عبارة عن رسم للمنهج، وعبارة عن حماية للمنهج، هي حادثة اطلاع عمر ﵁ أمام النبي ﷺ على صحيفة من التوراة، فالنبي ﷺ غضب غضباً شديداً، حتى لفت ذلك أنظار الصحابة، فالتفتوا إلى عمر، فلما أدرك أن النبي ﷺ غضب؛ عرف أنه أخطأ، وأنه يخشى أن يخلط، وأن هذا منهج، مع أن عمر -وهو عمر في فقهه- لا يتصور منه أن يتأثر مثل تأثر الناس اليوم، ومع ذلك سد النبي ﷺ باب الاستمداد من أي مصدر آخر في ثوابت الدين حماية لجناب الدين وثوابت الحق.
أما الاستدلال في العلوم الاجتهادية فنعم.
стр. 65
دعوى عدم اتفاق السلف على الثوابت
المقدم: من الدعاوى التي نسمعها أحياناً أن هؤلاء المدعين يقولون: إن السلف لم يتفقوا على الثوابت الشرعية.
الشيخ: هذا جهل كذلك، ولا نستغرب أن يكون هذا الجهل من أصحاب هذه الاتجاهات؛ لأنهم لم يفقهوا الدين، ولم يعرفوا عقيدة السلف بالشكل الذي يجعلهم يعرفون قيمتها، لكن المؤسف أن هناك ممن ينتسب للعلم الشرعي من قد يجاري من غير تبصر بهذه الشبهة، فقد يقول: مساحة الثوابت قد تتفاوت.
وهذا خطير، فالثوابت بمعناها الشرعي الدقيق هي أصول الدين وقواطعه ومسلماته، أركان الدين وفرائضه وواجباته الأساسية، ليس فيها زيادة ولا نقص، ولا تختلف مساحة الإيمان بها بين عالم وآخر من علماء السلف، وقد يوجد من غير المنتسبين للسلف من يشكك، وهذا أمر طبيعي؛ لأنه لا يعرف الثوابت أو لا يؤمن بها، وليس عنده الأسس التي كان ينطلق منها السلف.
وقد يوجد من علماء السلف من يزلُّ زلة، والزلة لا اعتبار لها، لكن إذا نظرنا إلى عموم المنهج نجد أنهم لا يختلفون في الثوابت، ولا يختلفون في الأصول وفي القطعيات إطلاقاً، لا يختلفون في مصادرها ولا في قطعيتها، فمن هنا كان لا بد من استدراك أخشى أن أنساه، وهو الذي يتذرع به هؤلاء الذين يثيرون الشبه على السلف وعقيدة السلف، ويقولون: إنهم لا يتفقون على شيء، أو إن مساحة الاتفاق قد تقل وتكثر.
أقول: هؤلاء -في الحقيقة- يستدلون بأشياء تدل على قصورهم في إدراك الجانب المنهجي الدقيق والموضوعي عند السلف.
فكثيراً ما يستدلون على مقولتهم بأن السلف اختلفوا في كتب العقائد في كثير من المسائل، والحظ التحديد أو الإحالة على كتب العقائد، فهذا الأمر يوهم كثيراً من الناس، فما دام أن في كتب العقائد اختلافات؛ فمعنى ذلك أن هناك اختلافاً في الثوابت.
ومن هنا فلا بد من وقوف عند هذه النقطة بوقفة ضرورية من عدة جوانب: الجانب الأول: ليس كل ما يكتبه السلف في كتب العقائد هو من الثوابت، فهم في كتب العقائد يميزون بين الثوابت وغير الثوابت، هذا أولاً.
ثانياً: المسائل التي يختلفون فيها في كتب العقيدة هي مسائل خلافية فعلاً، لكنها ليست الأصول، فهي متفرعة، فدخلت في كتب العقائد لأنها متفرعة عن العقائد وخذ على سبيل المثال في المسلمات عند السلف أركان الإيمان، فهي من الثوابت عند السلف، لا يشكون فيها، وقد يقول قائل: هل هناك من العقلانيين من يشك في أركان الإيمان؟ فأقول: نعم.
المقدم: عجيب! الشيخ: فإذا كان يقول: الملائكة هي نوازع الخير، وليس هناك خلق اسمه الملائكة فإنه ما آمن بالملائكة.
المقدم: وهل هذا الكلام موجود؟ الشيخ: نعم، هو مذهب واسع يؤمن به عدد وفئام من الناس، وليس مذهباً قليلاً أو نادراً عندهم، يرون أن الملائكة نوازع الخير، وهذه نزعة فلسفية، فهؤلاء ما آمنوا بالملائكة.
الأمر الآخر: أنهم يسخرون من وصف الملائكة بصفات خَلْقية.
المقدم: عجيب! الشيخ: أي نعم، يسخرون سخرية واضحة.
ومن الغيبيات القطعية: الإيمان بالجن، وأحد كبار المعاصرين يرى أنه ليس هناك شيء اسمه جن، فالجن ما هم إلا مستضعفو البشر، وهذا معناه أن الفقراء عندهم جن، والمستضعفون من الناس جن، والشياطين هم الكبراء من بني آدم.
وهذا مذهب يحتذى الآن، مع أن ذلك من الثوابت عند السلف، فهم خرقوا هذه الثوابت بشبهات.
فالشاهد من هذا أنه توجد مسائل يختلف فيها السلف هي تابعة للعقيدة.
المقدم: مثل ماذا؟ الشيخ: لهذا أمثلة كثيرة، فالسلف حينما أثبتوا الإيمان بالملائكة اختلفوا في كتب العقائد في هل هناك ملكان اسمهما منكر ونكير، فـ (منكر ونكير) لم يردا في نص، بل ذكرا في نصوص ضعيفة، فاختلفوا في اسم منكر ونكير، ولم يختلفوا في الملكين اللذين يأتيان العبد في القبر.
ومن ذلك ملك الموت، قيل: إن اسمه عزرائيل، وجاء الخلاف فيه في كتب العقائد، فهو اسم لم يثبت، وثبت اسم إسرافيل وجبريل وميكائيل، وأما عزرائيل فلم يرد في نص قاطع، فهذه أمثلة في الإيمان بالملائكة.
والإيمان بالرسل تتفرع عن الثوابت الموجودة فيه والقواعد القطعية مسائل، كمسألة الخضر؛ فقد دخل في كتب العقائد الخلاف في الخضر هل هو نبي أو غير نبي، وهذا الخلاف لا يضر؛ لأنه لا يوجد نص قطعي، فلا يضر ولا يؤثر في مبدأ الإيمان بالملائكة.
وخذ مثالاً غير أركان الإيمان الستة، ولنأخذ الرؤية مثلاً، أي: رؤية العباد لربهم يوم القيامة في الجنة بأبصارهم، نسأل الله أن يمتعنا جميعاً بهذا.
فالرؤية متفق عليها؛ لأن فيها نصوصاً قواطع، ونصوصاً متواترة، وآيات قاطعة في الدلالة، لكنهم اختلفوا في مسائل في الرؤية؛ لأن الدليل فيها غير واضح، أو لم يثبت، أو أن دلالته غير قطعية، مثل رؤية النبي ﷺ لربه في المعراج، فهل رأى النبي ﷺ ربه بعينه أم بفؤاده؟ هذه محل خلاف، لكن أصل الرؤية ثابت.
وهكذا لا تجد أصلاً من الأصول القطعية إلا وله حد لا يختلف فيه السلف، وهناك ما دون هذا الحد مما يختلفون فيه من المسائل التي تفرعت عن هذا.
فأخذ هؤلاء المفتونون -نسأل الله السلامة- مثل هذه المسائل
стр. 66
بيان المقصود بمصطلح السلف وأهل السنة والجماعة
المقدم: اسمح لي أن أرجع خطوات قليلة إلى الوراء قبل أن ننتقل إلى النقطة التي تليها في الدعاوى، فإنه يسمع كثيراً عبارة (السلف)، فما المقصود بالسلف؟ الشيخ: ينبغي أن نؤصل هذه الكلمة من النصوص.
فالنبي ﷺ لما ذكر الافتراق، وذكر الأهواء، وذكر الاختلاف؛ أوصى بوصايا، فهو أخبر أن الافتراق سيقع حتماً، وأن هناك طوائف من الأمة هم من المسلمين، لكنهم ارتكبوا البدع وركبوا الأهواء؛ فخرجوا عن السنة، فأوصى بوصية القرآن، وهي اتباع سبيل المؤمنين، فالله قال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥].
وقد فسر النبي ﷺ القرآن، فالنبي ﷺ ذكر هذا الاختلاف، فذكر المشاقة التي ستكون من بعض الطوائف، فقال في الحديث الصحيح: (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، وفي بعض ألفاظ حديث الافتراق قال: (عليكم بالجماعة)، وقال: (إياكم والفرقة)، وقال: (إن يد الله مع الجماعة).
فهنا أوصى وصايا قطعية بالسنة وأوصى بالجماعة، إذاً: عندنا توجيه ووصية من النبي ﷺ ثمينة، هي أنه إذا وقع الاختلاف والافتراق فلنسلك سبيل السنة والجماعة، فمن هم أهل السنة والجماعة؟ لقد بين ذلك النبي ﷺ فقال: (من كان على ما أنا عليه وأصحابي)، فتحددت الخطوة الثالثة؛ لئلا يدعي أي مبتدع بأنه على السنة، فنقول: السنة ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، هؤلاء الذين هم أهل السنة والجماعة هم أئمة الهدى الذين شقوا الطريق من قبلنا، بمعنى أنهم سلفوا، فتسمية (السلف) تسمية تاريخية واصطلاحية، وإلا فهم أهل السنة والجماعة.
فالسلف وصف وليس اسماً؛ لأنهم سبقوا على طريق الهدى، وسبقونا على منهاج النبوة؛ ولأنهم -أيضاً- رسموا لنا طريق الاتباع والاهتداء والاقتداء، فهم المرجعية لنا، ونظراً لأنهم سلفونا وسبقوا في الزمن وصفوا بالسلف، لكن اسمهم: أهل السنة والجماعة.
المقدم: هل يقيد بالقرون الثلاثة الأولى المفضلة، أم أنه مطلق لكل من سبقنا؟ الشيخ: لا يقيد إلا من حيث الأفضلية، فإذا قيل: من هم أول قدوة في السلف؟ نقول: الصحابة ثم القرون الفاضلة، ثم كل من سلك هذا السبيل فهو سلفي.
إذاً: المسألة مسألة أولويات وأخرويات تاريخية فقط.
стр. 67
دعوى ابتداء الافتراق في عصر الصحابة
المقدم: من الدعاوى -يا شيخ ناصر - التي يقولونها: أن هؤلاء الصحابة الذين أنتم تنادون باتباعهم والسير على نهجهم كان أول افتراق في عصرهم.
الشيخ: نعم، أول افتراق كان في عصرهم، لكن يجب أن نفهم جيداً أن الصحابة ﵃ ليسوا هم السبب في الافتراق، هذا أولاً.
ثانياً: لم يكن منهم رأس في الافتراق.
وبعبارة أدق: لم يكن من صحابة رسول الله ﷺ من فارق الجماعة ببدعة أو بمنهج يتعلق بمصالح الأمة العظمى، بمعنى أنه لم يخرج عن السنة من الصحابة أحد، وإنما اختلفوا في الاجتهاديات.
المقدم: كيف نفسر الخلاف بين علي ﵁ ومعاوية، وما حصل بينهما من اقتتال؟ الشيخ: كل خلاف بين الصحابة كان في الاجتهاديات، حتى قتالهم كان اجتهاداً فيه المخطئ وفيه المصيب، ولا يعدم كل منهم من الأجر أو الأجرين كما ذكر النبي ﷺ ، فهم مجتهدون، ولم يكن في الصحابة من يعتبر قدوة لأهل البدع والأهواء والافتراق على الإطلاق، ولذلك كان ظهور الخوارج والشيعة في عهد الصحابة، ثم كان ظهور القدرية في عهد متأخري الصحابة، ولم يكن في الصحابة أحد على هذه المذاهب على الإطلاق، بل بدأ الافتراق في الجيل الثاني والثالث وما بعدهما.
إذاً: أعود وأحرر العبارة بدقة؛ لأن هذه -في الحقيقة- مزلة قد توهم فيها بعض العلماء، فكيف بطلاب العلم ومن دونهم؟! فأقول: ليس في الصحابة من فارق الجماعة أو وقع في افتراق، وكل خلافاتهم التي وقعوا فيها هي في الاجتهاديات.
стр. 68
حقيقة دعوى فرق الابتداع انتسابها إلى بعض الصحابة في المنهج
المقدم: لكنا نرى أن من أتباع الفرق كل منهم ينسب نفسه إلى منهج صحابي، فيقول: أنا أتبع الصحابي الفلاني، أو المجموعة الفلانية من الصحابة يدعمون هذا الرأي أو هذه العقيدة التي أنا أنتمي إليها.
الشيخ: بعد التحقيق الحاصل من أئمة السلف، ثم عرض الموضوع على أي إنسان يدعي البحث العلمي والتجرد والتحقيق والتثبت أقول له: أتحداه في أن يصل ببحث علمي مؤصل تتوافق فيه شروط البحث العلمي إلى هذه النتيجة، وهي أن أحداً من الصحابة كان قدوة لفرقة من فرق الابتداع.
ولا يوجد عند الصحابة مذهب يوافق أي فرقة من الفرق التي خرجت عن السنة، إلا بالتلبيس والتدليس والافتراء، وهذا أمر آخر.
وقد يكون السبب اللبس، فأغلب الفرق تدعي أنها على مذهب بعض الصحابة.
المقدم: وهذه دعوى.
الشيخ: أو طائفة من الصحابة، ولنأخذ على سبيل المثال: الصوفية الطرقية، فهؤلاء يدعون أنهم أخذوا كثيراً من أحوالهم وعقائدهم وطرقهم من أهل الصفة، وعند المقارنة نجد البون شاسعاً، فلا علاقة لأهل الصفة من الصحابة ﵃ بهؤلاء الصوفية على الإطلاق، بل العكس هو الصحيح.
المقدم: هل أخذوها من كونهم عبدوا الله في الصفة؟ الشيخ: ذكروا لهم أشياء ما حدثت، وكذلك بعض السمات العامة المشتركة بين جميع من يسلكون هذا المسلك من البشر، مثلاً: يوجد فيمن ينتحلون التصوف من يميل إلى الزهد والفقر، وأهل الصفة زهاد وفقراء، ولكنهم ليسوا منهج هؤلاء، فالزهد والفقر حالة توجد حتى في الكفار.
المقدم: ليست مقصودة منهم لذلك.
الشيخ: ليست منهجاً تعبدياً، فالزهد توفيق من الله ، الزهد الشرعي يهبه الله لمن يشاء، وليس خاصاً بأهل الصفة، لكنهم كانوا أكثر عرضة للفقر، فزهد أهل الصفة يختلف عن هؤلاء في أحوالهم ومقاماتهم ودعواهم، هذا مثال.
المثال الآخر: أن المعتزلة يدعون أنهم سموا معتزلة لأنهم على مذهب الذين اعتزلوا الفتنة من الصحابة ﵃ لما وقعت الفتنة بين معاوية وعلي ﵄، فهناك فئة من الصحابة لم يتبين لهم وجه الحق؛ فاعتزلوا الجميع في ذلك الوقت، فقد يصفهم بعض الناس بأنهم معتزلة.
لكن المعتزلة التي خرجت عن السنة والجماعة ليست على مذهب هؤلاء، فرءوس هؤلاء المعتزلة صرحوا بسبِّ رءوس الصحابة الذين تبنوا قضية اعتزال الفتنة كـ ابن عمر، وابن عمر ﵄ أشهر من اعتزل الفتنة، أليس كذلك؟ المقدم: بلى.
الشيخ: أو من أشهر من اعتزل من الصحابة، ويدعي متأخرة المعتزلة أنهم على مذهبه وغيره، في حين أن عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة يقول عن ابن عمر: ما كان ابن عمر إلا حشوياً.
أو نحو هذا الكلام، و (حشوي) يعني: أنه مجسم، والتجسيم كفر.
وقال عن تابعي التابعين الذين كانوا أنداداً لـ عمرو بن عبيد، وهم الذين كانوا على مذهب ابن عمر ﵄ ومذهب الذين اعتزلوا الفتنة من الصحابة: هؤلاء أنجاس أرجاس.
فهذه مفارقات، لكن الله يكشفهم.
والوقت لا يتسع للتمثيل، إنما هو إشارة إلى أن كل فرقة تنتحل مسلك طائفة من الصحابة كذباً وافتراءً بالنوع أو بالأشخاص؛ فبالنوع مثل الذين ينتحلون مسلك آل البيت.
المقدم: سيأتينا كلام حول هذا.
الشيخ: وهذه مسألة ثانية.
المقدم: أو مسلك أشخاص معينين.
الشيخ: أي نعم، كـ ابن عمر أو أبي ذر كما يقول الاشتراكيون، ولذا كتبوا كتابات عن اشتراكية أبي ذر، مع أن أبا ذر بريء من الاشتراكية بمفهومها المعاصر.
стр. 69
الأصل الشرعي لمصطلح أهل السنة والجماعة
المقدم: حررت قبل قليل -يا شيخ حفظك الله- مصطلح السلف، وهناك مصطلح آخر هو -أيضاً- لصيق بهذا المصطلح، وهو مصطلح أهل السنة والجماعة، فنود بداية أن نتعرف على معنى هذا المصطلح، ثم نريد أن نعرف هل هو لفظ مخترع مبتدع، أم له أصل؟ الشيخ: أما أن له أصلاً فقد تكلمت عنه قبل قليل، وهو أنه مأخوذ من وصية النبي ﷺ بتعبير النبي ﷺ وبلفظه، وهو لفظ الوحي: (فعليكم بسنتي)، فمن استمسك بهذا المنهاج فهو على السنة، ثم قال: (عليكم بالجماعة)، فمن استمسك بهذا المنهج الذي عليه جماعة الصحابة ﵃ المتبعون للنبي ﷺ ومن جاء بعدهم؛ فهو من الجماعة.
إذاً: أهل السنة والجماعة هم الذين سلكوا هذا الطريق الذي أوصى به النبي ﷺ ، والنبي ﷺ هو الذي سماهم بذلك، والمنهاج واضح.
بقي الشق الآخر من السؤال، وهو: هل هو مخترع؟ وهذه دعوى -كما قلت- يردها صريح النصوص، فهو لفظ لم يخترعه السلف لأنفسهم، ولم يرفعوه شعار استعلاء على الناس، إنما هو السنة والجماعة التي أوصى بها النبي ﷺ ، فمن دخلها فهو الكاسب، ومن أعرض عنها فهو الخاسر، وليس هناك خصوصيات صنعها السلف لأنفسهم، لا في الاسم ولا في الأوصاف.
стр. 70
حقيقة دعوى فرق الابتداع كونها فرق أهل السنة والجماعة
المقدم: لكن هناك من الفرق من يدعون أنهم هم أهل السنة والجماعة، أما غيرهم فقد يكونون حشوية أو مجسمة إلى غير ذلك من الأوصاف؟ الشيخ: هناك من يدعي أنه من أهل السنة والجماعة وعنده اختلاف، وهناك من الفرق من أهل الأهواء والافتراق والبدع من هم من المسلمين، لكنهم ضلوا عن السنة، وما خرجوا من الإسلام، وأرجو أن يفهم ذلك؛ لأن هناك خلطاً، فحينما نقول: (الفرق) لا نقصد الفرق التي خرجت عن الملة، فهذه لا تحسب من فرق المسلمين، إنما الفرق التي بقيت على أصل الإسلام لكنها ابتدعت في الدين، فوقعت في ضلالات، ووقعت في بدع، وخرجت عن وصية النبي ﷺ ، فهذه خارج إطار السنة والجماعة.
المقدم: مثل ماذا؟ الشيخ: مثل بعض الفرق المشهورة، ولا داعي لذكرها، لكن أقول: إن هذه الفرق كل منها يدعي أنه على مسلك السنة والجماعة، أو أكثرها.
وقبل أن أذكر الميزان في تحقيق الدعوى لا بد من أن أشير إلى أمر، وهو أن منهج السنة والجماعة قد توجد بعض أصوله وبعض ثوابته عند الفرق الأخرى، فهذه الفرق ما خرجت من الدين كله، وهي تتفاوت، فبعض الفرق بقي عندها الكثير من أصول السنة، وبعضها تركت كثيراً، وبعضها ما بقي عندها من السنة إلا القليل، لكنهم كلهم خرجوا عن السنة؛ لأن الضابط في الخروج عن السنة هو: أن من خالف في أصل أو أكثر من أصول السنة والجماعة الاعتقادية أو العلمية أو العملية، أو في مناهج الدين؛ فقد خرج عن السنة في أصل أو أكثر.
وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من ميزان لتحقيق دعوى السنة والجماعة عند هؤلاء، فنقول: هذه ثوابت السنة: أركان الإيمان، أركان الإسلام، الشفاعة، الرؤية، الجهاد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التعامل مع ولاة الأمر، التعامل مع العلماء، العبادات التي شرعها الله وشرعها رسوله ﷺ ، عدم الإحداث في الدين إلخ.
فننظر فيما عند هذه الفرق ثم نطبقه على هذه الثوابت، فإن تحقق أن كل أصولهم على الثوابت فهم من أهل السنة والجماعة، وإذا تحقق أنهم خالفوا في أصل أو أكثر سقطت الدعوى بهذا المنهج العلمي الواضح.
المقدم: بعض الناس يقول: إن أهل السنة والجماعة هم تلك الفرق التي تقوم مقابل الرافضة، فهل هذا المصطلح له وجاهة؟ الشيخ: قصدك السنة في مقابل الرافضة؟ المقدم: السنة أو أهل السنة.
الشيخ: نعم قد يطلق هذا؛ لأن كل مصطلح من المصطلحات أحياناً يكون له إطلاق عام، وأحياناً يكون له إطلاق خاص.
فإذا أخذنا مفهوم السنة والجماعة بالإطلاق الخاص الاصطلاحي الشرعي؛ فإنه يعني الفرقة التي ثبتت على منهاج النبوة.
ولكن هناك إطلاق عام له عندما نقسم المسلمين إلى قسمين، فنقول: سنة وشيعة، فيدخل في المفهوم العام للسنة الفرق الكلامية الأخرى والصوفية الذين لا ينتحلون التشيع في مقابل الشيعة، وهذا التصنيف لم يكن موجوداً قديماً، بل أغلبه جاء من المستشرقين، لكن مع ذلك له أصل عندما ننظر إلى عموم الوصف.
المقدم: الذي نقصد في هذا اللقاء أن أهل السنة هم من كان على منهج النبي ﵊ وأصحابه.
الشيخ: الوصف الشرعي، لا الوصف العام.
стр. 71
كتب في عقيدة السلف
المقدم: ننتقل إلى نقطة أخرى جديدة حول أبرز الكتب في العقيدة، وإن كانت الكتب متشعبة في أبواب متعددة، فهل من كتب تقترحها للأخ المشاهد أو الأخت المشاهدة؟ الشيخ: يظهر لي أن مثل هذا السؤال يستفيد منه عموم المشاهدين، وتحضرني الآن كتب جيدة لبعض مشايخنا المعاصرين؛ لأنها ألفت بأسلوب سهل، وهي لا تخرج عن كتب السلف عموماً، يعني: الكتب الشاملة، فهناك كتب متخصصة في جانب معين، مثل كتاب التوحيد.
وأما في العقيدة كلها فكتاب الشيخ محمد بن عثيمين، وهو كتاب جيد ومعنصر عنصرة جيدة.
المقدم: كتاب ماذا؟ الشيخ: العقيدة، أو عقيدة السلف، أو عقيدة أهل السنة والجماعة، أو نحو ذلك، فالعناوين قد لا تحضرني بدقة.
وللشيخ صالح الفوزان كتاب في العقيدة جيد ومركز ومعنصر.
وللشيخ ابن باز ﵀ عدة كتب، منها المختصر جداً، مثل: (ما لا يسع المسلم جهله)، وهناك كتاب آخر للشيخ ابن باز في العقيدة معنصر وجيد.
فأنا أقول: كل مشايخنا الكبار الآن -كالشيخ ابن جبرين - أو أغلبهم لهم كتب في العقيدة، وكلها جيدة ومعنصرة بحسب ما يجد المطلع الكتاب قريباً منه، فيستفيد منه إن شاء الله.
стр. 72
الوهابية والحنبلية في ميزان المدرسة العقلية
المقدم: من الدعاوى التي قد يطرحها هؤلاء قولهم: أنتم تقصدون بمذهب السلف الوهابية -كما يسمونها- أو الحنابلة، فهل هو محصور في هذين الوصفين؟ الشيخ: هذا الكلام قد يكون له شيء من الصحة من جانب، لكن لو نظرنا إلى الناحية الشمولية الشرعية فهذا لا يخلو من خطأ أو من نوع من التلبيس والتمويه على الناس.
فالوهابية وهي دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إذا أخذناها على حقيقتها فما هي إلا امتداد لمنهاج النبوة، وما هي إلا إحياء وإظهار وإعزاز لمنهج أهل السنة والجماعة في الاعتقاد والقول والعمل وفي التطبيق في المجتمع والسياسة وكل أمور الحياة.
إذاً: هي تجديد لمنهاج النبوة، وهي منهج السلف الصالح، هذه حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وأما تسميتها (وهابية) فهو نوع من اللمز، ونوع من التشويه الدعائي من قبل خصوم الدعوة والجاهلين بحقيقتها، سواء كانوا من الكفار أو من المسلمين أصحاب البدع والأهواء، أو من الجهلة بحقيقتها، فهم يظنون أن الوهابية فرقة، والوهابية ليست فرقة، هي منهج السنة والجماعة قام بها هذا الداعية المصلح مثلما قام بها الدعاة المصلحون السابقون، فنسبت إليه من باب التعيير، وهذه في الحقيقة تزكية، ولذلك أقول لإخواني الذين يعرفون حقيقة دعوة الشيخ: يجب أن تعتزوا بهذا الوصف وبهذا التعيير؛ لأنه تزكية إذا أخذنا الوهابية على حقيقتها، لكن إذا كان القصد بالوهابية ما يقوله أصحاب البهتان والافتراء على الدعوة من أنها خارجة عن الإسلام، أو أنها خارجة عن السنة، أو أنها مخترعة أو مبتدعة، أو أنها تبغض الأولياء أو تبغض النبي ﷺ ، فهذه اقتراءات؛ إذ كيف تبغض الأولياء وتبغض النبي ﷺ وقد قامت على نصرة النبي ﷺ ونصرة الأنبياء، وبذلت مهجتها في نصرة الحق الذي يمثله النبي ﷺ ويمثله الأولياء؟! أقول: الوجه المشوه للوهابية قد يسيء فعلاً عند هذا الإطلاق.
وكذلك الحنابلة ليسوا إلا مذهباً فقهياً اجتهادياً، ومذهب أهل السنة والجماعة لا يخص الحنابلة، وإن كان مذهب أهل السنة في الحنابلة كثيراً؛ لأن الإمام أحمد هو آخر الأئمة الأربعة، وعلى منهجه استقر منهج السلف العملي، فأكثر منهج السلف العملي استقر على منهج الإمام أحمد؛ لأنه آخر الأئمة الأربعة، وكلهم في العقيدة سواء، ولذلك فمن الأمور التي يجب أن نكشفها للإخوة؛ لأنها تبين -مع الأسف- مدى السذاجة عند الجاهلين، ومدى البهتان عند المتعمدين الذين يطلقون على منهج السلف لفظ الوهابية أو الحنابلة على سبيل اللمز، أن الدليل على جهلهم: أن أكثر الذين رسموا منهج السلف في القرون الثلاثة الفاضلة وما بعدها أغلبهم ليسوا من الحنابلة.
المقدم: ممن؟ الشيخ: من المالكية، ومن الشافعية، ومن الأحناف، وهذا يحتاج إلى استقراء دقيق، ولكن من خلال اطلاعي على بعض البحوث العلمية والرسائل المعاصرة نجد أن الأكثر عدداً ممن نصروا منهج السلف ومنهج أهل السنة والجماعة هم الشافعية والمالكية ثم الأحناف، هذا أمر.
الأمر الآخر: ينبغي أن يعرف أن أكثر منهج السلف من الناحية المنهجية العلمية الشاملة استقر قبل الإمام أحمد؛ إذاً: فالمفترض أن ينسب إلى مالك، وينسب إلى الشافعي وينسب إلى أبي حنيفة قبل أن ينسب إلى أحمد.
стр. 73
سر التصاق منهج السلف بالحنابلة
المقدم: ما هو السر في نسبته إلى الإمام أحمد دون غيره؟ الشيخ: هذا من الأشياء التي لا نعتبرها تعالياً على الآخرين، وهو أن الإمام أحمد ﵀ كان قوياً وحازماً، ورسم للسلف منهجاً علمياً وعملياً في واقع الحياة.
كما أنه جدد في الوسائل، ليس في الأصول والثوابت، بل في الوسائل العلمية والوسائل المنهجية في تقرير عقيدة السلف والدفاع عنها، الأمر الذي جعل إسهامه في هذا أكثر من غيره.
المقدم: وهل المحنة التي تعرض لها الإمام أحمد لها دور في هذا؟ الشيخ: لا شك، فالمحنة ما هي إلا دليل على ما نقول فقط، فلها دور في تعاطف المسلمين عموماً مع الإمام أحمد، لكن الكلام على تعلقهم بمنهجه.
فمن هنا قيل لأهل السنة: الحنابلة، هذا شيء.
الشيء الآخر: أن الحنابلة تميزوا بالحزم في نصر السنة أكثر من غيرهم، إلى حد أن بعضهم قد يؤخذ عليه أنه أخذ منهج الشدة، لكن هذا قليل، فالأكثرية من الحنابلة عندهم حزم نصر الله به السنة.
المقدم: لذلك الحنابلة يوصمون بالتشدد.
الشيخ: نعم يوصمون بالتشدد؛ لأن الحزم لا يطيقه الناس، والناس لا يفرقون بين الحزم وبين العنف، فكثير من الناس يفسر الحزم والقوة في الحق -ولو كانت بضوابط شرعية- بأنها عنف، ولذلك اتهموا المذهب الحنبلي بأنه عنيف وأن أهله فيهم عنف، وليس فيهم عنف، بل حزم، وقد يوجد منهم من يتجاوز، وهذا حق.
والأمر الثالث في شهرة مذهب الحنابلة: أن أكابر المصلحين -كـ ابن القيم وابن تيمية - احتذوا منهج الإمام أحمد في الاجتهاد، وإن كانوا لا يتقيدون به.
فمن هنا جاءت هذه الشهرة، ونسب الناس السنة والجماعة إلى الحنابلة والوهابية، وهذا فيه لبس وتلبيس.
المقدم: لذلك قد ينسب بعض أهل البدع إلى إمام من الأئمة كـ الشافعي أو مالك، كل فئة تنسب نفسها إلى إمام فقهي معين، يقولون: نحن ننتسب إلى العالم الفلاني، لذلك صنف أغلب الشافعية من قبل أهل البدع، كما صنف أغلب الحنفية.
الشيخ: لكن هذا التصنيف لم يكن سبباً للخلط؛ لأن الذين يلبسون على الناس يستهدفون المنهج الذي يصادم قناعاتهم ويصادم مناهجهم، وهو أقوى منهم.
وإلا فهم عند التحقيق يعرفون، وفي الحقيقة الأئمة الأربعة هم أئمة السنة، وأئمة العقيدة، ولا يختلفون؛ ولذلك فمن الأشياء التي ننبه عليها في هذا المقام: أن حقيقة انتساب أهل الأهواء والافتراق والبدع إلى الأئمة الأربعة لا تستقيم شرعاً ولا عقلاً، وعند البحث المتجرد نجد أنهم ليسوا شافعية ولا مالكية ولا حنابلة، ولا أحنافاً؛ لأن الأصل عند الأئمة الأربعة هو العقيدة، بل إنهم أشاروا إلى أن ما خالفوا فيه الدليل يطرح، وهم مجتهدون متواضعون، وما أرادوا أن يتعصب لهم الناس، ولا يرضون لأحد من أتباعهم أن يترك نهج السنة والجماعة، وقد أكدوا على ذلك.
إذاً: الحقيقة أن مذهب أهل السنة والجماعة هو مذهب الأئمة الأربعة، وأن الذين ينتسبون إلى الأئمة الأربعة ممن خرجوا بالبدع عن السنة والجماعة انتسابهم غير صحيح وغير شرعي.
стр. 74
حقيقة دعوى تأثر عقيدة السلف بالسلاطين
المقدم: من الدعاوى الأخيرة التي يدعونها أنهم يقولون: إن عقيدة السلف تأثرت ببعض السلاطين وآرائهم واجتهاداتهم؛ لتسلطهم وقوتهم، فهل هذا صحيح؟ الشيخ: نعم يقولون هذا، ويبدو لي أن الذين اطلعت على كتاباتهم وأقوالهم من هذا الصنف في هذا الزمن خاصة أنهم أصحاب خلفيات فرقية، معروفون بالانتماءات الفرقية سابقاً، فلما رأوا أن منهج السلف منهج متكامل يسد عليهم جميع أبواب الشبهات وجميع أبواب الاعتراضات؛ ذهبوا يلصقون بمنهج السلف كل تهمة، فنظراً إلى أن منهج السلف فيه حزم تجاه رءوس البدع الذين يدعون إلى البدعة، وأن السلف يرون أن من دعا إلى بدعة وأفتى الناس بها فهو مفسد، فكانت أحكامهم النظرية والتطبيقية أحياناً على أهل البدع قاسية، وكانوا أيضاً يوصون الحكام بالأخذ على أيدي هؤلاء السفهاء بالحزم، نظراً لذلك جاءت شبهة أن بعض أئمة السلف عملاء للسلاطين، وهذا كذب وافتراء، فالسلف وأتباعهم يناصحون السلاطين في كل زمان ومكان إلى يومنا هذا، فعلماؤنا ومشايخنا يناصحون السلاطين أبراراً كانوا أو فجاراً، وليست هذه عمالة، يناصحونهم ويسمعون ويطيعون بالمعروف.
إذاً: الشبهة جاءت من هذا الجانب، فهم لما ضاقوا بما بين السلف والولاة من التعاون على البر والتقوى قالوا: هؤلاء الأئمة -أئمة السلف- استجابوا لضغط السلاطين في بعض مسائل العقيدة.
ومن ضمنها: دعواهم أن مسألة التقعيد لطاعة ولاة الأمر بالقواعد المعروفة نتيجة ضغط السلاطين عليهم، حتى اعتبروا جميع أبواب الأحكام السلطانية والتعامل مع السلطان وأحكام الولاية والإمامة والخلافة التي هي جزء من أبواب العقيدة وجزء من أبواب الفقه، اعتبروها كلها نتيجة عمالة بعض أئمة السلف للسلاطين؛ كاستجابة لواقع سياسي أو ضغط أو مداهنة إلخ.
وليس في عقيدة السلف -حتى في منهج التعامل مع ولاة الأمر- ما هو استجابة لرغبة سلطان ولا نتيجة ضغط ولا مجاملات، وإن حدث من بعض السلف شيء من ذلك فإنما ينفيه المنهج؛ لأنها تصرفات فردية تشذ عن القاعدة وليست محسوبة على المنهج.
المقدم: يوضح ذلك موقف الإمام أحمد أمام الحاكم في عصره وفي تلك الفتنة قتل بعض أئمة السلف ولم يرضخوا لهذا الحاكم أو ذاك لأجل تغيير عقيدة من عقائد المسلمين.
في نهاية الحلقة نشكر شيخنا الشيخ ناصر بن عبد الكريم العقل على هذه الطروح الجميلة في موضوع: (الاتجاهات العقلية المعاصرة) في الحديث عن عقيدة أهل السنة والجماعة.